Полный текст (488 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وامتدت يده في يد علمي المعقول والمنقول، والفروع والأصول، فكان أعلم رجال عصره في التفسير والحديث والفقه مع تظلعه في المعقولات والآداب، وقد أقرأ بجامع الزيتونة مغني ابن هشام والمختصر الخليلي مراراً بغاية التحقيق والتدقيق المشار إليه فيهما ومع ذلك كان ذا ولع بالنوازل في مذهبي المالكية والحنفية حتى صار مرجعاً لعلماء المذهبيين بالحاضرة وكتب في الفتاوي كتائب في غاية التحرير وكان آية الله في الذكاء والألمعية مع البراعة في التوثيق حيث باشر الإشهاد مع جليسه الشيخ أحمد المحجوب.
ولما توفي شيخه المسراتي دعاه مراد باي بن حمودة باشا إلى خطة الإفتاء فكتب إليه قصيدة يستعطفه بها ويستقيل من الخطة وهي التي يقول في مطلعها: [الكامل]
قسماً بنور جمال طلعتك التي ... تروي بشاشتها ظما المرتاد
ومهمامه الأمر الذي أدعى له ... فيح تبيد رواحلي وجيادي
وكتب تحتها جائزتي إقالتي فجمع الأمير له الديوان وألح عليه حتى قال له إنك إن امتنعت بعد هذا كنت معرضاً عن هذا الجمع بأسره وعند ذلك قبلمنه الخطة قكانت ولايته سنة ١٠٨٥ خمس وثمانين وألف وانتفعت البلاد بعلومه وفتاويه.
وقد وقفت له على حكم بتاريخ سنة ١١٠٣ ثلاث بعد المائة والألف على عهد الأمير محمد باي المرادي وكان القاضي يومئذ بتونس وعملها الشيخ محمد ولي الدين والمفتي الحنفي الشيخ عبد الكبير درغوث.
وقد أكمل شرح الشيخ الأخضري لنظمه درة الفرائض ومع رسوخ قدمه في علوم الدين كانت له يد طولى في العلوم الدبية وبراعة في الكتابة والإنشاء لم يكن في عصره من يزاحمه فيها وألف تاريخاً يحتوي على نحو السبع كراريس في التعريف بعلماء زمانه.
ومن لطائف شعره ما كاتب به صديقين له أهديا له سمكاً صحبة مكتوب فقال: [البسيط]
أهديتما سمكاً مثل اللجين فيا ... الله من سمك وافى به شركُ
شفعتماه بمكتوبٍ حوى درراً ... من در لفظكما فالدر مرتبك
لا شك أنكما بحران قد زخرا ... فمنكما يستفاد الدر والسمك
[الطويل]
وروض حللناه كأنَّ نواره ... قلائد در في نحور النواعم
إذا مالا شدتْ أطياره في غصونه ... ومالت سواقيه كبيض الصوارم
وجدت لذيذ الخمر في طعم مائه ... وشنفت سمعاً من غناء الحمائم
ومن إنشائياته ما كتبه في تقريظ سمط اللآل في التعريف بالرجال تأليف الشيخ محمد قويسم وهذا نصه إن أحسن كلام يفتتح به المقال، وأيمن ذكر يصدر به كل أمر ذي بال حمد الله الملك المعتال، وثناء ذي العزة والجلال، الذي أبدع الكائنات بقدرته الظاهرة، واخترع المصنوعات بحسب إرادته الباهرة، والصلاة والسلام على خاتمة الرسالة العامة، والنبوة التامة، محمد المبعوث بالآيات القاطعة المؤيد بالمعجزات الباهرة الساطعة، وعلى آله الأخيار ما تعاقب الليل والنهار.
وبعد فقد وقفت على ما تيسر من هذا المجموع الغريب، والأنموذج المتأنق العجيب، جمع صاحبنا وأخينا في الله الفقيه الأفضل، والعلامة الزكي الأكمل، أبي عبد الله محمد ويعرف بقويسم ضاعف الله لي وله الحسنات وغفر لي وله الخطايا والسيئات بمنه فألفيته روضاً ينعت ثماره، وعبقت بأريج المسك أزهاره، فاشتمل على مباحث أثارت الأدلة الواضحة من أماكنها، فقنصت أوابد نقولها من غوامض مكانها، فأحسن به مجموعاً قد أشرقت معانيه، وعلت على الفلك أعلى مبانيه، فلله در ناظم عقوده، وراقم بنوده، فلقد ضمنه من منح المسائل، وقد أطلع من الدلائل، ما تقر به عيون أولي الألباب.
[السريع]
لله مجموع سما رتبة ... على السها والأنجم الزهرِ
حوى حلى أهل النهى والتقى ... والأدبِ البارع والفخرِ
كأنه في حسنه روضة ... حفَّت بأنواع من الزهر
نظرت في آدابه نظرة ... فامحتْ الأشجان عن صدري
وعاد لي أنسي الذي كانت لي ... مصباحاً في سالف الدهر
همت وما نلت له غايةً ... وهل ينال الكوكب الدري؟
ما وقعت عيني على مثله ... قط وهذا غاية الأمر
стр. 212
ولما تأججت الفتنة بين الأخوين محمد وعلي المراديين وجالت يد محمد باي في البلاد اعتقل مفتيي البلاد وهما الشيخ يوسف درغوث والشيخ محمد فتاتة بمحلته المنصوبة بالجبل الأخضر خارج البلد، وكان الشيخ فتاتة أحس بما أضمره الشقي ففر بقطع من الليل ودخل دار الشيخ سعيد الشريف القريبة من باب البلد فاختفى بها إلى أن سكنت الفتنة وأصدر الإذن بتأمينه فخرج واستمر على خطته وامتحن بقتل ولده حمودة العالم سنة ١١٠٩ تسع ومائة وألف فصبر لذلك.
وكان أبيض اللون ممتلئ الجسم مدور اللحية نظيف الشيب حسن الزي صاحب أناة في حركاته جميل المعاملة إلى أن مرض فتوفي سنة ١١ ١٥ خمس عشرة ومائة وألف وكتبت على قبره قصيدة لطيفة وهي: [الكامل]
أمحمد نورت بالحسناتِ ... رمساً كبدر حلَّ الهالاتِ
بلَّغتَ نصحك في الأنام فكان غا ... يتها المماتَ بأشرف الحالات
قد لقبوك فتاتةً من أجل ما ... فتَّتْ دروسك معجز الآيات
أبقيت عين الدّين باكية فلم ... تبرح وما فيه سوى أنَّاتِ
يا روحه بشراكِ بالرَّحمى فقد ... لاحت عليكِ دلائلُ الخيرات
وكذاك يدعوك العفو كرامة ... أن أرخيه (وادخلي جناتي)
١١١٥
١٤
الشيخ محمد العواني
هو الشريف القروي الشيخ أبو عبد الله محمد العواني حفيد الصالح الشيخ علي بن حسن بن عبد الله بن محمد بن علي بن موسى بن يحيى بن أحمد بن عوانة المغربي النحوي ابن حمودة بن زيادة بن علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ بيت العلم والشرف، المتحلي من مفاخر الصلاح بكل عز وترف، وكم لهذا البيت من فحول، ثبتت غراستهم في رياض المعقول والمنقول، وكم ظهر منه من رجالا طلعوا في أفق الولاية، وظهروا في ديوان التصرف بأعظم آية، أولئك رجال الله الذين تفاخرت بهم العصور والأزمان، وتجملت بذكر كرامتهم ومفاخرهم تواريخ مدينة القيروان، فهو البيت الذي في المجد قديم، وحسبك أن أصله منبع الشريعة عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وقد ولد صاحب الترجمة بالقيروان ونشأ بها في طلب العلم فأخذ عن جلة علمائها في ذلك العصر إلى أن حصل على علوم شتى، ثم رحل إلى مصر فاستكمل بها علومه ودخل إلى إسلامبول ونال حظوة عند صدر الدولة ابن الكبري مصطفى باشا، ثم آب إلى حاضرة تونس على عهد رمضان باي فأكرم نزله وأولاه خطة الإفتاء لما رأى له من المعرفة بالنوازل وكان طويل القامة كثيف اللحية متواضعاً فصيح اللسان، ثابت الجنان، حاضر الجواب معظماً عند الخاصة والعامة.
ولما استولى مراد باي وأكثر من تعاطي الفواحش وسفك الدماء وهتك الحرمات بلغه إنكار الشيخ عليه سوء صنيعه، مع أنه كان يجد منه في نفسه لمودته لعمه رمضان باي، فأحضره وسأله عن حكم ما يتعاطاه وبمجرد ما أفتاه بما أنزل الله في ذلك أمر بقتله فقال له إني أنصحك إذ أن من قتل عالماً أيس من الحياة بعده فلم يغن عنه شيئاً بل قتله ظلماً وقطع من لحمه وشواه وأكله بالخمر مع ندمائه أواسط شهر رمضان المعظم سنة ١١١٠ عشر ومائة وألف ونقل أهله بقية جسده إلى القيروان فدفن بين أشراف بيتهم ﵃ أجمعين. أما مراد بأي فقد دارت عليه الدوائر بعد ذلك وقتل شر قتلة والعياذ بالله وكان على يده زوال ملكهم فكان به انقراض دولة بني مراد بعد أن قتل جميع من بقي منهم وجمعت رؤوسهم ببطحاء القصبة والملك لله الواحد القهار.
١٥
الشيخ محمد بن موسى
وجدت في بعض تقاييد جدي القريب أن الشيخ محمد بن موسى كان مباشراً خطة الإفتاء بتونس سنة ١١١٦ ست عشرة ومائة وألف ثم رأيت صاحب الشهب المحرقة ذكر في مدرستي جامع الزيتونة على عهده ما نصه ومنهم الشيخ الإمام الفقيه الفاضل الواعظ المدعو عبد الكبير الشهير بابن موسى تولى ذلك عن أبيه القاضي المفتي المدرس الحاج الأبر أبي عبد الله محمد بن موسى المتولي ذلك عن والده الشيخ موسى المذكور وكان رجلاً صالحاً اهـ?.
стр. 213
فهو من بيت علم وصلاح لم أقف له على خبر غير ما تلوته عليك أما ولده المدرس الشيخ كبير فكان من موثقي العدول يتعاطى الإشهاد بالمدينة من الحاضرة في حدود ١١٤٣ الثلاث والأربعين بعد المائة والألف عليهم رحمة الله آمين.
? ١٦
الشيخ محمد بن الشيخ
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الشيخ أصله من بلد الحمامات وأخذ عن فحول علماء تونس وجلس للتدريس بجامع الزيتونة وأخذ عنه فحول من العلماء منهم المفسر الشيخ محمد زيتونة وقدمه الأمير محمد باي المرادي مدرساً بجامعه الذي أقامه أمام مقام الشيخ سيدي محرز بن خلف فأقام فيه الدروس فهو أول مدرس مالكي به عند إتمامه سنة ١١٠٩ تسعى ومائة وألف.
وانتصب يومئذ لرواية الحديث به الشيخ محمد قويسم الشريف مؤلف كتاب سمط الآل في التعريف بالرجال إلى أن توفي سنة ١١١٤ أربع عشرة ومائة وألف.
وتقدم بالجامع المذكور أيضاً لتجويد القرآن الشيخ محمد التونسي.
وكذلك تقدم صاحب الترجمة لمشيخة المدرسة المنتصرية وروى بها الحديث وتقدم لخطة الفتيا وأفاد الناس بعلومه وفتاويه بحيث إنه استمر على خطة الإفتاء نحو العشرين سنة وتجاوز عمره الثمانين سنة. وكان عالماً عفيفاً ديناً يميل إلى الخمول طويل القامة حسن الوجه أتم الصلاة العشاء فأدركته المنية على بساط صلاته بدون مرض سنة ١١٢٠ عشرين ومائة وألف ورثاه الشيخ محمد زيتونة بقوله: [الكامل]
هجمت بموت الأكرمين خوارقُ ... وتقعقعتْ في الخافقين صواعقُ
ورعودها صدعت حشاشة مدنفٍ ... واهتز من وقع المصاب الخافقُ
وكأنّ صور البعث عجَّلَ نفخةً ... والكون مما حل فيه صاعق
وارتجت الأرجا لصعقة عالمٍ ... سكن اللحود فبان منه الغامق
وتزعزعت شمُّ الجبال لفقده ... والأفق أظلم والرؤوس طوارق
والعين تبكي دمعها والعقل مك? ... سوف الضيا قد قدّ سهم مارق
يدعى إلى ابن الشيخ فاضل عصره ... شوقي له والروح منه زاهق
كم مشكل أبدى بجّيد عقله ... قد حار فيه مخالف وموافق
ونوازل الأحكام لما أن نأت ... ناحت عليه صوامت ونواطق
ورياض معلوم العلوم تخربت ... بذهابه أنبا بذلك الصادق
فتكت به أيد المنون وغيبت ... عن ناظري وهو الجمال الفائق
تبكيه خضراء البلاد وأهلها ... ويظلُّه الغصن الرطيب الباسق
ونفوسنا تفديه لكن قد غدا ... لكريم فرسان الجنان يسابق
ويفوز بالرضوان من رضوانه ... ويجاور الحور الحسان يعانق
ويرى جمال الله ﷻ ... وفق الذي أبدى الحديث الناطق
فهو الذي يبكي عليه ومثله ... والغير لا نظرت إليه روامق
١٧
الشيخ علي الرصاع
هو الشيخ أبو الحسن علي بن حميدة بن علي بن حميدة بن أبي يحيى بن قاسم بن محمد بن قاسم بن عبد الله الرصاع الأنصاري التلمساني، ولد جده عبد الله بتلمسان وقدم إلى تونس وإنما لقبوه بالرصاع لأن جدهم الوافد إلى الحاضرة كانت له براعة في ترصيع المنابر والسقوف حتى إنه لما بني جامع العباد الذي به ضريح الشيخ أبي مدين الغوث بتلمسان طلبه الأمير لترصيع منبره ولما أتمه طلب أجرته الدفن في مقام الغوث فنال ذلك وكانت وفاة الشيخ سيدي أبي مدين في حدود ٥٧٠ السبعين والخمسمائة وكأنه لا خفاء في أن إنشاء الجامع المذكور، كان بعد دفن الشيخ بعصور وقد عاد يمن ذلك المدفن على ذرية الرصاع المذكور حتى كان منهم حفيده الشيخ محمد العالم الجليل فأخذ عن الشيخ أبي القاسم البرزلي شيخ الإسلام بتونس والشيخ عمر القلشاني قاضي الجماعة بتونس وغيرهما. وولي خطه قاضي الأهلة ثم خطه قاضي الأنكحة ثم خطه قاضي الجماعة بحاضرة تونس ثم اقتصر على الفتوى وإمامة جامع الزيتونة والخطبة به وتصدى لإقراء الفقه والأصول والعربية والمنطق، وشرح أسماء رسول الله ﷺ شرحاً غريباً، وله تأليف في الصلاة عليه ﷺ وشرح شواهد المغني القرآنية وشرح حدود ابن عرفة، وله تأليف في إعراب كلمتي الشهادة وآخر في أحكام لو وآخر في أسماء الأجناس وأحكامها وآخر في صرف أبي هريرة وفتاوي كثيرة في المازونية والمعيار وتوفي سنة ٨٩٤ أربع وتسعين وثمانمائة عليه رحمة الله.
стр. 214
وكان ولده محمد من ثقاة موثقي تونس يعرف بولد القاضي.
وأما ولده قاسم فقد ترقى إلى المراتب العلية واستوزره الأمير حميدة الحفصي وقربه وصاهره بابنتيه لولديه العالمين أبي الفضل وأبي يحيى، فتزوج أبو الفضل الرصاع بزوجته وتوفيت زوجة أبي يحيى قبل البناء عليها، وبذل الشيخ أبو يحيى نفسه في خدمة العلم ومن مشايخه الشيخ محمد الأندلسي اتفق لشيخه أنه خرج منتونس لطرابلس فلحق به للأخذ عنه فأخبره أنه كان لحق بشيخه أحمد العيسي شارح شواهد المغني كذلك عند خروجه من تونس إلى طرابلس ﵃. وكان الشيخ أبو يحيى الرصاع من علماء التفسير يقريه قراءة رجاله. وتقدم لخطة الفتيا فزانها زمناً طويلاً ثم للإمامة الكبرى بجامع الزيتونة سنة ١٠١٧ سبع عشرة بعد الألف وعند ذلك استقال من خطة الإفتاء لاستقلاله بالإمامة والتدريس وزان محراب جامع الزيتونة ومنبره بعلمه ودينه وخطب الخطب البليغة. وأدركته المنية يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ذي الحجة الحرام ١٠٣٣ ثلاث وثلاثين وألف.
ولم يزل العلم في بنيه، وجميع بنيه تقلدوا خطة العدالة؛ أما حفيده صاحب الترجمة فقد قرأ وجلس للإقراء والتوثيق وقدمه مراد بأي لإمامة جامع الزيتونة حين عزل الإمام البكري وتقدم للفتبا، ولما ولي إبراهيم الشريف عزله وقد عاد إلى الفتيا وعزل منها عدة مرار، وقد كان مباشراً للإفتاء أواسط سنة ١١٠٨ ثمان ومائة وألف، وكان إمام صناعة التوثيق واسع الاطلاع عريض الفتاوى طويل القامة خفيف الشعر حسن الملاقاة توفي سنة ١١٣٢ اثنتين وثلاثين ومائة وألف عليه رحمة الله وقد أبدع أبو الحسن علي الغراب في التورية في بعض قصائده التي قال فيها.
[البسيط]
كانت جواهر نظمي في محاسنه ... تعلو على أنجم الجوزاء والحمل
فلم يزل يحتوي درَّ البيان وما ... يحوي يرصعه درّاً عليه جلي
حتى إذا ما علا فيما يرصِّعه ... خفضت قدريَ للرصاع وهو علي
١٨
الشيخ علي الستاري
هو الشيخ أبو الحسن علي الستاري ولد بتونس سنة ١٠٧٥ خمس وسبعين وألف، وحفظ القرآن العظيم وتصدى لقراءة العلم الشريف فقرأ الفقه والنحو على الشيخ سعيد الشريف والشيخ محمد الغماد والشيخ محمد فتاتة، وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة وغيره وله قدم راسخ في التوثيق وكان منتصباً للإشهاد سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف.
وله المعرفة الختامة بالنوازل ولذلك قدمه المقدس حسين باشا لخطة الإفتاء على مذهب الإمام مالك وكان عارفاً بالمذهبين مع حسن محاضرة ومعرفة بتواريخ البلاد وله صلابة في الدين لا تأخذه في الحق لومة لائم مع مروءة بها لا يلتفت إلى ما لا يعنيه، وان طويل القامة جميل الصورة لم أقف على تاريخ وفاته.
وقد ذكره صاحب الشهب في علماء جامعه الزيتونة فقال: ومنهم العلامة النحرير العدل شيخ الإسلام مفتي المالكية الآن ببلدنا أبو الحسن علي الشهير بالستاري، له مشاركة في الفنون واطلاع على المذهب المالكي بل والحنفي غير متهم بما يتهم به الغير ولا يلين جانبه بخلاف الشرع ذو قدرة على المقابلة في الحق لا تأخذه في الحق لومة لائم يصدق عليه قول الشاعر: [الطويل]
وإن لساني يشتفى بها ... وهوَّ على من صبه الله علقم
١٩
الشيخ محمد جعيط
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد جعيط كان واله عالماً جليلاً وتقدم لخطة التدريس ونسج ولده على منواله فقرأ الحديث على الشيخ أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا، وأخذ الحديث أيضاً عن الشيخ سعيد المحجوز، وقرأ النحو والفقه والأصول والبيان والمنطق على الشيخ سعيد بن سعيد الطرابلسي الشريف، وقرأ علوم القرآن على الشيخ إبراهيم الجمل، وقرأ على الشيخ محمد الغماد والشيخ علي العامري والشيخ قاسم الغماري والشيخ محمد قويسم وبرع في التجويد والقرءات براعة تامة وتضلع بالفقه والنحو والبيان والحديث والمنطق والأصلين وحصل على إجازات فائقة وتصدر للتدريس في عدة أماكن وله ولع بخدمة العلم موصوف بالديانة والعفاف والوقار أفاد كثيراً بتدريسه.
стр. 215
ولما أحدث الأمير حسين باشا المدرسة التي أقامها عند تربته انتخبه لمشيختها فهو أول شيوخ المدرسة الحسينية تقدم إليها سنة ١١ ٢٠ عشرين ومائة وألف وبإثر ذلك قدمه الأمير لخطة الفتيا لما رأى فيه من الصيانة والديانة وكان حسن المحاضرة كريم الأخلاق لطيف المداعبة في خلواته زكي النفس ثبتاً رحمة الله عليه.
?٢٠
الشيخ حمودة الرصاع
هو الشيخ أبو محمد حمود بن محمد بن قاسم بن أحمد حفيد الشيخ أحمد بن عبد الله الرصاع الأنصاري الأندلسي. ارتحل جده أبو العباس أحمد بن عبد الله الرصاع في زمن شبيبته إلى المغرب واجتمع أبي العباس العوفي اللخمي وسمع كثيراً من كتاب سيبويه عن ابن رفيع القرشي واجتمع بمالك بن المرحل وسمع عنه كثيراً من شعره وكان فقيهاً صالحاً أديباً فاضلاً.
ولم يزل الفضل في بيته وبيت أخيه إلى أن نشأ بينهم صاحب الترجمة وقد ولد سنة ١٠٨٨ ثمان وثمانين وألف، ونشأ في شرف بيته بين يدي والده وجده وتصدى لقراءة العلم الشريف فأخذ عن فحول منهم الشيخ سعيد الشريف الطرابلسي والشيخ علي الغماد والشيخ محمد الحجيج الأندلسي والشيخ محمد الغماري والشيخ محمد فتاتة والشيخ عبد القادر الجبالي. وتعاطى التوثيق وجلس للتدريس، وتقدم للنيابة في خطة القضاء بالحاضرة عند تخلي جده على عهد المقدس حسين باي، فتلقاه الزعيم ونهض بها من أول يوم بغاية الفطانة والخبرة والمعرفة بأساليب القضاء بحيث إنه دخل المحكمة الشرعية أول يوم دخولاً عجيباً وصرف الداء الخصام أحسن صرف ومع ذلك كانت دروسه بجامع الزيتونة عند باب الشفا يهرع إليها وأقام على ذلك مدة طويلة.
ثم إن الأمير المذكور تخيره لنفسه واختصه لرواية الحديث بين يديه بالليل في مسجد باردو وقدمه لخطة الفتيا وأولاه مشيخة مدرسته الكبرى ولم تزل دروسه مناخاً لرحال الطالبين وفتاويه العذبة غاية آمال المستفتين وكان طلق اللسان في الجنان له قدرة على استخراج النكت الغريبة بارع في علم الأحكام قاطع للنزاع حسن الملاقاة، خفيف شعر العارضين، أبيض اللون ربعة إلى القصر أقرب، وتقدم لرئاسة على عهد الباشا علي باي وعلى عهده توفي عليه رحمة الله وقد كان الشيخ علي الغراب طلب منه كتب فتوى فأرسل له بقوله أحسن في التورية.
[الكامل]
يا منْ رقى بكماله درجَ العلا ... وتشنفتْ بثناءه الأسماع
حتى غدا فوق الأثير محلُّه ... كل المعالي دونه أوضاع
وغدا القريض مطاوعي في مدحه ... مهما أردت وتطبعُ الأسجاع
هو من غدا حاوٍ لكل فضيلة ... ولذا عليه انطوى الإجماع
إن الأفاضل في الفضائل كلّها ... بك مقتدون وكلهم أتباع
فالعبد يبغي القرب منك لبعده ... ولأنه من دهره مرتاع
ورأى بروق الوعد منكم لم تزل ... تدني له غيث الرجا أطماع
فاسمح بذاك الوعد لا زالت لك الأ ... يّام طائعة وأنت مطاع
يا من يرصّع من جواهر لفظه ... درّاً نفيساً بالنفوس يباع
قصدي إلى ترصيع عقد جواهر ... من نظم فيك لأنك الرصاع
٢١
الشيخ محمد سعادة
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر سعادة المنستيري ولد سنة ١٠٨٨ ثمان وثمانين وألف، وقدم إلى تونس في طلب العلم فقرأ على الشيخ محمد الحجيج الأندلسي والشيخ محمد فتاتة والشيخ محمد الغماري ثم ظعن إلى المشرق في طلب العلم فقرأ بمصر على الشيخ إبراهيم الفيومي والشيخ منصور المنوفي وأخذ الحديث عن الشيخ الطالوني.
وارتحل إلى بلاد الروم ودخل إلى إسلامبول واجتمع بجلة علمائها.
ورجع إلى الحاضرة بعد أن حصل على العلوم وبيده إجازات من كافة مشايخه فجلس للإقراء وأخذ عنه كثيرون وأجرى عليهم المقدس حسين باشا جارية التدريس بجامع الزيتونة، وأقرأ به علوماً كثيرة ثم قدمه الأمير لمشيخة المدرسة المنتصرية فأقرأ بها وهو فصيح ولوع بالإقراء محرر، وكان حسن القامة جميل الصورة لطيف المحاضرة كتب حاشية على شرح الأشموني سماها تقرير المسالك من شرح منهج السالك إلى ألفية ابن مالك وكتب إلى الشيخ الصغير داود يسأله بقوله: [مخلع البسيط]
إليك قطبَ النُّهى سؤالٌ ... نحاكَ شخص به وأمَّمْ
فأنت كشاف مشكلاتٍ ... وأنت في عصرنا المقدَّمْ
стр. 216
وذاك قول الورى لشخصٍ ... إذا يصاب الفتى ويسقم
آجرك الله في مصاب ... ما دفع الله كان أعظم
هل ذا صحيح وذا بنص ... أثبت في كتب من تقدم
وعبدكم قال ذاك لما ... دهاك خطب به تألَّم
وقلبه منه فيه شيء ... ببادى الراي لا يسلَّم
أجب فلا زلت في المعالي ... تجر ثوب التقى وتكرم
فأجابه الشيخ الصغير داود بقوله: [مخلع البسيط]
إن الجواب لمن توهم ... يبدو إذا ما الفتى تفهَّمْ
إذ كل خطب وإن تناهى ... في غيب مبديه منه أعظم
وكون هذا مكان هذا ... غيب الدفاع فلا توهّمْ
فقول من قال للتسلي ... ما دفع الله كان أعظم
صحيح معنىً لكل حبرٍ ... يقال نثراً نعم وينظم
وفي حديثٍ لو اطلعتمْ ... إلى تمام الحديث مغنم
يفيد من يبتغي جوابا ... وحسبنا الله وهو أعلم
ولما طلع صبح الدولة الباشيه، تقدم نائباً بمحكمته الشرعية، ثم لما ورد الإذن للباشا علي من دار الخلافة بأن يولي القاضي من علماء تونس قدم صاحب الترجمة لخطة القضاء بالمذهب المالكي سنة ١١٥٧ سبع وخمسين بعد المائة والألف ثم قدمه لخطة الفتوى وتقدم لرئاسة أهل الشورى فكان زينة المجلس الشرعي.
وقد أرسل إليه العالم الأديب الشيخ أحمد العصفوري رسماً يتضمن نازلة في العمرى وطلب منه الإفتاء فيه بعد أن أفتى فيه بقية المفتين فكتب إليه يطلب منه ذلك بقوله.
[الوافي]
أرى المفتين قد وضعوا خطوطاً ... بفتياهم لنا حصلت إفاده
وما زبرت يراع الشيخ حتى ... نراها مثل واسطة القلاده
لقد سبقت سعادتنا يقيناً ... إذا ختمت بخط من سعاده
فكتب له الشيخ محمد سعادة في الرسم بما نصه: [الوافر]
تأملت السؤال وما علاه ... من العمرى المسطرة المفاده
وما زبر الشيوخ أمام رقمي ... ويمناه لسائلهم إفاده
فألفيتُ الجميعَ أجاد فيما ... أجاب به وأغنى عن زيادة
وما نقلوا بموضعه صريح ... صحيح حاز سائلهم مراده
وأغنى عن مزيد فيه طولٌ ... ونفس الحر تجتنب الإعاده
وناظمها يجيب بمثل ما قد ... أجابوا سائلاً ربّي السعادة
وعفواً عن خطايانا جميعاً ... وعند الموت خاتمةَ الشهاده
وكنت عن الجواب غنيت لما ... أتاني سائلاً يبغي الإفاده
ونفس الحكم فيها ليسس صعباً ... فأغنى من أجاب عن الزياده
فألجأني المهذَّب حبّ نفسي ... هو العصفور من حاز السياده
وراقم ما على نظمي بدرٍّ ... رآني فيه واسط القلادة
فحينئذ سمحتُ له بما قد ... دعاه إلى جواب من سعادة
جزاه الله في دنياه خيراً ... وبلّغه من الأخرى مراده
وكان عالماً فقيهاً عالي الهمة حسن المحاضرة كريم الأخلاق عزيز النفس وقفت له على نظم بديع في مناسك الحج وله كتاب لطيف سماه (قرة العين في نشر فضائل الأمير حسين) وأتبعه بمدح ابنه محمد الرشيد فكان من أبعد المقامات في الآداب وقد نزع عدة منازع لطيفة وأودعه من ذكر الخصال الحميدة وذكر فضائلها ما يروق علماء الأدب وحكماء تهذيب الأخلاق وضمنه أرجوزة في معنى (الصادح والباغم) في الحكم والأمثال تبلع مائتين وخمسة أبيات، مطلعها: [الرجز]
أحمد من أتى حسينا منناً ... رى بها من المعالي قننا
وقفت على نسخة منه مذهبه في غاية حسن الرونق.
стр. 217
وقد عزل من خطة الفتيا على عهد الباشا وأصابه ما أصاب الأفاضل أمثاله من السجن قبيل رمضان قيل: إن عزله كان في وسط المجلس الشرعي عند اجتماعه للحكم بين يدي الباشا فأمره بالقيام من المجلس وقال له: إني عزلتك من الوظيفة الشرعية ولما خرج استعاده فقال له إني عزلتك من التدريس ولما خرج أعاده وقال له إني عزلتك من مشيخة المدرسة ولما خرج أعاده وقال له إني عزلتك من الإمامة وعندما علم أنه انتزع جميع ما بيده من الوظائف قال له ارجع إلى بيتك فقال له بقي عندي وظيف آخر لم تعزلني منه فقال له الباشا ما هو فقال له الشيخ وظيفة العلم الذي في صدري ستجتمع علي الناس لتلقيه هل لك قدرة على انتزاعه مني وخرج بعد ذلك خلى سبيله وأعاده إلى جميع خططه وكان ذلك سنة ١١٦١ إحدى وستين ومائة وألف وهنأه بذلك الشيخ علي الغراب بقوله: [الكامل]
زارتك بعد تمنع وجفاءِ ... بيضاء ذات ذوائب سوداءِ
زارت ومن عجب تزورك تفي العلا ... شمس الضحى في الليلة الظلماء
لولا الذوائب ما غدت من ثغرها ... مأمونة من أعين الرقباء
لم أنسَ حين ذكرت ليلة وصلها ... في صدها عنّي عظيمَ شقاء
قالت أيشقى من غدا لسعادة ... يعزى ومنه سعادة السعداء
شيخ جليل فاضل علم له ... رتب تزاحم رتبةَ الجوزاء
أمست فنونُ العلم تخدم بابه ... صدراً بهن حقائق الأشياء
هو أعقل العلماء إلا انه ... بين الأفاضل أعلم العقلاء
هو أنبل الفضلا إلا أنه ... بين الأفاضل أفطن الفطناء
هو أفصح البلغاء إلا أنه ... بين الأحبة أبلغ الفصحاء
هو أرأسُ العظماء إلا أنه ... بين الأكابر أعظم الرؤساء
هو آدب الشعراء إلا أنه ... بين البرية أشعر الأدباء
ما فيه عيب غير أن مقامه ... بين الورى في الرتبة العلياء
ذو همة بين السماك وبينها ... في الرفع ما بين السما والرائي
ذو سؤدد في الصالحين ورفعة ... تنحط عنها أنجم الزهراء
يا أيها العلم الذي بين الورى ... بالسّبق في التدريس والإفتاءِ
لحن الزمان بصرفكم خبرا فعا ... بوه وعدّ?وه من اللكناء
إذ ليس يصرف من له عدل ومع? ... رفة بها تسمو على النظراء
لكن صرفت لضيق ذرع حواسد ... قد أسمعت بنميمة شناء
قالوا عجيب كيف زال وإنه ... علم يفوق كواكب الجوزاء؟
فأجبتهم إن الجبال تزول من ... مكرِ الدُّهاة وحيلة الأعداء
إني أتيتك بالرجوع مهنِّئاً ... وإلى عداك معزياً بعزاء
لا لا تلم من لم يلم توجعاً ... وأتاك بعدُ مهنئاً بهناء
فلرحمةِ المتوجعين حرارةٌ ... في القلب مثل شماتة الأعداء
وقد أدرك في مبدأ نشأته الولي الصالح أبا البلابز الشيخ عبد الرحمن بن أبي بن الغيث بن عبد الرحمن بن راشد بن بلغيث بن راشد بن عبد الحميد بن يربوع القطب الشهير الطرابلسي الشريف ﵁، وكان صاحب الترجمة كثير الزيارة للولي المذكور بداره التي بالممر خارج باب المنارة وكان الولي يقول للشيخ هذا الموضع يجمع عظامي وعظامك. وتوفي الولي أوائل ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف، وبعد مضي زمان اشترى الشيخ داراً جوار زاوية الولي وتوفي سنة إحدى وسبعين ومائة ألف ودفن على يمين ضريح الولي المذكور فكان ذلك الموضع هو مجمع عظامهما ﵄.
? ٢٢
الشيخ أحمد المكودي
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن حسين المكودي من بيت علم وفضل ولد بحاضرة فاس ونشأ فيها في طلب العلم، وأخذ فيها عن جلة العلماء الذين منهم العالم الشهير الشيخ أبو العباس أحمد بن المبارك وهو الذي أجازه وله به مزيد اختصاص وقد مدحه بقصيدته التي يقول في مطلعها.
[الطويل]
إليك أبا العباس تحدي ركائبي ... وتغدو خفافاً راقصات النجائب
وهي قصيدة طويلة أثبتها صاحب مفاتح النصر في علماء ذلك العصر.
стр. 218
ثم إن صاحب الترجمة لما امتلأ علماً بحاضرتها خرج منها لحج بيت الله الحرام، ودخل مصر واجتمع بعلمائها وأقرأ بالجامع الأزهر غير أنه لم يطب له المقام بها فتخير الرحيل لسكنى حاضرة تونس وقدم إليها على عهد الباشا علي بن محمد علي تركي. ولما دخل الحاضرة أراد النزول بمدرسة بئر الحجار ولما علم شيخها يومئذ الشيخ مسعود المغراوي الباجي بعلو رتبة الرجل في العلم منعه من إعطاء بيت بها خشية منه وعند ذلك وجه الشيخ طلبيته إلى الباشا وكان عالماً ومحباً للعلماء وبمجرد ما علم رتبته أعطاه مشيخة المدرسة كلها وندم شيخها على منعه حيث لم ينفعه الندم.
وعندما استقر الشيخ طلب منه الباشا أن يقرئ شرحه لتسهيل ابن مالك فأقرأه بجامع الزيتونة وأقرأ كتباً أخرى عالية ظهر بها علمه وفضله واجتمع عليه للأخذ عنه فحول العلماء ثم قدمه الباشا للفتيا وصار رئيس أهل الشورى من المالكية وكان عالماً عاملاً عفيفاً أديباً فاضلاً حسن الشعر عارفاً بالتاريخ حسن المحاضر صالحاً لا تأخذه في الله لومة لائم، قيل: إنه دخلت عليه للمجلس الشرعي نازلة كان الباشا يريد تأخيرها فأراد أن يقوم فسخاً للمجلس ليتأخر فصلها والنازلة قد اتضح فيها الحق لصاحبه وبمجرد قيامه جذبه الشيخ من طرف ثوبه وقال له: لا بد أن تجلس حتى ينفذ الحكم في هاته النازلة حيث ظهر فيها الحق لصاحبه فلم يسع الباشا إلا أن جلس ونفذ الحكم ووجد الباشا من ذلك في نفسه وعند انتهاء المجلس لما خرج الشيخ قال الباشا لمن بقي معه من المشايخ أو يعجبكم صنيع الشيخ إذ جذبني من طرف ثوبي لكن أنا عزلته ولما خرج الشيوخ واجتمعوا صحبة الشيخ قال لهم ماذا قال لكم الباشا فقالوا له لم يقل سوءاً فقال لهم على البديهة أو أنه عزلني لكن هو عزلني وأنا عزلته فلم تمض مدة حتى أقبل السعد على البلاد بدخول آل حسين وعزل الباشا المذكور وأبقى الأمير الحسيني الشيخ في رتبته إلى أن حضرته الوفاة.
ودروسه بجامع الزيتونة يأتيها الناس من كل فج، فأقرأ شرح التسهيل للباشا وختمه وختم مغني ابن هشام، والقطب على الشمسية، وغير ذلك من الكتب المعتبرة وقد حضر في جميع ذلك العالم الأديب الشيخ المختار العياضي ومدحه في بعض أختامها سنة ١١٥٢ اثنتين وخمسين ومائة وألف بقصيدة غريبة وهي قوله: [الطويل]
خليليَّ هل صب يحق عتابهُ ... وفي الأعين المرضى تقضَّى شبابهُ
يبيتُ على فرش الهوى ويدُ النوى ... وسادٌ لهُ والفرقدان ارتقابه
ويسكوه خمر الهوى فيبيت للس? ... هاد سميراً والنجوم صحابه
وفي قلبه نار يشبّ لهيبها ... وفي الخد ودمع لا يزال انسكابه
تملكه حب ووجد وصبوة ... فاصبح مضنى والسّقام ثيابه
فيا لائميه في صباه ووجده ... دعوه فإن الحب عذب عذابه
تملكه حب اللحاظ فقلبه ... متى شاهد الألحاظ زاد التهابه
ويسبيه إذ يصيبه بالوجه أهيفٌ ... بثوب جمال قد كساه شبابه
بديع جمال ما رأى البدر وجهه ... لعمرك إلا كان منه احتجابه
له مبسم حقاً هو الخمر نكهةً ... وسكراً ولكن الثنايا حبابه
ويغنيه عن زهر الرُّبى روضُ خده ... وعن شربه خمر الكؤوس رضابه
ويسحر أربابَ الغرام بطرفه ... كأنَّ إلى هاروت كان انتسابه
خليلي كم قضيت منه لبانتي ... بروض كأن المسك منه ترابه
وبتنا وكاسات المسرة تنجلي ... إلى أن رأينا الليل طار غرابه
وقمنا وثغر الفجر يصقله الضيا ... ورحنا وكف الصبح زال خضابه
وفاح الرّبى طيباً فقلنا أهذه ... علوم أبي العباس أم ذا خطابه؟
إمام حوى كل الفضائل مجده ... وأمست ثياب المجد هي ثيابه
ترى العلم بحراً وهو خائضُ لجِّه ... ولكن تحقيق العلوم عبابه
إذا ما رأينا العلم أوثق رحله ... إليك أبا العباس كان ذهابه
ولو سئل التحقيق منْ روحُ جسمه؟ ... لكان أبا العباس حقاً جوابه
إمامٌ سوى أن الفصاحةَ تاجه ... هزبر سوى أنّ البلاغة غابه
له هيبة في وجهه وجلالةٌ ... فلو شاهدته الأسدُ كانت تهابه
فلو سيبويهٍ لم يكن مر واختفى ... بقبره واستولى عليه ترابه
стр. 219
لكنا ادعينا أنه سيبويهِ وال? ... كتاب المسمى بالكتابِ كتابه
وعلم المعاني قد تكرَّعَ نهره ... وكان له يا صاح عذباً شرابه
وما احتجت البحث العويص وجئته ... لعمرك إلا زال عنه احتجابه
فعن فضله حدث عن البحر إنه ... لبحر ولكن بالمعاني انسيابه
فكيف وللعلم الشريف انتماؤه ... وللمصطفى المختار كان انتسابه
عليه صلاة الله ما قال مغرم ...
خليليّ هل صب يحق عتابه
وكان مصاهراً لآل الشريف إذ تزوج ببنت منهم ولما توفي دفن بتربتهم الشهيرة بأعلى الجلاز وكانت وفاته سنة إحدى وسبعين ومائة وألف وقد أرخه الشيخ أحمد سمية الكاتب بقوله: [مجزوء الكامل]
هذا الضريح لمن غدا ... تحت التراب مشيبه
في خدمة العلم الذي ... قد كان فيه غريبه
هو أحمد المكودي من ... ملأ الذكاء جيوبه
قد قيل في تاريخه: ... (صرف الإله ذنوبه)
٢٣
الشيخ قاسم المحجوب
هو الشيخ أبو الفضل قاسم بن الحاج المحجوب الشريف المساكني وبها ولد، وقدم إلى تونس في طلب العلم الشريف ونزل بالمدرسة المنتصرية، فقرأ على أعلام عصره، وجهابذة مصره، بجامع الزيتونة وهو يومئذٍ عامر بأعلام العلماء، منهم الشيخ محمد الخضراوي والشيخ علي سويسي وغيرهما، وقرأ على الشيخ محمد الحرقافي فأخذ من معقول العلوم ومنقولها ما بلغ به إلى رتبة في العلم عالية وحفظ القرآن كرامة للشيخ أبي سعيد الباجي وذلك أنه توفي أحد طلبة حزب المدرسة وكان الشيخ لا يحفظ القرآن ورام ذلك الطريق لنفسه لماله من الحاجة إليه فخرج لجبل المنار رافعاً أمره إلى الباجي ونام عند ضريحه فرأى الشيخ في نومه وهو يعلمه القرآن وأنه استكمل حفظه وتكراره، ولما استيقظ وجد نفسه حافظاً فقصد الرجوع إلى تونس وهو يكرر القرآن حتى استكمله وعند ذلك ذهب لشيخ الحزب وطلب ذلك الوظيف وعرض نفسه لاختبار حفظه فتلا عليه القرآن كله بعد أن لم يكن يحفظه على ذلك الوجه المتقن، وأخذ ذلك الوظيف وقد ذكره الشيخ حمودة في تاريخه في علماء الحاضرة حيث قال: ففيها اليوم من الجهابذة النقاد والفحول الذين تضرب إليهم أكباد الإبل جماعة لا يشق غبارهم ولا يجارى مضمارهم كشيخنا المفتي أبي الفضل قاسم المحجوب المساكني حافظ المذهب المالكي بالغرب هـ?.
وكان في مبدأ أمره حظي بعناية من الولي الصالح الشيخ قاسم السبابطي حيث عرض عليه طعاماً مكدراً مضت عليه ليال متعددة فعمد إليه وأكل منه ملعقة أولى ملآنه وتناول الثانية مثلها ثم تناول الثالثة مشمئزاً فكانت ناقصة وكان ذلك ثالث سلسلته العالم الشيخ محمد بن محمد بن قاسم المحجوب على ما يأتي ذكره.
وقد زان الشيخ الخطط العلمية تدريساً وخطبة وفتيا إلى أن صار كبير أهل الشورى من العلماء المالكية ودروسه يومئذٍ هي زينة جامع الزيتونة ولما ختم المختصر الخليلي سنة ١١٧٢ اثنتين وسبعين ومائة وألف امتدحه شعراء تلامذته الأعلام بقصائد غراء ومن ذلك القصيدتان اللتان أنشأهما الشيخ محمد الغضبان المثبتتان في شعره قال في مطلع إحداهما.
[الوافر]
خليلي علَّني كأسَ الحميَّا ... رشيقُ القدّ وضاح المحيا
إلى أن قال في تخلصها:
سلا قلبي الهوى وثنى عناني ... إلى حبرٍ سما وغدا زكيّا
أبي الفضل العلِّي بلا نزاع ... هو المحجوب من أضحى سميا
شريف شرَّفَ الفتيا فسادت ... وطوق جيدها عقداً سنّيا
وقد زان التدريس والفتوى بالعلم والتقوى، فقيه، حجة، أصولي، فقهه يحذو به حذو المجتهدين في تتبع وجوه الأدلة الأصولية خبير بمدارك مذهب مالك، وقد نجب بين يديه عالمان هما ابناه ويأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.
ولم يزل ركناً للدين وقدوة للأيمة المجتهدين وعمدة العلماء العاملين إلى أن أتاه محتوم الأجل فتوفي سنة ١١٩٠ تسعين ومائة وألف ودفن بتربتهم في أوائل الزلاج عليه رحمة الله ورثاه العالم الشيخ محمد بن سعيد النجم بقوله: [الطويل]
تنام جفون المرء والخطبُ يقظانُ ... وينكر حربَ الدّهرِ والموت برهانُ
ويكثر في الدنيا الدنية حبَّها ... وما وصلها إلا هموم وأحزان
ومن عرف الدنيا وشدَّةَ مكرها ... تساوى له منها وصالٌ وهجران
стр. 220
وسيَّان للإنسان عزّ وذلةٌ ... إذا لم يساعده من الله رضوانُ
ومن كان للأيام غرًّا فسحبه ... على غرِّها رزء الأيمة عنوان
عنيتُ بهم من كان لو وزنوا به ... لكان لهم عنهم من الوزن رجحان
أبو الفضلِ مفتى المالكيّة قاسمٌ ... وحسبك من ذكر به الدين نشوانُ
سراجُ بني المحجوب بل وبني التُّقى ... وآل العُلا والعلم آية ما كانوا
فتى كانت الدنيا بعاطر صيته ... كما فاح في وقت العشية بستان
فتى كان ملك العلم ذا همة به ... وأبناؤه في رأس الدهر ذا تيجان
فتى كان في فتوى البرية مالك ... وفي وعظها فوق المنابر سحبانُ
فتى كان مرتاحاً بسنّة جدِّه ... ولكنّه في نصرة الحق ثعبان
فتى كان للدين الحنيفيّ حامياً ... فلا الإنس يدنو من حماه ولا الجانُ
فتى كان للمظلوم أعظمَ راحمٍ ... عليه من الرحمن عفو وغفران
فحق عليه أن يقول مؤرخ: ... (يحق لمفت جل روح وريحان)
٢٤
الشيخ أحمد البرانسي
هو الشيخ أبو العباس أحمد الثعالبي الشريف شهر البرانسي من ذرية غوث الله الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي المفسر دفين الجزائر من السلالة الزينبية الطاهرة وكان عالماً جليلاً من الراسخين في العلم المحتقرين للدنيا، يأكل من عمل يديه ويحترف بخياطة البرانيس ولذلك ينسب إليها ويغير المنكر من غير مبالاة، وحج بيت الله الحرام.
وبث علومه بجامع الزيتونة فأقرأ به مختصر السعد وكبرى الشيخ السنوسي في علم الكلام قراءة تحقيق انتفع به فحول الجامع ولما توفي الشيخ المكودي وتقدم لرئاسة أهل الشورى الشيخ قاسم المحجوب تقدم صاحب الترجمة مفتياً ثانياً.
ولما توفي باش مفتي المذكور قدم الأمير علي باي ابنه على صاحب الترجمة للرئاسة وقيت صاحب الترجمة في رتبته يزينها بعلمه ودينه مع كون عموم الناس يعتقدونه، ولصالح الدعا يرجونه، إلى أن توفي في سنة ١١٩٧ سبع وتسعين ومائة وألف ودفن تحت برج القرجاني ورثاه أحد شعراء البلاد بقوله:
فقف للدعا واستوقفنَّ ذوي الهدى ... وكن قارئاً أم الكتاب مردِّداً
وعظ واتعظ وانهض لما هو نافع ... لنفسك في الأخرى عسى أن تؤيَّدا
فماذا عسى أن يبلغ العمرُ بالفتى ... ولو طال ما قد طال لا بد يلحدا
فأين الملوك المالكون وملكهم ... وأين ذوو الفاقات ما لم يوددا
تساوى بهذا المصرع الخلق كلّهم ... فم يدر ذو ذل ومن قد تمجّدا
فيا فوز من قد قدم البرّ للِّقا ... كهذا الذي أضحى بذا القبر مغمدا
هو الورع المفتي الإمام البرانسي ... يسمى أبا العباس أحمد في الندا
فقد كان في الفقه المعظم مالكاً ... وحبراً تقياً زاهداً متعبدا
وفي كل علم كان أعظم آية ... وفي الدين سيفاً قاطعاً لمن اعتدا
فقد كان شهماً واسع الخلق في الورى ... وكان لجفن الدين والشرع إثمدا
وما قوله يبدو وهوى وهو موعظ ... فيرضيك مغلوباً وقد كنت ذا اعتدا
وكان رفيقاً بالمقلين متعباً ... لإظهار حق الله والدين والهدى
فجازيه ربي بالرضى وبجبره ... بجده يا ذا الطول والفضل والندى
ومتعه يا وهَّابُ بالنظر الذي ... به تمت الحسنى لكل من اهتدى
وحقق رجا من قال أرخ لأحمدٍ ... بأعلى علا الفردوس جاراً لأحمدا
٢٥
الشيخ محمد المجحوب
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بفتح الميم الأولى ابن قاسم ابن الحاج المحجوب الشريف ولد في النيف والخمسين بعد المائة والألف، وتربى في حجر والده فأخذ عنه معقول العلوم ومنقولها، وتصدى للأخذ بجامع الزيتونة فأخذ عن أعلام العصر قرأ على الشيخ أبي عبد الله محمد الغرياني والشيخ أبي عبد الله محمد الشحمي والشيخ أبي عبد الله محمد بيرم الأول، وتصدى للإقراء على أسلوب غريب من أبدع الأساليب سلك به طريقة والده، وأجرى به للجهابذة أعذب موارده، ولما ختم المختصر الخليلي امتدحه تلميذه الشيخ أبو عبد الله محمد بن سعيد النجم بقصيدة مثبتة في شعره قال في مطلعها: [الطويل]
ألا من لصب قد براه هواه ... فيذهب وجد حار فيه حجاه
стр. 221
ولما ظهرت له المزية تقدم للخطة الشرعية فولي الفتيا مع والده، وكان يومئذٍ قاضي باردو الشيخ منصور المنزلي آية الله في الذكاء والتضلع بمقتضيات الأصول والفقه حتى أولاه الأمير عاملاً على الوطن القبلي مع خطة القضاء بباردو ولما أعياه التشكي من عمال البلد المذكور وصار الشيخ يقضي بباردو صباحاً ويجلس بداره عشية لقبول نوازل عمله حتى فيل في ذلك من الملحون:
يا منزلي خذ الفلوس بزايد ... في الصبح قاضي وفي العشية قايد
وبفقهه وتبصره كانت له مع الشيخ قاسم المحجوب والد صاحب الترجمة في المجلس الشرعي عدة منازعات، يستجيد موقعها في تلك الأوقات، ولما ولي الفتيا ولده المذكور حذره ترصد الشيخ منصور لكنه بذلك قد زاد اعتناؤه، وتفقه تفقهاً حمد مبدؤه وانتهاؤه.
ولما توفي والده تقدم لرئاسة أهل الشورى فكان رئيسها الذي لم يزل فخرها به يتلى، وجماله على تلك المنصة يجلى، وبذلك جمع له بين التعزية والتهنئة الشيخ محمد الغضبان بقصيدته التي قال في مطلعها: [الكامل]
ما للمدامع بالربوع تبدَّدُ ... أسفاً ونيرانُ الأسى تتوقِّدُ
إلى أن قال فيها:
ولقد أقيم مقامه النجل الزكي ... بدر الدجى المولى الهمامُ محمدُ
وهناه نجم الأيمة ابن سعيد بالقصيدة التي قال في مطلعها [الكامل]
حجبتْ سلوِّي عن هواك حواجبُ ... ومعاطفٌ منها القلوب عواطفُ
إلى أن قال فيها:
سندي أبو عبد الإله محمّدٌ النير الأسمى الغمام الساكب
فخرُ المشاهير المحاجبةِ اللس ... لهم النجومُ النيراتُ مناقب
وقد ثبت على صراط الفتوى، وزانها بالعلم والتقوى، وتقدم لمشيخة مدرسة علي باي الجديدة عند بنائها فأقام دروسها وأخذ عنه من نزلائها ووارديها، وكان عالماً أصولياً عاملاً حافظاً للمذهب المالكي عارفاً بأصول المدارك، وقوراً مهيباً، خبيراً بالسياسة الشرعية معتقداً كريماً صاحب عفة وصيانة، وكمال مرؤة وديانة، وكان الأمير حمودة باشا لا يأذن للمجلس الشرعي بالاجتماع بين يدية إلا بعد أن يتحقق حضور الشيخ المحجوب بحيث إنه يأذن شيخ المدينة بأن يقابل الشيخ أولاً فإن رأى عزمه على الحضور يعلم بقية الشيوخ من المالكية والحنفية وإلا لم يعلم أحداً. ولا يخاطبه إلا بالسيادة، ويحضر بموكبه العام بمنزله بسانية جبل المنار ويجله غاية الإجلال لمكان علمه وحفظه للمذهب. وله مع تلميذه القاضي إسماعيل في النوازل الشرعية وقائع تنبئ على غاية تضلعه وتثبته طالما انتصر فيها تلميذه بموافقة عموم المجلس من المالكية والحنفية فلا يلبث بهم الشيخ المحجوب أن يهدم جميع ما بنوه عند انعقاد المجلس بمحضر الأمير ويرجع إليه جميعهم بمرأى ومسمع من الأمير.
ومع كمال تضلعه لا يفتر عن المطالعة وكان يقطع الليل في المطالعة وينام بعد صلاة الصبح وكان يحضر في مجلسه ببيته جموع من الخاصة يقضون الليل في المسامرة عنده وهو مشتغل عنهم بالمطالعة. وكان ذا ثروة كريم الأخلاق معظماً عند الخاصة والعامة دخل يوماً على موكب وجد صدره قد امتلأ بمن ليسوا من جنسه فجلس إلى بعض الجوانب وأنشأ قائلاً: [الطويل]
ولما رأيتُ الصدر قد ضم معشراً ... وجمعهم يزري وقولهم الوزرُ
تباعدت عنهم عفة وصيانة ... وقلت لنفسي حيث كنتِ هو الصدرُ
وأرسل إليه الأمير محمود باشا بعد وفاة الشيخ حسن الشريف ليقوم مقامه في إمامة جامع الزيتونة فامتنع من ذلك وتعلل بالكبر وأشار على الأمير بتقديم أخي الشريف المذكور فصنع.
ولم يزل على كمالاته إلى أن أدركه الهرم حيث تجاوز التسعين سنة في عمره وتوفي يوم الاثنين السابع عشر من شعبان الأكرم سنة ١٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين ألف ودفن بتربتهم بالزلاج عليه رحمة الله ورثاه العالم الشيخ أبو العباس أحمد الكيلاني بقوله: [البسيط]
كأسُ الحمام لعمرُ الله قد هانا ... من حادث مزَّق الأحشاءَ أوهانا
رزية لم تدع براً ولا جلداً ... ولا حجا يتسحيل الصبر أحيانا
عجبت للشمس في الآفاق بازغةً ... كأنها ما ردت تصديقَ ما كانا
عجبت للبدر يزهو في معارجه ... كأنه ما رأى في الأفق نقصانا
نعيٌ لقد أدهش الألبابَ موقعه ... وما وجدنا إلى السُّلوان أعوانا
стр. 222
نعيٌ لقد أظلم الآفاق مأتمه ... فأضرم القلب والأحشاء نيرانا
خطبٌ له أعين السلام ساهرة ... والدمع يهمي من الأجفان هتَّانا
خطبٌ فظيعٌ لقد الأنام به ... أصمى قلوباً وقد أصم آذانا
فالعقل منصرم والصدر مضطرم ... والحزن منسجم والدمع قد خانا
إله صبري من دهماء قد برّحت ... لم تبقِ للعقل تذكاراً ونسيانا
كيف السلو وطود العلم أودى به ... ريب المنون وحبل الصبر قد وانى؟
يا ناعيَ البين لا جوزيت صالحة ... فهل كتاج الدين إنسانا؟
محمد المرتضى المحجوب قد حجبت ... عنه النقائص إسراراً وإعلانا
شمس الهدى شيخ الإسلام الذي صعدت ... به المكارم حتى جاز كيوانا
من معشرٍ بهمُ الفتيا لقد سحبت ... في موقف الفخر والإعجاب أرادنا
حازوا سياستها شادوا رئاستها ... مشايخاً وكهولاً ثم شبانا
وكان في شرعة الإسلام تبصرة ... للمهتدين وإرشاداً وبرهانا
منه استفاد مفيد كل منتخب ... من المفاخر ما لم يحض أثمانا
سبحان من خصه فضلاً بعارضه ... حوت بياناً وتحصيلاً وإتقانا
كما حوت روحه في الخلد منزلة ... حازت من النَّور والأزهار ألوانا
لله روضٌ لقد ضمت جوانبه ... من ضيّق الأرض إكراماً وإحسانا
ومن سما بالذي كانت مجالسه ... معمورة أبدا علماً وعرفانا
يا زائراً ومسه أدعو بمرحمة ... واسئل له من غله العرش غفرانا
وقد أتاك طعين السن مرتقباً ... من فيض جودك إحساناً ورضوانا
فاجزل قراه بما يرجو مؤرخه ... (فرمسه قد روى روحاً وريحانا)
٢٦
الشيخ محمد الدرناوي
هو الشيخ محمد بن حسين الدرناوي نشأ هو وأخوه في طلب العلم الشريف، فأما أخوه عبد الله محمد الدرناوي فقد تعلق بالآداب وتحلى بحلية الكتاب، وفي نظم الشعر البديع، ختم على الشيخ أبي محمد عبد الله السوسي المختصر الخليلي ومدحه عند الختم بقصيدته التي قال في مطلعها: [الطويل]
سلوا مدمعي الهتان عن شرح أحوالي ... وعن غربتي عن أهلِ منذ أحوالِ
وهي قصيدة طويلة مثبتة في شعره وختم على الشيخ أبي عبد الله محمد الغرياني صحيح البخاري ومدحه عند الختم بقصيدة قال في مطلعها: [الطويل]
تصَّرْ على الشكوى وإن برّح الحبُّ ... وأن تألفَ السَّلوى وإن برّح الحبُّ
ولما استكمل التعاليم، وتقدم في الإنشاء على كل حميم، أولاه الأمير علي باي خطة الكتابة وتقدم في مراتبها إلى أن بلغ الرئاسة في مبدأ دولة الأمير حمودة باشا غير أنه عزل منها بعد حين ولازم بيته على وجاهته واحترامه إلى أن توفي أواسط ربيع الأول من سنة ١٢١١ إحدى عشرة ومائتين وألف ورسمت إلى قبره قصيدة من شعر الشيخ محمد قلالة تاريخها: [الكامل]
أيام مولده الشريف فأرخن ... وإلى علا الجنات سار محمد
وأما أخوه صاحب الترجمة فإنه سبق أخاه المذكور إلى العلوم الشرعية فتضلع فيها حتى كتب على شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي وكتب على دره الفرائض وكتب على صحيح البخاري فهو فقيه فرضي من جهابذة علماء المعقول، ودروسه بجامع الزيتونة من أعز الدروس تحقيقاً وتحريراً، له اليد الطولى في الفصاحة وحسن الخط عالي الهمة متواضع.
ولما توفي الشيخ الثعالبي قدمه الأمير حمودة باشا إلى خطة الفتيا ومشيخة بئر الحجار سنة ١١٩٧ سبع وتسعين ومائة وألف فأحسن العمل لله والعباد، وأفاد المتعلمين والمستفتين بطريقة تستجاد، إلى أن توفي وصار إلى رحمة الله تعالى بالطاعون العام أواسط رجب الأصب سنة ١١٩٩ تسع وتسعين ومائة وألف ودفن مع أخيه بأعلى جبل الفتح في الجهة اليمنى بتربتهم عليهم رحمة الله ورسم على قبره تاريخ من شعر أخيه وهو: [الكامل]
ها قد توسد في الضريح صعيدا ... من بعد ما جاز السِّماك صعودا
من كان يا بشراه جلُّ حياته ... في سلكه التقى معدودا
العالم المفتي الذي أحكامه ... سلكت طريقاً في الأنام حميدا
فخر الزمان محمد الدرناوي من ... عانى العلوم وأصرف المجهودا
زان المدارس والدروس ببثه ... علما لطلاب العلوم مفيدا
стр. 223
فلكم تصانيفٌ له تسبي النهى ... أخفى الخمود لها وجا المشهودا
قد أم بابك يا جوادُ فهب له ... قصراً بجنات النعيم مشيدا
قد مات بالطاعون قلت مؤرخاً ... (تربٌ زكي أمَّ الجوادا شهيدا)
٢٧
الشيخ أحمد سويسي
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن علي بن محمد سويسي الشريف، كان جده أبو عبد الله محمد بفتح أوله خيراً فاضلاً جليلاً ولي إمامة مسجد باب الخضراء.
وكان ميلاد ولده الشيخ أبي الحسن علي سنة ١٠٧٥ خمس وسبعين وألف وتصدى لقراءة العلم الشريف فقرأ على الشيخ سعيد الشريف والشيخ محمد فتاتة، وقرأ على الشيخ علي الصوفي مختصر السعد على التلخيص، وقرأ على الشيخ محمود مهتار التلويح على صدر الشريعة، وقرأ على الشيخ مصطفى بن عبد الكريم تسهيل ابن مالك، وقرأ على الشيخ قاسم المؤخر كثيراً من الفرائض، وقرأ على المحدث الشيخ سعيد المحجوز صحيح البخاري. وتقدم لخطة التجويد بجامع الزيتونة وكان حسن الصورة تخشع له القلوب فعمر الجامع تلاوة وتدريساً حتى كان شيخ شيوخ جامع الزيتونة علماً وعملاً وصلاحاً وله ولوع بحب الصالحين وزياراتهم والفزع إليهم في المهمات الدنياوية والعلمية؛ قدم إلى تونس أحد العلماء المغاربة مجتازاً إلى بيت الله والحرام وأورد على علماء الحاضرة في ذلك العصر سؤالاً من علم الكلام فلم يجب عنه أحد إلى أن كاد أن يرجع الشيخ آيبا من تونس فحضر كثير من علماء ذلك العصر إلى شيخ جامع الزيتونة وسألوه الاجتماع بالعالم المغربي وإجابة سؤاله ولما أورد عليه السؤال وأخذ الشيخ يفكر في جوابه قال له المغربي: اعلم يا سيدي أني أمهلتك في الجواب إلى أن نرجع من حجتي هذه إلى تونس وإن شئت إلى سنة بعدها وإن شئت أكثر فقال له الشيخ لا حاجة بنا إلى طول المدة وإنما نجتمع إن شاء الله بعد ثلاثة أيام وخرج من عنده فاكترى حماراً وقصد جبل المنار إلى أن أتى ضريح الشيخ سيدي أبي سعيد الباجي ﵁ فجلس عنده وسأله السؤال وجلس هنالك فأخذه النعاس وبينما هو بين النائم واليقظان وإذا هو يرى الشيخ الباجي خارجاً من ضريحه إلى أن خرج نصف جسده فاستعاده السؤال وأجابه عنه فاستيقظ الشيخ وبمجرد ذلك أخذ فحماً من مبخرة الزاوية وكبت بها الجواب على الرخام واستحضر الكاغظ ونقله كتابة وتأمله فإذا هو الجواب الشافي فرجع من الغد واجتمع بالمغربي واستعاده السؤال فأملى عليه الجواب فصاح المغربي وقال له يا سيدي قم بنا إلى من أجابك فوالله لا يجيب عنه إلا مفتوحاً عليه من رجال الله فصدقه الشيخ وذهب به إلى زيارة ضريح الباجي ﵁.
ولم يزل على علمه وفضله إلى أن توفي نحو سنة ١١٤٦ ست وأربعين ومائة وألف.
وأما ولده صاحب الترجمة فقد نشأ بين يدي أخيه وأخذ عنه وعن والده وعن الشيخ أبي محمد عبد الله السوسي والشيخ محمد الهدة وقد وقفت على إجازة الشيخ السوسي لصاحب الترجمة وأخيه مؤرخة بأشرف ربيعي سنة ١١٧٠ سبعين ومائة وألف وهي إجازة مطلقة عامة تشهد لهما بما اشتهر من علمهما وفضلهما، وتصدى للتدريس فأفاد الطالبين وتقدم إماماً بمسجد باب الخضراء كجده ووالده، وكانت ولايته ذلك أوائل صفر الخير سنة ١١٧٠ سبعين ومائة وألف على عهد الأمير محمد الرشيد، وتقدم لخطة العدالة في جمادى الأولى من السنة المذكورة، ثم قدمه الأمير علي باي شاهداً على أوقاف السور وكانت يومئذ من الخطط النبيهة فوليها في المحرم سنة ١١٧٥ خمس وسبعين ومائة وألف، وقام بواجب معاينتها قياماً كلياً.
стр. 224
ثم أن الأمير علي باي لما عزل الصفوة العالم الفاضل الشيخ عبد الكبير الشريف من إمامة جامع أبي محمد الحفصي قدمه لها أوائل جمادى الأولى سنة ١١٨٧ سبع وثمانين ومائة وألف فزان المنبر والمحراب وخطب الخطب البديعة وهو في أثناء ذلك كله يبث العلم في صدور الرجال إلى أن توفي الشيخ الدرناوي فقدمه الأمير حمودة باشا لخطة الفتيا وأعطى أخاه مشيخة مدرسة بئر الحجار أواسط رجب الأصب سنة ١١٩٩ تسع وتسعين ومائة وألف فامتنع من ذلك معتذراً بأنه لا يمكن له أن يتقدم على أخيه وشيخه محمد سويسي حيث كان قاضياً، والأمير لم يسمح بنقلته من الخطة المذكورة بخلاً به لعلمه ودينه وعند ذلك ألزمه الأمير التقدم للفتيا وآذانه أن يتأخر عن أخيه فتقدم إلى خطة الإفتاء وباشرها بالعلم والعمل والتواضع وأخلاق الصالحين والقناعة.
ولما توفي أخوه ولي عوضه مشيخة مدرسة بئر الحجار وزانها بدروسه الفائقة، وتحريراته الرائقة، إلى أن أتاه أجله فتوفي في ذي القعدة سنة ١٢٣٢ اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، ودفن بتربتهم في أعلى جبل الفتح من الزلاج عليه رحمة الله وخلفه في إمامة الجامع الحفصي ورواية مسجد الحفصي ولده الأكبر الشيخ عثمان سويسي، ورثاه العالم الشاعر الشيخ أحمد الكيلاني بقوله:
للمرء ما عاش في دنياه وجدانُ ... وعادة الدهر أفراح وأحزانُ
فقل لمن يبتغي الدنيا وزخرفها ... هيهات هيهات جفن الموت يقظان
قدم لنفسك ما ينجيك يوم غدٍ ... وكابد النصح لا يغررك سلوان
وكن كصاحب هذا القبر مجتهداً ... في طاعة السّرِّ لم يصحبك خذلان
أعني سويسي أبا العباس أحمد من ... سارت بتحقيقه في العلم ركبان
شيخ جليلٌ خطيب واعظ وله ... في منهج الرشد تحرير وإتقان
قد كان يفتي ولم يحفظْ له خلل ... وكم له لاتباع الحق إذعان
ناشدتك الله قبراً هل سموت بمن ... صنيعه في دجى الأسحار قرآن
وهل ظفرت بجسم راق منظره ... وطاب من نشره روح وريحان
يا زائراً رمسه بمرحمة ... يرجى له فيه عند الله غفران
وقل أتاك مسن العمر في خجل ... وقصده منكم برّ ورضوان
فاجزلْ قراه بما يرجو مؤرخه ... (نجل التقى ناله عفو وغفران)
١٢٣٢
٢٨
الشيخ حسن الشريف
تقدم استيفاء ترجمته في الأيمة في الأيمة وقد ولي الفتيا وأقام مفتياً دائماً بعد وفاة الشيخ أحمد سويسي سنتين زان فيهما الخطة إلى أن توفي عليه رحمة الله.
٢٩
الشيخ محمد المحجوب
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن قاسم ابن الحاج الشريف، ثالث آبائه الكرام في الخطة الشرعية قرأ على فحول العلماء أكثر قراءته على والده. الشيخ محمد المحجوب وعمه الشيخ عمر المحجوب.
وشارك في المعقول والمنقول مشاركة ما وجلس للإشهاد مدة ثم تقدم لخطة الإفتاء يوم الجمعة الحادي عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف فباشر الخطة مع المحافظة على شرفها وهو مدل بعلم والده مع ماله من حسن التصرف والسكينة والوقار وكرم الجار بحيث لم يحفظ عنه خطأ مدة ولايته كلها.
ولما توفي والده تقدم عليه الشيخ إسماعيل التميمي لخطة الرئاسة ثم بعده تقدم عليه الشيخ إبراهيم الرياحي ثم تقدم عليه الشيخ محمد بن سلامة مفتياً ثانياً مع الشيخ إبراهيم.
وبقي صاحب الترجمة مفتياً ثالثاً محترماً ملازماً للمحافظة على همته والخطبة بجامع الزيتونة الكائن خارج باب البحر غير أنه عزل من ذلك في آخر أمره.
وقد امتحن بفقد ولده الشيح أحمد المحجوب وكان من أعيان كتاب الدولة فتوفي في الخامس من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٠ ستين مائتين وألف وصبر والده لفقده واحتسب مصيبته. ولم يزل على احترامه واعتباره إلى أن أدركه الأجل المحتوم فتوفي يوم السبت خامس ذي الحجة الحرام سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف، ودفن بتربتهم في الزلاج عليه رحمة الله ورثاه أحد شعراء العصر بقوله: [الطويل]
ألا فانظروا من صار بين الجنادلِ ... لقد كان في دنياه صدر الأماثلِ
وأصبح تحت الأرض من كان فوقها ... وما كان إلا زينةً للمحافل
هو الألمعي فخر الزمان محمد ... سليلُ جدودٍ من كرامٍ أفاضل
стр. 225
فجدهم المحجوب يعزى نجاره ... لبيت شريف من خيار القبائل
لقد كان في الفتيا حميداً وما رأى ... له أحد فيه جنوحاً لباطل
فيكفيه ما قد ناله من أوائل ... أقر لهم بالفضل جمع الأفاضل
فقد زينت الفتوى بهم وتبرجت ... وتاهت على رغم الحسود المجادل
بهم قد أشاد الله مذهب مالك ... وأحيوا رسوماً قد خلت من مماثل
وقد كان للدين الحنيفي صارماً ... وفي الحق ما مالوا إلى قول عاذل
فيا زائراً بالله أدع برحمة ... تواجهه عند انتهاء المآمل
وأهد له أم الكتاب مردداً ... ولا تك عما قد سئلت بغافل
عليه من الرحمن أزكى تحية ... تروح عليه بالضحى والأصائل
وكافئه يا ربّ بقول مؤرخ ... (له برياض الخلد أعلى المنازل)
? ٣٠
الشيخ إسماعيل التميمي
هو الشيخ أبو إسماعيل بن محمد بن حمودة باشا الشريف التميمي ولد ببلد منزل تميم عام ١١٦٥ خمس وستين ومائة وألف، وحفظ بها القرآن العظيم على العارف بالله الشيخ أحمد بن سليمان.
ثم قدم إلى حاضرة تونس في طلب العلم الشريف، وتصدى للأخذ عن شيوخ الجامع، فقرأ على الشيخ محمد الغنجاتي والشيخ محمد الشحمي وغيرهما ولازم فحلي المعقول والمنقول الشيخ عمر المحجوب والشيخ صالح الكواش فأخذ عنهما ما لاح به بدراً في أفق المعارف، يسدي من تحقيقه وتحريره أعز العوارف.
وقد أجازه شيخه المحجوب بإجازة بديعة نصها: [الكامل]
حمداً لك اللهم يا من أنعما ... بخرائدِ العلم العزيز وعلَّما
واستنهض النقاد في تحويطها ... بخياطة الإسناد أن لا تكلما
فنفوا شماريج الحديث وبينوا ... موضوعه وجلوا عن القلب العما
حتى اجتنينا بعد كل سلجلج ... بل واجتلينا منه حالية الدُّمى
وشكراً على نعمائك التي بسطت لنا خوانها، وآلائك التي هصرت لنا أفنانها، ونستوهب منك عرفاناً يزجينا إليك، وإيقاناً يدلنا عليك، وغفراناً نصل به حبالنا، ونسند إليه آمالنا.
[الكامل]
يا من خزائن جوده مملوّة ... وذخيرةٌ مرجوّة للمذنبِ
ونصلي ونسلم على محمد واسطة عقد النظام، ونور حديقة الانتظام، الذي شاد من الشريعة بنيانها، وأقام لقسطاس العدل أركانها، وعلى آله وأصحابه الذين أشرقت في سماء الملة نجومهم، وأحرقت مردة العداء رجومهم، صلاة وسلاماً يهمي مدرارهما، فتوالى على ممر الأحقاب تكرارهما.
وبعد فإن العبد الفقير الغريق في بحور التسويف، عمر بن القاسم المحجوب الشريف، تجلى الله له باسمه اللطيف، وأسبغ عليه ظل غفرانه الوريف، يقول إن أخانا في الله ومحبنا من أجله الفقيه النجيب الأنبه الأريب السيد الشريف ذي القدر المنيف، أبا الفداء إسماعيل ابن المرحوم أبي عبد الله محمد باشا التميمي حرس الله بهجته، وحاط عن الغلط مهجته، ممن أرهف في العلوم ظباته، وهز في ميدانها قناته، وتسنم من آيات المسائل غاربها، ونال من الفنون رغائبها، وارتضع أخلاقها، وعرف من المنقولات وفاقها وخلافها، وأخذ من الرواية بعنانها، وجالت من خيل الدراية في ميدانها، وقد لازمنا مدة مديدة وقرأ علينا كتباً عديدة، واقترح علي أعزه أن أجيزه، وأن ينظم في سلك هذه الأسانيد إبريزه، وعلمه محيط بأنا لسنا من أهل الاستجارة فضلاً عن الإجازة.
[الطويل]
ولكن إذا ما أقفرت دار زينبٍ ... وصوّح واديها وجفَّ معينها
فلا غرو أن يستمرأ التمرد وارداً ... ويسمى هزيلاً حين عزَّ سمينها
стр. 226
فطوى ثوبنا على بلله وأغضى عن عيوبه وعلله لعد أن أطلعته على خيبة أمري وصدقته سن بكري واسحثنا في كتب هذه الإجازة، ونويت بعد أن لويت إنجازه، ثم ما وسعنا إلا إسعافه، عز علينا إخفاته وإخلافه، فأجبته لمطلوبه وأسعفته لمرغوبه حرصاً على دعوة خير يهديها، وضراعة في أوقات الاستجابة يبديها وقد أجزت الفاضل المذكور إجازة عامة مطلقة تامة بجميع ما أخذته، ولمشايخنا أسندته، بما تضمنه هذا الثبت وغيره وأجزته أيضاً بجميع ما قرأته وأخذته عن والدنا عن الشيخ محمد زيتونة عن شيخه الفاضل سيدي محمد الزرقاني عن والده الشيخ عبد الباقي عن شيخه سيدي علي الأجهوري فيما رواه عن مشايخه المشهورين قدس الله أسرارهم، وأخضل مزارهم، وبجميع ما أخذته عن غير هؤلاء بطريق من طرق الأخذ إجازة مشيدة البنيان معربة عن علو الشان، مسلسلة بالأيمة الأعيان، مجلية لصاحبها وقائلة أطرزي فإنك فاعله وأجزته أن يجيز غيره بالشرط المعروف عند أهل هذا الشان والله تعالى ينفع به في جميع الأحيان، وعليه في ذلك أن لا ينساني وأولادي من صالح دعواته ويخصني بالاستعطاف عقب دروسه وصلواته، والله أسأل أن يكلأه من الدهر ونكباته، ويلطف بنا وبه في القضاء وسطواته، إنه خير مأمول وأكرم مسؤول لا إله إلا هو. وصلى الله على سيدنا محمد وآله صلاة دائمة وفي رياض القبول سائمة ما اهتزت الأقلام، ما وتأنق بليغ في المبدأ والختام، والسلام من كاتبه ببنانه أسير خطاياه والمكبل في قيود خطاه الملتحف برداء الذنوب، عمر بن القاسم المحجوب، ستر الله عيوبه وكشف عنه خطوبه، ولم شعث تقصيره ومؤمن صنيعه عند مصيره بمنه وكرمه آمين.
وقدم لخطة الإشهاد فكان من ثقاة الموثقين، وجهابذة الراسخين، وأخذ الرتبة العالية في صناعتي التدريس والتوثيق، وسلك مسالك التحرير والتحقيق.
ولما عزل الشيخ عمر المحجوب من خطة القضاء وامتنع الشيخ إبراهيم الرياحي من البقاء على الخطة قدمه الأمير حمودة باشا لخطة القضاء صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من صفر الخير سنة ١٢٢١ إحدى وعشرين ومائتين وألف واستبشر بولايته الخاص والعام، وهنأه بها خاصة الأعلام.
ومن ذلك ما هنأه به تلميذه الأكتب الشاعر الشيخ الحبيب بن أحمد الأصرم، وكانت ولادته بأرض الجزائر سنة ١١٦٨ ثمان وستين ومائة وألف مدة تغرب والده مع الموالي الحسينيين، وقرأ بتونس وارتقى إلى دست الكتابة وكانت وفاته رابع المحرم سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف، وكان شاعراً ومن شعره ما هنأ به صاحب الترجمة بولاية خطة القضاء وهو قوله: [الطويل]
محياك من شمس الظهيرة أنور ... وذكرك من زهر الحدائق أعطر
وإنك للدرُّ اليتيم الذي به ... ينافس أعيان الأنام ويفخر
إذا لحتَ ما بين السِّماكين طالعاً ... تراءت لك الألحاظ عجباً وكبَّروا
فخرك أضحى من عقائل عزه ... يجرُّ رداءً بالها يتبختر
فضلت تميماً في مسالك نظمهم ... ومنْ كنت ظل الكل عنك مقصر
ترقيت بالرأي الأصيل لرتبة ... يذل لها كسرى وبقصر قيصر
وكم لبست وشي الجلال وكيف لا ... وعمَّن سواك اليوم تزهو وتكبر
أيحكيك نحرير ومثلك في الورى ... كبحر عظيم بالغوامض يزخر
فلا زلت في حفظ منيع ورفعة ... وبطش شديد في أعاديك تظفر
يؤازرك الإسعاد والدهر قادم ... مطيع لما قد شئته حين تأمرُ
فباشر الخطة بعلمه وثباته وعدله ورسوخ قدمه في معرفة فقه القضاء واستحضار النوازل وسلك فيها مناهج المجتهدين وقام بحقوقها على أكمل وجه نحو العشرين سنة ثم قدمه الأمير عثمان باشا مفتياً ثالثاً تاسع ربيع الثاني سنة ١٢٣٠ ثلاثين ومائتين وألف فأقام في الفتيا ثلاثة أشهر وأعيد إلى خطة القضاء سابع رجب، وأظهر في فقه القضاء من معارفه العجب.
ولما توفي العالم الصالح الشيخ محمد بن نصر القابسي ليلة الثلاثاء الثامن عشر من أشرف الربيعين سنة ثلاث وثلاثين تقدم عوضه لمشيخة المدرسة الأندلسية فأقام مع ذلك دروسها.
وفي أثناء ذلك ألف: ١ رسالة في الوقف أبدع في مغزاها، ورصعها لمن يحاول في رياض الفقه انتزاها، فقرظها شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بيرم الثاني بقوله: [البسيط]
رسالة لستَ تلفي ما يدانيها ... في حسن ألفاظها أوفي معانيها
стр. 227
نظرتها فإذا التحقيق من كثب ... يدعو إذا رمت شيئا في مراميها
بها (البيانُ مع التحصيل) إذ جعلت ... قواعد لأصول من مبانيها
فهي (المعونة) إذ أضحت (مدونةً) ... مباحثاً لا ترى في غيرها فيها
قد أنبأت عن يد طولي (وعارضةٍ) ... قويَّة لمعانيها ومنشيها
جازاه مولاه عن سعيٍ له برضى ... فذاك في نفسه أعلى أمانيها
وعمَّنا بعميم من مواهبه ... فضلاً ولا انقطعت عنا مجاريها
بجاه من نرتجي منه الشفاعة منْ ... ما في القيامة من عظمى دواهيها
عليه أزكى صلاة الله ما انتشرت ... في الأرض أزهى الدراري في مغانيها
وقرظها المفتي المالكي الشيخ حسن الشريف بقوله: [لبسيط]
رسالة أبرزت من فكر منشيها ... شموس فضل وإتقان معانيها
حلَّت نظاماً وحلت في النباهة ما ... قد جلَّ إدراكه من غير مبديها
سامرتها فاقتطفت الدر مبتذلاً ... وأسكرتني حلالاً من أماليها
وأطرب الفكر منها كلُّ ساجعةٍ ... بطول معنى بليغ في معانيها
وأوسعتني عطاء من نوادرها ... لتقتضي الشكر موفوراً لمنشيها
فقمت أوسعه شكراً وأنشدها ... زدت العلو لذلك النور تنويها
وقرظها الشيخ محمد بيرم الثالث بقوله: [الطويل]
أسرّح طرفي في رياض صنيعكمْ ... لأبصر من أنواركم كلَّ شارقِ
وأقتبس التحقيقَ من فيض بحركم ... فأكتسب العرفان من كل بارقِ
فيا علمَ الأعلامِ أخرجت للنهى ... نتائج فكر بالعلوم الدقائقِ
يه شدت للأعلام جل اجتهادهم ... وأوضحت للأفهام درك الحقائقِ
فلا زلت بحراً موجداً درر النهى ... ولا زلت شمس الغرب بلْ والمشارق
وقرظها القاضي الحنفي يومئذ الشيخ محمد بن أحمد بن حمودة بن الخوجة بقوله: لله تعالى أحمد وأصلي وأسلم على نبيه أحمد وعلى أصحابه الكرام وآله، الهادين كل متحير واله، وبعد فلما كانت هذه الرسالة، المتفجرة منها ينابيع التحقيق السلسلة، نافعة وإن نفعها لعام، كانت جديرة بثناء الخاص عليها والعام، من غير فصل بين الكبار والصغار، من أولي العز والصغار، فأردت أن أنتظم في سلك من هو لعنان الثناء علها ثاني، وإن كنت فلا مرية من القسم الثاني، فأقول إني اجتنيت ثمرات هاته الأوراق، من كل دان من أغصانها أوراق، واستنشقت من فوائح نشرها، حين أخذت في فتحها ونشرها، والتذذت بفوائح أرجها، حين طففت أسيم اللحظ في درجها، فما وقعت على كلام لمنشئها النحرير، إلا وهو في غاية التحرير، ولا عثرت له فيها على تعبير إلا وهو في نهاية التحبير، ولا رأيت منها محلاً، إلا وهو بالتحقيق محلى، إلى غير ذلك من خصالها الحميدة وخلالها، الحاصلة كما يرى في خلالها، مما لا يقدر على إحصائه يراع، ولو كلف بذلك يراع، فلله درها، من رسالة نفيس درها: [البسيط]
رسالة قد سبتْ حجا معانيها ... السحر في لفظها أو في معانيها
يا حسنها روضةً أطيارها صرخت ... له كم شنفت سمعي مغانيها
كم راق فكريَ في أدواح ما غرستْ ... يد الذكاء التي شدت مبانيها
ولعمر الله يمين صادق والكذب على مه إنها لأصدق شاهد وأوضح علامة، على أن منشئها جهبذ علامة، وأن له يداً طولى واقتداراً على التحقيق وطولاً وذهناً متلألئاً ذكا، مشرقاً إشراق ذكا، إلى غير ذلك مما لا يطيق أحد عده، ولو أعد لذلك أعظم عده.
[الطويل]
وإنيَ لا أستطيع كنه صفاته ... ولوْ أن أعضائي جميعاً تكلموا
لا زال يدر هكذا نفائس الدر متخلياً عن الخلل، متحلياً بالحلل.
وقد ألف غير ذلك من مهمات الرسائل: ٢ فمن ذلك رسالة في الجواب عن ثلاثة أسئلة سئل عنها سنة ١٢٤٤ في الاقتصاص من أحد الرجلين المتمالئين على القتل أو كليهما.
٣ ورسالة في التطوع بالنفقة وأخذ العالم الغني من الزكاة وهل إن سامح الأمير أحداً في الزكاة تسقط عنه أم لا.
٤ ورسالة في الجواب عمن يخلط الرديء بالطيب ليبيعها معاً.
٥ ورسالة أجاب بها عن سؤال وجهه المقدس حسين باشا فيمن حبس عقاراً برسم خال من الحوز والقبول واشترط الغلة لنفسه بقية حياته.
стр. 228
٦ ورسالة أجاب بها الأمير المذكور عن سؤال أتاه به على لسان حضرة كاتبه المقرب العالم المدرس الشيخ محمد المناعي في قوم من المسلمين استأسرهم العدو بمراكبه وتحققوا أنهم مقتولون لما رأوه وقع بغيرهم هل يجوز لهم حرق خزنة البارود نكاية بالعدو ولأهلاك مراكبه وإن كانوا ميتين من ذلك لا محالة وهل تحصل لهم الشهادة بهذا الممات أم لا.
٧ ورسالة أجاب بها الشيخ إبراهيم الرياحي فيمن حلف بالطلاق ما بقيت تقعد.
٨ ورسالة في الجواب عن نازلة حبس مالكي.
٩ ورسالة الوصية بالثلث.
١٠ ورسالة في حبس بعض نساء الملوك على قراء القرآن ليقرءوا على قبرها وأوضح بها حكم هاته القراءات على القبور.
١١ ورسالة أجاب بها مفتي سوسة الشيخ حسن الهدة في طريق غير نافذة.
١٢ ورسالة أجاب بها عن سؤال ورد له من تقرت من بلاد الصحراء هل يسوغ عزل الأصلح من وكالة أوقاف الجامع وإمامته أم لا وهل تنعقد الولاية لغير الأصلح أم لا.
١٣ ورسالة أخرى في الجواب عن أربعة أسئلة كثيرة الدوران.
١٤ ورسالة في حكم الفئة الباغية إذا قتلوا أحداً هل يقتل به من أمكن الحصول عليه أو لا يقتل غير المقاتل.
١٥ ورسالة في حكم وطء الأمة المشتراة للتجارة على ذمة صاحب المال مع أن المدير شريك في الربح فهل يسوغ له ذلك بحق الشركة في الربح أم لا.
١٦ ورسالة في حكم لبس العمامة واستعمال شراريب الحرير في البرانس.
١٧ ورسالة في قول الفقهاء ولا يجمع بين عاصبين.
١٨ ورسالة في حكم الشهادة إذا تأخرت عن وقتها استدرك بها على الشيخ قاسم عظوم.
١٩ ورسالة فيمن حبس عقاراً غير معين.
٢٠ ورسالة فيمن حلف على زوجته فقصدت تحنيثه.
٢١ ورسالة في البيع على اليتيم.
٢٢ ورسالة في كون اللوازم الشرعية كاللوازم العقلية.
٢٣ ورسالة في الرجوع عن الوصية.
إلى غير ذلك من الرسائل التي لتحرير تلك المسائل، من أعظم الوسائل، وكم له من مراسلات، حررت أحكاماً بالآيات البينات.
وبعد وفاة الشيخ حسن الشريف تقدم إلى خطة الإفتاء يوم عيد النحر سنة أربع وثلاثين وأقام على خطته إلى أن سعى به بعض السفهاء المتزلفين لملوك الإطلاق بأنه تتبع الأجفار ويخير بقصر مدة الأمير، ولما حضر يوم المجلس بباردو لم يأذن له بالدخول مع الشيوخ وأخبرهم الخبر فلم يفه منهم واحد بجواب فعزله الأمير من خطة الإفتاء يوم الأحد الحادي عشر من ذي القعدة سنة ١٢٣٥ خمس وثلاثين ومائتين وألف وأولى مكانه الشيخ محمد المحجوب مفتياً والشيخ محمد الشرفي عدل باب الجزيرة شيخاً على المدرسة الأندلسية ونفاه إلى ماطر فأقام هنالك.
قيل إنه بعد مدة أرسل أحد تلاميذه إلى زاوية الشيخ سيدي أحمد بن عروس ﵁ يطلب منه الإذن في الرجوع ويشكوه ذلك المقام ففعل التلميذ ورجع للشيخ بماطر وأخبره أنه رأى في نومه رجلاً خارجاً من الزاوية ينشد: [البسيط]
أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدإ منه ومختتم
فقال الشيخ ها أنا في انتظار إلى ربيع الأول وكان الأمر كذلك ففي أول يوم من ربيع الأول سنة ١٢٣٦ ورد إليه البشير بالإذن بالرجوع إلى تونس.
ورأيت في بعض تقاييد معاصرية أنه إنما أقام في ماطر أربعة وثلاثين يوماً ورجع إلى تونس يوم الجمعة الخامس عشر من ذي الحجة فعاد إلى الحاضرة ولاقى من إقبال العلماء وتعظيمهم لمقامه ما هو أهله واقترحوا عليه أن يقريهم المسائل وإفادة كل كسال ودروسه محط لرحال أهل العلوم سلك فيها من التحقيق مسلكه المعلوم.
ثم إن الأمير حسين باشا قدمه مفتياً ثانياً يوم الخميس السادس والعشرين من رجب سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف بين المفتيين المحجوبين الوالد وولده فزان خطة الإفتا، بطريقه لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.
وأقام المفتي، وعم نفعه المتعلم والمستفتي، إلى أن توفي رئيس أهل الشورى أبو عبد الله محمد المحجوب فقدمه الأمير المذكور للرئاسة في شعبان الأكرم سنة ١٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين وألف فزان الخطة علماً وعملاً وفقهاً مديداً.
стр. 229
وولي الخطبة والإمامة بجامع أبي محمد الحفصي فخطب الخطب البليغة من إنشائه، وقام بأعباء حفظ الشريعة بحسن إفتائه، إذ كان من حفاظ المذهب المالكي أخذاً في تحقيق المناط متضلعاً في أصول المذهب ومدارك الأيمة له عناية بتحرير المستند في الأحكام لا يأخذ فقهاً مسلماً بدون تحقيق للأصول التي يبنى عليها وكتائبه الفقهية ومراسلاته حجة اليوم عند الفقهاء المالكية محفوظة عندهم.
اختلف في المجلس الشرعي هو والشيخ محمد المحجوب كبير أهل الشورى في نازلة تشعب فيها الخلاف بينهما، وطالت النازلة ولم يقع التسليم فيها فلما كان يوم اجتماع المجلس قال له الشيخ محمد المحجوب كيف ساغ أن تخالفني في مسالة أعم ما جرى فيها من عهد الإمام مالك أعلم من قضى بها منذ ذلك العصر إلى هذا اليوم فقال له الشيخ إسماعيل وإني لأعلم ذلك وأعلم وجه ما قضى به فيها كل قاض إلى هذا اليوم والحق فيها غير ما تحاولونه وحسبك بهذا دليلاً على سعة علمهما ﵄.
ومع هذا كله فإن صاحب الترجمة له في العلوم المعقولة يد طولى مع فصاحة لسانه وحفظه لتاريخ البلاد وحسن محاضرة لا تمل آية الله في الذكاء محب للصالحين حسن الأخلاق عالي الهمة كريم النفس نزيه مستحضر للجواب، مرجع للأحكام والفتاوي حسن القامة أكثر لبسه البياض نظيف الشيب والثياب عفيف لا تأخذه في الحق لومة لائم.
وقد بلغ من العمر أربعاً وثمانين سنة وتوفي بعد الزوال بساعة من يوم الاثنين الخامس عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٤٨ ثمان وأربعين ومائتين وألف ودفن من الغد بالزلاج وحضر جنازته الأمير وآل بيته والعلماء عليه رحمة الله ورثاه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم الرياحي بقوله: [الطويل]
هل الناس إلا هالك وابن هالكِ ... وعزُّ البقا لله غير مشاركِ
ولو أنه يبقى على الدهر فاضل ... لحقّ لنحرير عليِّ المدارك
كهذا الذي أمسى الثرى متوسداً ... ونجم الثريا منه تحت أرائك
لقد كان سيفاً في الشريعة صارماً ... ونورَ ظلام في الجهالة حالك
إذا نشر التحقيق في روض درسه ... فيالك من نشر من المسك صائك
ومهما دعا في موقف الفهم فاركاً ... على غيره جاءت له غير فارك
قضاياه في جيد القضاء قلائدُ ... فتاواه تيجانٌ لمذهب مالك
إذا قال إسماعيل فالكل منصت ... لأجزل معنى من صياغة سابك
مشى ذكره في العالمين كما مشت ... ذكاءُ ولكن ذكره غير دالك
إلى رحمة المولى مضى وهو آمل ... لمقعد صدق عند أكرم مالك
ولما مضى أبكى القلوب توجعاً ... وإن كان ذا وجه من البشر ضاحك
وعم الأسى حتى لساعة دفنه ... بكى المزن وبلاً بالدموع السّوابك
لذاك تأتى أن يقول مؤرخ ... (لعين السما جريٌ على قبر مالك)
١٢٤٨
٣١
? الشيخ الشاذلي بن المؤدب
هو الشيخ أبو عبد الله محمد الشاذلي بن عمر بن علي المؤدب ابن حسن المغربي الشريف كان جده الشيخ أبو الحسن علي بن حسن المغربي مؤدباً وتقدم إماماً بمسجد ابن جيشة بحاضرة تونس وبها توفي سنة ١١٩٦ ست وتسعين ومائة وألف.
ونشأ ولده الشيخ أبو حفص عمر بن المؤدب في خدمة العلم الشريف وصاهر الصفوة الفاضل الشريف الشيخ علي بن أحمد دمام شيخ المغارة الشاذلية وابن شيخها وكان عالماً فاضلاً. ولما توفي صهره والد زوجته تقدم الشيخ عمر بن المؤدب لمشيخة المغارة سنة ١٢٠٦ ست ومائتين وألف وذلك مبدأ دخولهم لمشيخة المغارة الشاذلية وتقدم أيضاً عوضه إماماً بجامع باب الجزيرة فزان المغارة والجامع بفصاحته وعلمه وعمله وله مع ذلك دروس يقريها بجامع الزيتونة.
стр. 230
ولما هاجر الشيخ العيوني لطريق الله وأعرض عن الدنيا وكان الإمام الثالث بجامع الزيتونة أرسل إليه الأمير حمودة باشا للتقدم إماماً ثالثاً وكان وقتئذٍ مقيماً بجبل المنار فامتنع من ذلك كل الامتناع حتى أتاه خليفة الجامع الشيخ عمر المحجوب وبه مرض وأكرهه على قبول الإمامة فقبلها يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الثانية سنة ١٢٢٠ عشرين ومائتين وألف، وكان الإمام البكري يومئذٍ محجوراً عليه والخليفة مريضاً فلازم الشيخ الإقامة في الجامع وأقام الخمس والجمعة وعمر ما بين أوقات الصلاة بدروس يقربها فكان زينة لجامع. وحج بيت الحرام واستمر إماماً ثالثاً إلى أن توفي الشيخ الطاهر بن مسعود فقدمه الأمير محمود باشا خليفة بجامع الزيتونة أواخر صفر الخير سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف، فزان الخطة إلى أن استكمل من العمر خمساً وثمانين سنة (٨٥) وتوفي ليلة الأحد الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٤٥ خمس وأربعين ومائتين وألف وقيل في تاريخه: رحمة الله عليك يا عمر.
وأما ولده صاحب الترجمة فقد ولد سنة ١١٩٠ تسعين ومائة وألف وأخذ عن والده وعن الشيخ أبي محمد حسن الشريف والشيخ الطاهر بن مسعود والشيخ صالح الكواش والشيخ أحمد بن الخوجة. والشيخ أحمد بوخريص وتصدى للتدريس، فبث في صدور الرجال در علومه النفيس، وحج بيت الله الحرام فأقام بمصر نحو ستة أشهر واجتمع بعلماء الجامع الأزهر ولازم العالم الرباني الشيخ النميلي هنالك ولم يقدم على الخروج لزيارة ضريح سيدي أبي الحسن الشاذلي بدون إذن تأدباً معه ﵁ ورجع سالماً.
ولما تقدم والده إمامة جامع الزيتونة استولى هو عوضه إماماً بجامع باب الجزيرة في جمادى الثانية سنة عشرين ولازم التدريس.
ثم أكره على خطة القضاء في ذي القعدة الحرام سنة إحدى وأربعين فقضى بحكمه العدل، وقضائه الفصل، نحو التسعة عشر شهراً ولما توفي كبير أهل الشورى المحجوبي الثاني قدمه الأمير حسين باشا مفتياً ثالثاً سنة ١٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين وألف فعاد إلى التدريس بجامع الزيتونة ولازم الإفتاء.
ولما توفي والده قدمه الأمير إماماً ثالثاً بجامع الزيتونة وشيخاً في المغارة الشاذلية فزان الجامع بحسن التلاوة والعلم والعمل وخمّل الطريقة الشاذلية ولازم الفتوى، بعلم وتقوى، وكانت الشيوخ يجتمعون في داره في كل أسبوع ليلة المجلس للنظر في النوازل الشرعية حتى يقع الانفصال بينهم هنالك يقيمون تلك الليلة في المسامرة العلمية إلى صلاة الصبح كما هو شأن المتحرين لدينهم.
ولما توفي الشيخ إسماعيل التميمي ولي مشيخة المدرسة الأندلسية سنة ١٢٤٨ ثمان وأربعين ومائتين وألف تقدم لخطة التدريس بجامع الزيتونة في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين فعظم به نفع المنقطعين لقراءة العلم الشريف.
ولما ولي الشيخ محمد بن سلامة مفتياً ثانياً عاد مفتياً رابعاً وجاءه الشيخ المذكور لداره يعتذر إليه فلم يتأثر من ذلك كشأن الأخيار ولازم التدريس والإفتاء ونفع الله بعلمه. وقد أخذ عنه جل شيوخنا الذين أدركناهم وهو عالم فاضل خير فصيح تقي بالله متلبس بأخلاق الصالحين محب لهم عزيز النفس ملازم للتدريس حسن القامة إلى طول آدم اللون طويل الوجه والذقن غلب عليه الشيب ذو سكينة ووقار جهوري الصوت في خطبه وقد خطب كثيراً من إنشائه ولم يزل على كمالاته إلى أن توفي وهو المفتي الثالث والإمام الثالث بجامع الزيتونة أوائل صفر الخير سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف ودفن جوار والده بالبيت الذي على يسار الداخل لبيت الذكر من المغارة الشاذلية عليه رحمة الله وقد رأيت من مدائحه قصيدة أنشئت بين يديه عند ختمه الوسطى في علم الكلام بجامع الزيتونة أوائل ثاني جمادى سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف من شعر تلميذه يومئذ المفتي الشيخ محمد بن سلامة وهي قوله: [الطويل]
لذيذ الهوى دمع تعوده السفح ... وقلب له من حرّ لاعجه لفحُ
إلخ.
٣٢
الشيخ إبراهيم الرياحي
стр. 231
تقدم استيفاء ترجمته في الأيمة ولما توفي كبير أهل الشورى الشيخ إسماعيل التميمي تقدم للخطة المذكورة من أول وهلة في جمادى الأولى سنة ١٢٤٨ ثمان وأربعين ومائتين وألف وتقدم بذلك على الشيخ محمد المحجوب والشيخ الشاذلي بن المؤدب ولازم الخطة المذكورة أكثر من تسع عشرة سنة إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين.
٣٣
الشيخ محمد الخضار
هو الشيخ أبو عبد الله بن محمد الخضار أصله من أبناء الحاضرة، وكان والده يحترف ببيع الخضر وتعاطي الدلالة بسوق الترك، وكان خيراً فاضلاً وليس هو من ذرية الولي الصالح الناسك الشيخ علي الخضار الأندلسي المتوفى آخر ذي القعدة الحرام سنة ١٠٦٥ خمس وستين وألف في حالة سجوده من صلاة العصر بجامع الزيتونة ﵁ كما توهم.
وقد ولد صاحب الترجمة سنة تسع ومائتين ونشأ في طلب العلم وسعى في تحصيله فقرأ على الشيخ أبي محمد حسن الشريف والشيخ الطاهر بن مسعود والشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ محمد الستاري وغيرهم وأخذ الفرائض والحساب عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن ملوكة وتعاطى العلوم الحكمية بالمطالعة وقرأ أوراقاً من المواقف على الشيخ محمد الفاسي، وتسلط على علوم أخر مثل الكيمياء والرمل وما شاكلهما، واجتمع مع قرينه الشيخ محمد البحري على نظر شرح القاضي زادة علي الجغميني في الهيئة بمقصورة النواورية بجامع الزيتونة قبل صلاة الظهر وفي أثنائه حضر هنالك الشيخ عثمان النجار المرجع الوحيد في ذلك الفن فعرضا عليه بعض المسائل وصار يأتيهما كثيراً في ذلك الوقت مساعدة لهما على ذلك الكتاب إلى أن تم ختمه وتعاطى نظم الشعر فسبق إلى غايته بحسن قريحته الوقادة، وهكذا كانت تعلماته أكثرها بالتسلط ومع ذلك بلغ غايات لم تدرك بما له من رسوخ الفكر واتقاد القريحة مع قلة قراءته وجلس لتدريس فأفاد الطالبين بعلمه وذكائه العجيب، وخرج لحج بيت الله الحرام وكان وقع للتاجر العروسي نزاع مع أحد شركائه بالشام وتوفي وخلف مالاً فتكلف الشيخ بنازلته ولما فرغ من حجته ارتحل إلى الشام واجتمع في مكة بالشيخ أحمد بن السنوسي والشيخ محمد بن أحمد وغيرهما من رجال الحديث المشاهير واجتمع في الشام بفحول العلماء وكانت مدة مغيبه خمس سنين.
ثم رجع إلى تونس وأقام على بث العلم في جامع الزينوتة وتقدم قاضياً في المحلة المنصورة بعد وفاة قاضي المحلة الشيخ أحمد زروق سنة ٤٨ ثمان وأربعين فسافر مع الأمير مصطفى باشا وسافر بعد ذلك مع المشير الأول أحمد باشا، وولي الإمامة والخطبة بجامع التوفيق فخطب من إنشائه خطباً يلين بها الحجر الصلد ثم قدمه الأمير للفتيا فصار مفتياً رابعاً في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ورمضان المعظم سنة ١٢٥٣ ثلاث وخمسين ومائتين وألف، وتقدم لخطة التدريس بجامع الزينوتة في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع كالترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة ٥٨ ثمان وخمسين وأقام على إفادة الطالبين والمستفتين ولما تقدم الشيخ محمد بن سلامة مفتياً ثانياً من أول وهلة صار صاحب الترجمة مفتياً خامساً.
وكان عالماً متضلعاً في العلوم العقلية يميل إلى الحكيمات فقيهاً خيراً نقادة، اقتصر في عام ٥٤ أربعة وخمسين على حضور ثلاثة أختام في شهر رمضان وهي ختم الشيخ محمد بيرم الثالث والشيخ الرابع والشيخ محمد بن الخوجة وقيل له في ذلك فقال: [مخلَّع البسيط]
عيون أختامنا ثلاثٌ ... قد أحرزت في الكمال فضلاَ
لغيرها لا أشد رحلي ... وهل تشد الرحال إلا
وهو حسن الأخلاق والاعتقاد نفع الله بعلمه كثيراً فصيح القلم واللسان شاعر مفلق ينسج على منوال عزيز بذ فيه على شعراء عصره بالجزالة وإحكام النسج أثبت له كتابي مجمع الدواوين التونسية قطعة وافرة تناهز الكراسين وتدل على رسوخ قدمه في الآداب التي أتى منها بالعجب العجاب وكان حسن المفاكهة والمحاضرة يطربه الصوت الحسن قيل له في ذلك في بعض المجامع فقال:
لا تلمني يا عذولي ... إنّني في الحب داعِ
حسنٌ في ناظري ... وحسين في سماعي
стр. 232
إلا أنه غر كريم في بعض الأحيان يتصور للأشياء المعقولة وجوداً خارجياً كثيراً ما يداعبه أحبته على الطعام الحلو فيصفونه له بالحرارة فيشتكي ألم حرارته ويظهر عليه أثر شكايته ويقيم عند صديقه الوزير العربي زروق بجبل المنار وإذا عزم على الإياب دس له الوزير المذكور من يتحدث في المجلس بوجود اللصوص وقطاع الطريق فيعدل عن عزمه ويقيم إلى أن يتأكد عنده أمن الطريق.
وقد ثقل عليه في آخر عمر ضعف بصره فكان من ذلك في تعب أخبرني الشيخ محمود قابادو أنه أرسل إليه هدية من راحة الحلقوم وكتب إليه صحبتها: [الكامل]
مولاي إن كرام إسلامبول قد ... بعثا إلي برحلة وقدومِ
ورأوا كأن الدرس أتعب مقولي ... فتداركوه براحة الحلقوم
وكان الحاضر بين يديه شيخ لا يحسن القراءة فقرأها عليه قراءة نثر فظنها الشيخ من النثر فكتب إليه مجيباً بنثر وهو قوله: بعثوا لك يا مولاي بما يشبه في اللين دماثة أخلاقك وفي الطيب نداء صولتك وأعراقك، وفي العذوبة ما تجده النفس عند ارتشاف أذواقك، فلئن بعثوا لك راحة الحلقوم فلأنت راحة النفوس، ولا غرو أن ما فعلوا معك ذلك فلا عطر من عروس.
ومن لطائف شعره ما كتبه إلى الشيخ الإسلام متشفعاً في بعض المسجونين من العدول فقال:
أعيد أيديَ للنعماء موجبة ... أن يظهر السلب يوماً في مبانيها
وطلعةٌ قرنت باليمن مسفرةً ... أن يرهق اليأس يوماً من يعانيها
يا سيداً منه للأيام إذ عسفت ... أسنى شفيع فلا تحفل بلاحيها
نبئت أن قد أتى نعمان واقعة ... يستوجب الزجرَ بالتعزيز آتيها
لكن له صبية باتت مروعة ... ذرف العيون بما تبكي بواكيها
فانظر لهن رعاك الله مقتصداً ... فأنت من أنت إجلالاً تنويها
ملازماً للتدريس إلى أن توفي في ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين.
٣٤
الشيخ محمد بن سلامة
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الطيب بن أحمد بن علي بن الباهي بن سلامة الطرابلسي المحمودي من بني سليم قدم جده الباهي من سلامة من طرابلس إلى حاضرة وكان تونس وكان بها مؤدباً.
ونشأة ولده الشيخ أبو الحسن علي في خدمة العلم الشريف وقرأ على فحول العلماء وتصدى لبث العلم في جامع الزيتونة فأخذ عنه علماء كثيرون منهم شيخ الإسلام البيرمي الثاني وغيره وتقدم إماماً وخطيباً بجامع التوفيق فزان المحراب والمنبر بعلمه وفصاحته، وتقدم لخطة قضاء باردو المعمور فقام بها أحسن قيام وأنصف في إبرام الأحكام إلى أن سار لرحمة المالك العلام وأرخ وفاته الشيخ محمد المولا الحنفي بقوله: [المتقارب]
ألا كل شيء ملاقٍ حمامهْ ... بذا الربُّ في اللوح خطَّ ارتسامهْ
فطوبى لمن كان مستعتباً ... غداً سالكاً لسبيل السلامهْ
كهذا الإمام الزكي منْ عليه ... قد انتشرت للقبول علامه
وقضّى الزمان بحسن قضاهُ ... وخصّ بدرس العلوم كلامه
ولبى مجيباً لداعي الحمام ... فحلَّ القصور بدار الكرامه
فأغمره الله من فضله ... وأعطاه رب البرايا مرامه
فمن أجل ذاك أرخوا ... ببيت كسمط أجادوا انسجامه
حوى كل رفد وكل المنى ... عليُّ الإمام هو ابن سلامه
وترك ولده الشيخ أبا العباس، متحلياً من العلم بأفخر لباس، أخذ العلم عن والده وعن الشيخ صالح الكواش، وتصدى للتدريس فزان جامع الزيتونة. ولما توفي والده تقدم عوضه لإمامة جامع التوفيق وخطب على منبره كوالده ثم قدمه الأمير حمودة باشا قاضياً ببنزت فأقام فيها مدة ثم حن إلى منبت غرسه فاستقبال من الخطة وولي عوضه فيها الشيخ حمزة الجباس سنة خمس عشرة فأقام هنالك نحو الخمسة الأشهر ثم استقال فرجع مصحوباً بمرض لازمه إلى الوفاة.
стр. 233
وأما الشيخ أحمد بن سلامة فإنه لما رجع إلى الحاضرة أقام على التدريس بجامع الزيتونة وتقدم شاهداً على أوقاف الحرمين الشريفين يوم الأحد الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ١٢١٦ ست عشرة ومائتين وألف ولما توفي الشيخ صالح الكواش قدمه الأمير لمشيخة المدرسة المنتصرة عوضه فزانه بدروسه ولما توفي الشيخ الطاهر بن مسعود أواخر صفر الخير سنة ٣٤ أربع وثلاثين تقدم عوضه مدرساً بجامع الزيتونة بدرس مراد باي وكانت دروسه بجامع الزيتونة بين فقه وحديث مع القيام بشهادة الحرمين الشريفين غير أنها كانت سبب محنته التي أصيب بها في آخر عمره وذلك أن الأمير حسين باشا كان يبلغه عنه ما يسوؤه من ذم دولته ومدح أبناء عمه السالفين وكان يغض الطرف عن ذلك حتى اتفق أن عرضت نازلة زيتون أوصلته الوراثة للشيخ أحمد بن سلامة وهو في شركة ابن الأمير محمد باي فأراد الأمير أن يضم لابنه الجزء الذي بيد الشيخ ورام أن يرسل إليه في طلب بيعه فامتنع رجال الدولة كلهم من طلب الشيخ في ذلك متعللين بتشدده وعدم ميله فتأكد عند الأمير ما كان يبلغه فأرسل إليه وأحضره بين يديه وسأله بيع الزيتون بما يريد من الثمن فلم يتهيب أن تجاسر عليه بكلمات لا يخاطب بها الملوك بعد التمنع من البيع وتزايد أمامه في التفاوه حتى أمر بقتله فأخرج من بين يديه وترامى أحد أعيان الدولة على الأمير متوسلاً في حفظ دمه لعلمه فقبل شفاعته وأمر بعزله من جميع وظائفه وهي شهادة أوقاف الحرمين الشريفين ودرس مراد باي بجامع الزيتونة وجراية ثلاثة أرباع من الجزية ومشيخة المدرسة المنتصرة التي قد وليها بعده الشيخ محمد العذاري قاضي المحلة وأمر بسجنه ومحاسبته عما تعاطاه في أوقاف الحرمين الشريفين فأجلت المحاسبة على أن عند الشيخ أموالاً باهظة أخذ فيها جميع كسبه الذي منه جزء الزيتون الذي امتنع من بيعه وبقي ولده يجمع المال ويدفع عن والده إلى أن أصابه مرض الطاعون العام فتوفي في سجنه يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف ورثاه الشيخ أبو عبد الله محمد بيرم الثاني بقصيدة قال في آخرها:
فيا زائراً إنْ حمت حول ضريحه ... فزوده مما كان يبديه في الدَّرسِ
وقل يا أبا العباس وابن سلامة ... عليك سلام ما بقيت بذا الرَّمسِ
وما قرأ المجتازُ قول مؤرخ ... (ليهينك ما قد نلت من أطيب الأنس)
(١٢٣٤) وأما ولده الشيخ الطيب فقد كان ثقة عدلاً تقدم لشهادة الحرمين الشريفين وامتحن بفقد ولده في حياته وتوفي سنة ١٢٧٨ ثمان وسبعين ومائتين وألف.
وأما ولده صحب الترجمة فقد ولد عام ١٢١٦ ستة عشر ومائتين وألف، وتبناه جده واعتنى بتعليمه، فأخذ عنه كثيراً من كتب المبادئ إلى أن ختم عليه المكودي على الألفية وحفظ على يده كثيراً من المتون وجلس للأخذ عن علماء جامع الزيتونة، فقرأ على الشيخ محمد بيرم الثالث علم البيان، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن المؤدب الكفاية وشرح الشيخ السنوسي على العقيدة، وقرأ على الشيخ محمد السقاط، وقرأ على الشيخ محمد المناعي شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي، وقرأ على غير هؤلاء كتباً كثيرة من المعقول والمنقول حتى قرأ تفسير القاضي البيضاوي على الشيخ إبراهيم الرياحي واستجارة فأجاز له بقوله: [الكامل]
حمداً لمن جعل الإجازة سلما ... يرث المجاز بنيلها نسباً سما
وصلاته وسلامه أبداً على ... خيرِ الورى متعلّما ومعلما
ولآله وجميع أمته الرضى ... لاسيما علماؤهم لا سيما
هذا وإن الفاضلَ ابن سلامةٍ ... ذاك الذي متن الكمالَ تسنَّما
هشَّت إلى نيل الإجازة نفسه ... لما رآها للأفاضل مغنما
فمن الفقير لها ارتجى معْ أنني ... ما كنت للظمآن فيها معلما
لكنْ رجوتُ تشبهاً برجالها ... آبائنا العلماء ومن يشبه فما
فأقول إني قد أجزت له بلا ... ثنيا رواية ما يصح ليَ انتمى
من كل ما أدريه أو أرويه لا ال? ... جعفيَّ أقصد فقط أو مسلما
موصي كما أوصيت بالتقوى التي ... أوصى بها القرآن نصاً محكما
وبدعوة منه بقلب حاضر ... أرجو بها حسن الختام مكرَّما
والله إبراهيمُ يحمدُ مبدياً ... أزكى الصلاة على الرَّسول مسلّما
стр. 234
وتصدى للإقراء فأخذ عنه كثيرون وفي سنة إحدى وخمسين أولاه الأمير شهادة أوقاف المارستان والتكية فقبل الأولى وامتنع من قبول الثانية حيث كانت ولايتها بيد الشيخ محمد المساكني صهر الشيخ الشاذلي بن المؤدب مراعاة لشيخه ثم في رمضان المعظم سنة ٥٣ ثلاث وخمسين ولي إمامة جامع سبحان الله ومشيخة المدرسة المنتصرة وخطب من إنشائه فزان بأدبه وفصاحته المنبر ولما تقدم الشيخ الخضار للفتيا قدمه المشير أحمد باشا باي قاضي المحلة المنصورة يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ٥٣.
وكان ملازماً للشيخ محمد البحري فأخذ عنه فقه القضاء ولما توفي الشيخ المذكور وترقى للخطة جدي الشيخ محمد السنوسي تقدم صاحب الترجمة لقضاء باردو أواخر ربيع الأول سنة ١٢٥٤ لأربع وخمسين ومائتين وألف فحضر في المجلس الشرعي وعلق همته بمزاحمة الشيوخ وتكلم في المجامع العلمية.
ولما توفي جدي المذكور قدمه المشير قاضياً بالحاضرة أول شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين وألف، وكان عالي الهمة فشمر عن ساعد الجد واستعان عل الخطة بفحول أهل عصره وجمع العلماء بداره للمسامرة على المسائل فلم يلبث أن صار فقيهاً ذا خبرة بفقه القضاء.
وصار من فحول العلماء مع ما عنده من الميل إلى الدنيا وحب متاعها وقد ساعده على ذلك البخت فتمكن حبه من نفس المشير أحمد باشا وأفاض عليه سجال نعمه وأعطاه العطايا العباسية حتى صار يدخل عليه إلى بيته بدون إذن ولا يتخلف عن زيارته ومسامرته. ولما استحكم أمره عنده استظهر بحجج جده في ذلك الزيتون الذي أخذه منه المقدس حسين باشا وطلب من المشير أن يملكه جميعه فأرسل المشير في الحال إلى ابن عمه وولي عهده محمد باي وطالبه برسوم جميع الزيتون المذكور التي على ملكه، فلم يسعه إلا أن أرسلها إليه وصدر أمر في تمليك جميعه له ولم يكفه ذلك حتى طلب من المشير استغلاله عن جميع السنين الفارطة من يوم خروج جزئه من يد جده إلى ذلك العهد وآذن المشير بتحرير ذلك من دفاتر بيوعات الزيتون وأعطاه في مقابلة ذلك كثيراً من الربع والعقار وكفى بهاته الواقعة شاهداً على نفوذ كلمته وسطوته وعلو شأنه وكان العقلاء ينكرون عليه ذلك خشية سوء عاقبته التي وقع فيها ولده من بعده لولا أن تداركه حلم المشير الثاني وذلك أن المولى محمد باشا باي لما استقل بالملك آذن بوضع اليد على جميع ملك الشيخ ابن سلامة الذي أعطاه المشير أحمد باشا باي حيث إنه ملك الدولة أخذه بدون حق وإن رجوعه لبيت مال المسلمين أولى وتصرفت الدولة في جميع الربع والعقار الذي انتزعه من ملكه وأصبح ولده لا كسب له ومع ذلك طولب بدفع ثمن ما فوته الشيخ بالمبيع وعظم الكرب بذلك لولا أن تداركت عناية الله وحلم المشير وكرم نفسه فتفضل أولاً بإسقاط الطلب فيما فات ثم اتفق أن وكيل البايليك تجاهر بالشكاية بمطالبة ولد الشيخ في المحكمة وكان ولد الشيخ جالساً بها في أثناء الكتاب فرأى المشير حال ولد الشيخ من الخجل والوجل والانكسار ووجد من نفسه ما يجد أبو الأبناء عند رؤية الخطوب، فرحم ذله وأصدر أمراً بإرجاع جميع ما كان في تصرف الشيخ إلى ولده رحمة منه وشفقة وهو أهل الفضل والكرم والله لا يضيع أجر المحسنين.
ولنرجع لما نحن بصدده من الكلام على صاحب الترجمة فنقول: إنه قد استصحبه المشير الأول في سفره لأطرف المملكة، وأظهر في ذلك السفر من البذاخة والبذل والإطعام ما لم يزل حديثه يتلى في كل جيل، كل ذلك بمساعدة مودة المشير إليه، واستحسان ما يقع منه وإعانته عليه.
ومكث في خطة القضاء نحو ثماني سنين انتهى إلى رتبة عالية في التفقه ثم إنه طلب من المشير أن ينقذه من ربقة القضاء بسبب رؤيا رأى فيها أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عتها تنهاه وتحذره القضاء وأقام في داره متعللاً بالمرض وأرسل مكتوب استعفائه وهذا نصه:
стр. 235
أما بعد فلا يخفاك أن طاعتك فريضة وأن من جزئياتها النصيحة لك كما قال ﵇: الدين النصيحة لله ولرسوله ولأيمة المسلمين وعامتهم وها أنا ممن ألهمك الله في تقديمه لهاته الخطة التي بها قوام حال العباد والبلاد، وإلهامه لا يمنعك من إمعان النظر في صلاح القوم وعدمه إذ لا معارضة بين المن ووقوع المقدور على وفق مراد القدر والذي يجب علي أداء نصيحة نفسي ونصيحتك أني لها لا أليق، ولحمل أعبائها غير مطيق، لا من جهة الأهلية ولا من جهة ضعف البدن الذي قام عليه دليل العيان، وفي الحديث لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان، قال العلماء كافة لا مفهوم لهذا الوصف بل هو إشارة إلى كل مشوش حتى الصيام فالمرض محل اتفاق أنه مدخل في حديثه ﵇ وإذا كان صاحب الشريعة قال لي: لا تقضي فكيف أعصيه فيما أنا أزعم كاذباً نائبه فيه حاشا لله أكون أهلاً للنيابة عنه وأنا المجروح، والملفوظ من رحى العدالة المطروح، فسألتك بجاهه الذي لا يرد إلا ما أقلتني وعن رضى منك عافيتني وهذا ربنا تعالى الملك الأكبر، لم يرد هنا الجاه فأنت يا ملك الأرض أحرى وأجدر، ولست أخادعك بالتمويه فإني لا أرضاه، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وقال تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة ثم ليكن في علمك أني لست على حرف في خدمتك ولا ممن تقربه الولاية أو تبعده العزل عن حومتك بل ضعني من المنازل حيث شئت غير هاته الخطة فإني راض لأني لا أصلح للنياية عن الله ورسوله في أحكامه والتحية معادة من فلان.
ثم إن الأمير راجعه وامتنع عن قبول استعفائه فأعاد إليه الطب وألح على الخروج من الخطة وعند ذلك قبل الأمير استعفاءه وقدمه مفتياً ثانياً من أول وهلة وتقدم بذلك على من سبقه في الخطة وذلك يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة ١٢٦١ إحدى وستين ومائتين وألف وعند ذلك تصدى للإقراء بجامع الزيتونة فأقرأ شرح التاودي على العاصمية وألزم جميع مدرسي الجامع بالحضور عليه فحضروا وكان فيمن حضر بين يديه العالم الشيخ حمدة بن عاشور وكتب حاشية على الشرح المذكور مملوءة فقهاً وتحريراً وصل فيها إلى الرهن وقرظها جدي الكاتب الشاعر الشيخ محمد ابن الشيخ محمد السنوسي بقوله: [البسيط]
زارتْ بتيهٍ ولم تخطر على بالي ... رغماً على حسّادي وعذّالي
وأقبلت وعليها للبها حلل ... تختال في أربح منها وإجلال
وسكَّنت قلب صب مغرمٍ دنفٍ ... بعد التمنع مشحوناً بإمطال
بتنا وللشهب غارات ومزدحم ... كأنها افتقدت قطباً وبرقال
وقد خلوت بها واللّيل منسدل ... وحدي وقد ظفرتْ بالوصل آمالي
مددت كفِّي لأحظى من تمتعها ... والنفس طاغية من فرط إملال
فصادفتْ عقدها المنضود فانتشرت ... منه الجواهر فافترَّتْ بإقبال
فبتُّ ألتقط الدر النفيس إلى ... أن أقبل الصبح أومتْ لي بإنزالي
فقلت من أنت قالت وهي ضاحكةٌ ... أنا ابنةُ الفكر مضروب بأمثال
أنا ابنة الثاقب الذهن الذي نشأتْ ... بين الأكارم في عز وإفضال
أنا اليتيمةُ في دهري ولا هجبٌ ... جسمي من الدر فاستبصر لإكمال
بحري محيط ولا يخشى لراكبه ... بأس ولا عطب في خير أحوالي
إذ ذاك نبئت أن الدرَّ منشؤه ... بحر السلامة فاسبح واتل أقوالي
ذاك الهمامُ الذي جالت قريحته ... بخالص القول إذ حفّت بأنوال
ذاك الذي عز عن شبه النظير له ... إذا طما بحر إعمالٍ وإهمال
بحر العلوم فلم يدركه ذو شرف ... سواه يسبح في فهم وإشكال
في غامض الفقه يروي عن جهايذة ... لم يرم مرماه ذو سبق ولا تالي
حارت عقول النهى عن نيل مدركه ... وفاز عنهم بتحرير وأعمال
يا من تحكم بالإبداع رونقه ... وزانه حسن تقرير كسلسال
خذ هذه خردا تحكي فضائل ما ... صاغته أفكاركم من غير إملال
لا زلت أيَّ سراج يستضاء به ... إذا دجا مشكلُ يوفي بإجمال
وكتب حاشة على خطبة القاضي البيضاوي تبلغ نيفاً وعشرين كراساً، وشرح قصيدة البكري.
وأنشا قصيدة في فضل النعال الشريفة وشرحها.
وكتب تاريخاً تونسياً خص به مخدومه المشير أحمد باشا باي أودعه ما شاء من أخباره معه وما قيل فيه من المدائح والأشعار.
стр. 236
وله رسالة في الحرب بديعة سماها العقد النفيس وقدمها لمخدومه.
وقرظها الشيخ أبو عبد الله محمد بن الخوجة بما نصه: يا حامل لواء مذهب مالك على كاهله، ومن لا يزول الصدى إلا بالكرع من عذب مناهله، الجهبذ الذي بيديه مقاليد اليراعة، الحائز قصبة السباق في ميادين البراعة مولانا سيدي محمد بن سلامة، كان الله له في الظعن والإقامة، أما بعد سلام من النسيم وأروق من محادثة الوسيم فقد زارني من بنات فكرك ما يخجل البدر ويحاكيه في جلالة القدر.
[الكامل]
أندى على الأكباد من قطر الندى ... وألذّ في الأجفان من سنةِ الكرا
غرض انفردت بمضماره، وتجردت لحماية ذماره، ومقصد تتطأطأ له الرؤوس، وترتاح إليه النفوس، ويقول ناظره لاعطر بعد عروس، فحق لمولانا الملك المجيد، أن يحل هذا العقد النفيس محل القلادة من الجيد وبالجملة فإن شأوك لا يدرك وشعبك لا يسلك بحيث إن الحبر الماهر يعجز عن أن يأتي بمثاله أو يحوك على منواله.
[الطويل]
وفي تعب من يحسد الشمس نورها ... ويزعم أن يأتي لها بضريب
فالله تعالى، يبقيك ويقيك، ونسأله أن لا يجري دمع الحزن في مئآقيك، والسلام ختام وقد أجابه صاحب الترجمة بما نصه: يا أمير المذاهب كلها، وواضع ألويتها بمحلها، إن بتقليدك تلك الولاية، استطعت حمل تلك الراية ثم خافت بهمتك الناظرة إليها سقوطاً، ولاحت بوصل من إشارتك عليها لا صعوداً ولا هبوطاً قد حركت عزماتها بشائر طلائع إمدادك فأزالت عنها الفشل، فرواها ثناؤك عللاً بعد نهل، ولعمي إنها التناعس انزوت بالنشاط وطالت، ودخلت بحومة النزال فجالت وقالت آذنني المولى الهمام شيخ الإسلام، أن أتقدم بهذا الفضا، وأقول لكل مصل خلفي صلاته قضا منذ قدمني ركن الإسلام، محمد بن الخوجة الهمام واحد الدنيا والسلام.
[الطويل]
إذا قيل من في الناس يعدل كلَّهم؟ ... فقل معلناً هوَّ الإمامُ محمدُ
فما كان عن تعطيله فمعطل ... وما كان عن تقليده فمقلد
هذا وإن السلام لولا إنه تحية الإسلام لكان عدم الرد مقتضى المقام إذ بماذا أجيبك وأقول فيك وما ملأ الكون يكفيك إن قلت أرق من النسيم فلطفه منك إليه سرى، أو قلت أروق من محادثة الوسيم، فعسل بلاغتك في ريقه جرى، إذ لم يكن لولاك وأنت أنت وما أدراك لم يكن رد تحيتك إلا حياك مولاك، لله أبوك، لافض فوك، ولقد أرسلت بنتي على أن تستمد منك بختاً، وتستعبر من قبولك ما تتخذه تختاً، فأتت بأكثر من الأمل ترفل في حلي وحلل، مع احتياجها أي احتياج، لأن العروس لا بد له من ملابس الابتهاج، فكانت إلى ما حليتها به من نيل الراجي ما شط من طلبه.
[الكامل]
أشهى إلى الراجين من نيل المنى ... وألذُّ من وصل الحبيب لعاشقِ
وأعز من رؤيا العيون محاسناً ... وأجلب من تأكيد ودّ سابق
وليت مولانا يكتفي بتحليتها عن تحليتي فلم يفضحني في عجزي عن ثواب هديتي.
[البسيط]
ما كلف الله نفساً غير طاقتها ... ولا تجود إلا بما تجد
وما غرني ما ذكرته من شأني ورفعت به مكاني، فكلنا في الأمر معذور، أنا على نفسي بصيرة وأنت بذاتك عند التحقيق مسستور، نظرت في ذاتك، فانطبعت فيه محاسن صفاتك، وأنا في هذا المعنى أقول (شعر) : [الطويل]
وأحمق خلق الله من غره أمرٌ ... رأى منه ما قد كان فيه انطباعه
فكل فتى مرآته عين ذاته ... فما غرني مما ذكرت سماعه
أعزك الله وأجلك، وشيد قدرك وأعلى محلك، وأجاب فيك ما يعود على كل مسلم نفعاً، اللهم لا تثلم الدين بفقدانه، ولا تزلزله فإنه أعظم أركانه، وأقر عينه في بنيه، وأريه فيهم ما رآه أبوه فيه، والسلام، ختام.
وقد طلب المشير الأول أحمد باشا باي معاوضة أرض وقف القنديل خارج باب سعدون في ربيع الأول سنة ١٢٦١ إحدى وستين فامتنع القاضي أبو عبد الله محمد البنا من ذلك حيث رأى فساد المعاوضة المذكورة فحرر صاحب الترجمة رسالة في صحة المعاوضة المذكورة نحا فيها عدة أنحاء استشهد فيها بعمل متأخري فحول المالكية والحنفية مثل القاضي إسماعيل والمولى الجد القاضي السنوسي وساق فيها من نظمه لقط الدرر، ما زان به تلك الطرر، وجرى عمل المشير على مقتضاها.
وقد قرظها شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بيرم الرابع بقوله: [الطويل]
стр. 237
تبدت فأبدت للمعاني جمانها ... فقال الهوى للحق كن ترجمانها
ومن مفصح عما حوته طروسها ... فما أطلقت إلا بصدقٍ لسانها
ألم ترها قد أبدعت في اجتنائها ... ومدت بما تهوى النفوس خوانها
وجاءت ببرهان لو احتملت به ... شناخب صم الصخر يوماً ألانها
فلله من أبدى جواهر عقدها ... ونظم في تلك النصوص حسانها
وأبدع في تحقيقه غير منشئىٍ ... لمسألة لم تثن يوماً عنانها
فما سألت غير الرِّضى ابن سلامة ... وقد كررت في خاطبيها امتحانها
وكانت حروناً لا تطاق فراضها ... بإرشاده حتى أزال حرانها
ومحجوبة عن طالبي لمحِ حسنها ... فأبدى لهم من حجبها لمعانها
فلا زال مهما وجه الفكر كاشفاً ... لمشكلة إلا وأصلح شانها
وقرظها الشيخ أبو عبد الله محمد الخضار بقوله: [الطويل]
يميناً بمن بالحق شيَّد شانها ... لقد ودت الأفلاك تحوي مكانها
وقد أبرزت شمس المعارف للورى ... ومدّت على أفق العلوم حسانها
فلا زلت عزاً للشريعة ملجأ ... إذا سامها التغيير كنت أمانها
إليك إمام الدين والعلم غادة ... كساها النهى ثوب الحياء فزانها
فإن قصرت فالصفح فيك سجية ... وإن كملت فالفضل منك أعانها
ولا زلت بحراً مستمراً ومورداً ... لتحقيق آيات تفيد بيانها
وقرظها العالم الأديب الشيخ محمد الأمين بن أحمد الكيلاني بقوله: [الطويل]
طروس عقود بالنفائس زانها ... وجبّنها عما أضرّ وشانها
وأودع في تحقيق ما قد أتى به ... مباحث من حرّ الكلام أبانها
فلله ما أبدت قرائحُ فكره ... بوراق قد أجلت لها لمعانها
وقد قبلت أعلام تونس ما أتى ... به من نقول قد أشاد بيانها
وسلمت الآراء لابن سلامة ... نفائس أبحاث من القدح صانها
وأنثوا على تحريرها وطرازها ... وما صاغ لفظاً في حلاها وزانها
فلا بدعَ أن أمست تجرّ رداءها ... وقد فوقت للعاذلين سنانها
وقام لسان الحال عنها مترجماً ... فكن كاشفاً للمشكلات فكانها
فلا أنسى لا أنسى عقوداً تنظّمت ... فرائد قد أجلت إلينا بيانها
فلا زال يهدي للعويصات فهمه ... إذا حارت الأفهام يوماً أعانها
وقرظها الأديب الكتب الشيخ محمد ابن خوجة الجلد الجزيري بقوله: [الطويل]
تجلت فأجلى الحق فيها بيانها ... رسالة لا يلوي الزمان عنانها
فجاءت بإذن أن نعوض ملكنا ... نعم بالنفوس العوض اللَّذّ أزانها
حوت من نقول قاطعات فقل لمن ... يريد انتقاداً شامخُ العلم صانها
هو العلم النحرير وابن سلامة ... به تصلح الأحكام مما أشانها
فلا استعصت الأقوال إلاّ ألانها ... ولا خفتِ الأشياءُ إلا أبانها
فناهيك من طود به يهتدي النُّهى ... وللسمحة البيضاء كان أمانها
فلا زال يرقى في المعالي وهكذا ... معاليه من فوق الثريا أصانها
وختم الشفا للقاضي عياض بجامع الزيتونة وحضر في الختم المذكور كل من الأمير والمأمور ولم يتخلف عنه من الشيوخ غير الشيخ إبراهيم الرياحي.
وأنشد في آخر الختم من نظمه قوله: [المتقارب]
بجاه الرسول النفيس الأجلْ ... فريدِ المعالي عزيزِ المثلْ
سألتك يا من بدا ذاته ... وحاشاه من كل عيب أخل
وأجلى به النورَ بعد العمى ... فكان الحري بوطء المقل
تفضل علينا بنيل المنى ... وإخلاص ما كان لي من عمل
قرأت الشفاء لكي أشتفي ... فكان الشفاءَ لكل العلل
خدمت به حضرةَ المصطفى ... وإن كان منها بقدري أقل
أيا سيد الرسل يا من به ... إلى الله كلُّ خديمٍ وصلْ
تفضل بعدِّك لي خادماً ... فما بعد ذا مطلبٌ إن حصل
وجاز الأمير على صنعه ... بإعلاء مدحك أعلى القلل
فكان لإقراء ذا سبباً ... فصلْ منه حبلاً بكمْ قد وصلْ
وسهل سبيلي إلى زورة ... وأنعم بإذنك لي عنْ عجلْ
وذاك جزاءي لتدريسه ... لظِّني محو الخطا والزلل
وحسنت ظني فأرخته ... تمَّ الشفاء وراق العملْ
١٢٦٤
стр. 238
ومدحه في ذلك الختم الشيخ الطاهر بن عاشور بقصيدة بديعة وهي قوله: [الطويل]
لكَ الله من برق بدا متبسماً ... تألق ما بين المنازلِ والحمى
أضاء لطرفي بالعقيق معاهداً ... فهيج أشواق الفؤاد وتيّما
فديناك هل من ماءِ رامة رشفةً ... تعافى بها القلب الجريح من الظما
وهلْ تحسن الأخبار عن عرب النقا؟ ... فشنِّف بها سمعي وإن كنت أعجما
همُ خيّموا بالرَّقمتينِ وجوُّهمْ ... على البعد ما بين الترائب خيَّما
عذوليَ دعني والتصابيَ والنوى ... فما نفع التذكارُ سمعاً مصمَّما
أيرجىَ سلوِّي بعد ما عاهدت يدي ... أهيل ودادي عهد صدق محكَّما
ومن شيمتي حفظ العهود وصدقها ... وما كل عهد بالوفاء متمما
من الماجد الأسمى الذي قد علت ... له همة فوق السماك وغن سما
جليل كسا ركن الجلالة مفخراً ... وأوضح من معنى السيادة مبهما
هو الحبر والعلاَّمة الفرد من غدت ... مآثرهُ في غرة الدَّهر أنجما
هو البحر لكن ساغ عذب زلاله ... هو البدر إن ليل الجهالة أظلما
إمام محا رسم الضلال بهديه ... وأحيا سبيلاً للهدايةِ قيّما
إذا ثار نقع للخلاف وأشكلت ... مسالكه كان الرّئيسَ المحكما
وإن حمت يوماً نحوَ ساحلِ درسه ... رأيت من الياقوت عقداً منظَّما
جواهر تبدو كالزواهر في الدجى ... لقد أبدع النِّظام فيها وأحكما
وكم من مزايا دون معشار عشرها ... تخرس منطيق الثناء وألجما
ولا سيَّما هذا الختامُ الَّذي غدا ... على فخره سعد السعود مترجما
ختام به كان الشفاءُ من الهوى ... وحازت به الخضراء مجداً معظَّما
محا غيهبَ الأفكار طالعُ نوره ... وأضحى به العرفان عضبا مقوما
تباشرت الأرجاء منها وأشرقت ... وغنى به طيرُ الفلاة ورنَّما
وكم رام قطب الجد تهنئة به ... رأى ما قد رآه فأحجما
رأى طلعة الباشا المشير تحفها ... سرادق عزٍّ ما أجل وأنجما
مليكٌ يقاد النصرُ طوعاً لعزمه ... وإن عدت الأقيالُ كان المقدَّما
تصدى لحفظ الدين بالحزم والنهى ... فشيَّد أركاناً وأوضح معلما
وأحيا رسوم العلم بعدَ اندراسها ... وجيَّشَ في قهر البغاة عرمرما
بكل كمي الدرع صارم سيفه ... ترى فيه في يوم الوقيعة ضيغما
فأرهب أعداء الإله بصولة ... لو انبسطت لم تبق في الأرضِ مجرما
سرى صيتهُ في الخافقينَ فلن ترى ... لهيبته إلّا مطيعاً مسلِّما
ومن كان في نصر الشريعة حزمه ... حري بأن يحمى حماه ويعظما
تهنّى ملاذ العصر بالمفخر الذي ... ملأتْ به الآفاق بشرى وأنعما
يهنى به الإسلام والعلم والهدى ... ودهر زها من نشره وتبسَّما
وما هذه أولى أياد منحتها ... تسر الليالي منّةً وتكرما
أياد يغار الغيث من نفحاتها ... ولا غرو إذ كانت أعزَّ وأعظما
كفى بك فخراً للمريد وملجأً ... وحسبه أن والى علاك ويمَّما
ومدحه أيضاً الشيخ الباجي المسعودي بقصيدة نحا فيها منحى الأستاذ وهي قوله: [المتقارب]
لقد ساعفتنا بنيل الأمل ... وزارت على رغم من قد عذلْ
وحيّت وأحييت حبيباً به ... من الشوق ما لفظه لم يقلْ
تبدلت الغنج عن كحلها ... وبالدل عن حليها والحللْ
وتبسم عن مثل نظم الجمان ... وترمي المنادي بسيف المقل
حديث المتيِّم فيها صحيح ... فحدث ولا تخش فيه مللْ
لحى الله لاح على حبها ... أما يعرف الوجه أو يستدل؟
دليل عليها كمثل الشهابْ ... ومثل الشفاء بإثر العلل
وكابن سلامة في فضله ... وقد سار في الناس سيرَ المثلْ
إمام تسامت به تونسٌ ... وأبدت به زينةَ المحتفلْ
وبوّأه الله سبحانه ... من العلم والحلم فوقَ الأملْ
إذا ما تصدر في مجلس ... ترى الناس حلت ببرج الحمل
وإن بسطَ القولَ في درسه ... ترى كيف يبسط رقمُ الحلل
وإن أخذت خمسة ليراع ... ترى أهله حوله كالخول
أيا عضد الدين سعده ... ويا ناصر الحق سامي المحل
стр. 239
ومالك ما قاله مالكٌ ... وتاليه في علمه والعمل
وموفي ما دونته الكرام ... ومملي أحاديث قطب الملل
لك الله من سيد رأيه ... هدى من تحيَّر أو من يضلْ
هنيئاً بما نلت من رتبة ... فأنت المكافي لها والأجل
وهنّئتَ ختم كتاب الشفا ... وفزت بنيل المنى عن عجل
ولاقيت رضوان رب العبادْ ... ورضوانَ أحمد خير الرسل
ولا زلت كهفاً منيعاً لمن ... يلوذ بعلياك شمسِ الدول
وفضلك قاض بذا كلِّه ... وأرخ بنيل شفاءٍ حصل
ولم يزل الشيخ بعد ذلك ملازماً للإفتاء والتدريس وكان عالماً فاضلاً ذا همة عالية، ووقار وكرم نفس، وجمال سمت وهيئة، وأمال عالية أودع منها ما شاء في تاريخه، شاعراً ناثراً كثير النظم، أغلب شعره في مدح مخدومه وشكر عطائه. غير أنه لم يساعده الزمان بنيل الرئاسة، وجميع الشيوخ ينقمون عليه تقدمه عليهم.
عاجلته المنية قبل بلوغ الأمنية فتوفي بمرض الكوليرة الوبائية ليلة الجمعة الثاني عشر من شعبان الأكرم سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف بجبل المنار، وأوصي بدفنه جوار ضريح سديد عبد العزيز المهدوي ﵁، ورثاه الشيخ أبو العباس أحمد الكيلاني بقوله: [الطويل]
صروف الليالي لم تزل في تجدّد ... تروح علينا كل حين وتغتدي
وما ثمر الأيام إلا بوارقٌ ... وطيب جناه زائل لم يخلد
ففوز لمن لم يلتفت لنعيمها ... كصاحب ذا الرمس الهمام محمَّد
هو العالم النحرير وابن سلامةٍ ... سري جواد ذو علاء وسؤدد
سليم فؤاد من سليم نجاره ... له حسب يعلو على كل منجد
إمام له في العلم أرفعُ رتبة ... يلوح سناها فوق نسر وفرقد
فقد كان مصباحاً مضيئاً لذاهبٍ ... به في دياجي الشك للرشد مهتدي
وقد كان مفتاحاً لك مغلَّقٍ ... فيفتح من أبوابه كل موصد
به بهرت في الفقه أقوال مالك ... وصارت به الأعلام في الفهم تقتدي
ومن لدروس العلم من بعد عالم ... يحلُّ من الأبحاث كل معقَّدِ
فواها لأصحاب الدروس تطلعت ... مراتعهم عن طيب مرعى ومورد
تآليفه في كل علم مفيدةٌ ... بتحرير أبحاث وفهمٍ مسدَّدِ
فمن قال إنَّ الدهر يأتي بمثله ... فقدْ جاءَ زوراً بالمقال المفنَّد
وما كنت أدري قبل ما حلَّ في الثرى ... بأن الثرى يحوي محاسن فرقد
فراح شهيداً يرتجي عفو ربه ... وما راح منا بالثناء المخلَّد
فطوبى لرمس ضم أعظمهُ التي ... سقتها شآبيب الغمام المسرمد
فأكرمْ به رمساً لقد حاز رفعةً ... لمقبرة فازت بفضل مشيّد
وأمسى لرمس المهد مجاوراً ... يضيء بنور مشرق متوقد
فيا ربنا أجزل قراه وجازه ... بعفوك والغفرانِ والحلم في غد
وحقق بفضل منك قول مؤرخ ... (ففي نزلِ الفردوس نزلُ محمَّدِ)
٣٥
الشيخ محمد البنا
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد البنا أخذ والده العلم عن الشيخ صالح الكواش ومن عاصره، وتقدم للإشهاد فكان من ثقات العدول وولي شهادة الغابة فحسن فيها سيره إلى أن توقي في رجب الأصب سنة ١٢٥١ إحدى وخمسين ومائتين وألف.
وأما ولده صاحب الترجمة فقد جد في خدمة العلم الشريف فقرأ على فحول الرجال منهم أبو محمد حسن الشريف، والشيخ الطاهر بن مسعود، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد السنوسي أحمد الأبي وغيرهم وتضلع بعلوم الشريعة وتصدى الإقراء بجامع الزيتونة فأخذ عنه كثيرون وأكثر ولوعه بالفقه وقد أقرأ منه كثيراً.
وتقدم لخطة قضاء باردو ومشيخة مدرسة النخلة عند وفاة شيخه المولى الجد قدس الله روحه أوائل شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين وألف، فقام بخطتها وواظب على الحكم بباردو يخرج في بعض الأحيان راجلاً من تونس إلى باردو شأن أخلاق الصالحين وتقدم مدرساً في الرتبة الأولى عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان سنة ثمان وخمسين.
ولما استعفى من قضاء الحاضرة الشيخ محمد بن سلامة قدمه المشير أحمد باشا باي بالحاضرة عوضه يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة ١٢٦١ إحدى وستين ومائتين وألف، فكان من قضاة العدل وأنصف وتحرى لدينه وحمد في ذلك سعيه.
стр. 240
ولما توفي الشيخ بن الشاذلي المؤدب قدمه المشير مفتياً خامساً وإماماً ثالثاً بجامع الزيتونة في الحادي عشر متن صفر الخير سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف، فأعاد على الجامع حلية تدريسه، وزان محرابه بحسن رنته التي تخشع لها القلوب، ولم يزل يتقلب في مراتب الفتيا فصار مفتياًَ رابعاً عند وفاة الشيخ محمد المحجوب وصار مفتياً ثالثاً عند وفاة الشيخ محمد بن سلامة.
ولما توفي الشيخ إبراهيم الرياحي قدمه المشير خليفة بجامع الزيتونة مع الإمام الأكبر الشيخ محمود محسن أواخر شهر رمضان المعظم سنة ١٢٦٦ ست وستين والمستفتين ويزين المحراب والمنبر بحسن رنته وتلاوته وخطب من إنشائه كثيراً ما يحضر الجامع أول الوقت بحيث لم يجده وقاد الجامع ليس على وضوء في أول وقت صلاة الصبح دائماً بمجرد ما يقرع عليه الباب يسمعه خارجاً على أكمل هيئة ﵁.
أدركته بجامع الزيتونة يقرئ شرح الكفاية على رسالة سيدي عبد الله بن أبي زيد فسمعته يوماً في باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة بألطف عبارة وأحسن أناة وسكينة مع حسن التعبير الذي يستوي في فهمه المبتدي والمنتهي وكان عالماً عاملاً فقيهاً ورعاً عفيفاً نقي العرض حسن الأخلاق مهيباً وقوراً عزيز النفس كريم السجية كامل القامة طويل الذقن خالص الشيب يلازم غض البصر كثير الأناة حسن اللباس ولم يزل ثنيان الفتيا والإمامة إلى أن أدرك حمامه فتوفي في يوم الأربعاء السادس عشر من المحرم سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف ودفن في طريق المغارة الشاذلية على يمين المار إليها عليه رحمة الله ورثاه الشيخ أبو الوفاء الصادق ثابت بقوله: [الكامل]
عمَّ الأسى إذ راع كلَّ جنان ... خطب ألم ففاضت العينانِ
هدَّ الردى للعلم طوداً شامخاً ... وأراك كيف تضعضعُ الأركانِ
فاعجب لخطب هائل عظمت به ... شمسُ الكمال بمغرب الأكفان
ما كان إلا درَّةً صينت لدى ... فقدانها من لحده بصيان
صدر الصدور محمد البنا الذي ... أربت فضائله على الحسبان
علم تقربه العيون فكيف لا ... تبكيه دوماً بالنجيع الغاني
قد كان سيفاً للشريعة صارماً ... لم ينب صارمه طويل زمان
مستبدلاً ثوب العفاف مراقباً ... لله في الإسرار والإعلان
ومواقف العلم المرفع أهلها ... قد كلن من أبطالها الشجعان
وإذا دجا إيهام مشكلة عرت ... وأبى انبلاج صباحها ببيان
وجرت بها الأفكار ثم تسابقت ... جلَّى فكان مجلي الميدان
لله فذ فاضل قد زانه ... بحلى خطير جواهرٍ عقدان
نسب إلى الهادي المشفع ينتمي ... ورحيب علم نيط بالإتقان
كم أمَّهُ مسترشدٌ بإفادة ... بغزير علم من صحيح مبان
موت الفحول رزية بحلولها ... حقاً تكون تضاعف الأحزان
لا ينزع العلم انتزاعاً إنما ... فقدانه لذهاب أهل الشَّانِ
لهفي على فذ المعالي والتقى ... ركن الفخار ومورد الظَّمآن
هو بحر علم كل من قد أمَّه ... نال اقتناء الدر والمرجان
وإذا رأيت عجائباً يوماً به ... وافتكَ أضعاف لها في الثَّاني
فالجامع المعمور يشكو فقده ... فلكم أفاد به من العرفان
يبدي الغريب من النقول محققاً ... ما صحَّ فيها من ذوي التَّبيان
ولكم بمنبره أبان مواعظاً ... إذ كان من فرسان هذا الشَّان
يجلو صدى رين القلوب بزجرها ... ويرغِّبُ الألبابَ في الإحسان
ويحذر الناس الدُّنا ويقوم في ... محرابه بالذكر والقرءان
يأتيه من بعد المسافة راجلاً ... يرجو ثواب الواحد المنان
ووفود أصحاب الفتاوي نحوه ... تحدو المطي قصّيه والدانِ
كم أسهرت منه الجفون لأجلها ... وجرى على القرطاس رقم بنان
أما مجالسه البهية فهي لا ... تخلو دواماً عن دقيق معان
فهي الرياض تفتحت أزهارها ... ودنا قطاف ثمارها للجان
أورد بها ما شئت تلف جوابه ... بصحيح عارضة وثبت لسان
مستبشراً يلقى العويص كأنما ... أتحفته بالورد والرَّيحان
ويريك منه ما يروق وينتحي ... في حلِّه طرقاً من التبيان
стр. 241
ويجرُّ أشتات الشوارد فكره ... شبه العتاق تقاد بالأرسان
فإذا ظفرت بغرِّ تحريراته ... فاشدد يديك على فريد جمان
أسفي عليه كما انتفعت بقربه ... ورأيت شخص الفضل رأي عيان
وذهبت عطشاً فالمورد علمه ... ورجعت منه بحالة الرَّيان
فيحق لي فيه التفجع والرِّثا ... جهد المقل وحيرة الولهان
علّي أكون من الحقوق مؤديّا ... بعضاً وهل لي بالوفاء يدان
خطب دهى قلبي فسحَّتْ أدمعي ... يجري لريّ للثَّناء لساني
إن كان في فن البلاغة قاصراً ... باعي ولستُ به من الفرسان
وغدت معاني ما أفوه بنظمه ... أولى ففيه من حلاه ثواني؟
جازاه ذو الجود العميم بفضله ... وسقاه صوب سحائب الرضوان
بالمصطفى خير البرية جدّه ... طه المشفَّع رحمة المنَّان
صلَّى وسلَّم ذو الجلال عليه ما ... بكت السماء وحنَّ قلبٌ عان
والآل والصحب الكرام وتابع ... ما ناح قمريٌّ على الأفنان
شيخي أبا عبد الإله تصدَّعت ... منا القلوب لحادث الفقدان
لكنه أمر الإله وحكمه ... سبحانه الباقي وكلّ فان
فالله يجبر صدعها وينيلها ... أجر المصاب بجوده الهتَّان
قد كنت لي بدراً فغبت فأظلمت ... لمغيب ضوئك منيَّ العينان
حسبي الدعاء بأن تكون منعماً ... بالفوز والرضوان وسط جنان
وأقول إذ ليلي بتاريخي دجا ... نلت المنى من ربنا الرَّحمان
٣٦
الشيخ سليمان المحجوب
هو الشيخ أبو الربيع سليمان بن عمر بن قاسم ابن الحاج المحجوب الشريف المساكني وهو المفتي ابن قاضي المسلمين وحفيد كبير أهل الشورى من السادات المالكية وابن أخي كبير أهل الشورى أيضاً وابن عم المفتي المالكي وابن ابن عم القاضي المالكي فهو ثالث سلسلة آبائه وسادس آل بيته في الخطة الشرعية وهو أخرهم من كنانتهم ناهيك من حسب زانه شرف النسب.
وقد أخذ العلم عن والده الشيخ عمر المحجوب وقرأ على عمه الشيخ محمد المحجوب والشيخ أبي محمد حسن الشريف وغيرهم.
وتقدم بعد والده لمشيخة المدرسة المرادية غير أنه عاقه عائق الإشهاد لكنه كان من فحول الموثقين نسجاً على منوال آل بيته وكان فصيح القلم ومن يشابه أبه فما ظلم وبذلك استكتبه الأمير مصطفى باي وسافر معه بالأمحال المنصورة. وبعد ذلك ترقى في خطة الكتابة بديوان الإنشاء، وتصرف بفصاحة قلمه كيف شاء، وتدرج في مراقيها إلى أن صار كاهية لسان الدولة الأصرم.
وكان مع ذلك يقرئ في بعض الطالبين بجامع الزيتونة حتى أنه لما جمع الأمير حسين باشا المدرسين بالجامع وأمرهم بالإقراء حضر هو وأقرأ مختصر السعد وهو متعمم بعمامة مطروزة بالحرير غير أنه أرهقه دين تعسر عليه الخلاص من أوحاله حتى سجن ببيت الضياف بباردو إلى أن عزل من وظيفته.
وقام في كن بيته متجملاً بالقناعة إلى أن توفي ابن عمه فأرسل إليه المشير الأول أحمد باشا فحضر بين يديه بباردو لابساً اللباس الطويل لباس الكتابة وقدمه لخطة الفُتيا فلبس لباس الخطة الشرعية فوق لباسه الطويل وصار مفتياً خامساً في أواخر ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف، ولما توفي الشيخ ابن سلامة صار مفتياً رابعاً، واستمر على ذلك ولازم القناعة والمحافظة على ناموس شرفه إلى أن حضر أجله فتوفي أواسط رجب سنة ١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف عليه رحمة الله.
٣٧
الشيخ أحمد بن حسين القمار
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن حسين بن محمد بن حسين القمار الكافي ولد ببلد الكاف عام اثني عشر ومائتين وألف، ونشأ في رفاهية أهل بيته وكان آباؤه ذوي شأن يتولون الأعشار ونحوها من متعلقات الدولة.
стр. 242
وحفظ القرآن العظيم في بلده ثم قدم إلى تونس في طلب العلم، ونزل بالمدرسة السليمانية وقرأ على شيخها الشيخ الطاهر بن مسعود مختصر السعد والأشموني والخرشي، ثم تنفل لمدرسة جامع صاحب الطابع فقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي البخاري والمختصر الخليلي بشرح الدردير والسعد والدرة والبيضاوي، وقرأ على الشيخ أحمد الأبي مختصر السعد والمحلي، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة الدرة، وقرأ عليه الأشموني ومختصر السعد. وقرأ بجامع الزيتونة على كثير من العلماء منهم الشيخ محمد بيرم الثالث ومنهم الشيخ حسن الشريف قرأ عليه الخرشي والأشموني بمدرسة حوانيت عاشور، وقرأ على الشيخ محمد المناعي والشيخ إسماعيل التميمي نبذة من شرح الشيخ عبد الباقي، وقرأ على المولى الجد الشيخ محمد السنوسي كتباً من المعقول والمنقول وقرأ مختصر السعد على الشيخ أحمد بن الخوجة نقل عنه أنه عرض لهم مبحث أطنب فيه السعد في مطوله ولما استوفى الشيخ تقرير كلام المختصر قال له بعض الحاضرين إن المطول فيه مسودة مهمة وناوله نسخة المطول فطالعها الشيخ وتريث قليلاً ثم قررها بجميع ما كتب عليها من المحشين وحسبك بذلك دليلاً على تحصيله.
ثم إن صاحب الترجمة آذنه الشيخ إبراهيم الرياحي بالإقراء بمسجد بالحلفاوين وكان فيمن قرأ عليه هنالك الشيخ حمدة بن عاشور والشيخ الطيب الرياحي وختما عليه الخبيصي وغيره وشرح المكودي على الألفية وأنشد بين يديه في الختم الشيخ الطيب الرياحي قصيدة مثبتة في شعره قال في مطلعها: [الطويل]
أحنّ إلى لقياكم جيرة السَّفح ... عسى أن أداوي جرح قلبيَ بالشرح
ثم في سنة ثمان وأربعين ومائة وألف قدمه الأمير حسين باشا قاضياً بالكاف وشاع له صيت في الفقه والإنصاف وله مراجعات مع شيوخ الحاضرة في كثير من المراسلات أنبأت على رسوخ قدمه في المعاملات وبعد حين ولي الإمامة والخطبة بالجامع الكبير كما ولي مشيخة المدرسة الحسينية هنالك وأقرأ كتباً كثيرة منها البخاري بالمدرسة والدردير بالجامع وكتب في النوازل الفقهية كتائب محررة.
ولم يزل صيت علمه يعظم وهو متلبس بالخطة المذكورة ببلده إلى أن توفي كبير أهل الشورى الشيخ إبراهيم الرياحي فرأى المشير أحمد باشا باي أنه لا يسد ثلمته المذكور، فأرسل إليه وأحضر المجلس الشرعي بباردو وقدمه من أول وهلة كبيراً لأهل الشورى في شوال سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف.
وهنأه بذلك الشيخ أبو العباس أحمد بن أبي الضياف بمكتوب نصه: لم أقدر والله نهني الخطة أو نهنيك، وبماذا أثني عليك والذي ملأ الأكوان يكفيك، أبقدمك الموجب تقديمك، أم بحديثك الموجب حديثك، ومن لي بجامع كلمة العلم بعد انتشارها، ومقيل عثارها والآخذ بثارها، والمخلد لآثارها، علم التقوى، وعماد الفتوى، بل ركن العلم الأقوى، الذي أخذ رايته باليمين، أبي العباس أحمد بن حسين، رئيس فتوى المالكية بهذه الحاضرة التونسية لا زالت أراؤه سديدة، وتصرفاته حميدة، وأزمة النفع به مديدة، ميمونة سعيدة.
стр. 243
أما بعد السلام التام، المؤدي لحق المقام، كل ما حنَّ مشتاق إلى اللقاء ومال، وبلغ من ذلك الآمال وحمد غب الأعمال، فإن الإنسان كما علم سيدي أسير الأقدار، مسلوب الاختيار يلقبه الفاعل المختار، إلى كل ما يختار، وقد اختارك لهذا المنصب الشريف وهو أعلم باختياره، ولا ينازع في مقداره، وقدم على مصلحتكم مصلحة عباده، وهو أعلم بمراده، فطب سيدي نفساً، ودم سروراً وأنساً لا تحرك في ذلك حدساً لأن من قلدك لهذه الأمانة تكفل لك سبحانه بالإعانة حيث لم تطلب بلسان مقال، بل ولا بلسان حال بل كرهتها والترحال، قال والله تعالى في كتابه المنزل على من أرسله بشيراً ونذيراً (يوجد آية) [النساء: ١٩] ونحن نحمد الله ونشكره على بلوغنا المراد حيث لم يرنا في مقام شيخنا إلا أعز تلامذته الجهابذة النقاد، وما حصل لنا في ولايتكم من البشرى كاد أن ينسينا مصابه الذي هو الطاقة الكبرى وأشهد أنه كان قدس سره يتوهم في أوصافك الحسنى، ما أوتيته من المقام الأسنى، وأنه كان يدعو لك على ظهر الغيب ومات راضياً عنك بلا ريب وهذه بشارة أقدمها بين يدي تهنيتكم بالولاية، وتهنيتها بكم لكمال العناية، فإنك بحمد الله من رجالها وفارس مجالها بل أنت نادرة الدهر، وكفوها المولي لها بالمهر ولولا أن الله يقول (يوجد آية) [الذاريات: ٥٥] سيدي بنعم الله تعالى عليه التي تعجز شكر الشاكرين، ولولا عائق المرض، ومنع الطبيب من كل غرض، لأعلمت قدمي قبل إعمال قلمي، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك قله، فهذا حفيدي فلان وصحبته فلان تلميذيكم إن شاء الله ينوبان عن خالهما في الحضور الآن إلى بابكم وتهنئة جنابكم، وإن كنت أنا أحق بالهنا، والخطة أولى بذلك منا والله يعينكم على ما أولاكم كما جعل أوصاف الكمال حلاكم والسلام من معظم قدركم كاتبها بحمام الأنف غرة ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف أحمد بن أبي الضياف.
وتقلد عند ذلك مشيخة مدرسة جامع صاحب الطابع، ولما توفي الشيخ محمد الخضار تقدم لإمامة جامع الهواء ومشيخة المدرسة التوفيقية، ولما توفي الشيخ علي الرياحي تقدم عوضه إلى إمامة جامع أبي محمد وكره الناس تقدمه للخطط المذكورة وبعضهم ينسب تقديمه عليهم لعدم حضور الشيوخ جنازة الشيخ محمد بن سلامة فتقدم صاحب الترجمة للخطط المذكورة ولازم داره منكمشاً في المراجعة والمطالعة، ثم خرج وأقرأ بجامع صاحب الطابع تفسير القاضي البيضاوي وشرح البخاري والمختصر الخليلي قراءة تحقيق وأقرأ غير ذلك. وظهر صدق الظن به فكان أفقه رجال عصره وهو عمدتهم في المجالس الشرعية إذا قال لم يترك مقالاً لقائل، وصار الشيوخ يحضرون داره في عويصات النوازل وهو يفيد بحسن فتاويه وتحريره.
وقد وقفت له على شرح الإحدى عشرة قاعدة التي انبنى عليها عهد الأمان الذي أصدره المشير الثاني محمد باشا باي فإذا هو عنوان تضلع في أصول الدين والقواعد الفقهية.
وله رسائل وتحريرات مسائل أجاب بها الشيوخ في النوازل العارضة منها ما كان مع الشيخ محمد البنا والشيخ محمد النيفر الأكبر وكتب حاشية على شرح الشذور لابن هشام تبلغ أكثر من عشر كراريس تعقب بها مباحث الشيخ الأمير، بما به التحرير، وكتب هوامش وحواشي على شرح التاودي على العاصمية تبلغ أيضاً عشر كراريس، وحواشي على عقائد الرسالة للشيخ ابن أبي زيد، وهوامش على بقية الكتاب كما كتب حواشي على شرح الخبيصي وحواشي على مقدمة ابن هشام كل ذلك عند إقرائه للكتب المذكورة.
وله في النوازل الفقهية كتائب كثيرة تصدى ولده الأكبر المدرس الشيخ حسين لجمعها كما جمع حواشيه السالفة.
ولما أراد والدي جمع منظومة جده لقط الدرر وقد كادت أن تتلاشاها الأيدي ساعده على ذلك فجمع نلك المسائل مسألة مسالة كل واحد في بابها لأن الناظم نظمها على حسب ما عرض له من المسائل بدون ترتيب، وواظب في هذا الصنيع الجميل نحو سنتين يرتبها وكان اتفق له أن توقف في بعض المسائل في أي باب يجعلها فرأى الناظم في النوم وأعلمه بأن المسألة من باب التجهير ولما راجع وجدها منه فكان هو صاحب مزية جمعها جزاه الله خيراً.
стр. 244
وقد أنجب في العلم ثلاث أولاد وهم الشيخ حسين والشيخ محمد والشيخ الطيب وعلى يده كانت ترقية ابنيه الأولين لخطة التدريس فبلغ أولهما الرتبة الأولى في التدريس بجامع الزيتونة وظهر منه الجدّ والاعتناء وأقرأ بالجامع كتباً مهمة مثل المحلي وغيره، والثاني في الرتبة الثانية من التدريس وله مواظبة على دروسه ولوالدهما بهما أعظم اعتناء.
وكان عالماً متضلعاً في الفقه ومعرفة فقه القضاء عفيفاً حسن الملتقى، متثبتاً في النوازل له قدم راسخ في المعقول ويد طولى في الأصول وجمال سمت وكمال هيبة أدركه الأجل غرة شعبان الأكرم سنة ١٢٥٨ خمس وثمانين ومائتين وألف وتبرك الأمير والمأمور بحضور جنازته ودفن بتربته من ربض باب السويقة عليه رحمة الله آمين.
٣٨
الشيخ محمد النيفر
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم بن مَحمد بن مُحمد بن أبي النور النيفر، ناهيك من عالم عامل، وقدوة كامل، نشأ في بيتهم الرفيع وأسس بالعلم مجده البديع، وقد سبق لنا ذكر منشأ هذا البيت الذي كرم منه كل حي وميت في ترجمة أخي هذا الهمام الصالح الإمام، وذكرنا هنالك نسبتهم إلى شيخ الطريقة الرفاعية مولاي أحمد الرفاعي المصري بناء على أن مقدمهم إلى صفاقس كان من مصر القاهرة.
وأما القطب الرفاعي المشهور الذي تنتسب إليه الطريقة المذكورة فقد رأيت بخط المحدث الشيخ صالح الفلاني نقلاً عن المناوي في ترجمته أنه القطب أحمد بن علي بن يحيي ين حازم بن رفاعة الزاهد الكبير، أحد الأولياء المشاهير، أبو العباس أحمد الرفاعي المغربي شريف نما روض شرفه وهمى على العالم غيث سلفه، كان سيداً جليلاً، وصوفياً نبيلاً، قدم أبوه من المغرب إلى العراق وسكن بأم عبيدة من أرض البطالح وولد له صاحب الترجمة سنة خمسمائة ونشأ بها وتفقه على مذهب الشافعي ثم تصرف وأعرض عما في أيدي الخليفة، وأقبل على اشتغاله بالحقيقة، مات ببلده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ولم يعقب وإنما المشيخة لابن أخيه اهـ?.
قلت الذي في كلام الرفاعية عن صاحب الترياق أن الشيخ كان كثير التزوج وله من الولد اثنا عشر وبنتان، وعدهم، وذكر من انتشر عقبه منهم بما يطول ذكره.
ثم رأيت في تقريب النفحات للشيخ تاج أن الشيخ أحمد الرفاعي من أولاد الإمام موسى الكاظم ورأيت نسبه في مناقبه لبعض السادة الرفاعية في مجلد لطيف عند الشيخ محمد المشطاوي المغربي بمكة المشرفة قال هو أحمد بن علي بن يحي بن ثابت بن حازم بن علي بن حسن بن المهدي بن محمد بن حسين بن أحمد بن موسى الثاني بن إبراهيم المرتضى المشهور بالمجاب ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله (وذكر له اثني عشر ابناً وبنتين وسرد أسماءهم وانتشارهم في البلدان وأن منهم إبراهيم وله عقب في الشام ومصر والحجاز إلخ ما ذكره اهـ ما وقفت عليه بلفظه.
والظن أن انتساب آل بيت صاحب الترجمة إنما هو إلى هذا القطب الشهير فيما يذكرون وهم من ذرية من كان من أبنائه في مصر على ما نقله الشيخ صالح الفلاني من وجود عقبه أيضاً بمصر، ومنها تنقلوا إلى صفاقس ثم تنقل منها أبو النور النيفر إلى حاضرة تونس ونشأ في بيت شرفهم صاحب الترجمة مؤسس دعائم بيته بالعلم والعمل فهو مشيد بناء مجدهم.
وكانت ولادته عام ١٢٢٢ اثنين وعشرين ومائتين وألف ونشأ نشأة صالحة وجمع القرآن على المؤدب الصالح الشيخ محمد القسنطيني، وكان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة ومع ذلك استمر على حفظ المتون بين يدي مؤدبه سنتين وتصدى لقراءة العلم الشريف
стр. 245
وجود القرءان على الشيخ محمد المشاط، وقرأ على الشيخ محمد معاوية بمسجد حوانيت عاشور شرح الأزهري على الآجرومية والأزهرية وقرأ عليه بجامع الزيتونة شرح الشذور، وقرأ على الشيخ عمر بن المؤدب شرح الأزهري على الآجرومية وقرأ على الشيخ محمد البحري شرح الجربي على إيساغوجي، وقرأ على الشيخ محمد الخضار شرح القطر، وقرأ على الشيخ أحمد الأبي شرحي الماكودي والأشموني على الألفية، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي شرح الشيخ ميارة على نظم ابن عاشر وشرح الفاكهي على القطر وتفسير القاضي البيضاوي، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة قطعة من الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي ونحو النصف من شرحه على الدرة، وأتمه هو بالإقراء لبعض من حضر معه من الطلبة بإذن شيخه، وقرأ على الشيخ محمد بيرم الثالث مختصر السعد البياني ومختصر السنوسي المنطقي، وقرأ على الشيخ إسماعيل التميمي قطعة من شرح الشيخ عبد الباقي وقرأ قطعة على الشيخ الشاذلي بن المؤدب، وقرأ على الشيخ محمد المناعي قطعة منه وقطعة من العضد، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة مختصر السعد، وقرأ على والده الشيخ أحمد بن الخوجة شرح المحلى على جمع الجوامع، وقرأ على المولى الجد الشيخ محمد السنوسي ربع الزكاة من شرح الشيخ الخرشي على المختصر الخليلي وتضلع بالمعقول والمنقول حتى أصبح آية الله في التحصيل والذكاء.
واعتكف على بث العلم في صدور الرجال وتقدم لإمامة مسجد السبخة أوائل شعبان سنة ١٢٥٤ أربع وخمسين، ولما ولي الشيخ أحمد بن حسين خطة القضاء بالكاف تقدم عوضه لمدرسة جامع صاحب الطابع وعند وفاة الشيخ محمد السقاط تقدم عوضه لمشيخة مدرسة بئر الحجار ثم تقدم مدرساً بجامع الزيتونة في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي.
ثم إن المشير أحمد باشا قدمه لخطة القضاء بالمحلة المنصورة عند عزل الشيخ أحمد بن الطاهر محشي شرح التاودي لنظم ابن عاصم. وقد كان عالماً فاضلاً غراً أتاه أحد الشيوخ بنسخة رسم حبس افتعل فيها ما شاء فعقد عليها ظناً منه أنها كأصلها وختم على عقده يومئذ الشيخ الشاذلي بن المؤدب نائب القاضي إذ ذاك لغياب القاضي ابن سلامة صحبة المشير أحمد باشا، ولما رجع القاضي ابن سلامة ونشرت النازلة لديه أطلع على اختلاف النسخة مع أصلها وأنهى ذلك إلى المشير فتبرأ الشيخ الشاذلي باعتماده على وجود عقد قاضي المحلة الشيخ أحمد بن الطاهر واعتذر الشيخ أحمد المذكور بالاغترار فكانت نتيجة النازلة قطع يد الشاهد الأول وعزل الشيخ أحمد بن الطاهر من العدالة وقضاء المحلة في ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائتين وألف، ولما حان سفر المحلة الاعتيادية تقدم صاحب الترجمة لقضاء المحلة في شهر رمضان المعظم وباشر الخطة بعمله وعمله وسافر لها مع الأمير محمد باي نحو ثلاث محال، غير أنه في آخرتها رفعت إليه نازلة في التشكي من الكاهية صالح بن محمد فأحضره عليه فامتنع من الحكم فعاقبه ولم يتوقف انتصاراً لحق الله وشريعة الإسلام.
ولما رجعت المحلة أخره المشير من الخطة، لكنه ندم على صنيعه في تأخيره قاضياً لعدله، ثم تدارك أمره فقدمه لخطة قضاء باردو يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة ١٢٦١ إحدى وستين ومائتين وألف، فسار فيها سيرة أهل الفضل من قضاة العدل.
ثم تقدم لخطة قضاء الحضرة في الحادي عشر من صفر الخير سنة ١٢٦٣ فزان الخطة بديانته وإنصافه وتحريه، وتدارك أمر الاحتساب على المعاش أحسن تدارك.
ثم تقدم للفتيا فصار مفتياً رابعاً في الخامس والعشرين من رجب سنة ٦٧ سبع وستين، ولما توفي الشيخ محمد الخضار صار مفتياً ثالثاً. واستمر على ذلك وأعاد على جامع الزيتونة حلي تعاليمه بطريقته التي لم ينسج أحد على منوالها، كان درسه يحسبه سامعه تأليفاً مستقلاً في المسألة وذلك من غاية تحصيله وسهولة إلقائه بحيث يلقي الدرس وهو كأنما على رأسه الطير لا يستعين بحركة مع ما في درسه من التحقيق والتحرير.
ومن أعز ما كتبه رسالته في مذهب الشيخ عبد القاهر في "ما أنا قلت هذا" في علم البلاغة حرر فيها المسألة تحريراً يعز على غيره.
стр. 246
أما رسالته الفقهية في منع النساء من الخروج إلى الحمام وجواز التيمم لهن فقد نسج فيها على منوال غريب من أبدع الأساليب، وحرر فيها من نصوص الأمهات ما بلغ في تحقيق المسألة إلى أبدع الغايات، وقد أنهاها في ذي الحجة سنة ٤٧ سبع وأربعين وقد وقفت على مسودتها بخطه المبارك مفتتحة بقوله أحمد الله حق حمده وأشكره وفاءً بعهده وأصلي وأسلم على رسوله وعبده وعلى آله وأصحابه فرائد عقده إلخ. وكفاها شهادة القاضي إسماعيل بأنه لو كتب في المسألة ما زاد على ما تضمنته هاته الرسالة، ووقفت له أيضاً على رسالة في إثبات البسملة في أول الفاتحة في الصلاة حررها سنة خمس وستين.
ووقفت له على أوائل رسالة حكمية انتصب فيها للحكم بين العلامة الشيخ محمد بن سعيد النجم التونسي والشيخ ابن عمار الشريف في الاختلاف بينهما في العقل هل هو جوهر أم عرض وكثرت بينهما المكاتبات في ذلك ولما وقف على مختار كل حرر في المسالة تحريراً حكمياً في رسالته المذكورة.
أما أختامه التي حررها وبالبدائع حبرها فقد وقفت منها على ختم كتب فيه على حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وقد حرر فيها مباحث من علمي الكلام والبلاغة يعز على سواه تحريرها.
وقد ختم بالتدريس كثيراً من مهمات المعقول والمنقول، تخرج بها عدة من الجهابذة الفحول، وشاع له بذلك صيت عظيم.
ولما ختم منها مختصر السعد البياني، تسابق في حلبة درسه كثير من فرسان البلاغة والمعاني، فأنشدوا بين يديه قصائد مديحهم البليغ، فكانت عدة قصائد في هذا الغرض، نوشح ترجمته بما حضرنا منها.
القصيدة الأولى
من إنشاء الوزير العالم لسان الدولة الشيخ محمد العزيز بوعتور وهي قوله: [الطويل]
طريق لنيل العز حرز المطالبِ ... وغور لأسنى القصد صدر المراتبِ
وشمُّ نفوسٍ للمعالي مآثرٌ ... وحوز خصال من تمام المتاعب
ولو كان إحراز الفضائل هيناً ... لساد بمحض القول من لم يضارب
وشيئان في الأذهان حسم اجتماعها ... طريد اجتهاد واختيار الملاعب
فلا وأبي لا يبلع المجدَ عاجزٌ ... يعلل نفساً بالأماني الكواذب
ولكنَّما ذو العزم من ساد قرنه ... لشأو العلا دون اقتناء الصواحب
وحزمه لا تلوي الحوادث قصدهُ ... فإما لحتف أو لنيل المناصب
وليس مثار الحزم إلاّ عزائم ... تريه كميناً من عزاز المواهب
إذا كانت السَّادات تصبو لرفعة ... فإني ملكت المجد جد الرغائب
وإني لمقدامٌ وغيريَ جازع ... وإني لقوال بأي المواكب
نشرنا على متن السِّماك مراتباً ... تؤم لها الركبان من كل جانب
ويا ربَّ ليلٍ يثبر الصلد حزنه ... أضاء الدياجي من يراع وقاضب
وربّ عويصٍ قد أزلنا لثامه ... له الناس فوضى بين راد وذاهب
لقد كنت قدماً بالأوابد مولعاً ... وأين من العلياء طول الشَّناخب
فخارُ بني الدنيا رحيب الجوانب ... وعز سراة المجد شُّم النجائب
أبو المجد مهطال العلوم محمد ... وهل ينكر الإنسان فضل السحائب
جوادٌ همامٌ باهر العز والسَّنا ... له الشرف الأقصى لهام الكواكب
إمام حباه الله بالفضل حلّةً ... تهب بها الأرياح قبل الركائب
منيف على شأوِ الثريا إذا رنا ... أزال المحمَّى من عويص السباسب
يجل حياءً ثم يعظمٌ هيبةً ... جليل مضاء غير وكل وهائب
إذا افترَّ علماً فالرّقابُ خواضع ... وإن جال فالأذهان رهن الرغائب
مليك سناً يعتاده من معاشرٍ ... تخرُّ لها الأذقان فوق الترائب
عفافٌ كرام للرسول نجارهم ... وهم سادة الإحسان غرّ الأطائب
كأنَّ سناء الشمس من نور وجهه ... صفائح تبر أشرعت بالمغارب
كأن الثريا نظمت من بيانه ... سلاسل درّ أشرقت بالمواكب
كأن مهبّ الشرق من فرط لطفه ... أوان شروق السعد بين الثواقب
تجلّى ويالله كالدوح رافلاً ... مطارفه الحسنى بخضرة شارب
تحاريرُ أقوال وللروض جدولٌ ... سراعاً بمزج الكاس رشف المشارب
لها الدر جسماً واللجين نطاقه ... وزهر الروابي من نصيب السواكب
стр. 247
فلا كلمٌ إلا الدقائق دونها ... ولا لمحة إلا بجزل المآرب
ولا كرمٌ إلا إليك مآبه ... ولا مفخر إلاّ لتلك المناكب
فما زال يبدي كلّ وقت ولحظة ... غرائبَ فكر توِّجتْ بغرائب
براعة فهم حنكتها فصاحة ... تفوقُ لدى الألباب سحر الذوائب
لقد ملأ الأقطار باهرُ ذكركم ... وهل يصدمُ الولهانَ وقعُ القواضب
وأنت إمام ما بقيت وإنما ... سنام لدى العلياء سمح السَّلاهب
وما العلم إلا بعض ما أنت حامل ... ولا الفضل إلا بعض تلك المناقب
لك الشرف السامي وإنك أوحد ... تضيء به الأذهان وقت الغياهب
إليك بني الزهراء تعنو وجوهنا ... فأنتم بني الزهراء فخر المغارب
وحسب المعالي أن تكونوا ملاكها ... فمن منزل العلياء شم الجوانب
ومن كانت العلياء طوع بنانه ... فقد أترع الإفضال قبل التخاطب
وأرسلها منشئها إلى الشيخ علي الرياحي وكتب عليها بقوله:
[الطويل]
كفاني فخاري أن أهمَّ براحةٍ ... جوانبها الدنيا ومالكها علي
وقد كتب عليها الشيخ علي الرياحي قوله: ل [الطويل]
عزيزةُ مثلٍ يشهدُ الذوق أنها ... ألذّ وأحلى من رضاب الكواعب
وقرظها قرينه الشيخ أحمد بيرم بقوله: [الطويل]
أبدر الدجا قد لاح جنحَ الغياهب ... أم الربق يبدو من خلال السحائب
أم الزهر أضحى في الغصون منظما ... كعقدٍ لآلٍ في نحور الكواعب
أم السحر أبدى من بدائع نفثه ... فنونا زرت آياتها بالهوادب
أم الروضةُ الغرَّاءُ بل بكرُ فكرِ منْ ... حوى من مراقي الفضل أسنى المرتب
عزيزةُ حسنٍ للعزيز قد انتمت ... فكانت لعمر الله إحدى العجائبِ
كشمس كبدرٍ كالسَّحاب وكالضحى ... كالصبح كبرق كالسنا كالثواقب
لقد ملأ الأقطارَ باهرُ فضلها ... وسارت بها الركّبان من كل جانبِ
ولا غرو أن كانت كريمة ... أصلها
فإن لمنشيها كريمَ المناقب
لعمري هوَ الفردُ الذي أصبحت به ... تفاخرُ أرضَ الشرق أرضُ المغارب
فحسبيَ أن أدعو بكلِّ العلاَ له ... ونيل الذي يرجو وحسن العواقب
وقرظها قرينه الشيخ حمودة الزلفاني بقوله: [الطويل]
ومخجلة ترقى لكل المراتب ... حوت حسن تبيين بكل غرائب
غدت ولها سرٌّ عجيب وسؤددٌ ... تزيد سناء للنجوم الثواقب
جواهر فكرٍ أشرقت بمحاسنٍ ... تفوق جمالاً عن بهاء الكواعب
فما الفضل إلاَّ ما حوته من السَّنا ... وما قدرها إلا مكان الكواكب
بديعةُ نظمٍ للمعالي لطيفة ... حكت رقة ما يستساغ لشارب
خرائدُ يعزى للبلاغة لفظها ... فيجلو سناها جنحَ ليل الغياهب
أتت من عزيز حسنه وجماله ... ينير وميضٌ منه دجنَ السحائب
فقد صار طوداً يهطل العلم ثغره ... وقد صار بحراً من بحور الغرائب
كأن علوماً أتحفت بذكائه ... فصار لها حداً كبيض القواضب
يبيد ظلامَ الجهل إذْ صار دونه ... فأرداه مهزوماً بحدّ المضارب
وحتى شموس الأفق نالت به سنا ... وسادت به الأتراب سمر الذوائب
كأن لواءَ الحمدِ نال مقامه ... وأن ثناء المجد فيه بساحب
ألا بأبي فرداً جميلاً ممجداً ... يسود على الأتراب مجلي الغياهب
وقرظها الشيخ محمد بن الخوجة الجزيري مطرزاً بعزيز تونس فقال: [الطويل]
(ع) عقودُ لآلٍ في نحور الكواعب ... أم السَّعدُ يبدو بين زهر الكواكبِ
(ز) زلال ثغور يزدري بمدامة ... وسحر لفكر يزدري بالثّواقب
(ي) يعير عيونَ الظبي سحرُ بيانه ... ويهزأ حقّاً بالعوالي القواضب
(لإ) زعيم بنظم القوافي لذا غدتْ ... قوافيه ركناً أمَّهُ كلُّ طالب
(ت) تراها وفحواها وحسن نظامها ... كؤوسَ رحيق أسكرتْ كلَّ شارب
(و) ولا عيب فيها غير أن نظامها ... ليعجز عن مثل كلَّ كاتب
(ن) نظمتُ طرازاً في رياضٍ بديعة ... وما قمتُ بالمندوب أحرى بواجب
(س) سأنفق طول العمر ما في خزائني ... من المدح للأرض العزيز المراتب
=عزيز تونس وقرظها قرينه الشيخ قدور بن رويلة الجزيرة بقوله:
стр. 248
[الطويل]
بصارم سيف أم فتور غواصب ... فتنتَ أم الدعج الوقاح القواضب
وسمر القنا الرجراج في كف ناجبٍ ... أم السمر راشت من يدي قوس حاجب
وتلك لآل أم ثغور بواسم ... أم البرق لاحت في ظلام الغياهب
وشمس الضحى بالأفق أم هو نظمكم ... طريق لنيل العز حرز المطالب
هي السمحة العذراء حلت بموكب ... تباهي الدراري السبع شهبَ الثَّواقب
وعدتَ لفرسان البلاغة مظهراً ... تقاعد سبقاً عنه شهم النَّجائب
وقامت بميدان التهاني زعامةٌ ... وقد فل فيه كلُّ عضب وقاضبِ
ولما صفا المضمار قال لها العلا ... هنيئاً لك التسليم من كل جانب
لك السعد كفلٌ والبلاغة منطق ... وسحر البيان العذب تحت الذوائب
وبكرُ عزيزِ القوم مهرٌ وحلية ... قلادة حسن الصنع فوق الترائب
فألقت عن الوجه الجميل نقابها ... وشنَّفت الأسماع من كلّ عازب
وقالت حديثاً محكماً ومسلسلاً ... عنِ أنفاسك العليا وتلك المناقب
ومن كانت العلياءُ طوع بنانه ... فقد أنزع الإفضال قبل التخاطب
وقرظها الشيخ عبد الكريم عمر الجزيري بقوله:
وعذراءُ من أفق أرشقت ... عليها من الحلي البديع ملابسُ
تلوح كبدر مستوٍ في صعوده ... تباهي قريض الشعر ثمَّ تنافسُ
كأنَّ سطور الطِّرس من فرط حسنها ... كراسيُّ تخلى من عليها عرائس
كأن مداد الوشي فيها غدائر ... على صفحة الخد الشريق محارس
كان نظيم الدرّ من ثغرها بدا ... ألا فالتقط تلك اللآل النفايسَ
تجرد من جفن المعاني صوارما ... كلحظ عزيز الحسن فتان ناعسِ
ليهنيك يا فخرَ المعالي بتونس ... غدوت بها شهم البلاغة فارسَ
القصيدة الثانية
من إنشاء العالم الماجد المدرس الشيخ أحمد بيرم وهي قوله: [الطويل]
بسعد الفتى تأتي إليه غنائمهْ ... وتبدو لدى كل الأنام مكارمهْ
ومن لم يكن بالسعد في الجد قاتلاً ... نبا عنه عكسا رمحه وصوارمهْ
ومن طلب المجد المؤثل والعلا ... تهون عليه نفسه وكرائمه
تلذ له الأهوال في نيل راحة ... كما يستلذ أطول الليل نائمه
كما يستلذ العذل صب مواصل ... لنكثر من ذكر الحبيب لوائمه
وأمَّا إذا ما بان عنه حبيبه ... فأكره ما يلقى من الناس لائمه
وكيف يطيق العذل صب ببارق ... تنصِّبه الأسقام والبعد جازمه
إذا ما جرى ذكر الأحبة عنده ... جرى فوق خديه من الدمع ساجمه
أبى الدهر للإنسان إبقاء حالة ... يحاربه طوراً وطوراً يسالمه
ومن لاذ بالحبر الهمام محمّد ... غدا سيَّداً للدهر والدهر خادمه
هو العلم المشهور فينا بنفيرٍ ... ومخفر هذا القطر بل هو عالمه
إذا غاص في بحر العلوم مقرراً ... ترى منه بحراً ليس يعبر عائمه
ترى طالبين العلمَ كالطَّالب الحيا ... إذا أجدبوا جادت عليه غمائمه
لقد حاز في العلياء أشرف رتبة ... فمن ذا يجاريه ومن ذا يزاحمهْ
ترى كلَّ من ناواه في نيله العلا ... هوى ساقطاً كالطير قدَّت قوادمه
ومن يدَّعي في المجد ما ليس عنده ... فذلك عندي ساقطُ الرأي عادمه
وقد يتزيّا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
إليك سليلَ المجد والشرف الذي ... بجدك خير الخلق شدت قوائمه
أتيت بشعر قاصر عن مديحكم ... ومن شعره يحوي علاك تراجمه
فأنت عماد الدين بل أنت قطبه ... نعم أنت سعد الدين بل أنت خاتمه
وقرظها قرينه الشيخ العزيز بوعتور بقوله: [الطويل]
إلى منزل العلياء هطلٌ سواجمه ... فمنه منار للهوى ومعالمهْ
مراتب عزٍّ لا تزال منيعة ... بحرس جمال قد أطلت عزائمه
تباكره العلياء من نحو وجهه ... فتضحى بفخر قد توالت غمائمه
جناب أبي العباس من آل بيرم ... يسودُ به حظ وبدر ينادمه
أزال عنِ الأيّام سود كسادها ... وشنفت الأسماع حسناً سواجمه
ترنَّحُ من بين المديح كأنها ... سلافة ثغرِ قد تهادت مباسمه
стр. 249
تشيّد ركناً من معالي كماله ... كما ضعضعَ الأبطال قسراً مكارمه
إذا جدد الأكفاء يوماً جمالها ... فلا السيف بتار ولا العضب خادمه
وهذا يسير في علاك فإنه ... بسعد الفتى تأتي، إليه غنائمه
وقرنها قرينه الشيخ محمد الزلفاني بقوله: [الطويل]
وغانيةٍ أمست لقلب تصادمه ... وتغري بذكراها لتشفى عزائمه
فأيقنتها حقا بأنّ لها العلا ... وأنّ لها قدراً تخلت وصائمه
تجلت فأجلت للنديم عفافها ... فيرنو لها لحظٌ وتلك تصادمه
فأحسنه ما قد أبدعتْ بمحاسن ... ويا حبذا والقلب فيه تمائمه
أتت بكرَ فكر من سلافه قرقف ... تحاكي شذا طيب الكرام يبارمه
وقرظها الشيخ محمد بن الخوجة الجزيري بقوله: [الطويل]
وروض زهت أنواره وكمائمه ... ولاحت لنا أنواره ومعالمه
وهبّ أريجٌ منه كالسمك لا خبا ... أريجه إنّ المسك عطر غمائمه
وما هو إلاّ روض فكر الذي ترى ... بأعتابه كلَّ القوافي تسالمه
فذاك أبو العباس أحمد بيرمٌ ... مشيِّدُ أركان البديع وناظمه
كأنّ انسجام القول منه إذا بدا ... لجينُ مياه هام في النهر ساجمه
كأن لطيف النظم عند وفوده ... هبوبُ الصَّبا سارت لديه تكلمه
كأن لدى الأسماع عذب نظامه ... رنين من الأوتار أبدت معاجمه
ولا عيب إن عدت إليك نقائصٌ ... كفى المرء كهم نبلاً أن تعد مثالمه
فقد قالها قوم لقوم كرائمٍ ... فأنت كهم يكفيك فضلا تلائمه
(وذلك فضل الله يوتيه منْ يشا) ... وفضلك لا يحوي لراعٍ تراجمه
وقرظها الشيخ قدور بن رويلة بقوله: [الطويل]
بنشر لريح النظم تهدي مواسمه ... وتروي ذكي المسك عنه مباسمه
وصافحنا الوسميُّ من قطرِ فكره ... بنظم عقودِ الدرِّ تهمي غمائمه
وأفعم في وادي البلاغة وانطوى ... حساماً صقيلاً يبهر العقل صارمه
فلن يستطيع الخوض منَ فيه مسكة ... ولا يستطيع الغوص من هو عائمه
على أنه نظم من أفكار بيرم ... فلن يبلغ السباق منه طواسمه
فلله ما أعلى طوالع نظمه ... وناغمه إن شئت يسمعك ناعمه
بسعد الفتى تأتي إليه عزائمه ... وتبدو لدى كلِّ الأنام مكارمه
ففي كل ضرب منه آية سحرةٍ ... وكل عروض منه يعرض فاحمه
اذا كان صوغ الفكر منه توائماً ... فمن ذا الذي منه تقيه تمائمه
فإن الذي إن كنت كف معصم ... فبيرم في الصنع البديع خواتمه
وقرظها الشيخ أحمد بن عمر الجزيري بقوله: [الطويل]
لتنبيك عنْ فخر العلاء مباسمه ... عرائس فكر في السماك دعائمه
يضيء الدجى عند انصداع صاحبها ... ومن فرعها يبدو من الليل قاتمه
إذا افترّ عن نظم اللآلي ثغورها ... يلوح من المنثور في النحر ساجمه
إذا نظمت شمس المحيا تبرقعت ... مها الحسن وانسدت حياء معالمه
فما هي إلاّ السحر تعبث بالنُّهى ... وما هي إلا الروض تشدو حمائمه
ولا غرو أن تسقي النفوس حياتها ... فإن أبا العباس للعقد ناظمة
همام بأوج العز مسرى جواده ... وأرض مثار الحمد فيه قوائمه
فلا الفخر إلا في معاشر أهله ... سلالة فضل صاغها من يلائمه
تراه على متن الثريّا قد استوى ... وفي مقعد الأحباب تهمي غمائمه
إذا ما يصوغ المدح أحيا زهيره ... وإن جال في سحر البيان فحاتمه
كأنّ نظام الشعر من لطف صنعه ... عقودٌ من الياقوتِ منها كرائمه
ومن ثم رمت الصفو عما منحته ... لما أنه سعد الزمان وحاتمه
القصيدة الثالثة
من إنشاء الأكتب البارع الماجد أبي محمد حمودة الزلفاني وهي قوله: [الطويل]
غزالٌ سبى الألباب في ثغره شهدُ ... ومن هجره يبدو لعاشقه سهد
لقدْ سهم الأكباد هدبُ لحاظه ... ومن خدِّه حسناً لقد يجتني الورد
وحسنُ ابتسام للبروق أعاره ... ومن نوره شمسلإ لقد زانها وقد
هلالٌ يعم الكون بعض ضيائه ... ويخجل منه البدر إذْ دونه سعد
شربت كؤوساً من مدامة ثغره ... فأمسيت نشواناً ولا عادني نكد
стр. 250
فزادتنيَ الألحاظ حدًّا بنجلها ... ومن يشرب الصهباء يلزمه الحد
تثَّنى كغصن البان رنحه الصبا ... فيا حبذا قد فلا مثله قد
تفرَّدَ حسناً بالمحاسن والبها ... ففي عطفه ند وليس له ند
تزايد شوقي في هواه ولم يكن ... يواعدني قرب لديه ولا بعد
أتاني عذولي هاتفاً بملامة ... فقلت له مهلاً ففي لفظك الحقد
فلما تبدىّ لي وجدت جماله ... يحاكي سنا علمٍ لأستاذنا الفردِ
فلا غيرهُ يرقى المعالي بعلمه ... ولا يدرك الإفضالَ منْ لا لهُ بدُّ
له الطَّلعة الغرَّاء بين قرانه ... يسود الورى علماً ومنه اقتني المجدُ
محرر إتقان العلوم وكاشف ... لكل معاليها ونيل به الرّفد
وراجح عقل يجتلي لغياهب ... كما أبدى لنا من مغمض حدسه رد
رسائل شوقي من تلالؤِ نوره ... ففي برِّه بحر يتيه به الأسد
إمام لأهل العصر ساد علاهم ... فلا من يضاهيه ولو بالغ الجهد
لعمري وما في مدحه السعد إنما ... ببعض معاليه لقد يمدح السَّعد
عليك مريدي بارتشاف علومه ... فمن غدا نهلاً منه لم يقصه البعد
هو النفير الأسنى الزكي محمّدٌ ... سليلُ رسول الله والمصطفى الجد
فلا زلت مولاي على رتبة السُّها ... تسود علواً لا يكون له حدّ
وقرظها قرينه الشيخ محمد العزيز بوعتور بقوله: [الطويل]
هو الّسعد ما ينحلُّ ما عقد السعدُ ... وضربُ العوالي عند أصحابه فردُ
وما الناس في التحقيق إلا سوائمٌ ... وذو العقل منهم في الحساب له العد
ولجت ديار الحي والذئب هاجع ... بفرط سهاد ما له بالكرى عهد
لعلي أرى من نحو رامة لامعاً ... ينمنمه (حمودة) الأوحُ الفرد
فلاقيت وجهاً كالنهار جلالة ... وصدراً هو الدنيا وعضباً هو الجد
كشمس الضحى كالحقف كالقد كالقنا ... كصرف سلاف من لبابٍ هو الرند
وهبني حسبت الصبح وقت ظلامه ... أيخفى ضياء عن عليم له الرشد
وقرظها الشيخ أحمد بيرم بقوله: [الطويل]
عجبت لخود أسفرت ما لها ندُّ ... لدى ريقها عطر وف قربها لَّ
وفي فرقها صبح وفي فرعها دجى ... وفي ثغرها در وفي خدّها وردُ
هي الشمس كلَّ أفكر عن درك حسنها ... ولكنها تشفى بها الأعين الرُّمد
هي الجوهر الأسنى الذي عز مثله ... كما أن منشيها هو العلمُ الفرد
هو الفائق الأترابِ حمُّودةُ الذي ... حوى غاية العليا وما فوقها حدُّ
فلا يبلغُ المعشارِ ناشرُ فضله ... ولو أنه يشدو بما دونه شهد
فلا زال يبدي للغرائب ما شدا ... هزار على الأغصان في روضة يشدو
وما هّيج البلبال للصب والنوى ... (غزال سبا الألباب في ثغره شهد)
وقرظها الشيخ محمد بن الخوجة الجزيري بقوله: [الطويل]
وفت تجتلي مثل الدراري لها وقد ... خرائد فكر في القلوب لها رفد
أضاء الدجى إذْ لاح نور بديعها ... كضوء صباح لاح والليل مسود
وجاء بمعنى باللطافة تنتشي ... كأن كؤوس الراح من لفظها يبدو
لذاك ترى الألباب من ضمن سحرها ... نشاوى لذكراها وليس لهم ضدّ
فريدةُ حسنٍ لا شبيه لحسنها ... بديعة نظم لا يجانسها عقد
إذا ذكرت لا أذنْ تصغى لغيرها ... وإمَّا بدت كانت هي العلمَ الفردَ
فروحي فداها إن تمنَّ بأخذها ... ومن يبذلك الأرواح في حسنها رشد؟
لعمري لقد حازت من الفخر ما لها ... مواطن في العلياءِ ليس لها حدُّ
فأنت جدير بالمديح وبالثنا ... ومن يعنِ الأترابِ حقَّ له الحمد
وقرظها الشيخ قدور بن رويلة الجزيري بقوله: [الطويل]
غزال سبى الألباب في ثغره شهد ... فلا مثله قبلُ ولا مثله بعدُ
لعمري لقد حاز الجمال أصالةً ... ولم يغنني قربٌ لديه ولا بعدُ
إذا ما بدا يهتزُّ قال قوامه ... فأين غصونُ البان والقضب الملد
وأين الرِّماحُ السُّمر والبيض فيكمُ ... وأين القلوب الصابرات لذا تبدو
فإمّا شربنا الحب في حال صبوة ... وخضنا حروباً ما لها في الوغى حدُّ
следующие страницы →