Полный текст (488 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أما رسالته الفقهية في منع النساء من الخروج إلى الحمام وجواز التيمم لهن فقد نسج فيها على منوال غريب من أبدع الأساليب، وحرر فيها من نصوص الأمهات ما بلغ في تحقيق المسألة إلى أبدع الغايات، وقد أنهاها في ذي الحجة سنة ٤٧ سبع وأربعين وقد وقفت على مسودتها بخطه المبارك مفتتحة بقوله أحمد الله حق حمده وأشكره وفاءً بعهده وأصلي وأسلم على رسوله وعبده وعلى آله وأصحابه فرائد عقده إلخ. وكفاها شهادة القاضي إسماعيل بأنه لو كتب في المسألة ما زاد على ما تضمنته هاته الرسالة، ووقفت له أيضاً على رسالة في إثبات البسملة في أول الفاتحة في الصلاة حررها سنة خمس وستين.
ووقفت له على أوائل رسالة حكمية انتصب فيها للحكم بين العلامة الشيخ محمد بن سعيد النجم التونسي والشيخ ابن عمار الشريف في الاختلاف بينهما في العقل هل هو جوهر أم عرض وكثرت بينهما المكاتبات في ذلك ولما وقف على مختار كل حرر في المسالة تحريراً حكمياً في رسالته المذكورة.
أما أختامه التي حررها وبالبدائع حبرها فقد وقفت منها على ختم كتب فيه على حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وقد حرر فيها مباحث من علمي الكلام والبلاغة يعز على سواه تحريرها.
وقد ختم بالتدريس كثيراً من مهمات المعقول والمنقول، تخرج بها عدة من الجهابذة الفحول، وشاع له بذلك صيت عظيم.
ولما ختم منها مختصر السعد البياني، تسابق في حلبة درسه كثير من فرسان البلاغة والمعاني، فأنشدوا بين يديه قصائد مديحهم البليغ، فكانت عدة قصائد في هذا الغرض، نوشح ترجمته بما حضرنا منها.
القصيدة الأولى
من إنشاء الوزير العالم لسان الدولة الشيخ محمد العزيز بوعتور وهي قوله: [الطويل]
طريق لنيل العز حرز المطالبِ ... وغور لأسنى القصد صدر المراتبِ
وشمُّ نفوسٍ للمعالي مآثرٌ ... وحوز خصال من تمام المتاعب
ولو كان إحراز الفضائل هيناً ... لساد بمحض القول من لم يضارب
وشيئان في الأذهان حسم اجتماعها ... طريد اجتهاد واختيار الملاعب
فلا وأبي لا يبلع المجدَ عاجزٌ ... يعلل نفساً بالأماني الكواذب
ولكنَّما ذو العزم من ساد قرنه ... لشأو العلا دون اقتناء الصواحب
وحزمه لا تلوي الحوادث قصدهُ ... فإما لحتف أو لنيل المناصب
وليس مثار الحزم إلاّ عزائم ... تريه كميناً من عزاز المواهب
إذا كانت السَّادات تصبو لرفعة ... فإني ملكت المجد جد الرغائب
وإني لمقدامٌ وغيريَ جازع ... وإني لقوال بأي المواكب
نشرنا على متن السِّماك مراتباً ... تؤم لها الركبان من كل جانب
ويا ربَّ ليلٍ يثبر الصلد حزنه ... أضاء الدياجي من يراع وقاضب
وربّ عويصٍ قد أزلنا لثامه ... له الناس فوضى بين راد وذاهب
لقد كنت قدماً بالأوابد مولعاً ... وأين من العلياء طول الشَّناخب
فخارُ بني الدنيا رحيب الجوانب ... وعز سراة المجد شُّم النجائب
أبو المجد مهطال العلوم محمد ... وهل ينكر الإنسان فضل السحائب
جوادٌ همامٌ باهر العز والسَّنا ... له الشرف الأقصى لهام الكواكب
إمام حباه الله بالفضل حلّةً ... تهب بها الأرياح قبل الركائب
منيف على شأوِ الثريا إذا رنا ... أزال المحمَّى من عويص السباسب
يجل حياءً ثم يعظمٌ هيبةً ... جليل مضاء غير وكل وهائب
إذا افترَّ علماً فالرّقابُ خواضع ... وإن جال فالأذهان رهن الرغائب
مليك سناً يعتاده من معاشرٍ ... تخرُّ لها الأذقان فوق الترائب
عفافٌ كرام للرسول نجارهم ... وهم سادة الإحسان غرّ الأطائب
كأنَّ سناء الشمس من نور وجهه ... صفائح تبر أشرعت بالمغارب
كأن الثريا نظمت من بيانه ... سلاسل درّ أشرقت بالمواكب
كأن مهبّ الشرق من فرط لطفه ... أوان شروق السعد بين الثواقب
تجلّى ويالله كالدوح رافلاً ... مطارفه الحسنى بخضرة شارب
تحاريرُ أقوال وللروض جدولٌ ... سراعاً بمزج الكاس رشف المشارب
لها الدر جسماً واللجين نطاقه ... وزهر الروابي من نصيب السواكب
стр. 247
فلا كلمٌ إلا الدقائق دونها ... ولا لمحة إلا بجزل المآرب
ولا كرمٌ إلا إليك مآبه ... ولا مفخر إلاّ لتلك المناكب
فما زال يبدي كلّ وقت ولحظة ... غرائبَ فكر توِّجتْ بغرائب
براعة فهم حنكتها فصاحة ... تفوقُ لدى الألباب سحر الذوائب
لقد ملأ الأقطار باهرُ ذكركم ... وهل يصدمُ الولهانَ وقعُ القواضب
وأنت إمام ما بقيت وإنما ... سنام لدى العلياء سمح السَّلاهب
وما العلم إلا بعض ما أنت حامل ... ولا الفضل إلا بعض تلك المناقب
لك الشرف السامي وإنك أوحد ... تضيء به الأذهان وقت الغياهب
إليك بني الزهراء تعنو وجوهنا ... فأنتم بني الزهراء فخر المغارب
وحسب المعالي أن تكونوا ملاكها ... فمن منزل العلياء شم الجوانب
ومن كانت العلياء طوع بنانه ... فقد أترع الإفضال قبل التخاطب
وأرسلها منشئها إلى الشيخ علي الرياحي وكتب عليها بقوله:
[الطويل]
كفاني فخاري أن أهمَّ براحةٍ ... جوانبها الدنيا ومالكها علي
وقد كتب عليها الشيخ علي الرياحي قوله: ل [الطويل]
عزيزةُ مثلٍ يشهدُ الذوق أنها ... ألذّ وأحلى من رضاب الكواعب
وقرظها قرينه الشيخ أحمد بيرم بقوله: [الطويل]
أبدر الدجا قد لاح جنحَ الغياهب ... أم الربق يبدو من خلال السحائب
أم الزهر أضحى في الغصون منظما ... كعقدٍ لآلٍ في نحور الكواعب
أم السحر أبدى من بدائع نفثه ... فنونا زرت آياتها بالهوادب
أم الروضةُ الغرَّاءُ بل بكرُ فكرِ منْ ... حوى من مراقي الفضل أسنى المرتب
عزيزةُ حسنٍ للعزيز قد انتمت ... فكانت لعمر الله إحدى العجائبِ
كشمس كبدرٍ كالسَّحاب وكالضحى ... كالصبح كبرق كالسنا كالثواقب
لقد ملأ الأقطارَ باهرُ فضلها ... وسارت بها الركّبان من كل جانبِ
ولا غرو أن كانت كريمة ... أصلها
فإن لمنشيها كريمَ المناقب
لعمري هوَ الفردُ الذي أصبحت به ... تفاخرُ أرضَ الشرق أرضُ المغارب
فحسبيَ أن أدعو بكلِّ العلاَ له ... ونيل الذي يرجو وحسن العواقب
وقرظها قرينه الشيخ حمودة الزلفاني بقوله: [الطويل]
ومخجلة ترقى لكل المراتب ... حوت حسن تبيين بكل غرائب
غدت ولها سرٌّ عجيب وسؤددٌ ... تزيد سناء للنجوم الثواقب
جواهر فكرٍ أشرقت بمحاسنٍ ... تفوق جمالاً عن بهاء الكواعب
فما الفضل إلاَّ ما حوته من السَّنا ... وما قدرها إلا مكان الكواكب
بديعةُ نظمٍ للمعالي لطيفة ... حكت رقة ما يستساغ لشارب
خرائدُ يعزى للبلاغة لفظها ... فيجلو سناها جنحَ ليل الغياهب
أتت من عزيز حسنه وجماله ... ينير وميضٌ منه دجنَ السحائب
فقد صار طوداً يهطل العلم ثغره ... وقد صار بحراً من بحور الغرائب
كأن علوماً أتحفت بذكائه ... فصار لها حداً كبيض القواضب
يبيد ظلامَ الجهل إذْ صار دونه ... فأرداه مهزوماً بحدّ المضارب
وحتى شموس الأفق نالت به سنا ... وسادت به الأتراب سمر الذوائب
كأن لواءَ الحمدِ نال مقامه ... وأن ثناء المجد فيه بساحب
ألا بأبي فرداً جميلاً ممجداً ... يسود على الأتراب مجلي الغياهب
وقرظها الشيخ محمد بن الخوجة الجزيري مطرزاً بعزيز تونس فقال: [الطويل]
(ع) عقودُ لآلٍ في نحور الكواعب ... أم السَّعدُ يبدو بين زهر الكواكبِ
(ز) زلال ثغور يزدري بمدامة ... وسحر لفكر يزدري بالثّواقب
(ي) يعير عيونَ الظبي سحرُ بيانه ... ويهزأ حقّاً بالعوالي القواضب
(لإ) زعيم بنظم القوافي لذا غدتْ ... قوافيه ركناً أمَّهُ كلُّ طالب
(ت) تراها وفحواها وحسن نظامها ... كؤوسَ رحيق أسكرتْ كلَّ شارب
(و) ولا عيب فيها غير أن نظامها ... ليعجز عن مثل كلَّ كاتب
(ن) نظمتُ طرازاً في رياضٍ بديعة ... وما قمتُ بالمندوب أحرى بواجب
(س) سأنفق طول العمر ما في خزائني ... من المدح للأرض العزيز المراتب
=عزيز تونس وقرظها قرينه الشيخ قدور بن رويلة الجزيرة بقوله:
стр. 248
[الطويل]
بصارم سيف أم فتور غواصب ... فتنتَ أم الدعج الوقاح القواضب
وسمر القنا الرجراج في كف ناجبٍ ... أم السمر راشت من يدي قوس حاجب
وتلك لآل أم ثغور بواسم ... أم البرق لاحت في ظلام الغياهب
وشمس الضحى بالأفق أم هو نظمكم ... طريق لنيل العز حرز المطالب
هي السمحة العذراء حلت بموكب ... تباهي الدراري السبع شهبَ الثَّواقب
وعدتَ لفرسان البلاغة مظهراً ... تقاعد سبقاً عنه شهم النَّجائب
وقامت بميدان التهاني زعامةٌ ... وقد فل فيه كلُّ عضب وقاضبِ
ولما صفا المضمار قال لها العلا ... هنيئاً لك التسليم من كل جانب
لك السعد كفلٌ والبلاغة منطق ... وسحر البيان العذب تحت الذوائب
وبكرُ عزيزِ القوم مهرٌ وحلية ... قلادة حسن الصنع فوق الترائب
فألقت عن الوجه الجميل نقابها ... وشنَّفت الأسماع من كلّ عازب
وقالت حديثاً محكماً ومسلسلاً ... عنِ أنفاسك العليا وتلك المناقب
ومن كانت العلياءُ طوع بنانه ... فقد أنزع الإفضال قبل التخاطب
وقرظها الشيخ عبد الكريم عمر الجزيري بقوله:
وعذراءُ من أفق أرشقت ... عليها من الحلي البديع ملابسُ
تلوح كبدر مستوٍ في صعوده ... تباهي قريض الشعر ثمَّ تنافسُ
كأنَّ سطور الطِّرس من فرط حسنها ... كراسيُّ تخلى من عليها عرائس
كأن مداد الوشي فيها غدائر ... على صفحة الخد الشريق محارس
كان نظيم الدرّ من ثغرها بدا ... ألا فالتقط تلك اللآل النفايسَ
تجرد من جفن المعاني صوارما ... كلحظ عزيز الحسن فتان ناعسِ
ليهنيك يا فخرَ المعالي بتونس ... غدوت بها شهم البلاغة فارسَ
القصيدة الثانية
من إنشاء العالم الماجد المدرس الشيخ أحمد بيرم وهي قوله: [الطويل]
بسعد الفتى تأتي إليه غنائمهْ ... وتبدو لدى كل الأنام مكارمهْ
ومن لم يكن بالسعد في الجد قاتلاً ... نبا عنه عكسا رمحه وصوارمهْ
ومن طلب المجد المؤثل والعلا ... تهون عليه نفسه وكرائمه
تلذ له الأهوال في نيل راحة ... كما يستلذ أطول الليل نائمه
كما يستلذ العذل صب مواصل ... لنكثر من ذكر الحبيب لوائمه
وأمَّا إذا ما بان عنه حبيبه ... فأكره ما يلقى من الناس لائمه
وكيف يطيق العذل صب ببارق ... تنصِّبه الأسقام والبعد جازمه
إذا ما جرى ذكر الأحبة عنده ... جرى فوق خديه من الدمع ساجمه
أبى الدهر للإنسان إبقاء حالة ... يحاربه طوراً وطوراً يسالمه
ومن لاذ بالحبر الهمام محمّد ... غدا سيَّداً للدهر والدهر خادمه
هو العلم المشهور فينا بنفيرٍ ... ومخفر هذا القطر بل هو عالمه
إذا غاص في بحر العلوم مقرراً ... ترى منه بحراً ليس يعبر عائمه
ترى طالبين العلمَ كالطَّالب الحيا ... إذا أجدبوا جادت عليه غمائمه
لقد حاز في العلياء أشرف رتبة ... فمن ذا يجاريه ومن ذا يزاحمهْ
ترى كلَّ من ناواه في نيله العلا ... هوى ساقطاً كالطير قدَّت قوادمه
ومن يدَّعي في المجد ما ليس عنده ... فذلك عندي ساقطُ الرأي عادمه
وقد يتزيّا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
إليك سليلَ المجد والشرف الذي ... بجدك خير الخلق شدت قوائمه
أتيت بشعر قاصر عن مديحكم ... ومن شعره يحوي علاك تراجمه
فأنت عماد الدين بل أنت قطبه ... نعم أنت سعد الدين بل أنت خاتمه
وقرظها قرينه الشيخ العزيز بوعتور بقوله: [الطويل]
إلى منزل العلياء هطلٌ سواجمه ... فمنه منار للهوى ومعالمهْ
مراتب عزٍّ لا تزال منيعة ... بحرس جمال قد أطلت عزائمه
تباكره العلياء من نحو وجهه ... فتضحى بفخر قد توالت غمائمه
جناب أبي العباس من آل بيرم ... يسودُ به حظ وبدر ينادمه
أزال عنِ الأيّام سود كسادها ... وشنفت الأسماع حسناً سواجمه
ترنَّحُ من بين المديح كأنها ... سلافة ثغرِ قد تهادت مباسمه
стр. 249
تشيّد ركناً من معالي كماله ... كما ضعضعَ الأبطال قسراً مكارمه
إذا جدد الأكفاء يوماً جمالها ... فلا السيف بتار ولا العضب خادمه
وهذا يسير في علاك فإنه ... بسعد الفتى تأتي، إليه غنائمه
وقرنها قرينه الشيخ محمد الزلفاني بقوله: [الطويل]
وغانيةٍ أمست لقلب تصادمه ... وتغري بذكراها لتشفى عزائمه
فأيقنتها حقا بأنّ لها العلا ... وأنّ لها قدراً تخلت وصائمه
تجلت فأجلت للنديم عفافها ... فيرنو لها لحظٌ وتلك تصادمه
فأحسنه ما قد أبدعتْ بمحاسن ... ويا حبذا والقلب فيه تمائمه
أتت بكرَ فكر من سلافه قرقف ... تحاكي شذا طيب الكرام يبارمه
وقرظها الشيخ محمد بن الخوجة الجزيري بقوله: [الطويل]
وروض زهت أنواره وكمائمه ... ولاحت لنا أنواره ومعالمه
وهبّ أريجٌ منه كالسمك لا خبا ... أريجه إنّ المسك عطر غمائمه
وما هو إلاّ روض فكر الذي ترى ... بأعتابه كلَّ القوافي تسالمه
فذاك أبو العباس أحمد بيرمٌ ... مشيِّدُ أركان البديع وناظمه
كأنّ انسجام القول منه إذا بدا ... لجينُ مياه هام في النهر ساجمه
كأن لطيف النظم عند وفوده ... هبوبُ الصَّبا سارت لديه تكلمه
كأن لدى الأسماع عذب نظامه ... رنين من الأوتار أبدت معاجمه
ولا عيب إن عدت إليك نقائصٌ ... كفى المرء كهم نبلاً أن تعد مثالمه
فقد قالها قوم لقوم كرائمٍ ... فأنت كهم يكفيك فضلا تلائمه
(وذلك فضل الله يوتيه منْ يشا) ... وفضلك لا يحوي لراعٍ تراجمه
وقرظها الشيخ قدور بن رويلة بقوله: [الطويل]
بنشر لريح النظم تهدي مواسمه ... وتروي ذكي المسك عنه مباسمه
وصافحنا الوسميُّ من قطرِ فكره ... بنظم عقودِ الدرِّ تهمي غمائمه
وأفعم في وادي البلاغة وانطوى ... حساماً صقيلاً يبهر العقل صارمه
فلن يستطيع الخوض منَ فيه مسكة ... ولا يستطيع الغوص من هو عائمه
على أنه نظم من أفكار بيرم ... فلن يبلغ السباق منه طواسمه
فلله ما أعلى طوالع نظمه ... وناغمه إن شئت يسمعك ناعمه
بسعد الفتى تأتي إليه عزائمه ... وتبدو لدى كلِّ الأنام مكارمه
ففي كل ضرب منه آية سحرةٍ ... وكل عروض منه يعرض فاحمه
اذا كان صوغ الفكر منه توائماً ... فمن ذا الذي منه تقيه تمائمه
فإن الذي إن كنت كف معصم ... فبيرم في الصنع البديع خواتمه
وقرظها الشيخ أحمد بن عمر الجزيري بقوله: [الطويل]
لتنبيك عنْ فخر العلاء مباسمه ... عرائس فكر في السماك دعائمه
يضيء الدجى عند انصداع صاحبها ... ومن فرعها يبدو من الليل قاتمه
إذا افترّ عن نظم اللآلي ثغورها ... يلوح من المنثور في النحر ساجمه
إذا نظمت شمس المحيا تبرقعت ... مها الحسن وانسدت حياء معالمه
فما هي إلاّ السحر تعبث بالنُّهى ... وما هي إلا الروض تشدو حمائمه
ولا غرو أن تسقي النفوس حياتها ... فإن أبا العباس للعقد ناظمة
همام بأوج العز مسرى جواده ... وأرض مثار الحمد فيه قوائمه
فلا الفخر إلا في معاشر أهله ... سلالة فضل صاغها من يلائمه
تراه على متن الثريّا قد استوى ... وفي مقعد الأحباب تهمي غمائمه
إذا ما يصوغ المدح أحيا زهيره ... وإن جال في سحر البيان فحاتمه
كأنّ نظام الشعر من لطف صنعه ... عقودٌ من الياقوتِ منها كرائمه
ومن ثم رمت الصفو عما منحته ... لما أنه سعد الزمان وحاتمه
القصيدة الثالثة
من إنشاء الأكتب البارع الماجد أبي محمد حمودة الزلفاني وهي قوله: [الطويل]
غزالٌ سبى الألباب في ثغره شهدُ ... ومن هجره يبدو لعاشقه سهد
لقدْ سهم الأكباد هدبُ لحاظه ... ومن خدِّه حسناً لقد يجتني الورد
وحسنُ ابتسام للبروق أعاره ... ومن نوره شمسلإ لقد زانها وقد
هلالٌ يعم الكون بعض ضيائه ... ويخجل منه البدر إذْ دونه سعد
شربت كؤوساً من مدامة ثغره ... فأمسيت نشواناً ولا عادني نكد
стр. 250
فزادتنيَ الألحاظ حدًّا بنجلها ... ومن يشرب الصهباء يلزمه الحد
تثَّنى كغصن البان رنحه الصبا ... فيا حبذا قد فلا مثله قد
تفرَّدَ حسناً بالمحاسن والبها ... ففي عطفه ند وليس له ند
تزايد شوقي في هواه ولم يكن ... يواعدني قرب لديه ولا بعد
أتاني عذولي هاتفاً بملامة ... فقلت له مهلاً ففي لفظك الحقد
فلما تبدىّ لي وجدت جماله ... يحاكي سنا علمٍ لأستاذنا الفردِ
فلا غيرهُ يرقى المعالي بعلمه ... ولا يدرك الإفضالَ منْ لا لهُ بدُّ
له الطَّلعة الغرَّاء بين قرانه ... يسود الورى علماً ومنه اقتني المجدُ
محرر إتقان العلوم وكاشف ... لكل معاليها ونيل به الرّفد
وراجح عقل يجتلي لغياهب ... كما أبدى لنا من مغمض حدسه رد
رسائل شوقي من تلالؤِ نوره ... ففي برِّه بحر يتيه به الأسد
إمام لأهل العصر ساد علاهم ... فلا من يضاهيه ولو بالغ الجهد
لعمري وما في مدحه السعد إنما ... ببعض معاليه لقد يمدح السَّعد
عليك مريدي بارتشاف علومه ... فمن غدا نهلاً منه لم يقصه البعد
هو النفير الأسنى الزكي محمّدٌ ... سليلُ رسول الله والمصطفى الجد
فلا زلت مولاي على رتبة السُّها ... تسود علواً لا يكون له حدّ
وقرظها قرينه الشيخ محمد العزيز بوعتور بقوله: [الطويل]
هو الّسعد ما ينحلُّ ما عقد السعدُ ... وضربُ العوالي عند أصحابه فردُ
وما الناس في التحقيق إلا سوائمٌ ... وذو العقل منهم في الحساب له العد
ولجت ديار الحي والذئب هاجع ... بفرط سهاد ما له بالكرى عهد
لعلي أرى من نحو رامة لامعاً ... ينمنمه (حمودة) الأوحُ الفرد
فلاقيت وجهاً كالنهار جلالة ... وصدراً هو الدنيا وعضباً هو الجد
كشمس الضحى كالحقف كالقد كالقنا ... كصرف سلاف من لبابٍ هو الرند
وهبني حسبت الصبح وقت ظلامه ... أيخفى ضياء عن عليم له الرشد
وقرظها الشيخ أحمد بيرم بقوله: [الطويل]
عجبت لخود أسفرت ما لها ندُّ ... لدى ريقها عطر وف قربها لَّ
وفي فرقها صبح وفي فرعها دجى ... وفي ثغرها در وفي خدّها وردُ
هي الشمس كلَّ أفكر عن درك حسنها ... ولكنها تشفى بها الأعين الرُّمد
هي الجوهر الأسنى الذي عز مثله ... كما أن منشيها هو العلمُ الفرد
هو الفائق الأترابِ حمُّودةُ الذي ... حوى غاية العليا وما فوقها حدُّ
فلا يبلغُ المعشارِ ناشرُ فضله ... ولو أنه يشدو بما دونه شهد
فلا زال يبدي للغرائب ما شدا ... هزار على الأغصان في روضة يشدو
وما هّيج البلبال للصب والنوى ... (غزال سبا الألباب في ثغره شهد)
وقرظها الشيخ محمد بن الخوجة الجزيري بقوله: [الطويل]
وفت تجتلي مثل الدراري لها وقد ... خرائد فكر في القلوب لها رفد
أضاء الدجى إذْ لاح نور بديعها ... كضوء صباح لاح والليل مسود
وجاء بمعنى باللطافة تنتشي ... كأن كؤوس الراح من لفظها يبدو
لذاك ترى الألباب من ضمن سحرها ... نشاوى لذكراها وليس لهم ضدّ
فريدةُ حسنٍ لا شبيه لحسنها ... بديعة نظم لا يجانسها عقد
إذا ذكرت لا أذنْ تصغى لغيرها ... وإمَّا بدت كانت هي العلمَ الفردَ
فروحي فداها إن تمنَّ بأخذها ... ومن يبذلك الأرواح في حسنها رشد؟
لعمري لقد حازت من الفخر ما لها ... مواطن في العلياءِ ليس لها حدُّ
فأنت جدير بالمديح وبالثنا ... ومن يعنِ الأترابِ حقَّ له الحمد
وقرظها الشيخ قدور بن رويلة الجزيري بقوله: [الطويل]
غزال سبى الألباب في ثغره شهد ... فلا مثله قبلُ ولا مثله بعدُ
لعمري لقد حاز الجمال أصالةً ... ولم يغنني قربٌ لديه ولا بعدُ
إذا ما بدا يهتزُّ قال قوامه ... فأين غصونُ البان والقضب الملد
وأين الرِّماحُ السُّمر والبيض فيكمُ ... وأين القلوب الصابرات لذا تبدو
فإمّا شربنا الحب في حال صبوة ... وخضنا حروباً ما لها في الوغى حدُّ
стр. 251
ولجنا الفيافي فرفد بعدَ فرفد ... وجلنا اللَّيالي المقمرات فتسودُّ
وما راعنا فتك الصوارم مثلما ... لقيناه من حمُّودة الأورعِ الفهدِ
حنانيك يا فردَ المعالي بتونسٍ ... ترفَّقْ بحرٍّ لا يزال لكمْ عبدُ
وقرظها الشيخ عبد الكريم بن الأمين الجزيري بقوله:
[الطويل]
قلائد درٍّ قد تبدت لناظري ... تحار الأفكار والعلم والسعد
فما له في فن البلاغة مشبهٌ ... يحاكي وفي حسن الرشاقةِ لا ندُّ
تكاد قوافي الشعر تخفى بحسنها ... وحقَّ لها أن تختفي بل ولا تبدو
لذاك صبونا من جلاها وكيف لا ... وحمُّودة الأسني يشيب فيشتد
غزال سبي الألباب في ثغره شهْد ... ومن ثغره يبدو لعاشق سهد
وقرظها الشيخ قدور بن رويلة الجزيري بقوله: [الطويل]
ورب غوان قد برزن ولا وعدُ ... معطلة الأجياد ما إن لها ندُّ
خرجن كأنَّ الريم يمرح عشوة ... يميس ذللالاً لا نفارٌ ولا صدُ
وجوهٌ كأنَّ البدرَ شكلٌ ودارةٌ ... وقد ولا الأغصان تشبهها الملْدُ
فضحن ظباء الحي جفناً وحاجباً ... وخصراً وردفاً في الرشاقة لا حدّ
كما فضحت تلك القصيدةُ بغتةً ... عزيزَ قوافي الشعر ردّاً وما ردُّ
وكيف وقد جاءت من أفكار ماهر ... وقد رشفت من ثغرة مرشفاً شهدُ
وعلَّلها سحرَ البيان تخلُّصاً ... وجوَّدها حمُّودة المرتضى الفردُ
عليه سلام ما ترنَّم منشدٌ ... بسحر غوان قد برزن ولا وعدُ
وللشيخ العزيز بوعتور مقرظاً للتقريظ أعلاه بقوله: [الطويل]
أما ودراري من علاك لها المجد ... لقد زين الدنيا بتاج هو الحدُّ
أتيتَ بنجم من سماء جمانه ... بماء اللحاظ النُّجل جلَّله الوقد
وقائلةٍ مالي أراك مولهاً ... وقد كنت ثبتاً لا ينهنه الرعدُ
أشرقك طيف أم سماعك لاحناً ... بسحر (غوان قد برزن ولا وعدُ)
فقلت لها إيهٍ ومثلي منصتٌ ... لهطلِ سحاب يستقل به الرشدُ
وقول كرامٍ لا يزال وليدهم ... يؤمِّمُ مجداً ثم يتبعهُ السعدُ
وإني لمشتاق لقوم فواضلٍ ... وجوههم الدنيا وقولهم الحدُّ
وللشيخ حمودة الزلفاني مقرظاً للتقريظ بقوله: [مجزوء الرمل]
أعذبتْ حسن المراشفْ ... منْ حماكمْ تترقرقْ
أشرقتْ شمسُ المعارفْ ... من سناكمْ تتألَّقْ
ومعانْ فيه تبدو ... كبحارٍ تتدفَّقْ
حازتِ العلياءَ فضلاً ... قدْ رقت والبرق يخفق
هكذا شأنٌ رفيعٌ ... صولهٌ فيها تشرقْ
أبدع يا ليت شعرري ... هل إليها من تشفَّقْ
ازدرت بالورد أمسي ... في رياض يتفتَّقْ
يا لها بكر تضاهي ... خدَّ خود تتعشَّقْ
أخذتْ فكريَ وعقلي ... بانثناء وترفُّقْ
أضرمتْ ناراً بقلبي ... وفؤادي يتمزَّقْ
قد سقتني من لماها ... خمرةً والمسكُ يعبقْ
لم يزل منّي شوق ... من هواها يتعلَّقْ
وكان صاحب الترجمة علامة محققاً، له صيانة وديانة يضرب بهما المثل، تقياً نقي العرض صافي السريرة حيياً محبباً إلى الناس كريم النفس لطيف الخطاب، يقصده أهل الحرمين الشريفين كثيراً ولا يرد واحداً منهم خالياً وربما تكرم عليهم بأمتعته إن لم يجد ما يواسيهم به.
حج بيت الله الحرام ثلاثاً وتوفي في ثالثها بعد الزيارة بالمدينة المنورة، وقد ظهرت عليه مكاشفات قبل موته حقق بها لولده أنه غير راجع إلى تونس، ثم أتى عليه إسهال إلأى ان توفي ودفن بالبقيع فكانت وفاته في المحرم سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين.
٣٩ الشيخ محمد القبايلي
هو الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يحيى البجائي المزي الشريف، وقفت على وثيقة أقيمت ببجاية تشهد بشرف جده محمد مؤرخة بأوائل صفر الخير سنة ١١٦٠ ستين ومائة وألف وجده المذكور هو القادم من القبائل لتونس.
وكان والد صاحب الترجمة تاجراً خيراً حافظاً للقرآن العظيم عليه سيماء الصالحين.
стр. 252
ونشأ ولده في خدمة العلم الشريف وقرأ على علماء كثيرين، قرأ على الشيخ أبي محمد حسن الشريف، والشيخ أحممد بوخريص، والشيخ الطاهر بن مسعود، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن ملوكة وغيرهم من علماء ذلك العصر.
وجلس للتدريس فأفاد، وتقدم مدرساً بجامع الزيتونة في الطبقة الأولى عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف فزان الجامع بدروسه الرائقة غير أنه مع ذلك استغل بالمتجر واتسع فيه نطاقه وذلك هو الذي منعه من كثرة الإقراء مع كونه عالماً جليلاً.
تقدم لحظة قضاء باردو المعمور في الحادي عشر من صفر الخير سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف فأحسن القيام بها وحُمد مسعاه فيها ثم قدمه المشير أحمد باشا باي لحظة الفتيا فولي مفتياً خامساً في الخامس والعشرين من رجب سنة ١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف، وأفاد الطالبين والمستفتين ولما توفي الشيخ الخضّار صار مفتياً رابعاً.
أما شعره فهو عزيز ومن أحسنه القصيدة الغراء التي مدح بها المشير الأول أحمد باشا باي وجمع فيها مفاخر دولته وشكر بها صنعه في نشر العلم بجامع الزيتونة وهي قوله: [الطويل]
خليلي ما تلك القباب التي تجلو ... فقد لاح منها ما به يذهل العقلُ
تراءتْ على بعد فعاودني الصبا ... وهيّج لي التذكار ما كان لي يحلو
تهادي سروراً والهمومَ تذودها ... كما تفعل الصهباء لوْ فاتها الخبلُ
وتمنه من وافاه رونق حسنها ... من أن يلتوي عنها ولو شأنها المحلُ
بعيد عن الآفات من حام حولها ... فلا ضيم يخشاه ولا ظالم نذلُ
إذا ما علته الطير ظلت سواكناً ... كأن جناح الطير أوثقه الكبلُ
تظلُّ حيارى من غرائب صنعها ... وإن تركت أفراخها ما لها أكلُ
متى أمَّها الرامي وأوتر قوسه ... وحقق فيها الرمي طاش له النبلُ
كذلك جار الأكرمين ممنّع ... مصون عن الأعداء ما نيله سهلُ
ومن بينها حسن ترآى لناظري ... مشسّدة أركانه شادةُ العدلُ
فيممته حين وقفت تجاهه ... وأيقنت أن الحصن ليس له مثلُ
فناجتن نفسي أنتي الآن واقف ... أمام الذي يمناه بالجود تنهلُ
مشير أبي العباس من طار صيته ... فعمَّ البرايا والكرامُ له تتلو
إمامٌ همامٌ سيّد خضعت له ... رقاب الألى ما كن يخضعن من قبلُ؟
فتوَّجهمْ تاجَ الرضى وأنالهم ... مقامات عزِّ شامخاتٍ بهم تعلو
ولو أعرضوا أو خالفوا لأذاقهم ... كؤوس المنايا صاغرين وإن جلوا
فمجده مرٌّ علقميّ مذاقه ... مهاب إذا قابلتهُ العقل يختل؟
فحاذر إذا جئته حين جده ... وبادر إليه ريثما يُشتهى الهزلُ
خبير بأعقاب الأمور وسرُّه ... مصون صدور لا يحلُّ لها قفلُ
وكم له منْ فخرٍ وفضل وسؤدد ... وفعل جميل لا يحيط به القول
فأحيا رسوم العلم بعد اندراسه ... ودحض أهاليه وقد سامه الخذلُ
فعمّر سوق العلم واغتصَّ جمعه ... وسارت له الركبان والتأم الشملُ
وجاء لنيل العلم من كل جاني ... وأقصى مكانٍ لا عياء ولا هزلُ
وكانت نفوسٌ جامحاتٍ فأصبحت ... له جانحات والمرارة قد تحلو
وبادر للتعليم ناء وحاضر ... غني وذو فقر صحيح ومعتلُ
وشوقهم للعلم رغباً وساقهم ... عطاءٌ جزيلٌ وافرٌ صوبه وبلُ
ونوَّر بيت الله بالعلم إذ حوت ... مصابيح علم تستضاءُ بها السُّبلُ
وأتحفه من نيله بعرائسٍ ... متوجةً ففي ضمنها الصعب والسهلُ
وفيها فنون يفتر العقل دونها ... يحاولها من وصفه الدذق والنبلُ
وأغراهم شوقاً وأوقد عزمهم ... وأورثهم خيراً مرتبة الجزلُ
فأكرمْ بها من نعمة ذخرتْ له ... أشيدت لها الرايات وانتشر الفضلُ
وأحيا لدين الله أفضل موسم ... بمولد خير الخلق حق له الفضلُ
بنشر علامات السرور وبسطه ... موائد إكرام تناوله سهلُ
وفُتحتْ الأبواب وانتشر الضيا ... ونوِّرت الأسواق واحتفل الأهلُ
وجيء لبيت الله من كل جانب ... وظلت جموع الخلق كل له شفلُ
فقومٌ بذكر الله تاهت قلوبهم ... وقومٌ كتاب الله ألسنهم تتلو
стр. 253
وكان إلى الإصباح ذلك دأبهمْ ... فمنك إلى الخيرات لاحت لهم سبلُ
ورنت مهولات الحروب كأنها ... تشير لدين الله حزب بهم يعلو
فيا له من يوم جليل بفضل ... تباشرت الأطيارُ والحوتُ لها نقلُ
فأكرم به من موكب جلَّ صدرهُ ... أميرٌ بحب المصطفى قلبه مملو
هنيئاً كنوز الخير فزتَ بفتحهما ... وذلك فضل الله ليس لنا حولُ
وجنَّد جنداً عز عن نيل مثله ... صناديد آساد وغبَّاهم الأسلُ
إذا حاربوا صفاً لصف كأنهم ... صفوفُ صلاةٍ أمَّهم فاضل عدل
تصرفهم فعلُ الجميل كواحد ... وفاق رئيس الجند لا بعد لا قبلُ
ويمشون في الهجياء مشي تأودٍ ... فلا رعب يغشاهم ولا سامهم ذلُّ
فيمشون مشياً كالشيوخ وفعلهم ... فعالُ شبابٍ طافحٍ أو فتى طفلُ
فيرمون رمياً مسرعاً فكأنهم ... يعاونهم في السير أضعافهم عجلُ
ولا يعرفون الصَّدَّ إمّا غنيمة ... يسوقونها قسراً وأن يبتلي الكلُ
إذا قابلت ألفٌ ألوفاً كثيرة ... فما كثرة تغني وما ضرَّهم قلُّ
فمن حاربوه فرَّ قبل قتالهم ... وكيف أطقت حربهمْ وهمُ بسلُ
إذا ما غزوا الطير تعلو سيوفهم ... لما عوَّدوها من فرائس ما قلوا
لهم نغمات مطربات كأنها ... تبشرهم بالنصر أيّان ما حلوا
جوائزهم ربح ولا عيب فيهم ... سوى أن بذل الوفر في جميعهم بخلُ
فأكرمْ بهم من عسكر جمعت لهم ... خصال فخامٌ والمشاهدة العدلُ
وحين رماني الشوقُ في بحر مدحه ... ولستُ أجيد السبح بي صدي القوولُ
ولولاهُ ما فات اليراعُ أناملي ... وجود أبي العباس صوبه منهلُ
ومن شاطئ الوادي عزفت مدائحي ... وما خضت في بحر وما كدت أبتلُ
وإني لأرجو أن تزول نوائبي ... أخوض بها بحراً به المدح ينحلُ
مديحك يا فخرَ الملوك غنيمةٌ ... تعز به نفسي وإن رخصت تعلو
شمائلك العطمى أراحت سجيتي ... أجرُّ يراعي والمحاسن لي تملو
فدعني وتعداد المديح فإنني ... أروّق نفسي والهموم به تسلو
فأيُّ ثناء أبتغيه أرومه ... وأنت كريم من كرام له أهلُ
فدونكما عذراء يخجلها الحيا ... أبية نفسْ أن يكافا بها فعلُ
وأقصى مناها أن تحوز قنوعة ... بلثم تراب منْ وطا مسه النعلُ
وأن تشتريها بالرضى منك إنما ... رضاؤك لا كسبي لمن وصفه القلُّ
تصول فصدق المدح نبهاً بصدقها ... يضاجعها سيف البواتر والنعلُ
تقول أنخت الرحل قرب مملَّك ... كريم أصيل ماجد بذله البذلُ
متى سامني دهر بهول أصابني ... وأدنى التفات منك ينكشف الهولُ
وكم من فتى قبلي تصاعب دهره ... فغاد له سهل وفارقه المحلُ
فدم في سماء المجد ما دام فرقد ... يلوح به والبدر والشمس والحملُ
مهنا معافى سائلاً ما تريده ... عليك سحاب الخير لا زال ينهلُ
وكان فقيهاً مشاركاً متفلسفاً، له معرفة بالرياضيات، حييا يقطر وجهه حياء من كل أحد، صبوراً خيّراً، كريم الأخلاق حسن المحاضرة أديباً لطيف الشعر يوده المشير حتى أنه لما مرض أرسل إليه أطباء حضرته وكان مرضه في يده فرأى الأطباء لزوم قطعها خشية سريان الداء فصبر على قطعها من دون مخدّر وبم يشتكِ من ذلك ومع ذلك أدرك الحمام فتوفي في ذي القعدة الحرام سنة ١٢٧١ إحدى وسبعين ومائتين وألف ودفن خارج باب الفلة عليه رحمة الله آمين.
٤٠ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
стр. 254
هو الشيخ أبو الصفاء الطاهر بن محمد بن الشاذلي بن محمد بن الشاذلي بن عبد القادر بن محمد بن عاشور بن إدريس الشريف الأندلسي السلاوي. خرج جده عاشور من جزيرة الأندلس في حدود الثلاثين والألف، ودخل مدينة سلا من المغرب، وبها زيد ولده محمد، ونشأ بها في سلوك طريق أهل الله، وأخذ الأسرار هنالك عن الشيخ محمد القجيري ثم خرج لحج بيت الله الحرام لوما أتم حجه آب إلى محاضرة تونس مع عمه الشيخ سيدي داود دفين المرسى. وكان الشيخ داود بن إدريس السلاوي من أهل الجذب المشتهري الصلاح، وكان الشيخ محمد بن عاشور من العارفين بالله يقرئ علوم أهل الحقيقة ملازماً للدرس والجماعة وقد لازمه فحول منهم الشيخ سعيد الشريف وأشار له بوفاة ولده في حياته فكان الأمر كذلك، ومنهم الشيخ محمد بن شعبان ومنه استمد الشيخ علي الغماد والشيخ مصطفى البايلي والشيخ محمد الملاح، وقد ظهرت الولاية على ثلاثتهم وقد احترف بصناعة الشاشية وساعده فيها القدر مع كون كراماته كفلق الصبح دخل بقصد الصلاة بجامع القصبة ولما شرع في صلاة النفل دخل إمام الجامع وخطيبه الشيخ محمد البيك وأخذ يصلس في ركن من الجامع فاستعجل الشيخ صلاته ونادى الإمام بتخفيف الصلاة فلما سلم استدناه من مجلسه وعند ذلك سقط الركن الذي كان يصلي فيه الإمام فحمد الله على ذلك وكان يعمل مع أهله فينخل الدقيق ويغسل الثياب وأتاه إلى بيته الداي علي رايس زائراً ومعه رجال دولته فأغلق في وجهه الباب وامتنع من ملاقاته وكانت مدة إقامته بتونس نحو الخمسين سنة وتوفي بين العشاءين من ليلة الأربعاء غرة جمادى الأولى سنة ١١١٠ عشر ومائة وألف ودفن بزاوية شيخه سيدي علي الزواوي عند باب سيدي عبد الله خارج باب المنارة من تونس بعد أن كان ملازماً لإقامة الأوراد الشاذلية بالزاوية المذكورةز وورثه في فضله ولداه إدريس وعبد القادر، فأما إدريس فإن والدته هي ابنة الشيخ داود بن غدريس وأما عبد القادر فإنه من زوجة أخرى وقد كان ازدياده بإشارة القطب الشيخ الجيلي وأشار على والده بتسميته على اسمه، فكان من الصالحين وقد لازم إقامة الميعاد الشاذلي بزاوية الشيخ سيدي علي الزواوي ﵁ مثل والده إلى أن توفي وقد استوفى الموؤخ حسين خوجة ترجمته وترجمة والده أكمل استيفاء كما ترجم لهم الشيخ محمد الوزير السراج ﵃ أجمعين.
وعلى كل حال فقد نشأ أبناؤه من بعده في خدمة العلم والتحلي بالمكارم إلى أن وصلوا إلى والد صاحب الترجمة فأنجب في رياض العلم ولدين وهما صاحب الترجمة وأخوه. أما أخوه محمد ويدعى حمدة فكان عالماً عاملاً من النحو، وقرأ على الشيخ محمد معاوية المطول وغيره، وقرأ على الشيخ محمد السنوسي الخرشي، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة مختصر السعد، وقرأ الحساب والفرائض على الشيخ محمد بن ملوكة، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي. حتى تضلع من المعقول والمنقول، والفروع والأصول، وصار يشار إليه في التحرير والتدقيق وتقدم للتدريس في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي بجامع الزيتونة أواخر شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف وزان الجامع بدروسه ولما توفي الشيخ فرج التميمي بالمحلة أرسل إليه المشير الأول أحمد باشا باي يراوده على خطة المحلة فتعلل بضعف بدنه، ولما أعيد الطلب قال إنه إن ألزم الخطة المذكورة خرج فاراً فلم يكلفه المشير ذلك. ولازم التدريس وكتب حواشي على مقدمات شرح المحلي على جمع الجوامع حرر فيها مباحث أصولية مهمة وتوفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من صفر الخير سنة ١٢٦٥.
وأما صاحب الترجمة فقد نشأ في رياض الترتيب الأحمدي بجامع الزيتونة وأخذ عن أخيه كثيراً، وقرأ على غالب شيوخ أخيه، فقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ محمد بيرم الثالث، والشيخ محمد بن ملوكة، والشيخ محمد بن سلامة وكان آية الله في الذكاء وعلو الهمة في العلم لا يقنع بظواهر الكلام بل يتتبع الأصول ويحرر الوجوه والتعاليل غاية التحرير، تقدم للتدريس فزان الرتبتين وابدع بفصاحته وذكائه ما شاء.
стр. 255
ثم قدمه المشير أحمد باشا باي لحظة القضاء بالمحاضرة في الخامس والعشرين من رجب الأصب سنة ١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف فأعمل يعملات عزمه، وعلق همته بالمدارك العالية فنحى منحى الشيخ إسماعيل التميمي في التنزيل وتتبع المدارك والإصابة في التطبيق حتى صار فقيهاً أصولياً مع ما له من اليد الطولى في المعقول، وفصاحة المقول.
ولما توفي الشيخ محمد النيفر قدمه المشير الثالث محمد الصادق باشا باي مفتياً ثالثاً يوم الأحد الخامس عشر من ربيع الثاني سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف وقربه حتى أدخله في مجلسه الخاص، وولي مدة المجالس في المجلس الأكبر وتقلد خطة نقابة الأشراف في جمادة الأولى سنة ١٢٧٨ ثمان وسبعين ومائتين وألف وكان الأمير يرغب في مجالسته وهو لا يتخلّف عن زيارته وقد نال من عطاياه الوافرة أمراً عظيماً وكان ذا رفاهية وحب لنضارة العيش يركب المراكب الفاخرة ويلبس أحسن اللباس.
أدركته يقرئ بجامع الزيتونة درس المحلي ودرس صحيح مسلم بفصاحة بديعة يحضر الدرس وهو ملتف بسفساري من حرير والعلماء بين يديه يأخذ ونعنه، وهو علامة المعقول والمنقول فصيح كريم النفس رفيع الهمة حسن المفاكهة والمحاضرة محب للخلاعة فصيخ القلم واللسان شاعر مجيد، شعره يصلح ديواناً وقد أثنت منه نحو الكراسين في كتابي مجموع مجمع الدواوين التونسية.
وقد شرح قصيدة البردة شرحاً بديعاً سماه شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح، وله حواش على شرح القطر لابن هشام أبدع فيها ما شاء وحرر فيها مسائل عويصة يحتاج إليها المنتهي أكثر من المبتدي. وقد طبع كل من الشرح والحاشية بالمطبعة المصرية وكتب عليها مصحح المطبعة عند ختم كل تقريظاً لطيفاً وهو الأديب البارع الشيخ طه قطرية بن محمود الدمياطي فكان تقريظه على شرح البردة هو قوله: [الرمل]
ملء عيني من لأوج الحسن يرقى ... مذ جفاني بات دمعي ليس يرقا
بان عن عيني ولكن لم يبنِ ... عن فؤادي وعصا صبري شقَّا
عاذلي فيه ملح والهوى ... آمر ناه لقلب ضل عشقا
راعني من بعد صفو العيش إن ... قيل قد آن حثيت العيس سوقا
يا حداة العبس قرّت عينكم ... بالقوارير ارفقوا بالله رفقا
يا بروحي يوسفياً حسنه ... مصره قلبي وإن أذكاه شوقا
ليته لما كا جسمي الضنى ... بردة المدح لخير الناس خلقا
سيد لو عاش يطري مدحه ... ألف عام أفصح الأقوام نطقا
قامت البردة من أعبائه ... بالذي عز على الغير وشقّأ
يا لها بردة مدح حاكها=شرف الدين الذي أحرز سبقا
واقتضت شرحاً لها من فاضل ... يكشف السر الذي رق ودقّا
والذي استخرج منها كنزها ... فاتحاً من بابها ما كان غلقا
شرحها الوافي المسمى بالشفا ... آخر الطب وما أحلاه ذوقا
هاكه شرحاً بديعاً طبعه ... من يسوي بصناع الكف خرقا
تم طبعاً فانجلى تاريخه ... (في شفا القلب الشفا للطبع حقاً)
وكتب على حواشي القطر بقوله: [الكامل]
ظعن الحبيب فبات يندب منزلا ... صب تنبأ دمعه مذ أرسلا
بلغت به الأوصاف مبلغها الذي ... تركت به جيد العزاء معطلا
يا عاذلي اقصر من ملامك أو أطل ... إنّي على الحالين لن أتحولا
أتحط عن أهل الهوى أعباءه ... فاحطط إذاً عبء الملام المثقلا
لو جئت بالتسهيل في أمر الهوى ... بوجدت قلباً ساهياً فيمن سلا
لكن رأيتك في الملامة واغلاً ... فرأيت قلبي في الصبابة أوغلا
هب أن لومك لي هديةُ ناصح ... يأبى الغرامُ لمثلها أن تقبلا
فاستبق بعض اللوم تهديه إلى ... أهل القلوب بأن قلبي قد خلا
نحو الحبيب بعثته بهدية ... بعث الأريب بها إلينا أوّلا
كم خاض بحر المشكللات بفكره ... حتى لعمرك لم يغادر مشكلا
أكرمْ بها شهدت بأنعم ربها ... من مد للتحقيق باعاً أطولا
فلتقعد الهمم التي انبعثت إلى ... نسج على منوالها أن تفعلا
ولتبذل الطلاب في تحصيلها ... درر النفائس والنفوس لتحصلا
قالطبع أولاها الكمال مؤرخاً ... (القطر خير هدية طبعاً حلا)
стр. 256
وقد كتب صاحب الترجمة أيضاً حواشي على شرح العصام للسمرقندي لم يتمها، وله حواش على المقدمات من المحلي على جمع الجوامع وله حواش على حاشة المولى عبد الحكيم على المطول سماها الغيث الإغريقي نحا فيها منحى عزيزاً وولج فيها وعور مسالك السعد والسيد وناقش فيها المولى عبد الحكيم وكفاه فخراً يخلد له في العلوم ذكراً.
وكانت بيده مشيخة مدرسة حوانيت عاشور ووليها بعد وفاة الشيخ حمدة الشريف، فختم فيها الأختام الغربية يحضر بها الأمير والعلماء وتجري فيها المباحثات المعتبرة.
ولما توفي الشيخ محمد البنا صار مفتياً ثانياً وله في المجلس الشرعي صولة تنازع مع كبير أهل الشورى الشيخ أحمد بن حسين في المجلس بمحضر الأمير فأبطل الأمير اجتماع المجلس بين يديه من أجل ذلك.
ولم يزل في بذاخة شأنه إلى أن أصابه نقط في عيد الأضحى وكان مقيماً بأريانه فاستمر ساكتاً أياماً إلى أن عاجلته المنية وله من العمر نيف وخمسون سنة فتوفي في يوم الاثنين الحادي والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف ودفن بتربة آبائه بزاوية سيدي علي الزواوي عند باب سيدي عبد الله الشريف عليه رحمة الله وحضر جنازته الأمير والمأمور ورثاه خاتمة الشعراء الشيخ محمود قابادو بالمرثية الطنانة في ديوانه التي قال في مطلعها: [البسيط]
خطب له الدين أرنى لحظ مذعور ... فالناس ما بين مبهوت ومبهور
ورثاه الشيخ محمد بن مصطفى بيرم بقوله: [الطويل]
خطوب المنايا بالرزايا نزعزع ... شوامخ علم بالمعارف تنبع
فأهدم من حصن الشريعة معقل ... بدافع عنها كل خطب ويصنع
وزلزلت الأقدام مصابه ... وخشِّعت الأبصار بالدمع تهمع
وأذهلت الألباب عن كل واضع ... وأرجفت الأكباد مما يُلسِّع
وأبكمتن الأفواه من كل مصقع ... وصمّت ذوي الأسماع من هول ما وعوا
ورجت له الأقطار لما غدا بها ... نعيق غراب البين بالرزء يصدع
وعجت إلى الله المهيمن أعبد ... تقد لما أمضى بحتم وتخضع
ومن ذا الذي لا يرتضي بقضائه ... وكيف له إنكار ما هو يصنع
سبانه من خالق ومدبر ... لإبداع كون للكاملات يجمع
إذا أنت قد أمعنت فكراً بصنعه ... تجدْ حكمة في كل ما هو يُبدع
ويقضي النُّهى والطبع أن لنوعنا ... معاداً إلى ما فيه كنا سنرجع
تدّبر إذاً حقاً لما هو محكمٌ ... بآياته يتلى عليك فيسطع
(فمنها خلقناكم وفيها نعيدكم) ... ترى القدر عيناً قد تألق يلمع
تذكر بمن قد كان سبقاً ممتعاً ... فأضحى صريعاً للبليات يُسرع
فيا تراكم من نواصي نععفرت ... به بعدما قد كان فيها تضوع
وأنجم هدي قد هوت برغامه ... زكان لها فوق السماكين مربع
وأرباب تيجان له قد تسلمت ... وأصحاب عرفان به قد تصرعوا
فهذي سبيل الغابرين وأنت في ... غرور الدُّنا فانظر لماذا ترجَّع
فقز بالذي يرجى ليوم بنهبها ... إمام الورى وهو المهنا المرفع
رمتْ ابن عاشور بسهمٍ مقرطسٍ ... وثنت رزايا لا تكاد تجرّع
هو الطاهر الأسمى محمد الرضى ... مكين بأسرار الشريعة يبرع
له الشرف الأعلى بعلم ونسبة ... إلى خير خلق الله تنمى وترفع
وذو همة قد رصعت بعلوها ... مصابيح هدي بالبديع ترصع
هلم بنا نبكي لفقد إمامنا ... وقد جاءنا منه الصقال الممنع
فيا لهمام الدين فخر رجاله ... وصدر الفتاوي باللحود المفضع
ويا أسفاً قد دج غيهب فقده ... بسبل الهدى فهو المصاب المفضع
وواهاً دروس العلم أظلم جوها ... فأغشى عيون الطالبين التدمع
وواهاً لديون الفصاحة مرتجاً ... فأمسى قفاً بين البلاغة يصفع
وواهاً لتحرير الدروس وبسطها ... وتقريرها حتى يزال التبرقع
وواهاً لفهم للمباحث كاشفٍ ... وواهاً لغضب في النوازل ينقع
وواهاً لفصل للنشاغب حاسمٍ ... وحزم لأيدي الزور والبهت يقطع
وواهاً لجمَّاع المكارم كلها ... ونقادة الدنيا العليم السميدُع
فمن ذا الذي للغامضات وكشفها ... وخوض بحور سبحا متزعزع
стр. 257
ومن ذا لبث المكرمات ونشرها ... ومن ذا الذي يبدي المزايا وينفع
هوى طودها العالي فقلت مؤرخاً ... (سيرقى حمى أعلى الجنان يُرفع)
٤١ الشيخ الشاذلي بن صالح
هو شيخنا أبو عبد الله محمد الشاذلي بن عثمان بن صالح بن أحمد الجبالي، كان جده يحترف بصناعة الشاشية وقد تزوج امرأة أمها بنت الشريف الأبر الحاج علي دمدم المشهور الشرف بتونس وأوتي منها بولده عثمان فله شرف من قبل أم أمه.
وكان والده عثمان خيراً حافظاً للقرآن العظيم يقرأ الأحزاب بجامع الزيتونة وولده ملازم له لفقد بصره إلى أن توفي سنة ١٢٧٤ أربع وسبعين ومائتين وألف.
ونشأ في طاعة والده والبر به نشأة محمودة، وتوجه باعتناء والده لخدم العلم الشريف بعد أن حفظ القرآن بختم السبع تجويداً على الشيخ محمد المشاط، وقرأ عليه كتب مبادئ النحو، وقرأ على الشيخ فرج التميمي كنب مبادئ النحو أيضاً إلى أن ختم عليه المكودي على الألفية ومختصر السعد ونبذة من تفسير القاضي البيضاوي، وقرأ على الشيخ محمد بيرم الثالث مختصر السعد البياني ومختصر السنوسي المنطقي وأجازه بثبته، وقرأ على الشيهخ إسماعيل التميمي نبذة من شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة قطعة من شرحه على الدرة والمكمودي على الألفية، وقرأ على الشيخ محمد بن سلامة قطعة من التاودي على العاصمية بحواشيه، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة المكودي على الألفية بجامع صاحب الطابع وقطعة من مختصر السعد، وقرأ على الشيخ محمد معاوية الخبيصي على التهذيب، وقرأ على الشيخ أحمد الأبي الأشموني على الألفية من باب الحال إلى نهايته بجامع صاحب الطابع، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن المؤدب الصغرى في علم الكلام، وقرأ على الشيخ نصر بن عقبة الكافي نبذة من الألفية بمسجد العزافين، وقرأ على الشيخ محمد لسقاط شرح الخرشي على المختصر الخليلي بمدرسة بئر الحجار، وقرأ على الشيخ أحمد الكيلاني المكودي، ومختصر السعد ونبذة من الشفا، وتصدى للإقراء بجامع الزيتونة سنة ١٢٥٢ اثنتين وخمسين ومائتين وألف، وأخذ عنه كثير.
وتقدم مدرساً في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي في السابع والعشرين من رمضان سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف.
ولما توفي الشيخ فرج التميمي بالمحلة أواخر جمادى الأولى قدمه المشير أحمد باشا بايب قاضياً بالمحلة المنصورة أواسط ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٢ اثنتين وستين ومائتين وألف، وسافر مع ابن عمه المولى محمد باي، ولاقى من إكرامه وجزيل إنعامه ما يدل على صدق نية الأمير مع العلماء ثم قدمه الأمير لخطة قضاء باردو المعمور أواخر رجب سنة ١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف فأحسن القيام بأعبائها سيمل وقد انضم إليه أنه ولي مشيخ المهندسين بمكتب الحزب يقريهم مبادئ النحو والفقه فلازم للقيام بالخطتين سكنى باردو مدة وولي مشيخة مدرسة باردو وهو يختم بها كل سنة، وكان لا يتخلّف عن التعليم والقضاء بباردو، ثم قدمه المشير الثالث محمد الصادق باشا باي مفتياً رابعاً يوم الأحد الخامس عشر من شعبان الأكرم سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف، ولما توفي الشيخ محمد البنا صار مفتياً ثالثاً، ولما توفي الشيخ الطاهر بن عاشور صار مفتياً ثانياً.
ولما توفي الشيخ أحمد بن حسين تقدّم عليه للرئاسة صالح النيفر، ولما توفي الشيخ المذكور قدمه المشير لرئاسة أهل الفتوى في الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، وولي عند ذلك أيضاً مشيخة المدرسة المرادية فباشر الخطة بقبول النوازل، وفي أثناء تقلبه في الفتيا صدر له الإذن بالنيابة عن أيمة جامع الزيتونة في صائفة عام ٨٣ ثلاثة وثمانين لما مرض الأئمة الثلاثة فناب في الخميس وقام إماماً بمحراب جامع الزيتونة مدة، وعند وفاة الشيخ محمد البنا الخليفة بالجامع تقدم للنيابة الرسمية الشيخ صالح النيفر وعند ذلك بطلت نيابة صاحب الترجمة.
(وقد عزل من خطة باش مفني يوم الاثنين الثالث من المحرم سنة ثلاث وثلاثمائة وألف) .
стр. 258
وهو شاذلي الطريقة كثير الزيارة للمغارة الشاذلية عالم فقيه، خير حسن الأخلاق مع الخصوم، سهل الجانب، يلازمه أحد شهود البلاد رجل يقال له محمد العرفاوي الجريدي ولربما اعتمد على مراجعته اامسائل الفقهية ووثق به في شهادة السر وغيرها.
ولوع بمطالعة كتب الأحكام وكتب عدة رسائل في تحرير مسائل خلافية وقع له فيها النزاع مع الشيوخ (قرظ أكثرها الشيخ أحمد كريم بما أثبته في ديوان شعره) وله نثر وشعر من عنوانه ما كتبه تقريظاً لكتاب تعليم القاري في التجويد تأليف الماجد إمام سراية باردو وابن إمامها الشيخ محمد بن أحمد بن شيخ الإسلام محمد البارودي وهذا نصه: الحمد لله رب العالمين والصلاو والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد فلما تأملت هذه الرسالة المرسومة بتعليم القاري وجدتها كتاباً وغيثاً نافعاً ودرة فاخرة وروضة زاهرة تشهد لمنشئتها بالعرفان وأنه من فرسان هذا الميدان ولحسن ألفاظها ومعانيها تستحق أن يقول ناظرها فيها.
[الطويل]
لقد جمعت وصف الحروف وبنيت ... مخارجها كل البيان ووضحت
وزادت على هذا من العلم جملة ... لمن يقرأ القرآن حقاً تعينت
قاله وكتبه الفقير إلى ربه محمد الشاذلي بن صالح أصلح الله حال الجميع آمين في قعدة الحرام من عام ١٢٩٣ ثلاثة وتسعين ومائتين وألف، وقد قرأته عليه نبذه من شرح المكودي على الألفية ابتدأه غرة رجب الأصب سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف، وقرأت علليه بعد ذلك نبذة من شرح التاودي على تحفة ابن عاصم وكان يومئذ بصدد تحرير حاشية على الشرح المذكور جزاه عنا أحسن الجزاء آمين.
(وقد أجرت له الدولة بعد تأخره عن الخطة مرتباً عمرياً لجلوسه للتدريس وولي وكالة الشيخ سيدي أبي سعيد الباجي عند وفاة الشيخ محمد الشريف.
وأقام في جبل المنار وكان به مرض الحصا فاشتد به إلى أن توفي بجبل المنار يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة ١٣٠٨ ثمان وثلاثمائة وألف وقد ناهز التسعين في عمره وكان أجاز لي بإجازة اتصلت بثبت الشيخ عبد القادر الفاسي وهي ... ) .
ً٤٢ الشيخ علي العفيف هو الشيخ أبو الحسن علي بن القاسم بن أحمد بن علي بن محمد شعبان العفيفي التبرسقي، ومن ذرية الشيخ العفيف الغساني ﵁. قدموالده الشيخ القاسم من بلد تبرسق في طلب العلم، فأخذ عن أعلام عصره منهم الشيخ صالح الكواش والشيخ حسن الشريف وغيرهما، وامتلأ معقولاً ومنقولاً وتصدى للإقراء بجامع الزيتونة فأقرأ كثيراً وأكثر دروسه في الفقه وكان عالماً فاضلاً عابداً متواضعاً عزيز النفس وقوراً إلى أن توفي أواخر ذي الحجة الحرام سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف.
ونشأ ولده من بعده في طلب العلم فقرأ مبادئ النحو على الشيخ محمد المشاط والشيخ فرج التميمي، وقرأ أيضاً النحو والبيان على الشيخ أحمد الأبي والشيخ محمد معاوية، وقرأ على الشيخ أحمد بن الطاهر الكفاية على الرسالة، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة الدرة، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة المكودي والأشموني على الألفية والمحلي، وقرأ على الشيخ محمد المناعي قطعة من شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي الدرة ومختصر السعد وصحيح البخاري وتفسير القاضي البيضاوي.
وتصدّى للتدريس واجتمعت عليه جموع المستفيدين وتقدم مدرساً في الرتبة الأولى عند وضع الترتيب الأحمدي بجامع الزيتونة في شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف، فواظب وأفاد وأبدع في تحرير المسائل وأجاد وختم به كثيراً من مهمات الكتب المتداولة للإقراء بجامع الزيتونة في معقول العلوم ومنقولها.
ولما ختم مختصر السعد مدحه تلميذه الشيخ أحمد بن محمد بن الخوجة شيخ الإسلام بقوله: [الطويل]
إليك فإن العذل ليس بناجعِ ... وقد صم عن قول العذول مسامعي
ملامك أهل الحب حول قلوبهم ... وحبّهمُ في القلب أرتع راتعِ
تروم ارعواءً عن هوى من جفونها ... فعنَّ بقلبي مثل فعل الضرائعِ
فتاة متى تنطق تخال حديثها ... عقود لآلي في نحور المسامعِ
فتاة إذا تمشي تخال قوامها ... ترنح فضبان الغصون اليرانعِ
لها بشر مثل الحرير تخاله ... من اللين والإشراق أنور مائعِ
стр. 259
وهب أنها بالسحر أبلتْ محبَّها ... ومزقت الأحشاء تمزيق باضعِ
أليس لكل العاشقين توجع ... وتقطيع أكباد وهطل مدامعِ
على تلك التي إن مت من طول هجرها ... حييت بكتب من تحارير بارعِ
هو العالم الكشاف عن كل غمة ... هو الجحفل النحرير باني المصانعِ
تلذذ إذا أنصت صفو علومه ... تلذذ صب بالحمام السواجعِ
كأنَّ تقارير العفيف جواهر ... وأصدافها السُّماع أهل المناصعِ
إذا مشكل أدجى وأظلم ليله ... بدا رأيه مثل البروق اللوامعِ
بدا مثل بدر أذهب الحندس الذي ... تجاريه شهبٌ للعقول السواطعِ
سمي تحلّى بالمكارم والعُلا ... إلى طرق الخيرات خير مسارعِ
علي عفيف بالفخار مسربلٌ ... تقي نقي العرض عذب المشارعِ
وأنت الذي للعز سهّد جفنه ... وأرقه من نائم الطرف هاجعِ
وأين الذي يرضيه وطء بسيطه ... ومن ذا الذي يرضيه وهمُ المطالعِ
أرى كل طود للمكارم جامع ... وأنت من الأطواد (جمع الجوامعِ)
وتقدم لخطة قضاء المحلة المنصورة في أواخر رجب الأصب سنة ١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف فسافر مع الأخوين المشيرين الثاني والثالث وكانا يشكران منه حسن المعاشرة، ثم تقدم لخطة الإفتاء فصار مفتياً خامساً يوم الأحد الخامس عشر من شعبان الأكرم سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين، وافتصر على خطته بحيث أنه لم يقضِ بين اثنتين وكان عالماً ثبتاً فاضلاً تقياً حسن الإلقاء بعيداً عن التكلف، محافظاً على مروءته، لم يطرق الأبواب ولم يقم في بيته على السائليلن حجاب، كثير الأاة والترنم حتى في تلاوته وإقرائه، كامل العفة ونظافة الثياب لم يتزوج قط، تقدم لمشيخ ة المدرسة المنتصرية بعد أن هاجر شيخنا الشيخ الحاج عبد الله الدراجي إلى المدينة المنورة وحضر الأمير في أختامه ولم يتصنّع فيها البتة، ومع ذلك كانت أختامع محررة تقع فيها المباحثات من الحاضرين متخلقاً بأخلاق الصالحين من القناعة مع سعة ذات يده، خرج من بيته في اشتداد القيظ فنادى على تابع له وأيقظه من نومه وأمره برفع ما توسده فإذا تحته حية عظيمة فقتلها ورجع إلىبيته.
وصدر له الإذن أولاً بالنيابة عن أيمة جامع الزيتونة عند تعذرهم ثم تقدم عليه وعلى من قبله إماماً ثالثاً الشيخ صالح النيفر ثم قدمه المشير محمد الصادق باشا باي إماماً ثالثاً في الثامن عشر من ربيع الأول سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف، ثم قدمه جليفة للشيخ محمد الشريف أواخر ذي القعدة سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف فزان المحراب والمنبر بحسن تلاوته وتأثير مواعظه التي تخشع بسماعها القلوب وكان مع ذلك إماماً بجامع الزيتونة الأصغر خارج باب البحر يقيم به الجمعة والعيدين.
ولما توفي الشيخ محمد البنا صار مفتياً رابعاً، ولما توفي الشيخ الطاهر ابن عاشور صار مفتياً ثالثاً، ولما توفي الشيخ صالح النيفر بعد تقدمه للرئاسة صار مفتياً ثانياً.
وكان مع خططه المذكورة مواظباً على التدريس لا يتخلف عن دروسه إلا بالمانع الأكيد وقد قرأ كتباً كثيرة وانتفع به خلق عظيم، ومع كثرة دروسه لم يسمح لي الوقت بأخذ كثير عنه وإنما قرأت عليه نبذة من آخر الشفا للقاضي عياض وحضرت ختمه ونبذة من أول صحيح مسلم في مدة راحة المصيف وحضرت أختامه بالمدرسة.
ولم يزل على كما للاته ثنيان الفتوى والإمامة إلى أن توفي في الثاني والعشرين من جمادى الثانية سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف، ودفن بالزلاج عليه رحمة الله وقد رثاه العالم الشاعر الشيخ سالم بوحاجب بقوله: [الكامل]
بتسابقي ذي الدار هل من دارِ ... إن المنيَّة غايةُ المضمارِ
وفي الترتيب السبق لقاء مح ... توم الردى بالبدء بالأخبارِ
مثل الذي قد صار هذا الرمس من ... بركاته متيم الزوارِ
الفاضل الحبر الهمام المرتضى ... بتقى وعلم منبر الأبرارِ
ذو همة أضحى اسمه وصفاته ... وكست معارفه برود وقارِ
ونزاهة قد صدّقت تلقيبه ... باسم العفيف جماع كل فخارِ
لله دوحة علمه كم أثمرت ... نفع الورى كل على مقدارِ
وفروعها دوحاً غدت وتفرعت ... منها فروعٌ جمة الأثمارِ
أبمثل هذا مات لا بل إنما ... غابت مشاهده عن الأبصارِ
стр. 260
ومضى إلى دار الكرامة معقباً ... مجرى الأجور (فنعم عقبى الدارِ)
قد كان ما يرجوه في تاريخه ... (ساق العفيف إلأى أعز قرارِ)
٤٣ الشيخ صالح النيفر
تقدم استيفاء ترجمته في الأيمة وقد تقدم لحظة الفتيا في غرة صفر الخير سنة ١٢٨٠ ثمانين وألف فولي مفتياً سادساً، ولما توفس محمد البنا صار مفتاً خامساً، ولما توفي الشيخ الطاهر بن عاشور صار مفتياً رابعاً، ولما توفي الشيخ أحمد بن حسين تقدم للرئاسة على من قبله ولازمها إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين.
٤٤ الشيخ محمد الشاهد
هو شيخنا أبو عبد الله محمد ويدعى حمدة بن محمد بن عثمان بن عمر بن سلامة شهر الشاهد من ذرية الولي الثالح الشيخ سيدي عمر الكناني دفين ضواحي القيروان ﵁، وكان انتقال آبائه من القيروان في إحدى الفتن إلى تبرسق فنزلوها وتناسلوا بها وكان لعمر بن سلامة المذكور ولدان وهما علي وعثمان، أما علي فكان عالماً ليلاً واي خطة القضاء بتبرسق وأما عثمان فكان عدلاً ثقة وفيه صلاح تقلد خطة العدالة ولم يشهد نحو الأربعين سنة ويقال إنه طولب لخطة القضاء بعد وفاة أخيه فلم يجب وارتجل إلى تونس وتوفي بها وترك ولده محمد بفتح أوله في إبان بلوغه فقرأ على الشيخ محمد الشحمي وغيره وتقدم الإشهاد وعاش نحو التسعين سنة وتوفي عام ١٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين وألف.
وقد ولد ولده صاحب الترجمة نحو سنة ١٢٢٠ عشرين ومائتين وألف وقرأ القرآن العظيم باعتناء والده، ونشأ نشأة صالحة فأخذ في قراءة العلم سنة ١٢٣٦ ست وثلاثين وجود القرآن العظيم بروايات ست إلى أن ختم البقرة على الشيخ محمد المشاط، وقرأ عليه شرح الشيخ خالد على الآجرومية، وقرأ على الشيخ محمد الخضار قطعاً من سيدي خالد والقطر والفاكهي والقاضي علي الخزرجية، وقرأ على الشيخ فرج التميمي قطعة من المكودي، وقرأ على الشيخ أحمد بن الطاهر نبذة من المختصر الخيلي، وقرأ على الشيخ أحمد زروق شرح القاضي علي إيساغوجي، وقرأ على الشيخ أحمد بن حسين قطعة من الخبيصي، وقرأ على الشيخ محمد بن معاوية نبذة من القطر ونبذة من الشذور، وقرأ على الشيخمحمد بن ملوكة شرح الدرة للمص وشرحه عليها والسلم والألفية، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة مختصر السعد، وقرأ على الشيخ أحمد الأبي الفاكهي والأشموني والأربعين النووية، وقرأ على الشيخ محمد بيرم الثالث شرح العصام على السمرقندية ومختصر السعد، وقرأ على جدي الشيخ محمد السنوسي الخرشي على المختصر الخليلي من البيوع، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي قطعة من آخر المكودي وشرح الشيخ قدورة على السلم ومختصر السعد، وقرأ على الشيخ محمد المناعي نبذة من شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي، وقرأ نبذة منه على الشيخ إسماعيل التميمي.
وتصدى للتدريس بغاية المواظبة والاعتناء بتحرير المسائل وتقدم مدرساً في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي في رمضان المعظم سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف، ثم تقدم للإمامة بجامع الهواء ومشيخة المدرسة التوفيقية بعد تنقل الشيخ أحمد بن حسين لخطبة جامع أبي محمد عند وفاة الشيخ علي الرياحي فزان الجامع بخطبه وأختامه الرائقة مع مواظبته على التدريس بجامع الزيتونة ختم بها كتباً كثيرة. وتقدم مفتياً سادساً في ثالث ربيع الأول سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف.
وهو عالم محصل دراكة في المعقول والمنقول، كان يقرئ المطول بالمدرسة الشماعية ويحضر دروسه كثير من أعيان العلماء وهو يقرئ كل يوم من المطول وحواشي السيد والسيلكوتي عدة ورقات يستمر في إلقائها من الضحى إلى قرب الزوال مع غاية الإفصاح والإلمام بما احتوت عليه من دقائق الأنظار وحل المشكلات وقد كان بعض النقادة من تلامذته يورد عليه البحث المتعلق بكلام السلكوتي فيطرق مفكراً ثم يأتي بالعجب العجاب وناهيك به من قدوة فاضل حسن الأخلاق بعيد عن التصنّع معدود من بركة السلف الصالح حسن النية يسكن بربض سيدي منصور ويحضر جامع الزيتونة كل يوم راجلاً لا يتكلف شيئاً في سيرته ومعاملته مواظب على الإقراء أخذ عنه كثيرون، درسه سهل المأخذ حسن العبارة لا يخرج في درسه عن محل الحاجة إلا بما لابد منه وقد قرأت عليه قطعة من أول شرح الشبرخيتي على الأربعين النووية.
стр. 261
ولما توفي الشيخ البنا صار مفتياً خامساً، ولما توفي الشيخ الطاهر بن عاشور صار مفتياً رابعاً، ولما توفي الشيخ صالح النيفر صار مفتياً ثالثاً، لوما توفي الشيخ علي العفيف قدمه الأمير مفتياً ثانياً.
ولم يزل سالكاً حالته في الاجتهاد في التدريس اليومي حتى تخرج عليه كثير من فحول جامع الزيتونة وتيسر له بمواظبته وحسن تضلعه في الصناعة أن ختم كثيراً من مهمات الكتب المتداولة الإقراء بالجامع حيث إنه لا يشغل درسه بشيء من فراغ المباحث اللفظية، وجميع درسه تحقيقات علمية مع الأخذ بمجامع الكلام فيجمعه في قالب سهل التناول، لكل سامع مع كثرة ما يقريه من المسائل وفي سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين ختم شرح الأشموني على الألفية وما هو بأول أختام هذا الكتاب ومدحه عند ذلك تلميذه المدرس الشيخ محمد بن مصطفى بيرم بقوله: [الطويل]
فمثلك أفق العلم أضحى منجملً ... وباهى بك بدراً منيراً إذا سما
وتوج هامَ المجد منك مفاخرٌ ... ترَّقى بها في العاليات معظَّما
وقلد جيدَ الفخر منك لآلئٌ ... على سمطها تبدي بهاءً منظما
وملء صدور الفضل منك جلالة ... فلله يوماً كنت فيه المقدما
به أقبلت بشرى الهنا بمحمد ... لعرش المعالي إذ له قد تسلما
فأصبح يشدو أنه نال ما بدا ... بليغاً فصيحاً كاملاً ومفخما
بيان المعالي سلسل من رحيقه ... يسوغ لذيذاً رشفه ومُنعِّما
تفرس فيهالدهر أنه عالم ... فميزه بالشاهد الفذ إذ طما
رياض التقى كانت عليه مهابة ... تجلى بها في موكب قد تسنما
يحاكي ضياء الشمس إشراقُ نوره ... ويربو على الأعياد بشرى وموسما
ويبدي ويعلي في سماء مهابه ... من المكر والإنجاب شهبا وأنجما
فوافيت ختم المزج فيه إبانهً ... وأوليت من إبداع كشفه الغمّا
بقيت تظل الروض من علم مانح ... يفيض المزايا من بحار تكرما
ودم وابقَ واعزز واتقي ورق وقل ... وحل واسعد وامنح وزد وانح واسلما؟
وقد توفي على خطة الإفتاء بعد زوال يوم ال؟ أربعاء الرابع من ذي القعدة سنة ١٣١١ إحدى عشرة وثلاثمائة وألف ودفن يوم الخميس بالزلاج عليه رحمة الله.
٤٥ الشيخ محمود قابادو
هو شيخنا أبو الثناء محمود بن علي بن محمد قابادو الشريف، أصلهم من صفاقس وأهل بيته من أرباب صنائع عمل الأيدي وقد تنقلوا إلى تونس وبها ولد صاحب الترجمة سنة جمس وثلاثين ومائتين وألف وأرخ ولادته بقوله (ولد الشيخ الأكبر) يعني الشيخ محيي الدين لما له من الولع بحبه والتعلق به. وقد نشأ نشأة صالحة فلاحت عليه مخائل البراءة في صغره فقرأ مبادئ النحو ثم تعاطى الأسماء والأذكار، وتشوق إلى مراقي الأسرار، وساح بالتعرف إلى العزيز الجبار.
وارتحل إلى طرابلس في أخذ المدد من الطريقة المدنية وكان يعتريه الحال فيجد على لسانه أشعاراً رائقة فيأخذ في كتابتها في ظلمة الليل الداجي فيجد النور يضيء على قلمه فيكتب ما شاء. وكان شيخه ينهاه كثيراً عن ارتكاب مثل ذلك فلم يكن منه إلا التمادي حتى انقشع عنه سحاب تلك الحال، وعاد إلى تونس ثابتاً محنكاً بالفصاحة. فتعاطى التدريس والمطالعة ويقال إنه في أثناء ذلك قرأ على الشيخ محمد معاوية والشيخ أحمد بن الطاهر وعلى ثبوت ذلك فإن العلم الذي ظهر عليه أعظم من ذلك بكثير ولا طريق له إلا الفتح الإلهي فقد ظهرت عليه علوم شتى أعظمها علم القوم، فكان فيه المفرد العلم، العارف بأذواقهم وأفهامهم. وأما الفصاحة والبلاغة ونظم الشعر الذي لم ينسج على منواله سابق فتلك رتبة يدركها كل مطالع لديوان شعه الذي جمعته له بعد وفاته وتيسر بعون الله طبعه في جزأين وقرظه جميع أدباء الحاضرة وكثير من أدباء الجهات الشاسعو حتى بلغت تقاريظه ما يصلح أن يكون كتاباً من الشعر والنثر.
وقد كتبت على ظهره قولي: [الكامل]
هذا الذي نظمت به الآباد ... عقداً به تتفاخر الأجيادُ
تنسي محاسنه القلائد والمخا ... ني إن زها بنظامه الإنشادُ
فيريك (نفح الطيب) مع زهر الريا ... ض بزهرِ أفق بلاغة تنقادُ
جمع المحاسن زهرها والزهر في ... ديوان شعر أبي الثناء قابادو
стр. 262
وأعجب العجاب في آدابه قصيدته القريبة التي سماها "سوق أساطيل البوارج لعوق أباطيل الخوارج" تهنئة للسلطان عبد المجيد خان لما أراد الخوارج أن يوقعوا به وأنجاه الله من مكرهم وهي تحتوي على تواريخ لا يحصي عددها إلا الله ولغرابة أمرها رأيت أن أثبتها هنا مع بعض شروح الناظم عليها وهي قوله: [الخفيف]
خيرُ حامٍ مجدٍ مجيرِ العبيدِ ... حاطَ خيراً مجرىً لعبدِ المجيدِ
حاطهُ عن عثارِ جعدٍ برجفٍ ... منتجٍ جحدَ عُرفِ ربقِ العهودِ
آلُ عثمانَكفلُ رهجٍ برجم ... جبروا الأطمَ ثلمَ رجفٍ عنودِ
فرعُ إرثٍ سما وجلَّ بنجلٍ ... فرع النسرَ رجثَّ بأسٍ وجودِ
سابَ رجواً فقصَّرتْ عنْ جداهُ ... رجفُ سحبٍ قد روعتْ منْ جمودِ
فجعتْ بانسجامِ زكمِ قراهُ ... وانسجامِ رجفٍ بثكلٍ رعودِ
يا ثمالَ رجعٍ بنجوى نصيرٍ ... لصريعٍ برِثد مجنىً نجيدِ
نصرُ جفٍّ جمٍّ وإعتاقُ ربلٍ ... بل ثمالٌ نسرٌ لرجفِ الوجودِ
عضمُ جارٍ يثني الجريَّ به نا ... جي الثُّريا نصراً بديعً الجنودِ
حيثُ نارً البرجيس للأوجِ عيناً ... حيثُ سعداً جرى بنصرٍ نجيدِ
فقتَ نجرا أمْ أصَّل المجدَ برٌّ ... رمتَ للبجلِ نجر صدقِ فرودِ
فنجومٌ راقتْ صعودكِ رجباً ... فرقتْ منك أوج برجِ السُّعودِ
آثلوا المجدَ منْ فروعٍ بحجرٍ ... منجحاً برهَ جدلٍ عرفٍ ثعودِ
ماثلوا نجرهمْ بأرفعِ مجدٍ ... أثملوا نجرَ عرفهمْ بالجدودِ
مثلهمْ منْ أبار ملجورِ رجفاً ... لاث عجراً فجوسِ نكبٍ مرودِ
فأجار آلعثار مسبلَ نجدٍ ... فارعاً بصلادِ ثجرِ النُّجودِ
جلَّلوا النَّفرَ لبسَ رجو وثالوا ... سبرَ جودٍ من حفلِ ثجمٍ مرودِ
فثرانا مسجولُ برٍّ بجملٍ ... ثرُّ سجمٍ لنفحِ سجلٍ برودِ
ناصرو الحقِّ كبتُ عجوٍ ورجفٍ ... باكتوا الفجرِ صدقُ رهنِ المجودِ
أمَّنوا الجمعَ حربَ رجفٍ قتامٍ ... أرجفوا أمن جمعِ لبثِ الحرودِ
آثروا البرَّ عنْ جفالٍ وصدٍّ ... منْ جفاءٍ جسوسِ ثربٍ سرودِ
بعثَ الفجرَ للأراجسِ نوحاً ... جاسراً لثلبِ مرجفاً للنهودِ
كم فجورٍ من الرجاسِ بمقتٍ ... رام ثلباً نجهاً لرجفٍ صلودِ
نال بالسفهِ إثم أرجاس حجرٍ ... بل أجوراً كنفعِ رجسِ ثمودِ
جرع الرعبَ منه جحفٌ وحثٌ ... زادعٌ عنفَ حجدِ ربثِ المجودِ
حدثٌ رجفِ بحلمِ إعناجِ روعٍ ... عبرُ مسراه فحثُ حجنِ الهجودِ
فسقُ جورٍ لعدسِ جبتٍ أرنوا ... فارقوا نسلَ كعبةٍ مرجِ جودِ
عينُ نبثٍ جرى لحجرٍ عسيٍّ ... ريثَ سجؤِ قد موسِ سبيٍ جديدِ
قد جروا وعراً فمنبتُّ جمعٍ ... هم بنجفٍ لحرجٍ رعثِ آلمرودِ
من ثنى الجيدَ عمدَ طيرٍ برجمٍ ... يرمَ حجراً من ثني عبد المجيدِ
قد جنوا بالرجوسِمرسلَ شفقٍ ... موجساً جبنَ صفقِ شرِّ الرقودِ
(ثمرُ الجفوِ بعدَ مجناهُ مرّاً ... منْ فجورٍ عاثٍ مرابعَ جودِ
عثرٌ منْ عنى بمجرىً مميح ... هاجَ حينٌ منْ عثرِ مجرىً بعيدِ
أين يجري بالنَّكثِ عمهُ جعارٍ ... يعجبُ الرَّينَ نكثُ جاري العهودِ
ربَّ وعِّثْ منْ راعَ مجداً جفاهُ ... وانصرِ المجدَ واطفِ ربثَ جمودِ
ربِّ وارفعْ منجا مؤثَّلِ مجدِ ... رفعَ ربوٍ ما جمَّ منثالُ جودِ
أنهى هذه الأعجوية المفتتحة بالخير المختتمة بالجود راقماً بردها ببنانه، ملحمة ومسديه بجنانه، الحقير الضعيف، محمود التونسي الشريف خادم العلوم بخضراء تونس في ٢٩ أول جمادى عام ١٢٧٩ أحسن الله ختامه داعياً حامداً مصلياً مسلماً.
ثم قال الناظم المقدم ذكره هذه القصيدة مولدة من الأم السالفة من كل بيت منها مصراع كما أشير إليه بالحبر الأحمر وهي مثل الأم في كون كل مصرالع منها تاريخاً والمهمل والمعجم إلى آخر ما نشير إليه.
[الخفيف]
خيرُ حامٍ مجير عبد المجيدِ ... عن عثارٍ برجفِ جحدِ عهودِ
آل عثمانَ كلهم جبرُ رجفٍ ... فرعُ إرثٍ لنسج بأسٍ وجودِ
قصَّرتْ عن جداهُ رجَّفُ سحبٍ ... بانسجامٍ ورجفِ ثكلِ رعودِ
стр. 263
يا ثمالَ نجوىَ صريعٍ برجسٍ ... نصرُ جفٍّ ربلٍ ثمالُ الوجودِ
عصمُ جارٍ ناجى الثريا بدينٍ ... حيثُ نار البرجيسُ سعدُ نجيدِ
فقتَ نجراً أمَّا المجلُّ بصدرٍ ... فنجومٌ راقتكً برجَ السُّعودِ
آثلوا المجدَ منجحاً بره عرفٍ ... ماثلوا رفعَ نجرهمْ بالجدودِ
مثلهمْ منْ أبادَ عجراً فجورٍ ... فأجارَ عثراً بصلدِ النُّجودِ
جلَّلوا النَّفرَ سبرَ جودٍ ملثٍّ ... فثرانا مسجولُ سجلٍ برودِ
ناصرو الحقِّ باكتو الفجرِ مجدٌ ... أمَّنوا الجمعَ رجفَ بثِّ الحرودِ
آثروا البّر عن جفاءٍ جسوسٍ ... بعثَ الفجرَ جاسراً للنُّهودِ
كمْ فجورٍ منجَّسٍ رامَ ثلباً ... نالَ بالسفه أجرَ رجس ثمودِ
جرِّع الرُّعبَ منْ هجودٍ فحدثْ ... حدث رجفٍ بمنعِ مسراً هجودِ
فسقُ جورٍ أرنوا لكعبةِ مجدٍ ... عينَ نبتٍ لرعيِ رجسٍ جديدِ
قدْ رمتْ جمعهمْ بنفلِ حجارٍ ... طيرُ رجمٍ من ثنيِ عبدِ المجيدِ
قدْ جنوا بالرجوس مصفقَ شرٍّ ... ثمرَ الجفوِ منْ مرابعِ جودِ
عثرٌ منْ جنى بمرمى جحيمٍ ... أين يجري بالعرحِ نكثُ العهودِ
ربِّ وعِّثْ منْ رامَ جفواً لمجدٍ ... ربِّ أفعمْ مروجَ منثالِ جودِ
أتمها مؤلفها اغتناماً لفرصة الاستبداد بهذه الخدمة معتذراً عن رداءة خطه بأنه لم يتقدم له كتابة بهذا القلم قبل هاته وكانت كتابته مجرد محاكاة إذ خطه الذي اعتاده مغربي لا يجانس الخطوط المشرقية على اختلافها ومع غاية من الاستعجال والله ولي التوفيق بمنه.
ثم قال الناظم المذكور الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
اعلم أن هاته القصيدة عدد أبياتها ستة وثلاثون بيتاً تحتوي على اثنين وسبعين مصراعاً، وكل بيت ينقسم بالحروف الحمر والسود إلى نصفين فتكون اثنين وسبعين أيضاً، ويكون الجميع مائة وأربعة وأربعين، ثم إن كل نصف أحمر هو مصراع من وزن القصيدة وهو مع ما يليه بيت على رويها ثم إن كل نصف وكل مصراع إذا جمع عدد حروفه بحساب الجمل كان موافقاً للتاريخ الهجري لعامنا ١٢٧٦، ومعجم كل مصراع وكل نصف من معجم ما عداه من الأنصاف والمصاريع ومن مهمل كل منها أيضاً تاريخ. وكذا مهمل كل مصراع وكل نصف مع كل من مهمل ومعجم ما عداه، ثم إن الأنصاف الحمر تلتئم منها قصيدة من الوزن والروي كما أشير إليه وقد عبرنا عنها بالمولدة وكتبناها بالأحمر إثر الأم ثم لا يخفى أن لمصاريعهما اعتباراً من حيث إنها بعض من أبيات القصيدة الأولى المعبر عنه بالأم واعتباراً من حيث استقلالها وهي بالاعتبار الثاني مغايرة لنفسها بالاعتبار الأول وبه ينبغي أن تضاف عدة مصاريعها إلى مصاريع الأم وأنصافها فيكون جميع مصاريع كليهما مع أنصاف الأم التي هي الأحمر والأسود مائة وثمانين، كل واحد منها تاريخ ومعجمه مع معجم ما عداه ومع مهمل ما عداه أيضاً تاريخ، وكذلك مهمله مع المهمل ومع المعجم أيضاً من جميع ما عداه فيكون عدة التواريخ المستخرجة بهذا الوجه من القصيدة هو ما يجتمع من جميع الأعداد المتوالية من الواحد إلى مائة وتسعة وسبعين وهذا بمعجم كل مصراع وكل نصف مع مهمل ما عداه ومثلها بمعجم كل مع معجم ما عداه ومثلها بمهمل كل مع معجم ما عداه، ومثلها بمهمل كل مع مهمل ما عداه، فيكون عدة ما يخرج من التواريخ بهذا الوجه هو ما يحصل من جمع الأعداد المتوالية من واحد من التواريخ بهذا الوجه هو ما يحصل من جمع الأعداد المتوالية من واحد إلى مائة وتسعة وسبعين مضروباً في أربعة وذلك ٧٤٤٤٠ وأما كل بيت من الأم في خويصة نفسه فيخرج منه بهذا الوجه أربعة وعشرون تاريخاً هي: مهمل المصراع الأول مع مهمل الثاني ومهمل الثاني مع مهمل الأحمر ومهمل الأول مع مهمل الأحمر ومهمل الثاني مع معجم الأحمر ومهمل الأول مع مهمل الأحمر ومهمل الثاني مع مهمل الأسود ومهمل الأول مع معجم الأحمر ومهمل الثاني مع معجم الأسود ومهمل الأول مع مهمل الأسود ومهمل الثاني مع مهمل الأحمر ومهمل الأول مع معجم الأسود ومعجم الثاني مع معجم الأحمر ومهمل الأول مع مهمل الثاني ومعجم الثاني مع مهمل الأسود ومعجم الأول مع مهمل الثاني ومعجم الثاني مع مهمل الأسود
стр. 264
ومعجم الأول مع معجم الثاني ومعجم الثاني مع معجم الأسود ومعجم الأول مع مهمل الأسود ومهمل الأحمر مع مهمل الأسود ومعجم الأول مع مهمل الأحمر ومعجم الأحمر مع مهمل الأسود ومعجم الأول مع معجم الأحمر ومعجم الأحمر مع معجم الأسود فإذا ضم إليها تاريخ من المصراع الأول بمعجمه ومهمله وتاريخ من المصراع الثاني كذلك وتاريخ من الأسود كذلك وتاريخ من الأحمر كذلك كان في كل بيت ثمانية عشرون تاريخاً (هذا محل الحاشية الأولى الآتي ذكرها) .
ثم أقول ومن إبداعات هاته القصيدة التزام حروف بأعيانها في المصاريع والأحمر والأسود، والتزام أصول سبعة يتركب منها كل نصف ومصراع بحيث يخرج بها من التواريخ من كل بيت ألوف، غير أنه لم يسعنا الحال لبيانها والقصيدة بعد مفتقرة لشرح يبين معانيها وما احتوت عليه من الزايا التاريخية وسنشرع فيه مستعينين بالله ثم نوجهه للحضرة العلية بعد الإتمام إن شاء الله.
قاله وكتبه عبد ربه راجي عفوه عن ذنبه محمود الشريف لطف الله به آمين.
الحاشية الأولى
حصل ثمانية عشرون تاريخاً من كل بيت من الأم، ولا يخفى أنها داخلة في وجه الاستخراج من جميع المواقع السالف تحريره، عدا التواريخ الأربعة الأخيرة من كل بيت، فإنها لم تدخل في ذلك الوجه كما لا يخفى.
هذا وأقول إن لهذا الوجه أسهل وجوه الاستخراج من هذه القصيدة، وهناك وجوه أخرى يخرج بها من التواريخ ما يستغرق العد، غير أنها مفتقرة إلى باعٍ في علم العدد مديد، وفكر حديد، ولنشير إلى واحد. يخرج به من البيت الواحد من الأم في خويصة نفسه، ثلاثة عشر ألفاً وثمانمائة وسبعة وعشرون تاريخاً ١٣٨٢٧، لا تداخل بينها وبين ما يخرج بالوجه السالف، ويخرج به من كامل القصيدة ألوف ألوف، ألوف، ألوف، الألوف، مكررة الإضافة خمس مرات، ويزيد عدد التواريخ على ما يحصل من تضعيف رقعة الشطرنج وتمهد الإشارة إليه مقدمة، وهي أن جميع أوجه التاريخ التي اعتبرناها في هذه القصيدة، تستخرج بطريق التركيب، وجميع الأعداد التي لا نسبة بينها وهي مبنية بأسرها على قاعدة اختلاف المركب باختلاف أحد أجزائه كانعدامه بانعدامه، إذا علمت هذا: فاعلم أن كل موقع من المواقع المشار إليها آنفاً، مركب من سبعة أصول، عدا طالع الأم بمواقعه الأربعة والمصراع الأول من المولدة، فإنها مركبة من ستة فقط.
الأصل الأول: آحاد المعجم وهي ثمانية في جميع المواقع المائة والخمسة السبعين.
الأصل الثاني: منحط عشرات المعجم ونعني بالمنحط ما لا يتجاوز من الأعداد المجموعة مرتبة، وبالمرفوع ما يرتفع من مرتبته إلى ما بعدها: وذلك المنحط ثلاثون في الجميع.
الأصل الثالث: عشرات المعجم مرفوعاً وهي مائة في الجميع.
الأصل الرابع: وهو المعجم وهي خمسمائة في الجميع.
الأصل الخامس: آحاد المهمل منحطاً وهي ثمانية في الجميع.
الأصل السادس: آحاد المهمل مرفوعاً مع عشراته، منحطاً ومرفوعاً، وهي مائتان وثلاثون في الجميع.
الأصل السابع: آحاد مئو المهمل وهي أربعمائة في الجميع.
وأنت إذا جمعت هاته الأصول السبعة وجدتها اثنتي عشر وستة وسبعين، وتبين لك تركب التاريخ منها، فإذا أردت أن تستخرج بها عدة ما يمكن من التواريخ في البيت الواحد بمفرده، فإنك تركب تلك الأصول السبعة بحسب المواقع الأربعة، ولنلمع إلى كيفيتها.
الحاشية الثانية
يحصل ١٠٤٤ ثم تأخذ واحداً من الخمسة، وله صور من مائة وثلاثة وسبعين موقعاً يحصل ٨٦٥ ثم تأخذ واحداً من الأربعة من ١٧٢ موقعاً يحصل ٦٨٨ ثم واحداً من الثلاثة وله ثلاث صور من ١٧١ موقعاً يحصل (٥١٣، ثم واحداً من الاثنين بصورتين من ١٧٠ موقعاً يحصل) ٣٤٠ ثم الواحد المتمم من ١٦٩ فإذا ضربت الحواصل في بعضها حصل لك جميع التراكيب السباعية التاريخية.
٥٦٦٧٨٨٤٢٠٦٧٣٢٨٠٠٠٠ وذلك.
٠٤٨٤٦١٥٤٦٠٤٨٢٨٨٠٠٠ ويحصل من التركيب السداسي.
стр. 265
وتتم على هذا الأسلوب في التركيب، الخماسي، والرباعي، غير أنها تفتقر إلى مزيد علم بالحساب، وفطنة لشعب الصور، وقد بلغني عن بعض الحيسوبيين من الفرنج أنه لما بلغه أني نظمت هذه القصيدة، وذكر له نزراً مما يسترج منها من التواريخ أنكر على الناقل له ذلك أفظع إنكار، ورأى أن ذلك في حيز المستحيلات، ولتكونن هاته القصيدة بحول الله شجى في حلوقهم وفخراً لكافة المؤمنين.
واعلم أنها مفتقرة إلى شرح يحل معانيها، ويبين ما روعي في أبياتها من الشروط وما ينشأ عنها من التواريخ فإن الذي أشرنا إليه نزر من بحر، وسنشرع فيه بحول الله بعد وقوعها موقع الارتضاء من حضرة وليها خلد الله سلطانه.
واعلم أن نصف المعجم ما يخرج بالوجه الأول يدخل ما يخرج بهذا الوجه فيستقل ذلك الوجه بنصف ما يخرج به فهو لا يخرج بهذا الوجه الأخير، وهناك وجوه أخر كل منها يستقل بألوف ألوف متكاثرة، مبنية على شروط أخر، روعيت في الأبيات جمعاً وفرادى، لا يمكن لنا الآن الإشارة إليها، وإن تيسر الشرح، رأى ناظره العجب العجاب، بإعانة الله سبحانه.
كتبه منشئه حامداً مصلياً مسلماً
الحاشية الثالثة
يحصل صور من مائة وأربعة وسبعين موقعاً ١٢٢٥ ثم تأخذ واحداً من الستة الباقية وله ستة ولك فيه سبع صور من المواقع المائة والخمسة والسبعين، التركيب السباعي، فنقول هو أن تأخذ واحداً من الأصول السبعة لك التركيب الرباعي فما دونه لأن المواقع أربعة، ولنبين، والخماسي فما دونه وأما في البيت الواحد بمفرده فلا يتأتى مائة وخمسة وسبعين ويمكن لك التركيب السبعي والسداسي والاستخراج بهذا الوج من كامل القصيدة فإن المواقع تصير حينئذ فيها ببرهان، ولولا ضيق الوقت لسقتها بحذافيرها وأما يحصل لك بهذا الوجه ألوف كثيرة من البيت الواحد لا تداخل.... وثمانون ... ثم تركب بأخذ ثلاثة أصول من موقع واحد وهكذا إلىت أن الواحد والعشرين والثلاثين في ستة، وذلك ثلاثة آلاف سبعمائة، ثم تكمل الأصل السابع من الموقع الباقي فيحصل لك من التواريخ مسطح من ثلاثة الأصول الباقية، ولك فيها ثلاثة أوجه وموقعان لها بستة من الثلاثة وفيه عشرة أوجه في المواقع الثلاثة بثلاثين، ثم تأخذ اثنين ولك فيها أحد وعشرون وجهاً، ثم تأخذ اثنين من الخمسة من وقع ولك فنقول، التركيب الأول أن تأخذ اثنين من الأصول السبعة من موقع....
ومع كمال غرابة هذه القصيدة قد شذت عن ديوان شعره لأنني لم أظفر بها حين جمعي له وإنما وصلتني بسبب وذلك أنني لما أتممت طبعه وأرسلته إلى كافة الآفاق ورد إلي مكتوب من باريس كتبه الأديب النصراني رشيد الدحداح الماروني اللبناني يخاطبني فيه برسالة في متعلقات القصيدة المذكورة حيث إنها كانت من ذخائره ثم ألّلإ رسالة سماها قمطرة طوامير وأودعها نص الرسالة التي كاتبني بها بتاريخ ٢٥ أيلول سنة ١٨٧٩ لما احتوت عليه من مآثر صاحب الترجمة، ولأهمية هاته الرسالة التي خاطبني بها نوردها هنا بما احتوت عليه وهذا نصها بعد المفاتحة والتحلية والخطاب: إنني لما اطلعت على ديوان علامة مصره، ونابغة عصره، صاحب الذكاء العبقري، ومن له في كل فن زند وري، الهمام الذي بمثل بعض صنائعه، وبدون البلوغ إلى طبقة بدائعه، اشتهر رجال وسرفوا وسادوا، الشيخ الشريف محمود قابادو، ووجدته عباب فضل لأدواء الأفئدة آسيا، فأذكرني من ربه عهداً ما كنت به ناسياً، أما أنت أيها المفضال الذي اعتنى بجمع دررع، وأطلع من الحجاب متواليات غرره، وأبد لمآثره ذكراً، وأفشىمن مفاخره سراً، بعد أن كان هو الحريص٢ على كتمانه، عن أهل زمانه، فإني أشهد لك بإسباغ المنة، وهذا أصدق من قوله إنه وإنه، وأما الضالة التي نشدتها، أي القصيدة التي فقدتها، فاسمها سوق اساطيل البوارج، لعوق أباطل الخوارج، مكتوب بعض حروفها بالأحمر فيخرج من تلك الحروف من كل بيت شطر فتصير قصيدة ثانية من الوزن والروي قائمة بذاتها مشتملة على ألوف التواريخ كالأصل والذي وجدتموه منها وذكرتموه في الديوان غير صحيح وهاك أولها: [الخفيف]
خير حام مجد مجير العبيد ... حاط خيراً مجرى لعبد المجيد
حاطه عن عثار جعدٍ برجف ... منتج جحد عرف ربق العهود
فيخرج من أحمر هاذين البيتين بيت وهو:
خير حام مجير عبد المجيد ... عن عثار برجف جحد العهود
стр. 266
وهلم جر إلى آخرها.
فهذه الأعجوبة السنية، التي لا تكاد أن تكون إنسية، هب ملكي وفي حوزتي أهدانيها مؤلفها بعد رجوعها إليه من الآستانة وقال لي إنه لم يمكن أحداً من نسخها وعليها له شرح وجيز لبيان وجه واحد من وجوه استخراج التواريخ منها فبقتضاه يخرج ٧٤٤٤٠ تاريخاً وقد نقلت بعض حواشي من تسويد أعارني إياه غير كامل قال فيه إنه يخرج من البيت الواحد في خويصة نفسه ١٣٨٢٧ تاريخاً غير ما يخرج بالوجه السالف وإنه يخرج من كامل القصيدة ألوف ألوف ألوف ألوف ألوف مكررة الإضافة خمس مرات وإنه يزيد عدد التواريخ التي فيها على ما يحصل من تضعيف رقعة الشطرنج فسبحان الذي قسم رحمته بين أهل الأرض، ورفع بعضهم درجات فوق بعض.
وقد اطلعت في الديوان على تصديره وتشطيره قصيدة بشر وساءني عدم ذكركم أنه مرتجل، ولعلكم ما علمتم ذلك على أن واقعى حال نظمها أعظم شأناً وأكبر قسمة لبيان طبقة ذكائه من مجرد رؤية بلاغته فيها فأنا الذي اقترح ذلك عليه وأخذه عنه، إذ وردت عليه يوماً فقلت له قد جئتك يا سيدي في حاجة، قال: على الرأس إن كانت في وسعي قلت تشطير قصيدة بشر قال: ابن عوانة، قلت: نعم، قال: طلبت هينا لكنه قد طال عهدي برؤيتها فسأبحث عنها وأشطرها لك، قلت: ها هي معي، قال: إذاً ستأخذها غداً مشطرة إن شاء الله، قلت: بل الساعة إن تكرمت، قال: الله أكبر ومن يفعل مثل هذا، قلت: أنت، قال: هذا أمر صعيب، قلت: على غيرك، قال: قريحتي والله صدية، قلت: أجلها بالنظم، قال: سأفعل الليلة، قلت: بل اليوم إن كنت عليّ من المتفضلين، قال: أنّى والأمر يبحتاج إلى التروي، قلت: افعل وأنا معك من المنتظرين، قال: لابد من توطئة قبل التشطير، قلت: هذا أحسن إحسان والله لا يضيع أجر المحسنين، قال: قد أعييتني حجة يا فلان هاتها، فتناول القصيدة ولم يقرأ غير مطلعها ثم قال: اكتب على خيرة الله، ورفع رأسه وأغمض عينيه وأخذ يملي علي التصدير وأنا أكتب حتى خيل لوهمي أنه تجرد عن العالم الجسماني وغداروحانياً يرى البعيد الغائب، لا تحجب بصيرته الحاجب، فلما تلعثم والله في بيت ولا تهمل ريثما يجد شطراً أو كلمة ولا بدأ بفقرة ثم أتى بأحسن منها ولكنه كان كمن يقرأ في صحيف٦ة وكنت أنا اجهد نفسي بسرعة الكابة ولا أفوه ببنت شفة حتى لا أثبط ذلك السيل عن انهماره، ولا أقف في طريق ذلك البحر عند تدفق تياره، اللهم نعم قد وقفت مرة في المجال، والحق أحق أن يقال لأنه أملى عليَّ بيتاً غير تام الفحولة فلم أرضه له فتكلفت واستأذنت واستسمحت وما داهنت فقلت له: يا سيدي إذا كانت خزائن البلاغة في تصرفك فأعطني منها لهذا المكان بيتاً أعظم هيبةً وأكبر فخامة، فتبسّم وقال: اكتب.
[الوافر]
ومن هولٍ لوجبته أراني ... هدمت به بناء مشمخرّا
ثم استمر يملي عليَّ حتى أتى على آخرها فبقيت مبهوتاً بين يديه ولا أجد كلاماً يفي حق الثناء عليه ثم خرجت من حضرته وأنا أمجد الله وأسبحه وأحمده وما برحت إلى الآن مذهولاً من تلك الموهبة الربانية، والمنحة الصمدانية، التي امتاز بها هذا القطب على الأبدال والنجباء والمجددين والنقباء والأعمدة والأخيار، وجميع ذوي الأسرار، فإن رأيت أني وقعت هنا في الغلط أو ارتكبت الشطط فاعذر ثم أذكر أنها قالة أديب لا عقيدة وعندي أنه إذا كان مجموع ديوانه شاهداً لدخوله في عداد الفحول من الشعراء المتقدمين ففي سوق الأساطيل وهذا الارتجال الجليل شاهدان لتفضيله على كل بليغ سابق، وأنه أقام للإعجاز حداً أمام كل لاحق، وقد رأيت من الواجب أن أورد عليكم الخبر لكي تذكروه إذا طبعتم من كلامه شيئاً آخر لعلكم تحسنون تلخيصه في الرائد وتتحفون به أصحاب نسخ الديوان وهكذا لا نكون ألتناه من عمله من شيء فإن لم يتيسر لكم ذلك فأنا سوف أؤدي شهادتي له لإيفاء حق مننه علي، وتودده إلي، عندما أطبع سوق أساطيل البوراج مع ما عندي من شرحها ولذلك ألتمس الآن من فضلكم أن تستنسخوا لي كراسة الشرح المشار إليها في الديوان وتعلموني بالمصروف لكي أبادر إلي إيصاله إليكم مع الشكر الجزيل، والثناء الجميل.
استدراك
стр. 267
يظهر لي أن من تروّى في المحاورة المذكورة في أمر التشطير لابد له من أحد أمرين، فإما أنه يتهم صدقها، أو أنه ينتقد علي عملي ويراني أبرمت الشيخ وثقلت عليه، بوقوفي لديه موقف الغريم المستقضى ديناً واجباً، فلهذا وجب أن أبيّن سبب ما فعلت، ليتحقق صدق ما نقلت، وبتقديمي هذا البرهان أكون زدت المطالع معرفة بهذا الرجل الذي كان آية من بدائه خلق الله.
والحكاية هي أني وجدت يوماً في مجلس جماعة من كبراء الدولة التونسية فذكر أحدهم شدة إعجابه بقصيدة بشر ثم تلاها عليهم فتهز هوت إليها القلوب وودوا أن تكون أكثر طولاً فقال رجل منهم إن أحببتم تطويلها بما يفوق على ما سمعتم حسناً فاقترحوا على الشيخ محمود قابادو أن يشطرها لكم ففرحوا برأيه وكلفوه إلى الافتراح فاعتذر، وأشار إلى آخر، والآخر إلى غيره، وكلهم يقول لا فائدة في الطلب لأن الشيخ بخيل بجواهره، فيعد ثم يلوي ويضيع السعي سدىً، ثم إنه وقع الإجماع على أن أكون أنا السفير إليه، وقالوا كلنا يعلم ما لك عنده من العزازة، فلا شك في أن يستحي منك ويلبي دعوتك، ولكن حذار من قبول الوعد إلى غد، قلت: لابد من إمهاله ولو ليلة لمثل هذا الاقتراح، فضحكوا كلهم وقالوا: كأنك لا تعلم اقتدار صاحبنا، وأخذوا يوردون علي من إخباره ما يذهل العقل، فمن ذلك أنه كان في دعون معهم مرةً فذكروا بيتاً حماسياً لأبي الطيب والتمسوا منه أن ينظم لهم قصيدة على ذلك النمط من الغلو والإغراق بالفتوة، فأخذ ينشد حتى غادر ذلك المتنبئ وراءه بمراحل، ثم ابتدره أحدهم ببيت من تائية الفارضي، واقترح عليه النظم على نسق تلك الجناسات، فانتقل فوراً من فخامة ذلك التحمس إلى رقة ذلك النسيب، حتى أدهشهم، وقالوا: لو شاء الإنشاد يوماً كاملاً لقدر عليه لما عنده من غزارة المادة فهو بحر لا ينزح. وذكروا لي عجائب أخبار عن ذاكرته الوقادة حاصلها أنه ما قرأ شيئاً فنسيه وأن ما يقرع سماعه إعادتها عليهم ففعل، فمن ذلك ما أترك العهدة فيه على الناقل، أنه تلي عليه يوماً رسالة بالفرنساوية، فلما فرغ منها، أعاد الشيخ كلماتها مع أنه لا يعرف شيئاً من لغات الإفرنج، فلما سمعت كل ذلك توجهت إليه حازماً على الإلحاح، فكان في ما بيننا ما مر بيانه وجاء فعله بقصيدة بشر مصداقاً لما قيل لي عنه.
أما حليته، فقد كان طويل القامة، مستوفي الجسامة، رقيق البشرة، أبيض مشرباً بحمرة، أدعج العينين، حسن الابتسام، عذب الألفاظ لطيف نغمة الكلام، يميل برقة لفظه إلى الإشمام، وكان سهل الجناب رقيق الحاشية أنيساً متواضعاً على أنه ما كان يحجم أحياناً عن القول أنه أعلم الناس طراً وما كان مهذاراً، ولا سريع الكلام، وكان يخيل لسامعه أن فيه سراً موجباً لتصديق ما ينطق به، ذلك لأنه ينطق متأنياً، كأن كلماته تتصعد من سويداء قلبه يرافقها أحياناً تصاعد أنفاسه، وكان يحب الوحدة كأنه غير راضٍ عن الناس، ومع علو طبقة عقله كان يظهر أحياناً ساذجاً، وما كان يسعى للدنيا ولا يحتال لطلب الوجاهة، ولذلك كان قليل النشب، تلازمه حرفة الأدب، أما علومه ففضلاً عن أنه كان الفقيه المحقق، والحافظ المدقق، واللغوي النحرير والأديب الماهر، الناظم الناثر، والمالك لزمام المعاني، والبيان والبديع، والنحو، والصرف، والعروض، لم يكن أجنبياً عن سائر العلوم كالفلك، والمساحة، والحساب، والطب، والتاريخ، واستخراج الغوامض من علوم النجوم والجفر وأشباهها، وما كان يرى من الألغاز والمعمى شيئاً، إلا وكشف عنه الغطاء فوراً، وقد توفي وما أخاله بلغ الخمسين، وإني عليه لمن الآسفين. أهـ. مكتوب رشيد الدحداح.
وحيث تضمن هذا المكتوب ذكر واقعة تشطير القصيدة الغراء وتصديرها فإني أثبت ذلك هنا تزييناً لترجمته وهذا نصه: [الوافر]
رنت بفواتر الأجفان سكرى ... يُخيِّل سحرهن النجب خزرا
فيالك من فتون في فتور ... ومن سكر به السحر استمرا
عقيلة ربربٍ جيداً وطرفا ... وخوطةُ بانةٍ قدّاً وخصرا
يجول بخدها ماء وراح ... ليمتزجا فما أن يستقرّا
يبيح لناظر ورداً نضيراً ... ويورد حائماً ورداً مقرّا
أما وعيونها الدعج اللواتي ... أقامت للهوى العذري عذرا
وخالٍ بين قوسي حاجبيها ... بحيث يكون قطب الحسن قرَّا
стр. 268
وفرع ليله فرقٌ لفرق ... به صبح الجبين أبان فجرا
لقد غطت على بصري وسمعي ... بملثوم جلا حبباً ودراً
فبالثغر النظيم تدير كأساً ... وبالنطق الرخيم تدير أخرى
فيالك سورة أضحى فؤادي ... لصورتها هيولى ليس يعرى
وكيف يُفيق من يُسقة بكأس ... يكررها التفكر مستمرّا
فيا سرعان ما وطّنت نفسي ... على ما غيره بالحرّ أحرى
عصيت تجملي وأطعت وجدا ... يسخرني لها سراً وجهراً
ولم أعطِ الهوادة عن هوان ... ولا جزعٍ لأن حُملت إصرا
ولكني خطبت ظباء أنس ... جعلت رضائهن علي مهرا
(أفاطم هل علمت مضاء عزمي) ... ومطمح همتي نخواً وكبرا
وجود يدي وإقدامي وبأسي ... وصدقي كلما استسهلتُ وعرا
وأني لا أسامُ الدهرَ ضيماً) ... ولا أعصي لباغي العرف أمرا
تلين لمن يسالمني قناتي ... (وتصلبُ إن يرم ذو الغمز هصرا)
(وإني لا أعدّ الوفر ذخراً) ... ولكني أعدّ الذكر ذخرا
وما كل الخلال تذاع بأواً ... (ولا كل المذاع يصح سبراً)
وفي التجريب ما ينفي ارتياباً ... ويصدق سنُّ بكر منه فرَّا
(أفاطم لو شهدت ببطن خبت) ... لهانت عندك الأخبار خُبرا
ولو أشرفتِ في جنح عليه ... (وقد لاقى الهزبرُ أخاكِ بشرا)
(إذا لرأيتِ ليثاً رام ليثاً) ... وكلٌّ منهما بأخيه مغرى
يرى كل على ثقة أخاه ... (هزبراً أغلبا لاقى هزبرا)
(تبهنس إن تقاعس عنه مهري) ... وأقبل نحوه أذنيه ذعرا
فكاد يريبه فيخال مني ... (محاذرة فقلت عُقرتْ مهرا)
(أنلْ قدميَّ ظهر الأرض إني) ... أرى قدمي للإقدام أجرا
ولست مزحزحي شيئاً ولكن ... (رأيت الأرض أثبتَ منط ظهرا)
(وقلت له وقد أبدى نصالاً) ... بأهرتَ فاغرٍ يصررن صرّا
وشوصاً تلتظي أرنت لحاظاً ... (محددة ووجهاً مكفهرا)
(يكفكف غيلة إحدى يديه) ... كبالي القوس ينزع مسبطرّا
ولا يثنى براثن منه إلا ... (ويبسط للوثوب علي أخرى)
(نصحتك فالتمس يا ليث غيري) ... +فلي بُقيل عليك وأنت أدرى
ومهرى قائل لك لا تخلني ... (طعاماً إن لحمي كان مرا)
(ألم يبلغط ما فعلته كفّي) ... ولست ترى الأظافر منه حمرا
ألم تكُ طاعماً أشلاء سيفي ... (بكاظمة غداة قتلتُ عمرا)
(فلما خال أن النصحَ غش) ... وغرته الجراءة فاستغرّا
ولج على التهور في نزالي ... (وخالفني كأني قلت هُجرا)
(مشى ومشيت من أسدين راما) ... مساورة فلاقى البحرُ بحرا
روجّا الأرض إذْ بغيا عليها ... (مراما كان إذْ طلباه وعرا)
(سللت له الحسام فخلت أني) ... أسلت من المجرة فيه نهرا
ولم أمشِ الضراء له لأني ... (شققت به لدى الظلماء فجرا)
(وأطلقت المهند من يميني) ... وقائمه بها المحبوس إسرا
هفا إبريقه هفيان برقٍ ... (فقد له من الأضلاع عشرا)
(فخر مضرجاً بدمٍ كأني) ... نصحت عليه عبَّ السكر سؤرا
ومن هول لوجبته أراني ... (هدمت به بناء مشمخرّا)
(بضربة فيصل تركته شفعا) +تضاجع بطنه في الأرض ظهرا
وشيكاً فاثنى منها مثنَّى ... (لديَّ وقبلها قد كان وترا)
(وقلت له يعز عاي أني) +أراك معفّراً شطراً فشطرا
وأستحيي المروءة أن تراني ... (قتلت مناسبي جلداً وقهرا)
ولكن رمت أمراً لم يرمه) ... مريد سلامة قد هاب خطرا
ولم يكُ سامني بالنصح خسفاً ... (سواك فلم أطق يا ليث صبرا)
(تحاول أن تعلمني فراراً) =فهل علمت نفسك أن تفرّا
وتنفض مذرويك لحل عزمي ... (لعمر أبيك قد حاولت نكرا)
(أتيت تروم للأشبال قوتاً) ... فلو ما طلتها ما كان ضرّا
ولكني أدافع منك بغياً ... (وأطلب لابنة البكريّ مهرا)
فلاغ تبعد فقد لاقيت حراً) ... ولا تذمم فقد أبلغت عذرا
وعن كرم برزتَ إلى كريم ... (يحاذر أن يعاب فمتَّ حرا)
ولا أسفٌ على عمر تقضى ... أفادك منه حسن الذكر عمرا
стр. 269
وله في العلوم المعقولة من الأصول والبيان والمعاني والنحو مدركة تشتعل اشتعالاً يستحضر بها سائر الأبحاث وما عساه أن يقال في المسألة في آن واحد من غير مطالعة، ولطالما نقلت له كلام السعد وقبل أن أذكر ما أورده عليه السيد وما تحمله الشيخ عبد الحكيم وما يمكن أن يكون قد خطر ببالي فيعاجلني بإيراد جميع ذلك كأنما كان يسامرني في تلك المسألة مع طول عهده بها، أما درسه فلم يكن على رتبة علمه لأنه لا يمكن له أن يقصر كلامه في المسألة التي بين يديه حتى ينفصل منها بل كان ينتقل من حال إلى حال في آن واحد فيذهب مع كل خاطر ويخرج عن المقصود وذلك من سعة علمه وعدم تقيده بالتدريس.
وله معرفة تامة بالعلوم الرياضية وما ألحق بها غير أني لا علم لي بها ولم ندر ما هو عليه فيها.
وقد اشتغل في مبادئ أمره بإقراء البشير بن سليمان كاهية ولازمه للتعليم وسلك به مسلكه في الولوع بأهل الله وخدمتهم حتى كان من أعيان السالكين في الطريقة الشاذلية.
وقد ألّف فيها كتاباً سماه سفينة المريد والعلم المفيد، وقد وقفت فيه على إجازة له من صاحب الترجمة أستاذه في الطريقة المدنية كتبها له في حدود عام ١٢٥٠ فأحببت أن أثبتها هنا وهذا نصها: الحمد لله مستحق الحمد ووليه، والصلاة والسلام على نبيه، أما بعد فيقول عبد ربه محمود بن علي الشريف الشهير بقابادو والد قاوي الراجي رحمة مولاه، الراقب له في سره ونجواه، إني أجزت أخي في الله وسويداء فؤادي وأعز الناس عندي سيدي محمد البشير بن سيدي سليمان كاهية في قراءة المخروجة المدنية على الصلاة المشيشية التي هي من لوازم طريقتنا بالإذن من المؤلف شيخي وقدوتي ونور بصري وبصيرتي المربي سيدي محمد بن حمزة المدني القاطن بطرابلس الغرب بجبل غريان هناك، أبقى الله لنا وجوده، وأدام شهوده، لانخراطها في سلكها الشريف إجازة تامة كما أجازني بها شيخي عن مشايخه والله يتولانا وإياك بلطفه ويجمع قلوبنا عليه ويشرح قلوبنا بأنوار معرفته كما أجزته وأذنته بذكر الورد في أوقاته وذكر اسم الاستغراق على الحالة المعهودة وتلقاها مني بالإذن من الشيخ والله يبلغه ويمده بمحبة الشيخ إنه المنعم الكريم ا. هـ.
وبينما كان الشيخ في تعليم تلميذه المذكور وإطلاعه على بعض علومه الحرفية حتى أحس من المشير الأول ما حمله على الخروج فارتحل إلى إسلامبول وأقام لها مدة، ثم رجع إلى تونس وتقدم شيخاً في مكتب الحرب يقرئ المهندسين ما يحتاجون إليه من النحو واللغة والفقه وغيرهما. ثم قدمه المشير محمد باشا باي مدرساً بجامع الزيتونة في الرتبة الأولى ابتداء سنة ثلاث وسبعين فأقرأ بالجامع وتقدم لمشيخة المدرسة الجديدة بعد وفاة الشيخ محمد بن صالح بن ملوكة الشارني سنة ست وسبعين وأقرأ فيها وختم فأبدع في أختامها.
ثم قدمه المشير محمد الصادق باشا باي لخطة قضاء باردو يوم الأحد الخامس عشر من شعبان الأكرم سنة ١٢٧٧ سبع وشبعين ومائتين وألف فلازم القيام بالخطة، وتقدم لإنشاء الرائد وتصحيح المطبوعات بمطبعة الدولة التونسية، ثم تأخر عنها لأشغال خطة قضاء باردو ثم تقدم مفتياً خامساً تاسع شعبان الأكرم سنةةة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف.
وقد أدركته قبل الفتيا فلازمته ليلاً ونهاراً في غير أوقات دروسي وقرأت عليه دروساً من الجربي على أيساغوجي ودروساً من القاضي على الخزرجية وفي آخر أمره قرأت عليه دروساً من القطب على الشمسية ودروساً على المطول واستفدت مع ذلك بمراجعته ومحاضرته وكان عالماً متبحراً فهامة شاعراً مفلقاً غراً كريماً عزيز النفس سريع البكاء شفوقاً ينخدع لكل مخادع رخي العيش لسعة ذات يده، أغلب كسبه أنفقه في شراء الكتب فاكتسب كتباً لا حد لها تلاشتها الأيدي من بعده، وقد اجتمعت معه مدة لترتيبها فلم يتم ذلك.
ولم يستكمل الستين ٦٠ سنة من عمره وأتاه محتوم الأجل فتوفي في صبيحة الأربعاء ثالث رجب الأصب سنو ١٢٨٨ ثمان وثمانين ومائتين وألف ودفن بالجلاز بتربة الشيخ سيدي الونيس ابن السعدي الشريف المشيشي ﵁ رحمة الله عليه، ورثاه الشيخ سالم بو حاجب بقوله: كك [السريع]
نبل قسي الموت هدَّافها ... يصمي وأهل الفضل أهدافها
والدهر مهما ينتبذ درة ... من جيده لم يُرجَ إخلافها
стр. 270
فكم لآلي حكمة بالثرى ... تقذف والأجداث أصدافها
فانظر لهذا الرمس كم ضمَّ من ... معارف لم تحصَ أصنافها
إذْ حلَّهُ النحرير روض النهى ... مخفي رموز القول كشافها
علامة المعقول دراكة ال ... منقول والأسرار نقافها
محمود ست بعد دال تلي ... خساً زكاً من قبلها قافها
قضى وافتى كم بأفهامه ... صينت حقوق خيف إتلافها
أما رحى الآداب فهو الذي ... بفقده قد حان إيقافها
أسدى له الرحمن أضعاف ما ... ترجو منَ أهل الجود أضيافها
ولا عدت سحب الرضى تربة ... آواه في التاريخ (أشرافها)
١٢٨٨
٤٦ الشيخ محمد الشريف
تقدمت ترجمته في الأيمة مستوفاة وقد تقدم لخطة الفتيا فصار مفتياً سادساً في تاريخ شعبان الأكرم ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف، ولما توفي الشيخ محمود قابادو صار مفتياً خامساً، ولما توفي الشيخ صالح النيفر صار مفتياً رابعاً، ولما توفي الشيخ علي العفيف صار مفتياً ثالثاً أدام الله بقاءه، وأعاد علينا دعاءه.
٤٧ الشيخ محمد النيفر
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم بن أحمد النيفر الشريف أصغر أخويه السابقين، قرأ بجامع الزيتونة عليهما وعلى الشيخ علي العفيف والشيخ الشاذلي بن صالح وغيرهم من علماء جامع الزيتونة وتقدم لخطتي التدريس فأفاد بفصاحة معتبرة.
وتقدم لخطة القضاء بالحاضرة بعد أخيه الثاني في غرة صفر الخير سنة ١٢٨٠ ثمانين ومائتين وألف وكان مع علمه يميل إلى المشاركة في الرأي واعتضد لذلك بأخيه ولازم المراجعة والمطالعة والتحري في المسائل مع أعلام المجلس الشرعي يومئذ الذين منهم الشيخ أحمد بن حسين والشيخ محمد البنا والشيخ الطاهر بن عاشور، ومارس المسائل بذلك حتى صار فقيهاً عمدة في التطبيق٥ وتقدم لمشيخة مدرسة النخلة عند وفاة الشيخ محمد البنا وتقدم إماماً بجامع أبي محمد عند وفاة الشيخ أحمد بن حسين وختم في كليهما أختاماً رائقة حضرت بعضها، فصيح الخطبة.
وقد تقدم إلى القتيا فصار مفتياً خامساً رابع جمادى الأولى سنة ١٢٩٠١ تسعين ولما توفي الشيخ علي العفيف صار مفتياً رابعاً.
وهو عالم حسن المعاملة فصبح الدرس ولما ولي الفتيا أقبل على التدريس بجامع الزيتونة فأقرأ تفسير القاضي البيضاوي قراءة تحرير، وله دروس آخر مواظب على إقامتها عند باب الشفا بجامع الزيتونة.
وأقام بين تدريس وإفتاء وخطبة إلى أن تأخر عن خطة الإفتاء بسبب نازلة كان الوكيل فيها رجلاً اسمه سليمان الطرابلسي يخاصم عن رجل طلياني ولما لزمه الدخول تحت الحكم حضر صاحب الخصومة فحضر مع كاتب سفارة إيطاليا في المجلس الشرعي ولما ألزم الوكيل بالدخول تحت الحكم امتنع من ذلك أولاً ثم فوّض إلى صاحب الخصومة نفسه قيل إن الشيخ قال له عند ذلك يا كلب تأتي لنا بهؤلاء النصارى أو بهؤلاء الكلاب النصارى، وكل من صاحب الخصومة وكاتب السفارة عارف بالعربية فخرج كاتب السفارة وكتب لدولته بما وقع من الشيخ فكاتبت دولة فرانسة وجرت المفاوضات في النازلة إلى أن ورد إذن من فرانسا بعزله أو توجهه لاسترضاء قنصلاتو إيطاليا فاختارت الدولة عزله وأرسلت إليه ابن أخيه الشيخ علالة النيفر أحد كتاب الوزارة الخارجية إلى ديوان الشريعة فأعلمه هنالك وساء كثيراً من الناس خبره لأنه أول مفتٍ بالحاضرة تأخر بيدٍ أجنبية وكان ذلك قبل زوال يوم الثلاثاء تاسع شعبان سنة ١٣٠١ إحدى وثلاثمائة وألف وصبر لذلك وبعد نحو شهر كان عيد الجمهورةية الفرانساوية في رمضان وأرسلت السفارة لاستدعاء عامة الشيوخ ليلاً فلم يتخلف منهم غير شبخ الإسلام والقاضي الحنفي وخليفة جامع الزيتونة في التاريخ وكان أول داخل لدار السفارة في تلك الليلة إمام جامع الزيتونة الأكبر المفتي الثالث أحسن الله عاقبة الجميع، ووفقنا إلى أحسن الصنيع.
٤٨ الشيخ صالح بن فرحات
стр. 271
هو شيخنا أبو الفلاح بن فرحات بن محمد بن فرحات بن أحمد بن حامد التبرسقي الأنصاري، وأمه عسكرية من ذرية الشيخ سيدي عسكر دفين الحمادة، فله شرف من قبل أمه ولد بتبرسق أواخر سنة ١٢٣٥ خمس وثلاثين ومائتين وألف ونشأ بين يدي والده، وقرأ عليه القرآن هنالك وقرأ على عمه الشيخ البخاري التبرسقي في شرح الصغرى والكفاية، وقرأ على الشيخ الحاج علي بن الشاهد شرح البسملة والسوسي في الفلك وبعض علوم حكمية.
ثم قدم إلى تونس وبمعيته أخوه الشيخ سليمان التبرسقي في طلب العلم فأما أخوه الشيخ سليمان فنشأ في ذكاء شهير وملازمته في خدمة العلم وولي خطة القضاء بالمحمدية على عهد المقدس أحمد باشا وتقدم للتدريس بجامع الزيتونة ولازمه، وقد أدركته يقرئ بجامع الزيتونة بعد الثمانين والمائتين والألف وتوفي في ذلك العهد عليه رحمة الله.
وأما أخوه صاحب الترجمة فقرأ على الشيخ يونس الدباغ شرح الدمنهوري على السمرقندية، وقرأ على الشيخ الأمين الكيلاني مختصر السعد، وقرأ على الشيخ عاشور القاضي على أيساغوجي والقلصادي والدرة والشنشوري على الرحيبة والكفاية، وقرأ على الشيخ علي العفيف الملوي على السمرقفندية والأشموني وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح الشيخ خالد على الآجرومية والأزهرية والف٥اكهي، وقرأ على الشيخ محمد القبايلي القاضي على الخزرجية والدردير على المختصر الخليلي وبعض علوم انفرد بها، وقرأ على الشيخ محمد البنا الصغرى والمكودي على الألفية والخرشي على المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ محمد النيفر القطب على الشمسية والكبرى والخرشيعلى المختصر الخليلي وقطعة من تفسير القاضي البيضاوي، وقرأ على الشيخ محمد الخضار الهداية والدماميني على الخزرجية، وقرأ على الشيخ محمد بن سلامة نبذة من تفسير القاضي البيضاوي، وقرأ على الشيخ محمد بن عاشور الفاكهي والخبيصي ومختصر السعد والمغني والدردير والتاودي والمحلي على جمع الجوامع، وقرأ على الشيخ محمد معاوية العصام على السمرقندية والسعد على العقائد النسفية والمطول والشبرخيتي على الأربعين النووية والشفا للقاضي عياض، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة شرحيه على الدرة ورسالته المنطقية ورسالته في أوائل السور وآجروميته النحوية والمكودي على الألفية، وقرأ على جدي الشيخ محمد السنوسي الخرشي على المختصر الخليلي، وأخذ صحيح البخاري عن الشيخ محمد بيرم الرابع واشيخ محمد بن الخوجة، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي دروساً من تفسير القاضي البيضاوي وجلس للإقراء بجامع الزيتونة فبث العلم في صدور كثير من الرجال، وتقدم لخطتي التدريس.
وتقدم لخطة قضاء المحلة المنصورة يوم الأحد الخامس عشر من شعبان الأكرم سنة١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف، وسافر مع الأمير علي باي ولاقى من بره ما هو أهل له ثم تقدم لخطة قضاء باردو المعمور أواخر شوال سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف وجلس بمحكمة باردو وتقدم لمشيخة المدرسة الجديدة أوائل رجل الأصب سنة ١٢٨٨ ثمان وثمانين وختم بها الأختام المحررة الدالة على سعة علمه، ثم تقدم مفتياً سادساً في الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف ولما توفي الشيخ علي العفيف صار مفتياً خامساً.
стр. 272
وهو عالم فاضل محقق حسن الأخلاق أديب ينظم شعراً جيداً وينثر نثراً بديعاً له عناية زائدة بالعلوم العقلية وله فيها تحرير غريب وهو غزير البحث في دروسه يميل إلى مباحثة تلامذته منصف من نفسه في العلم مواظب على دروسه يميل إلى الخمول ضعيف البدن مصاب باحتباس البول يمنعه من الإقراء في الشتاء كثيراً قرأت عليه شرح القطر لابن هشام بحاشيتي الشيخ حسن الشريف والسجاعي وقطعة من مختصر السعد على التلخيص ودروساً من مقدمة التلخيص بالمطول وحواشيه قراءة تحقيق وبحث ونبذة من الشمائل بشرح الباجوري غير أنه لما ولي خطة قضاء باردو اشتغل بها عن التدريس ولما تقدم إلى الفتيا رجع إلى مألوف عادته في التدريس فابتدأنا عليه شرح السعد على العقائد النسفية بحواشي الخيالي وعبد الحكيم قراءة بلفت الغاية في التحقيق ةالتحرير ةقد حض ر في ذلك الدرس كثير من أعيان العلماء ولذلك كان له به عناية زائدة جزاه الله أحسن الجزاء آمين (وتوفي بعد وال يوم الأربعاء آخر جمادى الثانية ١٣٠٩ ودفن جوار سيدي عبد العزيز القسنطيني بالزلاج عليه رحمة الله) .
٤٩ الشيخ أحمد الشريف
هو شيخنا أبو العباس أحمد بن حمدة بن محمد بن عبد الكبير بن أحمد بن محمد بن أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا وهلم جرا إلى سلسلة شرفه المتصلة برسول الله ﷺ فهو حفيد إمام جامع الزيتونة المتقدم الذكر.
وكان والده خيراً فاضلاً متخلقاً بأخلاق النبوة تقدم لشهادة الديوان حين ولي والده إمامة جامع الزيتونة ثم بعد وفاة والده تقدم عوضه لدرس جامع محمد باي المرادي وإمامة مسجد دار الباشا والدرسين بجامع الزيتونة ﵁ وتوفي يزم الأربعاء الثالث والعشرين من أشرف الربيعين سنة ١٢٦٦ ستو ستين ومائتين وألف.
وكانت ولادة صاحب الترجمة سنو ١٢٥١ خمسين أو إحدى وخمسين ومائتين وألف ونشأ أسلافه الكرام وقرأ القرآن العظيم وابتدأ قراءة العلم الشريف بجامع الزيتونة عام ١٢٦٨ ثمانية وستين فقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة والشيخ حسن بن الخوجة شرح الشيخ خالد على الآجرومية وقرأ على أحمد عاشور نبذة من الدرة، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد الفاكهي، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح شرح سيدي خالد على الآجرومية والأزهرية والقطر والدمنهوري على السمرقندية، وقرأ على الشيخ علي العفيف سيدي خالد على الآجرومية والأزهرية والقطر والمكودي على الألفية والأشموني عليها وميارة على ابن عاشر والكفاية والخرشي على المختر الخليلي وشرح الشيخ عبد الباقي عليه وأكثر الوطأ والشفا وصحيحي البخاري ومسلم الجميع دراية. وجلس للتدريس بجامع الزيتونة فقرأت عليه شرح الشيخ خالد على الآجرومية من باب الأفعال إلى أخره قراءة نصح يتوصل بها المبتدي إلى غاية المسئلة، ومع ذلك يكد على ما يقرئه أولاً بالمراجعة وهو عالم نقي العرض، كريم الأصل والأخلاق، يقطر وجهه حياء عاليس الهمة، جميل السمت حسن الملتقى، تقدم لمشيخة مدرسة حوانيت عاشور أواخر حجة الحرام سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، وختم فيها الأختام اللطيفة الغراء.
وتقدم للنيابة في رواية الحديث في الأشهر الثلاثة بجامع الزيتونة عند مرض الشيخ صالح النيفر في عام وفاته.
ثم تقدم مفتياً ثامناً يوم الأحد الحادي والعشرين من شعبان الأكرم سنة ١٢٩٠تسعين، ولما توفي اللشيخ صالح النيفر صار مفتياً سابعاًُ، وقدمه المشير محمد الصادق باشا باي إماماً ثالثاً بجامع الزيتونة في الصثاني والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠، ولما توفي الشيخ علي العفيف صار مفتياً سادساًَ، وتقدم خليفة لابن عمه بجامع الزيتونة في الخامس والعشرين من جمادىالثانية وتقدم خليفة لابن عمه بجامع الزيتونة في الخامس والعشرين من جمادى الثانية
стр. 273
سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف فزان المحراب والمنبر بحسن تلاوته وعذوبة خطبه البليغة مع ملازمة إقامة الخمس والمحافظة على أداء الصلاة في الوقت وملازمة رواية الحديث بحيث يحضر لها يومياً في الثلاثة الأشهر في شدة الحر من جبل المنار ويرجع وقد اعتنى بنسخ صحيح ميلم بخطه للرواية مع الضبط والتحري فيه والكتابة على مشكله وعلى عهده اتفق في صلاة المغرب من يوم الأحد السادس عشر من رجب الأصب سنة ٩٨ ثمان وتسعين ومائتين وألف أن المقيم أقام الصلاة وعند انتهائه تقدم للمحراب رجل مغربي عليه سمة الصلاح فكبر وأخذ يقرأ الفاتحة والناس من حوله ينادونه ويتجاذبونه وآل الأمر أنه تقدم إليه بعض المصلين وأخذوه من المحراب بعد فراغه من الفاتحة وشروعه في قراءة سورة الكافرون وتقدم الإمام المذكور إلى محرابه فصلى المغربي خلفه ولازم الاعتكاف في الجامع أياماً لم يسمع أحد منه كلاماً غير أنه أجاب الإمام المذكور بأنه قاصد حج بيت الله الحرام وقرأ له فاتحة الإلحاح عليه.
(ولما عزل الشيخ الشاذلس بن صالح من خطة باش مفتي انتخب لها لما هو متصف به من العفة والصيانة والمروءة بحيث تقدم بذلك على العالم الشيخ محمد الضشاهد والزكي الشيخ صالح بن فرحات والإمام البحر الشيخ محمد الشريف ابن عمه في موكب حضره جميع الشيوخ بالمرسى صبيحة يوم الاثنين الثالث من المحرم سنة ثلاث وثلاثمائة وألف وقبل الولاية بعد تمنع ولم يظهر عليه ابتهاج لهاته الولاية بل أظهر التغير لمن تقدمهم من الشيوخ مع رغبة في حسن الدعاء جزاه الله خيراً) فهذا الإمام اليسوم هو باش مفتي المالكية وخليفة جامع الزيتونة الذي ابتهج بولايته، ولما وليهاً هنأه العالم الشاعر الشيخ سالم بو حاجب بقوله: [الخفيف]
هكذا بيت خير آل ينيف ... شرف تالد ومجد طريفُ
وسجايا زكية الأصل بالعل ... م أتيحت لحسنها التضعيفُ
ذهب خلصته بوتقة الته ... ذيب عن أن يشوبه التزييفُ
ذا جدير بأن يحلّ مقاماً ... دونه للأنام طراً وقوفُ
وبأن يرتقي منابر للها ... دي إليه حنينها معروفُ
فهنيئاً لمنبر الجامع الأع ... ظم إذ عاد يمينه الأملوفُ
بإمام شريف ذات ووصفٍ ... ليس يطفي نوريهما تأفيفُ
قدوةٌ وثفوةٌ تقيٌ ... ذو اتضاع وهمة، غطريفُ
من يشرف بنيلِ رتبة عز ... فبذا للمراتبِ التشريفُ
وجميع الورى يهنَّونه أن صا ... دف من يستحقه التوظيفُ
فلسان السداد يملي على الآ ... ذان بيتاً لهابهِ تشنيفُ
حبذا منصب شريف حواه ... أحمد واسمه فأرخ (شريفُ)
القسم الرابع
في التعريف بالقضاة الحنفية
قد تقدم في صدر المقدمة أن الغازي السلطان سليم الثاني لما فتح البلاد التونسية على يد وزيره سنان باشا سنة ٩٨٠ إحدى وثمانين وتسعمائة أقام بالحاضرة قاضياً من الترك فذلك هو مبدأ تاريخ تولية القاضي الحنفي بحاضرة تونس، واستمر الأمر بقدوم قاضي الحضرة من بلد الخلافة الإسلامية الأستانة العلية أدام الله عزها ببقاء آل عثمان ما تجدد الملوان وكانا لقاضي يومئذ يجدّد فيكل ثلاث سنين وورد في ذلك العهد من علماء الترك أفاض لا فتخرتبهم الخطة.
منهم المولى:
١ على أفندي
وأصله من الجزائر من أولاد الترك ومنها توجه إلى إسلامبول وانعلامة فقدم إلى تونس لخطة القضاء ولم تطل مدة ولايته وتوجه إلى بلد بنزت ليركب منها إلى إسلامبول فقتله هناك مملوكه عليه رحمة الله.
ومنهن المولى
٢ رمضان أفندي
قدم بوظيفة القضاء ولما تمت مدة ولايته أمسكه يوسف داي، ومنع من الخروج.
فقدمه إلى الإفتاء بمذهب أبي حنيفة وخطبة جامع يوسف داي ومشيخة مدرسته عند بنائها فأقام على الخطط المذكورة إلى أن توفي عليه رحمة الله.
ومنهم المولى
٣ كمال أحمد أفندي
ابن عبد النبي قدم أيضاً بوظيفة القضاء وتقدم إماماً لإقامة الخمس بجامع يوسف داي فهو أول إمام به ولما استوفى مدة ولايته أمسكه يوسف داي لعلمه ومجده.
ومنهم المولى
٤ محمد قارة خوجة
стр. 274
ابن مصطفى برناز قدم والده مصطفى في جملة العسكر العثماني وحضر فتح حلق الوادي في زي درويش وتقدم إماماً بزاوية الشيخ سيدي علي بن زياد وتزايد ولده المذكور سنة ١٠١٢ اثنتي عشرة وألف وحجره والدهإ لى المولى أحمد أفندي، فنشأ أولاً في خدمة العسكرية ثم تعاطى العلم فتفقه وولع بالحديث ودرسبزاوية سيدي علي بن زياد والمدرسة الشماعية عدة مرار ولاية وعزلاً.
وكان فصيحاً باللغة التركية فتقدم خطيباً بجامع القصبة ولما بنى المولى محمد باي المرادي جامعه الذي أمام زاوية الشيخ سيدي محرز بن خلف ﵁ قدمه لإمامة الخمس به فهو أول إمام بالجامع وهو أول إمام صلى الخمس وروى البخاري بجامع حمودة باشا المرادي، وعزل منه قبل موته بسنة.
وخرج لحجبيت الله الحرام وله من العمر أربع وستون سنة وهو راجل ومركوبه يسير خلف هو كان يقوم الليل.
واختاره الداي أحمد خوجة إماماً له وقربه عنده وسعى له في ولاية خطة القضاء بالحاضرة فوليها فكان أيضاً أول قاضٍ حنفي من أبناء البلاد التونسية غير أنه تخلى عنها بعد مدة، وكان منزله مقصوداً للخاصة والعامة لكمال وجاهته ونفوذ كلمته.
وقد ختم الله له بالسعادة فمات قتيلاً وأرخ وفاته الشيخ محمد الوزير السرّاج بقوله:
ألا رحم الله هذا الشهيدْ ... كما طاب ذكر الثناء السعيدْ
محمد برناز المرتدي ... رداء الشهادة يوم الوعيدْ
فأقام الهداة بيوم الوفاة ... لدار النجاة بقصر مشيدْ
وكان إماماً بدار الدُّنا ... فراح الخطيب الشكور الحميدْ
ويكفيه بشرى جميل الثنا ... وقد أرخوه (هليك شهيدْ)
ومنهم
٥ الشيخ محمد القصري
ابن المولى أحمد أفندي ابن عبد النبي وكان فقيهاً مشاركاً عارفاً باللسان التركي والفار سيتقدم لمشيخة المدرسة اليوسفية عوض الشيخ محمد بن عبد الكريم وحج بيت الله الحرام ورجع ودرس بالمدرسة الشماعية ولما توفي والده تقدم عوضه لإمامة الجامع اليوسفي وتزيّا مدة بزي الدراويش ثم سافر إلى إسلامبول واجنمع بالسلطان.
وتولى خطة القضاء بتونس مدة، وتأخر عنها ولما رجع ولد يوسف داي من تفربه أخره عن إمامة جامع والده، وأولى مكانه قارة خوجة، وولي هو إماماً وخطيباً بجامع القصر، إلى أن توفي سنة ١٠٩٣ ثلاث وتسعين وألف ودفن بجامع القصر عليه رحمة الله.
ومنهم:
٦ الشيخ عبد النبي أفندي
ابن الشيخ محمد القصري، وكان عالماً فاضلاً حسن المعاشرة والمفاكهة وجيهاً إلى دار الخلافة العثمانية.
وولي خطة القضاء بتونس، ولما توفي والده عوضه إماماً وخطيباً بجامع القصر، ولازم ذلك إلى أن توفي في المحرم الحرام سنة ١١١٦ ست عشرة ومائة وألف عليه رحمة الله آمين.
ومنهم:
٧ الشيخ محمد ولي الدين
٨ والشيخ أحمد أفندي
إلى غير ذلك من أجلة الأفاضل الذين زانوا تلك الولاية عليهم رحمة الله.
وقد استمر العمل على ذلك مائة وخمسة وسبعين سنة إلى عهد الباشا علي بن محمد بن علي تركي، فاستأذن الدولة العلية العثمانية في تقديم القاضي من علماء الحاضرة، وورد له الإذن بذلك، فأقام قاضياً مالكياً وقاضياً حنفياً من أهل البلد، فكان أول قاضٍ حنفي تقدم لهاته الخطة بحاضرة تونس الشيخ أحمد الطرودي. وها نحن نذكر المشايخ القضاة الحنفية من ذلك التاريخ إلى هذا العصر فنقول وبالله نستعين:
٩ الشيخ أحمد الطرودي
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن مصطفى الطرودي حفظ القرآن على صغر سنه وجوّده على خطيب جامع الحلق وصاحب السجادة بجامع الزيتونة الشيخ أحمد عزوز، وتصدى لقراءة الفقه والفرائض على الشيخ محمد الكفيف، وقرأ النحو والتوحيد على الشيخ محمد بن قاسم الغماري، ولازم الشيخ محمد زيتونة، وقرأ على شيخ المدرسة المنتصرية الشيخ محمد بن عميرة الصفار والشيخ سعيد المحجوز وأخذ عنه سنده العالي في الحديث، وأخذ علم القوم على الشيخ مصطفى البايلي وسلك طريق الله مع الأستاذ الشيخ سيدي علي عزوز ﵁.
стр. 275
وتصدى للتدريس وأجرى عليه الأمير حسين باشا جراية بجامع الزيتونة ثم ولاه التدريس والإمامة بمسجد القايد مراد ثم انتخبه لنفسه فقدمه للخطبة بجامع باردو عندما أحياه وصيره جامعاً ثم ولاه إمامة الخمس بجامع القصر ومشيخة المدرسة اليوسفية عند وفاة الشيخ هبة الله فأقام التدريس بها وانتفع عليه فيها خلق كبير.
ولما أمكن للباشا علي أن يقدم لخطة القضاء في المذهب الحنفي قاضياً من الحاضرة تخيره لعلمه وفضله وورعه ونزاهة نفسه فقدمه لخطة القضاء سنة ١١٥٦ ست وخمسين ومائة وألف واستمرت الخطة بيده إلى أن أصابه صمم عزل من أجله.
وكان قصير القامة جميل الصورة حسن اللباس والأخلاق لا يتكلم فيما لا يعنيه محباً للصالحين، آخذ في طريق القوم إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين.
١٠ الشيخ يوسف القفال
هو الشيخ أبو المحاسن يوسف القفال حج بيت الله الحرام وولي خطة القضاء عند عزل من قبله في ذي القعدة الحرام سنة ١١٦١ إحدى وستين ومائة وألف غير أنه عزل منها بعد ست سنين.
١١ الشيخ مصطفى الطرودي
هو الشيخ أبو النخبة مصطفى بن أحمد الطرودي أخذ عن والده وعن غيره من علماء تونس وتفقه كثيراً من علماء الحنفية.
وقدمه الباشا لي بن محمد بن علي تركي لخطة القضاء في رجب الأصب سنة ١١٦٧ سبع وستين ومائتين وألف واستمر في الخطة إلى أن ولي الأمير محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، فأقره أولاً في خطته وباشر الخطة في مدة ولايته، ثم عزل ولم أقف على تاريخ عزله.
وقد توفي للة الجمعة الحادي والعشرين من المحرم الحرام سنة ١١٧٣ ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن بالزلاج قبل وصول بير فضل بنحو خمسين خطوة ورثاه أحد الشعراء بقوله: [الكامل]
لله قبرٌ اشرقت أرجاؤه ... لمّا به روض الأمان تزخرفا
أضحى به قاضي القضاة ومن به ... درّ النوازل في قلائده صفا
زان المدارس والدروس بعلمه ... وزهت به الأوراق لما صنفا
علمٌ خطيب واعظ رجحت به ... أحكام علم ف موازين الصفا
لما توفي جاء في تاريخه ... (مات الطروديُّ المرجِّحُ مصطفى)
١٢ الشيخ علي الجربي
هو الشيخ أبو الحسن علي بن عمر الحربي، قدم به يونس باي من بلد جربة لعلمه فتحنف وتقرب عند الباشا.
ثم تقدم لخطة القضاء أوائل دولة الأمير علي باي الحسيني بعد عزل الشيخ مصطفى الطرودي. ولم أقف له على خبر إلا أنه خرج من الخطة المذكورة معزولاً، ولم تطل مدة ولايته، وقد وقفت على رسم فيه حكمه بتاريخ المحرم سنة ١١٧٢ اثنتين وسبعين ومائة وألف عليه رحمة الله آمين.
١٣ الشيخ عمر بوشناق
هو الشيخ؟ أبو حفص عمر بوشناق العالم الجليل تقدم لإمامة الجامع اليوسفي على عهد الباشا فوليها سنة ١١٦٢ اثنتين وستين ومائة وألف وأنابهالشيخ حسن البارودي في رواية الجامع الباشي عند ولايته إياها أواخر ذي الحجة الحرام سنة ١١٦٩ تسع وستين ومائة وألف.
وقدمه الأمير علي باي الحسيني لخطة القضاء فباشر الخطة من سنة اثنتين وسبعين إلى سنة أربع وسبعين ومائة وألف على ما استفيد من بعض الرسوم، لوم تطل مدته إلا أنله فيها ذكراً حسناً عليه رحمة الله آمين.
١٤ الشيخ خليل خوجة
هو الشيخ أبو الضياء خليلبن حسن خوجة كان فقيهاً فاضلاً تقدم خطيباً بالجامع اليسوسفي بعد رفع يد الشيخ محمد بيرم الأول من الإمامة.
وقدمه الأمير علي باي لخطة القضاء وباشر الخطة سنتي سبع وثمان وسبعين ومائة وألف على ما استفيد من بعض الرسوم على ذلك نحو سنين في الخطة ثم عزل منها وبقيت بيده الخطبة إلى أن توفي سنة ١٢٠٣ ثلاث ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين.
١٥ الشيخ مرادبو سيكة
هو الشيخ أبو الإقبال مرد بن الأعدل محمد بوسيكة المنزلي. كان فقيهاً فاضلاً اصطفاه يونس باي على عهد والده الباشا، وقربه وأعلى منزلته عند والده مع ما هو عليه من العلم والفضل، فبث العلم وخطب.
وقدمه الأمير علي باي لخطة القضاء بالمذهب الحنفي ولازم الخطة نحو العشر سنين إلى أن توفي سنة ١١٩٠ تسعين وألف عليه رحمة الله آمين، وكتب على قبره: [البسيط]
يا واسع الجود والإفضال والكرمِ ... وباسط المن والإحسان والنّعمِ
стр. 276
أقبل نزيلاً أتى يرجو قرا كله ... ويستحير من الأسواء والنقمِ
أحسن كرامته أجز لمثوبته ... وكن أماناً لهمن لفح مصطلمِ
هو الإمام مرادٌ حفظ ومعرفة ... تزري بكل لبيبعاقب فهمِ
وإن رقى منبراً يوماً لموعظة ... ترى المدامع منسهلٍ بمنسجمِ
وإن أتى مجلساً يوماً لفصل قضا ... تراه يفصل بين الخصم والحكمِ
فاغفر له ما جنى ياذا الجلال وكن ... له مجيراً من التوبيخ والندمِ
في يوم حشرٍ إذا ضاق الخناق وقد ... أمرت بالجمع يا مولاي للأممِ
واقبل دعاء الذي يا رب أرخه: ... (فاجعل مراداً بالرضا العممِ)
١٦ الشيخ محمد قارة بطاق
هو الشيخ أبو عبد الله محمد قارة بطاق بن مصطفى خوجة، ولد ببلد طرابلس صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من شعبان الأكرم سنة ١١١٢ اثنتي عشرة ومائة وألف وارتحل لتونس في طلب العلم، وقرأ على أعلام تونس فجود القرآن بالعشر على الشيخ حمودة العامر يو الشيخ رمضان القروي والشيخ أحمد التونسي والشيخ قاسم الجبالي.
وشارك في علوم كثيرة وانرد بعلوم القراءات فألّف فيها كتابه تحفة البررة بقراءة الثلاثة المتممين للشرة وقرظها الشيخ محمد الخضراوي بقوله: [الخفيف]
بوجوه من القراءات تتلى ... بنظا ميفوق عقد الجمانِ
ومزيد من فهم علم وكتب ... جمعت طرق أحرف القرآنِ
سيما ما أبدا هقزمٌ همام ... قارة باطاق فارس الميدانِ
فجزاه الإله خير جزاء ... وحماه من طارق الحدثانِ
عندما قد نشقت طيب شذاها ... وبلغتا لمنى بها والأماني
وسرى أمرها السر يبقلبي ... فتمايلت منه كالنشوانِ
قلت سبحان من هداه لهذا ... جلّ ربُّ العطاء والإحسانِ
وشهد بفضله العموم، وجلس لتجويد القرآن بجامع الزيتونة على عهد الأمير حسين باشا، ثم قدمه للتجويد بجامع محمد باي الحنفي. وألف كتاباً آخر سماه الجواهر النضرة والرياض العطرة في متواتر القراءات العشرة وكان مفرد عصره في ذلك الهلم الجليل.
وتقدم إماماً وخطيباً وراوياً بالجامع الحسيني على عهد الباشا علي، ثم لما رجع الملك إلى الأمير محمد الرشيد باشا باي وقدم للخطة المذكورة الشيخ حسين البارودي عوضه من ذلك إمامة الخمس بالجامع الباشي خاصة، غير أن الشيخ البارودي استنابه في جميع وظائف الجامع الحسيني.
ثم قدمع الأمير علي باشا باي لخطة القضاء سنة ١١٩٠ تسعين ومائة وألف ثم عزله يوم السبت الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة ١١٩٢ اثنتين وتسعين ومائة وألف، وأبقيت بيده إمامة الجامع الباشي إلى أن توفي في رجب الأصب سنة ١١٩٧ سبع وتسعين ومائة وألف عليه رحمة الله.
١٧ الشيخ محمد بيرم الثاني
تقدمت ترجمته في المفتين مستوفاة. وتقدم لخطة القضاء على ما سلف في بسطه يوم السبت الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة ٩٢ اثنتين وتسعين ومائة وألف، واستقال منها فأقيل يوم الأحد الرابع من رجب الأصب سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف، ثم أعيد إليها يوم الاثنين السادس والعشرين من ربيع الثاني عام ١١٩٤أربعة وتسعين ومائة وألف ولازم القيام بها بعد ذلك إحدى عشرة سنة ثم ارتقة عنها إلى الفتيا عليه رحمة الله تعالى.
١٨ الشيخ حسونة الترجمان
هو الشيخ أبو محمد حسونة بن مصطفة الترجمان كان عالماً جليلاً، وحازماً نبيلاً، صاحب اعتناء وفضل وجاه وإقبال.
وقد جمع لنفسه مجموعاً علمياً جعله كناشاً، فتهافت الشعراء على تقريظه وقرظه الشيخ أحمد سميه مؤرخاً بقوله: [الكامل]
نعم الصنيع أتى به حسن الرضا ... لذوي النهى أهلا لفصاحة والنجادْ
جمع المسائل فيسلوك عجائبٍ ... فتفردت بين المسائل بالرشادْ
أنّى نظرت بديع دفتره انثني ... إلّا وأشرقت المعاني بازديادْ
لما نظرت إلى بديع جماله ... عفتُ الرقاد ولذ لي طعم السهادْ
أجلى الإفادة للورى فلأجل ذا ... بمحرم أرخت كنا شٌأفاد)
وقرظه الشيخ علي الغراب بقوله: [الوافر]
كتاب جامع منكل فنِّ ... حكى البستان في زهروتيه
إلى الكناش ينسب حين يدعي ... وتاريخاً إذا يعزى إليه
فيا لك جامعاً في الحسن فرداً ... فليس لما تضمن من شيبه
стр. 277
تكّلف وشيَ حلته حسين ... لذاك الحسُ مقصورٌ عليه
وذاك الوشي أعجز كل حبر ... حكيم، أو أديب، أو فقيه
فيالك من كتاب إنْ تؤزخْ ... (ترى من كل علم فاق فيه)
وكان مع علمه وجلالته امتحن على عهد الباشا علي بالسجن وأطلق بعد ذلك وهنأه جميع شعراء عصره بقصائد غراء وورى فيه بالحسين واليزيد الشيخ أبو الحسن علي الغراب في قوله: [المتقارب]
إذا ماعدوك في القول زاد ... على ما جرى مثلما قد يريد
فلا غرو أن زاد ما لم يقع ... فإنّ عدو الحسين يزيد
وقد شطّر هذين البيتين كثير من شعراء العصر.
وكان الشيخ خيراً زكياً نبيهاً أديباً فاضلاً وقفت له على مقامة بديعة من جيد النثر ولطيف الشعر خاطب بها صاحبه الشيخ أحمد العصفوري تبلغ نحو كراس، وقد فصل فيها اثني عشر علماً ووصف بها ممدوحه.
وتقدم لخطة القضاء على عهد الأمير علي باي يوم الأحد الرابع من رجب الأصب سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف ثم عزل منها يوم الاثنين السادس والعشرين من ربيع الثاني سنة ١١٩٤ أربع وتسعين ومائة وألف.
وكان له ولد وهو الشيخ محمد بفتح أوله ولي خطة الإمامة بجامع محمد باي الذي أمام زاوية الشيخ سيدي محرز بن خلف وتوفي الإمام المذكور يوم الاثنين الثامن من ربيع الثاني سنة ١٢١١ إحدى عشرة ومائتين وألف ودفن حيثد فن والده بالسلسلة عليهما رحمة الله. وكانت وفاة والده عقب عزله من خطة القضاء بمر كان به وكتب على قبره: [الكامل]
حتى متى تنسى مفاجأة الحمامْ ... فكأنما ترجو لمحياك الدوامْ
عجباً لمن لم يتعظ بمآله ... أيظن أنه خالد دون الأنامْ
فليعتبر بالشامخ الهمم الذي ... كانت به الآمال تأتي والمرامْ
حسن الزعين الترجمان المرتدي ... حلل المحامد من مزاياه الجسامْ
قد كان يملأ كلعين همَّةً ... ومروءة ويرد منقبل السلامْ
ويقوم للراجج يبت بليغ المنى ... ويبر بالجاني ويرثي للمضامْ
ويرقُّ للفقراء ويحمل ذا العنا ... ويذبُّ عمن قد أُهين من الكرامْ
ولطالما جر انتفاعاً للورى ... من غير ما حثٌّ عليه ولا كلامْ
هذا وفي كل العلوم قد ارتقى ... رتباً أبت من بعد فقده أن ترامْ
لما تكامل عيشه وزها به ... وجه الزمان وحل منزلة المقامْ
وافته في عجل منيته وقد ... عجز الحميم وحنَّ منيرعى الذمامْ
فمضى لأكرمِ ماجدٍ يرجو القرى ... والصفح في يوم التغابن والزحامْ
فلذا أتى لما انقضى تاريخه: ... (يا ماجداً حسن من الحسن الهمامْ)
١٩ الشيخ حسن برناز
تقدمت ترجمته مستوفاة في المفتين وتقدم لخطة القضاء بعد الشيخ محمد بيرم الثاني أوائل المحرم سنة ١٢١٥ خمس عشرة ومائتين وألف.
وكان مع علمه غراً كريماً فأخره الأمير حمودة باشا من الخطة المذكورة وأولاه الفتيا. عليه رحمة الله.
٢٠ الشيخ أحمد بن الخوجة
تقدم بسط ترجمته في المفين وولي خطة القضاء بعد تأخير من قبله في ذي الحجة الحرام سنة ١٢١٩ تسع عشرة ومائتين وألف وأفام بها نحو العشر سنين وارتقى عنها إلى الفتيا عليه رحمة الله آمين.
٢١ الشيخ مصطفى دنقزلي
стр. 278
هو الشيخ أبو النخبة مصطفى دنقزلي أخذ العلم عن فحول من علماء المعقول والمنقول وتصدى للتدريس فأفاد وتقدم للإمامة بالجامع اليوسفي عند عزل الشيخ حسونة التركي يوم الجمعة الثالث عشر سنة ١٢١٥ خمس عشرة ومائتين وألف بإشارة الشيخ محمد البارودي. ولكن لما توفي الشيخ عمر زيدة إمام جامع القصبة وإمام مسجد سيدي ابن زياد يوم الثلاثاء التاسع من محرم سنة ١٢١٧ سبع عشرة تقدم عوضه لإمامة المسجد الخوجة محمد سيفي، وتقدم عوضه لإمامة جامع القصبة الشيخ حسونة التركي صبيحة يوم السبت الثالث عشر من المحرم المذكور، فانجبر بذلك صدع التركي. وبقي صاحب الترجمة على إمامة الجامع اليوسفي والشيخ حسونة التركي على إمامة جامع القصبة إلى أن توفي الشيخ حسونة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة١٢٢٢ اثنتين وعشرين فولي صاحب الترجمة الإمامة المذكورة عوضه يوم السبت التاسع من ذي الحجة غير أنها تنقات عنه، فوليها الشيخ حسين صفر يوم الثلاثاء الثاني من ربيع الأول سنة ١٢٢٦ ست وعشرين. ولما عزل الشيخ علي الستاري بسبب لحنه ترقى صاحب الترجمة عوضه إمامة الجامع اليوسفي وروايته صبيحة يوم الثلاثاء العاشر من رجب سنة ١٢٢٩ تسع وعشرين فأقام خطبة الجامع ملازماً للتدريس بجامع الزيتونة.
ثم قلده الأمير عثمان باشا خطة القضاء في ذي القعدة الحرام سنة ١٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين وألف، فأقام في الخطة نحو ثلاث سنسن وكان مغفلاً فأخره الأمير محمود باشا عن الخطة وأقام على الإمامة والتدريس.
وأخذ عنه كثير من العلماء وكان عالماً فقيهاً فاضلاً خيراً حسن الأخلاق، غراً كريماً تقياً. وقد أصيب في الطاعون العام فتوفي في شعبان اأكرم سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف ورثاه العالم الشاعر الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الكامل]
الموت رام للأنام بنبله ... متخطف كل امرئ من أهله
لم يبقَ من أحد ولا يبقى ولو ... بلغ الفتى في الفضل غاية نبله
ما هوَّ إلا ما يقدمه الفتى ... من علم أو عمل يسر بفعله
مثل الإمام العالم العلم الذي ... في عصره بخل الزمان بمثله
هوَّ الأفندي مصطفى دنقزلي من ... عبقت على الأحكام نسمة عدله
أغنى ببهجته الزمان عن الضحى ... وبوابل من علمه عن طله
ولكمْ أفاد وجاد من تقريره ... بعجائب من نقله أو عقله
ولكم بتقوى الله كان ممسكاً ... من حسن توفيق بأوثق حبله
ثم استجاب لربه مترجياً ... منه الجزيل من القرى في نزله
والله أجدر أن يبلغ آملاً ... من فضله ما يرتجيه بنيله
ولذاك إذ قوي الرجا قد قلت في ... تاريخه (وسمت سحائب فضله)
٢٢ الشيخ علي الدرويش
تقدم ذكره في المفتين وقد تقدم لخطة القضاء عند عزل من قبله أثناء سنة ١٢٣٢ اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، وأقام في الخطة تسع عشرة سنة [١٩] حسن فيها ذكره وتيقظه ثم ترقى لخطة الفتيا إلى أن توفي، عليه رحمة الله.
٢٣ الشيخ محمد بن الخوجة
تقدم استيفاء ترجمته في المفتين وقد ولي خطة القضاء في السادس والعشرين من ثاني جمادى سنة ١٢٥١ إحدى وخمسين ومائتين وألف وأقام في الخطة نحو ثماني سنين حسن فيها ذكره وتيقظه حتى كان رتبة لها إلى أن ارتقى لخطة الفتيا وأدركته المنية في مشيخة الإسلام عليه رحمة المالك العلام.
٢٤ الشيخ محمود بن باكير
سبقت ترجمته وتقدم لخطة القضاء ثامن ربيع الأول سنة ١٢٥٩ تسع وخمسين ومائتين وألف وأقام في الخطة نحو الأربع سنين وارتقى لخطة الفتيا ولازمها إلى وفاته عليه رحمة الله آمين.
٢٥ الشيخ مصطفى بيرم
مرت ترجمته مستوفاة وتقدم لخطة القضاء في الحادي عشر من ذي القعدة الحرام سنة ١٦٦٢ اثنتين وستين ومائتين وألف، وزان الخطة علماً وصيانة نحو الخمس عشرة سنة، ثم ارتقى إلى الفتيا إلى أن صار ثنيانها وأدركته المنية عليه رحمة الله آمين.
٢٦ الشيخ أحمد بن الخوجة
سبقت ترجمته وتقدم لخطة القضاء منتصف ربيع الثاني سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف، فزان الخطة نحو السنتين، ثم ارتقى عنها لمعارج الفتيا إلأى أن توج هام مشيخة الإسلام، أدام الله حراسته على ممر الليالي والأيام.
٢٧ الشيخ حسن بن الخوجة
стр. 279
تقدمت ترجمته وتقدم لخطة القضاء في المحرم سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين ومائتين وألف، وأقام في الخطة نحو ست سنين، وارتقى عنها إلى الفتيا عليه رحمة الله آمين.
٢٨ الشيخ محمد البارودي
قد استوفينا ترجمته سابقاً وتقدم لخطة القضاء تاسع شعبان الأكرم سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف وأقام زينة للخطة علماً وديانة نحو الخمس سنين، وارتقى عنها إلى الفتيا إلى أن توفي، عليه رحمة الله.
٢٩ الشيخ محمد بيرم
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن مصطفى بن محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بن بيرم. ولد سنة خمسين ومائتين وألف وتربة في حجر صيانة والده، وقرأ عليه، وقرأ على الشيخ سالم بو حاجب المغني والمطول والأموني، وقرأ على الشيخ علي العفيف والشيخ محمد الشاهد وغيرهم.
وتصدى للتدريس وتقدم لخطته الأولى والثانية، ثم قدمه المشير محمد الصادق باشا باي بعد وفاة والده إماماً وخطيباً وراوياً بالجامع اليوسفي، وشيخاً على المدرسة اليوسفية.
ثم بعد ذلك قدمه لخطة القضاء رابع جمادى الأولى سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، ولازم المراجعة والتحري بحيث لم يحفظ له خطأ في ولايته المذكورة. وهو عالم فاضل حسن السكينة والوقار، عفيف مثبت حسن الخلق عارف بمقتضيات الأحوال متحفظ على شرف خطته ملازم لصيانة مقامه جار في الخطة على منهاج آبائه الكرام وآل بيته العظام فهو القاضي وابن القاضي وابن أخي القاضي ثالث قضاة آل بيته وسادسهم في الخطة الشرعية لا زالوا مذكورين في الخطة بكل مزية.
أعلم أن خطة القضاء بإفريقية خطة قديمة جرت من عصر التابعين ثم تابع التابعين وقد وليها رجال من أصحاب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁، ولم يزل القضاء لها به العمل من مذهبه الزكي بإفريقية وتونس من ذلك العهد إلى هذا اليوم غير أن القضاة من رجال المذهب المالكي اختلف محل استقرارهم من إفريقية على حسب اختلاف مقر الدولة.
فقد كانت القيروان هي مقر إمارة إفريقية وبها يجلس قاضي إقريقية، وأما تنقل الخطة إلى حاضرة تونس فإنما كان مع استقرار دولة بني أبي حفص بها وبعد ذلك أتت على الخطة المذكورة أطوار، وحيث إنها من أعظم الخطط الشرعية لم يتقدم لها في كل عصر إلا من لهم شأن في العلم والدين وكل زمان فيه ذوو شأن، والشأن يختلف باختلاف الزمان، ولسبقية هاته الخطة الشرعية في المملكة الإفريقية تتبعت رجالها، وحصرت أجيالها، ليكون هذا القسم عنونان أطوار البلاد الإفريقية في العلم والفضل والدين والورع، على أنني لم أذكر أخبار أحد من هؤلاء الرجال، فيما كانوا عليه من الفضل والكمال، إذ أن أخبارهم مبسوطة في مطولات التواريخ.
وقد جعلت هذا القسم خمسة رياض، ففي مجموعها ما تعلقت به الأغراض، من استيعاب قضاة إفريقية على الوجه الأتم، والتيمن بذكر مفاخرهم المشتهرة اشتهار النار على هلم، فكانت الرياض المذكورة هي الآتي بيانها: الأول: روض الأفنان فيمن ولي قضاء إفريقية بالقيروان.
الثاني: الروض المونس فيمن ولي قضاء إفريقية بتونس.
الثالث: الروض الذي عوابق أفنانه مذاعه فيمن ولي بتونس خطة قضاء الجماعة.
الرابع: الروضة المرضية فيمن ولي نيابة القاضوية.
الخامس: الروض الذي عنده تنتهي الآمال في معرفة من ولي الخطة بعد تمييزها بالاستقلال.
كل ذلك على مذهب عالم المدينة مالك بن أنس الأصبحي ﵁ وبطالعة هذا الانتشار، يتبين ما أتى على الخطة المذكورة من الأطوار، فأقول وبالله نستعين.
روض الأفنان فيمن ولي قضاء إفريقية بالقيروان أعلم أن مدينة القيروان من وضع أصحاب رسول الله ﷺ بإفريقية وكان رسم بنائها بعد الخمسين من الهجرة فآوى إليها كثير من الصحابة والتابعين.
ولما أفضت خلافة الإسلام إلى الإمام العادل عمر بن عبد العزيز ﵁ اختار عشرة من فقهاء التابعين وأرسلهم ليفقهوا أهل إفريقية فبثوا فيها العلم والدين وتفقه بهم رجال أصبحوا غرراً في جبهة المذهب المالكي رضي الله عن امامه وسائر الأئمة وعند ذلك أقيمت خطة قضاء إفريقية بأولئك الرجال ثم بمن بعدهم من الأجيال ﵃ أجمعين.
وهذه تراجمهم على وجه الاختصار حيث أن فضلهم في الدين أشهر من الشمس في رابعة النهار.
١-أبو الجهم التنوخي
стр. 280
هو التابعي أبو الجهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي، روى عن عبد الله بن عمر وجمع من الصحابة ﵃ أجمعين، وهو أحد العشرة السابقين الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز ليفقهوا أهل إفريقية فسكن القيروان وهو أول من استقضى بها بعد بنائها، أولاه موسى بن نصير قضاء افريقية سنة ٨٠ ثمانين بعد الهجرة وكان ثقة بعد الهجرة بنفسه عدلاً في أحكامه، فقضى تسع عشرة سنة، وتوفي بالقيروان سنة ١١٣ ثلاث عشرة ومائة ﵁.
٢- عبد الله بن المغيرة
هو التابعي عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني روى عن سفيان بن وهب الخولاني وكان من فضلاء التابعين وأهل الورع منهم.
وقد كان سليمان بن عبد الملك وجَّه إلى عبد الله بن موسى بن نصير عامل إفريقية أن يوجه إليه ما تحصل من خراج إفريقية صحبة عشرة من عدول القيروان يشهدون عنده أنّ هذا المال أخذه من وجهه ففعل ذلك، ولنا دخلوا على سليمان سألهم عن ذلك فقالوا لم يؤخذ إلا من وجهه وعبد الله بن المغيرة ساكت لم يتكلم بشيْ.
وكان عمر بن عبد العزيز حاضراً بذلك المجلس فعلم أنه إنما منعه من الكلام الورع والخوف من الله فسأل عنه بعد انصرافهم فعرّف بدينه وورعه وفضله فلما أفضت الخلافة إليه ولاه قضاء إفريقية سنة٩٩ تسع وتسعين فكانت ولايته من الخليفة، وأقام قاضياً إلى زمن كلثوم بن عياض فاستعفى من القضاء سنة١٢٣ ثلاث وعشرين ومائة ﵁.
٣-أبو علقمة
هو التابعي أبو علقمة مولى عبد الله بن عباس ﵃ روى عن عبد الله بن عباس وابن عمر وأبي هريرة، وسكن القيروان واستوطنها وولي قضاء إفريقية ذكر ذلك أبو سعيد بن يونس.
٤-أبو كريب المعافري
هو القاضي أبو كريب جميل بن كريب المعافري واسمه عبد الرحمن روى عن أبي عبد الرحمن الحبلي وكان من علماء تونس، فأرسل عبد لبرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري إلى والي تونس في طلبه، وأشخصه من تونس سنة ١٣٢ اثنتين وثلاثين ومائة، وراوده على الخطة فسكت ولم يجب حتى قام الأمير على قدميه وقال له: يا أبا كريب والله الذي لا إله إلا هو ما أردتك إلا لتنفيذ الحق علي، وأجعلك حسنة بيني وبين الله للمسلمين، وتكون لي عوناً على هذا الأمر وتحكم علي بالحق فاتق الله فيما دعوتك إليه من الحق فيَّ وفي المسلمين، فقال له: أبو كريب الله أردت ذلك؟ قال: نعم، فكرره عليه ثلاثاً، فقال أبو كريب: قد قبلت فولاه يومئذٍ قضاء إفريقية وجلس بجامع القيروان يحكم بينهم.
وبعد أيام أتاه خادم لاامرأة الأمير، ورفع إليه أها اشترطت على الأمير أنه متى تسرى عليها كان أمرها بيدها، وأثبت وكالته فأرسل طابعه إلى الأمير يُطالبه بالحضور بين يديه لمرافعة الوكيل، فحضر وجلس بين يديه مع الخادم، فسأله عن القضية فاعترف بالشرط والتسري، فأشهد من حضر أن أمرها بيدها إن شاءت أقامت وإن شاءت طُلّقت وامتثل الأمير ذلك وقال: الحمد لله الذي رأيت قاضياً يحكم بالحق.
وكان أيو كريب إذا توجه إلى الجامع ساق حماره بين يديه وإذا انصرف ركبه، وكان رسن حماره حبل ليف، وكان إذا تبين له الحكم بالليل يأتي دار من ثبت حقه فيأمره أن يُحضر له صالحي جيرانه فيشهدهم ويقول لو تركت هذا إلى غد ثم مت من ليلتي أليس يتلف حقه.
واستمر أبو كريب على خط القضاء إلى أن ثار عاصم بن جميل الصُّفْرِي ومن معه، وغلبوا العسكر وساروا إلى مدينة القيروان وكانوا يستحلون دماء المسلمين وسبي ذراريهم ونسائهم فدعا أبو كريب الناس لقتالهم، واجتمعوا عليه نحو ألف رجل وخرج إلى الوادي المعروف بوادي أبي كريب، وبعد قتال شديدقتل أبو كريب ومن معه سنة ١٤٠ أربعين ومائة ﵁.
٥ عبد الرحمن بن أنعم المعافري
هو القاضي أبو البقاء عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم المعافري الشعباني أول مولود في الإسلام بعد فتح إفريقية، ولد سنة ٩٥ خمس وتسعين ببرقة والجند داخلون إفريقية.
وروى عن أبيه زياد بن أنعم عن أبي أيوب وجماعة من التابعين منهم عبد الرحمن الحبلي.
وكان محثاً عالماً متقدماً ذا ورع وزهد وصلاح، مع تفنن في العربية والشعر، مجاب الدعوة.
стр. 281
وولي قضاء إفريقية مرتين، إحاهما لمروان بن محمد والثانية لأبي جعفر المنصور، وذلك أنه وفد عليه في شيوخ أهل القيروان مستنصراً على البربر الصفرية ووصل إلى القيروان سنة أربع وأربعين ومائة، واستمر على القضاء أيام محمد بن الأشعث والأغلب بن سالم وعمرو بن حفص وصدر من إمارة يزيد بن حاتم فعزل نفسه.
ورحل إلى تونس، وأقام بها مدة، ثم رجع إلى القيروان وتوفي في شهر رمضان المعظم سنة ١٦١ إحى وستين ومائة ودفن بباب نافع وصلى عليه يزيد بن حاتم ولما رَأى كثرة المشيعين للجنازة أنشد متمثلاً: [البسيط]
يا كعب ما راح من قوم وما ابتكروا ... إلا وللموت في آثارهم حَادي
٦ عبد الله بن فرّوخ
هو القاضي أبو محمد عبد اله بن فروخ الفارسي ولد بالأندلس سنة ١١٥ خمس عشرة ومائة، ورحل إلى المشرق فسمع عن أبي زائدة التابعي، وتفقه على مالك بن أنس، وسمع من سفيان الثوري والأعمش وهشام بن حسان.
ورجع إلى إفريقية فاقام بالقيروان يحدث التاس ويعلمهم سنة رسول الله ﷺ وعاد إلى الرحيل ثانية فقَام إليه مالك بن أنس ووصفه بأنه فقيه المغرب.
واجتمع بابي حنيفة وكتب عنه نحو عشرة آلاف مسألة وناظر زفر بين يدي الإمام حتى ظهر عليه.
وعاد إلى القيروان فعرض عليه رَوْح بن حاتم قضاء إفريقية فامتنع فتوعده بالقتل وأمر بإلقائه من أعلى السطح إن لم يقبل، ولما صعدوا به إلى السطح وأرادوا إلقاءه قال قبلت وجلس للحكم بالجامع وجعل يبكي ويسترحم الخصوم لإقالة عثرته في خصومتهم وكلما أتاه خصمان بكى واسترحمهما.
ولما أيس منه روح بن حاتم قال له: أشر علينا بمن نوليه القضاء فأشار عليه بولاية عبد الله بن غانم وعند ذلك خرج من الخطة.
وكان فقيهاً ورعاً فاضلاً لا تأخذه في الله لومة لائم مبايناً لأهل البدع حافظاً للحديث والفقه، وكان الناس يتبركون به ويجلسون له على طريقه إذا خرج يغتنمون منه دعوة وموعظة.
وكان القاضي ابن غانم لما ولي التزم مشاورته في المسائل فخاف أمور المسلمين، فخرج إلى الحج. وأخباره لا يفي هذا المختصر باستيفائها ولما حج وعاد أدركته المنية بمصر فمات سنة ١٧٦ ست وسبعين ومائة ﵁.
٧ عبد الله بن غانم
هو القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثَوْبان الرُّعَيني ولد ينة ١٢٩ تسع وعشرين ومائة.
ورحل من إفريقية في طلب العلم فصلحب مالك بن أنس، وروى عنه وعليه كان اعتماده، وروى عن سفيان الثوري وإسرائيل بن يونس وعثمان بن الضحاك المدني، وروى بإفرقية عن ابن أنعم وخالد بن عمران، ودخل الشام والعراق ولقي أب يوسف صاحب أبي حنيفة.
واشتهر علمه وفضله ودينه وورعه وولاه روح بن حاتم قضاء إفريقية في رجب سنة ١٧١ إحدى وسبعين ومائة، فباشر الخطة بعدل ودين، وأخباره في ذلك تخلدت في المطولات. ولم يزل على خطته وورعه نحو العشرين سنة إلى أن أصابه فالج وتوفي في ربيع الثاني سنة ١٩٠ تسعين ومائة ﵁.
٨ أبو محرز الكناني
هو القاضي أبو محرز محمد بن عبد الله بن قيس بن مسلم الكناني يقال إن جده قيس صاحب النبي ﷺ وقاتل معه.
وأما أبو محرز فقد رحل وسمع من مالك بن أنس وعبد الله بن كثير وعبد الرحمن بن أنعم وعبد الله بن فروخ.
وكان فاضلاً ورعاً، كثير الصقة فصيح اللسان بصيراً باللغة والشعر، فقيهاً، عارفاًبالحجة، كثير التثبت في أحكامه.
ولمّا توفي عبد الله بن غانم دعاه إبراهيم بن الأغلب للقضاء فتبرأ واستقال ثم ألزمه في خبر طويل فولي خطة قضاء إفريقية سنة ١٩١ إحدة وتسعين ومائة، وعدل في قضائه إلى أن توفي يوم الخميس الموفي عشرين من شهر رمضان المعظم سنة ٢١٤ أربع عشرة ومائتين ﵁.
٩ أسد بن الفرات
هو القاضي أبوعبد الله أسد بن الفرات بن سنان مولى بني سُليم، ولد بنجران سنة ١٤٢ اثنتين وأربعين ومائة، وأتى به أبوه إلى القيروان وعمره عامان فأقام بها تسع سنين وقرأ القرآن بقرية علي وادي مجردة.
стр. 282
وسمع من علي بن زياد ورحل إلى المشرق سنة ١٧٢ اثنتين وسبعين ومائة فقصد مالك بن أنس ﵁، وسمع منه، ثم رغب في ملاقاة الرجال وارتحل فلقي من أصحاب أبي حنيفة القاضي أبا يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو ثم سمع الحديث عن يحيى بن أبي زيادة وعن المسيب بن أبي شريك وهيثم بن بشير.
وسمع الفقه بمصر عن عبد الرحمن بن القاسم وعنه دوّن الأسدية وقدم بها إلى القيروان ثم ولاه زيادة الله بن الأغلب قضاء إفريقية سنة ٢٠٤ أربع ومائتين فكان يقضي مع أبي محرز ولم يعهد اجتماع قاضيين بالقيروان غيرهما، كل منهما يقضي في موضعه، ولم يزل كل منهما يقضي إلى أن أراد زيادة الله بن الأغلب غزو صقلية فاختار أسد بن الفرات أميراً على الجيش وأرسله ففتحها، غير أنه أصيب بجراحات مات بها هنالك محاصراً لسَرقُوسة في شهر ربيع الأول سنة ٢١٣ ثلاث عشرة ومائتين ودفن هنالك ﵀.
١٠ أحمد بن أبي محرز
هو القاضي أحمد بن أبي محرز محمد بن عبد الله بن قيس بن مسلم الكناني. لما توفي والده أحضر زيادة الله بن الأغلب من هم مظنة الأهلية فامتنع عليه جميعهم ولما لم يتعين عنده من يقدمه أمرهم بالإقامة في بيته وخرج ودس لهم من ينظر من يقدمونه للصلاة عند حضورها فقدموا أحمد المذكور فصلى بهم ولما بلغ ذلك إلى زيادة الله قال رضيت من رضوه وغصبه على الولاية فولاه قضاء إفريقية سنة ٢١٤ أربع عشرة ومائتين.
وكان بحراً من بحور العلم، حافظاًللسنن عارفاً بأصول الديانات من أهل الورع والكرامات قامعاً لأهل الأهواء ولما حضرته الوفاة أوصى بكتم موته وتوفي في جمادى الثانية سنة ٢٢١ إحد وعشرين ومائتين، عليه رحمة الله آمين.
١١ الشيخ الإمام سحنون التنوخي
هو القاضي أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي ولد سنة ١٦٠ ستين ومائة.
وسمع بإفريقية من علي بن زياد والعباس بن أشرس والبهلول بن راشد وعبد الله بن غانم ومعاوية الصُّمادحي، ورحل إلى المشرق سنة ١٨٨ ثمان وثمانين ومائة فسمع بمصر من ابن القاسم وابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وشعيب بن الليث ويوسف بن عمر، وسمع بالمدينة من عبد الله بن نافع ومعن بن عيسى وأنس بن عياض وابن الماجشون ومطرف والمغيرة بن عبد الرحمن، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي.
ورجع إلى القيروان سنة ١٩١ إحدى وتسعين ومائة فنشر مذهب عالم المدينة ثم أكرهه أحمد بن الأغلب على ولاية قضاء إفريقية بعد أن عزل القاضي ابن أبي الجواد الذي كان يذهب إلى رأي الكوفيين ويقول بخلق القرآن وقد لبث أحمد بن الأغلب سنة في مراودة سحنون حتى أولاه بعد أن التزم بجميع ما شرط وذلك في رمضان سنة ٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين. ولازم القضاء بفقه ودين وورع إلى أن امتحن من ابن أبي الجواد، وتوفي منتصف يوم الأحد سادس رجب الأصب سنة ٢٤٠ أربعين ومائتين ﵁.
١٢ سليمان بن عمران
هو القاضي أبو الربيع سليمان بن عمران ولد في شعبان سنة ١٨٣ ثلاث وثمانين ومائة وتفقه على فحول المذهب.
ولما طلب أحمد بن الأغلب سحنون للقضاء قال له: لا يصلح له غيرسليمان بن عمران ثم ولاه سحنون قضاء باجة شكوه إلى سحنون بأنه يحكم بمذهب أبي حنيفة ﵁ فقال لهم: ما قدمته عليكم إلا وأنا أعلم أنه يحكم بمذهبه، فانصرف فلما مات سحنون أوتي به إلى القيروان فولي قضاء إفريقية، وكان ذا حضرية ولطف وحسن فراسة، وكان ابن التبان يقول: لم يكن سليمان يقول بخلق القرآن. وقد عزل ورجع مراراً، وتوفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر سنة ٢٧٠ سبعين ومائتين.
١٣ عبد الله بن طالب
هو القاضي أبو العباس عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي وكان فقيهاً ورعاً سخياً.
وُلّي إمامة جامع القيروان بعد ابن أبي الحواجب، ثم ولاه إبراهيم بن أحمد بن الأغلب قضاء إفريقية عند عزل سليمان بن عمران سنة ٢٥٧ سبع وخمسين ومائتين، ثم لما راى ميلَ الناس إليه أخّره سنة ٥٩ وأعاد سليمان بن عمران ولما هاجر سليمان عزله وردّ ابن طالب سنة ٦٩ تسع ستين ثم عزله سنة ٧٥ وولّى عوضه ابن عبدون.
وسجن لإنكاره أفاعيل إبراهيم بن الأغلب فتوفي شهيداً، عليه رحمة الله.
١٤ حمّاس بن مروان
стр. 283
هو القاضي أبو العباس حماس بن مروان بن سماك الهمداني، ولد سنة ٢٠٢ اثنتين ومائتين، وسمع من محمد بن عبدوس وسحنون.
وكان قاضي إفريقية بالقيروان محمد بن أسود الصّدّيني المعتزلي ممن يقول بخلق القرآن والناس ينفرونه، فأراد زيادة الله بن الأغلب أن يحمده العامة، فعزل الصديني وأولى حماساً قضاء إفريقية في رمضان سنة ٢٩٠ تسعين ومائتين. وكان من أفضل القضاة واعْدَلِهم وأعلمهم بعلم القضاء مع حسن الفطرة.
وكان ابن الصايغ كبير دولة زيادة الله من الشيعة فسعى عند زيادة الله في ولاية محمد بن أحمد بن جمال من أهل العراق فولي القضاء مع حماس واليد له فخرج حماس إلى رقادة ستة اشهر يطلب الإعفاء إلى أن أعفي في جمادى الأولى سنة ٢٩٤ أربع وتسعين ومائتين.
ثم تنقلت الدولة إلى عبيد الله الشيعي وخرج زيادة الله بن الأغلب هارباً إلى المشرق ومعه ابن الصايغ وولى عبيد الله الشيعي محمد بن عمر المروذي الشيعي، وعظم أمره علر رأس الثلاثمائة وكثر قتله للعلماء والصالحين حتى عاد عبيد الله من سجلماسة فوجد في سجنه بعض أعيان علماء تونس فعزله وسعى به إلى ابن خنزير فضرب وقتل.
وتوفي حماس سنة ٣٠٤ أربع وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين.
١٥ محمد بن أبي منصور الأنصاري
هو القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي منصور بن محمد بن عبد الله بن حسن الأنصاري الأندلسي رحل إلى المشرق وسمع من القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره.
وجبره المنصور إسماعيل بن أبي القاسم بن عبد الله على القضاء، وقبل ما اشترطه، ولازم القضاء بالقيروان بفقه ودين إلى أن توفي لعشر بقين من المحرم سنة ٣٣٧ سبع وثلاثين وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين.
١٦ عبد الله بن هاشم
هو القاضي أبو محمد عبد الله بن هاشم بن مسرور من أهل العلم والتقشف والصقة ولي القضاء بالقيروان بعد وفاة من قبله ولازمه إلى أن توفي يوم الاثنين لست بقين من شعبان سنة ٣٦٠ ثلاث وستين وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين.
١٧ محمد بن هاشم
هو القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن هاشم بن مسرور.
صلّى على والده بعد وفاته وتقدم عوضه للقضاء بالقيروان ولازم القضاء إلى أن توفي في منتصف شعبان سنة ٣٩٩ ثلاث وتسعين وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين.
١٨ عبد الرحمن بن هاشم
هو القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن هاشم بن مسرور.
صلى على والده بعد وفاته وولي عوضه القضاء بالقيروان إلى أن توفي سنة ٤٣٥ خمس وثلاثين وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين.
١٩ أحمد بن أبي زيد
هو القاضي أبو العباس أحمد بن أبي زيد تقدم للقضاء بعد وفاة من قبله وتأخر سنة ٤٣٩ تسع وثلاثين وأربعمائة.
وبعد هذا التاريخ أتى على القيروان الخراب بسبب تفاقم أمر الشيعة، وتنقلت الدولة إلى المهدية، ومن قضاتها أبن سعلان الذي لم يقبل القضاء إلا باستدعاء عبد الحميد بن الصائغ القيرواني إلى الفتيا معه بالمهدية ليعتمد عليه في المشورة، واجتمعا بالمهدية في الخطتين سنة ٤٧٥ خمس وسبعين وأربعمائة.
ثم قَطَع دعوة الشيعة من القيروان المعزُّ بن باديس وكان قاضيه يومئذ ابو بكر بن أبي محمد بن أبي زيد السني، فحكم هو وأبو القاسم اللبيدي بفساد مذهب الشيعة مستهل صفر الخير سنة ٤٨٨ ثمان وثمانين وأربعمائة وعظم فساد الأعراب وانتشر انتشاراً كلياً. قال أبو مهدي عيسى الغربيني: إنه بعد الخمسمائة من الهجرة انقضت طبقة العلماء من إفريقية، ولم يبق بالقيروان من له اعتناء بتاريخ لاستيلاء مفسدي الأعراب على إفريقية وتخريبها وإجلاء أهلها عنها إلى سائر بلاد المسلمين وذهاب الشرائع بعدم من ينصرها من الملوك، إلى أن منّ الله على الناس بظهور دولة الموحدين وهم بنو عبد الواحد بن أبي حفص فوضحت بها معالم الدين وسبل الحق ورسوم الشرع فظهر بظهورها بإفريقية العلماء والصلحاء.
الروض المونس* فيمن ولي قضاء إفريقية بتونس ١،٢،٣
стр. 284
قد سبق في صدر المقدمة أن المملكة التونسية في وسط القرن السادس أتت عليهما سنون كانت أكثر جهات المملكة فيها فوضى إذ لا حاكم لها (واختلف الحال على تونس حتى أن أهلها لما خافوا فوضاهم استقدموا قاضيهم أبا محمد عبد المنعم ابن الإمام أبي الحسن لتدبير أمرهم وهو الذي أشار عليهم بمحمد بن زياد وبعد أن خرج أتى عليها عبد الله الخراساني وهو الذي قتل قاضيها يومئذ أبا الفضل جعفر بن حلوان) إلى أن غزاها الخليفة عبد المؤمن بن علي في سنة الأخماس أعني سنة ٥٥٥ خمس وخمسين وخمسمائة.
٤- وكان قاضي تونس يومئذ هو الشيخ علي بن أحمد الأبي وهو الذي أنشد
[البسيط]
ولي الشباب أمام الشيب منهزماً ... فذا يصول وذا يشتد في الهرب
ثم إن حفيده الناصر استخلف عليها عبد الواحد بن أبي حفص بتونس عاملاً له وذلك مبدأ استقرار الدولة بتونس إلى أن استقل بملكها ابنه أبو زكرياء يحيى يوم الأربعاء السادس من رجب الأصب سنة ٦٢٥ خمس وعشرين وستمائة، فكان ذلك مبدأ استقرار الدولة التونسية.
وكان القاضي يومئذ محمد بن زيادة الله فهو قاضي إفريقيا بتونس لاستقرار الدولة بها وهنا نذكر هؤلاء القضاة من فحول المالكية الذين كانوا في مبدإ استقلال دولة بني أبي حفص بالاقتصار على تاريخ ولايتهم ووفياتهم خاصة، وفي تاريخ البلاد من مفاخر فضلائهم وأخبارهم ما لا تفي به المسامرات فنقول مستعيناً بالله:
٥-الشيخ محمد بن زيادة الله
كان قاضياً بتونس حين استقلال أبي زكرياء يحيى في شهر رجب غير أنه عزله في الموفي ثلاثين من شهر رمضان المعظم سنة ٦٢٥ خمس وعشرين وستمائة.
٦-الشيخ أبو القاسم المريش
ولي القضاء بتونس بعد عزل ابن زيادة الله ولازم الخطة إلى أن تأخر سنة ٦٤٠ أربعين وستمائة.
٧-الشيخ عبد الرحمن بن عمر بن نفيس
تقدم للقضاء عند تأخر المريش، ولازم القضاء، وتأخر في صفر سنة ٦٤٦ ست وأربعين وستمائة، وكانت وفاته سنة ٦٨٢ اثنتين وثمانين وستمائة عليه رحمة الله.
٨-الشيخ عبد الرحمن بن علي بن الصائغ التوزري
قُضِّي بتونس من بعد عزل ابن نفيس وتأخر سنة ٦٥٧ سبع وخمسين وستمائة وكانت وفاته سنة ٦٥٩ تسع وخمسين وستمائة عليه رحمة الله.
٩-الشيخ أبو القاسم بن علي بن عبد العزيز بن المهدوي التنوخي
لما عزل ابن الصايغ تقدم عوضه لقضاء تونس وتأخر سنة ٥٨ ثمان وخمسين، ولازم الإفتاء إلى أن توفي سنة ٦٧٧ سبع وسبعين وستمائة ﵀.
١٠-الشيخ عمران بن معمر الطرابلسي
قد ولي القضاء أولاً ببلده ومنها نقل إلى القضاء بتونس عند عزل ابن البراء فقضى سنتين إلى أن توفي عاشر ربيع الثاني سنة٦٦٠ ستين وستمائة عليه رحمة الله آمين.
الروض الذي عوابق أفنائه مذاعه فيمن ولي بتونس خطة قضاء الجماعة
قد سبق اجمال استقلال دولة بني أبي حفص بتونس، ولما استحكم أمرهم أمكنهم الارتقاء إلى السلطنة فصارت تونس قاعدة خلافة الاسلام على عهد محمد المستنصر الحفصي، وخطب باسمه في مكة المشرفة وحاضرة فاس وتلقب بأمير المؤمنين سنة ٦٥٧ سبع وخمسين وستمائة.
وبعد ذلك اعتنى بخطة القضاء بتونس فجعل أربعاً من القضاة قاضي الأهلة وقاضي الأنكحة وقاضي المعاملات، وقاضي الجماعة وهو بمنزلة قاضي القضاة بالمشرق وهو الذي بيده مقاليد القضاء بحاضرة تونس ولذلك سمي قاضي الحضرة، وإذا أطلق لفظ القاضي إنما ينصرف إليه وغيره إنما يقال مضافاً إلى الأهلة والأنكحة والمعاملات وقاضي الجماعة هو قاضي الحضرة وقلما ترك بنو ابي أحفص واحداً في قضاة الحضرة أكثر من عامين.
وذكر الزركشي أن ذلك منهم عمل بوصية عمر بن الخطاب ﵁ ومع ذلك جعلوا يوم الخميس لاجتماع القاضي مع العلماء في مجالسهم للمفاوضة في النوازل الشرعية وتنفيذ الأحكام في النوازل الغامضة بين يدي الأمير، وفي باقي أيام الأسبوع يتصرف القاضي وحده في الحكم وكان أول من تقلد خطة قضاء الجماعة ابن الخباز.
ثم باعتناء بني أبي حفص بالعلم وأهله صارت تونس روضة من رياض العلوم وخرجت منها فحول من أعلام المالكية الحافظين للمذهب ذوو فضل وورع ودين.
نذكر هنا قضاتهم على حسب شرطنا وفي تواريخ البلاد من أخبارهم ما هو مشهور وبكل لسان مشكور.
стр. 285
١ الشيخ محمد بن الخباز
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم المهدوي المعروف بابن الخباز أولاه أمير المؤمنين المستنصر خطة القضاء بالحاضرة بعد وفاة القاضي الطرابلسي عاشر ثاني ربيعي سنة ٦٦٠ ستين وستمائة، وسماه قاضي الحضرة، وكان يقول ما يسألني الله عن أمور الأمة بعد أن قدمت عليهم ابن الخباز.
ثم أخره ثالث شهر رمضان المعظم سنة٦٦٢ اثنين وستين، ثم استعاده لحظة القضاء تاسع عشر ذي القعدة سنة٦٦٧ سبع وستين وستمائة.
ثم تأخر عنها وتوفي بالمهدية في السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة٦٨٣ ثلاث وثمانين وستمائة عليه رحمة الله آمين.
٢ الشيخ أحمد بن الغماز
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن سعيد بن محمد الغماز الأندلسي الأنصاري ولد ببلنسية يوم عاشوراء سنة ٦٠٩ تسع وستمائة.
وقرأ بالأندلس، وارتحل إلى بجاية، وولي بها العدالة ثم قدم إلى حاضرة تونس وولي قضاء كثير من بلدانها، ثم قدمه المستنصر لخطة قضاء الحاضرة ثالث رمضان سنة٦٦٢ اثنتين وستين وستمائة وأخره رابع شوال سنة ٦٦٧ سبع وستين.
وكحان قاضي الأنكحة على عهده الشيخ محمد بن الرايس الربعي.
ولما ولي أمير المؤمنين إبراهيم بن أبي زكرياء قدمه على علامته الكبرى في الخامس عشر من صفر سنة ٦٧٧ سبع وسبعين وستمائة بعد استعادته للقضاء.
ثم أخر من خطة القضاء في رجب الأصب سنة٧٩ تسع وسبعين، واستعيد إليها ثامن عشر ربيع الأول سنة٦٨٠ ثمانين وستمائة، ثم تأخر ووليها تاسع عشر رمضان سنة٦٩١ إحدى وتسعين وستمائة، إلى أن توفي يوم الخميس عاشر المحرم سنة ٦٩٣ ثلاث وتسعين وستمائة ودفن بقبرة سيدي عبد الرحمن المناطقي بتونس عليه رحمة الله آمين.
٣ الشيخ أحمد المفسر
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن إبراهيم المفسر، قدمه المستنصر لخطة القضاء بالحاضرة عند عزل ابن الخباز رابع شوال سنة٦٦٧ سبع وستين وستمائة وكان فقيهاً صالحاً وأخره عنها في التاسع عشر من ذي القعدة من السنة المذكورة.
٤ الشيخ إبراهيم الأصبحي
هو الشيخ أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن منصور بن الرشيد الأصبحي أخذ عن أبي عبد الله السوسي وابن معاوية الأريسي، وولي نيابة القضاء بتونس وتأخر وتوفي ليلة الأربعاء التاسع من المحرم سنة ٦٩٣ ثلاث وتسعين وستمائة ودفن بجبل المغارة ﵀.
٥ الشيخ عبد الحميد بن أبي الدنيا
هو الشيخ أبو محمد عبد الحميد بن أبي الدنيا تقدم لخطة القضاء عند تأخر ابن الغماز في رجب سنة ٦٧٩ تسع وسبعين وستمائة، ولم يستكمل فيها ثلاثة أشهر، وتأخر في شهر رمضان. وتوفي في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة ٦٨٤ أربع وثمانين وستمائة ودفن بالزلاج عليه رحمة الله آمين.
٦ الشيخ أبو القاسم بن زيتون
هو الشيخ أبو القاسم بن أبي بكر بن زيتون اليمني، ولد عام ٦٢٠ عشرين وستمائة وتقدم للقضاء عند تأخر من قبله ولم يستكمل فيها ستة أشهر وتأخر في الثامن من ربيع الأول سنة ٦٨٠ ثمانين وستمائة. وتوفي يوم الأثنين السابع عشر من رمضان سنة ٦٩١ إحدى وتسعين وستمائة، ودفن بجبل المرسى عليه رحمة الله.
٧ الشيخ زكرياء الغوري
هو الشيخ أبو يحيى زكرياء بن أبي بكر الغوري الصفاقسي صديق الولي الصالح أبي محمد المرجاني. تقدم لخطة القضاء بعد وفاة ابن الغماز ولما توفي صديقه الشيخ المرجاني أوائل جمادى الأولى سنة٦٩٩ كان مريضاً فكتموا عنه موت صديقه خشيةً عليه، ثم عاده ابن [عبد] الرفيع فأخبره فزاد ما به، وتوفي رابع عشر الشهر المذكور عليه رحمة الله.
٨ الشيخ إبراهيم بن عبد الرفيع
هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن علي بن عبد الرفيع الربعي ولد في ربيع الأول سنة٦٣٧ سبع وثلاثين وستمائة.
وولي قضاء تبرسق وقابس.
ثم قدمه المستنصر بالله لخطة القضاء بعد وفاة من قبله فحكم عاماً وأحد عشر شهراً ثم تأخر عن الخطة واستنيب من بعده مدة ووليها بعد ذلك وهكذا تداولها في خمس دول. وله أخبار حوتها بطون التواريخ.
следующие страницы →