← Тараджим

Тараджим · id 5440

مسامرات الظريف بحسن التعريف

محمد السنوسي

Полный текст (488 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وولي قضاء إفريقية مرتين، إحاهما لمروان بن محمد والثانية لأبي جعفر المنصور، وذلك أنه وفد عليه في شيوخ أهل القيروان مستنصراً على البربر الصفرية ووصل إلى القيروان سنة أربع وأربعين ومائة، واستمر على القضاء أيام محمد بن الأشعث والأغلب بن سالم وعمرو بن حفص وصدر من إمارة يزيد بن حاتم فعزل نفسه. ورحل إلى تونس، وأقام بها مدة، ثم رجع إلى القيروان وتوفي في شهر رمضان المعظم سنة ١٦١ إحى وستين ومائة ودفن بباب نافع وصلى عليه يزيد بن حاتم ولما رَأى كثرة المشيعين للجنازة أنشد متمثلاً: [البسيط] يا كعب ما راح من قوم وما ابتكروا ... إلا وللموت في آثارهم حَادي ٦ عبد الله بن فرّوخ هو القاضي أبو محمد عبد اله بن فروخ الفارسي ولد بالأندلس سنة ١١٥ خمس عشرة ومائة، ورحل إلى المشرق فسمع عن أبي زائدة التابعي، وتفقه على مالك بن أنس، وسمع من سفيان الثوري والأعمش وهشام بن حسان. ورجع إلى إفريقية فاقام بالقيروان يحدث التاس ويعلمهم سنة رسول الله ﷺ وعاد إلى الرحيل ثانية فقَام إليه مالك بن أنس ووصفه بأنه فقيه المغرب. واجتمع بابي حنيفة وكتب عنه نحو عشرة آلاف مسألة وناظر زفر بين يدي الإمام حتى ظهر عليه. وعاد إلى القيروان فعرض عليه رَوْح بن حاتم قضاء إفريقية فامتنع فتوعده بالقتل وأمر بإلقائه من أعلى السطح إن لم يقبل، ولما صعدوا به إلى السطح وأرادوا إلقاءه قال قبلت وجلس للحكم بالجامع وجعل يبكي ويسترحم الخصوم لإقالة عثرته في خصومتهم وكلما أتاه خصمان بكى واسترحمهما. ولما أيس منه روح بن حاتم قال له: أشر علينا بمن نوليه القضاء فأشار عليه بولاية عبد الله بن غانم وعند ذلك خرج من الخطة. وكان فقيهاً ورعاً فاضلاً لا تأخذه في الله لومة لائم مبايناً لأهل البدع حافظاً للحديث والفقه، وكان الناس يتبركون به ويجلسون له على طريقه إذا خرج يغتنمون منه دعوة وموعظة. وكان القاضي ابن غانم لما ولي التزم مشاورته في المسائل فخاف أمور المسلمين، فخرج إلى الحج. وأخباره لا يفي هذا المختصر باستيفائها ولما حج وعاد أدركته المنية بمصر فمات سنة ١٧٦ ست وسبعين ومائة ﵁. ٧ عبد الله بن غانم هو القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثَوْبان الرُّعَيني ولد ينة ١٢٩ تسع وعشرين ومائة. ورحل من إفريقية في طلب العلم فصلحب مالك بن أنس، وروى عنه وعليه كان اعتماده، وروى عن سفيان الثوري وإسرائيل بن يونس وعثمان بن الضحاك المدني، وروى بإفرقية عن ابن أنعم وخالد بن عمران، ودخل الشام والعراق ولقي أب يوسف صاحب أبي حنيفة. واشتهر علمه وفضله ودينه وورعه وولاه روح بن حاتم قضاء إفريقية في رجب سنة ١٧١ إحدى وسبعين ومائة، فباشر الخطة بعدل ودين، وأخباره في ذلك تخلدت في المطولات. ولم يزل على خطته وورعه نحو العشرين سنة إلى أن أصابه فالج وتوفي في ربيع الثاني سنة ١٩٠ تسعين ومائة ﵁. ٨ أبو محرز الكناني هو القاضي أبو محرز محمد بن عبد الله بن قيس بن مسلم الكناني يقال إن جده قيس صاحب النبي ﷺ وقاتل معه. وأما أبو محرز فقد رحل وسمع من مالك بن أنس وعبد الله بن كثير وعبد الرحمن بن أنعم وعبد الله بن فروخ. وكان فاضلاً ورعاً، كثير الصقة فصيح اللسان بصيراً باللغة والشعر، فقيهاً، عارفاًبالحجة، كثير التثبت في أحكامه. ولمّا توفي عبد الله بن غانم دعاه إبراهيم بن الأغلب للقضاء فتبرأ واستقال ثم ألزمه في خبر طويل فولي خطة قضاء إفريقية سنة ١٩١ إحدة وتسعين ومائة، وعدل في قضائه إلى أن توفي يوم الخميس الموفي عشرين من شهر رمضان المعظم سنة ٢١٤ أربع عشرة ومائتين ﵁. ٩ أسد بن الفرات هو القاضي أبوعبد الله أسد بن الفرات بن سنان مولى بني سُليم، ولد بنجران سنة ١٤٢ اثنتين وأربعين ومائة، وأتى به أبوه إلى القيروان وعمره عامان فأقام بها تسع سنين وقرأ القرآن بقرية علي وادي مجردة.

стр. 282

وسمع من علي بن زياد ورحل إلى المشرق سنة ١٧٢ اثنتين وسبعين ومائة فقصد مالك بن أنس ﵁، وسمع منه، ثم رغب في ملاقاة الرجال وارتحل فلقي من أصحاب أبي حنيفة القاضي أبا يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو ثم سمع الحديث عن يحيى بن أبي زيادة وعن المسيب بن أبي شريك وهيثم بن بشير. وسمع الفقه بمصر عن عبد الرحمن بن القاسم وعنه دوّن الأسدية وقدم بها إلى القيروان ثم ولاه زيادة الله بن الأغلب قضاء إفريقية سنة ٢٠٤ أربع ومائتين فكان يقضي مع أبي محرز ولم يعهد اجتماع قاضيين بالقيروان غيرهما، كل منهما يقضي في موضعه، ولم يزل كل منهما يقضي إلى أن أراد زيادة الله بن الأغلب غزو صقلية فاختار أسد بن الفرات أميراً على الجيش وأرسله ففتحها، غير أنه أصيب بجراحات مات بها هنالك محاصراً لسَرقُوسة في شهر ربيع الأول سنة ٢١٣ ثلاث عشرة ومائتين ودفن هنالك ﵀. ١٠ أحمد بن أبي محرز هو القاضي أحمد بن أبي محرز محمد بن عبد الله بن قيس بن مسلم الكناني. لما توفي والده أحضر زيادة الله بن الأغلب من هم مظنة الأهلية فامتنع عليه جميعهم ولما لم يتعين عنده من يقدمه أمرهم بالإقامة في بيته وخرج ودس لهم من ينظر من يقدمونه للصلاة عند حضورها فقدموا أحمد المذكور فصلى بهم ولما بلغ ذلك إلى زيادة الله قال رضيت من رضوه وغصبه على الولاية فولاه قضاء إفريقية سنة ٢١٤ أربع عشرة ومائتين. وكان بحراً من بحور العلم، حافظاًللسنن عارفاً بأصول الديانات من أهل الورع والكرامات قامعاً لأهل الأهواء ولما حضرته الوفاة أوصى بكتم موته وتوفي في جمادى الثانية سنة ٢٢١ إحد وعشرين ومائتين، عليه رحمة الله آمين. ١١ الشيخ الإمام سحنون التنوخي هو القاضي أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي ولد سنة ١٦٠ ستين ومائة. وسمع بإفريقية من علي بن زياد والعباس بن أشرس والبهلول بن راشد وعبد الله بن غانم ومعاوية الصُّمادحي، ورحل إلى المشرق سنة ١٨٨ ثمان وثمانين ومائة فسمع بمصر من ابن القاسم وابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وشعيب بن الليث ويوسف بن عمر، وسمع بالمدينة من عبد الله بن نافع ومعن بن عيسى وأنس بن عياض وابن الماجشون ومطرف والمغيرة بن عبد الرحمن، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي. ورجع إلى القيروان سنة ١٩١ إحدى وتسعين ومائة فنشر مذهب عالم المدينة ثم أكرهه أحمد بن الأغلب على ولاية قضاء إفريقية بعد أن عزل القاضي ابن أبي الجواد الذي كان يذهب إلى رأي الكوفيين ويقول بخلق القرآن وقد لبث أحمد بن الأغلب سنة في مراودة سحنون حتى أولاه بعد أن التزم بجميع ما شرط وذلك في رمضان سنة ٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين. ولازم القضاء بفقه ودين وورع إلى أن امتحن من ابن أبي الجواد، وتوفي منتصف يوم الأحد سادس رجب الأصب سنة ٢٤٠ أربعين ومائتين ﵁. ١٢ سليمان بن عمران هو القاضي أبو الربيع سليمان بن عمران ولد في شعبان سنة ١٨٣ ثلاث وثمانين ومائة وتفقه على فحول المذهب. ولما طلب أحمد بن الأغلب سحنون للقضاء قال له: لا يصلح له غيرسليمان بن عمران ثم ولاه سحنون قضاء باجة شكوه إلى سحنون بأنه يحكم بمذهب أبي حنيفة ﵁ فقال لهم: ما قدمته عليكم إلا وأنا أعلم أنه يحكم بمذهبه، فانصرف فلما مات سحنون أوتي به إلى القيروان فولي قضاء إفريقية، وكان ذا حضرية ولطف وحسن فراسة، وكان ابن التبان يقول: لم يكن سليمان يقول بخلق القرآن. وقد عزل ورجع مراراً، وتوفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر سنة ٢٧٠ سبعين ومائتين. ١٣ عبد الله بن طالب هو القاضي أبو العباس عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي وكان فقيهاً ورعاً سخياً. وُلّي إمامة جامع القيروان بعد ابن أبي الحواجب، ثم ولاه إبراهيم بن أحمد بن الأغلب قضاء إفريقية عند عزل سليمان بن عمران سنة ٢٥٧ سبع وخمسين ومائتين، ثم لما راى ميلَ الناس إليه أخّره سنة ٥٩ وأعاد سليمان بن عمران ولما هاجر سليمان عزله وردّ ابن طالب سنة ٦٩ تسع ستين ثم عزله سنة ٧٥ وولّى عوضه ابن عبدون. وسجن لإنكاره أفاعيل إبراهيم بن الأغلب فتوفي شهيداً، عليه رحمة الله. ١٤ حمّاس بن مروان

стр. 283

هو القاضي أبو العباس حماس بن مروان بن سماك الهمداني، ولد سنة ٢٠٢ اثنتين ومائتين، وسمع من محمد بن عبدوس وسحنون. وكان قاضي إفريقية بالقيروان محمد بن أسود الصّدّيني المعتزلي ممن يقول بخلق القرآن والناس ينفرونه، فأراد زيادة الله بن الأغلب أن يحمده العامة، فعزل الصديني وأولى حماساً قضاء إفريقية في رمضان سنة ٢٩٠ تسعين ومائتين. وكان من أفضل القضاة واعْدَلِهم وأعلمهم بعلم القضاء مع حسن الفطرة. وكان ابن الصايغ كبير دولة زيادة الله من الشيعة فسعى عند زيادة الله في ولاية محمد بن أحمد بن جمال من أهل العراق فولي القضاء مع حماس واليد له فخرج حماس إلى رقادة ستة اشهر يطلب الإعفاء إلى أن أعفي في جمادى الأولى سنة ٢٩٤ أربع وتسعين ومائتين. ثم تنقلت الدولة إلى عبيد الله الشيعي وخرج زيادة الله بن الأغلب هارباً إلى المشرق ومعه ابن الصايغ وولى عبيد الله الشيعي محمد بن عمر المروذي الشيعي، وعظم أمره علر رأس الثلاثمائة وكثر قتله للعلماء والصالحين حتى عاد عبيد الله من سجلماسة فوجد في سجنه بعض أعيان علماء تونس فعزله وسعى به إلى ابن خنزير فضرب وقتل. وتوفي حماس سنة ٣٠٤ أربع وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين. ١٥ محمد بن أبي منصور الأنصاري هو القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي منصور بن محمد بن عبد الله بن حسن الأنصاري الأندلسي رحل إلى المشرق وسمع من القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره. وجبره المنصور إسماعيل بن أبي القاسم بن عبد الله على القضاء، وقبل ما اشترطه، ولازم القضاء بالقيروان بفقه ودين إلى أن توفي لعشر بقين من المحرم سنة ٣٣٧ سبع وثلاثين وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين. ١٦ عبد الله بن هاشم هو القاضي أبو محمد عبد الله بن هاشم بن مسرور من أهل العلم والتقشف والصقة ولي القضاء بالقيروان بعد وفاة من قبله ولازمه إلى أن توفي يوم الاثنين لست بقين من شعبان سنة ٣٦٠ ثلاث وستين وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين. ١٧ محمد بن هاشم هو القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن هاشم بن مسرور. صلّى على والده بعد وفاته وتقدم عوضه للقضاء بالقيروان ولازم القضاء إلى أن توفي في منتصف شعبان سنة ٣٩٩ ثلاث وتسعين وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين. ١٨ عبد الرحمن بن هاشم هو القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن هاشم بن مسرور. صلى على والده بعد وفاته وولي عوضه القضاء بالقيروان إلى أن توفي سنة ٤٣٥ خمس وثلاثين وثلاثمائة عليه رحمة الله آمين. ١٩ أحمد بن أبي زيد هو القاضي أبو العباس أحمد بن أبي زيد تقدم للقضاء بعد وفاة من قبله وتأخر سنة ٤٣٩ تسع وثلاثين وأربعمائة. وبعد هذا التاريخ أتى على القيروان الخراب بسبب تفاقم أمر الشيعة، وتنقلت الدولة إلى المهدية، ومن قضاتها أبن سعلان الذي لم يقبل القضاء إلا باستدعاء عبد الحميد بن الصائغ القيرواني إلى الفتيا معه بالمهدية ليعتمد عليه في المشورة، واجتمعا بالمهدية في الخطتين سنة ٤٧٥ خمس وسبعين وأربعمائة. ثم قَطَع دعوة الشيعة من القيروان المعزُّ بن باديس وكان قاضيه يومئذ ابو بكر بن أبي محمد بن أبي زيد السني، فحكم هو وأبو القاسم اللبيدي بفساد مذهب الشيعة مستهل صفر الخير سنة ٤٨٨ ثمان وثمانين وأربعمائة وعظم فساد الأعراب وانتشر انتشاراً كلياً. قال أبو مهدي عيسى الغربيني: إنه بعد الخمسمائة من الهجرة انقضت طبقة العلماء من إفريقية، ولم يبق بالقيروان من له اعتناء بتاريخ لاستيلاء مفسدي الأعراب على إفريقية وتخريبها وإجلاء أهلها عنها إلى سائر بلاد المسلمين وذهاب الشرائع بعدم من ينصرها من الملوك، إلى أن منّ الله على الناس بظهور دولة الموحدين وهم بنو عبد الواحد بن أبي حفص فوضحت بها معالم الدين وسبل الحق ورسوم الشرع فظهر بظهورها بإفريقية العلماء والصلحاء. الروض المونس* فيمن ولي قضاء إفريقية بتونس ١،٢،٣

стр. 284

قد سبق في صدر المقدمة أن المملكة التونسية في وسط القرن السادس أتت عليهما سنون كانت أكثر جهات المملكة فيها فوضى إذ لا حاكم لها (واختلف الحال على تونس حتى أن أهلها لما خافوا فوضاهم استقدموا قاضيهم أبا محمد عبد المنعم ابن الإمام أبي الحسن لتدبير أمرهم وهو الذي أشار عليهم بمحمد بن زياد وبعد أن خرج أتى عليها عبد الله الخراساني وهو الذي قتل قاضيها يومئذ أبا الفضل جعفر بن حلوان) إلى أن غزاها الخليفة عبد المؤمن بن علي في سنة الأخماس أعني سنة ٥٥٥ خمس وخمسين وخمسمائة. ٤- وكان قاضي تونس يومئذ هو الشيخ علي بن أحمد الأبي وهو الذي أنشد [البسيط] ولي الشباب أمام الشيب منهزماً ... فذا يصول وذا يشتد في الهرب ثم إن حفيده الناصر استخلف عليها عبد الواحد بن أبي حفص بتونس عاملاً له وذلك مبدأ استقرار الدولة بتونس إلى أن استقل بملكها ابنه أبو زكرياء يحيى يوم الأربعاء السادس من رجب الأصب سنة ٦٢٥ خمس وعشرين وستمائة، فكان ذلك مبدأ استقرار الدولة التونسية. وكان القاضي يومئذ محمد بن زيادة الله فهو قاضي إفريقيا بتونس لاستقرار الدولة بها وهنا نذكر هؤلاء القضاة من فحول المالكية الذين كانوا في مبدإ استقلال دولة بني أبي حفص بالاقتصار على تاريخ ولايتهم ووفياتهم خاصة، وفي تاريخ البلاد من مفاخر فضلائهم وأخبارهم ما لا تفي به المسامرات فنقول مستعيناً بالله: ٥-الشيخ محمد بن زيادة الله كان قاضياً بتونس حين استقلال أبي زكرياء يحيى في شهر رجب غير أنه عزله في الموفي ثلاثين من شهر رمضان المعظم سنة ٦٢٥ خمس وعشرين وستمائة. ٦-الشيخ أبو القاسم المريش ولي القضاء بتونس بعد عزل ابن زيادة الله ولازم الخطة إلى أن تأخر سنة ٦٤٠ أربعين وستمائة. ٧-الشيخ عبد الرحمن بن عمر بن نفيس تقدم للقضاء عند تأخر المريش، ولازم القضاء، وتأخر في صفر سنة ٦٤٦ ست وأربعين وستمائة، وكانت وفاته سنة ٦٨٢ اثنتين وثمانين وستمائة عليه رحمة الله. ٨-الشيخ عبد الرحمن بن علي بن الصائغ التوزري قُضِّي بتونس من بعد عزل ابن نفيس وتأخر سنة ٦٥٧ سبع وخمسين وستمائة وكانت وفاته سنة ٦٥٩ تسع وخمسين وستمائة عليه رحمة الله. ٩-الشيخ أبو القاسم بن علي بن عبد العزيز بن المهدوي التنوخي لما عزل ابن الصايغ تقدم عوضه لقضاء تونس وتأخر سنة ٥٨ ثمان وخمسين، ولازم الإفتاء إلى أن توفي سنة ٦٧٧ سبع وسبعين وستمائة ﵀. ١٠-الشيخ عمران بن معمر الطرابلسي قد ولي القضاء أولاً ببلده ومنها نقل إلى القضاء بتونس عند عزل ابن البراء فقضى سنتين إلى أن توفي عاشر ربيع الثاني سنة٦٦٠ ستين وستمائة عليه رحمة الله آمين. الروض الذي عوابق أفنائه مذاعه فيمن ولي بتونس خطة قضاء الجماعة قد سبق اجمال استقلال دولة بني أبي حفص بتونس، ولما استحكم أمرهم أمكنهم الارتقاء إلى السلطنة فصارت تونس قاعدة خلافة الاسلام على عهد محمد المستنصر الحفصي، وخطب باسمه في مكة المشرفة وحاضرة فاس وتلقب بأمير المؤمنين سنة ٦٥٧ سبع وخمسين وستمائة. وبعد ذلك اعتنى بخطة القضاء بتونس فجعل أربعاً من القضاة قاضي الأهلة وقاضي الأنكحة وقاضي المعاملات، وقاضي الجماعة وهو بمنزلة قاضي القضاة بالمشرق وهو الذي بيده مقاليد القضاء بحاضرة تونس ولذلك سمي قاضي الحضرة، وإذا أطلق لفظ القاضي إنما ينصرف إليه وغيره إنما يقال مضافاً إلى الأهلة والأنكحة والمعاملات وقاضي الجماعة هو قاضي الحضرة وقلما ترك بنو ابي أحفص واحداً في قضاة الحضرة أكثر من عامين. وذكر الزركشي أن ذلك منهم عمل بوصية عمر بن الخطاب ﵁ ومع ذلك جعلوا يوم الخميس لاجتماع القاضي مع العلماء في مجالسهم للمفاوضة في النوازل الشرعية وتنفيذ الأحكام في النوازل الغامضة بين يدي الأمير، وفي باقي أيام الأسبوع يتصرف القاضي وحده في الحكم وكان أول من تقلد خطة قضاء الجماعة ابن الخباز. ثم باعتناء بني أبي حفص بالعلم وأهله صارت تونس روضة من رياض العلوم وخرجت منها فحول من أعلام المالكية الحافظين للمذهب ذوو فضل وورع ودين. نذكر هنا قضاتهم على حسب شرطنا وفي تواريخ البلاد من أخبارهم ما هو مشهور وبكل لسان مشكور.

стр. 285

١ الشيخ محمد بن الخباز هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم المهدوي المعروف بابن الخباز أولاه أمير المؤمنين المستنصر خطة القضاء بالحاضرة بعد وفاة القاضي الطرابلسي عاشر ثاني ربيعي سنة ٦٦٠ ستين وستمائة، وسماه قاضي الحضرة، وكان يقول ما يسألني الله عن أمور الأمة بعد أن قدمت عليهم ابن الخباز. ثم أخره ثالث شهر رمضان المعظم سنة٦٦٢ اثنين وستين، ثم استعاده لحظة القضاء تاسع عشر ذي القعدة سنة٦٦٧ سبع وستين وستمائة. ثم تأخر عنها وتوفي بالمهدية في السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة٦٨٣ ثلاث وثمانين وستمائة عليه رحمة الله آمين. ٢ الشيخ أحمد بن الغماز هو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن سعيد بن محمد الغماز الأندلسي الأنصاري ولد ببلنسية يوم عاشوراء سنة ٦٠٩ تسع وستمائة. وقرأ بالأندلس، وارتحل إلى بجاية، وولي بها العدالة ثم قدم إلى حاضرة تونس وولي قضاء كثير من بلدانها، ثم قدمه المستنصر لخطة قضاء الحاضرة ثالث رمضان سنة٦٦٢ اثنتين وستين وستمائة وأخره رابع شوال سنة ٦٦٧ سبع وستين. وكحان قاضي الأنكحة على عهده الشيخ محمد بن الرايس الربعي. ولما ولي أمير المؤمنين إبراهيم بن أبي زكرياء قدمه على علامته الكبرى في الخامس عشر من صفر سنة ٦٧٧ سبع وسبعين وستمائة بعد استعادته للقضاء. ثم أخر من خطة القضاء في رجب الأصب سنة٧٩ تسع وسبعين، واستعيد إليها ثامن عشر ربيع الأول سنة٦٨٠ ثمانين وستمائة، ثم تأخر ووليها تاسع عشر رمضان سنة٦٩١ إحدى وتسعين وستمائة، إلى أن توفي يوم الخميس عاشر المحرم سنة ٦٩٣ ثلاث وتسعين وستمائة ودفن بقبرة سيدي عبد الرحمن المناطقي بتونس عليه رحمة الله آمين. ٣ الشيخ أحمد المفسر هو الشيخ أبو العباس أحمد بن إبراهيم المفسر، قدمه المستنصر لخطة القضاء بالحاضرة عند عزل ابن الخباز رابع شوال سنة٦٦٧ سبع وستين وستمائة وكان فقيهاً صالحاً وأخره عنها في التاسع عشر من ذي القعدة من السنة المذكورة. ٤ الشيخ إبراهيم الأصبحي هو الشيخ أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن منصور بن الرشيد الأصبحي أخذ عن أبي عبد الله السوسي وابن معاوية الأريسي، وولي نيابة القضاء بتونس وتأخر وتوفي ليلة الأربعاء التاسع من المحرم سنة ٦٩٣ ثلاث وتسعين وستمائة ودفن بجبل المغارة ﵀. ٥ الشيخ عبد الحميد بن أبي الدنيا هو الشيخ أبو محمد عبد الحميد بن أبي الدنيا تقدم لخطة القضاء عند تأخر ابن الغماز في رجب سنة ٦٧٩ تسع وسبعين وستمائة، ولم يستكمل فيها ثلاثة أشهر، وتأخر في شهر رمضان. وتوفي في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة ٦٨٤ أربع وثمانين وستمائة ودفن بالزلاج عليه رحمة الله آمين. ٦ الشيخ أبو القاسم بن زيتون هو الشيخ أبو القاسم بن أبي بكر بن زيتون اليمني، ولد عام ٦٢٠ عشرين وستمائة وتقدم للقضاء عند تأخر من قبله ولم يستكمل فيها ستة أشهر وتأخر في الثامن من ربيع الأول سنة ٦٨٠ ثمانين وستمائة. وتوفي يوم الأثنين السابع عشر من رمضان سنة ٦٩١ إحدى وتسعين وستمائة، ودفن بجبل المرسى عليه رحمة الله. ٧ الشيخ زكرياء الغوري هو الشيخ أبو يحيى زكرياء بن أبي بكر الغوري الصفاقسي صديق الولي الصالح أبي محمد المرجاني. تقدم لخطة القضاء بعد وفاة ابن الغماز ولما توفي صديقه الشيخ المرجاني أوائل جمادى الأولى سنة٦٩٩ كان مريضاً فكتموا عنه موت صديقه خشيةً عليه، ثم عاده ابن [عبد] الرفيع فأخبره فزاد ما به، وتوفي رابع عشر الشهر المذكور عليه رحمة الله. ٨ الشيخ إبراهيم بن عبد الرفيع هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن علي بن عبد الرفيع الربعي ولد في ربيع الأول سنة٦٣٧ سبع وثلاثين وستمائة. وولي قضاء تبرسق وقابس. ثم قدمه المستنصر بالله لخطة القضاء بعد وفاة من قبله فحكم عاماً وأحد عشر شهراً ثم تأخر عن الخطة واستنيب من بعده مدة ووليها بعد ذلك وهكذا تداولها في خمس دول. وله أخبار حوتها بطون التواريخ.

стр. 286

وكان قاضي الأنكحة على عهده الشيخ عمر بن محمد بن إبراهيم بن عبد السيد الهاشمي صاحب النزاع مع ابن عبد الرفيع وذلك أن قاضي الأنكحة أذن بالإشهاد عدلين على نكاح ذميين فأنكر ذلك عليه القاضي ابن عبد الرفيع، وتشعب الخلاف بينهما فألف الهاشمي كتابه إدراك الصواب في أنكحة أهل الكتاب، ووافقه على ذلك ابن عرفة. وألف ابن عبد الرفيع كتاباًفي المنع، ووافقه عليه ابن عبد السلام. وكان ابن عبد الرفيع عارفاً بالوثائق منفذاً للأحكام لا يتهيب الأمراء. سالم العرض ألف مفيد الحكام والرد على المنتصر وأجوبة أسئلة القاضي أبي بكر الطرطوشي. واختصر أجوبة ابن رشد وتوفي على خطته ثامن شهر رمضان سنة ٧٣٣ ثلاث وثلاثين وسبعمائة ودفن بدار أعدها لدفنه قرب جامع القصر وجعل بإزائها مكتباً لتعليم الصبيان رحمة الله عليه. ٩ الشيخ عبد الرحمن القطان هو الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن القطان البلوي من أهل سوسة تقدم لخطة القضاء بالحاضرة غرة ربيع الثاني سنة ٧٧١ إحدى وسبعين وسبعمائة وتوجه إلى بلده فأقام هناك مدة وأنابه فيها من كان قبله ثم عاد إلى الحاضرة وباشر الخطة. ١٠ الشيخ محمد بن الغماز هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن حسن بن الغماز الأنصاري الأندلسي، قدمه أمير المؤمنين المتوكل على الله لخطة القضاء يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الثاني سنة ثمان عشرة وسبعمائة ثم تأخر عنها. ١١ الشيخ عمر بن قداح هو الشيخ أبو علي عمر بن قداح الهواري، حافظ المذهب المالكي ومفتيه، ولي قضاء الأنكحة وتدريس المدرسة الشماعية، ثم تقد لخطة قضاء الحاضرة في رمضان سنة ٧٣٣ ثلاث وثلاثين وسبعمائة، ولم تطل مدته فأدركته المنية عام ٧٣٤ أربعة وثلاثين وسبعمائة عليه رحمة الله. ١٢ الشيخ محمد بن عبد السلام هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري. أخذ عن الحُباب وغيره، وكان من فحول المذهب، شديداً في الحق. قدمه السلطان أبو يحيى لخطة القضاء بعد وفاة ابن قداح، والتدريس بالمدرسة الشماعية، ثم لما بَنَتْ أختُ السلطان مدرسة عنق الجمل سنة ٧٤٢ اثنتين وأربعين وسبعمائة كان هو أول مدرس بها، ومنه تنقلت إلى معاصره الشيخ محمد بن سلامة. وقد شرح ابن عبد السلام جامع الأمهات لابن الحاجب وتوفي فلحق به بعده بثلاثة أيام فكانت وفاته في الثامن والعشرين من رجب الأصب سنة ٧٤٩ تسع وأربعين وسبعمائة ودفن معه ولده بالزلاج عليهما رحمة الله آمين. ١٣ الشيخ محمد الآجمي هو الشيخ أبو عبد الله محمد الآجمي ولي قضاء الأنكحة مدة ولما توفي ابن عبد السلام تقدم لخطة قضاء الحاضرة غير أنه لم تطل مدته وأدركته المنية عليه رحمة الله آمين. ١٤ الشيخ عمر بن عبد الرفيع هو الشيخ أبو حفص عمر بن إبراهيم بن الحسن بن علي بن عبد الرفيع الربعي، ولي قضاء الأنكحة عند ولاية الآجمي قضاء الحاضرة ثم [لمّا] توفي الآجمي تقدم هو لخطة قضاء الحاضرة ولازمها إلى أن توفي سنة ٧٦٦ ست وستين وسبعمائة عليه رحمة الله آمين. ١٥ الشيخ محمد بن خلف الله هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن خلف الله النفطي، كان نزع من نفطة إلى الحاضرة مغاضباً لعاملها فراعى السلطان إبراهيم نزوعه إليه وأولاه قيادة العساكر إلى الجريد حتى أحس منه ابن المالقي ثم قدمه لخطة القضاء في الحاضرة. ولما ولي السلطنة خالد بن إبراهيم أظهر ابن المالقي ما في نفسه مع القاضي وأمر بسجنه وحين رَامَ الفرار قتله في محبسه سنة ٧٧٠ سبعين وسبعمائة، ﵀. ١٦ الشيخ أحمد بن حيدرة هو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن قاسم بن محمد بن حيدرة ولي قضاء الأنكحة عند وفاة الآجمي وتقدم لقضاء الحاضرة ابن خلف الله المذكور ولما توفي قدمه أمير المؤمنين خال بن إبراهيم إلى خطة القضاء بالحاضرة ولازمها إلى أن توفي آخر ربيع الأول سنة ٧٧٨ ثمان وسبعين وسبعمائة، ودفن بالجلاز عليه رحمة الله. ١٧ الشيخ حسن القسنطيني

стр. 287

هو الشيخ أبو علي حسن بن أبي القاسم بن باديس القسنطيني ولي خطة القضاء بحاضرة تونس بعد وفاة ابن حيدرة واستمر نحو الثلاث سنين ثم استعفى في صفر سنة ٧٨١ إحدى وثمانين وسبعمائة وتنقل إلى بلده قسنطينة قاضياً إلى أن توفي هنالك عليه رحمة الله. ١٨ الشيخ محمد القطان هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن بن القطان البلوي السوسي. ولي قضاء الخاضرة عند استعفاء من قبله أواخر صفر سنة ٧٨١ إحدى وثمانين وسبعمائة ولازمها إلى أن توفي سنة ٧٨٥ خمس وثمانين وسبعمائة عليه رحمة الله آمين. ١٩ الشيخ عبد الرحمن البرشكي العدناني هو الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن الإمام البرشكي التلمساني، كان أبوه إماماً بأحد مساجد برشك ومات قتيلاً فارتحل عنها ولداه عبد الرحمن وعيسى إلى تونس وكانت وفاة عيسى ٧٥٠ خمسين وسبعمائة وأما عبد الرحمن فقد ولي القضاء بالحاضرة بعد وفاة القطان وأتى عليه مرض منعه من مباشرة الخطة وباشرها من ناب عنه إلى أن توفي سنة ٧٨٧ سبع وثمانين وسبعمائة عليه رحمة الله. ٢٠-الشيخ عيسى الغبريني هو الشيخ أبو مهدي عيسى بن يحيى بن أحمد بن محمد بن عبد الله الغبريني، كان جده أبو العباس ولي خطة القضاء في بجاية وهو مؤلف عنوان الدراية وتوفي سنة أربع وسبعمائة ونشأ أبو مهدي في خدمة العلم. وباشر خطة القضاء بالنيابة عن البرشكي مدة مرضه ولما توفي البرشكي استقل هو بالخطة وكان قاضي الأنكحة على عهد عمر بن البراء ثم لما توفي عام ٩٧ سبعة وتسعين ولي قضاء الأنكحة محمد بن قليل الهم. واجتمع لأبي مهدي الغبريني خطة القضاء وخطبة جامع الزيتونة والإفتاء به بعد صلاة الجمعة وقد لام على الزغبي في تطويل الخصومة على الغرماء وقال له: إن تونس وُجُهَاءها كثيرون فلا تحسُنُ الإطالة فاعتذر إليه بأنه يرد الحكم بين الخصمين ينتظر من ذلك المحق من المبطل فقال له إني نعرف المحق من المبطل بمجرد نظري للخصمين بين يدي قبل أن يتكلما فما اعتذرت به لا يقبل. ولم يزل على خططه إلى أن توفي في يوم السبت السابع والعشرين من ربيع الثاني سنة٨١٣ ثلاث عشرة وثمانمائة ودفن بالزلاج عليه رحمة الله. ٢١- الشيخ يعقوب بن يوسف الزغبي ولي قضاء الأنكحة والتدريس بمدرسة عنق الجمل، بعد وفاة القاضي الغبريني تقدم لخطة القضاء بحاضرة تونس وعلى عهده توفي قاضي المحلة وخطيب جامع القصبة الشيخ أحمد الشماع في شوال سنة٨٣٣ ثلاث وثمانين وثمانمائة وتقدم عوضه في الخطتين الشيخ محمد المسراتي وكانت وفاة القاضي الزغبي سادس ذي الحجة الحرام من السنة ٨٣٣ المذكورة عليه رحمة الله آمين. ٢٢- الشيخ محمد الشريف هو الشيخ محمد بن أحمد الشريف ولي خطة القضاء بتونس وباشر الخطة بعد الزغبي. ٢٣-الشيخ أبو القاسم القسنطيني هو الشيخ أبو القاسم بن سالم الوشتاتي القسنطيني، تقدم لخطة قضاء الحاضرة في شهر رمضان سنة ٨٣٤ أربع وثلاثين وثمانمائة فتأخرت ولايته عمن قبله مدة ثلاثة أشهر، ثم ولي خطبة جامع التوفيق والفتيا به بعد صلاة العصر، واجتمع له بعد ذلك خطة القضاء وإمامة جامع الزيتونة والإفتاء به بعد صلاة الجمعة، وتولى بعد ذلك التدريس بمدرسة ابن تافرجين. واستمر على ذلك إلى أن ضربه أحد الأشقياء بمغروس عند سلامه من صلاة الصبح بجامع الزيتونة على سجادته عند باب البهور، وقتل ضاربه تحت الصومعة، ورفع الشيخ إلى داره، فكتب وصيته. وتوفي ليلة الخميس الثامن عشر من صفر الخير سنة٨٤٦ ست وأربعين وثمانمائة ودفن بالزلاج عليه رحمة الله آمين. ٢٤- الشيخ عمر القلشاني هو الشيخ أبو حفص عمر بن محمد بن عبد اللع القلشاني الباجي كان والده ولي قضاء الأنكحة ومشيخة المدرسة العنقية ولما توفي تقدم ولده عوضه ثم تقدم لوظائف القاضي الوشتاتي بعد وفاته وهي قضاء الحاضرة وخطبة جامع الزيتونة والفتوى به بعد صلاة الجمعة وقضى مدة ثم أصابه الوباء العام فطال مرضه إلى أن توفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رمضان عام ٨٤٧ سبعة وأربعين وثمانمائة بعد أن بلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً ودفن قرب والده بالزلاج عليه رحمة الله آمين. ٢٥- الشيخ محمد بن عقاب

стр. 288

هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن عقاب الخزامي كان فقيهاً حافظاً ولما أتم السلطان عثمان بن المنصور بناء مدرسة أخيه المنتصر قرب سوق الفلقة وبنى مدرسته التي قرب دار صولة أوائل ولايته كانت سنة ٨٣٩ تسع وثلاثين وثمانمائة قدم للتدريس بمدرسة أخيه المنتصرية ابن عقاب، ولمدرسته الشيخ محمد الزنديوي. ولما توفي القاضي القسنطيني تقدم ابن عقاب للخطبة بجامع التوفيق والفتيا به. ولما توفي القاضي القلشاني تقدم لخطة قضاء الحاضرة والفتيا بجامع الزيتونة خاصة وخطبة جامع القصبة ولما توفي خطيب جامع الزيتونة وإمامه المسراتي ضمت الإمامة والخطبة لابن عقاب واجتمعت له الخطط المذكورة وتولى عند ذلك ولده محمد التدريس بمدرسة عنق الجمل. ولازم والده تلك الخطط إلى أن توفي ليلة الاثنين السابع عشر من جمادى الأول عام أحد وخمسين وثمانمائة ودفن بجبانة سيدي أبي سعيد الباجي بالمرسى رحمة الله عليه. ٢٦- الشيخ أحمد القلشاني هو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله القلشاني الباجي، تقدم لخطبة جامع التوفيق والفتيا به عند ولاية ابن عقاب فتيا جامع الزيتونة، ولما توفي ابن عقاب ولي التدريس بالمدرسة المنتصرية، وتقدم كأخيه السابق إلى خطة قضاء الجماعة بالحاضرة. استعفاه من خطة القضاء في السابع والعشرين من رجب الأصب سنة ٨٥٨ ثمان وخمسين وثمانمائة وتقدم إلى خططي جامع الزيتونة والتدريس بالمدرسة الشماعية، وباشر عند ذلك قضاء الأنكحة نحو ثمانية أشهر وقد باشر الإفتاء والخطبة بجامع الزيتونة إلى أن بلغ من العمر أربعاً وثمانين سنة وتوفي عند غروب الشمس ثامن شعبان عام٨٦٣ ثلاث وستين وثمانمائة ودفن بالزلاج عليه رحمة الله آمين. ٢٧- الشيخ محمد القلشاني هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عبد الله القلشاني الباجي، ولي التدريس بمدرسة عنق الجمل عند وفاة والده ولما استعفى عمه أبو العباس من خطة القضاء قدمه أمير المؤمنين لخطة قضاء الحاضرة عوض عمه غرة شعبان سنة٨٥٨ ثمان وخمسين وثمانمائة، وولي عند ذلك أيضاً خطبة جامع التوفيق المعروف بجامع الهواء، وبعد أيام ولي به الفتوى بالقلم مع صلاة الجمعة. ولما توفي عمه تولى الإفتاء بجامع الزيتونة والخطبة بجامع القصبة فجمع بين القضاء والفتيا وفي رجب سنة ٨٧٥ خمس وسبعين وثمانمائة مرض فأناب عنه أمير المؤمنين الشيخ محمد الحسيني أواسط شهر رمضان ووقعت له مكالمة مع ولد القاضي أفضى به الحال إلى جلوس كل منهما للحكم في جهة فعوض النائب المذكور بالشيخ عبد الرحيم الحصيني أواسط صفر عام ستة وثمانين إلى أن توفي القاضي القلشاني سنة٨٩٠ تسعين وثمانمائة ودفن بالزلاج عليه رحمة الله آمين. ٢٨- الشيخ محمد الرصاع هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن القاسم بن عبد الله الرصاع الأنصاري تقدم لخطة قضاء المحلة عند تأخير الشيخ أحمد بن كحيل في رجب الأصب سنة ٨٦٥ حمس وستين وثمانمائة وتقدم لخطة قضاء الأنكحة عند تأخير الشيخ علي بن محمد الزندويوي. ولما توفي القاضي القلشاني تقدم لخطة قضاء الحاضرة ثم اقتصر على الخطبة بجامع الزيتونة والفتوى وتصدى للإقراء إلى أن توفي سنة ٨٩٤ أربع وتسعين وثمانمائة عليه رحمة الله آمين. ٢٩ الشيخ محمد الوشتلتي هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن سالم الوشتاتي القسنطيني، تقدم لخطة قضاء المحلة عوض الشيخ الرصاع ثم بعد وفاته تقدم لخطة قضاء الحاضرة كوالده. ٣٠ الشيخ محمد البكي هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل قاسم البكي الكوفي، كان معاصراً للشيخ سيدي أحمد زروق ومن تلامذة شيخه أحمد بن عقبة الحضرمي. ووقفت له على شرح الحاجبية المسمى تحرير المطالب لما تضمنته عقيدة ابن الحاجب وهو شرح في غاية العزة والنفاسة وصفه المناوي فقال فيه وشرحعلى الحاجبية يدل على أنه من الراسخين في علم الظاهر والباطن الحائزين لدرجات الرسوخ في مقامات اليقين اهـ. وقد ولي خطة القضاء بتونس إلى أن توفي بها سادس عشر ربيع الأول من عام ستة عشر وتسعمائة عليه رحمة الله. ومن شعره مادحاً: [الكامل] قوم لهم شرف العلا في حمير ... وإذا انتموا لمتونة فهم همُ

стр. 289

لما حَوَوْا إحراز كل فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا ومن شعره في الهجاء: إن المرابط باخل بنواله ... لكنه بعياله يتكرم الوجه منه مخلّق بقبيح ما ... يأتيه فهو من أجله يتلثم وقد أتى على البلاد الوباء الذي كان ابتداؤه في القعدة الحرام عام ٨٧٢ اثنين وسبعين وثمانمائة وتزايد إلى أن بلغ الخارج من البلاد ألفاً في اليوم الواحد ثم ارتفع في ذي الحجة مكمل العام المذكور، ثم أتبعه الطاعون الجارف أيضاً سنة ٨٩٩ تسع وتسعين وثمانمائة، وتتابع بعد ذلك الطاعون الذي جرف علماء البلاد وفضلاءها من الكتاب والمؤرخين، وبقيت بها بقية كان من آخرهم الشيخ محمد الوشتاتي الذي تقلّد خطة القضاء سنة ٨٩٤ أربع وتسعين وثمانمائة فكملت به المائة التاسعة وأتت المائة العاشرة على القاضي البكي وقد أقفرت البلاد من العلماء ثم توالت فيها الحروب بسبب التهيات أمد سلطنة بني أبي حفص واختلافهم عليها حتى أدخلوا لها الإسبانيول. ثم تلقفتها الدولة العثمانية خلد الله عزها فتم لها افتكاكها سادس جمادى الأولى سنة ٩٨١ إحدى وثمانين وتسعمائة واستقر بها عمال الترك على حين لم يكن بالبلد من يعد في أفراد العلماء المعدودين وغاية من هم بها أهل الدين عدول ينتصبون للإشهاد في المعاملات بين الناس يفتون على حسب ما عندهم من العلم لكن على كل حال هم من أهل الفضل والدين ذلك من أعظم شروط العدالة المحققة فيهم ﵏ ورضي عنهم. الروضة المرضية، فيمن ولي نيابة القاضوية قد سبق أن الدولة العثمانية خلد الله عزها فتحت البلاد التونسية وأقامت بها عمالاً وقد صار القضاة عند ذلك يأتون من بلاد الترك فيقضي القاضي بتونس ثلاث سنين ويستبدل بغيره بحيث إنه بعد كل ثلاث سنين يقدم قاض من قضاة الترك، غير أنه لما كان على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ وأهل المملكة التونسية كلهم على مذهب الإمام مالك ﵁ احتاج القاضي الحنفي الوافد من بلاد الترك إلى إقامة نائب من المالكية يقضي بمحضره، فيكون ذلك النائب من أمثل العدول الموجودين. ثم لما انتظم أمر الدولة وتراجعت المملكة بتراجع العلم في أهلها في دولة بني مراد أقاموا أربعة من العلماء المالكية للإفتاء بين الناس ومشورة نائب القاضوية مع كون نائب القاضي من أخيار أهل عصره في العلم، وأعادوا اجتماع الفقهاء يوم الخميس فجتمع في يوم الخميس كل من القاضي الحنفي ونائب القاضوية المالكي والأربعة المفتين من المالكية ونقيب الأشراف بدار الخلافة المسماة دار الباشا بمحضر خليفة الباي عامل البلد المسمى الباشا أو نائبه وهنالك يقع فصل النوازل الخلافية التي لم يرتض الحكم فيها أحد الخصمين وطلب تأخيرها إلى المجلس. إلا أنه لما صار الحاكم المعبر عنه بالباشا كبيراً على العساكر وأقيم للحكم عوضه الدولاتي صارت الأحكام تتصرف في المجلس بمحضر الدولاتي في المجلس وبعد نهاية وقت اجتماع المجلس يخرج القاضي ونائب القاضوية والمفتون ونقيب الأشراف ويحضرون بدار الحاكم نفسه ويعلمونه ما وقع وربما عرض لهم ما يمنعهم من فصل النازلة فيفصلونها بين يديه في داره ولا يمكن لمحكوم عليه بعد ذلك التخلص من الحكم الذي صدر بمحضر الحاكم ولا يقدر أن يحميه أحد في البلاد. ١ - ٢ - ٣ وستمر العمل على ذلك إلى أوائل الدولة الحسينية خلد الله أمرها فكان أول من ولي القاضوية من علماء البلاد الشيخ ساسي نوينة الأنصاري الأندلسي أكرهه علي أفندي لما وفد من دار الخلافة العثمانية إلى الحاضرة التونسية بخطة القضاء، وكان عالماً، فطلب نائباً عالماً فلم يجد أعلم من الشيخ ساسي المذكور فطلبه للنيابة عنه فامتنع ولما رآه متشدداً قال له إنك عن لم تتول النيابة لافتيّن بقتلك على مذهبك وعند ذلك وليها ولازمها إلى أن توفي. ووليها من المالكية أيضاً الشيخ محمد النفاتي ويأتي ذكره. ولما عزله أسطى مراد ولي عوضه النيابة الشيخ أحمد الرصاع. ثم عزل ووليها محمد بن موسى وقد سبق ذكره في المفتين ولما ولي هو الفتيا أعيد إلى نيابة القاضوية الشيخ أحمد الرصاع وهو الذي أدرك الدولة الحسينية وها أنّا نذكر ترجمته وترجمة من وليها من بعد على مقتضى شرطنا السابق فنقول وبالله نستعين: ٤-الشيخ أحمد الرصاع

стр. 290

هو الشيخ أبو العباس أحمد بن علي أبي الفضل قاسم بن أحمد حفيد الشيخ أحمد بن عبد الله الرصاع الأنصاري الأندلسي. ناهيك من ذي حسب ونسب، تضلع بالعلم والأدب، مع أن له في الفقه طول باع، وسعة الاطلاع، والخبرة بمواقع التنزيل، والمروءة والديانة التي زانها مجده الأثيل، وله معرفة تامة بمراتب الناس، وتنزيل كل منزلته التي هو عليها عند الأكياس، يُرضي الخصمين بلطفه، وله فراسة تقضي على من جالسه باعتقاد كشفه، مع مروءة يجتنب بها المرور في الأسواق. وتقدم لخطة النيابة بالمحكمة الشرعية فزانها علماً وديناً وورعاً وأقام حدود الله ولم يخش لومة لائم في المحكمة الشرعية مدة تقرب من خمس عشرة سنة ١٥ لم يذكر فيها إلا بخير إلى أن توفي سنة ١١١٩ تسع عشرة ومائة وألف ودفن بزاوية سيدي معاوية أمام المارستان بالعزافين. وريء في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال أوقفني بين يديه وكلمني في أشياء فقلت يارب أنت أعلم العالمين فغفر لي ونقل من قبره بعد مدة لعارض فوجد كيوم وضع عليه، ﵀ وقد أرخ وفاته الشاعر الشيخ محمد الوزير بقوله: [البسيط] إليك مدّ قاضي المسلمين يدا ... يجني لما قد جناه من رضاك ندى يمّرغ الخدّ بالأعتاب معترفاً ... عساك تُلقي عليه من نداك ردا وجاء بالمصطفى والصحب معتصماً ... فإنهم أعظم المستشفعين غدا وأنت أهل لإتمام المرام به ... لأن فضلك بالإحسان فيه بدا وقد بدا لامح الغفران بين ثنا ... أقلام حقك من وصف به سعدا ثناؤه أحمد مثل اسمه ولذا ... أتى لِما أرخوه (عدله شهدا) ٥-الشيخ قاسم الرصاع هو الشيخ أبو الضياء قاسم بن أحمد بن علي بن أبي الفضل قاسم بن أحمد حفيد الشيخ أحمد بن عبد الله الرصاع الأنصاري الأندلسي، تقدم لنيابة القضاء بعد وفاة والده وكان عالماً جليلاً موثقاً كريم النفس ملازماً للإقراء شغلته خطة القضاء عن التدريس وطال مقامه فيها فتخلى عنها لحفيده عليه رحمة الله آمين. ٦-الشيخ حمودة الرصاع تقدم استيفاء ترجمته وقد تقدم لخطة القضاء بعد تخلي جده له فقضى مدة طويلة على عهد المقدس حسين بن علي تركي، وتنقل منها لخطة الفتيا إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين. ٧-الشيخ إبراهيم النفاتي هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حميدة حفيد الشيخ سالم النفاتي نسبة إلى قبيلة نفّات قبيلة من قبائل الجهة القبلية تقرب من صفاقس ناهيك من بيت علم وفضل تقدم جده الشيخ سالم لخطة الإفتاء أوائل المائة الحادية عشرة وكان عالماً جليلاً وبعد وفاته خلف ثلاثة من العلماء وهم الشيخ بلحسن والشيخ تاج علي والشيخ أبو المواهب محمد أبناؤه. فتقدم الشيخ أبو الحسن لخطة الإفتاء وأظهر شأنها فكان هو أول من أظهر في هاته البلاد معنى خطة الإفتاء وكان معاصراً للشيخ أبي يحيى الرصاع إلا أنه كان أنفذ منه كلمة بل إن الشيخ أبا الحسن تصرف في المملكة تصرف الوزير المستشار مع تنفيذ فتواه وكانت العادة أن الخصم يمكنه أن يسأل عن نازلته كل عالم في البلد ويريه النص وربما عارض به القاضي والمفتي واسترجعه إلى غير ذلك حتى سافر الشيخ أبو الحسن النفاتي لدار الخلافة في مهم عرض للدولة فأتى بخط شريف يقتضي حكم نفوذ القاضي والمفتي من غير أن يسأل عن نصه، وعظم بعد ذلك شأنه وانفرد بالكلمة هو وأخوه وشنع عليه بعض معاصريه عدة مسائل أنكرها يوسف داي فخرج لحج بيت الله الحرام سنة ١٠٩٤ تسع وأربعين وألف وتوفي في الينبُع عليه رحمة الله. وقام أخواه مقامه في الفتيا ونيابة الأحكام الشرعية. ولما ولي أسطى مراد عزلهما وأولى عوضهما الشيخ أبا الفضل المسراتي والشيخ أحمد الرصاع وبقيا على ذلك إلى أن ولي في الدولة أحمد خوجة فخرج الأخوان لحج بيت الله الحرام ولما بلغا إلى مصر كتبا سؤالاً في النازلة التي عزلهما لأجلها أسطى مراد فأفتى جميع علماء المشرق بما أفتى به الأخوان ولما تم حجهما توجها إلى أبواب الخلافة وعرضا المسألة فصدرت خطوط شريفة في ولايتهما فأقام الشيخ أبو المواهب محمد النفاتي في دار الخلافة وارتقى إلى رتبة الموالي إلى أن توفي.

стр. 291

وقدم الشيخ تاج علي النفاتي بالخطوط الشريفة وقد وقفت على مضمون أمر مختوم بطابع محمد باشا بن مراد باشا مؤرخ بأواخر المحرم فاتح شهور عام ١٠٧١ أحد وسبعين وألف، وتضمن أنه ورد عليه من الباب العالي مكتوب مضمونه ولاية أبي المواهب الشيخ محمد النفاتي قاضياً بتونس ومصحوب بمكتوب من القاضي المذكور في استنابة الشيخ محمد خوجة إمام جامع الباشا المشار إليه ومكتوب آخر فيه تفويض الأمر إلى الباشا المذكور في استنابة من أراد إن عجز النائب المذكور فناب النائب أياماً قليلة ورفع يده لأعذار قبلت منه. واستشار الباشا مع أبي المكارم الشيخ تاج علي النفاتي فيمن ينوب أخاه أبا المواهب إلى أن يقدم من الأستانة، فاتفقا على تقديم الشيخ يوسف بن درغوث شاوش فقدمه الباشا قاضياً بالنيابة عن أبي المواهب دون أخذ المعلوم حيث يتولى قبضه أبو المكارم تاج المذكور ويبقى بذمته لأخيه أبي المواهب بمحضر الباشا وأهل العلم. واستقل أبو المكارم تاج بالفتيا بعزل من وجده فيها وهو الشيخ المسراتي ولازم خطته بنفوذ كلمته إلى أن توفي ﵀. ونشأ في بيتهم الشيخ أبو الحسن النفاتي، وكانت له مشاركة مع شراسة. حضر درسه بعض الطلبة من المغاربة وهو يقرىْ رسالة سيدي عبد الله بن أبي زيد فأكثر عليه السؤال لما آنس فيه من القصور فأحضر عصاً أخفاها ولما سأله في أثناء الدرس فأجابه بالضرب على رأسه إلى أن أدماه. ولم نجد مما يدل على ولايته خطة الإفتاء بتونس إلا ما حكاه الشيخ محمد الشافعي في كتابه إظهار النكات بشرح المحركات قال حضرت مجلساً أشار فيه المفتي أبو الحسن النفاتي بقتل رجل وذهبوا به فعلق فانقطع به الحبل فأخبر الأمير حسين باي صاحب الدولة إذ ذاك فأمر به أن تؤخر دعوته إلى أن يجتمع الفقهاء عنده ويستشيرهم في أمره فلما كان يوم اجتماعهم عنده شاور الفقهاء فاتفقوا على أنه لا يقتل إلا المفتي المذكور ومن جملة ما احتج به على قتله أن قال لهم هل يمكن أن يكون هذا الرجل لم يقع منه لواط ولا زنى وعدم إمكان ذلك كاف من قتله. قلت وهذا اللازم ربما يعم في زمن الفساد فكان على الشيخ أن يبادر بمقتضاه إلى قتل كل نفس زاكية ولكن الله لم يوجب الحدود والقصاصات بمجرد الظنون وإن بلغت مبلغ التحقق بل أتاط وجوب ذلك بالشهادة المستوفية للوجه المخصوص وذلك صريح جميع النصوص. وقد نشأ أيضاً في هذا البيت الشيخ حميدة جد صاحب الترجمة في عز آل بيته وتلاه في ذلك ولده محمد فقرأ العلم الشريف وحج بيت الله الحرام وتقلد خطة العدالة، وولد وله أبو إسحاق بتونس ستة ١٠٧٥ خمس وسبعين وألف وحفظ القرآن الكريم وتصدى لقراءة العلم الشريف على الشيخ محمد قويسم والشيخ ساسي نوينة. وتقدم للخطبة والإمامة ورواية الحديث بجامع أبي محمد وبرع بالفرائض وتقدم لخطة قضاء الفريضة أولاً ثم قدمه المقدس حسين باشا لنيابة القضاء بالمحكمة الشرعية، وسار فيها سيرة مرضية إلا أن عدم معرفته بالنوازل الفقهية أوجب نقصاً في اعتباره حتى أن الأمير حسين باي بعد أن أولاه بمدة جاهره يوماً بقوله قيل لي: إنك جاهل فلم يتهيب الشيخ أن قال له أنت أوليتني وما تصنع بولاية الجاهل فتغافل الأمير عنه أياماً قليلة وعزله فأقام على وجاهته مع حسن الملاقاة. وكان عفيفاً خيراً عالي الهمة عظيم الوقار حسن القامة جميل الصورة نظيف الثياب فيه صلاح ومحبوب عند الناس إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين. ٨-الشيخ أحمد الشريف هو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا تقدم في القسم الأول ذكر سلسلة شرف هذا الفرع الحسيني رضي الله عتهم أجمعين وقد ولد صاحب الترجمة بعد وفاة جده القطب الشريف ونشأ بين يدي والده، وقرأ النحو والصرف على الشيخ عبد القادر الجبالي، والفقه والحديث على الشيخ محمد بن عمير بن محمد الصفار القيرواني والتوحيد والمنطق والبيان على الشيخ محمد الخضراوي وبرع في المعقول والمنقول. وتصدى للتدريس في أماكن كثيرة ثم إن المقدس الباشا حسين باي أجرى له جراية على التدريس بجامع الزيتونة، فأقرأ به علوماً كثيرة وكان جيد العبارة حسن القريحة فصيح اللسان عفيفاً معتدل القامة خفيف الشعر حسن الوجه ملازماً لخدمة العلم الشريف.

стр. 292

ولما أتم الأمير بناء الجامع الجديد الحنفي سنة ١١٣٦ ست وثلاثين ومائة وألف وقدم الشيخ أحمد النميس الحنفي للخطبة به والإمامة قدَّم صاحب الترجمة مدرساً بالجامع المذكور فتصدى للتدريس وأفاد كثيراً. ثم قدمه لنيابة القضاء بالمحكمة الشرعية في آخر دولته، ثم عزل، فلازم خدمة العلم الشريف والإشهاد إلى أن توفى وقد ذكره صاحب مفاتيح النصر في التعريف بعلماء العصر فقال في ترجمته ما نصه: هو من المشهورين بالشرف في تونس ولد سنة ١٠٩١ إحدى وتسعين وألف وهو ممن له قوة معرفة بالنحو والبيان والاطلاع على كتب الأدب في هذا الزمان ولي القضاء أياماًعلى عهد حسين بن علي ثم عزل ورجع إلى الإشهادوالإقراء، ولم تزل تلك سيرته إلى أن أودع بطن الثرى فمن عنوان شعره [تضميناً] لبيت مشهور. [المتقارب] مُعنَّاكم نفسه سادتي ... ببحر المديح له غائصة يُهزّزها الشوق وجداً لكم ... فتضحي لتذكاركم راقصه ونفس صديقكم لم تزل ... على المجد في مجدكم حارصة إذا ما قبلتم قريض الذي ... أتاكم على نية خالصة (فقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء در خالصة) الروض الذي بلغ ناظره غاية الآمال، في ذكر من ولي بتونس خطة القضاء بالاستقلال قد استمر العمل على قدوم القاضي من دار الخلافة العثمانية وهو على مذهب الإمام أبي حنيفة، ومباشر الأحكام الشرعية في البلاد إنما هو نائب القاضوية من العلماء المالكية، ومع ذلك نشأت في البلاد نشأة من القضاة الحنفية فرأى الأمير علي باشا باي بن محمد بن علي تركي أن يتولّى هو تقديم القاضي من علماء البلاد ويجعل قاضيين كل منهما مستقلاً بمذهبه أحدهما مالكي والآخر حنفي حيث يوجد من علماء البلاد من فيهم الكفاءة لذلك. وعرض ذلك على الباب العالي، فأسعفته الدولة العثمانية بذلك، وورد له به الإذن العلي سنة (١١٥٧) سبع وخمسين ومائة وألف، فقدم الشيخ أحمد الطرودي قاضياً حنيفاً، وقدم الشيخ محمد سعادة قاضياً مالكياً بعد أن كان متولياً النيابة فعادت بذلك خطة القضاء بالمذهب المالكي إلى سالف استقلالها بتونس وعملها، ويلقب متوليها بألقابها السالفة من قاضي الحضرة وقاضي الجماعة وتقررت خطة القضاء بالمذهب الحنفي في علماء البلاد ويلقب متوليها بلقبها أعني أفندي. وقام بخطتي القضاء في البلاد التونسية علماء البلاد أدام عمرانها بهم إلى يوم الدين فكان الشيخ محمد سعادة هو أولَّ قاضٍ مالكي مستقل وقد سبقت ترجمته في المفتين. ولما ارتقى إلى الفتيا ولي خطة قضاء الحضرة الشيخ حمودة الريكلي وسبقت ترجمته في الأيمة. على أن الأمير حسين بن علي قد كان أقام قاضياً مالكياً للمحلة وقاضياً مالكياً لعمل الفرائضى في بيت المال يسمى قاضي الفريضة. ١- أما قاضي باردو فإنما يقضي بباردو خاصة وأول من ولي هاته الخطة الشيخ علي شعيب وهي خطة قائمة بنفسهالا يرتقي صاحبها إلى قضاء الحضرة ومع ذلك فإن قاضي باردو يحضر في المجلس الشرعي عند اجتماعه لعروض نوازل جرت بيده جرت بباردو. ٢-٣- ووليها كثيرون لم يتجاوزوها إلى غيرها، منهم الشيخ نصر بن عثمان قضى بباردو على عهد الشيخ مصطفى الطرودي القاضي الحنفي والشيخ إبراهيم المزاج القاضي المالكي. ٤-ومنهم الشيخ منصور المنزلي، وكان فقيهاً عارفاً بالنوازل . ٥-ومنهم الشيخ محمد العش وكان عالماً موثقاً . ٦-ومنهم الشيخ المختار بن أحمد بن علي المنكبي كان أبوه أحمد عدلاً، وتأخر سنة ١١٩٤ أربع وتسعين ومائة وألف. وكان ولده عالماً فاضلاً وتوفي يوم السبت الثاني عشر من ذي الحجة الحرام سنة ١٢٢٦ ست وعشرين ومائتين وألف. ٧-ومنهم الشريف الشيخ محمود الميلي وكان من أعلام الموثقين وخلف في العدالة ولديه محمداً وعبد السلام توفي أولهما في رمضان وتوفي ثانيهما في ذي الحجة الحرام وكل ذلك من عام ١٢٢٥ خمس وعشرين ومائتين وألف. ٨-ومنهم الشيخ علي بن الباهي بن سلامة . ٩-ومنهم الشريف الشيخ محمد بن محمد بن علي بن محمد التميمي . ١٠-ولما وليها الشريف الشيخ سالم المحجوب بعد قضاء بنزرت ارتقى عنها إلى قضاء الحضرة.

стр. 293

١١-وهكذا وكان ارتقاء المولى الجد الشيخ محمد السنوسي من بعده وجرى ذلك ترتيباً بين الخطتين ولربما كان ارتقاء قاضي باردو إلى خطة الإفتاء كما يعلم ذلك في أعلام القسم السابق ﵃ أجمعين. وأما قاضي المحلة فإنه يسافر مع الأمير في محلتي الشتاء والصيف اللتين تخرجان لاستخلاص جباية المملكة وهي خطة قديمة جرت في سلطنة بني أبي حفص وبني مراد وجرت على عهد المقدس حسين باشا ووليها أيضاً: ١-الشيخ علي شعيب فجمع له بين قضاء باردو والمحلة . وجعل مفتياً لمحلته وهو الشيخ عبد الرحمن الجامعي لسان الدولة الحسينية، وتوفي سابع ذي الحجة الحرام سنة ١١٤١إحدى وأربعين ومائة وألف. ٢-وممن ولي قضاء المحلة في الدولة الحسينية الشيخ قاسم بن غانم . ٣-ومنهم الشريف الشيخ محمد الشافعي . ٤-وممن وليها في أواخر المائة الثانية عشرة الشريف الشيخ علي بن محمد التميمي كان من ثقاة العدول يتعاطى الإشهاد في حدود الثمانين. ٥-ومنهم الشيخ محمد العذاري وكان موثقاً يتعاطى الإشهاد في الثلاثة والثلاثين بعد المائتين والألف. ٦-ومنهم الشيخ محمد البحري . ٧-ومنهم الشريف الشيخ أحمد زروق وجميع هؤلاء لم يتجاوزوا قضاء المحلة عدا الشيخ محمد البحري على ما يأتي. ٨-ثم وليه الشيخ محمد الخضار وارتقى منها إلى الفتيا . ٩-ثم وليها الشيخ محمد بن سلامة وارتقى منها إلى قضاء باردو . ١٠-ثم وليها الشيخ أحمد بن الطاهر . ١١-والشيخ محمد النيفر . ١٢-والشيخ فرج التميمي على التوالي . ثم صار قاضي المحلة يرتقي إلى خطة قضاء باردو، ومها يرتقي تارة إلى قضاء باردوا ولربما ارتقى إلى الفتيا. والمرتقي إلى قضاء باردو يرتقي منها إلى خطة قضاء الحضرة تارة وإلى الفتيا أخرى، وتفصيل ذلك يعلم من تتبع تراجم أرباب هاته الخطط ﵃. وأما قاضي الفريضة فهو إلى اليوم لم يقع بها الارتقاء إلى غيرها وقد وليها كثير من قضاة البلاد. ١-منهم الشيخ أحمد الرصاع كان قاضي الفريضة عام ١١٤٦ أربعة وستين ومائة وألف . ٢-ومنهم الشريف الشيخ الحاج محمد الحشاشي وعزل في الالث والعشرين من المحرم سنة ١٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين وألف. ٣-والشيخ عثمان بن محمد بن كبير بن ابراهيم بن علي بن قاسم بن أحمد الرصاع بعد أن كان شاهد الغابة، وتوفي ليلة السبت الموافق عشرين من صفر الخير سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف. ٤-ثم وليها ولده الشيخ الحاج محمد الرصاع . ٥-٦-٧ - ثم وليها بعد عزله الشيخ خلف المحرزي، ثم عزل منها في الخامس والعشرين من شعبان سنة تسع وخمسين وعند ذلك وليها الشيخ محمد بن مراد بن محمد بن الحاج علي خوجة الحنفي وبعد وفاته وليها الشيخ الطاهر السقاط. ١-٢-وحيث تمهد هذا المهاد في قضاة تونس بالدولة الحسينية إلى هذا اليوم تراجم أرباب الخطة المذكورة على مقتضى شرطنا في صدر الكتاب، فنقول إن المتوظفين في خطة القضاء من العلماء المالكية بعد القاضيين اللذين مرّ ذكرهما أعني الشيخ محمد سعادة والشيخ حمودة الريكلي إلى هذا العهد هم من يأتي بيانهم. - ٣- الشيخ محمد الوافي . هو الشيخ أبو عبد الله محمد الوافي تزايد بنواحي سوسة سنة ١٠٩٤ أربع وتسعين وألف، ولما بلغ أشده رحل لصفاقس في طلب العلم فقرأ على الشيخ علي النوري والشيخ عبد العزيز الفراتي. ثم قدم إلى حاضرة تونس ونزل بالمدرسة المرادية على عهد مشيخة الشيخ محمد زيتونة فلازم دروسه بها. وقرا عليه كتباً كثيرة في سائر الفنون حتى صار من فحول العلماء الذين لهم اليد الطولى في المعقول والمنقول. وتقدم لخطة العدالة بواسطة شيخه المذكور. وولي إمامة مسجد المهراس داخل باب البحر في محروسة تونس. وتقدم للتدريس بجامع الزيتونة وأجرى عليه المقدس حسين باشا جراية بيت المال. وتقدم لخطة القضاء بالحاضرة على عهد الباشا بعد وفاة من قبله. وكان فقيهاً صالحاً معتكفاً على بث العلم لطيف الجسم حيياً إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين. - ٤- الشيخ القاضي الكافي

стр. 294

لم أعرف لهذا الشيخ خبراً غير أن الباشا كان أتى به من بلد الكاف لنكاية علماء الحاضرة وأولاه أولاً خطة قضاء باردو. ثم إنه لمزيد النكاية عزل إمام جامع الزيتونة البكري وعزل القاضي، وأولى في الخطتين من يقصر عنهما فأولى في خطة قضاء الحاضرة القاضي الكافي ونظن أني وقفت على اسمه محمد وقد أدرك في مباشرة زوال دولة الباشا فأزيل هو بزوالها وعلى الجميع رحمة الله آمين. - ٥- الشيخ إبراهيم المزاج هو الشيخ ابو إسحاق إبراهيم الأندلسي الغرناطي عرف المزاج بتشديد الزاي ولد بغرناطة عام ١١٠١ واحد ومائة وألف ونشأ هنالك وقرأ وارتحل إلى مصر وقرأ بها على الشيخ عبد الله بكسر العَين البناني. وارتحل إلى تونس فقرأ بها على الشيخ محمد الصفار القيرواني وقرأ قطعة من البخاري على حسونة الترجمان بجامع محمد باي المرادي وأخذ قطعة أخرى منه على الشيخ عبد الكبير الشريف بجامع أبي محمد سنة ١١٢٦ ست وعشرين ومائة وألف. وارتحل إلى مكة فأخذ بها الحديث عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري، قرأ عليه قطعة من صحيح البخاري سنة ١١٢٧ سبع وعشرين ومائة وألف. ثم رجع إلى تونس وأقام على التدريس بجامع الزيتونة وتقدم لمشيخة المدرسة المنتصرية بعد وفاة الشيخ محمد سعادة سنة ١١٧١، وأقرأ بها ثم تقدم لخطة القضاء عند عزل القاضي الكافي في مبدإ دولة الأمير محمد الرشيد واستمر على الخطة نحو عامين ونصف وتخلى عنها. وشرح لامية الزقاق شرحاً معتبرة. وكان محمود السيرة عالماص منصفاً فاضلاً رفيع الهمة عزيز النفس توفي يوم الأحد الموفي عشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١١٧٥ خمس وسبعين ومائة وألف ودفن قرب بير فضل من الزلاج، عليه رحمة الله، وقد رثاه تلميذه الفرضي الموثق العالم الشيخ محمد العشي قاضي باردو بقوله: [الكامل] يا زائر قف داعيا بلسان ... وابسط يديك إلى عظيم الشانِ واسأله عفوا عن إمام سار في ... أحكامه بالعدل والإحسان قاضي الورى إبراهيم المزاج من ... لبّى دعا الدارين بالإذعان علامة الدنيا وفخر قضاتها ... وإمامهم في العلم والإتقان فلطالما أهدى لمذهب مالك ... ولكم أفاد عقائد الإيمان فافسح له في رمسه يا قادر ... والطف به (بالملك) و (الفرقان) واكرم لقاه واجزه خير الجزا ... وآسبل عليه مطارف الغفران وأجب دعاء مؤرخ ياربه ... (واجعل جزاه جنة الرضوان) - ٦- الشيخ سعيد الشيبوقي لا أعرف لهذا القاضي ترجمة غير أنه ولي القضاء في المذهب المالكي بعد وفاة الشيخ إبراهيم المزاج. واتفق في مدة ولايته مبدأ دولة الأمير علي باي أن وقع جدب واحتبست المطر بتونس مدة، فطلب أهل البلد عزل القاضي وكان لسان حالهم ينشد قول الشاعر: [المتقارب] يمر السحاب ببلدتنا ... فلا يستطيع إليها النزول يروح ويغدو ولم يسقها ... لجور القضاة وزور العدول ولما لم يجد الأمير بداً من إجابة مطلبهم أمر بعزله، وأرسل للشيخ سويسي وأولاه مكانه، قيل أن القاضي الجديد لم يصل من باردو إلى تونس إلاّ مبتل الثياب بالمطر، وكان الشيخ سعيد يقول إني لم أعجب لطلب أهل البلاد لعزلي حيث كنت نعلم: إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي الأحكام هذا إن عدل ولا من إجابة الأمير لذلك لأنه مضطر لإجابتهم وإنما تعجبت لصب المطر رحمة الله عليه آمين. - ٧- الشيخ محمد سويسي هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد سويسي الشريف. نشا بين يدي والده، وقرا عليه العلوم العربية والفقهية، وقرا الفقه على الشيخ عبد الله السويسي، والشيخ محمد الهدة، وغيرهم من علماء جامع الزيتونة. وتضلع بالعقول والمنقول والفروع والأصول وجاس للتدريس بجامع الزيتونة وتقدم لمشيخة بير الحجار.

стр. 295

ثم قدمه الأمير علي باي لخطة القضاء لعلمه ودينه، وكان عالماً عاملاً زاهداً متقشفاً يجلس للحكم على جلد شاة ويأكل من عمل يديه قيل إنه كان يخبز في كل يوم قرصة ويتحمل بنفسه مؤونة عجنها وطيابها بطاجين أمامه فحضرت بين يديه نازلة وكانت القرصة في طاجينها فالتفت أحد الخصمين فرآها أخذت في الانحراق فأسرع إلى قلبها على الوجه الآخر فصاح به الشيخ إنك قد تركتني اليوم بلا طعام ولم يأكلها حيث رأى أن صنيع الخصم بها من الرشوة للقاضي وهكذا كان ورعه ﵁. وجلس لقراءة القرآن على كرسي ختمة جامع الزيتونة بعد وفاة والده مدة طويلة إلى أن أصيب خليفة الجامع الشيخ حمودة إدريس عند صلاة الظهر بقصورة الجامع وضاق الوقت عن انتظار تولية الأمير فأجمع المسلمون الحاضرون بالجامع على تقديم قاضيهم صاحب الترجمة، فلما نزل من القرءة عن الختمة قدموه للصلاة بهم، ولما باغ الأمير علي باي ذلك قال لا أعدل عمن اختاره المسلمون لأنفسهم فقدمه خليفة بجامع الزيتونة فزان المحراب والمنبر وخطب الخطب البليغة واستلان القلوب بحسن ترتيله ومواعظه مع ملازمته للإقراء بجامع الزيتونة بحيث إنه عمر الجامع سنين متطاولة وولده أبو الحسن علي شيخ الختمة إلى أن حضرته الوفاة وهو على خططه الرفيعة بين قضاء وإمامة وتدريس فتوفي سنة ١٢٠٤ أربع ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين وقد رثاه أحد الشعراء بقوله: [الخفيف] آيل الناس هكذا بطن رمس ... موحش من حواه من بعد أنس غصة الموت أوقفت كل شخص ... تحت جبن وبلّدت كل حس ليس يدري ولا يداري نفيساً ... نفس الكرب أو هبوبةُ دوس مثل هذا الرئيس من كان طوداً ... عالماً قد أعيذ من كلّ لبس أنفق العمر في العلوم وأمسى ... مسهراً للعيون في حرف طرس حين لاقى الإله قد أرخوه ... (نال طولاً من الكريم السويسي) - ٨-الشيخ محمد الطويبي هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن الجليل الطويبي الطرابلسي قدم جده علي بن عبد الجليل من طويب من عمل طرابلس إلى جزيرة جربة وقرأ بها العالم الرباني الشيخ إبراهيم الجمني وتوفي بها ودفن هنالك. وسلك ولده من بعده مسلكه في طلب العلم، فقرأ على شيخ والده، ثم قدم إلى تونس وتقدم لخطبة إمام جامع الهواء ومشيخة المدرسة التوفيقية. وكان عالماً فاضلاً حسن الخط، نسخ كتباً كثيرة للأمير علي باشا لحسن خطه. ولازم التدريس مع القيام بخطة إمامة جامع الهواء إلى أن أتاه محتوم الأجل سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف وكتب على قبره: [الكامل] هذا ضريح قد أتته بشائر ... سقيا له روض رحيم طاهرُ قد حل فيه كرامة لنزيله ... من جنة الرضوان نشر عاطرُ إذ حلَّة الشيخ الهمام المرتضى ... بحر المعارف والعلوم الزاخرُ جد الزمان وعالم العصر الذي ... دانت إليه أصاغر وأكابرُ أعني الطويبيّ المهذب أحمداً ... من ذا لرتبته السها يتقاطرُ قد كان في التدريس بحراً زاخراً ... تطفو بساحله علا ومفاخرُ ذاك الإمام الواعظ العلم الذي ... نارت محاريب به ومنابرُ لما أتاه الموت أبقى زاده ... براً جميلاً رمسه به نائرُ وافى لربه راجياً غفرانه ... ورضاه إنه للبرايا غافرُ فلذاك وافق من دعا تاريخه ... (برضاك متّع أحمداً يا قادرُ) ونشأ ولده صاحب الترجمة بين يديه، فقرأ عليه وعلى الشيخ الحاج حمودة بن عبد العزيز الكاتب قبل الترقي لخطة الكتابة، وقرأ على الشيخ الكواش والشيخ محمد العنجاتي العالم الصالح، كان من فحول علماء جامع الزيتونة مع قلة ما بيده اتفق أنه تخلف يوماً عن درسه وكان يقرأ عليه كثير من العلماء فلما ألحوا عليه في السؤال عن سبب التخلف أعلمهم أنه لم يجد زيتاً ولا ما يشتري به الزيت. وبعد أن سمعوا منه العذر اجتمع من تلامذته الشيخ الطاهر بن مسعود وصاحب الترجمة الشيخ محمد الطويبي والوجيه الأبر الحاج سالم الوسلاتي وتأسفوا لحال الشيخ وقالوا إن كان شيخنا مع علمه لم يحصل له ما يشتري به الزيت فماذا عسى أن نبلغ نحن بعده وأخذوا يفكرون في الاشتغال بما يتيسر لهم به الرزق.

стр. 296

ثم إن الأولين منهم تخيرا خدمة العلم وقال صاحب الترجمة: إني نتمم قراءة العلم ونرجو من الله أن نتولى خطة القضاء فقال له الشيخ الطاهر: أنا لا أتحمل مسؤوليتها إن كان ولا بد فنرجو أن نتولى خطة إمامة جامع الزيتونة. ثم قال الحاج سالم الوسلاتي: أنا إنما نتمنى على الله سعة البيع والشراء مع الوجاهة وملازمة جامع الزيتونة في الصلوات الخمس، وقد حقق الله أمنية جميعهم حيث إن الحاج سالم اشتغل بحانوت في العطارين قرب باب جامع الزيتونة وكان لا يتخلف عن الصلاة به واتسع ما بيده حتى أن أمين العطارين لما أحس به من وجاهته سعى مع باش حانبة يومئذ أحمد بن علي فأرسله له حمودة باشا وآذنه أن يخرج من سوق العطارين كل من لم يكن من أبناء الحاضرة جرياً على سالف عادة العطارين ولما بلغ الخبر إلى الحاج سالم الوسلاتي أخذ من قرينه الحاج علي بن عبد الرزاق الوسلاتي ألفين وخمسمائة محبوب، وضم إليها مثلها، وقدمها هدية إلى يوسف صاحب الطابع وقال له إن لنا في سوق العطارين نحو الأربعين سنة فكيف يسوغ للأمين أن يخرطنا في الأحداث. ولما عرض أمين السوق جريدة الآفاقيين الذين بالعطارين على الباي استثنى من الإخراج كلاً من التاجرين المذكورين لوجاهتهما، فسقط ما في يد الأمين، وأخرج من سواهما وكان حمودة باشا إذا مر بحانوت الحاج سالم وقف عليه ومالحه، وهو مولع بالتضمخ بالطيب كثيراً. وأما الشيخ الطاهر بن مسعود فولي الإمامة. وأما صاحب الترجمة فتضلع بالمعقول والمنقول، وجلس للتدريس في الفروع والأصول، وأخذ عنه كثير من العلماء الفحول، واشتغل بالمتجر وصناعة الشاشية، واتسع في ذلك نطاقه. ولما توفي الشيخ محمد سويسي أرسل له الأمير حمودة باشا إلى حانوته بالسوق الكبير من أسواق الشواشية واستحضره فقلده خطة القضاء بالحاضرة وخطة النيابة بجامع الزيتونة، وعدت توليته من كمال معرفة الأمير بحقيقة أهل بلده فزان الخطتين علماً وإنصافاً وديانة. وكان جهوري الصوت تقرع مواعظه القلوب، لا يتخلف عن الجامع تدريساً وإمامة، مع القيلم بحقوق خطة القضاء على الوجه المرتضى، لا تأخذه في الحق لومة لائم، زكي النفس إلى أن بلغ من العمر نحو خمس وستين سنة، وتوفي ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من يناير الموافق للتاسع من شوال سنة ١٢١٧ سبع عشرة ومائتين وألف عليه رحمة الله. وأرخ وفاته قاضي الفريضة الشيخ محمد الحشايشي الشريف بقوله: [الكامل] كل امرىء وسط التراب يكون ... فالموت من بعد الكرام يهونُ هذا الطويبيّ عالم ثبت الحوى ... شرع الرسول وللحقوق يصونُ عز القضاء بعفة وسياسة ... وبفصل أحكام إليه شؤونُ الجامع الأسنى استنار بدرسه ... من للرواية أصلها مدفونُ واأسفاً للوعظ مات بموت من ... قد كان منه للجهاد عيونُ باهتْ به الخضراءُ توني مشرقاً ... بنفيسِ فهمٍ دره مكنونُ يا ربنا أجزل قراء محمد ... وامنحه قصراً روضه مسكونُ فلقد ألمّ بباب جودك راقياً ... يرجو لقاءك بالمنى مقرونُ ناداه داعي الفضل بشرى أرخوا ... (مسكنه الفردوس فيه يكونُ) - ٩- الشيخ عمر المحجوب هوالشيخ أبو حفص عمر بن القاسم بن الحاج المحجوب المساكني الشريف نشأ بين والده في طلب العلم، وكان ذكياً يحضر على والده مع أخيه مع أنه أصغر منه سناً وعلماً، ومع ذلك فإنّ والده يشهد له بفضل الذكاء، وقرأ على كثير من علماء ذلك العصر منهم الشيخ محمد بن حسين الهدة السويسي والشيخ محمد الغرياني وأجازاه بالإجازة العامة المطلقة وهذا نص إجازته الغريانية: أحمده حمداً معترفاً بالعجز عن إحصاء حمده، وأشكره شكراً مقراً بإحسانه ورفده، لأنه لاإله إلا هو وحده في ملكه، من اعتصم بحبله المتين أفلح فملك ومن شرد عن بابه الكريم خاب وهلك، وخير العباد من صدق التوجه إليه، واقتفى بكنه الإلهية في أمره كله عليه، وأصلي على سيدنا محمد نبيه الكريم وعبده وعلى آله وأصحابه، وعترته وأحبابه، وكل مؤمن ينتسب إلى بابه صلاة تفوق الإحصاء عدداً وفضاءً، وتملأ الوجود أرضاً وسماء، وتكون لحقهم الكريم منا أداءً، وأسلم كثيراً كذلك، والحمد لله على ذلك.

стр. 297

أما بعد فيقول أسير ذنبه وفقير كسبه الراجي عفو ربه، الفار من حوله وقوته، محمد بن علي الغرياني بوأه الله تعالى ومن أحبه دار الهناء والأماني، قد أجزت ولدنا الفقيه النبيه، الحسيب النسيب، الحائز من الفضل والعلم أوفر نصيب، المشارك في سائر العلوم، الراضع من لبانها الفمنطوق والمفهوم، وبلغ فيها بفضل الله غاية المراد، وبحث فأجاد وأفاد أبا حفص عمر بن أخينا حقاً، ومحبنا صدقاً العلم الشهير، النقاد الخبير، مفتي الأنام وشيخ الإسلام فريد دهره ووحيد عصره المتفنن في العلوم العقلية والنقلية المنفرد في الرئاسة الإفريقية أبي الفضل الشيخ الفاضل والهمام الأجل الكامل سيدي قايم المحجوب فيما تضمنه هذا الثبت بالسند المتصل بالمشايخ الأجلة والبدور الأهلة القائمين بالشريعة في عين الحقيقة السالكين في ذلك واضح محجة وطريقه إجازة عامة مطلقة إقراء وقراءة وإجازة لغيره بشرطه المعتبر عند أهله لأنه من وضع الشيء في محله وإعادته إلى من هو من أهله وعلمي بتقوى الله وأن لا ينسانس من صالح دعائه ونسأله سبحانه أن ينفع به العباد في الحاضر والباد، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير والصلاة والسلام على النبيّ الشهير وآله وصحبه ذوي الفضل والخير النضير. ونبغ في المعقول والمنقول وسلك في العلوم الفقهية والأصولية مسلك والده وأحرز راية البراعة في المعقول وحسن الخط وفصاحة القلم واللسان وجلس للتدريس فأفاد وكان من علمه وفضله يكتب للدولة مهمات المكاتيب الإنشائية بفصاحة قلمه، وحسن إنشائه، ونسخ للأمير كتباً تبهر العقول بحسن خطها وتنميقها مع اليد الطولى في حسن التوثيق والشعر الرقيق وجودة الصوت وجمال السمت. ولما توفي شيخ الختمة بجامع الزيتونة وحفيد شيخها الشيخ سويسي الثاني تقدم صاحب الترجمة عوضه شيخاً على الختمة. ولما توفي الإمام الثاني بجامع الزيتونة تقدم إماماً ثالثة بجامع الزيتونة في غرة رجب الأصب سنة ١٢١٠ عشر ومائتين وألف وهنأه الكاتب الشيخ محمد الدرناوي في ذلك بقوله: يا أيها العلم الحبر الإمام ومنْ ... حفته من جده طه العناياتُ ومن تسامى إلى أن نال مرتبة ... في الأفق من دونها الشهب المنيراتُ وأيها العلم الفرع الذي جُمِعَتْ ... فيه خصال حميدات جميلاتُ إن النيابة مذ وليتها ابتهجت ... حتى لقد أشرقت منها الدُّجنَّاتُ فيا لها خطة قد كان فاز بها ... أيمة في قديم الدهر ساداتُ أتتك ساحبةً ذيل الفخار بكم ... من بعد شوق وللأشياء أوقاتُ فاهنأْ بها يا أبا حفص الإمام ودم ... في أنعم ما لها في العد غاياتُ وليكن في كريم علمك أيها الشيخ الجليل، والفاضل الذي ليس له من مثيل، أنه قد تعذر عليَّ الحال، عن زيارتكم الهنا، يا نعم المنى والتأنيس بلقيلكم، ومشاهدة محياكم، ولم أجد عارفاً بشروط النيابة لمخاطبة تلك المثابة. [الطويل] بعثت بنظمي نائباً عن زيارتي ... ومخن لم يجد ماء تيمم بالترب والخليل الجليل، والكريم الكثير الجميل، يقبل القليل، كالعين مع شرفها تقبل ما يهديه إليها الميل، وربنا يزيد في قواكم، على القيام بما أولاكم، ويتقبل منا ومنك حسن الأعمال، ويجعلنا وإياكم من أهل الكمال، والسلام. وحيث أن صاحب الترجمة ولي الخلافة على توالي المرض كتب إلى صديقه المهني له بما نصه: [البسيط] وافت وللصب من شكواه لو عاتُ ... تحية عبقت منها البراعاتُ ما خلت قبل انتشائي من بدائعها ... أن المهارق منها البابلياتُ ما غادة غَنِيَتْ في روضة زهيت ... أنوارها منها وزهت المنيراتُ أطيارها صدحت تشدو بما فرحت ... من حسن ما شرحت تحلو الصباباتُ أبهى وأحسن عندي من مهارقكم ... حلت بها من معاني الحسن أشتاتُ فنظمها ناثر في مسمعي درراً ... والنثر ينظم منه اللؤلئياتُ تخالها كالدراري السبع في طبق ... من النضار لهل بالمسك حالاتُ راقت لدى ناظري منها قلائدها ... وشنفت أذني منها المقاماتُ جاءت وقد عظمت عندي نيابتها ... عنكم فهنت ولذت لي النياباتُ يا أيها الأوحد الأحظى بمنزلة ... على البيان لكم منها الولاياتُ

стр. 298

أما فؤادي فمشفوف بودكم ... والود لا تمترى منه الدلالاتُ وحيث ما صح منك الود معتبطاً ... فلا علي إذا فاتت ملاقاة ولتعرفى أيها المولى الفاضل، والمحرز لأشتات الفاضائل والفواضل، أنه قد حال الجريض، دون القريض، وشغلتنا الأدواء عن الكتابة والتعريض، وضُرِب بيني وبين الآداب بسور من معالجة الأبدان ونسا بيني وبينها الظَرِبان، وصرت حتى كأني لا أفهم من الموافقة إلا ملائمة العلاج، ولا المراد بالمطابقة إلا المساواة في المزاج، ولا من الاستخدام إلا استخدام الغاذية لقواها، واعتبار العوارض التي تغشاها، ولا من التجريد إلا مقدمة الغوص في الأبْزَنَات، ولا من التفريد إلا العدول عن فويّ المركبات، ولا من اللف إلا ما كان خوف الأهوية، ولا من الحل إلا تفكيك الكثيف من الأدوية، ولا من العقد إلا عند المعاجين والحبوب، ولا من القبض إلا امتناع التفل عن أن يصوب، ولا من الجناس إلا الأَجناس العشرة من النبض ولا من التعديد إلا عدّ أنواعه السبعة والعشرين وتمييز بعضها عن بعض، وبجملة لم يبق لي من الأدب شوب، ولا روب، ولا هارب، ولا قارب، وصرت عند ورود موارده، والنزع إلى رسائله وقصائده، كما قيل في المثل إذا أصابت الظباء الماء فلا عباب، وإن لم تجده فلا أباب، غير أنه لما وردت صحيفتكم السنية، الباهية الرضية، وصُلينا منهاببلية، واعتبرنا قوله تعالى وإذا حييتم بتحية، ووجدنا رد الجواب عنها من الواجبات الشرعية، ووجدتني في الإتيان بمثلها عاجزاً عنها، فضلاً عن الإتيان بأحسن منها، تفصينا عن الوقوع في مخالفة الآية، ورأينا أن نأتي بالميسور وإن لم يصل الغاية، وحيث كانت العزائم بالعجز عنها مطرحة، فلا جرم أنّا نقرع أبواب الرخص المتفخة، فإن لم يصبها وابل فطل، وإن لم يكن خمر فخل، والله تعالى يحرس علاكم ويديم بقاكم، وليس لنا عليكم إلا الدعاء بظهر الغيب وإن لم يظهر من الجيب ونستوهب من واهب الصور النوعية، أن يفيض علينا من عنايته القدسية، بمنه وكرمه والسلام. وقد قام بخطة النيابة أحسن قيام بلغت به إمامة جانع الزيتونة في ذلك العهد إلى غاية المرام، ولما توفي الشيخ محمد الطويبي قدمه حمودة باشا لخطة القضاء وخليفة بجامع الزيتونة يوم الثلاثاء السادس عشر من شوال سنة ١٢١٧ سبع عشرة ومائتين وألف، فزان الخطتين بفصاحته وعلمه زمتانة فقهه وكمال خبرته بفقه القضاء وتطبيق النوازل وهنأه بذلك إبراهيم الرياحي بقصيدته التي يقول في مطلعها: [الطويل] على قدَرٍ وافتك عالية القدْرِ ... ويا طالما حنت إلى وجهك البدر وكان الأمير حمودة باشا يستجيد خطبته، بحيث لا يكاد يتخلف عن حضور الجمعة بجامع الزيتونة رغبة في سماع خطبته. وكان سَمَّى أخته لوزيره صاحب الطابع، غير أنه لم يزوجه منها فطلب الوزير المذكور من الشيخ أن يخطب في وعيد العضل رجاء أن يزوجه سيده ولما حضر الأمير الجمعة خطب الشيخ في ذلك فاستشاط الأمير غيظاً وكاد أن يخرج قبل الصلاة وبمجرد فراغه من صلاة الجمعة عزله من جميع خططه، وكان ذلك يوم الجمعة التاسع والعشرين من صفر الخير سنة ١٢٢١ إحدى وعشرين ومائتين وألف، فلازم بيته. وكان عالماً موثقاً فقيهاً أصولياً منصفاً، درسه رياض البساتين، سهل التناول، كاتباً شاعراً، فصيح القلم واللسان، بديع الخط، حسن المحاضرة، كريم الأخلاق، عزيز النفس. توالت عليه الأمراض بعد عزله فلازم جبل المنار إلى أن توفي ليلة الأربعاء الموفي ثلاثين من المحرم سنة ١٢٢٢ اثنتين وألف، وجيْ به إلى تونس فدفن بتربتهم بالزلاج ةعليه رحمة الله آمين ورثاه بما كتب على قبره الشيخ عبد الرحمن الكامل بقوله: [الكامل] قف واعتبر فهنا ترى الأنباء ... جاءت بها عن صخرها الخنساءُ ودع المدامع هطلا فلقد بكت ... أسفاً عليك الصخرة الصماء واندب من اللذات مضغتها لقد ... ذهب الهناء وساء منه عزاء تبكي فقيداً عاد في أصدافه ... شرفت به الخضراء والغبراء تبكي أبا حفص وهل يجدي البكا ... ذلت لعز مقامه الؤساء محجوب أسرار صفت لجنابه ... فثوابها في لحده الإخفاء هذا لعمري قبره فأعجب به ... قد ضم بحراً موجه الألاء من للعلوم وكان في روضاتها ... قمر الدجى عمت به الأضواء

стр. 299

من للفصاحة حين كان أميرها ... شهدت إليه بطوعها البلغاء من للبلاغة نثرها ونظامها ... فلها بنعيك حرقة وبلاء من للمحافل حين كان رئيسها ... وجذيلها وله الوقار وقاء من للمنابر بعد فقدك خاطباً ... لك في علاها رتبة القعساءُ أبديت في غرر العلوم غرائباً ... عن مثلها تتقاصر الآراء يا سيداً والفضل فيه سجيةٌ ... ما هذه الأهوال والأسواء لك نسبة الشرف الزكي نفاسة ... شرفت به الآباء والأبناء فاهنأ بخير وافر من راحمٍ ... ضمن الوفاء لمن له إدلاء يفنى الزمان وطيب ذكرك في الورى ... باق عليك ونشرة فيحاء فعليك من صفو الفؤاد تحية ... ما نوحت بفراقك الأدباء وعلى محبك حسرة وتأسف ... حتى يطيب لمقلتيه بقاء عظم المصاب بكم بقول مؤرخ ... (عظمت بفقدك عندنا الأرزاء ١٠- الشيخ إسماعيل التميمي تقدم استيفاء ترجمته في المفتين، وقد تقدم لخطة القضاء في غرة أشرف الربيعين من سنة ١٢٢١ إحدى وعشرين ومائتين وألف وأقام في الخطة نحو الأربعة عشرة سنة، فزانها وامتحن فيها. وتقدم إلى الفتيا وصار رئيس أهلها إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين. ١١-الشيخ أحمد بو خريص هو الشيخ أبو العباس أحمد بن علي بو خريص من أبناء زاوية كرامت الشهيرة الشرف بجبل وسلات، وينتسبون إلى غوث الله الشيخ سيدي أبي مدين شعيب بن الحسين الأندلسي صاحب المناقب الشهيرة بتلمسان الذي توفي سنة ٥٩٤ أربع وتسعين وخمسمائة. وقد وقفت على شجرة شرف لأحد أبناء زاوية كرامت التي ينتسبون إليها الآن وبه يتصل شرف عبد الرحمن بن محمد المديوني ابن إبراهيم بن عمر بن علي بن سالم بن علي بن أحمد بن قاسم وذكر فيها أن المديونيين من الأشاف على فرق، منهم فرقة بتلمسان ومنهم فرقة في تونس وفرقة في باجة، وأن جدهم الذي يتصلون به هو أبو محمد عبد الله المديوني ابن محمد بن علي بن قاسم المذكور آنفاً. ثم إن قاسماً هو قاسم بن سالم بن عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن عبد المطلب اللطيف بن محمد بن عبد الله بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن الصبط بن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكان تاريخ الرسم المذكور أواسط جمادى الأولى سنة ١٢٠٢ اثنين ومائتين وألف ممضى بختم الشيخ عبد الكبير الشريف نقيب الأشراف بتونس. أما ولادة صاحب الترجمة فكانت بوسلات سنة١١٥٦ ست وخمسين ومائة وألف. ولما أجلى الباشا أهل جبل وسلات من مكانهم وأخلاه سنة١١٧٥ خمس وسبعين ومائة وألف قدم مع والده إلى حاضرة تونس، وتوجه لخدمة العلم الشريف، وقرأ على الشيخ محمد الشحمي والشيخ صالح الكواش والشيخ محمد الغنجاتي والشيخ محمد الغرياني والشيخ عبد الله السوسي وولده الشيخ محمد الأوسط وغيرهم من علماء ذلك العصر حتى تضلع من علوم الدين. وتصدى للتدريس فأقرأ الفقه والفرائض والعلوم العقلية بجامع الزيتونة والخلوة المحرزية الكائنة قرب رحبة الغنم. وتصدى للإشهاد فنال في التوثيق أكمل رتبة وتقدم إماماً وخطيباً بجامع الحلق خارج الباب الجديد وخطب فيه الخطب البليغة من إنشائه. ثم قدمه لأمير محمود باشا لخطة القضاء تاسع ربيع الثاني سنة١٢٣٠ ثلاثين ومائتين وألف فوسع الناس إنصافاً وعدلاً، ولم يقبل خصماً في داره، ماتزم الحكم بدار القاضي في مدة ولايته الوجيزة حيث إنه لم يستكمل الأربعة الأشهر. واستحال نور بصره إلى بصيرته فاستعفى من الخطة في أواسط رجب من تلك السنة وأقبل على شأنه في التدريس، فبذل فيه نفائس العمر النفيس. وكان مرجعه في عويصات المسائل هو ضريح الشيخ القرجاني فيفتح عليه هنالك بحلّ ما يُشكل، وقد حكي عنه في بعض المرار فتح عليه بمجرد عزمه على التوجه إلى الشيخ القرجاني، فرقص من ذلك طرباً بما وجده من لذة المسألة.

стр. 300

وكان له في العلم ستة أشبال امتحن بفقد أربعة منهم في الطاعون الجارف، وهم العلماء مصطفى وحسن والطاهر وأحمد كلهم نشأوا بين يدي والهم وحفظوا المختصر الخليلي وقرأوه على والدهم كما قرأوا على تلامذته كالشيخ محمد بن ملوكة والشيخ الطاهر بن مسعود، وقد توفي أولهم في صفر الخير سنة ٣٥ خمس وثلاثين وكان فقيهاً فرضياً وفي اليوم الرابع لحق به أخوه الثاني وفي ربيع الأول لحق بهما أخوهما الطاهر العرض وكان أديباً شاعراً متفنناً في الخط، وفي رجب لحق بهم أخوهم الرابع وكان موثقاً فرضياً، وقد صبر الشيخ على فقد أربعتهم. وبقي بين يديه من أبنائه عالمان وهم الشيخ محمد والشيخ محمود وكلاهما على طريقة إخوتهما في الفقه والفرائض مع البراعة في الإنشاء وقد ترقيا لخطة الكتابة فكان الشيخ محمد كاتباً في المحلة وصاحبَ أحمد باشا في الأمحال سنين كثيرة وعليها توفي ﵀. وأدركت الشيخ محمود كاهية باش كاتب بديوان الإنشاء وهو مرجع في مشكلات الفرائض، وله يد في الفقه، كثير الكتابة في المسائل الفقهية. صاحب أناة ووقار، ملازم للمطالعة وأكثر مطالعته الكتب الفقهية، ملازم حضور الخمس في الخلوة المحرزية التي في رحبة الغنم، لا يتخلف عن صلاة الصبح فيها شتاء وصيفاًن مع ملازمته تلاوة القرآن وله وجاهة واعتبار في النفوس يعظمه الجليل والحقير لعلمه وديانته ووجاهته. وقد دعاه الأمير محمد باشا باي لإقراء ولده حسين باي العلم فجلس به مجال معدودة، وللأمير الصادق باشا باي به عناية لما له من حسن الملاطفة معه. ولاختصاصه بمعرفة دقائق الحساب اختص برئاسة قسم المحاسبات في الدولة حين تقسمت وزارتها سنة ١٢٨٦ ولما استقر المجلس الشوري سنة ١٢٩٦ انتظم في سلك أعضائه وأقام على وظائفه إلى وقوع انقلاب أواسط سنة ١٢٩٨. وكانت ولادته عام ١٢١٥ خمسة عشر ومائتين وألف في أواسط سنة ثمان وتسعين تنقل بأهله إلى سكنى المرسى ثم أصابه فالج عطله فعزل بسبب تعطله من خطة كاهية باش كاتب وأقام مضاجعاً للمرض، إلى أن أتاه محتوم الأجل صبيحة يوم الأربعاء الثالث من جمادى الثانية سنة ١٣٠١ إحدى وثلاثمائة وألف ودفن عشيته وشيع جنازته جميع العلماء والكتاب ووجوه الأهالي إلى القرجاني، وصلى عليه قاضي الحضرة يومئذ. وخلف ولدين وهما أبو العباس أحمد وأبو عبد الله محمد الطيب وأولهما معدود من أعيان علماء جامع الزيتونة في الرتبة الأولى من خطة التدريس، وبيده مشيخة المدرسة الحسينية الصغرى، ثم ارتقى إلى خطة الإفتاء فصار مفتياً سادساً صبيحة يوم السبت الحادي عشر من صفر الخير سنة ١٣٠٢ اثنتين وثلاثمائة وألف وسر الناس بولايته لتواضعه وحسن معاملته وله مشاركة في الفنون الآلية والنقلية. هذا وأما جدهم صاحب الترجمة فكان بيده إمامة جامع الحلق وخطبته ومشيخة المدرسة الحسينية الصغرى. وبعد تخليه عن القضاء لازم التدريس. وكان عالماً نزيهاً فاضلاً قدوة محصلاً فقيهاً فرضياً موثقاً صبوراً زكي النفس عمدة في النقل ثبتاً متواضعاً حسن اللقاء توفي خامس ربيع الأول سنة ١٢٤٠ أربعين ومائتين وألف بعد أن بلغ من العمر أربعاً وثمانين سنة ودفن بالقرجاني عليه رحمة الله ورثاه العالم الشاعر الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الخفيف] كم رحيق معطر مختوم ... في كؤوس المنطوق والمفهوم قد سقاها أبو خريص ندامى ... أطربتهم بسرها المكتوم في دروس أنوارها ساطعات ... في سماء النهى بحسن فهوم طالع السعد قال ذاك محلّي ... لا تحيدوا عن قطبها المعلوم أحمد جامع الجوامع طراً ... سيدٌ في الكمال غير مروم عضد الدين حجة وهو فخر ... في سبيل الهدى وبث العلوم أي بحر في العلم لم يجر منه ... أي ظام من ريه مختوم ذكره المسك في الأنام ... عبيقٌ قدره دونه مجاري النجوم يشبه الشمس شهرة في البرايا ... في ثناء كاللؤلؤ المنظوم ثم لبى لما دعاه المنادي ... لقضاء على الورى محتوم سكن القبر بعد تلك المعالي ... يا لحصن من الهدى مهدوم! إن هذا المصاب خطب جسيم ... باذل الروح فيه غير ملوم غير أن المصير للفضل كف ... تغرس الصبر في الفؤاد الكريم

стр. 301

يا إمام الهدى عليك سلام ... من رؤوف بالعالمين رحيم رحمة في الحياة كنت وقوراً ... أي جهل من بعدها مركوم فحقيق قولي متى قلتأرّخ ... كسفت بعدها بدور العلوم - ١٢- الشيخ سالم المحجوب هوالشيخ أبو النجاة سالم بن حسن ابن الحاج المحجوب المساكني الشريف، قرأ على ابن عمه الشيخ محمد المحجوب وغيره، وتصدى للإشهاد. ثم تقدم لخطة القضاء ببنزرت، ولعل ولايته كانت عقب استعفاء العالم النحوي المحصل الشيخ حمزة الجباس وذلك أنه ولي خطة قضاء بنزرت عام خمسة عشر وأقام في بنزرت أربعة أشهر أصلبه فيها مرض على ضعف بدنه فاستقال من الخطة ورجع إلى تونس، إلى أن توفي سنة سبع عشرة فكان ولاية صاحب الترجمة بعده ببنزرت، وأقام فيها مدة. ثم لما عاد المولى عثمان باشا اجتماع المجلس الشرعي أَوْلَى في خطة قضاء باردو الشيخ قاسم ابن قاضي باردو المختار المنكبي غرة ذي القعدة الحرام سنة ١٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين وألف فلم يقم على الخطة إلا قليلاً، واستعفى فتقدم عوضه صاحب الترجمة لخطة قضاء باردو المعمور في تاسع ربيع الثاني سنة ١٢٣٠ ثلاثين ومائتين وألف. وأقام على الخطة المذكورة مع مشيخة المدرسة الجاسوسية، إلى أن توفي الشيخ محمد العذاري قاضي المحلة فتنقل عوضه لمشيخة المدرسة المنتصرية في ربيع الثلاثين سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين وولي عوضه على المدرسة الجاسوسية الشيخ أحمد الكيلاني الطرابلسي. ثم لما تقدم الشيخ إسماعيل التميمي لخطة الإفتاء يوم عيد النحر سنة١٢٣٤ أربع وثلاثين قدمه الأمير محمود باشا لخطة القضاء بالحاضرة وأعانته عليها معرفته بالتوثيق وكانت بيده إمامة مسجد السبخة. وأقام في خطة القضاء ست سنين، فعرضت له نازلة قبل فيها التجريح في عدولها مع أنهم من ثقات العدول الذين جرى العمل بعدم قبول التجريح في أمثالهم، وأفضى الأمر فيها إلى عزل شهود التجريح ثم اجتمع المشايخ أبناء عمه ومن معهما وكتبوا شهادة بقصوره وعدم رجوعه لمشورتهم وجعلوها عن إذن القاضي الحنفي الشيخ محمد الدرويش فامتنع من الختم عليها وقال: إني ما علمت عليه من سوء في مدة ولايته الخطة وأفضى الأمر إلى إرسالها للأمير بدون ختم فقبلها الأمير وصرفه عن الخطة يوم الجمعة الثالث من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين وألف. وكان موثقاً خيراً مشاركاً فرضياً حسن الأخلاق صبوراً لازم بيت العزل بيته، إلى أن توفي يوم الخميس سابع شعبان الأكرم سنة١٢٥٤ أربع وخمسين ومائتين وألف ودفن بتربة آله من الزلاج عليه رحمة الله آمين. - ١٣-الشيخ الشاذلي بن المؤدب تقدم استيفاء ترجمته وتقدم لخطة القضاء بالحاضرة عند عزل من قبله في ذي القعدة الحرام سنة ١٢٤١ إحدى وأربعين ومائتين وألف، ولازم استشارة الشيوخ والتحري لدينه. ولم تطل مدة ولايته المذكورة فارتقى منها لخطة الفتيا ثاني ربيعي سنة ١٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين وألف، ولازم الفتيا إلى أن توفي، عليه رحمة الله. - ١٤-الشيخ محمد البحري هو الشيخ أبو عبد الله محمد البحري بن حسين بن عبد الستار بن عامر المانسي قدم جده عبد الستار بن عامر من مانس قرب جبل وسلات عندما أجلاه الأمير علي باي بن حسين، وقرأ بتونس، وحج بيت الله الحرام، وكان مجوداً واستكتبه الوزير الحاج علي بن عبد العزيز، وتوفي عام ١٢٠٥ خمس ومائتين وألف وأرخه أحد شعراء عصره بقوله: [الخفيف] ذا ضريح قد حاز سراً ونوراً ... ونعيماً وبهجتاً وسرورا ضم حبراً براً تقياً عفيفاً ... شكره بالثناء أضحى عطيراً ذاك عبد الستار من حاز فخراً ... واعتزازاً ونال فضلاً كبيرا أتقن السبع في القراءة فهماً ... وأداء وكان بدراً منيراً ولقد عطر الزمان بذكر ... في البراري أن ليس يخشى فتوراً قد دعاه داعي المنايا فلبى ... بامتثال ونال في الخلد حورا فدعونا وقلت إذ أرخوه ... ربَّي أسكنه في نعيم قصورا

стр. 302

وقد اعتنى الشيخ المذكور بولده حسين وحضه على خدمة العلم فقرأ على الشيخ محمد الغرياني والشيخ صالح الكواش، ولازم الشيخ محمد بن سعيد النجم، ودرّس بمسجد سيدي أبي عصيدة قرب داره. ولما زيد له ولده صاحب الترجمة سماه محمد ولقبه وحجره للشيخ سيدي البحري صاحب الزاوية المعروفة بتونس وقد امتحن بفقد ولده المذكور في حياته وتوفي في غرة ذي الحجة الحرام سنة ١٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين وألف. وكانت ولادة ولده صاحب الترجمة سنة ١١٩٧ سبع وتسعين وائة وألف فتربى في حجر جده، ثم دخل إلى جامع الزيتونة، فقرأ على الشيخ الطاهر بن مسعود والشيخ إبراهيم الرياحي ولازم الشيخ حسن الشريف إلى أن تضلع بمعقول العلوم ومنقولها، فتصدى للتدريس. وتقدم إماماً بجامع ابي محمد الحفصي بعد الشيخ إسماعيل التميمي ولما إرتقى الشيخ محمد العذاري إلى خطة قضاء باردو وتقدم عوضه لخطة قضاء المحلة وسافر مع المقدس مصطفى باشا في مبدإ دولة أخيه، وأقبل عليه أمير المحلة بالمودة التي استحكم أمرها بينهما. ثم قدمه الأمير حسين باشا قاضي بالحاضرة في ربيع الثاني سنة ١٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين وألف فاعتمد في ذلك على مراجعة الشيخ إسماعيل التميمي، ولازم الرجوع إليه في توقيفاته إلى أن تفقه في مهيع الشيخ التميمي بفقه القضاء بحسن رجوعه للحق. وكان الشيخ محمد السنوسي جدي الأعلى يحضر المجلس الشرعي بخطة قضاء باردو، والعادة أن صاحب الخطة المذكورة ليس له حق التكلم في النوازل التي ترد للمجلس، ومع ذلك اتفق لصاحب الترجمة أن حكم في نازلة بالقتل ووافقه على ذلك من حضر من الشيوخ فأمر إليه المولى الجد بأن مشهور المذهب الذي عليه العمل في النازلة غير ما وقع عليه الاتفاق، فلم يتهيب الشيخ أن طلب من الأمير تأخير النازلة إلى أسبوع قابل وعند رجوعهما أرسل له النص في المسألة فلم يكن منه بعد العصر إلا أن ركب فرسه الخضراء، وحضر لدار المولى الجد وعند تلاقيهما قبله بين عينيه، وقال له: أنقذتنا من قتل نفس أنقذك الله من النار، وأرسل النص في المسألة لكافة الشيوخ، ولما حضر المجلس أمر بإحضار المدعى عليه وأعلن في المجلس للأمير بما وقع من المولى الجد وأن المشايخ اتفقوا على عدم قتل الرجل وقضى بذلك، شأن المنصفين المحبين للإهتداء إلى سواء السبيل. ونازلة الأختلاف الذي وقع بينه وبين شيخه إبراهيم الرياحي قد عظم أمرها بسعاية من تداخل بين الشيخين من السعاة نسأل الله أن يغفر للجميع، بجاه النبي الشفبع. ومن لطيف التورية ما رأيته من شعر الشيخ محمد بيرم الرابع يخاطبه وقد وجه إليه حواشي الحكيم بعد أن طلبها بعد أن طلبها منه وتأخر بإرسالها. [الطويل] أيا من عدا تاجاً على مفرق الدهر ... ودرة يتم في عقود بني العصر أتتك من التحقيق خود كواعبٌ ... تجل إلى التشبيه بالأنجم الزهر ولا تحسب التأخير مني لريبة ... وحق الضحى والليل والعصر والفجر ولكنها در نفيس وكيف لي ... بأن أهدي الدر النفيس إلى البحر قيل: إنه قبل ولايته القضاء رأى رؤية وهي أن سيدنا أبا بكر الصديق أعطاه شيئاً من الفاكهة وإحدى عشرة خبزة وسيدنا عمر أعطاه ميزاناً، فعبر الميزان بالحكم والخبز بأعوان الولاية والفاكهة بأن تلك المدة تكون أيام سرور وراحة. ولما ولي القضاء واستكمل السنين طلب من أحد المنجمين عند دخول سنة ٥٤ أربع وخمسين أن يعمل له نصبة في أحوال البلد، وأرسلها للشيخ عثمان النجار، فلما نظر فيها كتب عليها ولاية وعزل وموت أكبر قضانها فظن صاحب النصبة أن أكبر القضاة الميت هو الشيخ إبراهيم الرياحي وكان مسافراً في حج بيت الله الحرام نيابة عن الباشا مصطفى باي، ورأى أنه أن أعلم الشيخ البحري بذلك سره الأمر فلما أعلمه الخبر أصفر وجهه ورأى أن ذلك مطابقاً لمقتضى رأياه عليه رحمة الله. وكان عالماً، فقيهاً، محققاً، فاضلاً، حازماً، عالي الهمة، حسن الأخلاق، ذا صيت بعيد، وسعي حميد، نفع به كثير من العبيد. وتوفي ليلة الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة ١٢٥٤ أربع وخمسين ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين. ١٥-الشيخ محمد السنوسي

стр. 303

هو جدي وشيخ مشايخي أبو عبد الله محمد السنوسي بن عثمان بن محمد بن أحمد عرف ابن مهنية من حفدة الولي الصالح الشيخ سيدي عساكر بن ضيف الله بن محمد بن منصور بن إبراهيم بن محمد بن عامر بن موسى بن عبد الله بن عثمان بن بخت بن عياد بن ثابت بن منصور بن عامر بن موسى بن مسعود بن علي بن عبد المجيد بن عمران بن محمد بن داوود بن علي بن عبد الله بن إدريس بن إدريس الأصغر بن إدريس الأصغر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن الصبت ابن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ . كان سيدي عساكر من مشاهير الأولياء ﵁، وهو دفين قلعة سنان قرب الكاف. كان حفيده أبو العباس أحمد بن مهنية القلعي خيراً، حج بيت الله الحرام. وتنقل ولده أبو عبد الله مَحمد بفتح أوله إلى بلد الكاف، وأقام بها إلى أن توفي ودفن بمقصورة الشيخ سيدي ابن حرزة الله. ونشأ ولده الشيخ أبو النور عثمان في طلب العلم، فقرأ هنالك أولاً، ثم ارتحل إلى تونس فقرأ بجامع الزيتونة على الشيخ عبد الله السوسي وقد استفدت ذلك من تقاريره التي على كتبه، وقرأ على غيره من علماء ذلك العصر وسكن المدرسة المرادية ن وأقرأ بها، وتقدم لخطة العدالة على عهد الأمير محمد الرشيد بن حسين بن علي في أواخر جمادى الأولى سنة ١١٧٠ سبعين ومائة وألف، ثم قدمه الأمير علي باي ابن حسين مدرساً بالجامع الكبير ببلد الكاف، ومرتبه عن ذلك ستة نواصر، وذلك أةائل جمادى الأولى سنة ١١٧٧ سبع وسبعين ومائة وألف، فرجع إلى بلده وتصدى للإقراء. وأخذ عنه هنالك الشيخ الحاج أحمد الزين قاضي بلد الكاف، والشيخ الحاج أحمد بن العلمي، والشيخ الحاج ونيس وغيرهم. ثم قدمه الأمير المذكور لمشيخة المدرسة الحسينية بالكاف، ومرتبه سبعة نواصر، وذلك في أواسط المحرم سنة ١١٨١ إحدى وثمانين ومائة وألف، وزاده بعد ذلك في مرتبه ضعفيه حتى بلغ ست خرارب يومياً. وكان في أثناء إقامته يقدم لتونس لزيارة أحبته بها وألإجتماع بهم. ولما قدم إلى حاضرة تونس أوائل سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف قدمه الأمير علي باي لخطة الفتيا ببلد الكاف في التاسع والعشرين من صفر الخير سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف على كره منه، ورجع إلى بلده كرهاً يطلب حسن الخاتمة فلم تطل إقامته في الخطة، وعاجله الأجل ودفن بمدفن والده بمقصورة سيدي ابن حرز الله، وإلى هذا اليوم على قبره تابوت وهو مزار في بلد الكاف. وكان عالماً عاملاً ولوعاً بالمعقول جميل الخط نسخ كتب قراءته كلها بخطه وكتب على جميعها التقريرات وتحريرات عن أشياخه ومن استظهاراته قد انتفعت بها حال قراءتي وإقرائي. وكان متخلقاً بأخلاق الصالحين محباً في الأولياء، كثير الزيارة لهم، سمى أولاده على أسماء من تيمن بأسمائهم تفائلاً، فسمى أكبرهم باسم عالم الكلام صاحب الكبرى الشيخ سيدي محمد السنوسي وسمى الثاني باسم الفقيه الصوفي الشيخ سيدي أحمد زروق، وسمى الثالث باسم القطب الشاذلي ﵁. وقد حقق الله رجاءه في جميعهم. فأمل الشيخ محمد الشاذلي فكان عالماً فاضلاً كثير الخلوة ملازماً للأذكار تقدم للتدريس بجامع بلد الكاف في المحرم سنة ١٢١٢ إثنتي عشرة ومائتين وألف، ومات قتيلاً في الطريق بين تونس والكاف. وترك ولداً من علماء الزيتونة وهو الشيخ محمد اللخمي قرأ على عميه وارتحل إلى صفاقس للأخذ على عالمها الشيخ محمد مقديش فأخذ عنه علوماً انفرد بها من دقائق الحساب والهيئة وعلوم حكمية نظرية عملية وتعاطى بها فن الكيمياء والرمل والجفر كثيراً، وبرع بالمعقول والمنقول، وأقرأ بتونس كتب مهمة منها شرح السعد على العقائد النفسية وكان حسن المحاضرة أديباً ظريفاً فرضياً موثّقاً حسن الملاقاة والإلقاء وتوفي بالمرض العام سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين. وأما الشيخ أحمد زروق فكان من فحول العلماء وخاصة البلغاء، وزان الخطط العلمية وتوفي على خطة قضاء المحلة المنصورة، عليه رحمة الله آمين.

стр. 304

وأما المولى الجد صاحب الترجمة الشيخ مخحمد السنوسي فقد ولد سنة ١١٧٦ ست وسبعين ومائة وألف ونشأ بين يدي والده وقرأ هنالك كتب المبادىْ حى أنه لما توفي والده قدمه الأمير علي باي لمشيخة المدرسة الحسينية بالكاف عوض والده في الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة ١١٩٥ خمس وتسعين ومائة وألف، وعند ذلك قدم لتونس في طلب العلم ونقل عنه أنه عند وصوله لتونس أسرع إلى جامع الزيتونة، وذلك أول عهده به فدخله من أحد أبواب العطارين قبل صلاة الظهر، فرأى درساً سأل عن استاذه فإذا هو الشيخ صالح الكواش فانتظره إلى نهاية الدرس وسلم عليه وأعلمه بنفسه وطلب منه ارشاده إلى طريق استئناف العلم فأمره أن يأتيه للمدرسة المنتصرية وعندما أتاه إليها سلم له مفتاح بيته الكبرى التي على يسار الداخل، وأمره بحفظ المتون وأجلسه بين يديه، فأختص به اختصاصاً كلياً من ذلك العهد حتى صار يحضر جميع دروسه ويلازمه في داره ملازمة التلميذ البار لاستاذه، حتى أدخله على أهله، وصار يؤخر الدرس لتأخره فقرأ عليه المعقول والمنقول ورأيت في آخر نسخته من مختصر السعد أنه ختمه عليه يوم الثلاثاء تاسع شعبان الأكرم سنهة ١٢٠٨ ثمان ومائتين وألف. وقرأ في أثناء ذلك على غيره من بقية السلف الذين أدركهم كالشيخ محمد الغرياني والشيخ محمد الشحمي، وغيرهما من فحول ذلك العصر، وأخذ الفرائض عن الشيخ أحمد بوخريص لكن أكثر قراءته على الشيخ صالح الكواش وعليه تفقه حتى صار يحيل إليه الإجابة في كثير من السؤالات الفقهية. ولما حضرته الوفاة أوصاه بسلوك طريقته في القناعة نقل عنه أنه قال له عند وفاته إن كنت ترغب في رضائي عنك فالزم حالتي التي تراني عليها فأخذ داره بعد وفاته ولم يغير شيئاً من بنائها حتى إن دهليزها ساقط فلم يقمه وقيل له في تغيير باب الدار فقال لا أغير حلقة مستها يد شيخي ولا باب رضيه شيخي وكان لا يتخلف عن زيارة قبره كل جمعة إلى أن توفي يركب على بغلته إلى باب عليوة فينزل راجلاً إلى أن يصل إلى قبر شيخه وراء مقام الإمام ابن عرفة فيترك نعله من بعد ويجلس هنالك وكان لا يترك قراءة القرآن لوالده وشيخه المذكور براً بهما وقد حصل من رضاه على العلم الواسع. وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة فأخذ عنه جم غفير، ثم قدمه الأمير علي باشا لخطة قضاء بنزرت تاسع ربيع الثاني سنة ١٢٣٠ ثلاثين ومائتين وألف فأقام ببنزرت قاضياً وإماماً، وتصدى هنالك للإقراء فنفع وخرج من تلامذته من هو ولي هنالك القضاء والفتيا وكان قاضي الحاضرة في ذلك العهد هو الشيخ إسماعيل التميمي. وله مراجعات في مراسلات القاضي إسماعيل دلت على ما عنده من التمكن في الفقه والنوازل حتى استرجغه الأمير إلى الحاضرة وقدمه لخطة قضاء باردو المعمور ثاني المحرم سنة ٣٥ خمس وثلاثين، وولي عوضه في قضاء بنزرت الشيخ عبد القادر التميمي. ورجع المولى الجد إلى سالف عادته من بث العلم بجامع الزيتونة عند باب الشفا، وقرأ عليه كثير من فحول المالكية والحنفية منهم الشيخ فرج التميمي قاضي المحلة قرأ عليه الأشموني فيما ينقل عنه، وباش مفتي المالكية الشيخ أحمد بن حسين، والمفتي المالكي الشيخ محمد البنّا والمفتي الشيخ محمد النيفر والمفتي الحنفي الشيخ مصطفى بيرم وقاضيى باردو الشيخ أحمد عاشور والعالم المدرس الشيخ حمدة بن عاشور وباش مفتي الشيخ الشاذلي بن صالح، والمفتي الشيخ محمد الشاهد والمفتي الشيخ صالح التبرسقي والإمام الشيخ أحمد بن الطاهر والمدرس الشيخ العربي الشريف وغيرهم من علماء تونس الأعلام. وتقدم لمشيخة المدرسة الحسينية الكائنة قرب سيدي قاسم السبابطي في الرابع والعشرين من صفر الخير سنة ١٢٣٥ خمس وثلاثين ومائتين وألف بعد الشيخ محمد الشريف فأقام دروسها، وختم بها أختاماً مهمة، كتب فيها على عدة أبواب من صحيح البخاري منها تعليق على حديث بدء الوحي، وتعليق على حديث فضل العلم ولازم القيام بخطة القضاء بباردو فكان يقرأ الدرس بجامع الزيتونة من بعد صلاة الصبح إلى الضحى ومن هنالك يركب بغلته للحكم بباردو إلى الزوال، ثم في العشي يجلس للإشهاد والمطالعة، وكان من الأيمة الموثقين وربما أقرأ عشية أو ليلاً.

стр. 305

وقد اتفق له مدة قضائه بباردو أن ورد إليه رجل يقال له موسى الغدامسي متشكياً من سليمان باش بواب يطلب منه ثمن قسطل وكان المشتكي به ذا سطوة فأرسل إليه يأمره بالحضور فوجده العون بمحكمة الأمير فأخبره بأن القاضي يأمره بالحضور فامتنع عليه متعللاً باشتغاله بحكم الأمير فأعاد وأمره بغصبه حيث إن الأمير لا يتوقف في الحكم عليه ولما رجع إلى العون انتهره وامتنع عنه بالدخول إلى المحكمة فرجع العون يشكو ما لا قاه من باش بواب وبادر الشيخ إلى النزول من موضع حكمه، وأمر بغلقه وذهب لدار الأمير يترقب خروجه من الحكم ليسلم لديه في الخطة. ولما بلغ خبر ذلك لباش بواب اشتد خوفه وتوسل بكثير من أهل الدولة فلاطفوه وواعدوه بحضوره لديه في محل الحكم وطلبوا منه عدم مقابلة الأمير فرجع، ولما بلغ خبر ذلك كله إلى الأمير مصطفى باشا أحضر باش بواب المذكور وأرسله للشيخ صحبة كاتبه الشيخ أحمد بن أبي الضياف ليبلغ للشيخ أن الأمير حكّمه فيه بما يشاء لامتناعه من الحضورلديه فلما بلغه رسالة الأمير قال له أما أنا فلا أحكم عليه إلا بإعطاء حق خصمه، وإنما أسأل الله سبحانه أن يحكم فيه بشديد حكمه فقال له الشيخ ابن الضياف والله يا سيدي لو حكمت فيه حكمك بما شئت لكان أهون عليه مما دعوته عليه وامتثل إعطاء حق خصمه ورجع، رحم الله جميعهم. وتقدم لمشيخة مدرسة النخلة ثاني صفر الخير سنة ٥٤ أربع وخمسين فأقرأ بها وختم. ولما توفي الشيخ محمد البحري قدمه المشير أحمد باشا باي قاضياً بالحاضرة في الثاني والعشرين من ربيع الثاني سنة ١٢٥٤ أربع وخمسين ومائتين وألف فزان الخطة بفقهه وديانته كأنّ المختصر الخليلي منه على طرف الثمام وهو أعرف الناس بخيباته في ذلك العصر، بهذا يصفه شيخ الإسلام الشيخ محمد بن الخوجة حيث اجتمع معه في الخطة إذ كان هوقاضي الحنفية مدة ولايته ومع ذلك فجميع أمهات الفقه التي كانت على ملكه، كلّها طالعها وأوقف عليها حتى أن بعض معاصريه يسميه مالكاً الأصغر وله مراجعات كثيرة في المذهب الحنفي نظم بعضها في منظومة لقط الدرر، وله في تقاييده كثير من هذا الباب. وكانت له مودة خاصة بالشيخ محمد بيرم الثالث لجوار منزليهما فيجتمعان صبيحة كل يوم عند أحدهما وكل واحد منهما يرجع لصاحبه في مذهبه، ولهم في ذلك مسائل كثيرة منها مسألة أرسل له صاحب الترجمة فيها نظماً يطلب منه بيان الحكم فيها بمقتضى المذهب الحنفي وهي قوله: [مجزوء الرجز] بعد سلام سائل ... عن حكم فرع معتبر هل اعتراف مشتر ... لمثل دار إن صدر بعد سنين أنّ ما ... كان اشتراه لعمر يعمل شرعاً عندكم ... أو حكم رده استقر وقد عرضت له نازلة تشعبت عمن قبله، وطال فيها النزاع وصاحبها صفاقسي يدعى القَط فوقف فيها إلى أن انهاها وأبرم فيها الحكم وأنشد في ذلك قوله: [الطويل] وقائلة هل للقضاء فيك موضع ... فنوليكها قلنا نعم ذاك عن شرط فقالت وما الشرط الذي أنت شارطه ... قرنت به تلك الولاية بالربط فقلت على أن لا أخوض خصومة ... مشعبة تُعيي كنازلة القَط وقد استمر في خطة قضاء الحاضرة إلى وفاته، فكانت مدة مباشرته خطة القضاء أكثر من خمس وعشرين سنة، قضى منها خمس سنين ببنزرت، ونحوتسع عشرة سنة بباردو والبقية بالحاضرة واجتمع فيها من قضاة المالكية مع الشيخ إسماعيل والشيخ الشاذلي بن المؤدب والشيخ محمد البحري، وكان معه من القضاة الحنفية الشيخ محمد علي الدرويش ثم محمد بن الخوجة وهو الذي أدركه في قضاء الحاضرة. وكان مدة هاته الخمس والعشرين سنة لم يترك فيها الإشتغال بالنوازل ومباشرة الحكم يوماً وكان مع ذلك وقد وقفت له على أبيات في مسودات تقاييده العلمية يشكو بها ما يجده من تعب الخصوم وهي قوله: [الوافر] أرى دهري تقّسم للرسومِ ... مدى ليلي ويومي للخصومِ فدهري كلّه خصم ورسم ... أقاسي منهما كلّ الهموم فما لي راحة أرجو انجلاء ... لما ألقى من التعب العظيم أحاول من فضاضة ذا وهذا ... أحاول منتج الشكل العقيم

стр. 306

وقد نظم فيما به العمل من مذهب مالك أربعة آلاف ومائتي بيت من الرجز سماه لقط الدرر، ذكر فيه فروع المسائل مبسوطة الخلاف مع بيان ما به العمل معزوة لمحّال أنقالها ونقل عنه الشيخ محمد بن سلامة في رسالته التي ألّفها في معاوضة حبس القنديل بحيث إنّه نظم في غاية التحرير غير أن الشيخ تركه مسودة وجمع شمله من بعده حفيده بمباشرة الشيخ أحمد بن حسين وأضاف إليه بعض تلك المسائل مما وجده في تقاييد الناظم فكان تأليفاً من أعز ما يقتنيه القاضي أو المفتي وقد طبع بالمطبعة التونسية وكتبت عليه قولي: [الوافر] لمذهب مالك فضل الشموس ... تريك الرشد في طي الطروس وتهدي للشريعة وهي بحر ... حباك بدرّه القاضي السنوسي ولما نجز طبعه كتبت في ختامه بما نصه: من شآبيب فضل الكريم الوهاب، نستمطر أسكوباً ومن محض عنايته التي نبلغ بها إلى غاية الآداب ننال من الآمال مطلوباً، ذلك بأن الله ذو فضل عظيم فنحمده جلّ ذكره، وتعالى عن أن يوفى في العالمين شكره، حمداص يعبق بزيادة النعم نشره، ويعم سائر الحامدين بشره، وأنّى للعاجز أن يقوم بواجب حمد من خلق السماوات والأرض وما بينهما وهو الخلاق العليم. ونصلي ونسلم على من أرسله الله بالدين الحنيف وأيّده بالمعجزات المؤذنة بمزيد التشريف، وعلى آله وأصحابه الغنيين بفضلهم عن التعريف، ما اهتدى بهم مقتد فيما يتجمل به كل عامل عفيف، من أصول الشريعة وفروعها التي اهتدوا بها إلى الصراط المستقيم. أما بعد فيقول حفيد ناظم لقط الدرر، ملتزم طبعه حتى صار عيناً بعد الأثر، العبد الراجي من عطاء الحمن، مواهب الامتنان، محمد بن عثمان بن محمد بن محمد السنوسي بن عثمان إن أهمية علم الأحكام، من شرعة الإسلام، لا يخفى نورها على بصير، وما ينبئك مثل خبير، لا سيّما كتب الأعمال، التي يمكن للقضاة والمفتين أن يبلغوا بالاعتماد عليها إلى غاية الآمال، ولذلك التزمت طبع نظم لقط الدرر، مع ما وجد في تقاييد ناظمه من الحواشي والطرر، حيث احتوى على أربعة آلاف بيت ومائتين واثنين وعشرين بيتاً في النوازل التونسية، وضبط ما جرى عليه العمل في محكمتها الشرعية السنية، على مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ نظم المولى الجد السنوسي بن عثمان، متعه الله بنعيم الجنان، والفوز بالنظر إلى وجه الرحمن بعد أن باشر القضاء نحواً من خمس وعشرين سنة، واستعمل في القيام بحقوقها ما أمكنه فجاء نظماً بديع الضبط والعذوبة التي يكاد يحفظه بها سامعه حين يرويه، ويرغب في مطالعته كلّ متثبت في دينه عالم بقدار ما أودع فيه وقد أبدع العالم الماجد النحرير الشيخ سيدي محمد جعيط إذ كتب عليه قوله: [الطويل] حوت دررَ الأحكام أصداف قولها ... وذي جنّة الأفكار تبدو لمن نظر فناظمها بحر العلوم محمد ... ولا غزو أن البحر يقذف بالدرر فكان من مفاخر البلاد التي يرغب فيها كل ذي غيرة دينية وحمية وطنية من الأفراد وكم للبلاد من مفاخر يضيق الفضاء عن نشرها بقيت في خدور سترها ولكن مقاليد التيسير بيد الحكيم الخبير ولا شك أن طبع هذا الكتاب مما يقع موقع الاستحسان عند ذوي الألباب وقد أبدع العالم النحرير والدراكة الشاعر الشهير المدرس الشيخ سيدي محمد الخوجة فيما كتبه في هذا الموضوع وهو قوله: [الوافر] لمجدك أيّها العلم السنوسي ... دلائل أصبحت مثل الشموس ومن تلك الدلائل ما تبدّى ... لجدك ذلك القاضي السنوسي جمال المصر مفخرةٌ همام ... تحلّي فضله جيدُ الطروس وحسبك من مفاخره نظام ... غدا للفقه كنزاً من نفيس يبين ما به الفتوى وهذا ... لعمري قد غدا سؤل النفوس فلا عجبٌ إذا ما لقبوه ... بلقط الدرّ للنظم النفيس لقد أبداه للعلماء غيثاً ... كثير جوزي من رئيس وقد نجز بحمد الله طبعه بمطبعة الدولة التونسية، خلع الله عليها ملابس الفخر السندسية، بعد إعمال الجهد في تصحيحه والتحري في المقابلة بخط الناظم وإن لم يشمله بتنقيحه في منتصف شعبان الأكرم من عام ١٢٩٧ سبعة وتسعين ومائتين وألف وقد أرّخ إنجاز هذا الطبع الجميل الصنع التفنن الماجد الفاضل النحرير المعز الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز بقوله: [الطويل]

стр. 307

أجلُّ اكتساب الألمعي عوارفه ... وغاية قدر المرء ما هو عارفه وما الخسر إلا للذي ضاع عمره ... بلا صالحات والزمان مساعفه أخا العقل نافس معشر العلم واتسق ... بسلكهمُ ما دام يوجد كاشفه وثافن على فقه به يبتني التقى ... ويسمو إلى قرب المهيمن عاكفه ولا سيّما نظم تألق درّه ... شهيد بعلياه لدى السبك شائفه أمّا شمته علياء تاج فصاحة ... وجلباب إخلاص المصنف لاحفه أما تلقط الدر النثير تفقُّهاً ... فهذا الذي بالصدق يحمد لا قفه تخلله شرح فزاد نفاسة ... لتشمل ذا الفهم البطيء لطائفه كما جمّل الياقوت صف لىليءٍ ... بترتيب دهقان غذته معارفه متى امه حكام مذهب مالك ... هدتهم لمنهاج سويٌّ صحائفه وما رامه صادٍ لتبريد غلّة ... بكوثره إلا تلقاه واكفه يؤنسه تانيس شيخ محبب ... ويحميه من حر التحير وارفه ويسقي به راحاً ولا إثم فأعجبوا ... عقار لصيد العقل يؤجر راشفه تبلج من فكر الهمام الرضى الذي ... بأفق هدى الأحكام ضاءت مواقفه رحيب الثنا القاضي السنوسي حاطه ... من الله رضوان تدر عواطفه إمام لو ارتيدت حلاه لجمعها ... لعمِّر في بيدِ المحاسن واصفه وهذا كتاب من مساعيه للورى ... وقد رق طبعاً واستطيبت مراشفه وإذ فاح مسك الختم قلت مؤرخاً ... زها طبع لقط الدر لا خاب قاطفه ووشح هذا الختام، بقصيدة تتضمن تاريخ وفاة الناظم الهمام، وتاريخ هذا التمام النحرير الأبرع والفاضل الأورع، المتفنن الشاعر الشيخ سيدي الحاج محمد طريفة بقوله: [الوافر] رياض العلم ناضرة الطروسِ ... وعاطرة الأزاهر في الغروسِ وحالية الغصون بكل نورٍ ... ودانية الجنى ليد النفوس غدت جنات كلّ فتى أريب ... يطاف عليه فيها بالكؤوس وفيها غادة الأفكار تجلى ... على كرسي المعارف كالعروس وتحكم بالشريعة وهي تبدي ... لنا منها الخفايا كالشموس بمنظوم يكاد يقول فخراً ... كفانيَ أنّ ناظمي السنوسي محمد الذي قد حاز مجداً ... له أس يفوق على الأسوس وأبرز من سماء الفكر منه ... شموس العلم تلمع في الطروس همام عابر سبل القضايا ... إمام صابر في كل بوس تقي عامل بالعلم لكن ... قد اتخذ النصيحة كاللبوس وغيث صار روض العلم منه ... مصاناً في الزمان عن الدموس وحبر قلبه بحر وفيه ... جوزاهر قد سلمن من النقوس فكم قد حاز من علم وفضل ... وزهد في غنا دار النحوس وأعمالٍ تأرخّها عليها ... رضى الرحمن في يوم الوكوس أما التقطت رويته اللآليء ... فأغنت كل ذي قلب يئوس أما أبدى النوازل في نظام ... يهزّ قلوب أرباب النفوس كأن بيوته فيما حوته ... كؤوس قد ملئن من الخروس فيا لله من نظم معين ... على الإفتاء وإقراء الدروس به حادي المعارف قد تغنى ... وشيطان الجهالة في خنوس يحق لطالبيه أن يعضّوا ... عليه بالنواجذ والضروس وأن يدعوا لناظمه بخير ... وبالرضوان في يوم العبوس وأن يثنوا على الحبرابنه الّذ ... أدار عليهم أسنى الكؤوس وأتحفهم بما ملكت يداه ... من الجد المؤرث للنفيس عليهم إن يكونوا أنصفوه ... برفع مقامه فوق الرؤوس وإن هم عرّفوه أن يقولوا ... هو المحيي الفخار إذا تنوسي وإن ذا الطبع منه استحسنوه ... يقولوا لا رمته يد البؤوسي وإن هم أرخوه أن يقولوا ... عقود الدر قلدنا السنوسي

стр. 308

وكان صاحب الترجمة عارفاً بالعلوم البدنية زيادة على العلوم الدينية، وقد أقرأ ألفية ابن سينا بجامع الزيتونة، وله كثير من التقاييد الطربية، أمّا تقاييده الفقهية في النوازل التي عرضت مدة الخمس والعشرين في مباشرة خطة القضاء فقد جمع له حفيده منها ما ينيف عن الأربعين كراساً، يفني الليالي في مطالعه الفقه وتحريره وأمل الأدب فله به ولع، ونظم كثيراً من الشعر في أغراض شتى، وقد جمعت من شعره قطعة وافرة أثبتها في كتابي مجمع الدوواين التونسية، وله مراسلات شعرية مع شيخ الإسلام البيرمي الاربع منها أنه كتب إليه شيخ الإسلام المذكور يستعير منه الجزء الرابع من المعيار بقوله: [الكامل] يا له من رقى بعلومه أفق العلا ... فسما على نجم السماء الساري أهدي إليك من السلام لطيفة ... يذكو اريجُ نسيمها المعطار هذا ولي أرب أروم حصوله ... من رابع الأجزاء للمعيار فاسمح به لقضائه لا زلت ذا ... شرف وعز شامخ المقدار فأجابه المولى الجد قدّس الله روحه بقوله: [الكامل] وافت فأخجلت العقول وأنعشت ... محل الفؤاد وخامل الأفكار تاهت على أهل اللسان وتوجت ... تاج البلاغة كامل الأسرار وتقول بعد تحية منت بها ... لا غرب إلاّ رابع المعيار فسألت ممن ذا الكمال فقيل لي ... من آل بيرم شامخ المقدار فعلمت إرب ذوي النهى في العلم لا ... ينفّك في الإقبال والإدبار وومنحته جزء الكتاب مساعفاً ... بسلام طيب هاطلٍ معطار وكان شيخ الإسلام المذكر أطلع المولى الجدج على رسالة أنشأها في مخاطبة مفتي المنستير حين أرسل إليه كتباً في قفة فراسله بمراسلة أبدع فيها ما شاء وأودعها من الدعابات الأدبية ما يعز على غيره ولمّا طالعها المولى الجد قدّس الله روحه كتب إليه قوله: [الكامل] منشي الرسالة قد أجاد وأبدعها ... فيما أتى فيها وشنف مسمعا فهي الجواهر بل زواهر في سما ... علم البلاغة للهداية أطْلَعا موضوعها لقب المسمى إن يرد ... تحقيره عند المنادي إن دعا شالته إذ رفعته بعد خساسة ... فحوى الترقي للعلا واستجمعا وكسته من حلل البها بحديثها ... عنه كساء بالجواهر رصّعا أفضى به إبداع منشيها إلى ... تشريف ما قد كان قِدْماً أوضعا صحفت معجمه بفقه مجيدها ... فغدا لملتمس المعارف مترعا وصراحة الموضوع فيها قف بها ... يا من يروم إلى الصراحة منزعا لا زال في كمد بيرم ... يعلو إلى نجم الثريا مطلعا وحسوده لا زال في كمد وإن ... زلت به قدم يجاب بلا لَعَا وأجابه عن ذلك شيخ الإسلام المذكور بقوله: [الكامل] وافت إليّ لمّا أشالت برقعاً ... حتى استباحت من فؤادي موضعاً هيفاء ترفل في ملابس حسنها ... زهواً وتحتقر البدور الطُلّعا وتسنمت بذرى البلاغة منبراً ... فغدت لها أهل البراعة خضعا وأصاخت الأسماعُ نحو حديثها ... فأصاب حسن اللفظ منها الموقعا ولها جدير ذاك لما أصبحت ... تاجاً على هام الزمان مرصعا ما كنت أحسب قبل رؤية عِقدها ... أن اليراع هوى النجوم اللمعا هبت بها نسمات سلع رقة ... لله راقم وشيها ما أبدعا ذاك الإمام الألمعيّ المرتضى ... من حاز من كل المعارف منزعا أعني السنوسيَّ الهمام الأوحد ال ... حبر الجليل الأحوذي البلتعا لا زال محروس الجناب مرفعاً ... ولكل فضل في البرية مطلعا وكتب قدس الله روحه للأكتب الشيخ محمد المسعودي يستعير منه عدة كتب بقوله: [مجزوء الرجز] حامل الكَتْبِ إليكم ... طالباً رقم الحلل مع ابن زيدون به ... فاصحب رسولي إذ نزل أما ابن بسام إذا ... سلتمه بما حمل كنت امرأ متى سئل ... لآمل نال الأما فأرسل اليه ما حضر من الكتب المذكورة وكتب له قطعة من شعر ابنه المؤرخ الشاعر الأكتب الشيخ محمد الباجي المسعودي وهي قوله: [مجزوء الرجز] يا سيدا شرفني ... بنظمه السامي الأجل ومن غدا لي مخلصاً ... في قوله مع العمل

стр. 309

هاك ابن زيدون مع ال ... رسول مع رقم الحلل أما ابن بسام ومن ... أحلكم هذا المحل ما هو في ملكي ولا ... نظرته إلا عجل وكان عليه رحمة الله لا يهمه من دنياه غير ملك الكتب ومطالعتها، ويجاس للحكم على جلد شاة ويقنع من اللباس بما يحضره. أرسل إليه الأمير بأمر ولاية جامع الزيتونة الكائن خارج باب البحر لسعة وقفه فامتنع من قبوله متعللاً بأنه يصلي بالمسجد الذي قرب داره وآل الأمر أنه ألزم به بواسطة لسان الدولة الشيخ أحمد بن أبي الضياف وقد بلغ من العمر سبعاً وسبعين سنة، وبدنه وبصره في غاية الاستقامة. وأصابه نقط في سجوده عطل عند صلاة الصبح حركته يومين وتوفي ليلة رمضان بين العشائين ولما بلغ خبر وفاته للشيخ محمد بن ملوكة خرج بنفسه لرسم قبره بالقرجاني فأخذ الفأس بيده واختطه متحرياً جهة القبلة وابتدأ حفره بنفسه وخرجت جنازته عند صلاة الظهر يوم رمضان يصحبها عويل العلماء ﵃ أجمعين. وقد ذكره ذو الوزارتين الشيخ أحمد بن أبي الضياف في تاريخه بما نصه: نشأ هذا الفاضل في طلب العلم وجد في تحصيله وأخذ عن أعيان كالشيخ الشحمي والشيخ الغرياني ولازم الشيخ صالح الكواش فانتفع به وتقدم لخطة القضاء في بنزرت ثم إلى الخطة في باردو وانتقل منها لقضاء الحاضرة فسار في الخطة سيرة أهل الفضل من قضاة العدل وله رجز في الأحكام أطول من نظم ابن عاصم، وكان عالماً فقيهاً ثبتاً واسع الاطلاع عفيفاً شديد المراقبة لربه، قريباً من الزهاد نقي العرض حسن الأخلاق جميل الصبر جميل المحاضرة أديباً ناظماً متواضعاً محبباً إلى الناس ولم يزل على حالته الرضية وأخلاقه الزكية إلى أن لبى داعي المنية أواخر شعبا، من سنة ١٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين. - ١٦- الشيخ محمد بن سلامة تقدم استيفاء ترجمته، وقد تقدم لخطة القضاء أول شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٥ وأقام في الخطة خمس سنين وأشهراً وارتقى لخطة الفتيا إلى أن توفي، عليه رحمة الله آمين. - ١٧- الشيخ محمد البنا تقدمت ترجمته مستوفاة، وتقدم لخطة القضاء يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة ١٢٦١ إحدى وستين ومائتين وألف وأقام في الخطة سنتي، وشهراً، وارتقى إلى الفتيا إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين. - ١٨ - الشيخ محمد النيفر سبق ذكر ترجمته وتقدم لخطة القضاء في الخامس عشر من صفر الخير سنة١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف، وزان الخطة أربع سنين وأشهراً، وارتقى إلى الفتيا إلى أن توفي عليه رحمة الله آمين. - ١٩-الشيخ الطاهر بن عاشور مرت ترجمته، وتقدم لخطة القضاء في الخامس والعشرين من رجب الأصب سنة١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف، وأقام في الخطة نحو العشر سنين، وارتقى منها إلى الفتيا إلأى أن توفي عليه رحمة الله. - ٢٠-الشيخ صالح النيفر سبقت ترجمته، وتقدم لخطة القضاء منتصف ربيع الأول سنة١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف، وأقام فيها نحو ثلاث سنين وارتقى إلى الفتيا إلى أن صار رئيسها عليه رحمة الله آمين. - ٢١-الشيخ محمد النيفر سبقت ترجمته، وتقدم لخطة القضاء غرة صفر الخير سنة ١٢٨٠ ثمانين ومائتين وألف وأقام في الخطة نحو العشر سنين وارتقى إلى الفتيا حرسه الله. ٢٢-الشيخ الطاهر النيفر

стр. 310

هو شيخنا أبو الصفا الطاهر بن محمد بن أحمد بن قاسم بن محمد النيفر، هو رابع القضاة من آل بيته ولد سنة١٢٤٧ سبع وأربعين ومائتين وألف. تربى في حجر اعتناء أبيه، فقرأ القرآن العظيم وجوده على الشيخ محمد الستاري والشيخ محمد بن شعبان، وتصدى لقراءة العلم الشريف، فقرأ على والده الآجرومية، والقطر وشرح ميارة على ابن عاشر، والكفاية ونبذة من الأشموني، ومختصر السعد، والقطب على الشمسية، والتاودي على العاصمية، وقطعة من مختصر الشيخ خليل ونبذة من شرح الشهاب على الشفا، وقطعة من صحيح البخاري وقطعة من تفسير القاضي البيضاوي. وقرأ على الشيخ أحمد عاشور الأزهرية والقطر والمقدمة والفاكهي ونصف الأشموني ونبذة من الخبيصي ونبذة من الدرة ونبذة من الختصر الخليلي وقرأ على الشيخ محمد الشنقيطي شرح الشيخ خالد على الآجرومية وقرأ على الشيخ أحمد بن الطاهر متن الآجرومية وشرح الشيخ خالد عليه وقطعة من المكودي على الألفية وقرأ على الشيخ محمد بن مصطفى البارودي نبذة من الشذور وقرأ على الشيخ الحاج عبد الله الدراجي نبذة من شرح الآجرومية للشيخ خالد وقرأ على الشيخ حسن بن الخوجة شرح الشيخ خالد والأزهرية والقطر وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة آجروميته النحوية، وقرأ على الشيخ محمد الخضار الألفية بشرح ابن عقيل ثم أتمها بشرح الأشموني وقرأ على عمه الشيخ صالح النيفر المكودي ومختصر السعد وقرأ على الشيخ علي العفيف نبذة من التوضيح وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح شرح الشيخ خالد على الآجرومية وقرأ على الشيخ محمد معاوية شرح الأشموني على الألفية لجمع التكسير وقرأ على الشيخ محمد بن سلامة قطعة من المكودي على الألفية وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة قطعة من المكودي. ولما استكمل معالميه تصدى للتعليم، وعند ذلك أقامه والده مُقامه في خطة التدريس من الرتبة الأولى ابتداء بموافقة شيخ الإسلام البيرمي الرابع، فصدر له أمر الولاية ولازم التدريس متدرجاً مع غاية المواظبة والمحافظة على الوقت والاعتناء بالدروس في تحقيق مسائلها وإلقائها في الدرس على نسق واحد، إلى أن أتى على أعالي الكتب المهمة من الحديث والفقه والأصول والبيان والنحو وغير ذلك وتيسر له بمواظبته أن ختم منها ما عز على خيره. وقرأ عليه كثير من أعيان فضلاء جامع الزيتونة حتى كانت أختامه رياضاً لبديع القصائد التي أنشدت في الأختام بين يديه وهي تصلح أن تكون ديواناً لطيفاً وتقدم بعد والده لإمامة مسجد باب الجزيرة وختم فيه أختاماً بديعة حضرت الكثير منها. وتقدم أيضاً لمشيخة بئر الحجار. وقد قرأت عليه شرح الشذور لابن هشام وشرح الشنشوري على الرحبية متابعة بحواشي الباجوري وكلاهما ختمته عليه وقرأت عليه قطعة وافرة من الأشموني، ودروساً من آخر شرح الدردير على المختصر الخليلي، وقطعة من أول شرح الخرشي عليه إلى التيمم ونبذة من المطول على التلخيص بحواشيه، وقطعة من شرح الزرقاني على الموطأ، ونحو الربع الأول من شرح القسطلاني على صحيح البخاري دراية. واستجزته بسنده فيه فأجاز لي إجازة مطلقة عامة ثم خص فيها سنده في صحيح البخاري وهذا نصها: نحمدك يا من أنار صدور الصدور بأنوار السنة النبوية، وآثر لحفظ درها المنظوم والمنثور عزائم أهل الهمم الأبية، فحمل علمها من كل خلف عدوله، وسَلِم من تحريف القالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين معقوله ومنقوله، فهو الوديعة تُبلغ خلفاً عن سلف، والذخيرة حظ مضيّعها من الدارن الندامة والأسف، وأصلي وأسلم على من اتصل به السند إليك بلا انقطاع، وبلغ بصحيح المصحف والموضوع بين الذعاع، فتواتر في الخافقين مشروعه واشتهر صالحه ومسنده ومرفوعه، وعلى الطاهرين آله، وعلى تابعيهم الغائصين على فرائده العديمة لمثالها السالفين الجهد في جمعها وإيصالها.

стр. 311

أما بعد فإنه قد تقرر للعلم مكانة لا تجهل ومنصة لا يحط فارعها ولا يستنزل قد ركب سَرَاة النفوس مطايا العزم في تحصيله، ولجتمعوا ولو افترقوا على تفضيله وتأصيله وتفصيله، وقلّبوا في محاسنه أحداق الصائر، وعضوا على أحاسنه بالنواجذ وعقدوا عليها بالخناصر، حتى ظهرت عليهم خلع العرفان، وتوجت نفوسهم الزكية بمواهب الرحمن، وتلك قصارى الهمم غير القواصر، ومنتهى أمل الجهابذة الأكابر فالأريب من صرف لدرايته عزمه، وتابع في تحرير روايته كده وحزمه، كي يلتحق بالجلّة الأول ولا يعدم من مشربهم نهلاً ولا علل. هذا وإن ممن رمى ميدان الاشتغال بسهم صائب، وأرجو من الله أن يصل بانقطاعه إلى أسنى المطالب، الفقيه الألمعي والأديب اللوذعي ابن الروح الأعز أبا عبد الله محمد السنوسي سمي قاضي القضاة جده المتجاوز بفضل الله لشأوه وحده، وقد التمس مني إجازة تامة، مطلقة عامة، فناجيت نفسي الأبية، عن غصب الرتبة العلية، الخبيرة بمقدارها، المستقيلة من سوء عثارها، فأجابت بأن هذه المنصة وإن كانت لديها، دون أن أتطاول إلى الترقي إليها، إلا أن مساعفة الطالب لنيل مرامه، حتى يشتفي من ظمأ اشتياقه وأوامه، إذا حسنت فيه السريرة، وتمحضت السلامة من حظوظ النفس الشريرة، أمر لا ينكره شرع ولا عادة سيما إن أثمر الإفادة والاستفادة ورُجِيَ شمول التبرك بذلك، وقصد التأسي بسلفنا أولئك. فعند ذلك قلت حامداً مصلياً قد أجزت الأعز ابن الروح المذكور جميع ما تصح روايته عني بشرطه كما أجازني بذلك على العموم والدي أظله الله بسحائب رضوانه وأسكنه أعلى فسيح جنانه عن شيخه العلم سيدي محمد بيرم الثالث عن جده سيدي محمد بن حسين بيرم عن شيخه سيدي أحمد بن حسين الماكودي الحسني عن سيدي علي بن أحمد الحريشي عن شيخ الجماعة سيدي عبد القادر الفاسي بن يوسف عن شيوخه الثابتين بفهرسته نفعنا الله بهم وأعاد علينا من بركتهم. وبسند آخر لخصوص صحيح البخاري عن والدنا إلى الشيخ الحريشي عن الشيخ سيدي عبد الله العياشي عن الشيخ سيدي علي الأجهوري عن أبي حفص عمر المعروف بأبي النجائي عن شهاب الدين الحجازي عن شيخ الجماعة ابن أبي المجد عن الحجار عن الزبيدي عن أبي الوقت عن الداودي وأبي ذر عن السرخسي والكُشْمِيهَني زاد أبو ذر والمستملي عن الفربري عن البخاري. كما أجزت له في التصدر للتدريس فليتوخ ما لهذا المقام العالي النفيس من الإخلاص لله وتقواه فإنه ملاذ كل أمر ومناه، باذلاً في النصيحة الوسع مستعملاً للضروب المنتجة لعظيم النفع، قائماً بما يجب للسلف من الأدب والتلطف، متجنباً لمذموم التشدق والتعسف، مراجعاً من فوقه فيما لم يصل إليه، حتى يكون على بصيرة فيما يلقيه لمن بين يديه، فإن العلم أمانة، وقَفْوُ غير المعلوم من أعظم الخيانة، متلبساً لما يجب لمولانا سبحانه من الشكر، متذكراً لي بصالح الدعاء عند الحضور في السر، وعلى الله القبول، وإليه الوسيلة في بلوغ المأمول، إنه ولي ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل، قاله منيباً في كتابته خديم العلم الشريف الطاهر بن محمد النيفر أناله الله من رضوانه الحظ الأوفر في ٢ الثاني من ربيع الأول سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف. وهو عالم فاضل عالي الهمة زكي النفس شهم محب للخير، تقدم للإمامة والخطبة بجامع النفافتة أولاً ثم بجامع باب البحر البراني بعد وفاة أستاذه الشيخ علي العفيف فاستلان القلوب بحسن مواعظه وتلاوته التي حسنها بحسن صوته. وقد طرأ عليه ضعف بأعصاب صدره بسبب كثرة الإقراء فاختلت مواظبته مدة، وعند ذلك قدمه المشير محمد الصادق باشا باي لخطة القضاء بالحاضرة رابع جمادى الأولى سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، فقام بأعبائها وزانها بالمحافظة على شرف ناموسها، وقام لها قيام الزعيم من أول وهلة بثبات وحزم لا نظير له جزاه الله خيراً، وبالجملة فإنه عالم ثقة. ولما ولي الخطة المذكورة هنيته بقولي: [الكامل] البشر أسفر عن محيا زاهرِ ... ورياضه عمت بنشر أزاهرِ والطير في أدواح أفراح يُرى ... بتصادح نغمات خير مزاهرِ فدنا لنا قطب المسرة وانثنى ... غصن المبرة باهتزاز باهرِ والأرض عرّفها أريج فاغتذى ... تدبيجها يُزري بحلي السامرِ ما إن ترى غير الثغور بواسماً ... لمواسمٍ بُهرت ببشر ظاهرِ

стр. 312

والدين غُرِّر وجههُ بطلاقة ... والشرع قد أضحى قرير محاجرِ والحق عم غداة أصبح صادعاً ... بولاية الحبر الهمام الطاهرِ إذ كان رابع معشر فازت بهم ... خطط القضا كل كليث هاصرِ فغدت بهم دار الشريعة ترتقي ... لمفاخر شاعت كمثل سائرِ وهم النيافرة الذين تناولوا ... تلك الرئاسة كابراً عن كابرِ لله مجدهم فمن حسب ومن ... نسب زكي قد رقوا لمفاخرِ طابت أصولهم وأينع فرعهم ... فيه نرى للدين أعظم ناصرِ علامة الغبرا ونحرير النهى ... وإمغم من فازوا بخير مشاعرِ دراكة المعقول والمنقول بَحْ ... رٌ طمّ في الخضرا بموج زاخرِ وبشمس فكر قد غدت منجابة ... عن مشكلات مدلهم دياجيرِ يسدي إلى المسترشدين أجل ما ... بسنائه هديُ الضلول الحائرِ فمتى رقى فوق المنابر أسمع ال ... صم الدعا وألان صلد حناجرِ ومتى روى عن جده في درسه ... فالقلب يعمر مذ روى عن عامرِ فترى البرية خشع الأبصار قد ... هملت عيونهم بدمع هامرِ ومتى يجُلْ في فقه مذهب مالك ... يسمع تحارير الإمام (المازري) أما إذا قدح الزناد وحل في ... درس البيان فذاك (عبد القاهر) فهو المجلي في ميادين المعا ... رف بين أرباب العفاف الفاخرِ واليوم قام لنصر شرعة أحمدٍ ... بجيوش إنصاف وعون القادرِ سيرى بخيسِ ليوثها كالغيث إذ ... ينهل بالأحكام غير مظاهرِ فليُهنِ تونس والأهالي كلهم ... أن قد سمت بهزبر عدل ماهرِ إذ كنت يا قاضي القضاة كفيلها ... بُقياً تسوق حقوقها لعشائرِ فاهنأ ودم واقبل إليك عقيلة ... حيت بوجه من جمال سافرِ وافتك بنت الأمس تجتلب الرضى ... فاسعف لها كف القبول الوافرِ فلأنها سحر النهى بين المها ... ترنو بطرف ذابل متكاسرِ كل القلوب لها تهش صبابة ... إذ أنبأت عن فضلك المتكاثرِ أحكمت رصف الدر في أبياتها ... فتناسقت منها عقود جواهرِ بانت ولا منّ عليك ولا فخا ... ر لي بها ما حاكها من شاعرِ صعقت بها حسادنا وصغت لها ... أهل الوداد بكل قلب حاضرِ فسقتهم كأس المسرة بعد أن ... وافتهم بسنى جمال باهرِ حتى غدوا طُّراً نشاوى مثل ما ... عمت ببشرى قاطن ومسافرِ لازال يغمر كل أهل الأرض من ... علياك في التاريخ عز بشائرِ (وتوفي على خطة القضاء بمرض لازم به الفراش شهرين، ورأى نقهاً فتوجه إلى رادس وهنالك كانت وفاته عشية الجمعة ونقل للحاضرة ووقع تشييع جنازته صبيحة السبت الخامس عشر من شوال الأكرم سنة ١٣١١ إحدى عشرة وثلاثمائة وألف، عليه رحمة الله) . ملحق ترجمة الشيخ محمد الصادق النيفر محمد الصادق النيفر وهو أبو الوفاء الصادق بن الشيخ المدرس محمد الطاهر بن التاجر البار الصالح أبي الثناء محمود بن السيد الجليل التاجر الصادق الخير تالي كتاب الله صباح مساء أحمد النيفر أصل هذه الأسرة نقتصر في ترجمة هذا الشيخ على ما كتبته المجلة الزيتونية عنه في الجزء الخامس من المجلد الثاني الصادر في ذي الحجة من سنة ست وخمسين وثلاثمائة وألف. جاء في هذا العدد تحت عنوان. ترجمة فقيد العلم الشيخ محمد الصادق النيفر ما يأتي بعد كلمات وجيزة في التعريف ببعض سلف الشيخ وأنه يتصل بالسيد محمود بن السيد أحمد، وأمه بنت العلامة الطائر الصيت الشيخ محمد الطاهر النيفر قاضي الجماعة المتوفى سنة ١٣١١ وأمها من بيت الوزير إحدى بيوتات الأندلس العريقة الوجيهة. مولده ونشأته الأولى ولد ﵀ في جمادى الآخرى سنة (١٢٩٩) بدار جده لأبيه حيث يسكن والده وأعمامه في حومة جامع غربال قرب جامع الزيتونة وتبناه جده لأمه الشيخ الطاهر فتولى تربيته بنفسه وحفظ القرآن الحكيم تحت إشرافه بضريح الشيخ الصالح المشهور بسيدي يانس المجاور لدار الشيخ ﵀ على المعلم الشيخ محمد الزواري أحد شهود المرسى اليوم. دخول جامع الزيتونة وطور الاستفادة

стр. 313

دخل ﵀ جامع الزيتونة سنة (١٣١٣) . فأخذ مبادىء في القراءات والتجويد عن المرحوم المقري الموثق الشيخ المولدي بن عاشور المتوفى في شهر رمضان سنة (١٣٢٥) وأخذ سائر الفنون المتداولة به يومئذ عن مشهوري أساتيذه من أعلام المذهبين. وكان قوي العارضة، صحيح الحافظة، وافر العناية فمن أساتيذه شيخ الإسلام الحنفي في التاريخ. والشيخ أبو العباس أحمد بن مراد المفتي الحنفي. والشيخ أبو النجاة سالم بو حاجب كبير أهل الشورى المالكية. والشيخ أبو حفص عمر بن الشيخ المفتي المالكي. والشيخ محمد النجار المفتي المالكي. والشيخ حسين بن حسين المفتي المالكي. والشيخ أحمد بيرم شيخ الإسلام. والشيخ مصطفى بن خليل. والشيخ مصطفى رضوان. ووالده الشيخ محمد الطاهر النيفر. والشيخ عمر بن عاشور. والشيخ محمد النخلي. والشيخ علي الشنوفي. وكان معظم تحصيله وانتفاعه على الشيخ حسين بن حسين فقد حضر كثيراً من دروسه التي كانت مهبط تحقيق وتدقيق واختص من بين أترابه بمجالس بيته الخاصة التي لم تكن تقل في النفع والإفادة عن دروسه بجامع الزيتونة. وقد امتلأ وطابه بما أخذ عن هؤلاء الأعلام وصار في مقدمة أقرانه على حداثة سنه وتهيأ أن يفيد وينفع بما استفاد وانتفع. " طور الإفادة" التدريس والخطابة تقدم لامتحان شهادة التطويع سنة (١٣١٨) فكان في طليعة المجلين في حلبته، وكانت هذه الشهادة تخول صاحبها حق التدريس بجامع الزيتونة بصفة متطوع بإثر الحصول عليها، فشرع ﵀ يدرس وعني نتنشأة الطبقات وتربيتها وتناول الفنون المختلفة فدرس أكثر كتبها المتداولة بالجامع يومئذ دراسة نصح وتحقيق وبلغت دروسه في اليوم الواحد الستة أو جاوزتها. وكانت له عناية خاصة بالفقه والسيرة والحديث، ومن أجل ما درسه من كتبها شرح الداودي على التحفة ختمه نحواً من خمس مرات وشرح الدردير وسيدي عبد الباقي على المختصر والشفا للقاضي عياض بدأه وأتمه، وشرع مكانه في تدريس الموطأ فأقرأ زهاء ربعه، وشرع في تدريس العارضة شرح سنن الترمذي للقاضي أبي بكر بن العربي فأقرأ جملة صالحة منها بضريح الشيخ يانس. وكان يختار تدريس الحديث الشريف في شهر رمضان ويعنى في دروسه بما يفيد العامة من حاضريها وحضر في هذا الطور طور الإفادة بعض دروس الجلة من أساتيذه يقتبس من نورهم ويغترف من بحورهم ومنهم الشيخ سالم بو حاجب والشيخ حسين بن حسين وقد أقرأ متطوعاً ومدرساًرسمياً زهاء ربع قرن من سنة (١٣١٨) إلى منتصف سنة (١٣٤١) وكانت الطبقات المتتابعة تأخذ عنه وأكثرهم يزين اليوم مناصب التدريس والقضاء والفتوى ودواوين العدلية ولأول العهد بانتصابه للتدريس خطب بجامع باب البحر نائباً عن والده فسلك في الخطابة طريق مثلى تسفر عن حكمة الشارع فيها، واعتمد ما ينشئه من الخطب التي تتفق مع الأحوال الحاضرة ويخاطب فيها الناس بما يفهمون وكان لمواعظه الأثر الصالح. وقد يضم إلى الخطابة دروساً بالجامع في شهر رمضان ينتفع بها العامة والخاصة. صلته بعلماء المغرب وفي أثناء اشتغاله بالتدريس دخلت تونس حواشي الشيخ المهدي الوزاني على شرح التاودي على التحفة، ولصاحب الترجمة غرام بتدريس الشرح فعني بهذه الحواشي واتصل بصاحبها بالمكاتبة، ثم زار الشيخ المهدي تونس سنة (١٣٢٣) فنزل ضيفاً بدار صاحب الترجمة وزادت الصلة بينهما قوة وكان كل يعرف لصاحبه فضله ومكانه من العلم ثم رغب إليه الشيخ المهدي ﵀ أن يزور المغرب الأقصى سنة (١٣٣٠) فلبى الدعوة وتعرف بكثير من أهل العلم والفضل وكان محل التجلة والإعجاب وكان بينه وبينهم حوار في موضوعات شتى علمية وتاريخية أسفر عن قوة عارضته ونهوض حجته وكتب عن هذه الرحلة مفكرات خاصة لم يسبكها على قالب مؤلّف مستقل. المناصب التي تقلدها

стр. 314

ولي ﵀ خطة الإشهاد بالحاضرة سنة (١٣١٨) وكانت تبعاً للحصول على شهادة التطويع، وفي ذي القعدة سنة (١٣٣١) ولي مدرساً في الطبقة الثانية، وفي شهر ربيع الأول سنة (١٣٣٢) ولي مدرساً من الطبقة الأولى، وفي سنة (١٣٣٩) ولي الإمامة والخطابة بجامع باب البحر ورواية الحديث بمدرسة بئر الحجار خلفاً عن والده. وفي سنة (١٣٤١) تم العزم على تسميته عضواً حاكماً بالمجلس المختلط العقاري بإحياء الخطة التي كان يتقلدها المرحوم العالم الشيخ محمد المختار شويخة وكانت موقوفة من يوم وفاته سنة (١٣٣٤) ، وأعلمت الحكومة رئيس المجلس المختلط بهذا ووافقها وتعين ميعاد تنصيبه، ولكن الحكومة تغير عزمها فقلدته قضاء الجماعة في اليوم الذي عين لتنصيبه بالمجلس المختلط وكان هذا في رجب سنة (١٣٤١) ، واضطلع ﵀ بعبء القضاء، فقد كان فقيهاً جليلاً واسع الاطلاع على النصوص بصيراً بأمر تنزيلها على الحوادث، ماضي العزم. وظل يباشره نافذ الأمر والنهي عزيز الجانب إلى أن تخلى عنه في ذي القعدة سنة (١٣٤٧) . مؤلفاته كتب ﵀ بضعة تعاليق نفيسة على أبواب من صحيح البخاري قام بها دروساً بمدرسة بئر الحجار وجامع باب البحر في مواعيد أختامهما، وكان يترك الكتابة في الأكثر ويكتفي بمطالعة ما يعين على فهم الحديث ثم يقوم بذلك كله درساً يفهمه العامة ولا يستغني عنه أحد من الخاصة وجرى على هذه الطريقة في أيام ولايته القضاء لتزاحم أعماله عليه ولم يكتب في هذه المدة إلا سنة (١٣٤٢) وهي السنة التي عني المقدس المولى محمد الحبيب باشا باي بحضور بعض مجالس أختام الحديث الشريف. ومنها مجلس ختم الشيخ بجامع باب البحر فكتب تعليقاً جليلاً محرراً على باب كلام الرب مع أهل الجنة من صحيح البخاري أبدع فيه ما شاء الله أن يبدع. وفي أواخر سني حياته أقبل على المطالعة والكتابة وزاد شغفه بالحديث وكتبه وترك فيه تقاييد نفيسة جليلة وقد كتب في بضعة أعداد من المجلة الزيتونية فصولاً في وضع الحديث ولم يتمها، وله حاشية على التاودي قيمة. أخلاقه كان ﵀ متواضعاً بشوشاً وفياً نصوحاً، ولتلاميذه حب جم فيه غرسه في قلوبهم نصحه لهم وإخلاصه في تربيتهم وتعليمهم، عزيز النفس، قوي العزيمة. مرضه وموته وموكب جنازته كان ﵀ مصاباً بداء ضعف القلب منذ أمد بعيد وكان أثره فيه خفياً، ولم تظهر أمارته عليه إلا في السنين الأخيرة وهو يغالبه بجلده وصبره، وكان يشعر في آخر عمره بدنو الأجل وتصرّم حبل الحياة، وقد كتب ﵀ وصية بخطه عهد تنفيذها إلى بنيه وأودعها ما يحب أن يكون في غسله وتكفينه وحمله وتشييعه والصلاة عليه ودفنه ولم يخرج في شيء مما أوصى به عن محيط السنة ومن مظاهر بر بنيه بعد موته أن نفذوها كما عهِد إليهم. وكان موكب جنازته من المواكب النادرة شاركت فيه طبقات الأمة كافة آسفة حزينة ولاسيما تلاميذه على وفرة عددهم، وصلي عليه بالمقبرة طبق وصيته ودفن في تربة سلفه بالزلاج. نسأل الله أن يتغمده برحمته ورضاه وأن يجعل من بنيه خير معز عنه يبقي ذكره ويعمر بيته إن ربي قريب مجيب. وكتبت مجلة الهداية الإسلامية في عددها ٩ من المجلد ١٠ الصادر بالقاهرة في شهر ربيع الأول سنة (١٣٠٧) ما يأتي وهو بقلم صديق صاحب الترجمة الستاذ العلامة الشيخ خضر حسين تحت عنوان: مصاب تونس بوفاة عالم جليل أصيبت تونس بوفاة العلامة الجليل صديقنا الأستاذ الشيخ السيد محمد الصادق النيفر قاضي القضاة بتونس سابقاً، فقد كان الأستاذ ﵀ أحد النوابغ الذين أنبتتهم الجامعة الزيتونية نباتاً حسناً وكان له فضل كبير في النهضة العلمية الحديثة وقد قدرت الجمعيات العلمية والأدبية في تونس قدر الأستاذ الراحل فأقاموا له عند مرور أربعين يوماً على وفاته حفلة تأبين ألقى فيها كثير من العلماء والأدباء خطباً وقصائد أتوا فيها على ما كان للفقيد من غزارة علم وسمو أخلاق وجهاد في سبيل الحركة الوطنية السياسية. وكانت لجنة هذه الحفلة أشعرت رئيس تحرير هذه المجلة بما عزمت عليه من تأبين صديقه الأستاذ فاختار أن يشارك في تلك الحفلة بكلمة في صلة الصداقة التي انعقدت بينه وبين الأستاذ ﵀ وبعث إلى اللجنة المكلفة بالكلمات الآتية:

стр. 315

طالعت المجلة الزيتونية الزاهرة ووقع بصري على عنوان رثاء فقيد العلم الإمام محمد الصادق النيفر فرماني هذا العنوان بسهم من نار فإذا الفؤاد يتلظى والفكر يتقلب في ذكريات العهد الذي كنت أتمتع فيه بصحبة الأستاذ الفقيد ورابطة الصداقة بيني وبينه خالصة محكمة. تقدمت الأستاذ الراحل في تلقي العلم ببضع سنين وكنت أراه فيمن أرى من طلاب العلم وهو يشار إليه بأنه حفيد العلامة القاضي في ذلك العهد الشيخ محمد الطاهر النيفر وكنت ألاقي الفقيد في الطريق فيبادرني التحية فأقدر له ذلك الأدب السني، واللبنة الأولى في بناء صداقته المتينة أني كنت يوماً جالساً يوماً بالجامع الأعظم فأقبل ﵀ وجلس يحييني في تواضع زاده في عيني رفعة وأبدى رغبة في دراسة علمي العروض والقوافي، وأذكر إن لم تخنّي الذاكرة أننا قرأنا على وجه المذاكرة فصلاً أو فصلين من علمي العروض بالحجرة القائمة على يمين المصلى بالمعهد الزيتوني فعرفت في ذلك الفتى يومئذ نباهة الألمعي وأدب الماجد السري وانتظمت الصداقة بيني وبينه في صفاء وسماحة. وما زال ذلك الفتى البارع مجداً في طلب العلم حتى رأيته أستاذاً يدرس الكتب العالية بالمعهد الزيتوني وطلاب العلم يزدحمون على دروسه ويردونها ورود الظماء للماء الزلال. وأذكر أني أديت صلاة بعض الجمعات في جامع باب البحر وكان الأستاذ الراحل ﵀ يلقي على منبره خطباً بليغة يراعي في اختيار مواضيعها ما يستدعيه الحال، وكنت أعجب بما أسمع وآنس من تلك الخطب فواتحَ إصلاح الخطابة المنبرية في توني. ولا أنسى تلك الليالي ليالي الجمعة من كل أسبوع إذ كان الأستاذ يتفضل بالزيارة ونقضيها في أسمار ممتعة يجاذبنا أطراف أحاديثها فريق من طلاب العلم، ثم لا أنسى أوقاتاً عصفت بها رياح الرياسات وأدارت وجوه بعض الإخوان إلى ناحية غير ناحيتنا، ورأيت الأستاذ الراحل من أشد الإخوان احتفاظاً بحقوق الصداقة شأن من يعتز بعلمه ومجده ولا يرضى أن يكون لاتجاه بعض الرياسات أثر في وصل صداقته وقطعها. كان ذكريات ذلك العهد تخطر فتجد في النفس أمل لقاء ذلك الصديق الراحل وتجديد ما درس من عهد الأنس به فلا تثير من الأسى ما يجرح الفؤاد من كل ناحية، أما اليوم وقد ذهب ذلك الأمل فأراها تخطر فتثير أشجاناً يذوب لها القلب وتتساقط العبرات. أجل ذهب ذلك الأمل المروح عن الخاطر وأصبحت ذكريات عهد تلك الصداقة تبعث حسرات بعضها فوق بعض فتجعلها ركاماً وإن كان هناك ما يخفف من وقع هذا المصاب فهو أملنا أن يكون لعلم الأستاذ الراحل وفضله ورثة من أنجاله النجباء يحفظون التالد ويعززونه بالطريف ويوطد هذا الأمل أن بيت آل النيفر قد عرف أنه منبت العلماء الراسخين والأدباء البارعين، وإني ألمح في شباب هذا البيت اليوم همماً طماحة للمعالي وجهوداً من أصدق الجهود في إعلاء شأن العلم والأدب والفضيلة وأقدم لآل الفقيد على هذه الفاجعة خالص التعزية وأسأل الله تعالى أن يفيض على ضريحه نوراً ورحمة ويحسن جزاءه على ما بذل في سبيل الخير من همة وما غذى العقول من علم وحكمة. (من تراجم المفتين على مذهب الإمام مالك، للشيخ محمد البشير النيفر، الكراس الثاني ص ١٨٤ مخطوط) عمله الوطني وبذل المرحوم الشيخ محمد الصادق النيفر جهداً مشكوراً وتفانياً في العمل حين كان من أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري مما خلده التاريخ له. ومن أعماله البارزة رئاسة الوفد الذي ذهب لمقابلة المرحوم الأمير محمد الناصر وذلك في ٢ شوال سنة (١٣٣٨هـ) و (١٩٢٠م) وقد ضم هذا الوفد أعيان المملكة التونسية في ذلك العصر، وقد قصر المرسى حيث مقام الأمير المذكور. وقد ألقى رئيس الوفد كلمة منشورة في كتب التاريخ التونسي. كما قدم عريضة المطالب التونسية في إقرار دستور تونسي للبلاد، وذلك أول عمل وطني للتونسيين. من مراثيه أنشدت عند وفاته مراث طفحت بها الصحافة التونسية عند ذاك، ومن مراثيه مرثيتي التي عنوانها (دمعة مقروح) ومطلعها: مصابك يا شيخ الشيوخ عظيم ... وذكرك رغم الحادثات مقيم -محمد الشاذلي النيفر- @بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الجزء الرابع من كتاب مسامرات الظريف بحسن التعريف

стр. 316

الخاتمة في التعريف بالآباء الكرام، والشيوخ والأعلام وما ألحق بذلك في هذا المقام . أعلم أنّ حفظ النسب من الأصول التي اجمع عليها المليون وفي الأثر عن ابن الخطاب ﵁ تعلموا النسب ما تصلون به أرحامكم. ويؤثر عنه تعلّموا أنسابكم ولا تكونوا كالقبط ينسبون إلى القرى وهذا الأمر الآن ليس خاصاً بالقبط، بل إنّ غالب الأنساب قد أتلفتها البلدان فترى الواحد ينتسب إلى بلاده حبّاً فيها وبتطاول السنين يتناسى آباءه فيضيع نسبه بهذا الوجه، ولذلك قال العراقي في ألفيته: [الرجز] وضاعت الأنساب في البلدان ... بنسب الأكثر للأوطان ولمّا كانت العرب شعوباً وقبائل تراهم إنّما ينتسبون لآباء قبائلهم وأجداد عشيرتهم وبذلك حفظوا أنسابهم وكان النسابون بينهم كثيرين ثم إنّ البلدان ضاعت الأنساب وعادت النسب الأصلية إلى التراب وكانّ الجميع أخذ بقول الشاعر: [الطويل] إذا كان أصلي من تراب فكلّها ... بلادي وكلّ العالمين أقاربي أما التفاخر بالنسب والتذمم بالألقاب فقد جاءت شريعة الإسلام بالنهي عن ارتكابه سيّما والنسب في نفسه لا يعتمد على فخره إلاّ ضعيف عاجز عن اكتساب فضل لنفسه، فيعود إلى العظام الرفاة، فيحتسب الفخر بذلك ومثل ذلك ليس من الحزم قال الشاعر: [الطويل] لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما بدا من حاله لا ابن أمسه وما الفخر بالعظم الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه على أن كرم النسب في نفسه فضيلة لا تنكر إنّما الاعتماد عليها ليس من الحزم في شيء، ولا شكّ أن الحسب معه أكمل منه بدونه ولذلك كان الحزم والفضل في اكتساب المفاخر والمفاضل التي يسود بها الشخص من نفسه سواء كرم نسبه أو لأن فإن كان ذلك مع كرم النسب فإن ذلك اكمل له ولفضله، سيّما إن كان النسب لأكمل خلق الله ﷺ الذي وقع الإجماع على أفضليته ولذلك قال اليوسي: إن إلقاء النسب جور والاقتصار عليه عجز والصواب ما قاله عامر بن الطفيل: [الطويل] فإني وإن كنت ابن سيّد عامرٍ ... وفي السرذ منها والصريح المهذّب فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أبِ ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبِ والحاصل أن النسب فضيلة ومن العجز الاقتصار عليه ومع ذلك فحفظه واجب على كل حال، فلإن يكن الإنسان ثابت النسب في قوم كيف ما كانوا خيراً له من أن يكون داعياً في أعالي النسب، فما بالك به إذا كان ثابت النسب العالي لإغن ذلك لا ينبغي إهمال اعتباره. وبهذه الأسباب رأيت أن أجمع ما أمكنني الوصول إليه في التعريف ببيوت آبائي وأمهاتي مما نجمع به شمل الرحم الذي أوجب الله علينا صلته. وهو مقصد ألّف فيه كثير من الفضلاء منهم لسان الدين بن الخطيب ألّف كتاباً أسماه "المفاخر الطيبة في المفاخر الخطيبية"، وقد الّف شيخ الإسلام اليبرمي الثاني رسالة في النسب البيرمي على أنني لم نقتصر هنا على ذكر ى بائي خاصة بل أتبعت ذلك بالتعريف ببقية آباء روحي من أساتيذي ﵃، ثم ذكرت نتيجة جميع ذلك بضبط ما أخذته من العلم على ضعفي وقصوري، ولذلك كانت هذه الخاتمة منقسمة إلى ثلاثة أقسام: المبدأ والمقصد والنتيجة. وها أنا أشرع في المبدأ المذكور متبرئاً من قصد المفاخر والميل إلى التباهي، والله المسؤول أن يعصم أقلامنا ويبت أقدامنا. المبدأ قد خصنا هذا المبدأ بذكر بيت آبائي وبيوت أمهاتي، إلى حيث أمكنني الوصول إليه من أصول نسبي الذي أوجب الله عليّ الاحتفاظ به وصلته، ولذلك نذكرهم هنا بيوتاً وانساباً وأرجو الله أن يحسن إليه مئاباً. السنوسيون

стр. 317

والدي قاضي جبل المنار الشيخ أبو النور عثمان بن الكاتب الشيخ محمد المهدي ابن قاضي الحضرة الشيخ محمد السنوسي المتقدم الذكر ابن مفتي بلد الكاف الشيخ عثمان بن الحاج محمد بن احمد عرف بن مهنية من حفدة ولي الله الشريف سيدي عساكر بن ضيف الله بن محمد بن منصور القصوري صاحب الشجرة الشهيرة في الشرف، المعروفة عند من سلف وخلف، وسبق في ذكر المولى الجد سرد سلسلتها المباركة، وهنا نتيّمن بذكر ترجمة سيدي عساكر أداء لحق أبوته ﵁. أما اتصال نسبه بالحسن بن علي بن ابي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ فإنه امر مفروغ منه، وقد أخبرني والدي أن شجرة الشرف كانت بدارنأن وعند البحث تبيّن أن جميع سكان القلعة التي بها مقام الشيخ يتناقلون خبر شرفه ﵁، ويقولون إن اصله من المغرب الأقصى، وإن الشيخ سيدي عساكر والشيخ سيدي عبد الجواد والشيخ سيدي عبد الله بوكريشة الأولياء الثلاثة المدفونين بالقلعة المذكورة هم في النسب من بيت واحد. وبالبحث عن رسوم شرف أحد هؤلاء الثلاثة وقفت على شجرة تامة تتضمن أنّ الشيخين المذكورين من ذرية الشيخ سيدي منصور القصوري دفين سقبنارية قرب الكاف وذلك أنّ الشيخ له ولدان أحدهما سيدي محمد بفتح أوله وهو والد الشيخ سيدي عبد الله بوكريشة وأخيه سيدي مرزوق وهو جد سيدي عبد الجواد بن محمد بن مرزوق وأخيهما سيدي ضيف الله والد سيدي عساكر، فهو عساكر بن ضيف الله بن محمد بن منصور ﵃، وجدهم سيدي منصور المذكور من أولاد بوعنان من بني مطهر وهو منصور بن إبراهيم بن محمد بن عامر بن موسى بن عبد الله بن عثمان بن بخت بن عياد بن ثابت بن منصور بن عامر بن موسى بن مسعود بن علي بن عبد المجيد بن عمران بن محمد بن داود بن علي بن عبد الله بن ادريس الأصغر بن ادريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فهو شريف ثابت النسب. قدم من المغرب إلى تونس فصادف يوم وفاة الشيخ سيدي أحمد بن عروس صبيحة يوم السبت ثامن صفر الخير سنة ٨٦٨ ثمان وستين وثمانمائة فوجد وصاية له من الشيخ يأمره فيها بالتوجه إلى الكاف للشيخ سيدي ابن حرز الله، فخرج إلى الكاف ثم إنّ الشيخ سيدي ابن حرز الله أمره بالخروج حول البلد فأقام هنالك إلى أن توفي ودفن هنالك بزاويته المشهورة ودفن بعده ولده محمد هناك، ثم تنقلت أبناء سيدي محمد المذكور إلى القلعة وبها ضريح سيدي عبد الله بوكريشة بن محمد بن منصور وسيدي عبد الجواد بن محمد بن مرزوق بن محمد بن منصور وأما الشيخ سيدي عساكر فقد خرج إلى خارج القلعة وكان صعب المراس، ولما توفي دفن بزاويته الكائنة خارج قلعة سنان، وهو من الأولياء المشهورين المنادى بهم في كل ملمة، وقد توسل بهم الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر في بعض شطحاته حيث يقول: وعساكر والحلاجي، والحارثي وهنية. ويقال له: سيدي عساكر بوعبانة، وذلك أنه بعد وفاته كثيراً ما يظهر حول زاويته ملتحفاً بعبانة سوداء وكراماته كثيرة محفوظة منها أنه خرج في بعض الأيام فأتى إلى زوجته السيدة خديجة سبعة رجال راكبين على أفراسهم وراموها بالسوء فحضر الشيخ في الحين فركبوا أفراسهم فأدركهم الشيخ، وأمسك الأعنّة السبعة قال على بركة الله فوقع الجميع في الأرض، والأسد يحضر إلى زاويته ولا يؤذي أحداً قيل إن أهل الزاوية كانوا مهما ذبحوا ذبيحة إلا تركوا الرأس والسقط للأسد فيحضر لأكلهأن وتراب الزاوية إلى هذا الوقت معدن للبركة فما وضع في طعام إلا بورك فيه، وسبب ذلك أن إحدى بنات الشيخ قدم عليها أضياف وقلّ عندها الطعام فأضافت شيئاً من تراب الزاوية فكفى ببركة الشيخ فاعتادوا ذلك، ولم يزل أمراً مجرباً إلى هذا الوقت يحضر لمناديه في بعض الأحيان بشخصه، تعرض قطاع الطريق لرجل هناك فقال عند ربي وعندك يا سيدي عساكر فحضر من حينه وافتكه من قطاع الطريق فرجعوا فراراً فطلبه الرجل فلم يجده ﵁. وقد سبق ذكر التعريف بحفدة هذا الولي إلى المولى الجد في القضاة المالكية قدس الله أرواحهم وإنما نذكر هنا من بعده من أصولي الذين كان الغرض هو حفظ نسبهم فنقول: إنّ الجد المذكور قدس الله روحه كان له ثلاثة ابناء وهم الشيخ محمد المهدي والشيخ إبراهيم والشيخ محمد سميّ والده.

стр. 318

فأما أصغرهم وهو الشيخ محمد فقد ولد سنة ٤٥ خمس وأربعون ونشأ بينيدي والده وتعاطى بعد العلم، وتقدم للإشهاد ثم ظهر له شغف بالصلاة على رسول الله ﷺ واعتكف على دلائل الخيرات ولازم الصالح الشريف الشيخ علي محسن في مبدأ أمره مدّة طويلة، إلى أن اتفق له في بعض الأيام أن كان يقرأ دلائل الخيرات في بيته على عادته فيخرج من فيه نور اتصل عموده بسقف البيت فرأى أن ذلك من آثار الصلاة على النبي ﵊ ثم لازم أستاذه إلى أن ظهرت عليه حال وكرامات في خلوته مع القيام بظائفه الشرعية، وهو اليوم ممن سلم الناس من يده ولسانه مرابط في بيته لا يتجاوز بخروجه قرب الدار، وعليه سيما أهل الأسرار. وأمّا أخوه الشيخ إبراهيم فسياتي له ذكر وأمّا الشيخ محمد المهدي فهو جدي الأقرب وقد ولد سنة ١٢١٦ ست عشرة ومائتين والف وقد أرّخ ولادته عمه أحمد زروق بقوله: [مجزوء الرجز] بشرى بمولود ورد ... والدهر منه قد سعدْ أتى الهنا يمناً وقد ... صدّ العناعنا وردّ أورد في إقباله ... كلّ سرور إذ ورد أقبل كالغيث على ... محلٍ به الغيظ اتقّد جاد به الدهر رضى ... من بعد ما لجّ ولدّ فقلت في تاريخه ... تمّ السرور لولد وارخه أيضاً بتاريخ ثانٍ وهو قوله: [الكامل] ولد ابننا الأسمى النجيب محمدٌ ... نجل العلا والفخر والتفخيمِ في يوم تسع بعد عشرٍ هنّ من ... رمضانَ شهر الله ذي التعظيم من عام ست بعد عشر قبلها ... مائتان بعد الألف في التتميمِ ووالدته خديجة بنت قويدر ابن الحاج أحمد بن سليمان اللبّدي حفيد الولي المعروف بالعديسي بن عبيدة قرب الكاف، فوالدة جدي من بيت فضل وصلاح. ونشأ بين يدي والده وعمه فحفظ القرآن العظيم وحفظ المختصر الخليجي، وقرأ العلم الشريف على والده وعمّه والشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ محمد البحري وغيرهم، وتفقه وقدمه الأمير محمود باشا لخطة العدالة غرّة شعبان سنة ١٢٣٢ اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، فاشتغل بالتوثيق. ولمّا أقام والده ببنزت قدّمه الأمير المذكور إماماً بجامع السويقة من البلد المذكور أواخر جمادى الثانية سنة ١٢٣٤ ارب وثلاثين. ولمّا رجع إلى تونس جلس للتوثيق حتى صار من عمد الموثقين وسافر مع عمّه شاهداص لقاضي المحلّلة. وتقّدم بعد والده لخطة الكتابة والوكالة على بعض الأوقاف. وله في الأدب آثار من رقيق الشعر سافر لبلد الكاف مع عاملها أمير الأمراء فرحات قائد الجبيرة فكاتبه صديقه الشيخ الطاهر بن عاشور بما نصّه: [الطويل] لقد كنت لا أرضى بطيب وصالِ ... فها أنا راضٍ منكمُ بخيالِ أيا سادة شطّتْ منازل قربهم ... وبانوا فبانَ الصبرُ بعد كمالِ هجرتم بلا عذر نأيتم بلا رضى ... ضننتم ولو بالكتب والإرسالِ وإنّي مع بعد الديّار متيّمٌ ... على الودّ لم يأت السلوّ ببالي أناشد عنكم كلّما لاح بارق ... من الحيّ أو هبّت رياح شمال أناجي اصفرار الشمس عند غروبها ... أوّد لو أني لأنفاسها تالي ولمّا نات داري وعزت مطالبي ... تخذتُ كتابي معلّماً بسؤالي فيا كتب يهنيك السرور بقربه ... بعيشك بلغ لوعتي وملالي تأدب إذا ما جئت حضرة عزة ... فذاك مقام بالمفاخر عالِ مقام من تمكن من سماء السعود بالفلك السمى، وحلّ من المفاخر بالحضرة الباهية السمّأن وحاز قصب السبق في ميدان الأدب والبلاغة، ونظم جواهر الألمعية في سلك المودة وصاغه، العلامّة النحرير، الفهامة الشهير المالك القلوب بخلاصة خلته الضارب في مرضاة الأخوة ما في صداقته ومحبته: [الطويل] ففي كل قلب حبه متمكنٌ ... وفي كل نادٍ ذكره فائحُ النشرِ من اشتهرت محاسنه اشتهار الشمس دون غمام، وطلعت على الأفق مزاياه طلوع البدر التمام، حتى أشغلني مدحه عن ذكر اسمه، وأكتفى بالتلويح عن التصريح بوسمه: [البسيط] لسنا نسميك إجلالاً وتكرمة ... وقدرك المعتلي عن ذاك يكفينا

стр. 319

أما بعد سيدي فلولا أن السلام تحية الإسلام، لكان مسبوقاً بتقبيل الأيدي ولثم ترب الأقدام، فأنشىْ سلاماً أرقّ من النسيم وألذ من مناولة النعيم، يجول حول ذلك الحمى الدائم عزه واحترامه، ويبث اشتياق صبٍّ نكدت بالبعاد لياليه وأيامه، ويليه تقبيل تلك الراحة الشريفة، ولثم الترب من تلك الحضرة المنيفة. أما السؤال عن جميع الأحوال، فهو غاية المطلوب وقصد الآمال، لا أخلف الله فيها عوائده الحسان لا زالت جارية على وفق المراد بجاه خلاصة ولد عدنان. فأما حال مضناكم المتيم بالهجر والبعاد، فلا يخفاك ما فعل به الشوق والنكاد: [الطويل] فما حالُ عين غاب عنها ضياؤها ... وما حال قلب بعدما فارق الصدرا أسأل مآل ذوي الدعوات أن يعجل بالملاقاة في أحسن الأوقات، بجاه النبي والآل والصحب والزوجات، ويبلغك السلام الأتم من جميع الأحبّة خصوصاً من الشيخ أخي سيدي محمد، والأخ الودود سيدي الحاج الطيب أبي نمرة، ودمتم في العز والأمان، والسلام من خديم جنابكم الرفيع عبيدكم محمد الطاهر بن عاشور لطف الله بالجميع. وأجابه عن ذلك الجد بمكتوب قال في طالعته: [الطويل] من الشرق لاحت درة ولآلي ... تقبلها كل الورى بجمالِ فأصبح من بالغرب في حلل البها ... يتيه بفخرٍ شامخٍ وجمالِ وعزت على لثم الشفاه بفضلها ... فآمالنا ترنوا بغير ملال سمت في العلا فخراً على كل فاضل ... شذاها ومسراها معا بمجال أشارت بأن الصب أضحى متيماً ... يروم وصالاً فانثنى بمطال فقد حان في أضعاف ما نال صبركم ... من الشوق وانزاح السلو ببالي ولم يُبقِ مني السقم غيرَ حشاشة ... يروح بشبح مضنيٍ ومقال وقالت مراسيل التوحش زمرة ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي عسى من قضى بالبعد يجمع شملنا ... ويبدلُ هجرانا بطيب وصال وراجعه الشيخ الطاهر بن عاشور مكاتباً بما نصه: [الكامل] رجعتْ لسكنى القلب روح حياتي ... مذ حلّ كتبك في فناء جهات وارتاح مضنى طال ما سه الدجى ... من فرْط شوق موقد الجمرات فنشرته من بعد لثم ختامه ... وتمرغِ الخدين والوجنات ورأيت من علياه عِقدَ جواهرٍ ... لم تحوهِ الأبحار في الصدَّفات فنظامهُ مثل انتظام لآليْ ... والنثر مثل تناثر الزهرات كا لنَدِّ بلْ كالمسك ما قد فاح من ... أرجاء تلك الأسطر البهياتِ يا مهدياً نحوي رسائل ودّهِ ... أفرطت في الاحسان والصدقات وإليك روحي مع رسالة فكرتي ... خذها مع التشريف والتحيات من محب سقاه الهوى كاسات الهوى والهجران، وأنحى على الإقامة بساحة فؤاده ركاب الشوق والأحزان، فغدا بين الورى في حيرة وهيام، وما حال من استبدل طيبَ الكلام ببلاغات الكلام، إلى من كسته المحبة جلابيت العز والكرامة وألبسته المودة تاج المفاخر والفخار، فهو بدر سماء المحبة اللامع، وفريدة عقد المودة التي شعاعها ساطع، مُطلع الأبيات الشعرية ومرجع النكات الألمعية ومنبع اللطائف الأدبية والحائز فصاحة اللسانين بلا ريب المخصوص بأعلا رتب البلاغة ممن عنده مفاتيح الغيبى حبيبنا الأول، وأخينا الأجمل، وعلامة وقتنا الأفضل، أبي عبد الله سيدي محمد السنوني لا زالت المفاخر حائمة حول حماه الكريم، محفوفاً بحفظ يس والقرآن الحكيم، أزكى السلام، وأنمى التحية والإكرام، فقد ورد علينا ما شفى القلوب من وبالهأن وهدى الروح بمركزها بعد ضلالهأن كتابك الزكي بهواؤه، اللامع سناؤه، فتشرف منه العبد ببديع نظامه، وقبل الأرض تكريماً إذ كان وسمك الشريف مركز ختامه، تالله لقد علمت به علم يقين، لا علم تخمين، ما فعل القميص بيوسف إذ جاءه البشير فالحمد لله حمداً يوافي سلاماتكم والشكر له شكراً نتأهل به للفضل بنعمة ملاقاتكم إذ هي غاية المرام، ولو حصل لنا لكنا في غاية الإنعام، وما ذكرت لنا في الجواب فهمناه، فأما إلخ. ثم قال: هذا ولما عجزت عن مقابلة ما أتاني من الجواب، وقعدت عن الإتيان بمثل تلك الحباب، استعنت على ذلك الشان، بأعز الإخوان، وتحفه نجباء الزمان، أخينا فلان، ونطلب من فضلك، لا تزيد شوقاً بالبعاد، فإن اليوم عندنا بمنزلة يوم التناد والسلام من عبدكم محمد ةالطاهر بن عاشور.

стр. 320

وأجابه الجد عن ذلك بمكتوب كتبَ في طالعته قوله: [الكامل] لعلا مقامك وانتعاش حياتي ... فرح تراكم من جميع جهاتي فسعدت حين انلتني ببطاقة ... محفوفة بلطائف الزهرات وظللت من فرحي بها لم أدرِ هل ... ريح السرور أم اكتساب حياثني فوضعتها لصقَ الجفونِ ليشتفي ... ألمُ البعاد وتنجلي حسراتي قبلتها سبعاً وطفت بكعبها ... وجعلتها لي النثر بالميقات وأخذت من حصباء درّ رياضها ... ما قدْ رميت بموقع الجمرات يا أيها العلم الذي في طيه ... نشر العلوم ومدفع الأزمات قل للمتيم بعد تقبيل الثرى ... بتواضع وتمرغ الوجنات ما كان إذ أعرضتُ عنك لحادث ... يصبي الفؤاد وينجلي بثبات كلاى وإني فيه صب مغرمٌ ... متشخِّصٌ لصفاته البهيات ولكم بذكر علاه ما هب الصبا ... في الأفق والغدوات والعيشات ذاك الذي أعلى يراعي برهة ... ما صح منه لساقط العثرات وعليكمُ منّي سلام طيب ... يغشاكم بلطائف النسمات وكان موثقأن ألمعيأن نحريراً أديبأن فاضلأن عالي الهمة، حسن المحاضرة، وجيهأن مع سعة ذات يده، أحدث عدة بناءات بتونس كلها حول العزافين قرب سوق النحاس، ومنها حومة السنوسي هنالك فإنها سميت باسمه. وسافر مع أمير الأمراء فرحات قائد الجبيرة، وبه مبادي مرض فاشتد به فرجع واقام على فراش مرضه بمرض الاستسقاء، وتوفي قرب زوال يوم الجمعة خامس صفر الخير سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين ومائتين وألف، عليه رحمة الله. وأما والدي فقد ولد سنة تسع وثلاثين أو سنة أربعين ومائتين وألف، ونشأ بين يدي جده، وحفظ القرآن العظيم وألفية ابن مالك، وقرأ العلم أولاً على جده ليلاً فقرأ عليه بعض كتب المبادي مثل الأجرومية والقطر، ثم قرأ بجامع الزيتونة على الشيخ أحمد عاشور والشيخ محمد النيفر والشيخ محمد بن ملوكة والشيخ علي العفيف وغيرهم. وتقدم للإشهاد في التاسع من ربيع الاول سنة ١٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين وألف، فاشتغل بالتوثيق، وعاقه عائقُهُ عن خدمة العلم على الوجه الأكمل، الإ أن اشتغاله بالتوثيق حصل به على ملكة في النوازل الفقهية، سيما وقد وُلِع بحفظ نظم جده حتى كان عارفاً بجميع مسائله. ثم اشتغل بالتجارة وتوسَع فيها وحج بيت الله الحرام عام ١٢٦٩ تسعة وستين ومائتين وألف، وترافق لذلك مع العَالِمَيْن الشيخ الحاج عبد الله الدراجي والشيخ الحاج صالح النيفر، ورجع إلى تجارته. ثم لاَزَمَ الإشهاد بعد وفاة والده، وشهد على أوقاف المنعمة عزيزة عثمانة، وسافر للساحل في بيع غلة الوقف أواخر سنة ست وثمانين ومائتين وألف. وعند إيابه هنأني العالم الماجد النحرير الشيخ سيدي محمد ابن الخوجة بقوله: [الكامل] طربت يراعي للقدوم فبادَرَتْ ... تأتي بكل غريبة الإنشاءِ علماً بِأَنْك أميرُ كل يراعة ... فلذا تُوالي خدمة بوفاءِ هذا اليراع يهزُ عطف مسرة ... وهو الجماد فكيف بالأحياء لاسيما القُرَبَا وأهل مودة ... فقد ارتَوَوْا من عذب راح هناء فهمُ سكارى راح بشر عتقت ... يتمايلون مميل ذي الِإغفاء ولديهمُ يوم اللقاء كأنَه ... عيدٌ بَلى أسنى بدون مِراء لا زال ماءُ البشر دوماً وِرْدَهُم ... يتمتعون به بلا أقذاء وشهاب افق العلم فيهم نيرٌ ... لايعرف التنكيس في الإخفاء ذاك الحبيب الماجد الفذ الذي ... سبق الفحول على زمان فتاء حيث البلاغة كلّها مجموعةٌ ... في شعره السّامي على الزهراء خذها أبا عبد الإله ذميمة ... خرجت على كره من استحياء خجلَتْ وحُقّ لهل لأجل شهودها ... بدرَ السماء بمهجة شوهاء لكنها قدمت لأنك سيد ... ذو شيمة تقضي على العوراء من معشرٍ سَادُوا على كل الورى ... بديانة وفضائلٍ وعلاء لا زال طير الحمد يبدي ذكرهم ... عند الملا في دوحة العلياء
следующие страницы →