Полный текст (488 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
مفتي الأنام وشيخها ورئيسها ... نهر العلوم وروضها المعطار
مجلي غوامض ما يخوض عبابها ... للفكر إدراك ولا إشعار
مستحضر أغناه عن تكريرها ... نظرُ الطروس لكلها استحضار
وكأنّ فكره في الذكاء موقّد ... وكأنّ كفّهُ للعطاء بحار
تروي أنامله الأنامَ بجودها ... فكأنّما هي ديمةٌ مدرار
لابن الحسين محاسنٌ ومحمدٌ ... شغفت بها الأسماع والأبصار
ذا المجدُ فيه وفي أبيه وراثةٌ ... إذ هو منه ومن أبيه شعار
يا ابن الألى ملأ البسيطة مجدهم ... وتعطرت بنسيمه الأقطار
مثل البدور تدفقاً ... وتألقوا كالشمس ثم أناروا
ركبوا العزائم للمكارم والعلا ... فلهم على صهواتها استقرار
نفحت بهم وبذكرهم حلل الثنا ... فها بهم ولهم بها أعطار
هم خير من لاقوا وأحمد خيرهم ... وأبوه فهو من الخيار خيار
حزتم بني البارودي كل فضيلة ... فزتمْ فخصّكمُ بها المقدار
وأرى العلا داراً لها أبناؤكم ... وبنوهم تأوي لتلك الدار
رفعت بكمْ رتبُ الكمال فأصبحتْ ... أمماً وفيها أنتمُ الأقمار
في القرب منكمْ كيمياْء سعادة ... في ضمنها تتيسّرُ الأوطار
لم يعتصم بكمُ فقير بائس ... إلا وسار له غنى ويسار
أو ينتسبْ لكم وضيعٌ خامل ... إلا سمتْ لسموه الأبصار
فخراً أبا العباس إنك سيد ... شهد الأنام بها ولا إنكار
ولئن اقرّ بها العداة ففضلكم ... يأبى لكم أن تكفر الكفار
أضمرتُ فيك مودة أولى بها ... وأحقُّ من إضمارها الإضمار
أخفيتها حذر الوشاة فمذ طما ... تيارها ظهرت وغاب حذار
حباً أكون من الشهود وصدقه ... بشهود حبك ما لهم أعذار
وجعلت يمنك في يمين توجّهي ... ورجوت أن يرقى بها السيار
أربٌ يبيت سواك يملكني به ... فالحر تملك رقّه الأحرار
أنت الذي أحييت آثار الجدا ... والفضل منك بدا له إيثار
وعلمتُ ما لم يدر ما طرق العلا ... فغدا ودرهم فضله دينار
وجرى على آثار سبقك كم جرى ... بطل فعاقه عن مداك عثار
هيهات لو ركب الرياح سوابقٌ ... ما شق إثرك للحاق غبار
بك خصّصَ التمييزُ لما ميّزتْ ... أقدارَ أربابِ العلا الأقدار
فغدوت أنت كبير أهل الفضل ال ... كبراء إن نسبوا إليك صغار
ما كل من نار الولاية محرزا ... شرفاً ولا كلُّ إليه يشار
بعلاك يختتم الكمال وإنّما ... بمديحكم تتنقل الأخبار
وقد أقام صاحب الترجمة على وجاهته ووظائفه واحترام، يباشر الوظائف على أحسن الوجوه ثم استأذن الأمير حمودة باشا في التوجه إلى حج بيت الله الحرام سنة ١١٢٧ سبع وعشرين ومائتين وألف بقصيدة وهي قوله: [الطويل]
إليك رسولَ الله شوقي يسنّدُ ... وفرطُ غرامي فيك ما خلتُ ينفذُ
وإن فؤادي في هواك متيم ... وجفني قريح ليس يرقى فيرقد
فسل عن غرامي فيك مرقاة منبري ... يصدّقها المحراب والدمعُ يشهد
وسل مربعي من بعد ذاك ومضجعي ... وما كنت ألقى في هواك وأسهد
فقربك مطلوبي ووصلك بغيتي ... وإن زاد شوقي فيك لا شك أفقدُ
فعد لي بوصل إنّ بعدي مضت به ... صنونُ وإني في غراميَ مبعدُ
فيا ليتني إذ كنت فيها مواصلاً ... حبيبي وفي محرابه كنت أسجد
يجيب مناجاتي ويرحم عبرتي ... ويؤنسني قرباً لأنّي مفرد
وأسمعه القرآن ذلك وحيه ... وأتلو عليه ما تلا وأردد
وأنشده مدحاً لحسان مسنداً ... [فذو العرش محمود وهذا محمد]
وبت أناجي الله ربي وإنني ... لأشكره وصلي وإني لأحمد
وفزت بقربي منه بالأمن والمنى ... وساعدني دهري وما كاد يسعد
فشط مزاري بعد ذاك وليتني ... بلحد بذاك الترب فيه موسّدُ
فلله ما ألقى من الوجد كلما ... ركاب له زفت وإني لمقعد
وإن فصلت عير بقصد ديارهم ... وجدت له ريحاً وقالوا مفنّد
سلام على تلك الديار ومن بها ... ففيها ديار للحبيب ومعبد
سلام على محراب مسجد وحيه ... ومن قام فيه ليله يتهجّد
стр. 177
سلام على تلك البطاح من الربى ... وإن لها نوراً يرى يتوقد
سلام على تلك الليالي وليتها ... تعود وما ظني بها الآن تبعد
يقول لي العذال فزتَ بوصله ... وأدركت ما تبغي وما كنت تقصد
فقلت بعادي بعد وصليَ زادني ... غراماً وشوقي اليوم فيه مجدّد
فخلوا سبيلي إنني أطلب الدوا ... لعل دوائي فيه تحظى به اليد
فوجهت آمالي إلى باب سيّدٍ ... يرقُّ لحالي رحمةً ثم يسعد
هو الملك المولى الحميد مآثراً ... فحمودة باشا السعيد المؤيد
فأشكوك يا مولاي شوقي لبعد من ... غرامي به لا زال في الناس ينشد
قصدتك فضلا منك ترحم عبرتي ... رضاك الذي أبغي به أتزود
لوصل رسول بعد حج وعمرة ... فأبلغه منك السلام فتسعد
وأسأله عند اللقاء شفاعة ... إليكم وملكاً دائماً ليس ينفد
فحقق رجائي فيك يا خير سيد ... وأنجد ولا تمنع فإنك منجد
وإني ختمت المدح فيه مصلياً ... على من به ختمُ المديح ينضّدُ
سلامي عليه كلما هبت الصبا ... وما قام في أيكٍ هخزارٌ يغرّد
فلم يأذن له فاستعطفه ثانياً بالقصيدة الطويلة وهي قوله: [الرمل]
أركبُ الصّعب ولا يستصعبُ ... ومقامي بمقامي أصعبُ
وعتادي باعتنائي لكم ... راحتي الكبرى وذلك المطلب
وهو أني بهوائي شرف ... وانتظاري بلقائي يعزب
ولذيذ العيش بالبعد له ... من مذاق الصبر طعمٌ مكربُ
كريه منه بقرب لكمُ ... نعمة عظمى ورزق طيب
يعذب العذب ولكن إن تكن ... علة بالذوق لا يستعذب
فزلال الماء في ذوق الذي ... هام فيكم علقم لا يشرب
جرعةٌ من مائكم تكفي وإنْ ... لم يكن زادٌ كفاني العشبُ
أولا أعزُب من ذكري لكمْ ... بمديح، وهو مما يعجب؟
لا ةعمر الله ما يفضله ... من مذاق الشهد عندي مشرب
تنجلي بالمدح فيكمْ فكرتي ... لمعانٍ ليس عنها يرغب
لم تكنْ عندي ولا في طاقتي ... بل ولا عنها مديح يعرب
خالطَ الشوقُ غرامي فبدا ... لي ممّا لم أكن أحتسب
كلّما يذكرني ذكركمُ ... هزّني من جانبيَّ الطّربُ
يا بنات الحيّ من ذات القنا ... يا غصونَ البانَ لا تحتجبوا
حمّلوا البدر سناءً منكمُ ... إنّني أرجوه إذ ما يقرب
يا بدوراً أشرقت في ناظري ... دونكم هذا فؤادي فاغربوا
وهو وقف عليكم حبس ... أفترضون به إذ يخرب؟
من حقوق الحب ما عنه احتوى ... جفن عيني حب قوم أغربوا
من حقوق الحب ما عنه احتوى ... جفن عيني حب قوم أغربوا
واقبلوا في الرق أيضاً خبّةً ... فارحموا إن شئتمُ أو عذّبوا
كل فعل منكم عدل متى ... إن يكن رقي إليكم ينسب
أقبلوا رقي ففيكمْ كرمٌ ... وارحموا ذلي فأنتم عرب
أدركوني يا عريب المنحنى ... أدركوا صبّاً إليكمْ يرغبُ
أسرعوا لي إنني مضنى بكم ... قبل أن أقضي ودوني الحجبُ
لا تقولوا إنني أسلو الهوى ... ما لقلبي في هواكم تعب
ليس ما أرجو ولا بي مطلب ... غير ما أني له مرتقب
من رضاً عني وعفوٍ، إنه ... من جميل العفو أن لا تغصبوا
متِّعوني وصلكم أو شرّفوا ... من هواكم بذلوا ما كسبوا
لكن الحكمُ الإلهيُّ اقتصى ... قرب أقوام وقومٍ تحجب
فقلوبٌ قاسياتُ أبعدت ... وعقول راسخات تجذب
وعيونٌ ساهرات أمِّنتْ ... وجفونٌ نائمات ترهب
ومطايا صافنات أتعبت ... لخطايا مثقلات تنهب
في سطور بخطايا سطِّرتْ ... بمدادٍ من دموعي تكتب
فلسانُ الحال فيها كتبت: ... يمّمُوا لنجداً فنعم المذهب
هذه الكثبان منها قربتْ ... وإلى طيبة يسعى الطيب
أطيب الأيام يوم قيل لي ... فيه هذي طيبةٌ والكثب
هذه طيبةُ دارُ المصطفى ... عينها الزرقا لديكم فاشربوا
هذه حضرة من قيل له ... ليلة الإسراء: أنت الأقرب
هذه الرحمة حامت حولكم ... مزنها الهامي عليكم صيّب
هذه جنة عدن فتّحت ... لكم الأبواب منها فاقربوا
стр. 178
وحسانُ الحور منها أقبلت ... لتّحييكم وفيكم تخطب
برزت غلمانها يدعوننا ... يا حجيجاً أكرموا من يركب
فترجلنا وأركبناهمُ للمطايا عزّ ما قد رغبوا
إنهم من حي من تهواهمُ ... ولعينٍ ألفُ عين ترغب
فتسابقنا لأبارِ على ... نستقي منها ومنها المشرب
ودخلنا الباب نبكي خشيةً ... من ذنوب كثرت لا تحسب
فتنادينا: ظفرنا بالمنى ... وإلى باب السلام اقتربوا
فولجناه وما منّا فتى ... قابل الحجرة إلا يرهب
فترى القوم سكارى ما همُ ... بسكارى إنما هم أرهبوا
من خطايا معضلاتٍ عظمت ... حسبوا أنَّ بها تنقلب
علموا الذنب ولكن جهلوا ... عفو خير الخلق عمن يذنب
وتوجهنا لوجه المصطفى ... بدموع من عيون تسكب
فوجدنا قومه حفّوا به ... فهو في حجرته محتجب
بستورٍ وشّحت من نوره ... حجب الشمس علينا الكوكبُ
من وراء السّتر فيها نائم ... لا تقولوا ميتاً لا تكذبوا
إنما الميت من عاش ولم ... تكن الحسنى إليه تنسب
إنما من مات لا يشفع في ... من جنى وهو شفيع مرغب
لكن الرسل الكرام انتقلوا ... للعلا ما همْ إليه رغبوا
ورسول الله فينا طيّبٌ ... وهو منا ناظر لا يحجب
يا رسول الله جد بالعفو ول ... يبقَ مني في حماكم مقرب
بعد علمي أنّ ظهري مثقلٌ ... بخطيئاتٍ وأني مذنب
وذمام الحب لولا أنني ... واثق بالحلم ما أقترب
إنَّ ترباً خصَّ من بين الثرى ... لخطى أقدامكم منتخب
لا أراه لخطى أقدامنا ... كلّما تخطو جفانا الأدبُ
إنما حقَّ لذاك الترب أن ... تشتفي منه عيون تسكب
بدموعٍ تخمد النار التي ... في فؤادي حرها يلتهب
لبعادي من ديار أشرفت ... ورسول الله فيها يصحب
كان لي فيها مقام سبقتْ ... لي بها الحسنى ومن قبلي أبُ
لم يكن إذ ذاك من يمنعني ... من حبيب بل ولا لي مآرب
غير ما أصبوا إلى روضته ... أجتني من خير ما ينتخب
فمن القبر إلى منبره ... روضةٌ تقصر عنها الرُّتب
بتُّ فيها ليلة ما مثلها ... من شهور الدهر ألفُ تحسب
وتوجهت إلى محرابه ... قمت أقضي بعض [ما قد] يجب
وانقضى ليلي به منفرداً ... وصفا وقتي ممن يرقب
صبحوني عندما الفجر بدا ... نوره فيها ونعم المصحب
لم يكنْ لي شغفٌ إلا بهم ... منهمُ قومي ومنهم عرب
لا سوى حبهمُ عنديَ بل ... أكرم القوم لديَّ العرب
إنهم لي سادة فيهم بدا ... سيدُ الخلق ومنهم ينسب
وهو خير الأنبياء والرسل منْ ... جاءت الدنيا له تختطب
فتولّى معرضاً عنها وما ... ناله منها نصيبٌ يحسب
يا رسول الله أشكو فرقتي ... فدوائي عنكم لا يصعب
يا رسول الله غوثاً إنما ... مطلبي من غيركم لا يطلب
وكذا شوقي وأيم الله لا ... ينقضي حتى تماطَ الحجُب
فإذا لم تستقم لي عودةٌ ... عظم الكرب وبان العطب
يا بدوراً طال بعدي عنهمُ ... ورجائي فيهم لا يعزب
قمت فيهم طول ليلي ساهراً ... أرصد النجم متى ينقلب
يا لصحب بديار بعدت ... وإلى خير رسولٍ قربوا
جاههم أرجوه عند المصطفى ... لخلاصي جاههم لا يغلب
واسألوا الرضاءَ من طاعتهُ ... بكتاب الله شرعاً تجب
ذلكم حمودة باشا الذي ... ساد فينا منه جد وأب
فخرُ فحلٍ لعلي المرتضى ... لحسين بن علي ينسب
طيبٌ من طيبٍ من طيب ... وإذا ما طاب فهو الطيب
سيدٌ من سيدٍ من سيد ... فانتهى فخراً إليه الحسب
ذهب خلص من تبر وهل ... خالصات التبر إلا ذهب
هكذا المجد وإلاّ لا تقل ... مثل ذاك المجد مجد يحسب
دونكم مولاي قولاً جامعاً ... لمعالي المدح مما يعجب
باختصارِ اللفظ سهلُ نشرهِ ... كلما حاولته لا يحجب
فخرهفي كلمٍ حررتها ... بمقول صادق يستعذب
ذلك فخر القول لا ما أطنبوا ... بالذي يغري إليه الكذب
стр. 179
لا تقل مولاي إني موجزٌ ... مدحكمْ ربَّ مجيزٍ مطنب
كنت مولاي رفعت لكمُ ... بمديحي منه قصدي يعرب
لا أعيد القولَ في ذا إنما ... أثقلُ القولِ معادٌ يكرب
أبتغي منكم جواباً بالرضا ... تنجلي منه لديّ الكرب
فإذا لم تسمحوا واحسرتي ... آزفات آزِفات ترعب
إنني قدمت مدح المصطفى ... بين أيدي مدحكم أستوهِب
لك ما يرضيك منه عاجلاً ... وكذا في آجل لا ترهبوا
إن باب المصطفى يفتح في ... وجه منْ أمّ إليه يرغب
صل يا رب على من بعثت ... فيه بعث الأنبياء والكتب
وعلى آلٍ وصحب والرضا ... عن جميعهم ومن هم صحبوا
واسق يا ربّ ثرى تربتهم ... كلما بالغيثِ تهمي السحب
وارض يا رب على ناظمها ... أحمد البارود باليا ينسب
وارحم اللهم شيخي والدي ... وكذا والدتي لا عزبوا
وأدِم حلمك في مذنبنا ... كلنا ذاك، ومن لا يذنب؟
واختم العمر جوار المصطفى ... ليكون الحشر فيمن يصحب
وأذن له فحج بيت الله الحرام، ورجع مغفور الآثام، وصار الحاج أحمد ابن الحاج حسين ابن الحاج إبراهيم فثلاثتهم قد حجوا وزاروا، وإلى دار النعيم صاروا، فتوفي عليه رحمة الله ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شوال سنة ١٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين وألف ودفن بالمرسى جوار ضريح الشيخ سيدي عبد العزيز المهدوي ﵀ ورثاه العالم الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الكامل]
عش ما تشاء لذاذة وحبورا ... إن القصور ستستحيل قبورا
يا غافلاً لم ينتبه لمذكّرٍ ... أفما كفى داعي المنون نذيرا
كم من رفيع في أسرّةِ عزّه ... خفضوه في ذل التراب أسيرا
وبموت أهل العلم أبلغ واعظ ... يهدي إلى كون الحياة مرورا
وهنا اعتبر بضريح أحمد كم طوى ... بمغيّب في طيه منثورا
غربت لبارودي بهون محاسن ... يا طالما أشرقن فيه بدورا
قد كان في وجه المحافل غرةً ... وعلى المنابر قسها المشهورا
ولطالما قرعت زواجر وعظه ... صمّا وكم ذا قد شرحن صدورا
أمّا إذا يتلو الكتاب فإنّه ... يهدي لأموات القلوب نشورا
عظم المصاب به وأحرى مذهب الن ... عمان إذ لهداه كان نصيرا
ركدت رياحُ زئيره فكأنه ... ما كان ليثاً في الرجال هصورا
إن يمض فهو سبيلنا ومنِ الذي ... كتبتْ له يمنى الخلود ظهيرا
لبّى المنادي واستجاب لربه ... يرجو رضاه فضله الموفورا
يا رب حقق فيه قوله مؤرخ: ... (ألقاه وجهك نضرة وسرورا)
٢١ الشيخ حسين برناز
هو الشيخ أبو محمد حسين بن مصطفى برناز، ولد سنة أربعين ومائة وألف، ونشأ في طلب العلم، فقرأ على أعلام عصره كالشيخ صالح الكواش ومن عاصره، وختم الدر المختار على الشيخ مراد بوسيكة وقرأ صدر الشريعة على الشيخ حمودة باكير والشيخ حمودة البرادعي.
وتقدم للفتيا ببلد منستير وخطبة جامعها الحنفي.
ثم لما طال به المقام طلب رفع يده من خطط المنستير ورجع إلى تونس وجلس للإشهاد فعدَّ من ثقات العدول ودرس الفقه ومبادئ النحو بجامع الزيتونة وولي الإمامة والرواية بالجامع اليوسفي وخطبة جامع القصر.
ثم لما ولي الفتيا الشيخ محمد بيرم الثاني تقدم عوضه لخطة القضاء يوم الجمعة الثالث عشر من المحرم ١٢١٥ خمس عشرة وقضى نحو خمس سنين في الخطة المذكورة، غير أنه كان غرّاً كريماً فقدمه الأمير حمودة باشا لخطة الفتوى يوم وهو يوم عيد النحر عاشر ذي الحجة الحرام عام ١٢١٩ تسعة عشر ومائتين وألف، وتولى خطيباً في جامع القصر عام ١٢٢٤ أربعة وعشرين ومائتين وألف. وكان فقيهاً فاضلاً تقياً خطيباً فصيحاً حسن الاعتقاد كثير الزيارة للصالحين محسن الظن بالناس لا يتكلف شيئاً وقد بلغ الهرم حيث بلغ من العمر إلى ثمانية وثمانين عاماً وتوفي عند الفجر من يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شوال سنة ١٢٢٨ ثمان وعشرين ومائتين وألف، ودفن من الغد بالسلسلة وقد رثاه العالم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم الرياحي بقوله:
كل الورى هدف لسهم حمامِ ... حكم جرى حتى على الحكامِ
كيف الدوام وكل شيء هالك ... لنزيل دار غير ذات دوام
стр. 180
فاعمل لنفسك صالحاً تلقاه إذ ... يصحو الورى من سكرهم بمنام
وانفض يداً من هاته الدار التي ... سحرت بأحلام ذوي الأحلام
وهي التي وعظت، وحسبك واعظاً ... موت العلوم ونقلة الأعلام
انظر إلى هذا الضريح وما حوى ... من عالمٍ علمٍ وبحرٍ طامي
بحر من التحقيق قلّد درّه ... نحرَ الطروس أنامل الأقلام
كنز من التدقيق كم حلى به ... درراً من الإفتاء والأحكام
هذا الإمام حسين العلم الذي ... نظم التقى والعلم أيّ نظام
يا (مجمع البحرين) يا (برناز) من ... أبقيت نوراً في دجى الإظلام
قد كنت مصباح الهدى وصباحه ... وجمال وجهِ محافلِ الأيام
إن غبت عن نظر العيون فلم تزل ... بين الجوانح في أعزّ مقام
يهنيك ما خلفت من شكر وما ... قدمت من ذكر لنيل مرام
لا غرو أن يحوي المنى فضلاً وفي ... تاريخه: (حصل الهنا بختام)
٢٢ الشيخ أحمد بن الخوجة
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة، جده علي من بلاد الترك بوظيفة خوجة حج بيت الله الحرام وامتحن بفقده ولده محمد بفتح أوله غير أنه تسلى بحفيده حمودة المذكور، فتبناه واجتهد في التعليم، فقرأ العلم الشريف وكانت له في العسكرية وظيفة أولظاش على عهد الباشا علي وسافر بالأمحال مع ولده الأمير يونس باي، وكان في المحلة لا يتخلى عن إقراء الفقه لعوام العسكر الحنفية بعد صلاة العصر حتى اتفق أن يونس في بعض الأيام افتقد كثرة دوران من العسكر فسأل عن سبب انزوائهم فقيل له إنهم يقرؤون الدرس المذكور، فتعجب من أمر الأولظاش وطلبه للحضور ليختبره بمحضر إمام المحلة ولما حضر ورام اختباره أذنه بالمحاورة مع إمامه بمحضره ليتبين حاله وكان اليوم يوم جمعة فبادر الشيخ لسؤال الإمام وقال له إن هذا اليوم يوم صلاة جمعة فهل هي رخيصة أو عزيمة، فلم يجد الإمام جواباً وإنما قال للأمير إنه عالم يستحق أن لا يبقى على الخدمة العسكرية فأرسل الأمير لوالده بخبره وطلب سراحه فقبل غيره عوضاً عنه وأخرجه من العسكرية فلازم خدمة العلم الشريف إلى أن تقلد خطة التدريس بجامع يوسف داي، وفي أمر ولايته أنه يقري ما شاء.
وهذا دليل واضح على سعة علمه وذلك على عهد الأمير علي باي في أوائل رجب من عام ثلاثة وثمانين ومائة وألف وخطب بالنيابة وكان كثير الخشوع عند الخطبة يغلبه البكاء وله في الدرس تحقيقات عقلية ونقلية، وصفه بذلك رضية، وقد كانت وفاته سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف، ورثاه الشيخ محمد بن سعيد النجم بقوله:
كل امرئ نحو الممات سبيله ... سيان فيه عزيزه وذليله
يفني الذي حرم القضاء ومن له ... تاج يعض جبينه إكليله
لم يبق إلا ما قضت كل النهى ... ببقائه وأتى به تنزيله
فليحذر الإنسان أن يغترّه ... من زخرف الدهر الخئون جميله
وليعتظ بمصاب كل مسجّدٍ ... قد كان للصنع الجميل يطيله
لا سيّما حمودة بن الخوجة الأ ... سمى الذي ما ريء قط مثيله
قمر الدروس ومن إذا وقف الورى ... في مشكل لم يعيه تأويله
يبدي المسائل مثل غصن ناضر ... والبحثُ في مثل النسيم يميله
كم لاح فوق ذرى المنابرِ وعظه ... وانهلَّ في محرابه ترتيلهُ
وجرى على ثوب الدجى من جفنه ... دمع لخوف الله كان يزيله
حتى أجاب إلى ضيافة ربه ... جمّ الرجاءِ أمامه تهليله
فاغفر له ربيّ وزده وأعطه ... ما لا يجول بفكره تأميله
وأجب دعاه إذ يقول مؤرخاً: ... (هب لي قري من لا يخيب نزيله)
ونشأ ولده صاحب الترجمة بين يديه، وقرأ المبادئ عليه، ثم على أعلام عصره كالشيخ أبي الفلاح صالح الكواش قرأ عليه المطول وصدر الشريعة والمغني وغيرها، وقرأ على الشيخ حسونة بن خليل الحنفي والشيخ محمد بن سعيد النجم ومن لطائف أستاذه معه أنه عند وفاة والده استدعاه ليلة الأربعين وكانت ليلة مطر فكتب إليه معتذراً بقوله:
أبا العباس لا تعتب فإني ... بعيدٌ عن مزلاّتِ العتابِ
أن نجم وهل أبصرت نجماً ... تبدى نوره ليل السحابِ
стр. 181
وتفقه عن شيخي الإسلام البيرمي الثاني والشيخ قاسم المحجوب وغيرهما من علماء جامع الزيتونة وتصدى للتدريس بعد التحصيل، فبنى تعليمه على أصل أصيل، ونهض للتحقيق والتحرير، وسلك مسلك النحارير، فكان لدرسه فخر يذكر، وتدقيق على بساط المعارف ينشر.
وتقدم لإمامة جامع محمد باي المرادي خطيباً وإماماً ومدرساً بعد وفاة الشيخ محمد الترجمان فولّي يوم الثلاثاء تاسع ربيع الثاني سنة ١٢١١ إحدى عشرة ومائتين وألف ولازم به التدريس، وقلّد لبة الألباء در علومه النفيس، وولي مشيخة المدرسة الشماعية عوضاً عن الشيخ محمد البارودي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ١٢١٩ تسع عشرة ومائتين وألف، وأقرأ بها علومه الشرعية.
وقدمه الباشا حمودة لخطة القضاء صبيحة الاثنين يوم عيد النحر من عام ١٢١٩ تسعة عشر ومائتين وألف فأحيا رسومها، وداوى كلومها، وأقام لها بتثبت ودين وفضل، وحكم فصل، ولازمها نحو العشر سنين.
ولما توفي الشيخ أحمد البارودي تقدم للفتيا عوضه في ثاني ذي القعدة الحرام عام ١٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين وألف وأفاد السائل، بتحقيق المسائل، وتصدى لبث العلم بالتدريس والتأليف، وقد شرح منظومة المحبي في المذهب الحنفي شرحاً بديعاً.
وهو أول من سن الاجتماع على ختم البخاري بالجامع في شهر رمضان والكتابة على الختم، واستدعى لذلك أمير عصره حمودة باشا، وكان لا يتخلف عن ختمه، وتحضره جميع العلماء وتجري بينهم المباحثة إلى نهاية الدرس وقد وقفت له على ختم بديع ختم به سنة ١٢٢٥ خمس وعشرين ومائتين وألف كتب فيه على باب مشروعية التهجد بالليل أطال فيه البحث مع شيخ الإسلام أبي السعود في تفسيره وحرر فيه مباحث يعز تحريرها على غيره واستدرك التحارير على نجم الأيمة ابن سعيد ما حرر به مبحثاً هاماً من حواشيه على الأشموني. ولمكان نفاسة هذا الختم قرظه العالم الشيخ محمد بن قاسم المحجوب بتقريظ لم نر له غيره من الشعر وهو قوله: [البسيط]
لله هذا الذي قد راق وابتهجا ... ومنهج الحقّ والتحقيق قد نهجا
محكّم النسج لا يخشى معارضة ... لأنه بيد الإتقان قد نسجا
نزهت فكري في أفنان ما غرست ... يد الذكاء [به] مستنشقاً أرجا
لمْ لا وواضعه فردُ الزمان ومن ... بعدله منصبُ الأحكام قد لهجا
قاضي القضاة وفخر العصر منصبه ... من التقدم معروف لكل حجا
أوضحت فيه أبا العباس مجتهدا ... وجه التهجد حتى قام مبتهجا
لا أغمد الله سيفاً أنت مصلته ... من العلوم وفي صدر الحسود شجى
ولا برحت كذا في كل قابلةٍ ... تقلد الختم من أنظاركم حججا
وقد أخبر الشيخ أحمد بن حسين باش مفتي المالكية أنه كان يقرأ عليه مختصر السعد فأورد عليه بعض الحاضرين كلام المطول في ذلك البحث وتوقف فيه، فأخذ الشيخ من يده كراس المطول وتأمل المبحث ملياً ثم قرره وقرر كلام السيد وعبد الحكيم عليه هنالك وزاد تقارير أخر من عنده كأنما كان ذلك هو موضوع الدرس وذلك من غاية تحصيله. وناهيك به من عالم ما شئت من علم ودين وفضل وإنسانية وقناعة وأناة وكرم نفس وتواضع مع علو همة وعدم تصنع، له اليد الطولى في العلوم العقلية والنقلية، وقد نفع بها كثيراً من علماء الحاضرة. وقد تنوقل خبر شرف أصله عن غير واحد من معاصريه في تلك الأيام حتى تواتر ذلك عند نقيب الأشراف في ذلك العصر وكتب كتابة تتضمن ثبوت شرفه لديه وقفت عليها مؤرخة في التاسع والعشرين من المحرم سنة ١٢٥٧ سبع وخمسين ومائتين وألف. ولم أر له من الشعر غير بيتين أجاب بهما أحد أحبته وذلك أنه زار منزل الشيخ محمد المولا فأنشد في ذلك قوله: [الخفيف]
أيها الحبرُ من سما أوج عز ... مثل بدر التمام حل بروجه
زرتني من مودة ذاتِ صدق ... بدم القلب بقد بدت ممزوجة
قلت إذ زرتني: وإنك في تا ... ريخنا: (أنت أحمد بن الخوجة)
فأجاب الشيخ عن ذلك بقوله: [الوافر]
مقام نشرُ عنبره عظيمٌ ... ومنه البدر حسناً مستعيرُ
وأشرق نوره فلذاك قلنا ... وأرّخنا [مقامك مستنير]
стр. 182
ولم يزل صاحب الترجمة بين إمامة وخطابة وتدريس، وفتوى تدير على أسماع رواتها كؤوس الخندريس، إلى أن أتاه محتوم الأجل، ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان الأكرم سنة ١٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين وألف، ورثاه الشيخ محمد بن سلامة بقوله: [الطويل]
هو الموت حتم لا محالةَ صائرُ ... ومن ورده كل ابن آدم صادرُ
وهذا سبيل الناس طرّاً فما ترى ... سوى سائر يقفوه بالإثر سائرُ
وما الناس إلا كالركاب إلى الرّدى ... يسير بهم من سابق الغمر ضامر
يغر الفتى غض الزمان وما درى ... بأن جفون الحادثات سواهر
وتخدعه الأيام حيناً فسلمها ... وأسيافها عند التمام بواتر
تمرُّ به كفُّ التناول حيثما ... تبسّم عن روض الحياة أزاهر
فطوبى لمن قد كان فيها مصاحباً ... إلى طرق الخيرات، وهو مبادر
كهذا الإمام الفاضل الحبر من له ... خصالٌ سمت عن عدها ومآثرُ
وذاك أبو العباس من جمع الهدى ... ولكنه بين البرية نادر
عنيت به ابن الخوجة العلم الذي ... على موته جفن المكارم هامرُ
تردى بهذا العلم صرح وركنه ... ومات بهذا الفقه والنحو حاسر
تنكرت الدنيا عليه فأصبحت ... يعرّفها عنه الثنا المتكاثر
فلهفي على علم الأصول معطلاً ... ودرس المعاني بعده اليوم حاشر
ولهفي على كنز العلوم تحولت ... خبايا له الأرماس فهي ذخائر
فيا قبر طب قد حلَّ فيك مكرم ... وزارك [من] بحر الحقائق زاخر
غدوت لبث العلم فذاً ومن يكن ... إذا ثار من صعب المسائل ثائر
فمن شاء يبقى بعدك اليوم فليمت ... فأنت الذي كنا عليه نحاذر
حقيق بأن تكبي البرية منبراً ... ودرساً ثوى لما طوتك المقابر
لذاك الورى ناحت عليك وأرخت: ... (لنعيك درس مثل در ومنبر)
ورثاه الشيخ الحاج أحمد الكيلاني بقوله: [الطويل]
ألا حكم ربي نافذٌ في العوالم ... به كانت الأقدار ضربة لازم
وما منحُ الأيّام إلاّ زخارفاً ... وطيب جناها زائل غير دائم
فيا فوز من لم يكترث بنعيمها ... كصاحب هذا الرمس فخر المكارم
إمام الورى ابن الخوجة الفذّ أحمدٍ ... همامٍ حوى مجداً رفيع الدعائم
فطوبى لقبر ضم أعظمه التي ... سقاها مدى الأيام فيض الغمائم
وفوزاً لأرماس به قد تأسست ... ويا فوز من فيها بمحو الجرائم
لقد كان في دنياه (صدرَ شريعة) ... أبان رسوماً مبهماتِ المعالمِ
وقد كان للدين الحنفيّ صارماً ... وفي الحق لم تأخذه لومة لائم
فما خالف المشهور مذ كان حاكماً ... ولا همّ بالمرجوح ميلاً لظالم
وفي مذهب النعمان كان هدايةً ... به يهتدى في معضلات المعاظم
أيا ابن همامٍ قد نعتكم طروسكم ... ويبكى على تحريرها في المآتم
لقد راح من بالفتح يهجي ويهتدي ... محلّ عويص ضلّ عن عرضِ واهم
فمن (لمنار) الدين من بعد سيد ... لإيقاف تيار انتشار المظالم
وأين الذي يلفى (لتوضيح) مشكل ... إذا اصطكت الأبحاث في فهم عالم
على فقده تبكي المنابر دهرها ... وتبقى بحزن دائم متراكم
فراح وما راحت مناقب فضلهِ ... وقد زفَّ للحورِ الحسانِ النواعم
فيا رب قد وافاك يبغي رضاكم ... فقابله بالرضوان يا خير راحم
وحقّق بفضل منك قول مؤرخ: ... (فقد نال الفردوس طيب المكارم)
وأرخ وفاته الشيخ محمد السقاط بأبيات رسمت على قبره وهي قوله: [الكامل]
لذْ بالتّقى زاداً لربك واجهدِ ... في حسنِ أعمالٍ قلب أزهدِ
إذ للمنيةِ فيك سهمٌ صائب ... إن لم يصبك اليوم فاجا في غد
ولئنْ تكنْ أبداً زكياً ماجداً ... ما أنتَ من هذا الإمام الأوحد
هو أحمدُ بنُ الخوجة العلم الذي ... بالرمس أضحى كالحسام المعمد
حبرٌ ذكيٌّ فاضل متورع ... سند الهدى مأوى سباقِ السؤدد
ذو المذهب الحنفي الذكيّ إمامه ... مفتي الورى حاوي علوم محمد
حكمُ البرية ذو النهى من عدله ... يلفى لدى المظلوم أعظمَ منجد
стр. 183
أخذَ العلوم وبعضها عن معشر ... ورثوا المكارم أمجداً عن أمجدِ
وغدا وسيطاً ساعياً في بثها ... بحر نفيس الدر عذب المورد
أكرمْ به لمّا بدا متحلّياً ... خللاً حساناً جمّعت في مفرد
قد نالها وعسى بفضل الرب أن ... يحظى جلالاً في المقام الأسعد
وأفادَ ذا المأمولَ قولُ مؤرخ: ... (راقٍ جليلاً في النعيم السرمدي)
٢٣ الشيخ محمد بيرم الثالث
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن حسين بيرم، قد تقدم أن والده أصيب في الطاعون الجارف سنة ١١٩٩ تسع وتسعين ومائة وألف بفقد أولاده، وعزم على عدم التزوج حتى زوجه والده بابنة الشريف الفلاري فرزق منها بولده صاحب الترجمة ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول من عام ١٢٠١ واحد ومائتين وألف.
وقرأ على أعلام ذلك العصر مثل والده والشيخ حسن الشريف ومن عاصرهما من جلة العلماء غير أن أكثر قراءاته كانت على الشيخين المذكورين، وقرأ على الشيخ أحمد بن الخوجة كلا من المغني والمحلي والمطول والدرر، وحثل على الرتبة العالية في العلوم العقلية والنقلية.
وتصدى للتدريس فأخذ عنه فحول العلماء منهم الشيخ محمد بن سلامة، والشيخ محمد النيفر الناسج على منواله في الإلقاء إذ أن صاحب الترجمة قد اختص برتبة عالية في التدريس بحيث إنه يلقي الدرس على كيفية في التنظيم والاتساق والتحرير لا نظير لها مع حسن الأناة وإعمال النظر السديد في التحقيق، وقد أخذنا عمن أخذوا عليه، فكان شيخنا بواسطة ﵁. وكان يقرئ أولاً في جامع الزيتونة والمدرسة الباشية مع مواظبة كلية وتحرٍّ في أوقات الدرس وقد ظهرت مزيتة على أترابه، وتقدم عليهم في شرخ شبابه.
وختم كتباً مهمة بالتدريس ولما ختم المختصر المنطقي للشيخ السنوسي هنأه بذلك الختم أحد تلامذة الدرس معتذراً عن التخلف في يوم ذلك الختم من شعبان سنة ١٢٥٤ أربع وخمسين ومائتين وألف وهو العالم الخطيب المدرس الشيخ محمد الطيب الرياحي بقوله: [الكامل]
يا سيداً سعد الزمان بسعده ... وغدا الكمال حليفَ خدمة مجده
وأضاءتِ الدنيا بنور علومه ... وتوضحت سبل السداد برشده
لك في الفؤاد مكينُ ودٍّ يقتضي ... لكمُ من التعظيمِ غاية وجدهِ
وأوّد لو سمح الزمان فصغت من ... مدحيك ما فاقت جواهر عقده
ولكمْ يجولُ الفكرُ حول حياضه ... فيذودهُ صرفُ الأسى عن ورده
شغل من الأشغال ينتهبُ الحجا ... نهباً ويغمد سيفه في غمده
سيّما وعندي اليوم أكثر شاغل ... أغنى المقامُ وحاله عن سرده
والحقُّ أني في القضية مذنب ... جاوزت في التقصير أقصى حده
وأنا بعفوك من عتابك عائذ ... مستوهب نيل الرضا من بعده
ولأنت أكرم واهب وأجلّ من ... ترتاد غايات المنى من عنده
لازلت موصولَ السعادة آويا ... لأثيل عزٍ لا زوال لطوده
ولما تمّر جامعث الوزير صاحب الطابع بالحلفاوين قدمه الأمير خطيباً به فكان أوّل خطيب به فصلى فيه أوّل جمعة في الثاني عشر من ربيع الأول سنة ٢٩ تسع وعشرين في يوم مشهود، وحضره الأمير والمأمور فاستلان صلد القلوب بمواعظه وخطبه البليغة.
وكان ابتداء بناء الجامع المذكور يوم الأحد غرة المحرم سنة ١٢٢٣ ثلاث وعشرين وبنى حوله المدرسة الفخيمة والتربة والمكتب، ودفن بالتربة ولي الله الشيخ عثمان بن كرم يوم الأربعاء الموفي ثلاثين من جمادى الثانية سنة ٢٥.
ثم لما توفي الشيخ أحمد البارودي وولي عوضه الشيخ أحمد بن الخوجة قدمه الأمير عثمان باشا مفتياً في ثاني ذي القعدة الحرام سنة ١٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين وألف، وكان عندما دخل على الأمير هو وشيخه الخوجي السابق الترجمة أراد الأمير أن يقدمه مفتياً ويجعل شيخه المذكور مفتياً ثالثاً فصاح به شيخ الإسلام والده البيرمي الثاني وقال للأمير كيف يتقدم ولدي على رجل طال جلوسه بين يديه للتعليم، وأمر ولده بالتأخر عن شيخه فتأخر وصار يومئذ مفتياً ثالثاً وكان سنه يومئذ دون الثلاثين سنة، فلاقى والده بولايته سروراً كان يظن أنه لا يلاقيه، والله ذو الفضل العظيم، وقد هنأه بذلك الفاضل الشيخ محمد بن نصر بقصيدة طويلة قال في مطلعها: [الكامل]
стр. 184
يهنيك يا فخر الصدور سروركم ... بولاية النجل السعيد محمد
وله يومئذ مشيخة المدرسة العنقية وكانت خاربة جداً بحيث إنها صارت مرمى للأزبال فجمع ما انتشر من أوقافها وبادر إلى رمها شيئاً فشيئاً إلى أن أتم إحياءها في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وأرخ إتمامها من قال في ذلك: [الطويل]
ولما انتهى البنيان قلت مؤرخاً: ... (لقد تمّها من حينه الحبر بيرم)
وقد شمر ﵀ على ساعد الجد، ولقي من مساعدة والده ما ليس له حد، فتجملت الخطة بكماله، وعد من فحول آله.
وله تحاور مع الشيخ إبراهيم الرياحي باش مفتي المالكية ﵁ في نازلة وأرسل له بعد المحاورة فيها النص من مختصر المنار وعندما حمله كتب إليه بقوله: [الوافر]
أحطبُ بما بعثت إليّ خبراً ... من الصور المدارة كالقلاده
فكان الرأي أنْ لا خلفَ فيها ... لما تحويه من حسن الإجادة
فلا زلتم مناراً في رشاد ... ولكن غير مختصر الإفاده
ومن ذلك أنه تحاور مع المولى الجد الشيخ محمد السنوسي قاضي الحضرة في مسألة أصولية شاع فيها بيت من الشعر ولما رجع إلى داره أرسل له الكمال بن الهمام حجة لما اختار، فكتب إليه المولى الجد بقوله: [الطويل]
كمالك بدر بل من البدر أعظمُ ... وقدرك دهرٌ بل من الدهر أفخمُ
وهمتك استهوته لا بتكلّفٍ ... وعلمك بحر بالجواهر مفعم
ولو سأل الغمر العموم من الذي ... به يقتدي علماً أجابوه بيرم
أرى مذهب النعمان منك مؤيداً ... تحررّه أصلاً وفرعاً وتحكم
إذا كنت في جمع فأنت فصيحهم ... وغيرك في يوم المجامع ملجم
ألا أيّها المفتي الهمام محمد ... ومن هو في فصل العويص المقدم
ظفرتُ بها أرسلتَ لي من كمالكم ... جواباً به كشف الغوامض محكم
يباهي لهارون الرشيد امتحانه ... أبا يوسفٍ في الحسن والله أعلم
فإن ترفقني يا هند فالرفق أيمنٌ
وقد خطبه الأمير حسين باشا باي في ابنته لأكبر بنيه المشير الثاني محمد باشا باي فزوجه بها وصاهره، وأظهر له من البذاخة والثروة في تجهيز ابنته المذكورة ما يتلى حديث في الحاضرة. وزفها لبيتها ليلة الخامس عشر من شعبان سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف، واتفق ليلة زفافها أن خسف القمر وأحسن العالم الشيخ إبراهيم الرياحي في تعليل الخسوف المذكور في خطاب الأمير إذ قال من قصيدة تهنئته في وصف سرور الزفاف المذكور:
سما فوق السماء فلا عجيبٌ ... لغيظ البدر إذ أبدى سواده
ومن ظن الخسوف بدا لشر ... فخير الخلق قد رد اعتقاده
وكتب إليه يهنيه بزفاف ابنته فقال: [الوافر]
سلامٌ طيبهُ كالمسك صائك ... على العلم الشهيرِ ومن هنالك
ولله الذي هنّاكَ حمدٌ ... على تيسيره صعبَ المسالك
فإنّك قد ركبت من المعالي ... متوناً غيرُ صاحبهن هالك
فقمت لها قيام ذوي اهتمام ... لهم في نيل أفضلها مدارك
وبالله استعنت فكان عوناً ... وأهلُ العلم مثلك أهل ذلك
فجاءت مثل ما يهوى محب ... ينادي بالدعا اللهم بارك
فيالك من هناء نلت منه ... سرورَ الوصل من حبٍّ متارك
أدام الله عزك في مزيد ... وحسنك في الوجود بلا مشارك
ولما توفي المفتي الثاني قدم الأمير حسين باشا باي صاحب الترجمة مفتياً ثانياً والده، أواخر شعبان الأكرم من سنة ١٢١٤ إحدى وأربعين ومائتين وألف، فاعتضد به والده واستعان بشباب ولده على مرامه ومع ذلك فإن احترامه لوالده كان عظيماً وحسبك أنه والد جسده وروحه فكان أصل جسده وعلمه.
стр. 185
أتاه في شهر رمضان خبر تجاسر أحد الأعراب على فلاحته بالسرقة فأتى به وسجنه فأرسل الأعرابي من السجن يشكو لوالده شيخ الإسلام الثاني فخرج والده فصادف ولده داخلاً وهو المفتي الثاني، فرام أن يقبل يده فمنعه من ذلك وصاح عليه كيف تظلم مسلماً في شهر رمضان فأخبر ولده بقصة ما صنع معه الأعرابي فلم يتريث الشيخ أن قال له وما تقول بين يدي الله إذا قال لك كيف تقضي لنفسك وهلا أرسلته للقاضي وترافعت معه كسائر آحاد المسلمين وأعرض عنه وقال له إني لا أسامحك حتى يحضر بين يدي الأعرابي ويعلمني بأنه سامحك فيما ظلمته به فخرج الشيخ وأرسل للأعرابي وأتى به واسترضاه ودخل به على والده ليعلمه بمسامحته إياه.
ولم يزل باراً بوالده إلى أن أدركت والده المنية فقدمه الأمير حسين باشا إلى خطة مشيخة الإسلام ونقابة الأشراف يوم السابع عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٤٧ سبع وأربعين ومائتين وألف فزان الخطتين بعلمه وعمله، وبلغ به الفضل إلى غاية أمله، ماشئت من علم مسبوك بالسياسة الشرعية، وعمل يرضي الله ورسوله وأهل الشريعة المحمدية، ووقار تخر دونه الشم البواذخ، وكرم نفس وقدم على صراط التثبت راسخ، وحسن أخلاق عذبة المذاق، تجملت به الرئاسة، حين عطر بها أنفاسه، إذا خطب أبدع، وإذا تلا القرآن حن إليه كل من يسمع، وإن روى الحديث الشريف، أيد القلب الوجيف، وإن أملى دروس المعقول من بعد، خلت نفسك في حضرة السيد والسعد، وإن أملى الفقه والأصول، أبلغ سامعيه غاية المأمول، وإن نظم أو نثر، أراك كيف نثر الزهر وقلائد الدرر، شعره لطيف ونثره جيد.
وكتائبه العلمية محررة غاية التحرير قد كتب حاشية الفواكه البدرية لابن غرس فأبدع فيها ما شاء وقرظها عمه وتلميذه الشيخ مصطفى بيرم بقوله: [الكامل]
زارت وكانتْ للمتيّم سولا ... سحر التنجّزُ وعدها المسئولا
وتمنّعت من أن تنال بلحظة ... وأرى التمنع في الجميل جميلا
حسناءُ بنتُ معارفٍ لاحتْ على ... هامِ الزمان بحسنها إكليلا
فهي النتائج لا نظيرَ لجمعها ... جمعت لنا المعقول والمنقولا
سحّت على غرس (ابن غرس) فاغتدى ... لا يشتكي طولَ الزمان محولا
قد أنتجتها فكرةٌ من حدها ... تنسي لديها الصارم المصقولا
وأبان غرتها بياناً تحتوي ... لبيانها التشبيه والتمثيلا
ذاك الهمامُ محمدٌ من قد غدا ... عقد العويص بلفظه محمولا
العالم النحريرُ والحبرُ الذي ... يبدي لنا التحريم والتحليلا
قد بات في كل العلوم رئيسها ... وخبيرها بخبيّها المسؤولا
لو لم تكن بيني وبينه لحمة ... تعطي المكابر للعناد سبيلا
لأتيت بالإعراب عن أوصافه ... وإن اقتضى في مدحها التطويلا
والحقّ وضاحٌ وهل من طالب ... وسطَ النهار على الضياء دليلا
لازال في حرم وعزٍّ شامخ ... ما ماس غصن بالنسيم أصيلا
وكتب حاشية على شرح والده لمنار الأصول، وشرح رسالة إيساغوجي في المنطق شرحاً بديعاً أقرأناه بجامع الزيتونة مراراً، ولتحريره هممت بالكتابة عليه لإيضاح مقاصده غير أن القدر لم يساعد، وله غير ذلك من الرسائل، التي احتوت على أحسن المسائل.
ولم يزل في خدمة العلم الشريف إلى أن أتاه أجله فتوفي آخر ليلة الأربعاء الثامنة والعشرين من ربيع الأول سنة ١٢٥٩ تسع وخمسين ومائتين وألف، ورثاه الشيخ الشريف محمود قابادو بقصيدة بديعة مثبتة في ديوانه قال في مطلعها: [الكامل]
الدهرُ حرب بالرزايا الفجّع ... وبنوه نهبٌ للمنايا الشرّع
ورثاه العالم الشيخ محمد بن سلامة بقصيدة قال في مطلعها: [الكامل]
الجوُّ مغبرُّ اكتسى بظلام ... لما هوى بدر العلوم السامي
ورثاه العالم الشيخ الطيب الرياحي بقصيدة قال في مطلعها: [الكامل]
جدتَ البلا أعلمتَ أمْ لمْ تعلما ... أن قد حويت سنا الشريعة بيرما
ورثاه العالم الشاعر الشيخ محمد الخضار بقوله: [الطويل]
ألا فجعَ الإسلام وارتجَّ جانبهْ ... ودجّت من الخطب المهول غياهبهُ
وضاق مجال الدين رحباً فطرقه ... كأن لم تكن مسلوكةً ومذاهبه
هوى نجم من زال العلا بكماله ... وما طالع إلا سيأفل غاربه
стр. 186
فيالك من طودٍ تضعضع ركنه ... وخرّتْ إلى بطن الوهاد شناخبه
قضى الله أن تعفو الرسوم وتطمس ال ... علوم وأن يسترجع الدر واهبه
وأن يأخذ الناشي من الترب مصحفاً ... وإن خلقت فوق السماء مراتبه
مضى ثالث الأعلام من آل بيرم ... إلى نزلٍ رحبٍ كريم يناسبه
فلا كان من يومٍ به كان نعيه ... فقد هلك (النعمان) فيه (وصاحبه)
إمام كسا الإسلام نوراً فأشرقت ... مشارقه من حسنه ومغاربه
إذا ذكر النقاد نقداً لغيره ... فحليته منشورة ومذاهبه
فمن لمصاب الدين يبكيه فيلحدْ ... بدمع، وإنْ لم يقض بالدمع واجبه
وقل لبنات المجد قد بان مفخر ... لكم وإذن فليطلب المجد طالبه
محمدُ لا تبعد فديناك سيّداً ... فما عنك إلاّ فاقدُ الظن ذاهبه
فمن للقضاءِ الفصل والكلم التي ... إذا انتظمت بالدرّ يهواه ثاقبه
ومن لبيان المشكلات بصارمٍ ... من الفكر عضبٍ ليس تنبو مضاربه
ومن لفضاء الصدر إن عز مجلس ... له احتفلت يوم القضاء مواكبه
ومن لبغاة العرف إن ضاق ذرعهم ... بوجه كصوب القطر تهمي جوانبه
وكنتَ لمن قد غص كالماء مسعداً ... فديت فمن للماء إن غصّ شاربه
عسى النسخة الغراء تجبر صدع ما ... تصدع يكسى حلة الأصل نائبه
فيا تربةً واريتِ أكرمَ من مشى ... على الأرض هوناً ليس يهضم جانبه
ويا ساحةَ العلياء أقفرتِ بعده ... كأن لم تحم يوماً حماك مواهبه
سقى رمسك السامي مساءً وغدوةً ... نوالٌ من الرضوان تهمي سحائبه
ولقّاكَ في الفردوس أكرم منزل ... تناغيك منه خوده وكواعبه
ونلت الرضا ما قال يوماً مؤرخ: ... (ألا فجع الإسلام وارتج جانبه)
٢٤ الشيخ حسن البارودي
هو الشيخ أبو محمد حسين بن محمد بن حسين البارودي بن إبراهيم وهو المفتي ابن أخي المفتي وأخو المفتي وابن شيخ الإسلام فهو الخامس من آل بيتهم وثالث آبائه في الخطة الشرعية.
ولد سنة أربع وخمسين وتسعين ومائة وألف ونشأ في عز آل بيته وقرأ على عمّه أبي العباس وعلى العالم الوافد من المغرب في أواخر القرن الفارط الشيخ محمد الفاسي وعلى شيخ الإسلام البيرمي الثاني وعلى غير هؤلاء من علماء جامع الزيتونة إلى أن حصل على ملكة من الفقه الحنفي وولع بالقرآن والتجويد وانتصب لبث ذلك فأخذ عنه كثير من أشياخنا.
ولما توفي والده قدمه الأمير حمودة باشا خطيباً بالجامع الباشي عوض الشيخ مصطفى البارودي أخيه أواسط ربيع الثاني عام ١٢١٦ ستة عشر ومائتين وألف، ثم لما توفي أخوه أولاه الأمير المذكور إمامة بجامع باردو المعمور أواخر شعبان الأكرم سنة ١٩ تسع عشرة، وفي يوم الجمعة منتصف ذي القعدة الحرام ولي إمامة الجامع الباشي وتدريسه وولي أخوه الشيخ أحمد البارودي خطبة الجامع الحسيني فزان المحراب والمنبر فصاحته وحسن تلاوته وروايته.
ونمكث يبث علوم القرآن والفقه إلى أن توفي المفتي الثاني الشيخ أحمد بن الخوجة، فقدمه الأمي حسين باشا مفتياً ثالثا ًصبيحة يوم الجمعة الرابع عشر من شهر رمضان المعظم سنة١٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين وألف، ثم بعد وفاة شيخ الإسلام البيرمي الثاني تقدم مفتياً ثانياً أواسط جمادى الأولى سنة ٤٧ سبع وأربعين.
ولما توفي شيخ الإسلام البيرمي الثاني قدم الأمير للرئاسة ولده رابع البيارمة وجعل كاهيته الشيخ محمد بن الخوجة ثم تقدم ثم تقدم أبو العباس أحمد الأبي مفتياً ثالثاً وابن صاحب الترجمة رابعاً لكنه لكمال ثبته وخبرته لم يؤثر عنه تأثر من ذلك، ولازم طريقته المثلى.
ولم يزل مواظباً على الإقرار والتجويد بجامع الزيتونة مع خيرية ووجاهة وتواضع حسن خلق كريم وكرم نفس وعلو همة، أتاه بعض أعيان البلاد ليلة العيد متشكياً من القل فلما أراد الخروج من عنده ولم يكن عنده وقتئذ ما يواسيه فانتزع بعض ثيابه وأذنه ببيعه لقضاء حاجته. وهو معروف بالانقياد إلى الحق أن أتاه أجله بمرض لكوليرا العام فتوفي خامس من رمضان المعظم سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف وأرخ وفاته ولده العام الشيخ محمد البارودي بقوله: [الكامل]
مدّت إليك موائدُ الرضوان ... وسعت بها حور مع الولدانِ
стр. 187
يا قبر من خدم العلوم دراسةً ... أحرى الفنون تلاوة القرءان
إذ قد أفاد بها وأبدى دقة ... فيها وأتقن غاية الإتقان
أعني حسيناً ذلك البارودي من ... ذو السؤدد الأسنى وذو الإحسان
من فد عنى علم الشريعة والهدى ... فرقى به لمراتب الأعيان
قد سرّ تونس ما فشا من علمه ... إفتاؤه في مذهب النعمان
لكنه لما أتى في سنه ... لما نفته فسيئ بالأحزان
دلت على حشر له لشعورها ... بتوقع في قابل الأزمان
قد كنت أعلم نفيها الأحداث ل? ... كن قد نفت في ذا قوى الإنسان
قد حل في شهر الصيام سقامه ... بالبطن أصلا قامع الغثيان
في خامس من ذاك كان وفاته ... ليجيب دعوة خازن الريان
لما توارى قلت في تاريخه ... (نت يا شهيد مؤَّنس القرآن)
الشيخ محمد بيرم الرابع هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بن بيرام، رابع آبائه في مشيخة الإسلام.
ولد ليلة الأربعاء منسلخ جمادى الأولى من عام عشرين ومائتين وألف نشأ بين يدي أبيه وجده وقرأ القرآن العظيم، ثم قرأ العلم الشريف، فقرأ على جده كتب مبادئ النحو إلى أن ختم عليه الألفية لابن مالك، وقرأ مختصر المنار وإيساغوجي والفقه والتوحيد ومصطلح الحديث وروى عنه قطعة من صحيح البخاري وأخذه عنه بسنده فيه، وقرأ على والده الشيخ محمد بيرم الثالث كتب مبادئ النحو والألفية ومبادئ المنطق والبيان والفقه، وقرأ على الشيخ ابراهيم الرياحي دروساً من لنحو والتوحيد وقرأ عليه السعد والمحلي وصحيح البخاري وتفسير القاضي البيضاوي وقرأ على الشيخ عبد الرحمان الكمال الدرة وشرح العقائد النسفية، وقرأ على الشيخ أحمد الأبي الفرائض والنحو والحديث، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة شيئاً من الحساب والنحو والتوحيد.
ولما استكمل تعاليمه جلس للإقراء بالمدرسة العنقية وعمره ثماني عشرة سنة، وأقرأ بجامع الزيتونة إقراء تحرير.
ثم تقدم مفتياً ثالثاً وعمره سبع وعشرون سنة وذلك منتصف أولى الجمادين سنة ١٢٤٧ سبع وأربعين ومائتين وألف فتجمل للحظة وتجملت به. ولما توفي والده قدمه المشير الأول أحمد باشا باي لمشيخة الإسلام ونقابة الأشراف ومشيخة المدرسة العنقية وذلك في ربيع لأول سنة ١٢٥٩ تسع وخمسين ومائتين وألف، فوليها وعمره تسع وثلاثون سنة وزانها بحسن التنظيم وحفظ حقوقها وصادف أن كانت ولايته عقب وقوع الترتيب الأحمدي بجامع الزيتونة فضبطه وذب على حقوق العلماء وجمع شملهم وأجرى الأمور بجامع الزيتونة مجراها.
ثم جرى على يده تنظيم المجلس الشرعي وإقامة اجتماع المجلس الشرعي وإقامة دار الشريعة المعمورة، فأنشأ الترتيب المعجول بالمعلقة التي في صدر بيت اجتماع المجلس الشرعي، وبعد أن أنجز ذلك الترتيب من المشير الثاني أنكره بعض الشيوخ وتعقبوه بكتائب، ولما بلغ خبر ذلك لصاحب الترجمة كتب إلى لسان الدولة في ذلك بقوله: [الوافر]
سلامٌ نشره كالمسك فاحا ... جعلتُ لحمله طرسي جناحا
إلى علم البلاغة من تسامى ... بأعلى أفقها بدراً ولاحا
وبعد فإن ما حررت مما ... لدار الشرع أحسبه صلاحا
وأنفذ كتبه في اللوح جزما ... وخاطبني المشير به صراحا
تعقبه الشيوخ بأن فيه ... عليهم في تقرره جناحا
وأبدوا في البيان له وجوها ... لدى الإنصاف لن تلفى صحاحا
ولكن ما لهم ضبط قديم ... فقد كانت مصالحهم فساحا
ولما ألزموا في الحال ضبطاً ... أبى كل تحمله وباحا
ثم وقع العمل على إجراء ما بالملعقة المذكورة.
وتقدم خطيباً بالجامع اليوسفي فزان المحراب والمنبر، وخطب من إنشائه العذب خطباً بليغة، وختم فيه الأختام العزيزة، وكان صهره المشير الثاني محمد باشا باي له معه مودة أكيدة قربه بها وأشركه في سياسة الدولة.
стр. 188
وجرى على يده انتخاب العدول بالحاضرة وذلك أنه صدر الإذن أولاً لكافة الشيوخ أهل المجلس الشرعي بأن ينتخب كل واحد منهم مائتين من العدول الموجودين ثم جمعت الانتخابات المذكورة عند الأمير، ومن يوجد من العدول وقع عليه انتخاب جميع الشيوخ، أو أكثرهم يثبت في العدالة إلى استكمال المائتين، ثم يؤخر عن الإشهاد ما يبقى، فكتب الشيخ جريدة بها مائتا عدل اختار غالبهم من المنقطعين للعلم الشريف، واعتمد في المشاهير من موثقي عدول الحاضرة على انتخاب بقية الشيوخ، ولما حضرت الجرائد عند الأمير نفذ انتخاب شيخ الإسلام وترك جميع الانتخابات فانجلى الحال على إسقاط كثير من رجال التوثيق من خطة العدالة، منهم الشيخ محمد بن سلامة، والشيخ الحاج محمود الباهي العريان، والشيخ عثمان الحشائشي وغيرهم، وأحس من ذلك جميع الشيوخ أهل المجلس الشرعي ونسب جميع العدول والمتأخرين أمر عزلهم إليه فتعاطته الألسن وباشره بعضهم بما يكرهه من أجل ذلك، وتحمل بثبت صبره جميع ما جرى من ذلك عاذرهم فيما أصابهم من ألم العزل، وأما المنتخبون من العدول فقد ألزمهم التقيد بمروءة العدالة ولبس شعار أرباب الوظائف الشرعية، كما الزم بذلك أهل العلم والأئمة وتشدد في إجراء ذلك حتى اتخذ الناس ذلك الأمر شعاراً وصان بذلك فضلهم وأظهر ناموس خططهم الرفيعة.
ولما ولي المشير الثالث محمد الصادق باشا بأي أمر بإرجاع أوامر جميع العدول وأطلقت الألسن بشكر فضله بسائر المجامع، فأرجها لهم شيخ الإسلام المذكور بعد أن كتب فيها انتخابه إياهم وعلى كل حال أجرى عليهم التقييد بمروءة خطة العدالة وحافظ عليه بغاية جهده.
وكان عالماً فاضلاً نزيهاً عالي الهمة خبيراً بالسياسات الشرعية وإيقاعها في مواقعها، حكيماً في وضع الأشياء مواضعها، فصيح اللسانين كريم السجية، حسن الأخلاق جميل السمت وقوراً مهاباً جليلاً، غيوراً على العلم والعلماء حامياً لحوزة المعارف، محافظاً على مروءته، شاعراً مفلقاً له نظم ونثر يزريان بتغازل الجفون المراض، في بساط الرياض، إن أطنب أعجب وإن أوجز أعجز، لشعره ديوان يزري بقلائد العقيان، لطافة وإحكام نسج واتساق معان، إلى أن أدركته المنية فتوفي ثالث جمادى الأولى ١٢٧٨ ثمان وسبعين ومائتين وألف، ورثاه الشيخ محمود قبادو بقصيدته التي أربت على ما سواها طولاً وبلاغة المثبتة بديوانه ومطلعها: [الكامل]
القلب يخشع والمدامع تهمعُ ... والقول ما يرضي الإله وينفعُ
ورثاه الشيخ سالم بو حاجب بقوله: [الكامل]
خطبٌ لركن العلم منه تزعزعُ ... ولطالبيه تفجعٌ وتوجّعُ
عمَّ المصابُ به وعمّم عهدنا ... إنَّ الهموم تهون حيث توزع
إذ أفرع النادي على أكباد أه ... ل القطر قطراً والمسامع أقمع
فالناس بين تلهف وتأسّف ... والصّبر صبرٌ لم يكن يتجرّع
حتى الحسودُ أبان من غشيانه ... ولذا غدا سنَّ التندم يقرع
خطبٌ نفوسُ المجدِ منه كئيبةٌ ... وبه لأفئدة العلوم تروُّع
وبه معاطس همة قد أرغمت ... وقفا القوافي بالغباوة يصفعُ
يوم استبى روح العلا الفذَّ الذي ... كل لعزته يذل ويخضع
واسترجع الدهر الضنين ذخيرة ... في الدين والدنيا إليها المرجع
هو ذلك الفذُّ الإمام المرتقي ... رتباً بأدناها الأحازم تقنع
الجهبذُ الحبر الوفي المرتضى ... اللذوعي الألمعي المصقع
البيرمي محمد بن محمد ب? ... ن محمد بن محمد والأربعُ
أعلامُ علم، تاجُ تونسَ لم يزل ... منهم بمحمود الخصال يرصّع
يا أيها النحريرُ دعوةُ آسف ... تخذ التلهفَ ديدناً لو ينفع
إن غاب بدرك من سما الدنيا ففي ... أوج الجنان لديه نور يسطع
لكن لحتفك عبرة بين الورى ... ولأهل ودك عبرة لا تقلع
ولفقد عدلك في القضاء فظاعة ... وعلى المعارف فقد فهمك أفظع
وأرى لسعر الشعر بعدك حطة ... وأساءُ إذ سعر الجهالة يرفع
لهفي على الكهف الذي كنا له ... نأوي فيحنو مثل أمٍّ ترضع
لا يبخسُ الفضلاءَ من أقدارهم ... شيئاً ولا وضيع منه يرفع
وشعاره الإعراض عن أغراضه ... ولديه إرجاف الوشاة مضيع
стр. 189
ومناه تنمية العلوم وإنما ... هامُ المنى بظبا المنايا تقطع
(وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع)
والموت يعتام الكرامَ ويصطفي ... أخيارهم ولكل جنب مصرع
بكت الدفاتر والمحابر والمزا ... بر والمنابر والمفاخر أجمع
لأفولِ شمس هداية لا يرتجى ... منها لآفاق المحافل مطلع
نسخت ظلال ظلاله أنوارها ... وبها غدت ظلمات ظلم تقشع
من شاد ديوان الشريعة فاغتدى ... لشتيت شمل الحكم فيه تجمّع
وحبا دروس العلم تنظيماً به ... عمرت لها بعد الدروس الأربع
أمّا ميادينُ الكلام فإنه ... فيها المبرز والبليغ الأبرع
ولنفسه حريةٌ وتواضعٌ ... ودماثةٌ وديانةٌ وتورعُ
ورياسةٌ علمية وسياسة ... شرعية وفراسة لا تخدع
قل للذين يشيّعون سريره ... إن لم يكونوا قد دروا من شيعوا
هذا إمامكمُ وعمدة دينكم ... وعلى حقوقكم السياجُ الأمنع
هذا نصيحكمُ الصدوق، وصدره ... من كل أضغان وحقد بلقع
كم قوبل الإحسان منه بضده ... فعفا وكلٌّ حاصد ما يزرع
واها لذا الطودِ المنيف يقله ... بعد العلي والعز ذاك الشرجع
سارتْ بسير سريره الأسرار والآ ... داب لكنْ أقسمت لا ترجع
لا همَّ يا من قد تفرد بالبقا ... ولكل عسر منك يسرٌ يتبع
وافاكَ ذو القلب السليم فوقِّه ... ما يقتضيه الفضل منك الأوسع
وارفع منازلة لديك فطالما ... قد كان قدر ذوي المعارف يرفع
وأنله رب جزاء ما قد كان من ... فعل جميل معْ عبيدك يصنع
فعلى الموالي غرم دينِ عبيدهم ... والكلُّ من أنهار جودك يكرع
وله عليّ دينُ ودٍّ ليس لي ... في أن أكافيه عليه مطمع
كمْ كنتُ أستشفي به في معضل ... فيبينهُ وبغيره يتبرع
كم كنت أبصر فغي مرايا رأيه ... وذكائه تمثال ما كنت أتوقّع
كم كنت أروي عن بديعة فكره ... غرر القوافي نشرها يتضوع
لكنَّ ما حصلت من آدابه ... أضحى يبدد درّها لي مدمع
فانظر بهذا النظم هل تلفي به ... معنى برقته يشنّف مسمع
يا رب صدّق فيه قولَ مؤرخ: ... (مثواه في أعلى الجنان مرفّع)
٢٦
الشيخ علي الدرويش
هو الشيخ أبو الحسن علي بن يوسف بن علي بن يوسف بن أحمد الدرويش أصله من باجة، وقد ظهرت على جده كرامة لقب من أجلها بالدرويش.
ولد ضحى يوم الاثنين السادس عشر من شعبان ١١٩٨ ثمان وتسعين مائة وألف، ونشأ في طلب العلم فأخذ عن فحول علماء عصره من المعقول على الشيخ أبي محمد حسن الشريف والشيخ أبي الصفاء الطاهر بن مسعود وتفقه على شيخ الإسلام البيرمي الثاني، والشيخ أبي العباس أحمد بن الخوجة، إلى أن حصل على الأمل من العلم والعمل، فلازم بث العلم بين أولي الفهم.
وقدمه الأمير محمود باشا إماماً لمسجد بيت الباشا بباردو المعمور يصلي فيه ويروي صحيح البخاري صبيحة يوم الأحد الثاني عشر من المحرم سنة ١٢٣٠ ثلاثين ومائتين وألف عند عزل الشيخ محمود بن باكير، وذلك عاق علمه عن عموم البث.
وتقدم لخطة القضاء يوم الأحد الموفي عشرين من ربيع الثاني سنة ٣٢ اثنتين وثلاثين، وعوض عنه في الإمامة الشيخ أحمد البارودي فامتنع من التخلي عن الإمامة، وعلى كل حال ألزم لخطة القضاء فقام بأعبائها نحو التسع عشرة سنة بعلم وتثبت دين.
ثم إن الأمير مصطفى باشا قدمه للفتيا صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين من جمادى الثانية سنة ١٢٥١ إحدى وخمسين ومائتين وألف فأولاه مفتياً رابعاً لمحضر أهل المجلس الشرعي تقدمه البيرمان الأخيران والبرودي الأخير، غير أنه لما توفي شيخ الإسلام وقدم المشير الأول على البارودي المذكور المفتيين على ما ذكرناه آنفاً صار صاحب الترجمة مفتياً خامساً. وعلى كل حال فقد قام بالخطة بتثبيت وتحرير ومحافظة على مروءته مع الإقراء بجامع الزيتونة حيث تقدم لخطة التدريس في المرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي.
وكتب حاشية على شرح الشذوذ لابن هشام.
стр. 190
وقد زان علمه بالعفة والديانة والتواضع مع الصيانة والتبصر، حاول بعض أعوان السوء أن يدس له مراسلة في أثناء ما أذن به فردها وعادت إليه بعد أشهر مرات عديدة فأرسل للعدل الذي كتبها بأن مثل ذلك لا يحسن به وأنه هلى بصيرة مما يرد عليه ولم يزده على ذلك. يحضر كل يوم بجامع الزيتونة للتدريس إلا أن أتاه أجله فتوفي ضحوة يوم الأحد الخامس من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٢ اثنتين وستين ومائتين وألف، وأرخ وفاته العالم الشيخ محمد بيرم الرابع بقوله: [الطويل]
هوَ الدهر يبري صائبات سهامهِ ... فيورد نفس المرء حوض حمامهِ
مصابٌ تساوت في تجرّع كأسه ... نفوسُ الورى من سفّل وكرامه
عجبت لذي لي تيقن أنّه ... سبيل ويولي الطرفَ طيبَ مقامه
وأولى به أن يرسل الدمع نادماً ... على سالفٍ أبداه سوء احترامه
ويصرف فيها يثمر الأجرَ عمره ... ليجنيَ طيب الغرس يوم قيامه
كصاحب هذا الرّمس من لم يفه بما ... يعاب فلا مفض لخدش مقامه
عليٌّ على الدرويش مفتي للورى ومن ... له سيرة تقضي برعي ذمامه
هو العالم الأرضى التقي أخو الحجا ... وذو القصد حتى عن فضول كلامه
إلهي حقق فيه قول مؤرخ: ... (لقد نال في الفردوس نيل مرامه)
٢٧
الشيخ محمد بن الخوجة
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة شيخ الإسلام، وابن مفتي الأنام، وحفيد العالم الرفيع المقام.
كانت ولادته عام ١٢٠٤ أربعة ومائتين وألف، ونشأ في خدمة العلم الشريف فقرأ على والده وشيخ الإسلام البيرمي الثاني والشيخ أبي محمد حسن الشريف والشيخ أبي إسحاق إبراهيم الرياحي وأبي العباس أحمد الأبي وغيرهم من علماء جامع الزيتونة. وقدمه والده لمشيخة الشماعية نائباً في الحياة مستقلاً بعد الممات يوم السبت الحادي والعشرين من ثاني الربيعين سنة ١٢٣٨ ثمان وثلاثين ومائتين، وألف فزان المدرسة والجامع بدروسه وأفياء ظلال معارفه في ساحته، درسه بهجة السامع والناظر، ومجلسه من أجمل المحاضر، أناخ التحقيق رحاله بين يديه، وانتهى تحرير السعد والسيد إليه، جلست بين يدي أعلام العلوم، فاستظلوا بكهف معارفه الشامخ المعلوم، آية الله في الذكاء والتحصيل، وتعضيد النقليات بالمعقول على أصل أصيل، وهو ممن ران الرتبة الأولى في التدريس بجامع الزيتونة عند وقوع الترتيب أول مرة.
ولوع بصحيح البخاري وله أسانيد وبه يتصل سندي المحمدي في الصحيح المذكور، وكان ملازماً لروايته حتى كانت جميع أحاديثه منه على طرف الثمام، فهو حافظ عصره والسلام، ومن ولوعه بالإجازة استجار الشيخ أبا المحاسن يوسف بدر الدين في الشفا للقاضي عياض فأجازه بأبيات نظم فيها سنده في الكتاب المذكور وهي قوله: [الرجز]
حمداً لمولانا القويِّ السند ... ثم صلاتنا على محمّدِ
وآله وصحبه من شيّدوا ... أركان ما أتى به وأيّدوا
وبعدُ فالحديث فنٌ معتبرْ ... وفضله على الفنون مشتهرْ
وكان ممن خصه مولاهُ ... بضبط هذا العلم واجتباهُ
الفاضلُ العلّامة النحريرُ ... ومنْ له الإتقان والتحريرُ
محمّدٌ الشهير بابن الخوجةْ ... أبقى الإله في العلى عروجهْ
سليلُ أحمد الإمام المفتي ... مجلي دجى الإشكال للمستفتي
تواضعاً منه استجاز في الشفا ... جمعِ عياضٍ في حقوق المصطفى
وإنّه أولى بأن يجيزا ... لأنني أرى له التمييزا
لكنّه وصف الكمال حازهْ ... حتى ارتجى من مثلي َ الإجازة
وفّقه المولى لما يرضاهُ ... وحفّه باللطف في قضاهُ
وقد أجزته وأنني لفي ... حيا قصوري وفي هذا أكتفي
كما بخط يده أجازني ... محدث الشآم ذو لقدر السني
(الكزبريُّ) عن الإمام السند ... والدهِ شمس العلى (محمد)
عن (المنينيِّ) عن (البصريّ) ... عبد الإله السَّند المكيّ
عن شيخ بابلٍ (علاء الدين) ... عن (سالمٍ) تلميذ نجم الدين
عن (زكرياءَ) عن (القيَّاتي) ... شمسِ الكمال الباهر الآيات
عن (السّراج عمرَ) الملقِّن ... عن (اللَّواتي) هوَّ يحيى المرتضى
стр. 191
عن (يوسفٍ) هو الدِّلاصيُّ الرّضى ... عن (اللَّولاتي) هوَّ يحيى المرتضى
عن (ابن ضائعٍ) عن المؤلفِ ... منشي الشفاءِ الجامع للشرف
أخذته عن شيخنا داريه ... وجاد له بالإذن الروايهْ
وقد أذنت الفاضل المجازا ... بأن يجيز من له استجارا
إجازة شاملة محققة ... مطلقة بكل فن حققه
بشرطها المقرر المعتبر ... بالاتفاق عند أهل الإثر
وأسألُ الله له أن ينفعا ... بعلمه جميع من له سعى
والمدنيُّ يوسف ُالمنكسرُ ... أخو القصور المذنب المفتقرُ
يرجو من الكريم حسن الخاتمهْ ... بدار من للأنبياء خاتمهْ
صلّى عليه ربنا وسلما ... والآلِ والصحب ومن له انتمى
وتقدم في جامع محمد باي المرادي إماماً وخطيباً ومدرساً وشيخنا في المدرسة الشماعية بعد وفاة والده، فزان المحراب المنبر فصاحة وتلاوة وخطب من إنشائه واجتمع بين يديه هنالك العلماء للدراية والرواية وأبدع في أختامه غاية الإبداع، على طريقة لا تستطاع.
ثم قدمه الأمير مصطفى باشا لخطة القضاء فزانها نحو الثماني سنين بعلم راسخ، وتيقظ لجميع الشبه ناسخ، مع التضلع بفقه القضاء والتحري والديانة والتثبت الكلي في حقوق الله وحقوق العباد لا تأخذه في الحق لومة لائم وله إخبار في ذلك تدل على كمال خشيته لربه.
ولما توفي شيخ الإسلام البيرمي الثالث ويقدم للمشيخة رابع البيارمة تقدم صاحب الترجمة مفتياً ثانياً من أول وهلة مع وجود من سبقه في الخطة على ما تقدم آنفاً وذلك في التسع والعشرين من ربيع الأول سنة ١٢٥٦ تسع وخمسين ومائتين وألف فزان خطة الإفتاء بفتاويه ومراسلاته التي أبان بها ما له من العلوم الشرعية من باهر آياته.
ولما توفي شيخ الإسلام البيرمي الرابع قدمه الأمير محمد الصادق باشا باي لمشيخة الإسلام فشمر عن ساع الجد ونهض لها نهوض المجتهد، مات شئت من علم ودين، وفقه متين، وكرم أخلاق، وتثبت في مزالق الحذاق، يخشى الله سراً وجهراً بعيداً عن التصنع متخلقاً بأخلاق الصالحين قضى وأفتى وخطب ودرس وألف، وشكر سعيه في جميع ذلك.
كتب حاشة على مختصر السعد استدرك بها على ثلاثة السعد والسيد وعبد الحكيم بما يشهد له برسوخ القدم بين الأمم، وله شرح لطيف في سياسة الملك على الحكم التي تنسب لأرسطو، وأولها: "العالم بستان سياجه الدولة ... "، وهو شرح بديع الأسلوب، قرظه شيخ الإسلام البيرمي الثالث بما نصه: "يقول العبد المفتقر إلى رحمة ربه الغني، محمد بن محمد بن محمد بيرم الحنفي، غفر الله ذنبه، وفرج كربه، لما طالعت هذه النقلية الأنيقة، التي هي بالإذعان حقيقة، صنعه البدر الزاهر، الهمام الماهر، أبي عبد الله محمد ابن شيخ الإسلام، عمدة الأنام خاتمة المحققين، كمال العلماء المتأخرين، أبي العباس أحمد بن الخوجة رأيت ما يبهج به الناظر، ويقوم عليه لمجادل والمناظر، من نقول تصحبها متانة وجزالة، ونقود تمتزج بها بلاغة وجلالة، وحسن انسجام، ألذ من لوجدان بعد الإعدام إلى غير ذلك مما تدركه الألباب، ولا يحيط به نطاق الاستيعاب، فحمدت الله سبحانه على التيسير، في مثل هذا الزمن العسير، وابتهلت إليه ﷻ أن يكثر من أمثاله، ويسهل لهم النسج على منواله، إنه الفعال لما يريد، المالك أزمة التيسير والتسديد، وحين رتع الذهن الكليل في ذلك البستان، وتملأ ناظره من بديع هاتيك الحسان، صار اللسان على قدم الشكر يجول، وحملت الوجد الفادح على أن يقول: [الكامل]
لا تنكروا ولهي وطولَ غرامي ... ومزيدَ أشواقي لها وهيامي
هذي التي سمح الزمان بوصلها ... من بعد تسويفي وطول مقامي
نسختْ بطلعتها ونور جمالها ... ليلَ الشكوك وحيرةَ الأوهام
لا تعجبوا منها فإن مقيلها ... بيتُ العلوم ومفخرُ الأعلام
بيت إذا حلّ العويص بسائلٍ ... وافاه ملتمساً لنيلِ مرامِ
لا زال محروس الجناب موفقاً ... متعطر الأرجاء بحسن ختام
стр. 192
هذا وفتاويه وأختامه محفوظة عند المعتنين بالعلوم، ولطائف مراسلاته الأدبية يزري نثرها بكأس الرحيق المختوم، وبالجملة فإنه قد كانت الأبصار والأسماع تبتهج بفصاحة كلمه، ولطافة قلمه. مرض فرأى شيخ الإسلام البيرمي الرابع وقد أهدى أترجة فعبرها بالموت فأتاه الأجل المحتوم وتوفي (يوم) عاشوراء من عام ١٢٧٩ تسعة وسبعين ومائتين وألف وقد أشار إلى تاريخ وفاته يومئذ شاعر البلاد العالم الشيخ محمود قابادو بقوله: [لكامل]
يوم الحسينِ وليس فيه عزاء ... ردَّتهُ للتاريخ: عاشوراءُ
ورثاه الشيخ المذكور بمرثية بديعة مثبتة بديوانه قال في مطلعها:
[الكامل]
خطب عيون الدين منه ثجوجه ... ومسامع الدنيا به مرجوجه
ورثاه الشيخ الباردوي بقصيدة قال في مطلعها:
[الكامل]
خطبٌ أصاب فؤادنا بسنان ... أجرتْ دماءَ جراحه العينانِ
ورثاه الشيخ المختار شويخة بقصيدة قال في مطلعها: [الطويل]
كفاه لرزءِ أن يقصّر سائلهْ ... وينهلَّ من طرف البرية سائلهْ
ورثاه الشيخ محمد الرياحي بقصيدة قال في مطلعها [الطويل]
ألا كل شيء للبقاء مثالهُ ... ولم يبق إلا الله ﷻ
ورثاه الباجي المسعودي بقوله: [الكامل]
نبأٌ عظيم عنه قد اعترضتمُ ... أوليس يا قومُ المخاطب أنتمُ
كلاَّ لقد أسمعت لو كانت تعي ... ودنا الرحيل فأين أين الأحزمُ
هذي الجبال على المناكب سيِّرت ... هذا ثبيٌر راحل ويلملم
هذا الذي فجعَ البرية فقده ... من قد عرفتم فضله وعلمتم
طودٌ أشم محمد بن الخوجة ال ... علمُ الإمامُ الألمعيُّ الأكرم
(صدرُ الشريعة) شيخ الإسلام الذي ... فقد كان عن سر الكتاب يترجم
وخليفة (النعمان) (والجعفي) ومن ... تلفيه في كل العلوم يقدم
ملأ المنابرَ والمحاربَ نوره ... ولفضله كل الجميع مسلم
(حلف الزمان ليأتين بمثله) ... كفِّر يمينك مسرعاً يا مقسمُ
منْ للجلالةِ والمهابة بعده ... من للصدارة صرحوا أو جمجموا
من للبراعة واليراعة راعها ... صدأ الردى وأقيم؟ فيها المأتم
من للعويصات الصعب حلّها؟ ... من للقضايا من يشير فيبرم؟
من ثلث قرن دمن خمسٍ قد قضى ... بهدىً وأفتى والدراسةَ يلزمُ
يا راحلاً والصبر يذهب إثره ... والدّمع يكتب كيف شاء ويرسم
والأرض رجت والقلوب تصدعت ... والأفقُ يظلمُ والجوانح تضرم
أبشرْ برضوان الإله بمضجع ... حيّاك فيه السائلون وسلّموا
وأروكَ قصرك في الجنان مشيَّداً ... والروحَ والريحانَ حولك نظّموا
وتركت من أرجِ الثنا ... ما سار في الآفاق ينجدُ عاطراً أو يتهمُ
وعظيم فقدك عم حتى أنشد ال ... تاريخ: في فقد الإمام لا عظمُ
٢٨
الشيخ أحمد الأبي
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمود بن كبير الأبي، وهو من بيت فضل كان والده وجيهاً ذكياً تالياً للقرآن ذاكراً خمولاً وتوفي سنة ١٢٠٤ أربع ومائتين وألف فكتب على قبره قصيدة قال صاحبها في تاريخها: [الخفيف]
فدعوت وقلت إذ أرّخوه: ... ربي أسكنه في قصور النعيم
وكذلك عمه وهو أبو العباس أحمد بن كبير الأبي له ملكة علمية وقد تصدى للإشهاد، فكان من ثقات العدول حتى تقدم لشهادة أوقاف الحرمين وقد توفي يوم الأربعاء سابع أول الجمادين سنة ١٢١٦ ست عشرة ومائتين وألف.
стр. 193
وولد صاحب الترجمة ليلة الاثنين الثاني عشر من رجب سنة ١١٨٠ ثمانين ومائة وألف ونشأ نشأة صالحة وتصدى لقراءة العلم الشريف اقتفاء بآثار والده فأخذ عن أعلام منهم الشيخ صالح الكواش، والشيخ محمد بيرم الثاني، وقرأ المبادئ على والده. ولما اشتد بالعلوم كاهله جلس للتدريس بجامع الزيتونة فأقرأ المعقول والمنقول وأفاد علماء كثيرين بمعارفه التي بثها في صدور الرجال وتقدم لخطة العدالة يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الثانية سنة ١٧ سبع عشرة ولما أتم الوزير يوسف صاحب الطابع بناء جامعه انتخبه الأمير إماماً به يقيم الخمس وقدمه للتدريس والرواية فقام بأعباء الخطط المذكورة وثابر باجتهاد في المواظبة هنالك وانتفع عليه خلق كثير ومع درسه ذلك فدرسوه بالجامع مشهورة، وآيات فخرها بين العلماء منشورة، حتى قل من لم يأخذ عنه ممن أدركه ولما عزل الشيخ علي الستاري من خطبة جامع القصر بسبب تولي صاحب الترجمة عوضه يوم الأربعاء الحادي عشر من رجب سنة ١٢ ٢٩ تسع وعشرين.
وكان فصيحاً خيراً محافظاً على مروءته ذا دين متين وفقه في الدين، تقدم للتدريس في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة ٥٨ ثمان وخمسين فجرى على طريقته المثلى في بث العلم بجامع الزيتونة.
ثم قدمه المشير أحمد باشا للفتيا يوم الأحد سادس المحرم سنة ١٢٦٢ اثنتين وستين ومائتين وألف وكان ذلك بمحضر المجلس الشرعي، ولما لبس زي الخطة وأراد الدخول على الأمير مع الشيوخ حسين البارودي وجد صاحب الترجمة فرجة أبقاها الشيخ حسين بينه وبين من فوقه فظن أنها موضع رتبته فدخل فيها وبذلك الترتيب دخلوا على الأمير فصار مفتياً ثالثاً وأبقى وراءه كلاً من البارودي والدرويش واستقر على تلك الرتبة يفتي بفقه محكم وتحر مع مواظبته على دروسه وهو في سن الهرم وقد أصيب بفقد أكبر بنيه العالم المدرس خطيب جامع القصر وإمام الخمس بجامع صاحب الطابع خلفاً عن والده الشيخ أبي عبد الله محمد الأبي وذلك سنة ٧١ إحدى وسبعين وأرخ وفاته العالم الشيخ محمد البارودي بقصيدة قال في تاريخها: [الكامل]
لما تردى قال فيه مؤرخ: ... (جوزيت بالفردوس وهو المصعد)
فصبر الشيخ لفقد ولده، ولازم بث العلم على هرم جسده، ولازم رتبة [الإفتاء] إلى أن بلغ من العمر أربعاً وتسعين سنة فهو أكبر من عاش من المفتين الحنفية وكانت وفاته يوم السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ٧٤ أربع وسبعين ومائتين وألف ورثاه العالم الشيخ أبو عبد الله محمد بيرم الرابع بقوله:
قمر العلوم بذا الضريح أفولهُ ... فحرٍ لجفنك أن تسح سيولهُ
(أسفاً لفقدان العلوم فإنه) ... أصماك من فقد الإمام مهوله
هذا أبو العباس أحمد أوحد ال ... فضلاء عالم دهره وجليله
الجهبذُ الأبيّ من في عصره ... قد كان وهو لرأسه إكليله
مفتي الورى الأرضى لذي ألعلمُ قد ... جمعت لديه فروعه وأصوله
أفني نفيسَ العمر في تحريره ... علماً يفيدُ يناله وينيله
لله ما أبداه في تدريسه ... من در تحقيق يروق صقيله
ويبيت يقضي نصحه في همه ... فيما من الحق المبين يقوله
وأمانة في العلم أمّا نصحه ... لمريد أخذٍ عنه فهو سبيله
تبكيه حافلةُ الدروس وأهلها ... والدمع قد يغني الحزينَ هموله
ومساجدٌ قد كان بدراً سامياً ... في أفقها واليوم يلك طلوله
يا رب إنك قد وعدت بعتقه ... والعمر بشَّرهُ بذلك طوله
ولذلك أعلن من يقول مؤرخاً: ... (في جنة الفردوس طاب نزوله)
٢٩
الشيخ محمود باكير
هو الشيخ أبو الثناء محمود بن حمودة بن حسين بن ملا باكير، ولد جده الشيخ ملا باكير الحنفي في بلاد الترك وقرأ بها مبادئ العلم الشريف، ثم قدم إلى تونس فقرأ بها على الشيخ أحمد برناز وغيره واعتكف على العلم والمطالعة وتقدم إماماً للباشا على باي وله في العلوم يد طولى.
стр. 194
أما ولده حسين فقد حج بيت الله الحرام وتزوج بإحدى بنات الشريفة حسينة بنت محمد بن أبي القاسم بن محمد بن علي بن حسن بن أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا، ومنها كان ولده الشيخ أبو محمد حمودة وكان عالماً فاضلاً ثقة خيراً قدمه الأمير علي باشا باي إماماً بسراية باردو لإقامة الخمس ورواية البخاري وقدمه لإقراء ولده لأمير حمودة باشا العلم الشريف فتصدى لذلك ولازم سكنى باردو المعمور، وبسبب ذلك لم يستمر على الإقراء بجامع الزيتونة وكانت عنايته بإقراء الأمير ابن الأمير وتربيته وحصل بذلك على إقبال عظيم من لخاصة والعامة مرموقاً بعين الإجلال يأتيه الفقهاء للتهنئة بالمواسم العيدية لمكان علمه وجاهه. ولم يزل على جلالته إلى أن توفي ليلة الجمعة الرابع العشرين من ذي الحجة الحرام سنة عشرين ومائتين وألف وحضر ابنه الروحي الأمير حمودة باشا جنازته مع سائر أل بيته وشيعها راجلاً إلى المقبرة وهو يطيل البكاء والنحيب في ذلك المشهد العام بروراً بشيخه وشيخ تربيته وبذلك اكتسب فخراً في الوفاء وحسن العهد والبرور لم يعهد مثله بحيث إن المجامع قضت أياماً تروي حديث ما وقع من الأمير مع شيخه رحم الله جميعهم.
ثم كانت ولادة صاحب الترجمة أواخر رمضان سنة ١١٨٢ اثنتين وثمانين ومائة وألف ونشأ بين يدي أبيه مرموقاً برعاية ابن تربية أبيه الأمير حمودة باشا وكان به حفياً، وأخذ العلم عن والده أولاً ثم عن علماء جامع الزيتونة منهم شيخ الإسلام البيرمي الثاني، والشيخ صالح الكواش. وغيرهم، وحصل على الملكة في المعقول والمنقول، وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة. ولما توفي والده قدمه الأمير حمودة باشا لإمامة الخمس بمسجد دار الباشا صبيحة يوم الأحد السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة ٢٠ عشرين وقربه وآواه فجبر صدع فقد أبيه وغمره بعطائه وأقام على الوفاء ببر شيخه مع ابنه هو وأخوه الأمير عثمان باي وبانقراض دولته عزل عن الإمامة المذكورة رحم الله جميعهم.
ثم إنه تقدم للإمامة بجامع القصر وتقدم مدرساً في المرتبة الأولى عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف ولازم التدريس بجامع الزيتونة.
وتقدم لخطة القضاء فباشرها بدين وعلم نحو الأربع وسنين.
ولما توفي الشيخ الدرويش أولاه المشير الأول أحمد باشا باي الفتيا فتقدم مفتياً خامساً صبيحة يوم السبت الحادي عشر من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٢ اثنيتن وستين ومائتين وألف فجمع بين إمامة وخطبة وتدريس وقضاء وفتيا. وحمد في جميعها على ما له من حسن المحاضرة والأدب وإجادة نظم الشعر وسرعة الجواب وثقة النفس وكرمها وعلو الهمة والأمانة والصيانة وحفظ المروءة وحسن الخلق مع الفقه والتفنن في العلوم والديانة إلى أن أتاه الأجل المحتوم فتوفي أوائل ربيع الأول سنة ١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف.
٣٠
الشيخ محمد عباس
هو الشيخ أبو عبد الله محمد ويدعى حمدة بن محمد بن محمد بن محمد عباس الحنفي أصلهم من بلد مورة واشتغل آل بيته بصناعة الشاشية بحاضرة تونس حتى صاروا من أعيان أربابها.
وولد صاحب الترجمة سنة ١٢٠٩ تسع ومائتين وألف، ونشأ بين يدي والده وجود القرآن العظيم بالعشر على الشيخ محمد السقاط وقرأ عليه كتب مبادئ النحو، وقرأ على الشيخ أحمد اللبي شرح العيني على الكنز، وقرأ على الشيخ الطاهر ? بن مسعود شرح الأشموني على الألفية ومختصر السعد، وقرأ على الشيخ ابراهيم الرياحي تفسير القاضي البيضاوي وشرح البخاري، وقرأ على غير هؤلاء كالشيخ الحاج الشاذلي بن المؤدب وحصل على الملكة فقرأ بجامع الزيتونة وتقدم للإمامة بجامع القصبة سنة ١٢٤٨ ثمان وأربعين ومائتين وألف فزان المحراب والمنبر بحسن تلاوته وفصيح خطبته.
وتقدم في الرتبة الأولى بجامع الزيتونة عند وضع الترتيب الأحمدي في شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين فتصدى للإقراء وأفاد الطالبين.
стр. 195
وكان مع ذلك له معرفة كلية بأسرار الحروف، وله في بيته خلوة وله نوع تصرف في الجان افتك بها كثيراً من المصابين في وقائع مشهورة وقد توقف الشيخ محمد بن الخوجة في أمر هذا التصرف فسأله وكانت للشيخ بنت مصابة فوعده صاحب الترجمة بالاجتماع باللجان ومحادثته له بواسطة ابنته وطلب منه أن يحضر مع ابنته بين العشاءين من تلك الليلة ليرى أمر الجان فأحض الشيخ ابنته بين العشاءين في بهو بيته وجلس هنية فإذا بابنته تسلم عليه وتحادثه حديث الجان المتبركين بالاجتماع به، واتفق للشيخ ذلك اليوم أن ورد عليه أحد أتباعه يخبره بأن فرسه قد سرقت من الهنشير وبينما كان يحادث الجان تذكر حديث الفرس فسأل الجان عن خبر فرسه فطلب منه الإمهال إلى أن يرسل من يبحث عنها ويخبره بها وبينما هم كذلك وإذا هو يقول له إن فرسك بالداموس الفلاني قرب الهنشير وإنها داخل الداموس ومستور عليها بالتبن، وبمجرد انفضاض المجلس مع الجان خرج الشيخ الأعرابي الذي أخبره بفقد الفرس وأمره بالرحيل من ذلك الحين وأعلمه بمحل وضع الفرس ليطلبها منه فوجد الأمر كما ذكر، أما هنشير الشيخ من ذلك اليوم لم يبق لمجاوريه تجاسر على تعاطي شيء منه خشية من اكتشافه من حيث لا يعلمون وبذلك ثبت عنده تصرف صاحب الترجمة في الجان.
ولما توفي الشيخ محمود باكير قدمه المشير الأول أحمد باشا باي مفتياً رابعاً يوم الأحد الخامس والعشرين من رجب ١٢٦٧ سبع وستين مائتين وألف فأفاد بدروسه وفتاويه والتزم عدم التعرض لأمر الجان مراعاة لخطته الشرعية وكان عالماً فقيهاً فاضلاً ثقة ذاكراً متبتلاً حسن السكينة حميد الأخلاق محباً للصالحين لطيف المحاضرة ينظم الشعر ويحتسب افتكاك المصابين من الجان كثيراً أدركته المنية في جمادى الثانية سنة ٦٩ تسع وستين ومائتين وألف عليه ﵀، ورثاه العالم الشاعر الشيخ محمود قابادو بقوله: [الطويل]
أجدك هذا مضجع بفخر والمجد ... ومأوى الفرد والسؤدد العد
أجدك قد ضم التراب مكارماً ... بها عنق العلياء قد كان ذا عقد
أجدك يهوى البدر من أفق العلا ... إلى منزل في الأرض دان على البعد
أجدك ما عاينت ليس توهماً ... فما في حياة لامرئ بعد من قصد
ألا فجعتنا الحادثات بمن به ... على حادثات الدهر نعدو ونستعدي
فقدناه فقدَ الشمس في ساعة الضحى ... وفقد زلال طاب باليمن والرفد
عهدناه نسراً ليس تدركه الدلا ... فكيف حوت أبراجه حضرة اللحد
وكان سريعاً للصريخ جوابه ... فما باله ما إن يعيد ولا يبدي؟
محمدُ عبَّاس غدا الدهر عابساً ... لتبدل من بعد البشاشة ذا وجد
كان لم طن تاجاً على هامة العلا ... ولا غرة في جبهة العلم والزهد
كان لم تكن أعتاب بابك ملجأً ... لأهل النُّهى والفضل في الحل والعقد
كان لم تكن في مسند الدرس قائماً ... وألفاظك الأصداف للجوهر الفرد
كان لم تكن في مجلس الحكم صارماً ... يصمّم في أغراضه ماضي الحد
كان لم تك التنزيل من فيكَ يكتسي ... غلائل من حسن الإبانة والسرد
كان لم تكن فوق المنابر قارعاً ... قلوباً غدت أقسى من الحجر الصلد
لئن جرِّعتْ من فقد كأسك علقماً ... فيا طالما جرعتها خالص الشهد
لقد كنتَ للخضرا شهاباً فأينما ... تباعدُ عنها ماردَ الجن بالطرد
تحرّرُ للقربى من الله وحده ... رقاباً غدت من ربقة الأسر كالعبد
تبوَّأت من حكم ابن داود منزلاً ... لغيرك ما إن ينتهي قط من بعد
هنيئاً لك الأجر الذي قد أتيته ... جوار كريم واسع الفضل والرفد
فإنّ عباد الله جل عياله ... بهم لجنان الخلد أجدر بالودّ
فها كلهم يدعو بقول مؤرخ: ... (محمد عباس أنل جنة الخلد)
٣١
الشيخ محمد معاوية
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمود بن محمد بن مصطفى بن حسين بن بايه محمد التركي الوافد على تواس من بلاد الترك وتزوج بإحدى حفيدات ولي الله الشيخ سيدي معاوية ﵁.
стр. 196
وقد ولد صاحب الترجمة غرة ربيع الثاني سنة ١٢٠٩ تسع ومائتين وألف، ونشأ في طلب العلم فقرأ على فحول الرجال منهم الشيخ حسن الشريف والشيخ محمد بيرم الثاني والشيخ الطاهر بين مسعود والشيخ محمد الفاسي والشيخ محمد بيرم الثالث والشيخ إبراهيم الرياحي، وبرع في المعقول والمنقول، وظهرت مزيته في الفروع والأصول، وتقدم إماماً بجامع الحنفية ببلد سليمان فأضاع علمه مدة سكناه تلك القرية.
لكنه تدارك أمره بعد حين وأرسل بتسليمه وحضر بجامع الزيتونة فوفد عليه أعيانه وتواردوا على دروسه توارد الظمآن على الماء فجلس للتدريس، بتحريره النفيس، وتصدى لإقراء عويصات الكتب وتدقيق غوامض المسائل بواقد فكره السيال، وفصيح تقريره السلسال، فقضاها سنين متطاولة يبث العلم في صدور الفحول، ويسترزق بالإشهاد وهو من أيمة الموثقين العدول.
وتقدم للتدريس في الرتبة الأولى بجامع الزيتونة عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف فأفرغ كليته للاشتغال بالتدريس عامة يومه اكتفاء بمرتبه لقناعته. وأخذ عنه فحول سبق ويأتي ذكرهم في تراجمهم، وتقدم خطيباً بجامع حمودة باشا المرادي صبيحة يوم الجمعة من سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف صبيحة يوم وفاة خطيبه الشيخ حمودة بن أحمد البارودي فخطب الخطب البليغة من إنشائه.
ثم قدمه الأمير أحمد باشا باي مفتياً خامساً يوم الأحد الخامس والعشرين من رجب الأصب ١٢٦٧ سبع وستين مائتين وألف، وأنف من تأخره عمن قبله حتى كاد أن لا يقبلها وعند ذلك اعتكف على الإفتاء مع التدريس وظهرت له في الفقه آية كبرى فخطب الخطب البليغة، وعند وفاة من تقدمه للفتيا وهو الشيخ محمد العباس صار مفتياً رابعاً ثم عند وفاة الشيخ أحمد الأبي صار مفتياً ثالثاً، ثم عند وفاة شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع صار فتياً ثانياً ثم عند وفاة شيخ الإسلام محمد بن الخوجة قدمه المشير الثالث محمد الصادق باشا باي لمشيخة الإسلام أواسط المحرم سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين مائتين وألف، وتنقل خطيباً وإماماً ومدرساً بجامع صاحب الطابع وشيخاً بمدرسته، وخلفه في خطبة الجامع الباشي الشيخ عثمان بن محمد البارودي إمام سراية باردو فزان الخطط بعلمه وفضله وخطب من إنشائه خطباً بليغة.
وآثاره العلمية أعدل شاهد على تضلعه في العلوم المعقولة لاسيما أصول الدين والبيان فقد حرر حاشية على مختص السعد البياني، وحاشية على السعد على العقائد النسفية، وحاشيتين على شرح عصام للسمر قندية كبرى وصغرى نحا في جميعها منحى الأعاجم من الميل إلى الاكتفاء بالرموز بحيث إن من لم يكن على بصيرة وانفصال في كلام الحواشي لا يقدر أن يحوم حول مغزاه في لطائف مقاصده الخفية ورموزه التي كر فيها بالإبطال على كثير من كلام السيد وعبد الحكيم فضلاً عن غيرهما وحسبك بهذا عنواناً على علمه، وقد شرح رسالة فواتح السور للشيخ محمد بن ملوكة، وله رسالة في الحسن ولقبح العقليين سلك طريقته في تسلسل الأبحاث.
وقد قرضها تلميذه الشيخ سالم بو حاجب بما نصه: الحمد لله الموفق لدقائق حكمه البالغة، والموصوف بجلائل نعمه السابغة، التي من أجلها هاته الرسالة الشريفة وفهم المراد من إشاراتها اللطيفة، حتى انجلت عن الألباب ظلم الحيرة المدلهمة في خلاف لا يكاد مثله بين أولئك الأيمة، كما من مطالعتها تراه، وتحمد عاقبة سراه.
هذا ولما أطلعني على مكنون سرها، ناظم مكنون درها، شيخنا البحر العلامة، وحبرنا النحرير الفهامة، القدوة اللوذعي، والجهبذ الألمعي، معدن التقى والإصلاح ومنبع الهدى والفلاح، النقادة الدراكة الراوية أبو عبد الله الشيخ سيدي محمد معاوية، أبقى الله بركته، وقرن بالسعادة سكونه وحركته، ورزقنا رضاه، ورضي عنه وأرضاه، فجمل الابتهاج بها فاتر الفكر، على القيام بواجب الشكر، فسلك اللسان مهامه الثناء على مولي النعم، وأنا بفي شكر مؤلفها لسان القلم، فجعل يركع في محرابها ويسجد، ويستملي في محاسنها وينشد: [الكامل]
طلعتْ تديرُ سلافةَ الألبابِ ... وتنيرُ بالتوفيق أفقَ صوابِ
دقَّتْ معانيها ورقت منطقاً ... يسبي العقول ويا له من سابي
حلو المذاقة مرها لمسلّمٍ ... ومعاندٍ كالشّهدِ أو كالصاب
يهمس فيلقح في القلوب رشادها ... كتفتُّق الأزهار غبَّ سحاب
стр. 197
لاح الهدى برسالة سلكت بتح? ... قيق الأعاجم مذهب الأعراب
ودلالها يبدي دلال لفظها ... كالغَّرةِ الحسناء تحت نقاب
يلهيك عن جريال معناها من التج? ... نيس والتسجيع أي حباب
جاءت تبين المذهب الحنفي في ... حسن وقبح دون ما إطناب
وتميط عن وجهٍ لتجمعَ بينه ... والأشعرية أيّما جلباب
وتدرجت من خدر فكرِ مجيدها ... تختالُ في حلل من الآداب
ذاك الإمام الفذ والشيخ الذي ... قد نال منه العلم عودَ شباب
يا صاح دونكها وخض لجيها ... ترجع بدر القلب لا الأرقاب
ما هي إلا منحة فتحيةٌ ... من فيض من يؤتي بغير حساب
ولذاك رصّع تاجها باسميه ج? ... لَّ جلاله الفتاحِ الوهابِ
كان عالماً فاضلاً فقيهاً محدثاً واعظاً أصولياً بيانياً متكلماً محصلاً شعلة من الذكاء لا يقف بحثه عن حد يتلاعب بعويصات المسائل إثباتاً ورداً علة وجه يحار فيه متلقيه آية الله في الاحتجاج، تجاوز عمره الخمس والثمانين سنة في حومة العلم، بحيث إنه في هرمه وعجزه لم يترك المطالعة، ول تزل فكرته على ما عهد منها، وقد ختم عكره بالكتابة النفسية التي كتبها في الحقيقة المحمدية، وهو عفيف عالي الهمة عزيز النفس محافظاً على شرف خطته إذا حضر المواكب يأخذ الأمير بيده.
وقد توفي ليلة الاثنين الحادي والعشرين من المحرم سنة ١٢٩٤ أربع وتسعين ومائتين وألف وقد أرخت وفاته بقولي: [الكامل]
الموتُ لم يبرح مجّرد غضبهِ ... فانظر مآل ذوي الحياة وعظ بهِ
لا يسلمنّ من الممات فتىً ولو ... سامى سماءً منْ تسامى كعبه
كلَّا ولا يجدي الفتى غيرُ الذي ... عملت يداه وكان أفضل كسبه
والعلمُ أفضل ما به يبقي الفتى ... فضلاً وذكراً يصطفيه بقربه
يبلى ويبقى علمه علماً على ... وسطِ الصدور وفي مؤلف كتبه
مثلُ المهامِ المرتضى علمُ الورى ... بحرُ العلوم المرتوى من عذبه
شيخُ الشيوخ الراسخ القدم الذي ... يسمو على (سعد) البيان (وقطبه)
هذا معاويةُ الإمامُ محمدٌ ... (ركنُ الشريعة) من سما في حزبه
هذا الذي في مذهب النعمان قد ... أجلى محاسنَ من مدارك لبّه
له في البيان وفي الكلام (مواقفٌ) ... لا يستضاء بغير نير شهبه
أفتى وحاز رئاسة العلما ولم ... يفتر عن التأليف منْ ولع به
حتى دعاه الموتى عن هرم فلم ... يبدِ الترُّيث عن موارد شربه
ولذاك قال ذوو النهى إذ أرّخوا: ... (يلقى معاويةُ الرِّضى من ربّه)
٣٢
الشيخ مصطفى بيرم
هو الشيخ أبو النخبة مصطفى بن محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بن بيرام، كان والده شيخ الإسلام البيرمي الأول في آخر عمره تزوج جارية اشتراها من إحدى الغنائم ليت وردت إلى تونس فرزق منها في آخر عمره بولدها صاحب الترجمة وتركه صبياً فكفله أخوه شيخ الإسلام البيرمي الثاني ورباه في حجره وعلمه ما يحتاج إليه حتى أخذ الملكة ثم تصدى لقراءة على ابن أخيه شيخ الإسلام البيرمي الثالث ولما ختم عليه السعد مدحه بقصيدة التي قال في مطلعها: [الوافر]
فؤادٌ ليس يصغى للملام ... ولحظٌ لا يميل إلى المنام
وأخذ عن جامع الزيتونة معقول العلوم ومنقولها، أخذ عن فحول منهم الشيخ أحمد بوخريص، قرأ عليه المطول، وقرأ على الشيخ حسين الشريف، وعلى جدنا الشيخ محمد السنوسي، وعلى أخيه الشيخ أحمد زروق وعلى الشيخ أحمد العوادي، وقرأ على الشيخ أبي الفدا اسماعيل التميمي مختصر ابن الحاجب الأصلي بشرح العضد، وتفقه على أخيه وابن أخيه، وأخذ عن الشيخ أحمد اللبي حتى صار من أعلام المحصلين وتصدى لتدريس فأفاد.
وتقدم للتدريس في الرتبة الأولى عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف فواظب على التدريس أدركته يقري أبناءه بسكينة بيرمية مع عدم الزيادة على ما في الكتاب الذي بين يديه إلا ما لا بد منه ﵁.
стр. 198
وقدمه لمشير الأول أحمد باشا باي إلى خطة القضاء في الحادي عشر من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٢ اثنتين ستين ومائتين وألف فباشر الخطة بفقه وتثبت ودين مع كمال العفة والتحري لدينه وأقام على الخطة المذكورة خمس عشرة سنة منها نحو العشر سنين يسكن بدار خربة لم يقدر على رمها واكتفى بسقيفتها للجلوس للحكم إلى أن أفضت الدولة إلى المشير الثاني محمد باشا باي فتكرم عليه بدار فاخرة فشكر فضله بقصيدته التي قال في مطلعها: [الطويل]
تبلّج ليلُ النصر عن صادقِ الفجرِ ... فأصبحتِ الأيّام باسمةَ الثغرِ
ولما توفي الشيخ محمود بن باكير قدمه المشير الثالث لخطة الفتيا منتصف ربيع الأول سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف وتقلب في خططها إلى أن بلغ مفتياً ثانياً.
وتقدم إماماً وخطيباً ومدرساً بالجامع اليوسفي، كما ولي مشيخة مدرسة الباشا الحنفية.
وهو عالم عامل فاضل محافظ على ديانته متثبت في قضائه وفتاويه، حسن الخطبة حافظ للتاريخ، قد اكتفى بقاعته في حفظ مروءته لم يحفظ عنه أنه طرق باب أميره أو وزيره، ولا تأخذ في الله لومة لائم، شعره رقيق، ونثره أطيب من المسك الفتيق.
وله تحارير في كثير من المسائل، استدرك بها ما تقدم عن الأوائل، وله أختام بديعة الانتظام وقد لازم الإفتاء وكان عماداً في الفتيا حتى أن شيخنا أبا عبد الله محمد البارودي لما ولي خطة القضاء لم يعتمد على غيره واتخذه مرجعاً يسعى إلى داره في كثير من الأوقات وقد أفاده في فقه القضاء فائدة سمعته يشكر فضله فيها كثير كما هو شأن الفضلاء أمثالهم في الاعتراف بالفضل لذويه.
وقد توفي في أوائل ذي القعدة الحرام سنة ١٢٨٦ ست وثمانين ومائتين وألف وقد رثاه العالم الشيخ سالم بو جاجب بقوله: [لكامل]
الحدسُ يجمع والزمان يفرِّقُ ... والنفس من خوف التفرق تفرقُ
ودوائرُ الآمال بها وسَّعتْ ... ما وسّعت لا شيءَ منها أضيق
لا يأمنُ المشتف كأس مسرة ... أن يقذيَ الأقداح حزن يدمق
وبقدر حسن الشيء يخشى نهبه ... زله الردى حجبَ التوقي يخرقُ
كم ذي حجا لزم الخمول مجانباً ... ما في المظاهر من سهام تمرقُ
وإذا أحس الدهرُ منه بشهرة ... في الناس عاجله بصدق يوفق
أو ما ترى طودَ الهدى نسفته في ... زحلوقةٍ هيف المنون الزَّحلق
فارتدَّ روضُ العلم يبساً ذاوياً ... وبواتر الفتيا عداها الرونق
ولمذهب النعمان أي كآبة ... وتلهفٌ وتحسّرٌ وتحرّقُ
لأفول شمس الدين والدنيا التي ... كانت على أرجاء تونس تشرق
لكت الدفاتر والحابر والمزا ... بر والمنابر لو جمادٌ ينطق
فاستفتِ دارسَ رسمها في مشكلٍ ... هل يخبرنكَ اليوم بيدٌ سملقُ؟
أين الذي يا كتب كان يجيبنا ... عنكم بما هو للتّحير أمحقُ؟
أين الذي قد كان يفتح منكمُ ... بمقالدِ الأقلام ما يستغلقُ؟
أين الذي يجلي بكحلِ مداده ... ما في عيونك من عيون تغلقُ؟
يمسي ويصبح مصلحاً ما شانها ... أو بين مختلفِ النقول يوفِّق
أين الذي يا كتب كان مسامراً ... لجموعكم بحديثها يتأرَّقُ؟
أين الخبيرُ بما تكنُّ سطورها ... وبما يقيد حكمها أو يطلق؟
مالي أراها لا تجيب تصامماً ... أم مات منْ لأصمِّها يستنطقُ
كنزُ المعارفِ مصطفى نجلُ الذي ... هو في محاميد البيارم أسبق
ذاك الذي جمع الخمول وكونه ... ينبوع علم للورى يتدفق
جمع البشاشةَ والتودُّدَ للورى ... مع همَّة بالفرقدين تعلق
جمع البلاغة والشجاعة والتقى ... وتغزل الآداب وهو موفَّق
وله بتاريخ البلاد درايةٌ ... وروايةٌ لحوادثٍ تتنسّق
وعوائدٌ فيها تنوسيَ أصلها ... وفوائدٌ ما إن حواها مهرق
لا عيب فيه سوى الأناة مع الحيا ... أوْ أنه بالعلم لا يتشدق
أو أنه في كل فن قدوة ... وبعلمِ فقهٍ شأوهُ لا يلحقُ
نصبتْ منصَّات النصوص لديه نص? ... ب العين بالإفتاء برقاً يبرق
فاسأل جميع الناس هل حفظوا له ... من زلة حيث النهى تستزلق
هل ريءَ منه سوى الرضى عند القضا ... أو كظم غيظ أن جفاه الأحمق؟
стр. 199
هل ريء يوماً راغباً في منصب=أو بابَ ذي جاه وجود يطرق؟ هلْ كان غير الاقتصاد سبيله=لا يقتفي رخصاً ولا يتعمّق؟ واسأل ذوي الإغواء هل كانت لهم=في حكمه آمال ميل ترمق
يرضي كلا الخصمين نافذ حكمه ... فترى السجين كأنّما هو مطلق
وإذا خلا الحكام عن غرض وعن ... جهل بحق الله لا يستحنق
وبجملةٍ فالشيخُ فذُّ زمانه ... وبصالح السلف الأوائل ملحق
ما ضرّه التأخيرُ في تصديره ... كاللام في إخبار إنّ تزحلق
يا راحلاَ عن فتية غادرتهم ... حيرى ويومُ البين ليلٌ مطبق
أعزز عليهم أن تغيب ولا يرى ... من شمسكم قبل القيامة تشرق
يا مودعاً في قلب من قد فاته ... توديعكم حرقاً بها يتمزق
هل أعجلتك الحور عنا أم لكم ... علم بأني عن قريب ألحق؟
أم قد نسيت العهد لا بل ها أنا ... مستغفر مما لساني يسبق
جهل العهود البيرمية مبرم ... بسواه ذو التجريب لا يتوثّق
يا آل بيرم لا عدمنا منكم ... عقداً به جيدُ العلوم يطوّق
إن أخلقتْ نوبُ الردى منكم فتى ... ففخاره طول المدى لا يخلق
من ينتحلْ تهذيبكم فجوابه ... شتان خلق راسخ وتخلّق
وعزاؤنا والناس طرّاً واحدٌ ... وأرى المصاب يهون إذ يتفرق
يا رب أكرم نزله وأنله ما ... قد كان من سعة العطا يتحقق
يا رب خلقك يشهدون بأنه ... الأصدق الأوفى النصوح المشفق
يا رب صدّق فيه قول مؤرخ: ... (بمقام صدق حل هذا لأصدق)
? ٣٣
الشيخ أحمد بن الخوجة
هو شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة شيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام وحفيد مفتي الأنام فهو ثالث أبائه الكرام في الخطة الشرعية، ولد سن ١٢٤٦ ست وأربعين مائتين وألف، وتربى في حجور العلم والتعليم، والفضل والتكريم، باعتناء والده شيخ الإسلام الذي اتخذ الاشتغال بتعليمه ديدناً في أواخر عمره سائر الليالي والأيام، فجود على والده القرآن العظيم وقرأ عليه الأجرومية وشرح الشيخ خالد والأزهرية والمكودي على الألفية والدرر في الفقه الحنفي وشرح المحلي على جمع الجوامع والسعد على العقائد النسفية، وروى عنه صحيح البخاري وأجازه عنه بسنده العالي إجازة مطلقة ﵁ وهذا نصها: الحمد لله الذي وصل من انقطع إلى جنابه، ووقف ضارعاً خاضعاً ببابه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، صلاة وسلاماً ترجو بهما النجاة يوم العرض على الله من مناقشة حسابه، وأليم عقابه.
وبعد، فإن ولدي الفاضل النجيب، الزكي الذكي الأريب، الحائز من العلوم أوفر نصيب، الرامي في ميدانها بسهم مصيب، الأمجد، الأنجد، أبا العباس أحمد، زاده الله توفيقاً، وحشرني وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، قد التمس مني أن أجيز له فيما تضمنه هذا الثبت وغيره مما أمليت أو كتبت وفي سائر ما هو لدي، وصحت نسبته إلي، فها أنا قد أجزت له إجازة تامة في ذلك كله علماً مني بأنها من وضع الشيء في محله، وأجزت له أيضاً أن يجيز من أراد الكرع من حوضه، والاقتطاف من أزهار روضه، وأوصي ولدي بتقوى الله في سره وعلانيته، فإنه سبحانه مطلع على فعله وعلى نيته، وأن لا ينساني من صالح دعواته، في خلواته وجلواته، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولا حول ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم كتبه بيده الفانية الفقير إلى ربه محمد بن بالخوجة عفا الله تعالى عنه بمنه في يوم الاثنين التاسع عشر من صفر سنة ١٢٧١ إحدى وسبعين ومائتين وألف، سبحان المحيي المميت سبحان الحي الذي لا يموت سبحانه لا إله إلا هو.
стр. 200
وقرأ على عمه الشيخ حسن بن الخوجة القطر والفاكهيونبذة من العيني على الكنز، وجود برواية حفص على الشيخ حسين البارودي والشيخ محمد الستاري، وروى عن الشيخ إبراهيم الرياحي قطعة من الموطأ وأجاز إجازة عامة مثل ما أجازه به والده وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة نبذة من شرحه للدرة، وقرأ على الشيخ محمد يبن عاشور الآجرومية والخبيصي على التهذيب والأشموني ومقدمة مختصر السعد، وقرأ على الشيخ محمد بن سلامة نبذة من تفسير القاضي البيضاوي، وقرأ على الشيخ محمد النيفر قطعة من الأشموني ومقدمة مختصر السعد والكبرى وقطعة من تفسير البيضاوي، وقرأ على الشيخ محمد معاوية المطول وصدر الشريعة والشفا، وقرأ على الشيخ محمد البنا الأشموني على الألفية، وقرأ على الشيخ محمد الخضار نبذة من الأشموني، وقرأ على الشيخ علي العفيف الأزهرية والتوضيح المحلي على جمع الجوامع، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد المكودي على الألفية والأشموني والمطول، وقرأ على الشيخ محمد الشنقيطي شرح الشيخ خالد على الأجرومية والأزهرية. ومع هذا سهر الليالي في خدمة العلم والمطالعة وإجازه شيخ الإسلام البيرمي الرابع بإجازة بديعة نصها: [الوافر]
بحمد الله أفتتح المقالا ... وأشكره على النعمى تعالى
وأسأله الصلاة على رسول ... بمحكم شرعه نسخ الضلالا
وأسأله سلاماً منه دوماً ... على علياء حضرته يوالي
صلاة مع سلام كل حين ... يعم شذاهما صحباً وآلا
وبعد، فإنّ نيل العلم فخرٌ ... لصاحبه يورِّثه جلالا
ولاسيما الحديثُ وأي شخص ... يزاوله ولم يحمد مآلا
وممن قاده التوفيق حتى ... تردّد في معالمه وجالا
وأسهر جفنه فيه اكتساباً ... وبالغ في تطلبه فنالا
(أبو العباس أحمد) وهو منْ قد ... عجزت إذا طلبت له مثالا
وبابن الخوجة الأسمى أبيه ... محمدٍّ الهمام حوى احتفالاً
ومن أضحى لذاك الليث ... فقد سبق الجهابذة الرجالا
وقد طمحتْ إلى الإسناد نفس ... زكتْ منه وأحسنتِ الفعالا
فأضحى للفقير يرومُ منه ... إجازته وقد ظن الكمالا
وأفنى في تردده زماناً ... وكرّر من عنايته السؤالا
فأحجم عن إجابته حياء ... وأوسعه لذا المعنى المطالا
ولمّا لم يجد من ذاك بدّاً ... ولا أعفى الملحُّ ولا أقالا
تجشَّمها وليس بأهلٍ ... مساعفةً لراغبه وقالا:
أجزتُ له روايةَ ما روى لي ... أساتذتي وقد كانوا جيالا
وخصصت الصحيحَ بذاك ذكراً ... لأنّ له على السبق اشتمالا
وذلك جامع (الجعفيِّ) من قد ... عليه الناس قد أضحوا عيالا
وأرويه عن الجدّ المعلَّى ... ومن بعلومه ملأ السِّجالا
وقدْ أبدى له سنداً بنظم ... شهيرٍ لو حواه الطِّرسُ طالا
وعممت الإجازة في علوم ... لزمت بكسبها مني اشتغالا
فلست مخصصاً منها كتاباً ... ولا فنّا وأوسعت المجالا
وما حرَّرتُه في العلم عني ... روايته له ساغت زلالا
وفي المنثور والمنظوم ممّا ... تنمّق فاغتدى سحراً حلالا
وذاك ملائكه التقوى فطوبى ... لعبد نال بالتقوى اعتدالا
وبالإخلاص في التعليم أوصي ... فذاك يورِّثُ العلم الجمالا
وأسأله إذا ناجى دعاء ... لزلاتي العظيمة أنْ تقالا
وبالختم الجميل وفاز عبد ... غدا حسن الختام له نوالا
стр. 201
وتقدم لخطة التدريس بجامع الزيتونة فزان الجامع بدروسه في المعقول والمنقول، وأخذ عنه كثير من الجهابذة الفحول، وتقدم لإمامة جامع محمد وباي مدرسة المشيخة الشماعية فزان صدريهما بدروسه العالية وخطب من إنشائه الخطب البليغة، وختم بالجامع الأختام التي هي أفخر الأختام حضر الأمير كثيراً منها واتخذها جهابذة العلماء محطاً لرحالهم، وتقدم لخطبة القضاء في ربيع الأول سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين مائتين وألف فقام بأعبائها ورجع والده فشابهه في التطبيق والتنزيل وأصبح في دار الشريعة هو الفرد العلم، ومن يشاب أباه فما ظلم، وفي المحرم سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين ومائتين وألف تقدم مفتياً ثالثاً، فأعاد على جامع الزيتونة ما ألفه من دروسه المحققة المحررة وتصدى للتدريس والإفتاء، على طريقة لا ترى فيها اعوجاجاً ولا أمتاً، وكتب الفتاوي المحررة وقد تصدى لتكميل حاشية والده على الدرر من أولها حيث إن شيخ الإسلام والده ابتدأ على الكتاب المذكور من النكاح.
ولما توفي الشيخ مصطفى بيرم صار هو ثنيان الفتيا وهو عماد أهلها علماً وفقهاً وخبرة بالسياسة الشرعية مع تضلع في العلوم العربية والأدبية بحيث إنه حامل رواية المعقول والمنقول، الآية الكبرى في الفروع والأصول، وتجمل بحسن الأخلاق ولطف المحاضرة وحسن تقلب في المذاهب السياسية والشرعية وعلو الهمة وحسن الملاقاة والبشاشة والكياسة والمعرفة بتاريخ البلاد، والأصالة التي ألحقت الأبناء بالآباء والأجداد، والإبداع في النظم والنثر والقلم السيال، في حسن الإرسال، والتصدي لنفع العباد بما فوق المراد، فقد بذل جاهه فيما نفع به كثيراً من الناس وله ميل إلى معالي الأمور وتخليد الذكر الحسن.
وقد قرأت عليه في مبدإ قراءتي غالب شرح القطر لابن هشام بحواشي الشريف ونبذة من التصريح، وقرأت عليه بعد ذلك دروساً في المطول من مبحث الفصل والوصل بحواشي المولى عبد الحكيم مع تحرير بديع، ثم قرأت عليه الفاتحة في تفسير القاضي البيضاوي بحواشي عبد الحكيم وكان يومئذ بصدد الكتابة على الحواشي المذكورة بحيث إنه تصدى لإتقان إقراء الكتاب المذكور بغاية الاعتناء وحضر بين يديه حينئذ كثير من جهابذة علماء العصر.
ولما توفي الشيخ محمد معاوية قدمه المشير الثالث محمد الصادق باشا باي إلى خطة مشيخة الإسلام يوم السبت السابع والعشرين من صفر الخير سنة ١٢٩٤ أربع وتسعين ومائتين وألف فزان الخطة المذكورة بمفاخرة التي لا تحصى.
وقد كاتبه الشيخ سالم بوحاجب مهنئاً بذلك بما نصه.
تبارك الذي أقر عيون المناصب الشريفة، بمصادقة ذوي الرتب العرفانية المنيفة، ووسع دوائر الإنتاج في كل إدارة، كلما زفت الصدارة، لمزيد الجدارة، فهناك تتواصل أرحام السداد، وتتعاضد فنن الاتحاد، بانضمام سهولة الانقياد، بحسن الاقتياد، وقد آذن بتفتق أزهار الرياض العرفانية، غرف هاته الأماني السنية.
[الكامل]
نبأٌ أدار سلافة السَّرَّاءِ ... وأدال تهنيةً عقيبَ عزاءِ
بدءاً نعى شيخ الشيوخ المنتجي ... بسليم قلب أرحم الرحماء
وبإثر ذا هجم السرور على الأسى ... كهجوم جيش الصبح بالظلماء
أن قد تبوأ رتبة المرحوم من ... هو منه منزل مبدع الأبناء
العالم ابن العالم ابن العالم اب ... ن أماجد الأجداد والآباء
فلتهن مشيخة الإسلام ... ول
تعد الشباب بأحمد الأكفاء
فلبيتها الخوجي عادت رغبة ... والعود أحمد مفصح بثناء
سيدي وملاذي، وابن المقدس سيدي وأستاذي، أدام الله بمجدك الأثيل مسرة أصدقائك، ولا حجب العيون عن الاهتداء بنور ارتقائك.
стр. 202
بعد السلام الأتم، النامي بطيب المكتم، فإن رسوخ قدم الأخوة القديمة، وحسن المعاملة التي لم تزل لحفظ حقوقها مستديمة، مما يوجب أن أنهي لجنابكم السامي وسؤددكم العظامي والعصامي أن ارتقاءكم رتبة المشيخة الإسلامية، المؤسس على دعامتي التهذيب والتبريز في الحلبات العلمية قد توفر من مسرته حظ العبد، وإن اتسعت مسافة البعد، واستوعبن الأشغال القبل والبعد، بيد أني تصاممت برهة من دواعيها، لأبث لهاته البطاقة طوية تحظيها عند واصيها، وفي ضمن تهنئكم أهنئ نفسي ثم سائر أبناء جنسي، حيث إن منى الجميع هو نمو النتائج العرفانية لذي هو ملاك الاستقامة الدينية والدنياوية وتقديم مثلكم حفظكم الله تعالى فإنه لتحقيق المنى، فما أجدره بتعميم المسرة والهنا، وأسأل الله أن يديم بحفظكم نجاح الآمال، فما أجدره بتعميم المسرة والهنا، وأسأل الله أن يديم بحفظكم نجاح الآمال، وتسديد الأعمال، وظهور آثار الكمال.
وقد لازم بعد تقلده الخطة تحرير المسائل، لكل سائل، وكتب عدة رسائل، يجري بها عذب النفع السائل، ووقفت منها على تحريرات صدعت، بأوضح التقريرات وفي كثير من تخريجاته يتبين له أنه وافق فيه ما هو مختار محرر المذهب الحنفي بالديار التونسية شيخ الإسلام البيرمي ومع ذلك يجمع ما عليه المذهب الحنفي والمذهب المالكي مما يكون به تحقيق المناط في غاية الوضوح، وذلك من سعة علومه وتوسع أنظاره في مقتضيات الأحوال توسعاً لم يشاركه فيه أحد من علماء البلاد في هذا العصر.
ومما أوقفني عليه من بدائع تحريراته رسالة في حكم الانتفاع بشواطئ البحار ومعظم الأنهار، وعندما تأملتها ورأيت حسن منزعه فيها كتبت له عليها بما نصه: حيهلا بالمحيا الوسيم، والثغر العاطر الشميم، المفتر عن الدر النظيم، من تحريرات ذي النفع العميم حجة الإسلام، ومجمع بحري المعقول والمنقول، تاج جبين الأعلام، الذي افتخرت به الفروع والأصول، البحر الخضم، المتلاطم الأمواج بالعلوم والحكم، والطود الأشم، والركن المستلم، ومن إليه انتهى التحقيق في كل ما عرض وألم، مقيم دعائم المجد والكرم، بالفضل الأعم، حامل لواء الشريعة في كل الأصقاع، وهل تخفى النار يحملها اليفاع، شمس لملة وإمامها، وفخر الأمة وعلامها، صاحب المفاخر التي لا تقف عند حد، ووارثها عن أكرم أب وجد، فرع شموس الهدى بين الأنام، ومنجب العز المحجلين من الأعلام أستاذنا الهمام، مولانا شيخ الإسلام وابن شيخ الإسلام علامة العصر سيدي أحمد بن الخوجة لازالت سيول معارفه ثجوجه، وطريقته في العلوم أكمل طريقة منهوجة، وناهيك بما أبداه من الآثار، التي شنفت السمع بالدر المختار، وأجلت لسائر الأنظار، أجنتها الدافية القطوف والثمار، من هاته الرسالة التي أوضحت حكم الانتفاع بشطوط الأبحر ومعظم الأنهار، وما شاكل ذلك من المسيلات والعيون، مما كان حكمه بين الجهابذة في زوايا الكمون، حتى تجلت هاته المسائل كالعرائس على منصاتها، وقد ضفت ظلال التحقيق على عرصاتها، واكتسب من إبداع التحرير أي جلباب، عليه رونق تحبير الآداب، بفصاحة الأنفاس، ووضوح النص والقياس، حيث جمعت جميع ما تحتاج إليه تلك المسائل على الوجه المحصول، وأحاطت بأحكامها الفرعية المؤيدة بقواعد الأصول، مستندة إلا ما جرى به العمل في هاته الديار، وتحرر عن الجهابذة الأخيار، حتى أجرى به مؤلفها النحرير من أعذب موارده، بالنقل عن المقدس والده، نقلاً مدللاً بنصوص أيمة المذهب وحفاظه، مؤيداً بمتانة فهمه وعذوبة ألفاظه، ولابدع في ذلك ما هاته بأولى أياته، وكم أظهر في غرائب المسائل لطائف نكاته، النمحبرة بتحبير تحريراته، لازال بيته ركنا في الإسلام، وهو تاج بين الأعلام، على ممر الأيام، وبما أن كرم هذا المهام أنالني حضور مائدة الإكرام، بإباحة المطالعة لهاته الآيات العظام، حتى أسمت الفكر القاصر في رياضها، وكرع من منزل حياضها، حتى أصبح نشوان من أقداح هذا الإبداع، ولك يتمالك أن حدا اليراع، في اقتحام ما ليس بمستطاع، حتى جرى في ذلك الميدان خجلاً من مقام الإجلال، ونظم ما جال في الخلد من جولان تلك الرسالة البديعة فقال: [الكامل]
جالت فأجلت نيّرَ الأقمارِ ... وأجالت الأقداح باستبصار
فإذا لها فخر المعلّى ينجلي ... بين الأجلاء انجلاء منار
стр. 203
وبهاته كشف المعمى حيثما ... عنها أميط اليوم خير ستار
فبدا محياها عليه تهلل ... بطلاقة التحرير دون غبار
وتبسمت عن ثغر تحرير جلا ... تدقيقَ حبر واسع الأنظار
وجرت بميدانِ النصوص وأحرزت ... نسقاً يعود بأحسن الآثار
لم تعدُ منطوقاتها إلا لتح? ... قيق المناطِ بواضح الأسرار
وتأيدت من ذاك بالعمل الذي ... أجراه من سلفوا على أطوار
فغدت حفاظَ مسائل سالت بها ... مزنُ العلوم بوابلٍ مدرار
أبدى مؤلِّفها بها حكماً على=شطِّ البحور ومعظم الأنهار
لا زالت حجة ديننا تسمو به ... أصقاعنا عنه سائر الأقطار
وتوفي بمرض لازمه عدة سنين لم يترك في فرص راحته الاشتغال بالعلم والإفتاء إلى أن أتاه محتوم الأجل بعد زوال يوم الأحد الخامس من ذي الحجة عام ١٣١٣ ثلاثة عشر وثلاثمائة وألف، ودفن صبيحة الاثنين بالزلاج وحضر الأمير مشهد جنازته وصلي عليه ببطحاء القصبة عليه رحمة الله.
٣٤
الشيخ أحمد كريم
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمود بن عبد الكريم المدعو كريم بن عثمان التركي، ووالدته بنت مصطفى بن عبد الكبير بن يرسف بن عبد الكبير بن يوسف درغوث فهي حفيدة ثلاثة من مشايخ الإسلام، وكان مقدم جده عثمان من جند الترك، وكان ولده كريم أمين صناعة الشاشية بتونس، وكان ولده محمود تعاطى صناعة الشاشية.
وولد صاحب الترجمة ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة ١٢٤٣هـ? ثلاث وأربعين ومائتين وألف وقرأ القرآن العظيم على الشيخ الحاج علي بن المهدي وأتمه على الشيخ محمد الذهب الخياري وابتدأ قراءة العلم الشريف في شوال عام ١٢٥٨ ثمانية وخمسين ومائتين وألف فقرأ على الشيخ حسن بن الخوجة كتب المبادي شرح الشيخ خالد والأزهرية والقطر ومراقي الفلاح ومولا المسكين على الكنز والتذكرة للقرطبي، وقرأ على أخيه الشيخ محمد بن الخوجة الأزهرية وقطعة من البخاري وقطعة من الدرر، وقرأ على الشيخ حمدة بن عاشور الألفية وقطعة من شرح الأشموني وقطعة من السعد، وقرأ على أخيه الشيخ الطاهر بن عاشور القطر والبردة والمحلي والمطول الجميع بحواشيه التي ألفها وقطعة من مسلم وقطعة من المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ حسن فرشيش الفرائض، وقرأ على الشيخ الحاج عبد الله الدراجي الشذور، وقرأ على الشيخ محمد برناز شرح المصنف على السلم، وقرأ على الشيخ محمد القسنطيني الصغرى والوسطى وقرأ على الشيخ محمد بن مصطفى البارودي الشذور، وقرأ على الشيخ محمد معاوية الدرر، وقرأ على غير هؤلاء يسيراً مثل الشيخ العربي الشريف والشيخ محمود قابادو والشيخ الأمين بن الخوجة وقرأ على الشيخ محمد ابن سلامة نبذة من المكودي، وأخذ جانباً من الموطأ عن الشيخ إبراهيم الرياحي، وروى الشفا عن الشيخ مصطفى بن عزوز دفين نفطة، وتقدم لخطة العدالة في ٣ ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف.
وهو أول مدرس حنفي ثبت في الرتبة الثانية بجامع الزيتونة وولي ذلك في ربيع الأول سنة ١٢٦٥، ثم ارتقى إلى الرتبة الأولى في ٥ جمادى الأولى سنة ١٢٦٧ وأقرأ كتباً مهمة منها الكنز وتتبعه بالهداية وفتح القدير ومنها شرح الشيخ برتقيز على متن القدوري وصل فيه إلى كتاب الجنايات، وعند ذلك اتفق أن انتصبت مجالس الجنايات بتونس وتقلد هو كاهية المجلس في شوال سنة ١٢٧٧ وتقدم في قوانينها تقدماً كلياً إلى أن صار رئيس مجلس الجنايات وتقلد خطة الإفتاء في الثالث والعشرين من شوال سنة ١٢٨٠ ثمانين ومائتين وألف، ثم تقدم خطيباُ وإماماً ومدرساً بالجامع الحسيني أواخر شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف بتأخير الشيخ محمد بن أحمد البارودي إمام السراية بباردو. وخطب من إنشائه الخطب البليغة وقد وقفت له على ديوان خطب مهذبة مختصرة يستعملها بعض علماء الحاضرة وختم فيه الأختام المحررة الرائقة وقد حضر الأمير بعضها.
وهو عالم داركة عارف بمقتضيات الأحوال فصيح اللسان والقلم لطيف المحاضرة مستحضرة للأجوبة محرر لدروسه خبير بدقائق المذهب الحنفي متودد إلى الناس جميل السمت نظيف الثياب حسن الهيئة أديب شاعر ناثر يرصع قصائده المديحية بمحاسن الغزل.
стр. 204
وجمع شعره في ديوان سماه السحر الحلال يحتوي على ثمانية كراريس من لطيف الشعر، وقد شرح قصيدة كعب بن زهير شرحاً لطيفاً شحنه أدباً ولطائف من أحوال العرب ووقائعهم، وكتب شرحاً على البسملة، وشرحاً على خطبة مختصر السعد التفتازاني، وحين أقرأ شرح القدوري للشيخ برتقيز بجامع الزيتونة تتبع قضاء الفوائت بمسائل معركة الشيخ حسين البارودي والشيخ لطف الله الأرزومي الأعجمي وكتب في المسألة رسالة صوب بها كلام كل من الشيخين.
ولما توفي الشيخ مصطفى بيرم صار مفتياً ثالثاً ولما توفي الشيخ محمد معاوية صار مفتياً ثانياً فهو اليوم كاهية شيخ الإسلام ملازم للإفتاء والتدريس.
وختم صدر الشريعة بجامع الزيتونة وكتب حواشي على مباحث من الدرر، وتصدى لشرح منظومة المحبي في الفقه الحنفي شرحاً بديعاً يحوي تلك المسائل الفرعية على ما به عمل الديار التونسية بأنقال عين المسائل من أمهاتها وتأييدها بقواعدها الأصولية التي ابتنت عليها وربما أوضح مبنى الاختلاف بين مذهب المالكية والحنفية بحيث إنه يعد من مهمات كتب الفقه الحنفي.
ولما أطلعني على أجزائه قبل استيفائه كتبت عليه في تقريظه ما نصه: تبارك الذي أنشأ جنات معروشات، بأجمل العريش وأطلع في آفاق الصفحات خيلان الأحبوشات، وأفاض عليها من الإبداع جناح المريش. أبدع آيات إحكام أحكامه وكل شيء عنده بمقدار، وأتقن ترتيب العالم في نظامه ولا يعلم أحد ما أودع في تلك الأسرار، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شا ومن لعقل القاصر بفهمه أن يصل إلى إدراك حقائق ما على حكمة الإبداع قد انتشا فكم من خبايا في زوايا هذا النظام، تنشر أبدع الطي من مفاخره، وكم من غرائب تحار دونها الأفهام، لا تختص بأوله ولا بآخره، فمن خاض خضم هذا النظام وسبح في بحره الزاخر، رأى بعيني البصر والبصيرة مصداق كم ترك الأول للآخر، أفلم يأن للمتبصر أن يقلب طرف الاستبصار، ويجيل فكر الاعتبار، في شريعة سيد الأبرار، التي لم يزل تجدد الليل والنهار، يشيد منها أعز منار بأحكم الآثار، الدالة على صلوحيتها لكل جيل في جمع الأطوار، ولم يزل علماء الأمطار في جميع الأقطار يوضحون ما لم يهتد إليه غيرهم من الأسرار، إلى هذه الأعصار، التي أطلعت آية غطت على الشمس في كبد النهار، ونثرت الدر المختار، بما عليه المدار، من فقه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، ﵁ وأرضاه ما تجدد الملوان، ألا وهو شرح المنظومة العديمة النظير، الموشحة بأحسن التحبير، المنسوبة إلى العلامة المحبي المساة بعمدة الحكام ومرجع القضاة في الأحكام، ويا لها من مرجع بديع النظام، تفتخر به الأيام، ويا لله ما أجلاه من خبياتها ذلك الشرح، الذي رفع به مؤلفه من قواعد الأصول والفروع أعظم صرح حرره ثنيان الفتيا، ومن له في العلوم العقلية والنقلية الرتبة العليا، الداركة النحرير، ومعدن التدقيق والتحرير، والعمدة العلامة، والدراكة الفهامة الهمام الكريم، والمتقلد من وصف الكرم بما يدل على التعظيم، من خيم الفضل في ساحاته فكان أكرم مخيم المفتي الشيخ أحمد كريم، لا زالت مساعيه ناجحة، وموازين علومه بالصواب راحجة، وناهيك بما أودع فيه، والذي ملأ الكون من مفاخرة يكفيه، فقد أتى في إبداعه بالسحر الحلال، والعذب الزلال من كشف خبيات تلك اللآل، التي كانت في زوايا الإهمال، وما جلس لها أحد لها في الخلال، حتى أجلاها على منصة الكمال، واضحة الأقفال مؤيدة من القواعد الأصولية بأمتن وجوه الاستدلال، التي لم تترك وجهاً للإشكال، مع الإنصاف الذي هو ملاك الأعمال وتحرير المعمول به الأقوال ولما أوقفتني مودة هذا الشارح على غاية الآمال من هذا الشرح العزيز المثال، الذي رتع الفكر في مفصل رياضه وجال، وتوله بحميا خندريسه فأنشأ وقال: [الوافر]
أبحرُ الفقهٍ يقذف مثل غرب ... بفيض الدر من شرق لغرب
فأطهر بين أهل العلم كنزاً ... يفيد كفاية في كل إرب
أمٍ التوضيح بان به منارٌ ... من الإرشاد بالإصباح يبني
هدانا للهدى لأعزّ معنى ... هو المغني على قرب المغب
بلى إنّ الصباح لهُ انبلاج ... بفجر ساطع من تحت حجب
وما هو غير شرح فاق كشفاً ... يزيل الحجب عن (نظم المحبي)
به صدر الشريعة زان روضاً ... يطيب بعرفه لين المهب
стр. 205
فساد به كمالٌ تونسي ... أسالَ النفع من سلسال عذب
فعاد له الثنا عوداً ينادي ... بأن العود أحمد وهو حسبي
همام توج الفتيا بعلم ... به الفتيا تروح له كصب
وأطلع من مطالعه عزيز ال? ... فتاوى نيّرات مثل شهب
وأجرى من منابعها سيوباً ... تروِّي النفس من رقراق شرب
وأجلى من محاسنه عروساً ... موشحةً سمت عن كل ترب
وأظهر من صنعائه جميلاً ... فهذا الشرح طب المستطب
به درر المحب تزيد حسناً ... نحور المعتلي منها بقرب
فتحظى حاليات من سناها ... وكانت قبل لم توسم بثقب
ويا لله ما كشفَ الحجا من ... خبيات المعاني كشف ذرب
فأضحى من أصول الفرع ما ... به كشف المعمى دون ريب
وأيدها بأنقالٍ وفقهٍ ... أدلته نبت عن كل عطب
وربَّتما توسّع في بساط ... توسُّع سابرٍ أغوار كتب
يريك مداركاً لمذاهبٍ قدْ ... أماط عنها اليوم كل حجب
وتعليلاً به يشفي غليلاً ... ويسق ظامياً أكواب عذب
هو الشرح الذي في شرخ عمري ... رأيت الكشف منه فقلت حسبي
به قد فاخر النعمان جهراً ... وأشهر صاحباه صقيل عضب
ومن كرم كريم القوم أسدى ... به بيض الأيادي دون غب
أدام به المهيمن سيب نفع ... يجود به لإرواء المحب
وولي مشيخة الإسلام بعد وفاة من قبله وتوفي في المحرم سنة ١٢١٥.
وتقدم عوضه الشيخ محمد بن مصطفى بيرم شيخ الإسلام البيرمي الخامس.
٣٥
الشيخ حسن بن الخوجة
هو الشيخ أبو محمد حسن بن أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة المفتي ابن المفتي وأخو شيخ الإسلام وعم شيخ الإسلام فهو رابع آل بيته الكرام في الخطة الشرعية. ولد عام ١٢٠٩ تسعة ومائتين وألف وقرأ على والده الشيخ أحمد بن الخوجة شيئاً من المبادي وختم عليه الأشباه والنظائر، وقرأ على أخيه الشيخ محمد بن الخوجة كثيراً من المبادي وشرح الدرر، وقرأ على الشيخ محمد بيرم الثالث صدر الشريعة والدرر، وقرأ على الشيخ أحمد الأبي الفاكهي والأشموني، وقرأ على الشيخ محمد الستاري علم الكلام بمسجد العبيدي.
وتصدى للإقراء غير أنه مع ذلك اشتغل أولاً بصناعة الشاشية وهي التي عاقته عن كثة الإقراء، وقد ولي خطة التدريس في الرتبة الأولى بجامع الزيتونة ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي فأقرأ بالجامع، ومع ذلك لم يزل مشتغلاً بصناعته إلى أن ولي خطة القضاء في المحرم سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين وقضى نحو الست سنين وتقدم لخطة الفتيا فأولاه المشير محمد الصادق باي مفتياً خامساً تاسع شعبان الكرم سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف، ولما توفي الشيخ مصطفى بيرم صار مفتياً رابعاً وباشر الخطة فأفاد المستفتين وكان فقيهاً لين العريكة حسن الأخلاق عارفاً بتاريخ البلاد حسن المداعبة.
وقد بلغ من العمر نحو الثمانين سنة وتوفي ثالث ذي الحجة الحرام سنة ١٢٨٩ تسع وثمانين ومائتين وألف عليه رحمة الله.
٣٦
الشيخ محمد البارودي
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن حسين محمد بن حسين بن إبراهيم البارودي، ولد ثاني ربيعي سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ بين يدي والده فجود عليه القرآن العظيم، وقرأ عليه كتب المبادي وقرأ على الشيخ محمد بيرم الثالث، والشيخ محمد بيرم الرابع والشيخ محمد بن الخوجة والشيخ محمد معاوية والشيخ محمد بن عاشور، والشيخ محمد النيفر وغيرهم من علماء جامع الزيتونة.
стр. 206
وتقدم لخطة التدريس في الرتبة الثانية عند وضع الترتيب الأحمدي في ١٢ ربيع سنة ٦٥ خمس وستين فتصدى للإقراء بطريقة بديعة، وتقدم للإمامة والتدريس بالجامع الباشي عند وفاة والده وأقام به الخمس على عهد خطبة الشيخ محمد معاوية ثم الشيخ عثمان البارودي ثم ابنه الأكبر الشيخ محمد البارودي ثم أخوه الشيخ محمد وبوفاته تنقل لإمامة باردو وولي خطبة الجامع الباشي الشيخ حمودة بيرم وإمامة الخمس الشيخ الشاذلي بن القاضي ثم ضمت له الخطبة، وحيث إن إمامة الخمس هنالك الرواية أقرأ صاحب الترجمة فيه صحيح البخاري وختم فيه في شهر رمضان الأختام المحررة البديعة على العادة وتقدم لخطبة جامع باردو وإمامة السراية ثانياً لعمه، ثم لما توفي عمه الشيخ عثمان البارودي في رمضان سنة ٨٤ أربع وثمانين صار إماماً أول فيهما، ولازم القيام بخطبة باردو عدة سنين، وولي ثانيه غيهما يومئذ ابن عمه الشيخ محمد بن عثمان البارودي، وتقدم للرتبة الأولى في التدريس بجامع الزيتونة ولازم التدريس به وتقدم لمشيخة المدرسة الجديدة ودرس بها الفقه الحنفي كثيراً.
ولما انتصبت المجالس القانونية انتخب لها وباشر خدمتها مدة ترتيبها، ثم لازم التدريس وتزوج بابنة عمه وأقام لعرسه وليمة باذخة دعا لها دعوة الجفلى، وأظهر من نفائس الأطعمة والملابس ما اضطره إلى التداين بما لم يقدر على قضائه ولما اشتد عليه الطلب أنفت نفسه من البقاء على مطالبة الغرماء فلازم داره أكثر من عامين.
وفي شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٠ ثمانين أرسل له المشير الثالث محمد الصادق باشا باي بالخروج لعمل ختم البخاري بجامع الباشا على العادة المألوفة فخرج وحضر لختمه المذكور الأمير وسائر العلماء وسر الناس خروجه، وعند ذلك مدح الأمير بقصيدة طرزها بقوله سيدنا ومولانا الملك الشهير، محمد الصادق باشا المشير وهي التي يقول في مطلعها: [الكامل]
سعدتْ ببدر مشيرنا الأرواح ... مذْ لاح بارق نوره الوضاح
ثم إنه أعمل وجوها من الصلح مع غرمائه وأعاد الكرة إلى دروسه فلازم التدريس سائر يومه، وكنت في ذلك الوقت نحضر غالب دروسه بحيث إنه يحضر بجامع الزيتونة قبل الزوال بأربع ساعات فيقرئ أربع دروس وعند الزوال يخرج لصلاة الظهر بالجامع الباشي، وبعد الزوال يقري درس الفقه بالمدرسة الجديدة ثم يصلي العصر بالجامع الباشي ويجلس للتجويد ساعة ثم يقري به درسين تدركه في ثانيهما صلاة المغرب مغالباً، هكذا ديدنه في كل يوم وفي ذلك العهد قرأت عليه شرح الشيخ خالد على الآجرومية مرتين وقطعة من الأزهرية والقطر، وقطعة من الشذور والمكودي على الأليفة، ودروساً من الأشموني، وجودت عليه القرآن العظيم براوية حفص وختمت عليه شرح القاضي على الجزرية والدمنهوري على السمرقندية ونبذة من الملوي عليها والجربي على إيساغوجي، وختمت عليه الباجوري على الجوهرة وقطعة من لامية الأفعال وقطعة من الباجوري على البردة ونبذة من أول الشفا بشرح الشهاب ومواضع متفرقة من صحيح البخاري بعضها دراية وبعضها رواية فقط، ومع ذلك حصلت بمراجعته ومجالسته ما نرجو من الله أن يجازيه عني به أحسن الجزاء. وكانت طريقته في التدريس أحسن طريقة لنفع الطالبين حيث إنه يلم بالمسألة أولاً ثم يعيد ما قرره بمطابقته على عبارة المؤلف مع غاية الإيضاح والبيان وعود الضمائر إيضاحاً لما يتوهم معه تخلف أحد الحاضرين عن الفهم، وهذه هي طريقته مع المبتدئ والمنتهي. وتقدم لإمامة السراية وخطبة جامع باردو وخطب من إنشائه خطباً كثيرة مع ما له من حسن الترتيل وجهوري الصوت وفصاحة اللسان، وتقدم لمشيخة زاوية القادرية بعد وفاة عمه أبي النور في شهر رمضان عام ٨٤ أربعة وثمانين ومائتين وألف.
ولم يزل على طريقته في ملزمة التدريس والقيام بجميع خططه إلى أن تقدم لخطة القضاء تاسع شعبان الأكرم سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف، فوجه همته للقيام بحقوق الله وحقوق العباد وأعمل يعملات جده، وتحرى لدينه، ولازم دار الشريعة للحكم بحيث لا يكاد يتأخر في وقت الحكم، واعتمد مراجعة من قبله ومع ما هو عليه من الفقه والدين، وكتب في ختمه بيتين وهما قوله: [مجزوء الرجز]
يا رب لطفاً في قضا ... راجي الرضا والجود
أرشد إلى شرع الهدى ... محمَّد البارودي
стр. 207
عرضت لي في مدة تصرفه نوازل مع خاصة الدولة فقام فيها لله وأيده الله، والحاصل أنه قضى خمس سنين لم يذكر فيها بسوء وعد بذلك من صالح سلف القضاة. ثم إنه طلب الإقالة وتشدد في طلب الخروج واعتذر بأعذار كثيرة وكتب في شأن ذلك للأمير وبعد مراجعات لم تطب نفسه إلا بالخروج على كره من الأمير فقدمه مفتياً رابعاً رابع جمادى الأولى سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، وظهر عليه من السرور والفرح بسلامة خروجه من القضاء ما يشهد لفضله وعند ذلك عاد إلى دروسه بجامع الزيتونة ولازم التدريس على طريقته الأولى مع الاقتصار على الفتوى وملازمة تدريس صحيح البخاري الذي لم يترك قط روايته أو درايته حتى كاد مستحضراً لجميع أحاديثه استحضاراً لم يشاركه فيه أحد كاد به أن يكون حافظه وكان عالماً عاملاً عالي الهمة محباً لأعلى الأمور عفيفاً ديناً لم يترك غرماءه المصالحة معهم فيما قدر عليه من المال بل كان يرسل إلى كل واحد منهم ما يحضره إلى أن قضى أصل دينه ديانة منه ولم يسمح بمعاوضات الأوقاف إلا بعد التحري. وكان حسن الأخلاق جميل المعاملة حبيباً صلباً في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، نظيف العرض، ينظم الشعر كثيراً محافظاً على مروءته، وكان حسن القامة جميل الصورة خصب البدن غلب عليه الدم فظهرت على عاتقه طالعة لازمته إلى أن أدركته المنية فتوفي قبل الزوال بساعتين وثلث من صبيحة يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٣ ثلاث وتسعين ومائتين وألف عليه رحمة الله، وقد رثيته بقولي: [الكامل]
قد راعَ ركن الدين رجفُ رعودِ ... بأجلِّ خطب فادح موعودِ
فارتجّتِ الدنيا لهولة رجفه ... وتسربلت ثوبِ اللِّيالي السود
فكأنما الأعلامُ من أحلامنا ... دكَّتْ بصعقةِ رجفهِ المشهود
فالناس في لهف ومحض تأسّف ... بجريح قلب مدنف مجهود
والكل صار منوهاً بتأوه ... يذكي أجيج قلوبهم بوقود
وعيونهم تهمي بساكب ديمة ... لولا الدما دعت الظماء لورود
فالرأي غيض وكل قلب مرمض ... والعين فائضة بغير حدود
وكبود أهل الحزم رضّت وارتضت ... بيع الحياة بغير ما منقود
هيهات أن يبقى بهم من مترع ... للصبر أو من مهيع محمود
فالصبر تجتثُّ الرزايا أصله ... وتحيله جزعاً ممرّ أبود
وإذا المصيبة عمت الألبابَ لم ... يبق الذي يسليهم بردود
وهناك تضطرب الأمور وتلتقي ... كل الورى في حيرة وصدود
كلُّ معزّي لا معزّي بينهم ... يتناوبون نوائب المفقود
ركنِ الشريعة وابنه وابن ابنه ... فخر العلوم (محمد البارودي)
العالمِ العلمِ الذي عمّ الورى ... نفعاً وقلَّدهمْ أعز عقود
بحرٍ ولكن فيه وردٌ سائغ ... عذبٌ يجود بلؤلؤ منضود
فالناس طرّاً يوفضون لدرسه ... كحمائم حامت على المورود
فهو الإمام وخير من قد أمنا ... في كل فضل ليس بالمحجود
من أمه يلق العلوم تجسَّدتْ ... وغدت تضم له بخير جلود
من أمه يلق التقى في جثة ... ملتفة منه بفضل برود
من أمّه يلق البلاغة ركبت ... في صوغه السامي أعز نقود
من أمّه يلق الرياض تزخرفت ... بحديث خير الخلق دون جحود
ذا معدن الترتيل والتأويل في ... تنزيل آي الواحد المعبود
داركة المعقول والمنقول ذو ... رأي سديد بالذكاء وقود
(كشاف) (أسرار) حبرها ... (مفتاح) قفل المشكل المعقود
(مغني اللبيب) و (قطب) دائرة (الطوا ... لع) فهو سعدُ الطالع المسعود
(جمع الجوامع) صدره الرحب الذي ... ما ضاق يوماً من فعال حسود
مع أنه (التوضيح) طوع لسانه ... ببيانه المنثور والمنضود
قد كان (صدراً للشريعة) حاملاً ... في مذهب (النعمان) خير بنود
قد كان بحراً زاخراً بمعارف ... وعوارفٍ تجري بغير جمود
قد كان كنزاً لا يسام على المدى ... بالنفس كلا لا ولا بنقود
قد كان طوداً لا ينهنهه الخنا ... يأوي المصاب بظله الممدود
قد كان ذا روع وفقه محكم ... في الدين لا يرضى سوى المحدود
فقضى وأفتى مدة ما سيم في ... أثنائها بسوى ثنا محمود
стр. 208
حاز الأمانة والصيانة والدايا ... نة والمكانة في رضى المعبود
حاز المروءة والعفاف وبات من ... نعمائه يلتف خير برود
حاز اكتمال الخلق والخلق الرضي ... بأثيل مجد عن كرام جدود
فإليه كم وفدت أهالي تونمس ... والكل عنده ليس بالمردود
يلقاهم بسماحة وطلاقة ... تبدي الأناة كقسوةِ الجلمود
كم سخر الشَّرسَ الشَّموسَ بما به ... قد قاد للإنصاف كل شرود
واهاً له من طود علمٍ شاهق ... حملته أيدي الناس فوق العود
واهاً له من بحر علم زاخر ... قد عاد مثل الصارم المغمود
واهاً له من روض علم رائع ... قد راعنا بغراسه المحصود
حصدته شاخصة الليالي واجتلتْ ... أسف الورى في يومه المشهود
ماذا عسى يبقى تجلدهم إذاً ... يا عين من در المدامع جودي
فبذا تعلمت العيونُ البذلَ من ... نثر وشغل الرأي نظم عقود
ما لليراع تروعه نوبُ الردى ... ويروم حصر كماله الممدود
تالله ما يسلي النهى عن فقده ... غير انجلاء في جنان خلود
يا ربّ أنت منحته فخر العلا ... فامنحه من رضوانك المحمود
يا رب أمِّن خوفه وابسط له ... نعم المنى في يومك الموعود
يا رب ظلله بظلٍّ وارف ... بجوار أحمدَ أكرمِ الموجود
يا رب يمَّنْ خفضَ عيشه واسقه ... من ورد حوض المصطفى المورود
يا رب في الفردوس أكرمْ نزله ... وارفع مكانه في مقر سعود
يا رب حقق فيه قول مؤرخ ... (سعد بقاع محمد البارودي)
٣٧
الشيخ حسونة عباس
هو شيخنا أبو محمد حسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد عباس ولد في الحادي والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ في طلب العلم بعد أن قرأ القرآن وجوده برواية حفص على الشيخ حسين البارودي، وقرأ عليه صدر الشريعة الفقهي، وقرأ على الشيخ محمد الأبي شرح الشيخ خالد على الآجرومية والأزهرية والقط، وقرأ الكتب المذكورة على الشيخ حسن فرشيش، وقرأ على الشيخ عمر القسنطيني القطر، وقرأ على الشيخ محمد القبايلي شرح الخزرجية، وقرأ على والده الشيخ محمد عباس شرح الشيخ خالد والشذور والفاكهي والمكودي والأشموني والسمرقندية والسلم ورسالة آداب البحث والخبيصي ومختصر السعد وقطعة من تفسير القاضي البيبضاوي إلى أثناء النساء وقرأ على الشيخ محمد بن عاشور الآجرومية والأزهرية والقطر والمقدمة والمكودي وقطعة من الخبيصي وقطعة من المحلى والبردة، وقرأ على الشيخ محمد النيفر الشذور والفاكهي وقطعة من السعد وقطعة من المطول وقطعة من البخاري، وقرأ على الشيخ محمد معاوية قطعة من الأشموني والدرر والتوضيح على الشريعة، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة المكودي على الأليفة والدرر من البيوع إلى آخره.
وتصدى للإقراء واشتغل بصناعة الشاشية مدة ثم عاد إلى الإقراء فولي الإمامة بجامع القصبة والتدريس في الرتبة الثانية عند وفاة والده، ثم في جمادى الثانية سنة ١٢٧٤ أربع وسبعين تقدم للرتبة الأولى من خطة التدريس، وفي ثالث جمادى الأولى سنة ١٢٩٠ تسعين قدمه المشير الثالث مفتياً خامساً ولم يزل مجداً في التدريس وقد انتفع عليه كثيرون مع ماله من حسن المواظبة والاعتناء بالدروس وتحريرها وحسن السكينة والخيرية والفقه، وقد قرأت عليه نبذة من الفاكهي وشرح الباجوري على السمرقندية ونبذة من شرح الباجوري على البردة، وهو عالم فاضل جليل خير حسن المعاملة والأخلاق مواظب على تدريس مهمات الكتب قائم بحقوق خططه في الإفتاء والتدريس والخطبة وختم بجامع القصبة أختاماً مهمة حضر الأمير بعضها وله كرم نفس وتواضع وتباعد عن التصنعات مع الإنصاف في العلم.
ولما توفي الشيخ محمد البارودي صار مفتياً رابعاً، ولما توفي الشيخ محمد معاوية صار مفتياً ثالثاً وهو اليوم المفتي الثالث الحنفي في المجلس الشرعي أدام الله رفعته وحمى من طوارق السوء بقعته.
القسم الثالث
في التعريف بالمفاتي المالكية
стр. 209
اعلم أن مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ قد انتشر في إفريقية انتشاراً كلياً من مبدأ ظهوره وحسبك أن القيروان قد ضمت فحولاً من أصحاب الإمام مالك، ولم يزل العلماء يروون دواوين المذهب المالكي عن حفاظه خلفاً عن سلف منذ ذلك العهد وزاد المذهب انتشاراً حتى عم البوادي من أواسط المائة الخامسة حين أرسل القائم العباسي إلى المعز بن باديس بتقليد الإمارة على إفريقية وظهرت عند ذلك أمور كثيرة منها محو شعائر الشيعة وتعطيل جهات المملكة، وكان ذلك في حدود عام ٤ ٨ ٨ ثمانية وثمانين وأربعمائة وبذلك عم انتشار والمذهب وظهر بإفريقية وتونس فحول ملأت تراجمهم دواوين التواريخ فأصبحت تونس محطاً لرحال العلماء وأرباب الفتيا بمذهب الإمام مالك.
وكانت وظيفة الفتيا في ذلك العهد خاصة ببعض الجوامع، وأعظمهم مفتي جامع الزيتونة أدام الله عمرانه وهنالك فتيا جامع التوفيق في عشية الجمعة خاصة وقد تقدم الإلمام بالمفتين في تلك العصور في مقدمة أيمة جامع الزيتونة ثم انفصلت الفتيا عن الجوامع فغي آخر المائة الثامنة.
١، ٢
وممن أفتى بتونس في ذلك العهد الشيخ محمد السكوني والشيخ يوسف الأندلسي.
ثم لما استقرت المملكة في تصريف الدولة العثمانية وأخذ فيها أمراؤها قرارها وتداركوا حال العلماء فيها أقاموا بها مجلساً شرعياً وذلك هو مبدأ العهد بالمجلس الشرعي في تونس فأقاموا أربعة مفات من المالكية لا غير بحيث إذا مات أحد منهم عوضوا منه غيره خاصة العلماء المالكية الموجودين أهل الدين والعفاف لمشورة نائب القاضوية المالكي ومراجعة أرباب الخصوم.
٣، ٤، ٥، ٦ ،
وقد ولي خطة الفتيا بمذهب مالك في ذلك العهد العالم الصالح الشيخ سالم النفاتي مؤسس مجد بيتهم الرفيع ولازم الخطة إلى وفاته، ووليها العالم الصالح الشيخ محمد قشور، والشيخ عبد الكافي، والشيخ قاسم عظوم القيرواني وكان عالماً بفقه مذهب مالك وأبي حنيفة وإليه المرجع فيهما وألف البرنامج الفقهي، وهو من عمد كتب الفتاوي في مذهب مالك.
وكان ذا عيال وأولاد ومع ذلك هو قانع من دنياه بقوته وقوتهم بحيث إنه تعاطى التوثيق لما ولي خطة العدالة بتونس ولا يجلس للإشهاد إلا بمقدار ما يحصل على قوتهم.
وسبب ولايته الفتيا هو أن عثمان داي طلب منه أن يشهد له في نازلة على غير الوجه الشرعي فامتنع ولما استدعاه الداي لبذلك لم يتهيب أن وعظه بما رجع به عن طليبته صهره، ولما رأى مكانته في الدين أولاه الفتيا في ذلك المجلس وكان ذلك في العشر الأول من المائة الحادية عشرة فلازم الإفتاء إلى أن توفي عليه رحمة الله.
٧
ووليها أيضاً الشيخ أبو يحيى الرصاع الأنصاري مدة إلى أن ارتقى إلى إمامة جامع الزيتونة سنة ١٠ ١٧ سبع عشرة وألف.
٨
ووليها الشيخ قاسم بن أبي الفضل البرشكي فكان مفتي تونس في حدود السبع والثلاثين بعد الألف ١٢٣٧.
٩
ووليها الشيخ الشريف إبراهيم الفلاري وكان متفنناً جميل الخط فلازم الإفتاء إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ١٠٣٩ تسع وثلاثين وألف ودفن بالمقبرة الكائنة أمام زاوية الشيخ محرز بن خلف التي بنى عليها محمد باي المرادي جامعه بعد سقفها فهي تحت الجامع من الجانب القبلي الشرقي.
?١٠
ووليها الشيخ أبو الحسن بن سالم النفاتي وهو الذي أتى بخط شريف من دار الخلافة العثمانية في تنفيذ كل حكم من المفتي والقاضي من غير أن يسأل أحد منهما عن نص المسألة بعد أن كانت العادة في البلاد أن الخصم يسأل كل عالم ويطلعه على المسألة وله أن يعارض بها القاضي أو المفتي في مجلس حكمه وبذلك حصل للشيخ أبي الحسن المذكور صيت عظيم في الخطة الشرعية إلى أن توفي في طريق الحج سنة ١٠٤٩ تسع وأربعين وألف.
١١
стр. 210
ووليها أخوه الشيخ علي النفاتي، وعزل، وأعيد فلازم الإفتاء إلى أن توفي سنة ١٠١٦ ستين وألف، وفي خلال تلك العزلات ولي الفتيا العلامة الإمام الموثق الشيخ عبد الله ناجي، ولم أجد لهذا المفتي ذكراً إلا في رسوم أحباس صاحب الخيرات محمد باي المراد حيث كانت أغلب أملاكه في ذلك الوقت بشهادة الشيخ المفتي المذكور ومنها رسم شراية الفندق الذي اشتراه بالعزافين من تونس بتاريخ ذي القعدة سنة خمس وخمسين وألف بشهادة المفتي المذكور والشيخ محمد السخاوي ثم جعله مارستاناً وأوقف عليه نحو الثلاثين قطعة بين ربع وعقار واختصه لمداواة المرضى وإطعامهم وكسوتهم وفرشهم ودفن موتاهم في أواسط ربيع الأول سنة ١٠٧٣ ثلاث وسبعين وألف بشهادة المفتي المذكور والشيخ محمد المحرزي ولم نقف له على تاريخ ولاية ولا تاريخ وفاة ثم إن أمراء بني مراد زادوا مفتياً بمذهب مالك وجرى العمل بالمفتيين سنين متطاولة إلى دولة الأمير علي باي الحسيني فزاد مفتياً ثالثاً ثم إن الأمير مصطفى باشا زاد مفتياً رابعاً ولم يزل عددهم في ازدياد إلى أن بلغ عدد المفاتي بالمذهب المالكي إلى ثمانية من الشيوخ كلهم يحضرون المجلس للتوافق على المعتمد في المذهب أو ما به العمل في النازلة والقاضي يقضي بما يقع الاتفاق أو الأغلبية. أما سائر أيام الأسبوع فالآن يحضر مع القاضي في كل يوم واحد من المفاتي للمراجعة. نسأل الله أن يديم عز شريعة الإسلام، بجاه النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
وها نحن نذكر تراجم من ولي هاته الخطة الشرعية بعد النفاتيين على شرطنا السابق فقول وبالله نستعين.
١٢
الشيخ أبو الفضل المسراتي
هو الشيخ أبو الفضل حفيد خطيب جامع الزيتونة وإمامه الشيخ أحمد بن عمر المسراتي القروي من ببت علم رفيع، أزرت مفاخرة بأزهار الربيع، أسس مجده فحلان توارثا إمامة جامع الزيتونة خطبا على منبره خطباً نثرت على الأسماع بدائع الجواهر المصونة وهما محمد وأحمد أبناء عمر جده الأعلى الوراد إلى الحاضرة من مدينة القيروان فزانا أواسط المائة التاسعة بين جهابذتها الأعيان.
وقد اختص جده أبو العباس صاحب الفضل المحسوس، بالتقدم للصلاة على جنازة الغوث أحمد بن عروس رضي الله عن جميعهم.
وقد ولد صاحب الترجمة بتونس وأخذ العلم عن فحول جامع الزيتونة وأعظمهم اختصاصاً به الشيخ أبو يحيى الرصاع ويذل الجهد في تحصيل العلم إلى أن بلغ فيه إلى درجة عالية فكان مرجعاً في فقه مذهبي مالك وأبي حنيفة ﵄ يسأل عن المسألة من كلا المذهبين فيقول: إنها في الورقة الفلانية من الكتاب الفلاني.
وتقدم لخطة الإفتاء بمذهب مالك فأفتى مدة ثم تأخر عن الخطة إلى أن ولي الداي أسطا مراد بتونس في الثالث والعشرين من رجب سنة ١٠٤٧ سبع وأربعين وألف فأعاده إلى خطة الإفتاء بعد عزل الأخوين النفاتيين من الفتيا ونيابة القضاء وأولى في نيابة القضاء يومئذ الشيخ أحمد الرصاع. ثم إن الشيخ علي النفاتي خرج لحج بيت الله الحرام وقصد دار الخلافة العثمانية وأتى منها بخط شريف في ولايته خطة الإفتاء وعزل أبي الفضل المسراتي، ولما توفي الشيخ المذكور سنة ستين بعد الألف استعيد صاحب الترجمة إلى الخطة بعد ست سنين فكانت ولايته فيها متكررة وعودة الأخير إليها سنة سبع وستين وألف.
وقد خرج في بعض المرات من عزله إلى حج بيت الله الحرام، وسئل بمصر عن مسألة حار لها علماء المذهب فاستلقى على قفاه وأملى فيها رسالة كتبت من إملائه ولما استقر في آخر أمره على الفتيا تقدم لمشيخة المدرسة العنقية فأفاد بها وصاهر بابنته الشيخ أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا وكان طويل القامة أشيب ضعيف البصر.
وأدركته المنية سنة ١٠٨٥ خمس وثمانين وألف عليه رحمة الله.
١٣
الشيخ محمد فتاتة
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم فتاتة ولد بتونس ونشأ بين يدي أعلامها فقرأ على الشيخ محمد تاج العارفين والشيخ محمد براو والشيخ أبي الفضل المسراتي.
стр. 211
وامتدت يده في يد علمي المعقول والمنقول، والفروع والأصول، فكان أعلم رجال عصره في التفسير والحديث والفقه مع تظلعه في المعقولات والآداب، وقد أقرأ بجامع الزيتونة مغني ابن هشام والمختصر الخليلي مراراً بغاية التحقيق والتدقيق المشار إليه فيهما ومع ذلك كان ذا ولع بالنوازل في مذهبي المالكية والحنفية حتى صار مرجعاً لعلماء المذهبيين بالحاضرة وكتب في الفتاوي كتائب في غاية التحرير وكان آية الله في الذكاء والألمعية مع البراعة في التوثيق حيث باشر الإشهاد مع جليسه الشيخ أحمد المحجوب.
ولما توفي شيخه المسراتي دعاه مراد باي بن حمودة باشا إلى خطة الإفتاء فكتب إليه قصيدة يستعطفه بها ويستقيل من الخطة وهي التي يقول في مطلعها: [الكامل]
قسماً بنور جمال طلعتك التي ... تروي بشاشتها ظما المرتاد
ومهمامه الأمر الذي أدعى له ... فيح تبيد رواحلي وجيادي
وكتب تحتها جائزتي إقالتي فجمع الأمير له الديوان وألح عليه حتى قال له إنك إن امتنعت بعد هذا كنت معرضاً عن هذا الجمع بأسره وعند ذلك قبلمنه الخطة قكانت ولايته سنة ١٠٨٥ خمس وثمانين وألف وانتفعت البلاد بعلومه وفتاويه.
وقد وقفت له على حكم بتاريخ سنة ١١٠٣ ثلاث بعد المائة والألف على عهد الأمير محمد باي المرادي وكان القاضي يومئذ بتونس وعملها الشيخ محمد ولي الدين والمفتي الحنفي الشيخ عبد الكبير درغوث.
وقد أكمل شرح الشيخ الأخضري لنظمه درة الفرائض ومع رسوخ قدمه في علوم الدين كانت له يد طولى في العلوم الدبية وبراعة في الكتابة والإنشاء لم يكن في عصره من يزاحمه فيها وألف تاريخاً يحتوي على نحو السبع كراريس في التعريف بعلماء زمانه.
ومن لطائف شعره ما كاتب به صديقين له أهديا له سمكاً صحبة مكتوب فقال: [البسيط]
أهديتما سمكاً مثل اللجين فيا ... الله من سمك وافى به شركُ
شفعتماه بمكتوبٍ حوى درراً ... من در لفظكما فالدر مرتبك
لا شك أنكما بحران قد زخرا ... فمنكما يستفاد الدر والسمك
[الطويل]
وروض حللناه كأنَّ نواره ... قلائد در في نحور النواعم
إذا مالا شدتْ أطياره في غصونه ... ومالت سواقيه كبيض الصوارم
وجدت لذيذ الخمر في طعم مائه ... وشنفت سمعاً من غناء الحمائم
ومن إنشائياته ما كتبه في تقريظ سمط اللآل في التعريف بالرجال تأليف الشيخ محمد قويسم وهذا نصه إن أحسن كلام يفتتح به المقال، وأيمن ذكر يصدر به كل أمر ذي بال حمد الله الملك المعتال، وثناء ذي العزة والجلال، الذي أبدع الكائنات بقدرته الظاهرة، واخترع المصنوعات بحسب إرادته الباهرة، والصلاة والسلام على خاتمة الرسالة العامة، والنبوة التامة، محمد المبعوث بالآيات القاطعة المؤيد بالمعجزات الباهرة الساطعة، وعلى آله الأخيار ما تعاقب الليل والنهار.
وبعد فقد وقفت على ما تيسر من هذا المجموع الغريب، والأنموذج المتأنق العجيب، جمع صاحبنا وأخينا في الله الفقيه الأفضل، والعلامة الزكي الأكمل، أبي عبد الله محمد ويعرف بقويسم ضاعف الله لي وله الحسنات وغفر لي وله الخطايا والسيئات بمنه فألفيته روضاً ينعت ثماره، وعبقت بأريج المسك أزهاره، فاشتمل على مباحث أثارت الأدلة الواضحة من أماكنها، فقنصت أوابد نقولها من غوامض مكانها، فأحسن به مجموعاً قد أشرقت معانيه، وعلت على الفلك أعلى مبانيه، فلله در ناظم عقوده، وراقم بنوده، فلقد ضمنه من منح المسائل، وقد أطلع من الدلائل، ما تقر به عيون أولي الألباب.
[السريع]
لله مجموع سما رتبة ... على السها والأنجم الزهرِ
حوى حلى أهل النهى والتقى ... والأدبِ البارع والفخرِ
كأنه في حسنه روضة ... حفَّت بأنواع من الزهر
نظرت في آدابه نظرة ... فامحتْ الأشجان عن صدري
وعاد لي أنسي الذي كانت لي ... مصباحاً في سالف الدهر
همت وما نلت له غايةً ... وهل ينال الكوكب الدري؟
ما وقعت عيني على مثله ... قط وهذا غاية الأمر
стр. 212
ولما تأججت الفتنة بين الأخوين محمد وعلي المراديين وجالت يد محمد باي في البلاد اعتقل مفتيي البلاد وهما الشيخ يوسف درغوث والشيخ محمد فتاتة بمحلته المنصوبة بالجبل الأخضر خارج البلد، وكان الشيخ فتاتة أحس بما أضمره الشقي ففر بقطع من الليل ودخل دار الشيخ سعيد الشريف القريبة من باب البلد فاختفى بها إلى أن سكنت الفتنة وأصدر الإذن بتأمينه فخرج واستمر على خطته وامتحن بقتل ولده حمودة العالم سنة ١١٠٩ تسع ومائة وألف فصبر لذلك.
وكان أبيض اللون ممتلئ الجسم مدور اللحية نظيف الشيب حسن الزي صاحب أناة في حركاته جميل المعاملة إلى أن مرض فتوفي سنة ١١ ١٥ خمس عشرة ومائة وألف وكتبت على قبره قصيدة لطيفة وهي: [الكامل]
أمحمد نورت بالحسناتِ ... رمساً كبدر حلَّ الهالاتِ
بلَّغتَ نصحك في الأنام فكان غا ... يتها المماتَ بأشرف الحالات
قد لقبوك فتاتةً من أجل ما ... فتَّتْ دروسك معجز الآيات
أبقيت عين الدّين باكية فلم ... تبرح وما فيه سوى أنَّاتِ
يا روحه بشراكِ بالرَّحمى فقد ... لاحت عليكِ دلائلُ الخيرات
وكذاك يدعوك العفو كرامة ... أن أرخيه (وادخلي جناتي)
١١١٥
١٤
الشيخ محمد العواني
هو الشريف القروي الشيخ أبو عبد الله محمد العواني حفيد الصالح الشيخ علي بن حسن بن عبد الله بن محمد بن علي بن موسى بن يحيى بن أحمد بن عوانة المغربي النحوي ابن حمودة بن زيادة بن علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ بيت العلم والشرف، المتحلي من مفاخر الصلاح بكل عز وترف، وكم لهذا البيت من فحول، ثبتت غراستهم في رياض المعقول والمنقول، وكم ظهر منه من رجالا طلعوا في أفق الولاية، وظهروا في ديوان التصرف بأعظم آية، أولئك رجال الله الذين تفاخرت بهم العصور والأزمان، وتجملت بذكر كرامتهم ومفاخرهم تواريخ مدينة القيروان، فهو البيت الذي في المجد قديم، وحسبك أن أصله منبع الشريعة عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وقد ولد صاحب الترجمة بالقيروان ونشأ بها في طلب العلم فأخذ عن جلة علمائها في ذلك العصر إلى أن حصل على علوم شتى، ثم رحل إلى مصر فاستكمل بها علومه ودخل إلى إسلامبول ونال حظوة عند صدر الدولة ابن الكبري مصطفى باشا، ثم آب إلى حاضرة تونس على عهد رمضان باي فأكرم نزله وأولاه خطة الإفتاء لما رأى له من المعرفة بالنوازل وكان طويل القامة كثيف اللحية متواضعاً فصيح اللسان، ثابت الجنان، حاضر الجواب معظماً عند الخاصة والعامة.
ولما استولى مراد باي وأكثر من تعاطي الفواحش وسفك الدماء وهتك الحرمات بلغه إنكار الشيخ عليه سوء صنيعه، مع أنه كان يجد منه في نفسه لمودته لعمه رمضان باي، فأحضره وسأله عن حكم ما يتعاطاه وبمجرد ما أفتاه بما أنزل الله في ذلك أمر بقتله فقال له إني أنصحك إذ أن من قتل عالماً أيس من الحياة بعده فلم يغن عنه شيئاً بل قتله ظلماً وقطع من لحمه وشواه وأكله بالخمر مع ندمائه أواسط شهر رمضان المعظم سنة ١١١٠ عشر ومائة وألف ونقل أهله بقية جسده إلى القيروان فدفن بين أشراف بيتهم ﵃ أجمعين. أما مراد بأي فقد دارت عليه الدوائر بعد ذلك وقتل شر قتلة والعياذ بالله وكان على يده زوال ملكهم فكان به انقراض دولة بني مراد بعد أن قتل جميع من بقي منهم وجمعت رؤوسهم ببطحاء القصبة والملك لله الواحد القهار.
١٥
الشيخ محمد بن موسى
وجدت في بعض تقاييد جدي القريب أن الشيخ محمد بن موسى كان مباشراً خطة الإفتاء بتونس سنة ١١١٦ ست عشرة ومائة وألف ثم رأيت صاحب الشهب المحرقة ذكر في مدرستي جامع الزيتونة على عهده ما نصه ومنهم الشيخ الإمام الفقيه الفاضل الواعظ المدعو عبد الكبير الشهير بابن موسى تولى ذلك عن أبيه القاضي المفتي المدرس الحاج الأبر أبي عبد الله محمد بن موسى المتولي ذلك عن والده الشيخ موسى المذكور وكان رجلاً صالحاً اهـ?.
стр. 213
فهو من بيت علم وصلاح لم أقف له على خبر غير ما تلوته عليك أما ولده المدرس الشيخ كبير فكان من موثقي العدول يتعاطى الإشهاد بالمدينة من الحاضرة في حدود ١١٤٣ الثلاث والأربعين بعد المائة والألف عليهم رحمة الله آمين.
? ١٦
الشيخ محمد بن الشيخ
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الشيخ أصله من بلد الحمامات وأخذ عن فحول علماء تونس وجلس للتدريس بجامع الزيتونة وأخذ عنه فحول من العلماء منهم المفسر الشيخ محمد زيتونة وقدمه الأمير محمد باي المرادي مدرساً بجامعه الذي أقامه أمام مقام الشيخ سيدي محرز بن خلف فأقام فيه الدروس فهو أول مدرس مالكي به عند إتمامه سنة ١١٠٩ تسعى ومائة وألف.
وانتصب يومئذ لرواية الحديث به الشيخ محمد قويسم الشريف مؤلف كتاب سمط الآل في التعريف بالرجال إلى أن توفي سنة ١١١٤ أربع عشرة ومائة وألف.
وتقدم بالجامع المذكور أيضاً لتجويد القرآن الشيخ محمد التونسي.
وكذلك تقدم صاحب الترجمة لمشيخة المدرسة المنتصرية وروى بها الحديث وتقدم لخطة الفتيا وأفاد الناس بعلومه وفتاويه بحيث إنه استمر على خطة الإفتاء نحو العشرين سنة وتجاوز عمره الثمانين سنة. وكان عالماً عفيفاً ديناً يميل إلى الخمول طويل القامة حسن الوجه أتم الصلاة العشاء فأدركته المنية على بساط صلاته بدون مرض سنة ١١٢٠ عشرين ومائة وألف ورثاه الشيخ محمد زيتونة بقوله: [الكامل]
هجمت بموت الأكرمين خوارقُ ... وتقعقعتْ في الخافقين صواعقُ
ورعودها صدعت حشاشة مدنفٍ ... واهتز من وقع المصاب الخافقُ
وكأنّ صور البعث عجَّلَ نفخةً ... والكون مما حل فيه صاعق
وارتجت الأرجا لصعقة عالمٍ ... سكن اللحود فبان منه الغامق
وتزعزعت شمُّ الجبال لفقده ... والأفق أظلم والرؤوس طوارق
والعين تبكي دمعها والعقل مك? ... سوف الضيا قد قدّ سهم مارق
يدعى إلى ابن الشيخ فاضل عصره ... شوقي له والروح منه زاهق
كم مشكل أبدى بجّيد عقله ... قد حار فيه مخالف وموافق
ونوازل الأحكام لما أن نأت ... ناحت عليه صوامت ونواطق
ورياض معلوم العلوم تخربت ... بذهابه أنبا بذلك الصادق
فتكت به أيد المنون وغيبت ... عن ناظري وهو الجمال الفائق
تبكيه خضراء البلاد وأهلها ... ويظلُّه الغصن الرطيب الباسق
ونفوسنا تفديه لكن قد غدا ... لكريم فرسان الجنان يسابق
ويفوز بالرضوان من رضوانه ... ويجاور الحور الحسان يعانق
ويرى جمال الله ﷻ ... وفق الذي أبدى الحديث الناطق
فهو الذي يبكي عليه ومثله ... والغير لا نظرت إليه روامق
١٧
الشيخ علي الرصاع
هو الشيخ أبو الحسن علي بن حميدة بن علي بن حميدة بن أبي يحيى بن قاسم بن محمد بن قاسم بن عبد الله الرصاع الأنصاري التلمساني، ولد جده عبد الله بتلمسان وقدم إلى تونس وإنما لقبوه بالرصاع لأن جدهم الوافد إلى الحاضرة كانت له براعة في ترصيع المنابر والسقوف حتى إنه لما بني جامع العباد الذي به ضريح الشيخ أبي مدين الغوث بتلمسان طلبه الأمير لترصيع منبره ولما أتمه طلب أجرته الدفن في مقام الغوث فنال ذلك وكانت وفاة الشيخ سيدي أبي مدين في حدود ٥٧٠ السبعين والخمسمائة وكأنه لا خفاء في أن إنشاء الجامع المذكور، كان بعد دفن الشيخ بعصور وقد عاد يمن ذلك المدفن على ذرية الرصاع المذكور حتى كان منهم حفيده الشيخ محمد العالم الجليل فأخذ عن الشيخ أبي القاسم البرزلي شيخ الإسلام بتونس والشيخ عمر القلشاني قاضي الجماعة بتونس وغيرهما. وولي خطه قاضي الأهلة ثم خطه قاضي الأنكحة ثم خطه قاضي الجماعة بحاضرة تونس ثم اقتصر على الفتوى وإمامة جامع الزيتونة والخطبة به وتصدى لإقراء الفقه والأصول والعربية والمنطق، وشرح أسماء رسول الله ﷺ شرحاً غريباً، وله تأليف في الصلاة عليه ﷺ وشرح شواهد المغني القرآنية وشرح حدود ابن عرفة، وله تأليف في إعراب كلمتي الشهادة وآخر في أحكام لو وآخر في أسماء الأجناس وأحكامها وآخر في صرف أبي هريرة وفتاوي كثيرة في المازونية والمعيار وتوفي سنة ٨٩٤ أربع وتسعين وثمانمائة عليه رحمة الله.
стр. 214
وكان ولده محمد من ثقاة موثقي تونس يعرف بولد القاضي.
وأما ولده قاسم فقد ترقى إلى المراتب العلية واستوزره الأمير حميدة الحفصي وقربه وصاهره بابنتيه لولديه العالمين أبي الفضل وأبي يحيى، فتزوج أبو الفضل الرصاع بزوجته وتوفيت زوجة أبي يحيى قبل البناء عليها، وبذل الشيخ أبو يحيى نفسه في خدمة العلم ومن مشايخه الشيخ محمد الأندلسي اتفق لشيخه أنه خرج منتونس لطرابلس فلحق به للأخذ عنه فأخبره أنه كان لحق بشيخه أحمد العيسي شارح شواهد المغني كذلك عند خروجه من تونس إلى طرابلس ﵃. وكان الشيخ أبو يحيى الرصاع من علماء التفسير يقريه قراءة رجاله. وتقدم لخطة الفتيا فزانها زمناً طويلاً ثم للإمامة الكبرى بجامع الزيتونة سنة ١٠١٧ سبع عشرة بعد الألف وعند ذلك استقال من خطة الإفتاء لاستقلاله بالإمامة والتدريس وزان محراب جامع الزيتونة ومنبره بعلمه ودينه وخطب الخطب البليغة. وأدركته المنية يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ذي الحجة الحرام ١٠٣٣ ثلاث وثلاثين وألف.
ولم يزل العلم في بنيه، وجميع بنيه تقلدوا خطة العدالة؛ أما حفيده صاحب الترجمة فقد قرأ وجلس للإقراء والتوثيق وقدمه مراد بأي لإمامة جامع الزيتونة حين عزل الإمام البكري وتقدم للفتبا، ولما ولي إبراهيم الشريف عزله وقد عاد إلى الفتيا وعزل منها عدة مرار، وقد كان مباشراً للإفتاء أواسط سنة ١١٠٨ ثمان ومائة وألف، وكان إمام صناعة التوثيق واسع الاطلاع عريض الفتاوى طويل القامة خفيف الشعر حسن الملاقاة توفي سنة ١١٣٢ اثنتين وثلاثين ومائة وألف عليه رحمة الله وقد أبدع أبو الحسن علي الغراب في التورية في بعض قصائده التي قال فيها.
[البسيط]
كانت جواهر نظمي في محاسنه ... تعلو على أنجم الجوزاء والحمل
فلم يزل يحتوي درَّ البيان وما ... يحوي يرصعه درّاً عليه جلي
حتى إذا ما علا فيما يرصِّعه ... خفضت قدريَ للرصاع وهو علي
١٨
الشيخ علي الستاري
هو الشيخ أبو الحسن علي الستاري ولد بتونس سنة ١٠٧٥ خمس وسبعين وألف، وحفظ القرآن العظيم وتصدى لقراءة العلم الشريف فقرأ الفقه والنحو على الشيخ سعيد الشريف والشيخ محمد الغماد والشيخ محمد فتاتة، وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة وغيره وله قدم راسخ في التوثيق وكان منتصباً للإشهاد سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف.
وله المعرفة الختامة بالنوازل ولذلك قدمه المقدس حسين باشا لخطة الإفتاء على مذهب الإمام مالك وكان عارفاً بالمذهبين مع حسن محاضرة ومعرفة بتواريخ البلاد وله صلابة في الدين لا تأخذه في الحق لومة لائم مع مروءة بها لا يلتفت إلى ما لا يعنيه، وان طويل القامة جميل الصورة لم أقف على تاريخ وفاته.
وقد ذكره صاحب الشهب في علماء جامعه الزيتونة فقال: ومنهم العلامة النحرير العدل شيخ الإسلام مفتي المالكية الآن ببلدنا أبو الحسن علي الشهير بالستاري، له مشاركة في الفنون واطلاع على المذهب المالكي بل والحنفي غير متهم بما يتهم به الغير ولا يلين جانبه بخلاف الشرع ذو قدرة على المقابلة في الحق لا تأخذه في الحق لومة لائم يصدق عليه قول الشاعر: [الطويل]
وإن لساني يشتفى بها ... وهوَّ على من صبه الله علقم
١٩
الشيخ محمد جعيط
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد جعيط كان واله عالماً جليلاً وتقدم لخطة التدريس ونسج ولده على منواله فقرأ الحديث على الشيخ أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا، وأخذ الحديث أيضاً عن الشيخ سعيد المحجوز، وقرأ النحو والفقه والأصول والبيان والمنطق على الشيخ سعيد بن سعيد الطرابلسي الشريف، وقرأ علوم القرآن على الشيخ إبراهيم الجمل، وقرأ على الشيخ محمد الغماد والشيخ علي العامري والشيخ قاسم الغماري والشيخ محمد قويسم وبرع في التجويد والقرءات براعة تامة وتضلع بالفقه والنحو والبيان والحديث والمنطق والأصلين وحصل على إجازات فائقة وتصدر للتدريس في عدة أماكن وله ولع بخدمة العلم موصوف بالديانة والعفاف والوقار أفاد كثيراً بتدريسه.
стр. 215
ولما أحدث الأمير حسين باشا المدرسة التي أقامها عند تربته انتخبه لمشيختها فهو أول شيوخ المدرسة الحسينية تقدم إليها سنة ١١ ٢٠ عشرين ومائة وألف وبإثر ذلك قدمه الأمير لخطة الفتيا لما رأى فيه من الصيانة والديانة وكان حسن المحاضرة كريم الأخلاق لطيف المداعبة في خلواته زكي النفس ثبتاً رحمة الله عليه.
?٢٠
الشيخ حمودة الرصاع
هو الشيخ أبو محمد حمود بن محمد بن قاسم بن أحمد حفيد الشيخ أحمد بن عبد الله الرصاع الأنصاري الأندلسي. ارتحل جده أبو العباس أحمد بن عبد الله الرصاع في زمن شبيبته إلى المغرب واجتمع أبي العباس العوفي اللخمي وسمع كثيراً من كتاب سيبويه عن ابن رفيع القرشي واجتمع بمالك بن المرحل وسمع عنه كثيراً من شعره وكان فقيهاً صالحاً أديباً فاضلاً.
ولم يزل الفضل في بيته وبيت أخيه إلى أن نشأ بينهم صاحب الترجمة وقد ولد سنة ١٠٨٨ ثمان وثمانين وألف، ونشأ في شرف بيته بين يدي والده وجده وتصدى لقراءة العلم الشريف فأخذ عن فحول منهم الشيخ سعيد الشريف الطرابلسي والشيخ علي الغماد والشيخ محمد الحجيج الأندلسي والشيخ محمد الغماري والشيخ محمد فتاتة والشيخ عبد القادر الجبالي. وتعاطى التوثيق وجلس للتدريس، وتقدم للنيابة في خطة القضاء بالحاضرة عند تخلي جده على عهد المقدس حسين باي، فتلقاه الزعيم ونهض بها من أول يوم بغاية الفطانة والخبرة والمعرفة بأساليب القضاء بحيث إنه دخل المحكمة الشرعية أول يوم دخولاً عجيباً وصرف الداء الخصام أحسن صرف ومع ذلك كانت دروسه بجامع الزيتونة عند باب الشفا يهرع إليها وأقام على ذلك مدة طويلة.
ثم إن الأمير المذكور تخيره لنفسه واختصه لرواية الحديث بين يديه بالليل في مسجد باردو وقدمه لخطة الفتيا وأولاه مشيخة مدرسته الكبرى ولم تزل دروسه مناخاً لرحال الطالبين وفتاويه العذبة غاية آمال المستفتين وكان طلق اللسان في الجنان له قدرة على استخراج النكت الغريبة بارع في علم الأحكام قاطع للنزاع حسن الملاقاة، خفيف شعر العارضين، أبيض اللون ربعة إلى القصر أقرب، وتقدم لرئاسة على عهد الباشا علي باي وعلى عهده توفي عليه رحمة الله وقد كان الشيخ علي الغراب طلب منه كتب فتوى فأرسل له بقوله أحسن في التورية.
[الكامل]
يا منْ رقى بكماله درجَ العلا ... وتشنفتْ بثناءه الأسماع
حتى غدا فوق الأثير محلُّه ... كل المعالي دونه أوضاع
وغدا القريض مطاوعي في مدحه ... مهما أردت وتطبعُ الأسجاع
هو من غدا حاوٍ لكل فضيلة ... ولذا عليه انطوى الإجماع
إن الأفاضل في الفضائل كلّها ... بك مقتدون وكلهم أتباع
فالعبد يبغي القرب منك لبعده ... ولأنه من دهره مرتاع
ورأى بروق الوعد منكم لم تزل ... تدني له غيث الرجا أطماع
فاسمح بذاك الوعد لا زالت لك الأ ... يّام طائعة وأنت مطاع
يا من يرصّع من جواهر لفظه ... درّاً نفيساً بالنفوس يباع
قصدي إلى ترصيع عقد جواهر ... من نظم فيك لأنك الرصاع
٢١
الشيخ محمد سعادة
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر سعادة المنستيري ولد سنة ١٠٨٨ ثمان وثمانين وألف، وقدم إلى تونس في طلب العلم فقرأ على الشيخ محمد الحجيج الأندلسي والشيخ محمد فتاتة والشيخ محمد الغماري ثم ظعن إلى المشرق في طلب العلم فقرأ بمصر على الشيخ إبراهيم الفيومي والشيخ منصور المنوفي وأخذ الحديث عن الشيخ الطالوني.
وارتحل إلى بلاد الروم ودخل إلى إسلامبول واجتمع بجلة علمائها.
ورجع إلى الحاضرة بعد أن حصل على العلوم وبيده إجازات من كافة مشايخه فجلس للإقراء وأخذ عنه كثيرون وأجرى عليهم المقدس حسين باشا جارية التدريس بجامع الزيتونة، وأقرأ به علوماً كثيرة ثم قدمه الأمير لمشيخة المدرسة المنتصرية فأقرأ بها وهو فصيح ولوع بالإقراء محرر، وكان حسن القامة جميل الصورة لطيف المحاضرة كتب حاشية على شرح الأشموني سماها تقرير المسالك من شرح منهج السالك إلى ألفية ابن مالك وكتب إلى الشيخ الصغير داود يسأله بقوله: [مخلع البسيط]
إليك قطبَ النُّهى سؤالٌ ... نحاكَ شخص به وأمَّمْ
فأنت كشاف مشكلاتٍ ... وأنت في عصرنا المقدَّمْ
следующие страницы →