← Тараджим

Тараджим · id 5440

مسامرات الظريف بحسن التعريف

محمد السنوسي

Полный текст (488 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الخاتمة في التعريف بالآباء الكرام، والشيوخ والأعلام وما ألحق بذلك في هذا المقام . أعلم أنّ حفظ النسب من الأصول التي اجمع عليها المليون وفي الأثر عن ابن الخطاب ﵁ تعلموا النسب ما تصلون به أرحامكم. ويؤثر عنه تعلّموا أنسابكم ولا تكونوا كالقبط ينسبون إلى القرى وهذا الأمر الآن ليس خاصاً بالقبط، بل إنّ غالب الأنساب قد أتلفتها البلدان فترى الواحد ينتسب إلى بلاده حبّاً فيها وبتطاول السنين يتناسى آباءه فيضيع نسبه بهذا الوجه، ولذلك قال العراقي في ألفيته: [الرجز] وضاعت الأنساب في البلدان ... بنسب الأكثر للأوطان ولمّا كانت العرب شعوباً وقبائل تراهم إنّما ينتسبون لآباء قبائلهم وأجداد عشيرتهم وبذلك حفظوا أنسابهم وكان النسابون بينهم كثيرين ثم إنّ البلدان ضاعت الأنساب وعادت النسب الأصلية إلى التراب وكانّ الجميع أخذ بقول الشاعر: [الطويل] إذا كان أصلي من تراب فكلّها ... بلادي وكلّ العالمين أقاربي أما التفاخر بالنسب والتذمم بالألقاب فقد جاءت شريعة الإسلام بالنهي عن ارتكابه سيّما والنسب في نفسه لا يعتمد على فخره إلاّ ضعيف عاجز عن اكتساب فضل لنفسه، فيعود إلى العظام الرفاة، فيحتسب الفخر بذلك ومثل ذلك ليس من الحزم قال الشاعر: [الطويل] لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما بدا من حاله لا ابن أمسه وما الفخر بالعظم الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه على أن كرم النسب في نفسه فضيلة لا تنكر إنّما الاعتماد عليها ليس من الحزم في شيء، ولا شكّ أن الحسب معه أكمل منه بدونه ولذلك كان الحزم والفضل في اكتساب المفاخر والمفاضل التي يسود بها الشخص من نفسه سواء كرم نسبه أو لأن فإن كان ذلك مع كرم النسب فإن ذلك اكمل له ولفضله، سيّما إن كان النسب لأكمل خلق الله ﷺ الذي وقع الإجماع على أفضليته ولذلك قال اليوسي: إن إلقاء النسب جور والاقتصار عليه عجز والصواب ما قاله عامر بن الطفيل: [الطويل] فإني وإن كنت ابن سيّد عامرٍ ... وفي السرذ منها والصريح المهذّب فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أبِ ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبِ والحاصل أن النسب فضيلة ومن العجز الاقتصار عليه ومع ذلك فحفظه واجب على كل حال، فلإن يكن الإنسان ثابت النسب في قوم كيف ما كانوا خيراً له من أن يكون داعياً في أعالي النسب، فما بالك به إذا كان ثابت النسب العالي لإغن ذلك لا ينبغي إهمال اعتباره. وبهذه الأسباب رأيت أن أجمع ما أمكنني الوصول إليه في التعريف ببيوت آبائي وأمهاتي مما نجمع به شمل الرحم الذي أوجب الله علينا صلته. وهو مقصد ألّف فيه كثير من الفضلاء منهم لسان الدين بن الخطيب ألّف كتاباً أسماه "المفاخر الطيبة في المفاخر الخطيبية"، وقد الّف شيخ الإسلام اليبرمي الثاني رسالة في النسب البيرمي على أنني لم نقتصر هنا على ذكر ى بائي خاصة بل أتبعت ذلك بالتعريف ببقية آباء روحي من أساتيذي ﵃، ثم ذكرت نتيجة جميع ذلك بضبط ما أخذته من العلم على ضعفي وقصوري، ولذلك كانت هذه الخاتمة منقسمة إلى ثلاثة أقسام: المبدأ والمقصد والنتيجة. وها أنا أشرع في المبدأ المذكور متبرئاً من قصد المفاخر والميل إلى التباهي، والله المسؤول أن يعصم أقلامنا ويبت أقدامنا. المبدأ قد خصنا هذا المبدأ بذكر بيت آبائي وبيوت أمهاتي، إلى حيث أمكنني الوصول إليه من أصول نسبي الذي أوجب الله عليّ الاحتفاظ به وصلته، ولذلك نذكرهم هنا بيوتاً وانساباً وأرجو الله أن يحسن إليه مئاباً. السنوسيون

стр. 317

والدي قاضي جبل المنار الشيخ أبو النور عثمان بن الكاتب الشيخ محمد المهدي ابن قاضي الحضرة الشيخ محمد السنوسي المتقدم الذكر ابن مفتي بلد الكاف الشيخ عثمان بن الحاج محمد بن احمد عرف بن مهنية من حفدة ولي الله الشريف سيدي عساكر بن ضيف الله بن محمد بن منصور القصوري صاحب الشجرة الشهيرة في الشرف، المعروفة عند من سلف وخلف، وسبق في ذكر المولى الجد سرد سلسلتها المباركة، وهنا نتيّمن بذكر ترجمة سيدي عساكر أداء لحق أبوته ﵁. أما اتصال نسبه بالحسن بن علي بن ابي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ فإنه امر مفروغ منه، وقد أخبرني والدي أن شجرة الشرف كانت بدارنأن وعند البحث تبيّن أن جميع سكان القلعة التي بها مقام الشيخ يتناقلون خبر شرفه ﵁، ويقولون إن اصله من المغرب الأقصى، وإن الشيخ سيدي عساكر والشيخ سيدي عبد الجواد والشيخ سيدي عبد الله بوكريشة الأولياء الثلاثة المدفونين بالقلعة المذكورة هم في النسب من بيت واحد. وبالبحث عن رسوم شرف أحد هؤلاء الثلاثة وقفت على شجرة تامة تتضمن أنّ الشيخين المذكورين من ذرية الشيخ سيدي منصور القصوري دفين سقبنارية قرب الكاف وذلك أنّ الشيخ له ولدان أحدهما سيدي محمد بفتح أوله وهو والد الشيخ سيدي عبد الله بوكريشة وأخيه سيدي مرزوق وهو جد سيدي عبد الجواد بن محمد بن مرزوق وأخيهما سيدي ضيف الله والد سيدي عساكر، فهو عساكر بن ضيف الله بن محمد بن منصور ﵃، وجدهم سيدي منصور المذكور من أولاد بوعنان من بني مطهر وهو منصور بن إبراهيم بن محمد بن عامر بن موسى بن عبد الله بن عثمان بن بخت بن عياد بن ثابت بن منصور بن عامر بن موسى بن مسعود بن علي بن عبد المجيد بن عمران بن محمد بن داود بن علي بن عبد الله بن ادريس الأصغر بن ادريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فهو شريف ثابت النسب. قدم من المغرب إلى تونس فصادف يوم وفاة الشيخ سيدي أحمد بن عروس صبيحة يوم السبت ثامن صفر الخير سنة ٨٦٨ ثمان وستين وثمانمائة فوجد وصاية له من الشيخ يأمره فيها بالتوجه إلى الكاف للشيخ سيدي ابن حرز الله، فخرج إلى الكاف ثم إنّ الشيخ سيدي ابن حرز الله أمره بالخروج حول البلد فأقام هنالك إلى أن توفي ودفن هنالك بزاويته المشهورة ودفن بعده ولده محمد هناك، ثم تنقلت أبناء سيدي محمد المذكور إلى القلعة وبها ضريح سيدي عبد الله بوكريشة بن محمد بن منصور وسيدي عبد الجواد بن محمد بن مرزوق بن محمد بن منصور وأما الشيخ سيدي عساكر فقد خرج إلى خارج القلعة وكان صعب المراس، ولما توفي دفن بزاويته الكائنة خارج قلعة سنان، وهو من الأولياء المشهورين المنادى بهم في كل ملمة، وقد توسل بهم الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر في بعض شطحاته حيث يقول: وعساكر والحلاجي، والحارثي وهنية. ويقال له: سيدي عساكر بوعبانة، وذلك أنه بعد وفاته كثيراً ما يظهر حول زاويته ملتحفاً بعبانة سوداء وكراماته كثيرة محفوظة منها أنه خرج في بعض الأيام فأتى إلى زوجته السيدة خديجة سبعة رجال راكبين على أفراسهم وراموها بالسوء فحضر الشيخ في الحين فركبوا أفراسهم فأدركهم الشيخ، وأمسك الأعنّة السبعة قال على بركة الله فوقع الجميع في الأرض، والأسد يحضر إلى زاويته ولا يؤذي أحداً قيل إن أهل الزاوية كانوا مهما ذبحوا ذبيحة إلا تركوا الرأس والسقط للأسد فيحضر لأكلهأن وتراب الزاوية إلى هذا الوقت معدن للبركة فما وضع في طعام إلا بورك فيه، وسبب ذلك أن إحدى بنات الشيخ قدم عليها أضياف وقلّ عندها الطعام فأضافت شيئاً من تراب الزاوية فكفى ببركة الشيخ فاعتادوا ذلك، ولم يزل أمراً مجرباً إلى هذا الوقت يحضر لمناديه في بعض الأحيان بشخصه، تعرض قطاع الطريق لرجل هناك فقال عند ربي وعندك يا سيدي عساكر فحضر من حينه وافتكه من قطاع الطريق فرجعوا فراراً فطلبه الرجل فلم يجده ﵁. وقد سبق ذكر التعريف بحفدة هذا الولي إلى المولى الجد في القضاة المالكية قدس الله أرواحهم وإنما نذكر هنا من بعده من أصولي الذين كان الغرض هو حفظ نسبهم فنقول: إنّ الجد المذكور قدس الله روحه كان له ثلاثة ابناء وهم الشيخ محمد المهدي والشيخ إبراهيم والشيخ محمد سميّ والده.

стр. 318

فأما أصغرهم وهو الشيخ محمد فقد ولد سنة ٤٥ خمس وأربعون ونشأ بينيدي والده وتعاطى بعد العلم، وتقدم للإشهاد ثم ظهر له شغف بالصلاة على رسول الله ﷺ واعتكف على دلائل الخيرات ولازم الصالح الشريف الشيخ علي محسن في مبدأ أمره مدّة طويلة، إلى أن اتفق له في بعض الأيام أن كان يقرأ دلائل الخيرات في بيته على عادته فيخرج من فيه نور اتصل عموده بسقف البيت فرأى أن ذلك من آثار الصلاة على النبي ﵊ ثم لازم أستاذه إلى أن ظهرت عليه حال وكرامات في خلوته مع القيام بظائفه الشرعية، وهو اليوم ممن سلم الناس من يده ولسانه مرابط في بيته لا يتجاوز بخروجه قرب الدار، وعليه سيما أهل الأسرار. وأمّا أخوه الشيخ إبراهيم فسياتي له ذكر وأمّا الشيخ محمد المهدي فهو جدي الأقرب وقد ولد سنة ١٢١٦ ست عشرة ومائتين والف وقد أرّخ ولادته عمه أحمد زروق بقوله: [مجزوء الرجز] بشرى بمولود ورد ... والدهر منه قد سعدْ أتى الهنا يمناً وقد ... صدّ العناعنا وردّ أورد في إقباله ... كلّ سرور إذ ورد أقبل كالغيث على ... محلٍ به الغيظ اتقّد جاد به الدهر رضى ... من بعد ما لجّ ولدّ فقلت في تاريخه ... تمّ السرور لولد وارخه أيضاً بتاريخ ثانٍ وهو قوله: [الكامل] ولد ابننا الأسمى النجيب محمدٌ ... نجل العلا والفخر والتفخيمِ في يوم تسع بعد عشرٍ هنّ من ... رمضانَ شهر الله ذي التعظيم من عام ست بعد عشر قبلها ... مائتان بعد الألف في التتميمِ ووالدته خديجة بنت قويدر ابن الحاج أحمد بن سليمان اللبّدي حفيد الولي المعروف بالعديسي بن عبيدة قرب الكاف، فوالدة جدي من بيت فضل وصلاح. ونشأ بين يدي والده وعمه فحفظ القرآن العظيم وحفظ المختصر الخليجي، وقرأ العلم الشريف على والده وعمّه والشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ محمد البحري وغيرهم، وتفقه وقدمه الأمير محمود باشا لخطة العدالة غرّة شعبان سنة ١٢٣٢ اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، فاشتغل بالتوثيق. ولمّا أقام والده ببنزت قدّمه الأمير المذكور إماماً بجامع السويقة من البلد المذكور أواخر جمادى الثانية سنة ١٢٣٤ ارب وثلاثين. ولمّا رجع إلى تونس جلس للتوثيق حتى صار من عمد الموثقين وسافر مع عمّه شاهداص لقاضي المحلّلة. وتقّدم بعد والده لخطة الكتابة والوكالة على بعض الأوقاف. وله في الأدب آثار من رقيق الشعر سافر لبلد الكاف مع عاملها أمير الأمراء فرحات قائد الجبيرة فكاتبه صديقه الشيخ الطاهر بن عاشور بما نصّه: [الطويل] لقد كنت لا أرضى بطيب وصالِ ... فها أنا راضٍ منكمُ بخيالِ أيا سادة شطّتْ منازل قربهم ... وبانوا فبانَ الصبرُ بعد كمالِ هجرتم بلا عذر نأيتم بلا رضى ... ضننتم ولو بالكتب والإرسالِ وإنّي مع بعد الديّار متيّمٌ ... على الودّ لم يأت السلوّ ببالي أناشد عنكم كلّما لاح بارق ... من الحيّ أو هبّت رياح شمال أناجي اصفرار الشمس عند غروبها ... أوّد لو أني لأنفاسها تالي ولمّا نات داري وعزت مطالبي ... تخذتُ كتابي معلّماً بسؤالي فيا كتب يهنيك السرور بقربه ... بعيشك بلغ لوعتي وملالي تأدب إذا ما جئت حضرة عزة ... فذاك مقام بالمفاخر عالِ مقام من تمكن من سماء السعود بالفلك السمى، وحلّ من المفاخر بالحضرة الباهية السمّأن وحاز قصب السبق في ميدان الأدب والبلاغة، ونظم جواهر الألمعية في سلك المودة وصاغه، العلامّة النحرير، الفهامة الشهير المالك القلوب بخلاصة خلته الضارب في مرضاة الأخوة ما في صداقته ومحبته: [الطويل] ففي كل قلب حبه متمكنٌ ... وفي كل نادٍ ذكره فائحُ النشرِ من اشتهرت محاسنه اشتهار الشمس دون غمام، وطلعت على الأفق مزاياه طلوع البدر التمام، حتى أشغلني مدحه عن ذكر اسمه، وأكتفى بالتلويح عن التصريح بوسمه: [البسيط] لسنا نسميك إجلالاً وتكرمة ... وقدرك المعتلي عن ذاك يكفينا

стр. 319

أما بعد سيدي فلولا أن السلام تحية الإسلام، لكان مسبوقاً بتقبيل الأيدي ولثم ترب الأقدام، فأنشىْ سلاماً أرقّ من النسيم وألذ من مناولة النعيم، يجول حول ذلك الحمى الدائم عزه واحترامه، ويبث اشتياق صبٍّ نكدت بالبعاد لياليه وأيامه، ويليه تقبيل تلك الراحة الشريفة، ولثم الترب من تلك الحضرة المنيفة. أما السؤال عن جميع الأحوال، فهو غاية المطلوب وقصد الآمال، لا أخلف الله فيها عوائده الحسان لا زالت جارية على وفق المراد بجاه خلاصة ولد عدنان. فأما حال مضناكم المتيم بالهجر والبعاد، فلا يخفاك ما فعل به الشوق والنكاد: [الطويل] فما حالُ عين غاب عنها ضياؤها ... وما حال قلب بعدما فارق الصدرا أسأل مآل ذوي الدعوات أن يعجل بالملاقاة في أحسن الأوقات، بجاه النبي والآل والصحب والزوجات، ويبلغك السلام الأتم من جميع الأحبّة خصوصاً من الشيخ أخي سيدي محمد، والأخ الودود سيدي الحاج الطيب أبي نمرة، ودمتم في العز والأمان، والسلام من خديم جنابكم الرفيع عبيدكم محمد الطاهر بن عاشور لطف الله بالجميع. وأجابه عن ذلك الجد بمكتوب قال في طالعته: [الطويل] من الشرق لاحت درة ولآلي ... تقبلها كل الورى بجمالِ فأصبح من بالغرب في حلل البها ... يتيه بفخرٍ شامخٍ وجمالِ وعزت على لثم الشفاه بفضلها ... فآمالنا ترنوا بغير ملال سمت في العلا فخراً على كل فاضل ... شذاها ومسراها معا بمجال أشارت بأن الصب أضحى متيماً ... يروم وصالاً فانثنى بمطال فقد حان في أضعاف ما نال صبركم ... من الشوق وانزاح السلو ببالي ولم يُبقِ مني السقم غيرَ حشاشة ... يروح بشبح مضنيٍ ومقال وقالت مراسيل التوحش زمرة ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي عسى من قضى بالبعد يجمع شملنا ... ويبدلُ هجرانا بطيب وصال وراجعه الشيخ الطاهر بن عاشور مكاتباً بما نصه: [الكامل] رجعتْ لسكنى القلب روح حياتي ... مذ حلّ كتبك في فناء جهات وارتاح مضنى طال ما سه الدجى ... من فرْط شوق موقد الجمرات فنشرته من بعد لثم ختامه ... وتمرغِ الخدين والوجنات ورأيت من علياه عِقدَ جواهرٍ ... لم تحوهِ الأبحار في الصدَّفات فنظامهُ مثل انتظام لآليْ ... والنثر مثل تناثر الزهرات كا لنَدِّ بلْ كالمسك ما قد فاح من ... أرجاء تلك الأسطر البهياتِ يا مهدياً نحوي رسائل ودّهِ ... أفرطت في الاحسان والصدقات وإليك روحي مع رسالة فكرتي ... خذها مع التشريف والتحيات من محب سقاه الهوى كاسات الهوى والهجران، وأنحى على الإقامة بساحة فؤاده ركاب الشوق والأحزان، فغدا بين الورى في حيرة وهيام، وما حال من استبدل طيبَ الكلام ببلاغات الكلام، إلى من كسته المحبة جلابيت العز والكرامة وألبسته المودة تاج المفاخر والفخار، فهو بدر سماء المحبة اللامع، وفريدة عقد المودة التي شعاعها ساطع، مُطلع الأبيات الشعرية ومرجع النكات الألمعية ومنبع اللطائف الأدبية والحائز فصاحة اللسانين بلا ريب المخصوص بأعلا رتب البلاغة ممن عنده مفاتيح الغيبى حبيبنا الأول، وأخينا الأجمل، وعلامة وقتنا الأفضل، أبي عبد الله سيدي محمد السنوني لا زالت المفاخر حائمة حول حماه الكريم، محفوفاً بحفظ يس والقرآن الحكيم، أزكى السلام، وأنمى التحية والإكرام، فقد ورد علينا ما شفى القلوب من وبالهأن وهدى الروح بمركزها بعد ضلالهأن كتابك الزكي بهواؤه، اللامع سناؤه، فتشرف منه العبد ببديع نظامه، وقبل الأرض تكريماً إذ كان وسمك الشريف مركز ختامه، تالله لقد علمت به علم يقين، لا علم تخمين، ما فعل القميص بيوسف إذ جاءه البشير فالحمد لله حمداً يوافي سلاماتكم والشكر له شكراً نتأهل به للفضل بنعمة ملاقاتكم إذ هي غاية المرام، ولو حصل لنا لكنا في غاية الإنعام، وما ذكرت لنا في الجواب فهمناه، فأما إلخ. ثم قال: هذا ولما عجزت عن مقابلة ما أتاني من الجواب، وقعدت عن الإتيان بمثل تلك الحباب، استعنت على ذلك الشان، بأعز الإخوان، وتحفه نجباء الزمان، أخينا فلان، ونطلب من فضلك، لا تزيد شوقاً بالبعاد، فإن اليوم عندنا بمنزلة يوم التناد والسلام من عبدكم محمد ةالطاهر بن عاشور.

стр. 320

وأجابه الجد عن ذلك بمكتوب كتبَ في طالعته قوله: [الكامل] لعلا مقامك وانتعاش حياتي ... فرح تراكم من جميع جهاتي فسعدت حين انلتني ببطاقة ... محفوفة بلطائف الزهرات وظللت من فرحي بها لم أدرِ هل ... ريح السرور أم اكتساب حياثني فوضعتها لصقَ الجفونِ ليشتفي ... ألمُ البعاد وتنجلي حسراتي قبلتها سبعاً وطفت بكعبها ... وجعلتها لي النثر بالميقات وأخذت من حصباء درّ رياضها ... ما قدْ رميت بموقع الجمرات يا أيها العلم الذي في طيه ... نشر العلوم ومدفع الأزمات قل للمتيم بعد تقبيل الثرى ... بتواضع وتمرغ الوجنات ما كان إذ أعرضتُ عنك لحادث ... يصبي الفؤاد وينجلي بثبات كلاى وإني فيه صب مغرمٌ ... متشخِّصٌ لصفاته البهيات ولكم بذكر علاه ما هب الصبا ... في الأفق والغدوات والعيشات ذاك الذي أعلى يراعي برهة ... ما صح منه لساقط العثرات وعليكمُ منّي سلام طيب ... يغشاكم بلطائف النسمات وكان موثقأن ألمعيأن نحريراً أديبأن فاضلأن عالي الهمة، حسن المحاضرة، وجيهأن مع سعة ذات يده، أحدث عدة بناءات بتونس كلها حول العزافين قرب سوق النحاس، ومنها حومة السنوسي هنالك فإنها سميت باسمه. وسافر مع أمير الأمراء فرحات قائد الجبيرة، وبه مبادي مرض فاشتد به فرجع واقام على فراش مرضه بمرض الاستسقاء، وتوفي قرب زوال يوم الجمعة خامس صفر الخير سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين ومائتين وألف، عليه رحمة الله. وأما والدي فقد ولد سنة تسع وثلاثين أو سنة أربعين ومائتين وألف، ونشأ بين يدي جده، وحفظ القرآن العظيم وألفية ابن مالك، وقرأ العلم أولاً على جده ليلاً فقرأ عليه بعض كتب المبادي مثل الأجرومية والقطر، ثم قرأ بجامع الزيتونة على الشيخ أحمد عاشور والشيخ محمد النيفر والشيخ محمد بن ملوكة والشيخ علي العفيف وغيرهم. وتقدم للإشهاد في التاسع من ربيع الاول سنة ١٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين وألف، فاشتغل بالتوثيق، وعاقه عائقُهُ عن خدمة العلم على الوجه الأكمل، الإ أن اشتغاله بالتوثيق حصل به على ملكة في النوازل الفقهية، سيما وقد وُلِع بحفظ نظم جده حتى كان عارفاً بجميع مسائله. ثم اشتغل بالتجارة وتوسَع فيها وحج بيت الله الحرام عام ١٢٦٩ تسعة وستين ومائتين وألف، وترافق لذلك مع العَالِمَيْن الشيخ الحاج عبد الله الدراجي والشيخ الحاج صالح النيفر، ورجع إلى تجارته. ثم لاَزَمَ الإشهاد بعد وفاة والده، وشهد على أوقاف المنعمة عزيزة عثمانة، وسافر للساحل في بيع غلة الوقف أواخر سنة ست وثمانين ومائتين وألف. وعند إيابه هنأني العالم الماجد النحرير الشيخ سيدي محمد ابن الخوجة بقوله: [الكامل] طربت يراعي للقدوم فبادَرَتْ ... تأتي بكل غريبة الإنشاءِ علماً بِأَنْك أميرُ كل يراعة ... فلذا تُوالي خدمة بوفاءِ هذا اليراع يهزُ عطف مسرة ... وهو الجماد فكيف بالأحياء لاسيما القُرَبَا وأهل مودة ... فقد ارتَوَوْا من عذب راح هناء فهمُ سكارى راح بشر عتقت ... يتمايلون مميل ذي الِإغفاء ولديهمُ يوم اللقاء كأنَه ... عيدٌ بَلى أسنى بدون مِراء لا زال ماءُ البشر دوماً وِرْدَهُم ... يتمتعون به بلا أقذاء وشهاب افق العلم فيهم نيرٌ ... لايعرف التنكيس في الإخفاء ذاك الحبيب الماجد الفذ الذي ... سبق الفحول على زمان فتاء حيث البلاغة كلّها مجموعةٌ ... في شعره السّامي على الزهراء خذها أبا عبد الإله ذميمة ... خرجت على كره من استحياء خجلَتْ وحُقّ لهل لأجل شهودها ... بدرَ السماء بمهجة شوهاء لكنها قدمت لأنك سيد ... ذو شيمة تقضي على العوراء من معشرٍ سَادُوا على كل الورى ... بديانة وفضائلٍ وعلاء لا زال طير الحمد يبدي ذكرهم ... عند الملا في دوحة العلياء

стр. 321

ولازم الإشهاد بعد ذلك، ولما توفي الشيخ علي بن محمد الطويبي قاضي جبل المنار عشية يوم الاثنين قدّم المشير الثالث محمد الصادق باشا باي والدِي المذكور قاضياً بجبل المنار وإماماً وخطيباً بجامع سيدي أبي سعيد الباجي صبيحة يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٢٩٩ تسع وتسعين ومائتين وألف، وقدّمه شاهداً على عموم أوقاف تلك الجهة، وقدنقش في ختمه بيتاً وهو: [الوافر] لطيفاً في القَضَا باري النُّفوسِ ... بعونك جُدْ لعثمانَ السنوسي وهو خامس من ولي خطة القضاء بالجبل المذكور وذلك أن أول قضاتِه هو الشريف الشيخ عثمان دمدم وليها بسعاية محمد خوجة كاهية حلق الوادي، وهوالذي أقام ته بجامع المكان منبراً. وبعد وفاة الشيخ عثمان ولي عوضه خطتي القضاء والإمامة الشريف الشيخ علي بن محمد التميمي، وبعد وفاته وليها ولده الشيخ محمد التميمي، ثم استقال، فخلفه صهره الشيخ علي الطويبي سنة ١٢٧٨ ثمان وسبعين ومائتين وألف، والآن صارت إلى والدنا المذكور بسأل الله لنا وله الإعانة على ما يرضيه. وعند ولايته الخطة المذكورة كتب إليّ الأديب البارع الثقة الشيخ الحاج محمد سيالة مهنياً بما نصه: [الكامل] الفرع مهما طاب أصلاً لم يزل ... يسعى ليحرز ما به الأصل اكتمل فتراه ذا حزم وعزم ما نَبا ... حَدَّاهما لو كلفا صعب العمل وبذا يسود وَلاَ يزال إذا ارتقى ... للرتبة العليا لأعلى ينتقل إذ ذاك يحظى سلكهم بفريدة ... يزداد إشراقاً بها عند الأوَل فيزان جيد زمانه بفضائل ال ... حَبْرِ الأجَل ابن الأجل ابن الأجل وبذاك يصبح ثم يمسي داعياً ... لكمالهم بتسلسل لا ينفصل الفاضل الذي جمع أشتات الفضائل والفواضل، والكامل الذي لا يدرك شأوه مناضل، خلاصة الألبأن والطلع من كنوز المعارف على المخبأ من استعبد حر الكلام بسن اليراع، وشرع حد ذكائه على جيش الفصاحة والبلاغة فأطاع، فاقتحم كل شِعب من شعوب الآداب، واقتفى أثر كل شاردة وضالة من كل فدفد، فأصبح وهو المالك لأزمّة البراعة، وضرب له بالسهم الأكبر من الغنيمة التي هي أشرف بضاعة، كيف لا وهو الذي جد فوجد، وزرع فحصد، وصال فذلّل الحرون الشَّموس، وقال فصيّر سُهَا المسائل كالشُّموس، أعني الأخ الذي طالما تنزهت في رياض آدابه، وعانقت خرائد المعاني بين سطور كتابه، واتخذت من بنات أفكاره أنسي، ولأت من سلسبيل رضا بها كؤوسي، سيدي وأخي الشيخ محمد السنوسي، لا زال بدر سعادته دائم الكمال، محفوظاً بعين عناية ذي الجلال. أما بعد إهداء ما يليق بمقامكم الأسنى، من التحية الحسنى، فإني قد بشرت بما شنف آذاني وأفعم بالسرور جَناني، من أن الهمام الفاضل واسطة الأمجاد الأفاضل، من شرفت أقدامه قلل المعاني بالفرع، وقلد الدهر بدرر مفاخر أصله والفرع، الجامع بين تليد المجد والطريف ذا الحسب الباذخ والنسب الشريف، فرع الفضلاء الأعلام ووالد نخبة الكرام، المعني بالكلام، والدنا الشيخ سيدي عثمان السنوسي قد شرف ركابه منصب القضاء بجبل المنار، وبشرت بما سينهلّ به سحابه من العدل هاتيك الديار، حملتني كثرة السرور التي تعلمها من غير ذلك ما أبديتها من سكنى الدّر بانيها وإعطاء القوس باريها بعد أن هنات نفسي بنفسي على أن أقدم لكم التهنئة قبل أن تقدمها إليّ وإن كان هذا الفرض قد وجب عليكم قبل أن يجب عليّ، حيث إن حبل المودّة بيننا متين، وصدق المحبة جعلنا توأمين بلامين, مع أنك فزت بقرب الدار من الملاذ المشار إليه، ولكن استواء الحب حكم بسقوط التكليف على ذويه، وحينئذ فهنئتك أيّها الأخ بالرتبة السنية التي أمت رحابكم، وانتهى بها التفتيش على كفء لها إلى أن طرقت بابكم فوجدت من هنئت بقبوله لها وتشبثت بأذيال من يكسوها حلل الفخر والبها فجعلها الله مقرونة باليمين والإقبال، مبشرة بنيل الآمال فاتحة لإدراك ما حازته الأوائل من الرتب السنية والشرف الكامل ورزق من لاذت به الإعانة على الدوام حتى يتوج القضايا بالنقض والإبرام ويبلغ بحسن السيرة وصفاء السريرة المرام. ويشاهد كما شاهد حسن المبدأ حسن الختام, والسلام من ودودكم وحافظ عهودكم الحاج محمد سياله لطف الله بالجميع في ربيع الثاني ١٢٩٩ تسع وتسعين ومائتين وألف.

стр. 322

وبموجب ولايته خطة الإمامة والخطبة بعثني على إنشاء خطب مستجدة للأسابيع وقد جمعها ديواناً وقد سبق أنّه هو الذي اعتنى بجمع مآثر جده العلمية، جزاه الله خيراً. وقد سافر إلى بلد الكاف وبحث عن أصول شرفنا وأقام شهادة في ذلك، ضمّها إلى وفيات قديمة عندنا وجدّد بذلك شجرة أثبت فيها شرفه فكتب فيها نقيب السادة الأشراف بالحاضرة كتابة بديعة هذا الحمد لله الذي أظهر الطلعة الأحمدية نيراص أعظماً وأمدّ من نوره بمزيد عنايته به بدوراً وأنجمأن فاشرقت به ىفاق الجهل الحوالك واتضحت به الطرق والمسالك وجعله مرشداً للنجاة محذراً من المهالك وفتح به للنجاح والعلاج قلوباً وأبصارأن وجعل له من قرابته وعشيرته حماة لدينه وأنصارأن وأبرزه للخلق رحمة وشفأن وخصّه وأهل بيته الشرفا بالسؤدد مع الصدق في القول والوفا وأجزل عطيتهم وتكريمهم وأوجب على الخليقة توقيرهم وتعظيمهم على لسان نبيه المرتضى ورسوله المجتبي بقوله (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا الموّدة في القربى) والصلاة والسلام على سيدنا محمد تاج مفرق المعالم وسيّد ولد آدم، وعلى آله وصحبه وكل من اهتدى بذلك المنار وانتسب لذلك الجناب.

стр. 323

أمّا بعد فإن من تعلّق بالنبي ﵊ واتصّل بحبله سببه، وحرّي أن يحرز القصبات ويركب سفينة النجاة ولو كان من أولاد البنات على ما يرشد بارئ البرية وواجب العطيّة بقوله: "ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذريّة" واسم الذريّة يتناول أولاً البنات كما نقل عن الحنفية والمالكية في باب الوقف والوصية وآل بيته ﵊ هم علي وفاطمة وأبناؤهما رضوان الله عليهم، كما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت خرج النبي ﵊ ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمة فأدخلهأن ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: "يوجد آية"، وللترمذي وقال حسن صحيح عن أم سلمة أنّ النبي ﵊ جللّ على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء، وقال اللهم إنّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً قالت أم سلمة وأنا معهم يا رسول الله قال: إنّك على خير، وفي رواية فجئت لأدخل معهم قال فكأنّك وأنت على خير أنت من أزواج النبي. وفي قوله إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت الآية دليل على اعتنائه تعالى بهم وإشارة إلى عليّ قدرهم حيث أنزلها في حقّهم لا تشمل غيرهم معهم كما يستفاد ذلك مما فعل ﵊ بهم حيث سوى بينه وبينهم في دخوله الكساء معهم فمن اقترف من ذريّته ﵊ شيئاً من الوزر يرجى أن يتدارك بسبب التطهير إمّا بإلهام المثوبات أو بأنواع المصائب ونحوها من المكفرات كعدم إنالتهم ما ناله غيرهم من الحظوظ الدنياويات، وآخرها الشفاعات النبويات. وناهيك في علو قدرهم سلام الله عليهم، فقد نقل عن جماعة من المعبرين عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى "يوجد آية" فياسين ومحمد مثل يعقوب وإسرائيل، ومن اختصار الزاهرات الوردية بالفتاوي الأجهورية ما نص: وسئل عن الشريف أفضل أم العالم فأجاب الشريف أفضل من حيث النسب ولمذا كانوا عنده بهذه المكانة أوجب على كل مسلم مبتهم وموالاتهم وحرم عليه إهانتهم وإذايتهم، فالمخلص في المحبة لجدّهم يعفو عنهم إن آذوه معاملة له كما حكي عن إمام دار الهجرة مالك بن انس ﵁ لما ضربه جعفر بن سليمان العباسي وكان أميراً بالمدينة ونال منه ما نال ظلّ مغشياً عليه فلما أفاق قال أشدكم عليّ أنّي جعلت ضاربي في حل فسئل عن ذلك فقال خفت أن أموت وألقى النبي ﵊ ما سمي ما أن يعذب بعض آله بسببي. وبالحقيقة لا يكون من المؤمنين من لم يجد رسول الله وذريّته إليه من نفسه أحب وأعز عليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين. ومن علامة محبته ﵊ محبة ذريّته وإكرامهم والإغضاء عن انتقادهم، فما انتقد ذرية محمد محب محمد قطّ، فهم قوم شرّف الله أخلاقهم, فلا تغلب عليها أفعالهم كغيرهم، فمن ترى فيه المخالفة من أهل بيته ﵊ فإنّما نبغض أفعاله فقط، وأما ذاته فلا نبغض لما صح من قوله ﵊: "فاطمة بضعة منّي" ومعلوم أن أولادها بضعة منها فيكون بواسطة بضعة منه ﵊، ألا ترى قول عمر لعلي ﵄ في خطبته لأم كلثوم بنت فاطمة إنّي أحب أن يكون عندي عضو من أعضاء رسول الله ﵊ فكان من يشاهد اليوم من ولدها فهو بضعة من تلك البضعة ولو تعددت الوسائط. قال الشيخ محي الدين بن العربي: لا ينبغي لمسلم أن يذمهم بما وقع منهم أصلاً لأنّ الله طهرهم وليعلم الذّامّ لهم ان ذلك راجع إليه ولو ظلموه، فذلك الظلم هو في زعمه ظلم لا في نفس الأمر وإن حكم عليه الشرع بأدائه، بل حكم ظلمهم إيان في نفس الأمر يشبه إجراء المقادير على العبد في نفسه وماله وما يحبه بالأمور المهلكة كأن يصاب في نفسه أو يحرق ماله أو يموت بعض أحبابه، وهذا كله ممّا لا يوافق غرضه، ولكن لا يجوز له أن يذّم قدر الله وقضاءه، بل ينبغي له أن يقابل ذلك بالشكر فإن نزل عن هذه المرتبة فبالرضى والتسليم، فإن نزل عن هذه المرتبة فبالصبر فإن في طي ذلك نعما لهذا المصاب هكذا ينبغي للمسلم أن يقابل جميع ما يطرأ عليه من آل البيت في ماله ونفسه وأهله، فعفونا عنهم فيما أصابوه منّا تكون لنابه عند الله اليد العظمى والمكانة الزلفى فقد طلبت منا الموّدة لهم، ومعناها

стр. 324

الثبات على المحبة في كل حال، فمن اتصف بالموّدة لهم لم يؤاخذهم لما يطرأ في حقه منهم، بل يتركه محبة وإيثارأن إذ كل ما يفعل المحبوب محبوبه. وروى أن الحسن تلا قوله تعالى: "يوجد آية" ثم قال: إنّ الحسنة مودّتنا أهل البيت وقال محمد ابن الحنفية في قوله تعالى: "يوجد آية" لا يكون المؤمن إلاّ وفي قلبه ودّ لأهل البيت لقوله ﵊: لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وعترتي أحبّ إليه من عترته، وأهلي أحب إليه من أهله، وقال ﵊: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال حب نبيكم وحب أهل بيته وقراءة القرآن، وقال ﵊": حب آل محمد خير من عبادة سنة، ومن مات عليه دخل الجنة وقال ﵊: أنا شجرة وفاطمة حملها وعلي لقاحهأن والحسن والحسين ثمرهأن والمحبوبون لأهل بيتي ورقتهم في الجنة حقاً حقأن وقال ﵊: لا يحبنا أهل البيت إلاّ مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي، وقال ﵊: اشتدّ غضب الله وغضب رسوله وغضب ملائكته على من آذاني في عترتي. وروي عنه ﵊ أنّه دخل عليه عمه العباس فقال: يا رسول الله إنّا لنخرج فنرى قريشاً يتحدثون فإذا رأيونا سكتوا فغضب رسول الله ﵊ ودرّ عرق بين عينيه ثمّ قال: والله لا يدخل الجنة قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله وقرابتي ثم قال أيّها الناس من آذى عمّي فقد آذاني، وقال لو أنّ رجلاً صفّ أي جمع قدميه بين الركن والمقام فصلّى وقام ثم لقي الله وهو مبغض لآل نبيّه دخل النار، وقال ﷺ : من لم يعرف حق عترتي والأنصار والعرب فهو لإحدى ثلاث إمّا مريب أو منافق أو حملت به أمّه من غير طهر، وقال ﵊: والذي نفسي بيده لا تزول قدم عن قدم يوم القيامة حتى يسأل الرجل عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله مّما اكتسبه وفيما أنفقه وعن حبنا أهل البيت وروي في قوله تعالى: "يوجد آية" أي عن ولايته أهل البيت، والمعنى أنّهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي ﵊ أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والمؤاخذة بذلك وعنه ﵊ أنّه قال: من آذاني في عترتي فعليه لعنة الله، وقال ﵊: إنّ الله حرّم الجنة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبّهم، وقال ﵊: رأيت ليلة الإسراء مكتوباً على أبواب الجنة والنار أذذل الله من أهان أهل البيت، إلى غير ذلك من الآيات والآثار الدالّة على منقبتهم السميّة، وسمو رتبتهم العلية، ممّا لو تتبعناه لأفضى بنا إلى التطويل وحسبنا الله ونعم الوكيل. وفيما ذكرناه كفاية لمن أناب، وليتذكر أولو الألباب. هذا ولمّا اطّلعت على هذه الشجرة الباسقة وانتظامها في سلك السادات الأشراف وعقودها المتناسقة، ثبت عندي بمقتضاها شرف الثقة الأعدل الأبر الشريف السيّد الحاج عثمان بن الأكتب النحرير الشريف السيّد محمد ابن العلاّمة العامل المؤلف الشريف السيّد محمد السنوسي قاضي الجماعة بتونس ابن العامل الفاضل الشريف السيّد عثمان المفتي ببلد الكاف ابن الناسك الأبر الشريف السيّد الحاج محمد بن الوجيه الصفوة الزكي الشريف السيّد أحمد عرف بن مهنية أحد حفدة الولي الصالح البركة الشريف السيّد عساكر دفين قلعة سنان من عمل كاف رضي الله تعالى عنه وأرضاه آمين، ولذلك أطلقت لسان الشكر على ما لأهلها من الأنتساب، إلى رفيع ذلك الجناب والله يبلغ المأمول، وبالمعاملة والقبول. قال ذلك وحرره الفقير إلى مولاه الغني به عمن سواه عبده محمد العربي البشير الإدريسي الحسني الشريف نقيب السادة الأشراف بالحاضرة التونسية وقطر إفريقيا عامله الله بألطافه الخفيّة آمين بتاريخ الثامن عشر من قعدة الحرام عام ١٢٩٦ ست وتسعين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وأزكى تحية. وكانت وفاته ليلة الأحد الرابع عشر من ربيع الأوّل عام ثلاثة وثلاثمائة والف ودفن بمقبرة القرجاني بجوار والده وجدّه قاضي الحاضرة ورثاه بما نقش على قبره العالم الماجد المدّرس الشيخ سيدي محمد جعيط بقوله: [الكامل] طلب الحياة هدى النفوس القاصرة ... ما العيش إلاّ عيش دار الآخرة

стр. 325

دار الغرور فما تدوم على صفا ... بل لا تزال على النواء بسافرةْ إنّ التقيّ من امتطاها قاصداً ... دار الجزا ذات القصور الفاخرةْ كالفذِّ عثمان السنوسي من له ... بالذكر في الأسحار عين ساهرةْ قاضي لدى جبل المنار ومن غدا ... بالحقّ للأنامِ أوامرهْ وخطيبه اللسن الذي من وعظه ... للخير قاد ذوي النفوس النافرةْ وهو الشريف ومن سما في خطة الت ... وثيق ما في العصر شخص ناظرهْ أبدى فتاوي جدّه في نظمه ... في لقط درٍّ في البحور الزاخرةْ يا من يؤم ضريحه قف سائلاً ... رضوان خالقه له في الآخرةْ وانظر إلى عبر الذين مضوا وقد ... حازوا من الذكر الحميد مفاخره حتى ترى في خير تاريخ حوى ... (قاضي المنار جوار قاضي الحاضرة) ورثاه العالم الماجد الأكتب الشيخ سيدي حمودة تاج بقوله: [الكامل] فوض إلى الله الأمور وردّد ... فاجع العلا والمجد دون تردد ياحبّذا رجل يقضّي يومه ... مستوفزاً يزداد زاداً للغد ما أمر ذي الدنيّا ولا لذّاتها ... إلا كطيف زار مقلة أرمد أو ما فقدت بها أبا النورين عث ... مان السنوسي ذا التقى والسؤدد! من بعدما زان المنابر والمزا ... بر شائداً لبناء ذاك المحتّد وقضى على جبل المنار فشاهدوا ... عدلاً جبلياً كحدِّ مهّند والعلم والعمل الرفيع إذا هما أج ... تمعا بشخص حلّ أشرف مقعد فأنا أرى ذا الرمس حول جنة ... منحوتة من عسجد وزبرجد فأرى لها وأختار وقتاً صالحاً ... لرحيله لسنى النعيم السمد وبعيد غيبته أتى تاريخه ... حضر الجنان بأمر يوم المولد ورثاه الأديب الأبرأن والدّرّاكة الألمع الشيخ سيدي أحمد أديب المّكي بقوله: [البسيط] أقبر عثمان فيك العلم والطيب ... ومن به ظهرت فينا الأعاجيبُ قاضي المنار الذي باهت بمحتده ... ما في الوجود من الناس الأعاريبُ ثوى ببطنك فاستجرى محاجرنا ... دمع له الدهر تصعيد وتصويب وبالضمائر منا كل ما ذكرت ... أبناؤه الغرُ إضرام وتلهيب بكاه منبره السامي ومن حسنت ... بحكمه فيهم دقت أساليب وودَّ كلُ حبيب لوفدته به ... مخالب الحادث السود الغرابيب وغير مجدٍ لأن الخلق أجمعهم ... في ذا السبيل لهم سير وتأويب فيا ضريحاً به قد فاز لا برحت ... تسقيك من رحمة البار أنابيب وترتضي ألسناً قالت مورخة ... (أقبر عثمان فيك العلم والطيب) وورثاه الأديب الأبرع، المتفنن الأبرع الأكتب الماجد الشيخ سيدي البشير الأكودي بقوله: [الكامل] لا تجزعنَّ فكل شىْ فان ... واصير لحكم مكون الأكوانِ أين الفرار من الحمام وهوله ... أين الفرار ولات حين أوان قدم لنفسك ما استطعت من التقى ... زاداً لترحل كل أتٍ دانٍ فإذا فعلت لقيت ربك سالماً ... سكنت فضلاً جنة الرضوان كالشيخ عثما السنوسي الذي ... من فقده دمع المنابر قانٍ فضلاً عن الأبناء والأحباب وال ... إخوان والأعمام والجيران قد كان ذا وعظٍ يحرك وجد من ... في قلبه حظ من الايمان وقضاؤه بالعدل كم أجراه في ... علمِ المنارِ بمحكم التبيان وعفافه وتقاؤه لا يمكن التع ... بير عنه بخاطر ولسان ذاك الشريف ابن الشريف ابن الشري ... ف المعتلي شرفاً على كيوان سحّت عليه هواطل الرحمات من ... ربٍ رحيم مشفقٍ رحمان وله الهناء بما لديه من الرضى ... والصفح والغفران والإحسان وكفاك فال جاء في تاريخه ... هنئتم ُعثمان بالجنّان ورثاه العالم الماجد الأكتب ابن عمه الشيخ سيدي محمد بن إبراهيم السنوسيّ بقوله: [الطويل] ألا في رضى الرحمن تسعى الأفاضل ... فتباً لمن عن ذلك السّعي عادلُ وتعساً لمن لا يوقظ الوعظ قلبه ... ويزعم أنّ الرشد ماهو فاعلُ فلا تغترر يا صاح فالموت عبرة ... وكلّ امرئ إلى الموت آيلُ وإيّاك والدهر الخؤون فإنّه ... يزخرف للإنسان ما هو باطل

стр. 326

فما المرؤ إلاّ ما تزّود في التقى ... فذا في ثياب الفوز لا شكّ رافلُ كهذا الذي امسى ضجيعاً إلى الثرى ... وأعرض عنّا والعيون هواملُ هو السيّد الأتقى أبو النور من له ... بهمته العلياء طابت شمائل عنيت السنوسيّ الذي عز ندَّه ... وصار وحيداً ما له من يشاكل فتى كان في التوثيق بهجة عصره ... ومارئ في أقرانه من يماثل وقام على طول المنارة قاضياً ... يؤم وبالتثبيت، والعدل حافل إذا ما أتى يملي على الناس وعظه ... به من دموع الناس سالت جداول على ذا استمرّت حاله وهو مكثر ... لأوراد ذاك (الشاذليّ) مواصل إلى أن دعاه للضيافة ربّه ... فلبّاه بالإقبال والعفو سائل يرجي نوالاً من سعادة مولد ... به آب للنعماء وهي جلائل وهذا مآل الناس يا صاح أرخن ... (فسيح جنان الله عثمان نازل) وأرخ وفاته الصفوة الذاكر الخير الماجد حامل كتاب الله الشريف الشيخ سيدي محمود جراد بقوله من الرجز: [الكامل] هذا التقيّ الألمعي ومن به ... أهل المكارم بالوغى تزدانُ هذا السنوسيّ العالمُ النحرير زد ... وهو الشريف واسمه عثمان لاقى الإله تحبباً في مولد ... ففيه أرّخ وله الغفران وكتب من مصر في التعزية لوفاته العلاّمة النحرير الماجد الشيخ سيدي محمد بن مصطفى بيرم أحد أعضاء المحاكم المصرية بما نصّه: ابني العزيز، وصديقي الحائز من مديح البسيط من قولي والوجيز، الفاضل النحرير، والبارع في التقرير والتحرير، الشيخ سيدي محمد السنوسيّ لا زالت مراهم معارفه لجراحات الجهالى توسي. أمّا بعد سلام زكي عاطر، وإناس لبساط التعزية ناشر، فقد ساءني خبر تفجّعكم بوفاة والدكم المبرور، هيأ الله له شامخ القصور، في جنات الحبور ودار السرور، وأمّا ما خلا الدعاء له بما ذكر والدعاء له بمزيد الصبر من شرح أفانين التعزية وضرب الأمثال في التسلية، فعلومكم بحمد الله لما ورد في السنّة حاوية، وليس ورائها بقية تتطلّب لا سيّما في أمور الدار الباقية، والله نسأل أن يجعل ذلك خاتمة ما ورد عليكم من الأكدار في هته الدار لا ربّ غيره وهو أرحم الراحمين والسلام من الداعي محمد بيرم لطف الله به في ١٢ ربيع الثاني سنة ١٣٠٣. الزرقيّون والدة والدي هي ابنة عم والده إذ هي خديجة بنت الشيخ أبي العباس أحمد زروق شقيق المولى الجدّ عليهما رحمة الله، وهو أحمد زروق بن عثمان بن محمد بن أحمد بن مهنية من حفدة الشريف سيدي عساكر ﵁، وقد توفيت الجدّة المذكورة أوائل سنة ١٢٦٤ أربع وستين ومائتين وألف، ووالدها ولد سنة ١١٨٥ خمس وثمانين ومائة وألف ببلد الكاف، وارتحل إلى تونس في طلب العلم فقرأ على الشيخ صالح الكوّش وغيره، وولع بالمعقول فبرع فيه براعة سبق فيها من عاصره وجلس للتدريس فأفاد وطلب من الأمير حمودة باشا أن يوليه الإشهاد مدّة اعتزازه فقدم إليه القصيدة ذات القصيدتين وأنشدها بنفسه بين يديه ولمّا أتم إنشادها قال له الأمير إنّي أعرف ما أنت عليه ولكن نخشى من اشتغالك بالإشهاد أن تترك التدريس بجامع الزيتونة، فقال له معاذ الل أن نترك خدمة العلم الشريف، وإنما نرجو أن نحصل على ما يعينني عليه فأمر له كتابة الأمر بالإشهاد عند ذلك ولم يرجع إلاّ وأمر ولايته بيده وقصيدته المذكورة من غرر القصائد وهي قوله: [الكامل] ملك الملوك كفيت كلّ معاند ... نائي المدى وبلغت كلّ مراد وأنلت كل مؤمن متباعد ... صعباً غداً وملكت كلّ قياد أشكو إليك ولا تزال لقاصد ... علم الهدى لمن استجارك هاد جور الزمان ولست فيه بواجد ... لي مسعداً متحقق الإسعاد إلاّ نداك وفيه غنية رائد ... فغدا الندى وجدا الغمام الجادي أأضام فيه وأنت أمنع ذائد ... لمن اعتدى وغنى العديم الزاد وعلى نداك علاك أعدل شاهد ... كم قد هدى المحتاج للإشهاد سدّت الملوك بعزّ ملك خالد ... متأبداً وسبقت كلّ جواد وأثرت للأعداء صولة راشد ... راع العدا أسد من الآساد حتى أحطت بكلّ باغ مارد ... شرك الردى في كل يوم طراد وبقيت دين الله سوء معاند ... معتمداً ودفعت كلّ فساد

стр. 327

وكذا عرفت بكل عدل عاقد ... لعرى الهدى والدين حبل سداد للعدل قد أوضحت كل معاهد ... حتى بدا في سائر الآباد فخر علاه أنطته بعطارد ... حتى ارتدى بسنا البدور الباد وعلا على ضوء الشهاب الواقدِ ... مسترشداً بهداه ضوء الهادي أنت الرشيد لكلّ آوٍ قاصد ... حيث لحمال لا بغداد يهني الأماني منك بشر مساعد ... ريث الندى وغياث كل منادي فأنعم ودم لمفاخر ومحامد ... تحوي مداها سائر الآماد وقد جلس للإشهاد مع التدريس فكان من ثقاة الموثقين، وأعلام المدرسين، ثم تقدم لمشيخة مدرسة بير الحجار بعد وفاة الشيخ أحمد سويسي فأقام دروسهأن وكان مواظباً على التدريس بهأن وقرأ عليه كثير من العلماء هنالك. ثم قدمه الأمير حسين باشا باي لخطّة قضاء المحلة في ربيع الثاني سنة ١٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين وألف بعد ارتقاء الشيخ البحري لخطة قضاء الحاضرة وسافر مع الأمير مصطفى باشا ونال من موّدته وإقباله منالاً عزيزاً. اتفق له في محلّة باجة أن حضر إليه أعرابي يشكو إليه أحد الأضباشية في دين عليه، فأرسل له عوناً وجده بحانوت برادعي داخل باجة، فامتنع من الحضور معه وحين عاد إليه قام له قيام الزعيم، وأخذ يضربه ويشتمه، وعندما بلغ ذلك إلى الشيخ أرسل من حوله للإيتان به على أسوأ حال، وأمر بتطويفه على حمار ينادي عليه هذا جزاء من عصى الشريعة. ولمّا بلغ خبر ذلك لأمير المحلة أرسل إلى الشيخ كاتب سره يشكره على حسن صنيعه وقال له: وقد حكم عليه الأمير بخمسمائة سوط بعد إنهاء حكمك، فدعا الشيخ للأمير وطلب أن يعفو عنه من السيّاط بشفاعته، فقبل فيه شفاعته وأعفاه. وكان عالماً موثقاً فرضيأن ذا همّة عالية، ونفس عزيزة. أما الأدب فقد اختّص بحمل رايته في ذلك العصر حيث نسج فيه على منوال عزيز، وخلّص بدائع معانيه خلوص الإبريز، ومدح الشيخ أحمد البارودي بقصيدة فعظم عنده موقعها وكتب له شاكراً على ذلك بقوله: [الطويل] بمدح أبي العباس أصبحت ناسياً ... أناساً يعود المدح فيهم إلى الباس فقد ناب هذا الفرد لي عن جميعهم ... فاغنى وبعض الناس يغني عن الناس وكان لطيف المحاضرة، حسن المفاكهة، ولوعاً باللطائف الأدبية في مجالسه ومكاتيبه، كتب ملغزاً في عين قوله: [الطويل] أيا روض آداب رعته الهواطلُ ... ويا حكماً ما الحق عندك باطل سألتك ما اسموهو حرف مثلث ... وعيناه ذا حال بنقص وعاطل ومعناه مغناه احتمي فهو انما ... يلوح إذا دلت عليه دلائل سريع متى تلفي السبيل إجابة ... بلا قدم يجري إذا سال سائل غدت دونه الحاجات وقفاً وإنما ... تبلغك الحاجات منه الوسائل ويكشف إن يكشف عنه غطاؤه ... وما حاجب عن كشفه الأمر حائل وأول عيب ثم ثانيه فيه أن ... إلى منتهى حسن نما إذ يقابل وها هو فرد إذ يعد وإنما ... يشاركه في اللفظ ما لا يشاكل وحسبي بياناً ما ذكرت وإنما ... يعاجلُ مثلي بالإجابة عاقل فأجابه الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الطويل] أيا عين آداب بها الظرف سائلُ ... ومن هو منحى القصد إن سال سائل سألت وما تعني سوى عين ما عنت ... إلى شأو معناه العيون الأفاضل وقد صرّح التبيان منه بعينه ... فما حاجب عن كشفه الأمر حائل وإن كان في عين جعلتَ نزوله ... فها هو في عيني لأجلك نازل وقد حكم التصريف أن بعينه ... حلياً وجيد الفاء من ذاك عاطل وحسبك تبياناً وقد جاء واضحاً ... ومثلك لا تخفى عليه الدلائل فكتب إليه الشيخ أحمد زروق بقوله: [الخفيف] بك أقسمت أنكم ليمين ... ليس في سبقك الأفاضل مينُ قد جرى منك ما ملا العين حسناً ... صح أن الذي عنيناه عين ليس عيب فيكشفك الغيب عنه ... كيف والعين عندك منه غين وقد اتفق له أن سار في طريق مصاحباً للأكتب الشاعر الشيخ الحبيب الأصرم والمطر متوالية، وكانت عليهما سحبة بيد الكاتبالمذكور تقيهما المطر، فسال الماء من أحد جوانبها على صاحب الترجمة فأنشأ ما سار سير المثل في الاستخدام وهو قوله: [الكامل]

стр. 328

وقت السحابة صاحبي برواقها ... وهمتْ فما بلّت بمزن طوقه فلتعجبوا أني البليل بمائها ... وهو الموقى والسحابة فوقه وله من الشعر ديوان بديع كله عيون يدل على رسوخ قدمه على سراط الإنشاء، وكانت دروسه بجامع الزيتونة رياض البساتين، وقرأ عليه كثير من فحول العلماء ممن سبق ذكره في تراجمهم. وقد مرض بالمحلة ورجع لتونس مريضاً فأدركته المنية ليلة السبت السادس من ربيع الثاني سنة١٢٤٨ ثمان وأربعين ومائتين وألف، عليه رحمة الله. وقد ترجم له لسان الدولة الشيخ أحمد بن أبي الضياف في تاريخه غير أنه سبق قلمه في تاريخ وفاته فقال في ترجمته ما نصه: الشيخ أحمد زروق الكافافي أصل هذا الكاتب من بلد الكاف ونشأ في طلب العلم مع أخيه الشيخ السنوسي واختصا بالشيخ صالح الكواش وأخذ عن غيره من أعلام عصره، وحصّل وبرع ودرّس بالجامع الأعظم، واستدر الرزق من رشح قلم الوثيقة، وشغله التكسب عن رياض العلم الأنيقة، وله في الأدب الراية المنصورة، وقلائد الدر المنثورة. ثم تقدم لخطة القضاء بالمحلة فزانها بالعدل، وعدّ من قضاة الفضل، وكان عالماً فقيهاً فرضيلً أديباً شاعراً كاتباً ذا همة ومروءة، جميل الأخلاق حسن المحاضرة، مشكور الأقوال والأعمال، معدوداً من أهل العلم والكمال، إلى أن توفي سنة ١٢٤٦ ست وأربعين ومائتين وألف. الشابيون جدة والدي للأم هي الست كبورة بنت الشريف الشيخ أحمد ابن الشيخ قاسم شاهد البحيرة ابن المدرس الشيخ السنوسي شهر الشابي، وإنما شهر باللقب المذكور لأنّه تربّى في حجر جده للأم الشيخ صالح بن أحمد الشابي الشهير الفضل من ذرية سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب تربة الحجامين. وهو جد الولي الصالح الشيخ سيدي محمد الشابي الذي توفي سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف وهو محمد بن صالح بن محمد بن حسن بن أحمد بن صالح بن أحمد الشابي كل ذلك استفدته من رسوم تتضمن نحلية والد الجدة المذكورة بالشريف. أما والدتها فإنها ثابتة الشرف لأنها هي الشريفة ساسية بنت الصفوة السيد محمد الطيب الشريف الأندلسي وقد تجاوزت جدة والي المذكورة في العمر المائة، وتوفيت بعد زوال يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة ١٢٩٦ ست وتسعين ومائتين وألف، عليها رحمة الله. السقاطيون والدتي الأصلية آمنة وتدعى زليخا بنت أبي عبد الله محمد القريشي ابن أبي الحسن علي بن أبي محمد عبد الوهاب السقاط الفاسي الأندلسي. ولدتْ في رمضان سنة ١٢٤٦ ست وأربعين، وزفّت إلى بيت والدي ليلة الرابع والعشرين من شعبان الأكرم سنة ١٢٦٤ أربع وستين ومائتين وألف، وكان والدها أبو عبد الله محمد القريشي تاجراً خيّراً وجيهاً فيه صرامة وحزم مواظباً على الصلوات الخمس بجامع الزيتونة، ولم يتخلف عن صلاة الصبح فيه منذ أكثر من خمس عشرة سنة، وقد بلغ من العمر سبعاً وخمسين، وتوفي في شهر رمضان سنة ١٢٥٧ سبع وخمسين ومائتين وألف عليه رحمة الله. وكان أخوه الشيخ أبو عبد الله محمد السقاط عالماً فاضلاً فقيهاً موثقاً ولد في السابع والعشرين من رجب الأصب سنة ١١٩٧ سبع وتسعين ومائة وألف، وقرأ على الشيخ صالح الكواش بدهليز داره شرح الجربي على إيساغوجي وقرا على الشيخ محمد بن ملوكة والشيخ الطاهر بن مسعود والشيخ حسن الشريف والشيخ إبراهيم الرياحي وغيرهم. وتصدى للإقراء فأخذ عنه كثير من مشايخنا وتقدم لمشيخة بير الحجار عند وفاة الشيخ أحمد زروق وأقام بها درس المختصر الخليلي بشرح الخرشي، ودرس البخاري، وقد أخذ عنه أكثر مَن أدركناهم من مشايخنا. وكان فقيهاً ثبتاً محققاً فاضلاً عزيز النفس ملازماً للتدريس، وله شعر لطيف، وقد توفي ليلة الجمعة منتصف شهر رمضان المعظم سنة ١٢٥٧ سبع وخمسين عليه رحمة الله.

стр. 329

وقد أنجب عدة أبناء طلعوا بدوراً في آفاق العلم والفضل وهم العالم الخير الشيخ الطاهر والخير الزكي الشيخ الشاذلي والثقة الأعدل الشيخ محمد. أما الشيخ الطاهر فقد نشأ في خدمة العلم وقرأ على الشيخ محمد الشاذلي بن المؤدب والشيخ محمد معاوية والشيخ محمد البنا والشيخ محمد الخضار وغيرهم. وتقد لخطة التدريس في الرتبة الثانية بجامع الزيتونة وهو فقيه فرضي تقي نقي العرض تقدم لخطة قضاء الفريضة في بيت المال عند وفاة الشيخ محمد بن مراد الحنفي فأقام من أجلع بداره، وأناب في خطة قضاء الفريضة أخاه الشيخ محمد، ولم يزل على ذلك إلى هذا اليوم. وأما أخوهما الشاذلي فكان رجلاً ذاكراً كثير الزيارة للأولياء وقفت على إجازة أجيز بها من شيخ الإسلام وهذا نصها: الحمد لله يقول الفقير محمد بيرم الرابع لطف الله تعالى به قد أجزت للسيد الشريف العفيف أبي عبد الله محمد الشاذلي السقاط قراءة أحزاب القطب الجامع سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه بحق روايتي لها بالإجازة العامة عن شيخنا العلامة أبي عبد الله محمد بن حسين الشهير بابن العنابي مفتي الحنفية بثغر الإسكندرية وذاك عند اجتيازه بحضرة تونس في سنة ١٢٤٥ خمي وأربعين ومائتين وألف عن أبي الحسن علي بن عبد القادر بن الأمين عن سيدي علي بن محمد العربي السقاط عن أبي حفص عمر لوكد عن محمد بن عبد الرحمن عن الشيخ حسن العجيمي عن سيد ي يوسف بن عبد الله الجاوي عن الشيخ عبد القادر بن مصطفى الصفدي عن نور الديت العلاف عن محمد بن مصطفى البلخي عن أبي بكر بن سالم باعلوي عن روحانية ابن عطاء الله عن أبي العباس المُرسي عن أبي الحسن الشاذلي ﵁. وبالسند إلى سيدي محمد بن عبد الرحمن عن شيخه أبي البركات عن الشيخ أحمد الغربي عن عمه أبي عثمان سعيد عن ابي الطيب بن علوان عن أبي الحسن البطرني عن الشيخ ماضي بن سلطان عن أبي الحسن الشاذلي ﵁. وأنا أوصي المجاز له المذكور بتقوى الله سبحانه وأن لا ينساني من صالح دعائه وكتب يوم السبت تاسع عشرين شعبان عام ١١٧٧ سبعة وسبعين ومائة وألف. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. فكان لهؤلاء الأبناء فضل توارثوه من والدهم، وقد كان من أجلّ علماء الحاضرة، وأخوه معدود في وجوهها الأخيار، وأما والدهما أبو الحسن علي فقد ىولد بتونس، وكان أيضاً تاجراً وجيهاً تقياً زكي النفس ملتزماً في قلنسوته وضع علامة الشرف الخضراء، وهو شرف أمه ابنة الشريف كسيبر على ما يأتي، حج بيت الله الحرام ولم يتخلف عن صلاة الصبح بجامع الزيتونة أكثر من ثلاثين سنة، وبلغ من العمر أربع وتسعين سنة، وتوفي سنة ١٢٥١ إحدى وخمسين ومائتين وألف عليه رحمة الله. وأما والده أبو محمد عبد الوهاب فهو الرجل الكامل الباذل نفسه في خدمة أهل الله، ولد بحاضرة فاس وكان بها من ذوي الثروة، فأدرك القطب الرباني مولاي أحمد الصقلي الشريف الحسني ﵁، وكان من أكمل الأولياء المتنعمين في المأكل والملبس والمسكن، نقل عن الشيخ التجاني ﵁ أنه قال: دخلت على مولاي أحمد الصقلي فوجدته متنعماً في أفخر الملابس والفرش ورخيّ العيش حتى أنهم أتوه بزبدة وأنا حاضر فأنكر خشونتها وطلب ما هو أصفى منها ولم أحسب أن من أولياء الله من يكون على ذلك الحال من التنعم في الدنيا حتى أخبرني رسول الله ﵊ بمكانه في الولاية ﵄. وقد كان عبد الوهاب السقاط من التابعين لمولاي أحمد الصقلي المحبين فيه، وكان ممن دخل في إقامة بناء زاويته الشهيرة بحاضرة فاس حماها الله، فأنفق ماله هنالك إلى غتمامها تبرعاً منه في محبة شيخه، وحين تمّ بناء الزاوية خرج لحج بيت الله الحرام وبعد فراغه من الحج قدم إلى حاضرة تونس أواسط القرت الثاني عشر فاستوطنها وتزوج بامرأة من بنات الشريف كسيبر القرشي من ذرية ولي الله الشيخ سيدي أحمد بن نعيم دفين بطحاء الصلي من حاضرة تونس ﵁.

стр. 330

وقد وقفت على وفيات لفروع هذا البيت الشهير الشرف بالحاضرة كانت خلاصتها أن ولي الله سيدي أحمد بن نعيم توفي عن ولده علي وهو عن ولده الحاج محمد كسيبر القرشي وهو عن ولده عثمان وهو عن ولديه محمد وعائشة زوجة محمد بن خليل بتاريخ التاسع عشر من ربيع الثاني سنة ١١٩٥ خمس وتسعين ومائة وألف، وتوفي محمد بفتح أوله ابن عثمان عن الحاج أحمد وشلبية زوجة علي بن عمر كسيبر وتوفي الحاج أحمد عن محمد بالفتح ومحمد بالضم وحسين وعمر، وتوفي عمر عن فاطمة ومنا وعلي وأحمد ومحمد وقد سافر محمد بن عمر كسيبر القرشي صحبة مصطفى رايس القبطان وقاتل بمرسى سوسان من بلاد الإغريق فاحترقت بهم الفرقاطة من يوم الجمعة عاشر المحرم الحرام سنة١٢٣٩ تسع وثلاثين ومئتين وألف، وخلف ولده عمر المتوفى عن أولاده الحطاب وعلي ومنا ﵃ جميعهم. وعلى كل حال لم نتحقق هاته الجدة ابنة من هي من هؤلاء السادة الأشراف ﵃، لكن لا ريب عندنا في أن أم وَلَدَيْ السيد عبد الوهاب السقاط وهما الحاج علي وعبد الجليل هي من بيتهم، وقد كان الحاج علي وأبناؤه من بعده يأخذون فاضل ريع زاوية سيدي ابن نعيم كل سنة إلى عهد قريب تركوه لضعفه حيث إن منابهم صار إلى نواصر معدودة. وقد تزوج الحاج علي السقاط بين يدي والده بالشريفة حليمة المدعوة حلومةبنت الشريف الكبيدي وبعد أن زوجه بها رأى أختها صالحة فأعجبته وتزوجه وكان عمره يومئذ نحو الستة والتسعين سنة، وأوتي منها بولده الحاج عمر ولازم ما يعنيه إلى أن أدركته المنية في حال سجوده للصلاة. ولما ارتحل من فاس ترك بها أخاً له كان أصغر منه سناً واسمه المفضل كان من أتباع القطب الرباني الشيخ أحمد التجاني ﵁، روي عن الشيخ أنه قال: إن رسول الله ﷺ أوصاني بالمفضل السقاط وقال لا تفرط في ذلك الولد وكان فيمن بذل نفسه وماله في إقامة بناء الزاوية التجانية بحاضرة فاس التي كان الفراغ من بنائها سنة١٢١٥ خمس عشرة ومائتين وألف، وقد ذكره صاحب منية المريد في أصحاب الشيخ التجاني ﵁ فقال: [الرجز] وكالشريف العلوي الغالي ... والسيد المُضَضَّلِ المفضال وقد ارتحل السيد المفضل إلى مصر ولقن بها الطريقة التجانية الكثير من الرجال ثم إلى قنأن وبها توفي.

стр. 331

وقد ظهرت عليه كرامات منها أنه كان ينهى ولده عن الوصول إلى البحر ويحذره التمساح فاتفق لولده أن خرج إلى شاطىء البحر مع بعض الصبيان فالتقمه التمساح. وأخبرني أحد ثقلة مقدمي الطريقة التجانية أنه نزل بقنا في طريقه لحج بيت الله الحرام واجتمع هنالك بالشيخ موسى مقدم الطريقة القادرية فأخبره عن السيد المفضل السقاط أنه كان طيب السكينة واضح السر يحضر هنالك الورد القادري، ويقف لذكر الله متواجداً إلى أن يسقط طرف عمامته. وكان جميل الصورة. وأخبره أنه كان هنالك رجل ممن يجتمع بالنبي ﷺ أخبره أنه كان تأخر عن مشاهدة الحضرة النبوية ولما حصل له الاجتماع ذكر ما وجد من الشوق فقال له رسول الله ﷺ : إن اشتقت لرؤيتي فانظر إلى المفضل السقاط وقد كان تنقل الشيخ المفضل إلى مصر تبعاً لسلفه ولعله عمه، الذي ذكره الجبرتي في تاريخه عجائب الآثار في التراجم والأخبار في حوادث سنة ثلاث وثمانين فقال ما نصه: ومات الأستاذ العارف سيدي علي بن محمد العربي بن علي بن العربي الفاسي المصري الشهير بالسقاط ولد بفاس وقرأ على والده وعلى العلامة محمد بن أحمد العربي بن الحاج الفاسي سمع منه الإحياء جميعاً بقراءة ولد عمه النبيه الكاتب أبي عبد الله محمد بن الطيب بن محمد بن علي السقاط، وعلى ولده أبي العباس أحمد بن محمد العربي بن الحاج، وعلى سيدي محمد بن عبد السلام البناني كتب العربية والمعقول والبيان، ولما ورد مصر حاجاً لازمه فقرأ عليه بلفظه من الصحيح إلى الزكاة والشمائل بطرفيه بالجامع الأزهر وكثيراً من المسلسلات والكتب التي نظمتها فهرست ابن غازي قراءة بحث وتفهيم، وأجازه حينئذ بأواسط جمادى الثانية سنة١١٤٣ ثلاث وأربعين ومائة وألف، وجاور بمكة فسمع على البصري الصحيح كاملاً ومسلم بفوت وجميع الموطأ رواية ابن يحيى وذلك خلف المقام المالكي عند باب إبراهيم وأجازه، وعلى النخلي أوائل الكتب الستة وأجازه وعاد إلى مصر فقرأ على الشيخ إبراهيم الفيومي أوائل البخاري، وعلى أحمد بن أحمد الغرقاوي وأجازه، وعلى عمر بن عبد السلام التطاوني جميع الصحيح وقطعة من البيضاوي بجامع الغوري سنة١١٣٦ ست وثلاثين ومائة وألف وجميع المنح البادية في الأسانيد العالية، وأضافه على الأسودين وشابكه وصافحه وناوله السبحة وأجازه بسائر المسلسلات وعلى محمد القسنطيني رسالة ابن أبي زيد برواق المغاربة، وعلى محمد بن زكري شرحه على الحكم بجامع الغوري وعلى سيدي محمد الزرقاني كتاب الموطأ من باب العتق إلى آخره. وأجازه يوم ختمه وذلك من شعبان عام ١١١٣ ثلاثة عشر ومائة وألف، وروى حديث الرحمة من سيدي مصطفى البكري في سنة ١١٦٠ ستين ومائة وألف وأجازه، وأجازه ابن الميت في العموم واجتمع به شيخنا السيد مرتضى في منزل السيد علي المقدسي، وكان قد أتى إليه لمقابلة المنح البادية على نسخته وشاركهما في المقابلة وأحبه وباسطه وشافهه بالإجازة العامة وكان إنساناً متأنساً بالوحدة، منجمعاً عن الناس محباً للانفراد غامضاً مخفيأن ولازال كذلك حتى توفي في أواخر جمادى الأولى سنة١١٨٣ ثلاث وثمانين ومائة وألف، ودفن بالزاوية بالقرب من الفحامين اه.

стр. 332

وذكر في ترجمة شمس الدين الفرغني أن من مصنفاته الضوابط الجلية في الأسانيد العلية. ألفه سنة ١١٧٦ ست وسبعين ومائة وألف وذكر فيه سنده عن الشيخ نور الدين أبي الحسن سيدي علي بن الشيخ العلاّمة أبي عبد الله سيدي محمد العربي الفاسي المغربي الشهير بالسقاط، وذكر أيضاً آخر من بيتهم في حوادث سنة١٢٠٩ تسع ومائتين وألف فقال: ومات العمدة الصالح الورع الصوفي الضرير الشيخ محمد السقاط الخلوتي المغربي الأصل خليفة شيخنا الشيخ محمود الكردي حضر إلى مصر وجاور بالأزهر، وحضر على الأشياخ في فقه مذهبه في المعقول، وأخذ الطريق عن الشيخ محمود الكردي ولقنه الأسماء على طريق الخلوتية والأوراد والأذكار وانسلخ من زي المغاربة وألبسه الشيخ التاج وسلك سلوكاً تاماً ولازم الشيخ ملازمة كلية بحيث إنه لايفارق منزله في غالب أوقاته ولاحت عليه الأنوار وتحلى بحلل الأبرار وأذن له الشيخ بالتلقين والتسليك. ولما انتقل شيخه إلى رحمة الله تعالى صار هو خليفته بالإجماع من غير نزاع وجلس في بيته وانقطع للعبادة واجتمع عليه الجماعة في ورد العصر والعشاء، ولقن الذكر للمريدين وسلك الطريق للطالبين وانجذبت القلوب إليه واشتهر ذكره وأقبلت الناس عليه ولم يزل على حسن حاله حتى توفي في مشهد حافل اه. وقد بلغني عن نظم في علم الكلام أوله: [الرجز] يقول راجي الفوز في الصراط ... محمد بن العربي السَّقَّاط ولاأدري هل هو ناظمه أو غيره وإنما نقل لي الشيخ الطاهر السقاط قاضي الفريضة عن والده أن صاحب هذا النظم من بيتهم. كما أخبرني بالرواية عن والده وعن غير واحد من أعيان المغرب أنهم ينسبون إلى اللمطي بحيث إنهم يقال لهم أبناء السقاط اللمطي نسب إلى اللمطات وهو أخو حمير وكهلان من العرب العرباء وعليه فبنوا السقاط ذريته مشاهير قبائل العرب. ثم إن جميع بني السقاط المذكورين أصلهم من الأندلس من بيت كاتب غرناطة الوزير أبي القاسم بن السقاط أحد جلّة كتاب الأندلس ممن عاصر أبا الفتح محمد بن خاقان في أوائل المائة السادسة وقد ذكره في قلائد العقيان فقال في ترجمته: الوزير الكاتب أبو القاسم بن السقّاط مسْتعذب المقاطع، كأنّما صوّر من نور ساطع، أبهى من محيّا الظبي الخجل، وأحلى من الأمن عند الخائف الوجل يهبّ عطراً نشره، ولا يغبّ حيناً بشره، تجتليه بسامأن وتنتضيه حسامأن إن واخاك أبرم عقد إخائه، وأعفاك من زهوه وانتخائه، ماء صفائه وارف يكاد يقطر، وسماء احتفاءه واكفة أبداً تمطر، وله أدب لو نشر لكان برداً محبّرأن أو تنسّم لكان مسكاً وعنبرأن وأمّا الخطابة ففي يده صار عِنانهأن وعليه وقف عَنانها وقد أثبتُ من نظمه ونثره، ما ينظمه الزمان عقداً في نحره، فمن ذلك قوله يصف أيام إيناسه، وماكيّف له الشباب من أنواع الوصل وأجناسه: [المتقارب] سقى الله أيامنا بالعذيب ... وأزماننا الغرّة صوب السحابِ إذ الحبّ يابثنى ريحانة ... تجاذبها خطرات العتاب وإذ أنت نوّارةٌ تجتني ... بكف الهنا من رياض التصابي لياليَ والعيشُ سهل الجنى ... نضير الجوانب طلق الجنابِ رميتك طيراً بدوح الصبا ... وصدتك ظبياً بوادي الشبابِ وله يصف يوماً أطربته فيه الأماني، وهزته المثالث والمثاني وجرى الدهر به طوعاً في أزمته، وانقاد إليه الأنس برمته، وسقته الراح صفوهأن وأقطعته الأيام طربها ولهوها: [الطويل] ويوم ظللنا والمنى تحت ظلّه ... تدور علينا بالسعادة أفلاكُ بروض سقته الجاشرية مزنة ... لها صارم من لامع البرق فتّاك ترشدنا الصهباء أضغاث آسه ... كأنا على خضر الآرائك أملاك وقد نظمتنا للرضى راحة الهوى ... فنحن الللآلي والمودَّات أسلاك تطاعننا فيه ثديّ النواهد ... نهد لحربي والسنوّر أفناك وتجلى لنا فيه وحوه نواعم ... يخلن بدور والغدائر أحلاك وكتب يشفع لمدل بذمام شباب صوح نوره، وبرح به غدر الزمان وجوره:

стр. 333

يا سيدي الأعلى، وظهيري ومنجدي في الجلّى، ونصير المنيف في دوحة النبل فرعه، الحنيف في ملّة الفضل شرعه، ومن أبقاه الله لرحم أدب مجفوة يصلهأن وحرمة مقطوعة يلحمهأن الوفاء لمحاسن الأخلاق وقى الله جديد أنعمك من الدروس والأخلاق كالقلم والذهب والخضاب الموشى لراحة المحسب يستفيد به بهجة التكحل في العين ورونق التشبيب في مصوغ التبر واللجين وقد رتبته النّهى أشرف ترتيب، وبوبته العلى أبدعتبويب، فما أحقه بصدر النادي وأسبقه إلى المرتبة بشرف المنادي رعاية لأوامر الآداب والمحافظة على الخلّة الواشجة في أعصر الشباب وأظلاله وتذكر لربوع الصبا وأطلاله وعهود اللذات والمنثالة في بكره وآصاله وما أسحبت الليالي في ميادينه من لبوس نعيم وبوس، وأجنت الأيام في بساتينه من زهرات اتراح ومسرات، حذوا للخلق الأكمل وأخذا بقول الأول: [البسيط] إن الكرام إذا الكرام ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن وموصله وصل الله سراءك وأثلّ علاءك، أبو فلان ذاكر مشاهدك الغر الحسان وناشر ما تعتمد في صلته من مقاصد الحسن والإحسان أبقاه الله ما نظمني معه سمط ناد ولا احتواني وإيّاه مضمار شكر وإحماد، إلاّ وأثبت من مفاخرك خليطي الدر والمرجان، وجاء بطليعة السوابق في إحصاء مفاخرك رخي اللبب مرخي العنان ولقد فاوضني من أحاديث ائتلافكما في العصور الدارسة العافية، وانتظماكما في زهرات الأنس في ظلال العافية، واتساقكما في حبرات العيش الرقاق الضافية، وارتشافكما لسلافة النعيم المزة الصافية، بأفانين الغيطان والنجود، وزخارف الروض المجود، ومعاطف الطرر بين خيلان الخدود، ما لو لقيتْ بشاشتُه الصخر لمَنَحَ بهجة الإيراق، ولو أُلقيت عذوبته في البحر لأصبح حلو المذاق، ولو رُقي به البدر لوُقيَ آفة المحاق، ولو مرّ ببيداء لعادت كسواد العراق، وأزمع أن يسير بنواعج لواعجه، في طرقه ومناهجه، ويطير بجناح الارتياح في الدو، إلى متقاذف ذلك الجو، ليكحل بالتِمَاحك جفونه، ويجلو بأوضاحك دجونه، ويجدد بلقائك عهداً أنهج البينُ رسمه، ويشاهد بمشاهدة علائك سروراً محت يد البين وسمه، ويحطمن أفناء بشرك بالأهل العامر، ويسقط من أنواء برّك على المحافل الغامر، فخاطبت معرضاً عن التحريض، ومجتزياً بنبذ العرض ولمح التعريض، وتابعاً له بأسرارك تلك الخطرات ذكر العهود القديمة، وارتياحك للقاء مثله من أعلاق العشرة الكريمة، وأنت وليُّ ما تتلقاه به من تأنيس ينشر ميت رجائه، ويعمّر مقفر أرجائه، لا زلت عاطفاً على الأخلاء بكرم الود، قاطعاً زهر الثناء من كمام الحمد، بحول الله. وله: [الطويل] ويومٍ لنا بالخيف راق أصيله ... كما راق تبر للعيون مُذابُ نعمنا به والنهر ينساب ماؤه ... كما غنساب ذعراً رِيعَ حُباب وللموج تحت الريح منه تكسّر ... تولد فوق المتن منه حَباب وقد نجمت قضب لدان بشطه ... حكتها قدود للحسان رطاب وأينع مخضر النبات خلالها ... كما أقبلت نعمى وراق شباب وكتب عن أحد الأمراء إلى قوم علية شفعوا لجناة: طاعتكم أبقاكم الله ثابتة الرسوم، واضحة الوسوم وضنانتكم بالسلطان عصمه الله ضنانة الجبان بالحياة، وإعدادكم للمكافحة عن الدولة وطدها الله إعداد المهلب للبيات، فمالكم والشفاعة لرعاع ندّوا عن عصمة الجماعة وفروأن وخاسوا بذمام الطاعة وختروأن ثم ودوا لو تكفرون كما كفروا فارفضوهم عن جماعتكم، وذودوهم عن حياض شفاعتكم، ذياد الأجرب عن المشرب، فنحن لا نُقبل على توسل مُستَخْفٍ بالنفاق مستسرّ، ولا نقبل الخدعة من ممتادٍ على الغواية مصرّ، إن شاء الله. وله فصل من رسالة في إهداء فرس. وقد بَعثْتُ إليك أيدّك الله بجواد يسبق الحَلْبَة وهو يرسف ويتمهل، متى ترمق العين فيه تسهل، يزحم منكب الجوزاء بك منكبه، وتنزل عنه مثله حين تركبه، إن بدا قلت ظبية ذات غرارة، تعطو إلى عزاره، أو عدا قلت انقضاض شهاب، أو اعتراض بارق ذي التهاب، فاضممه إلى آري جيادك، واتخذه ليوميْ رهانك وطرادك، إن شاء الله . وأصبحت يوماً منبسط النفس، معترض الأنس، فمر بي فارس يحمل كتباً إليه، وينفض للسرعة مردوديه، فحملته بيتين يضعهما في يديه وهما: [الطويل]

стр. 334

عسى روضة تهدي إليّ أنيقة ... تدبج أسطاراً على ظهر مهرق أحلي بها علاء وسؤددا ... وأجعلها تاجاً بهياً بمفرقي فكتب إليّ مراجعاً: [الطويل] أتتني على شخص العلاء تحية ... كَرَأد الضحى في رونق وتأنّقِ أتمِ من الريحان ينضح بالندى ... وأطرب من سجع المطوق سُطيرَان في مغزاهما أمن خائف ... وسلوة مشغوف وأنس مشوق نَصرْتَ أبا بها همم العُلى ... وأطلقت من آمالها كل مُوثق وحملنا الوزير القاضي أبو الحسن بن أضحى إلى إحدى ضياعه بخارج غرناطة ومعنا الوزير أبو محمد بن مالك، وجماعة من أعيان تلك المسالك، فحللنا بضيعة لم ينحت المحل أثلهأن ولم ترمق العيون مثلهأن وجلنا بها في أكناف جنات ألفاف فما شئت من دوحة لفّاء، وغصن يميس كعطفي هيفاء، وماء ينساب في جداوله وزهر يضمخ بالمسك راحة متناوله، ولما قضينا من تلك الحدائق أَرَبأن وافتضضنا منها أتراباً عُرُبأن ملنا إلى موضع المقيل، وزلنا عن منازه تزري بمنازه جذيمة مع ملك وعقيل، وعند وصولنا بدا لي من أحد الأصحاب تقصير في المبره، عرض لي منه تكدير لتلك العين الثره، فاظهرت التثاقل أكثر ذلك اليوم، ثم عدلت عنهم إلى الاضطجاع والنوم، فما استيقظت إلا والسماء قد نسخ صحوهأن والغمام منهمل، والثرى من سُقياه ثمِل، فبسطني بتحفّيه، وأبهجني ببر لم يزل يتممه ويوفيه، وأنشدني: [البسيط] يوم تجهم فيه الأفق وانتشرت ... مدامع الغيث في خد الثرى هَمَلا رأى وجومك فارتدت طلاقته ... مضاهياً لك في الأخلاق ممتثلا وكتب يستدعي إلى مجلس أنس: يومنا اعزك الله يوم قد نقبت شمشه بقناع الغمام، وذهبت كاسه بشعاع المدام، ونحن من قطار الوسميّ، في رداء هديّ، ومن نظير النوار، على نظائر النضار، ومن بواسم الزهر، في لطائم العطر، ومن غر الندمان، بين زهر البستان، ومن حركات الأوتار، خلال نغمات الأطيار، ومن سقاة الكؤوس ومعاطي المدام، بين مشرقات الشموس وعواطي الأرام، فرأيك في مصافحة الأقمار، ومنافحة الأنوار، واجتلاء غرر الضباء الجوازي، وانتقاء درر الغناء الحجازي، موفقاً إن شاء الله تعالى. السوسيون جدتي للأم وهي والدة والدتي فاطمة بنت أبي الثناء محمود بن محمد الشاذلي بن محمد الأوسط بن عبد الله بن محمد بن علي بن سعيد بن حمّ السكتاني السوسي المغربي المكسالي رضي الله تعالى عنه. ولدت سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف، وتوفيت في السابع والعشرين من شعبان سنة اثنتين وثلاثمائة وألف ودفنت في مقبرة والدها. وقد أدركت أخاها الشيخ الحاج محمد السنوسي منتصباً للإشهاد بالطيبين مع جليسه المدرس الشيخ محمد القرطبي وهو شيخ في حزب الأسبوع والأذان بجامع الزيتونة يلازم العمامة الخضراء علامة على شرفه، وتوفي في شعبان سنة ١٢٨٨ ثمان وثمانين ومائتين وألف وكان والده أبو الثناء محمود حاملاً لكتاب الله خيراً ذاكراً توفي سنة ١٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين وألف وهو في حدود الستين سنة وكان والده من ثقاة عدول تونس وأما والده الشيخ محمد الأوسط فكان عالماً فقيهاً متصوفاً أقرأ التفسير وأمهات الفقه والتصوف بجامع الزيتونة وولي مشيخة مدرسة حوانيت عاشور بعد وفاة والده وأقرأ بها. وفي آخر أمره لازم بيته وانقطع لربه وذهب الناس في انعزاله عنهم كل مذهب حتى قال في ذلك من شعره: [الوافر] ولما أن رأوني ذا خمول ... طريحاً في زوايا الاجتنابِ أجالوا فكرهم في حصر أمري ... رأوه وما هُدُوا سبل الصواب فبعضهمُ يقول غدا ملياً ... غنيّاً لا يميل إلى اكتساب وبعضهمُ يقول به احتراق ... أمال مزاجه نحو اكتئاب ففي طلب المكاسب كل شر ... من أنواع التصارف والسباب وفي وصف القناعة كل خير ... يَبِين لكم غداً يوم الحساب كان ظهوره كالشمس يبدو ... فعنّا قد توارى بالحجاب فقلت لهم كذبتم إن ماقد ... نسبتم لا يصح له انتسابي ولو ملتم إلى الإنصاف قلتم ... رأى المآل إلى ذهاب وأن مطالب الدنيا جميعاً ... تبين لذي البصيرة كالسّراب إذا ما ظنها الظمآن ماءً ... ويممه تبين كالسحاب فأقدم راجياً ربّا وولّى ... على عقبيه في فرط التهاب

стр. 335

فأقبر نفسه لما رآها ... وزخرَفَها أفلّ من الذباب وأصبح آخذاً بذناب عيش ... وأبرمها الشهيّ من اللباب وكانت قبل مضجعها سرير ... فأضجعها لذاك على إهاب وكان قرانها أبداً وطيئاً ... فوطنها على حب التراب وأصبح بالتلاوة ذا ولوع ... يطالع بين دفات الكتاب إذا أنهى التلاوة قال ربي ... أجرني من عقابك والعذاب فقابلني إذا ما أبْتُ ميتاً ... بفضلٍ يقتضي حسن المآب فهذا إن سألتم عن خمولي ... وطول تحجبي عينُ الصواب ولكن أنتم ذا قوم دهيتم ... بدنياكم فصرتم في التهاب وكان شاعراً صوفياً حجّ بيت الله الحرام ونفع الناس بعلمه وهو ثاني أخوته وأكبرهم الشيخ محمد السنوسي وقد قرأ مع أخويه على والدهم وعلى الشيخ محمد الغرياني ومن قد عاصهما وتضلّع كلهم بالمعقول والمنقول وكان الشيخ محمد السنوسي أجود شعراً من أخيه الأوسط ومن لطيف شعره قوله: [الكامل] قد قلت لما أن رأيت بكفه ... منقالة والشوق حلّ بأضلعي ذي قبة الفلك التي هي في السما ... هبطت إليك من المحل الأرفع ومن بدائع شعره قصيدته التي هنا بها الشيخ محمد بن علي بن سعيد النجم محشي الأشموني حين ختم الشمائل تدريساً وهي قوله: [الطويل] أرى ربع نت أهواه غير بعيدِ ... فهاهو مني مثل حبل وريدِ فعوجا قليلاً بي لعليَ اشتفي ... بسكب دموع فوق صحن خدودِ حكى صوبُها صوبَ الغمام إذا هـ ... مى وصوت زفير القلب صوت رعود على أنه لم يجدني سكب عبرتي ... على طلل عاف بطول عهود وفي كبدي نار يشب لهيبها ... لبينهمُ لم تتصف بخمود يرى الشوقَ جثماني فصار من الضن ... ى دقاق عظام ضمنت بجلود ولم يبقَ في جسمي سوى شبح ير ... ى دليل حياة مؤذن بوجود ولم يثنني عن حبهم طول نأيهم ... ولم أسلهم طول الحياة بغيد فحبهم وصفي ولي قام لازماً ... كما قام وصف العلم بابن سعيد هو العلم السامي الإمام محمد ... سليل علي ذي الوفا بعهود أسعد الراجين نيل علومه ... بفهم ورأي صائب وسديد وقد قيد العمر المديد حياته ... بحل عويص أو بقيد شرود فلا جدة أغنته عن حب نائلٍ ... ولكن لزهد في دناه شديد ومن جغل العلم المشرف بازياً ... لصيد العطايا كان غير رشيد وما هو إلا للنفوس مكمل ... وليس سبيل الانتقام تزيد فمن شاء وصف العلم فَليكُ شاكراً ... وإلا فمنه الذم غير بعيد حويت ابا عبد الإله شمائلاً ... صعدت بها العلياء خير صعود فغادرت كل الحاسدين كأنهم ... بقايا ثمود في ديار ثمود كختمك في يوم شمائل أحمدٍ ... فكنت بذاك الختم خير حميد فدم ذا فخار ماشياً تحت راية ... تخفّق في دار الدنا وبنود وتحت لواء المصطفى يوم محشر ... جزاءً لما أرضيته بمزيد لأني بمرأى منك حقاً ومسمع ... بآونة تلقي لسمع مريد حديثاً بإسناد صحيح رويته ... فأنت لما ترويه خير مجيد وإنك ذو لفظ شهيّ مهذب ... إلى كل من يُصغي إليه معيد يحاكيه لحن الموصلي ومعبد ... إذا غنيا يوماً بشعر لبيد فكيف إذا تروي الحديث مرتلاً ... ببيت عتيق للإله مشيد ولولا وداد منك صح مصاحباً ... لحسن وفاء بالعهود مديد لما ملت يوماً للثناء على امرئ ... وقمت إلى الإنشاد بعد قعود وشعريَ ذو ودٍّ لأهل مودتي ... وليس لمن لم يَهوني بودود وودي إلى طول المدى ليس ينقضي ... وحقك إلا بانتهاء وجودي وقد أجابه عن ذلك الشيخ محمد بن سعيد النجم بقوله: [الطويل] لمن ظبيات في محاجر سود ... تركن أسود الحي غير أسود وغير بعيد أن يكنّ أوانسا ... أتين إلينا من جِنَانِ خلودِ هززن قدودا ثم قلن إلى القنا: ... تأخرن ما فيكن مثل قدودي وأسفرن عن در يقول ابتسامته ... عقود النجوم الزهر دون عقودي وأبرزن رايات الخدود وقلن لي ... أيا عمُّ هل في الروض مثل خدودي

стр. 336

خليلي لا أخفيكما الحال إنني ... اُصبت بها في أعظمي وجلودي وإلا فما بالي كأنَّ محاجري ... بمُرْتَمَيات الدمع واد زرود ولم أر نيراناً عوالي تلتظي ... وفي القلب مني حر ذات وقود على أنها لم تلقني بقطيعة ... ولا اعترضتني بُنَيّات صدود سقى بَانَتَيها عاديات يسوقها ... تبسم برق لا بكاء رعود وإلا دموعي الساريات كأنّها ... إذا ما أذيلت خافقات بنود وإلا براعات تسيل مياهها ... فتنشئ روضي نرجس وورود براعة مولانا الرئيس الذي علا ... جميع الملا من سيد ومسود خليلي الذي لولا ضياء وجوده ... لما طاب لي بين الأنام وجودي وحافظ عهدي حين أحجمتِ الورى ... ونادوا جميعاً لات حين عهود محمد السوسي السنوسي الذي به ... عرفنا لسلني جرهم وثمود أخو اللفظ أحلى من عتيق مدامة ... وأبهج من ريا الخلخل رود إذا قال ألقى فيه شعلة قابس ... وإن قال ألقى فيه نفحة عود من القوم لا يلقاهم زائر لهم ... سوى فرقة من ركع وسجود على أنهم في العلم والحلم والحجا ... وبذل العطايا نيراتن سعود أبوه الذي الحمّى تخاف لجوده ... وهل عُرفت حمّى تخاف بجود وأغلب فخراً من يكون مفاخراً ... لديك بآباء له وجدود أيا سيداً أدركت في خلواته ... جنود جُنيد في جنيد جنود ويا فاضلاً شاهدت في جلواته ... صعود سعيد في سعيد صعود تأنّى فقد غادرت من كان لاحقاً ... كأنّك قد قيدته بقيود وصل من العليا قليلاً فإنّها ... غدت عن جميع الناس ذات برود وقم لنقود من حبيب عهدته ... على وفق ما ترضى بخير نقود ودود الثنى ناهى عليك تقربي ... فإنك لا تأتي لها بردود أتبعث لي بالشمس والبدر ثم لا ... تلُقُّهما في سابغات برود؟ وترسل لي بالشهب لماعة ولا ... تُوصّي رسولاً جاءني بجحود فَهَبْنيَ قد أنكرت فيما بعثته ... أَيُعْوِزُهم فيها قيام شهود؟ وكثرة حسّادي على أنني امرؤ ... أسَالِي حسود فوق كل حسود على أننّي لا أستطيع لك الجزا ... وإن جئت من غير الثنا بوفود نعم سوف نجزي من شمائل أح ... مدٍ جزاءً جليلاً في جنان خلود فدم أنت والأحباب في خير رفعة ... وكل الأعادي في أذّل ركود ومن شعره ما كتبه على شرح الشيخ لطف الله الأعجمي لأسماء الله الحسنى وذلك قوله: [الكامل] بك زبدة التوحيد لاذت واحتمت ... تبغي النجاة من الحسود اللاهي قالت وقد بسطت أكفّ تضرع: ... يارب أدركني بلطف الله وقد وقف الشيخ علي الغراب على قطعة من شعره فقال: [مخلّع البسيط] وقطعة حاكها أديب ... أشهى من القوت للنفوس أعني السنوسيّ من تواطت ... لنظمه سائر الرؤوس إنشاؤه للقريض أنشى ... عندي من خمرة الكؤوس لها براهين منه دلّت ... على البلاغات كالشموس ولا عجيب إذا نسبتم ... ذات البراهين للسنوسيّ

стр. 337

وكان أخوهما الشيخ أحمد يلقب الشهاب. وهو إمام العربية في عصره يسكن قرب حمّام الديوان ودارهم هي التي صارت زاوية القادرية هنالك، وأكثر جلوسه في سقيف داره وهنالك يجتمع بقاصديه. وأخذ عنه أعلام منهم شيخ الإسلام الشيخ محمد البارودي. وكان الشهاب أوحد أهل زمانه جلالة وعلو همّة مع الحظ الوافر من العلم والعمل، وقد رزق القبول التام، والبس حلّة المحبة فكان كثيراً ما يراسله ملوك المغرب الأقصى والأدنى ويستجيزه علماء تلك النواحي وصلحاؤها ويصله ملوكها بالصلات العظيمة ويهدون إليه الكتب المعتبرة لما يعلمونه من شغفه بهأن وقد رأيت بخط حافظ تاريخ البلاد التونسية شيخ الإسلام البيرمي الرابع أنّه وقف على نحو مائتي رسالة ما بين مطول ووجيز ونظم ونثر غالبها من ملوك فاس ووهران والجزائر وغيرهأن ومن كتاب تلك النواحي وعلمائهأن كلّها مشحونة بالتنويه بشأنه والتملّق له والتماس الدعاء الصالح منه وطلب الانخراط في سلك أهل محبته نفعنا الله ببركاته. وفي أثنائها رسائل العالم الجليل الشيخ محمد المرتضى الحسيني الواسطي الحنفي نزيل مصر شارح إحياء علوم الدين للغزالي. ثمّ وقفت على تاريخ الجبرتي المصري فإذا هو قد ذكره في وفيّات سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف وأطلققلمه في ذلك وقد قال في ترجمته: إنّ والده كان يحبه ويعتمد على ما يقوله في تحرير نقله ويصرح بذلك في في أثناء درسه ويقول أخبرني أحمد بكذا وقال لي كذأن وقد بلغ من الصلاح والتقوى إلى الغاية، واشتهر أمره في بلاد إفريقية اشتهاراً كلّياص حتى أحبه الصغير والكبير وكان منفرداً عن الناس منقبضاً على مجالسهم فلا يخرج عن محله إلاّ لزيارة ولي أو وفي العيدين لزيارة والده، وكان للمرحوم علي باشا والي تونس فيه اعتقاد عظيم وعرض عليه الدنيا مراراً فلم يقبلها وعرضت عليه تولية المدارس التي كانت بيد والده فأعرض عنها وتركها لمن يتولاها وعكف نفسه على مذكرة العلوم مع خواص اصحابه ومطالعة الكتب الغربية واجتمع عنده منها شيء كثير وكان يرسل في كلّ سنة قائمة إلى شيخنا السيّد محمد مرتضى فيشتري له مطلوب وكان يكاتبه ويراسله كثيراً ١هـ. قلت وقد وقفت على ما يقرب من ثلاثين رسالة منهأن كلّها في غاية حسن البلاغة والابتداع تدّل على كمال تحابّهما ﵁ مع ما تتضمنه من تحلية الشهاب المذكور بأوصافه التي كان عليها ولذلك رأيت أن أثبت هنا بعضها فمن ذلك رسالة نصّها: بسم الله الرحمن الرحيم صلّى الله على سيّدنا محمد وآله وسلّم استمد الفيض والموّدة وشعشعان أنوار الأزل بدوام انسجام غمام الفضل الأعلى، وارتسام أرقام أقلام الفرقان الأجلى، في أدواح وألواح سيّدنا الجامع للكمال شملأن عارف وقته وإمام عصره ومقام الإمام العارف لا ينكر أصلأن ألف ألفة الحب الفائق، حاء حقيقة الحقائق ميم مرؤة الأصل الرائق، دال دوام الشهود في حضرة أم الطرائق، وهو سوسي الأصل لكن على باب مولاه الغني ساسي، حكيم الوقت ولجراح القلوب آسي، رئيس بحر الحقيقة مستاسي الأواسي ومرير المراسي، لا زالت صحائف أرقامه بأنوار البديع مرسومه، ولطائفه بزواهر جواهر الحكم مرقومه، مترقيّاً إلى ما يؤمله، والله يرعاه في كل ذلك ويكفله مهدياً إليه أنفس تحيات تفوق على النبات المصري بحلاوتها الشهيذة، وأنفاس تسليمات يمانية تنافست في توجيه هاته القضية، مخبراً أنّه وصلني وصلك الله فيمن وصله وجعل أشكال محبيك منتجة، كما أن أشكال أعاديك عقيمة مهملة كتابك الذي فضفضت ختامه، وانتشقت كمامه ووجدته على علاك علامه، فكان أكرم وافد، وأحسن وارد، وسرني مضمونه، وأبهجني مكنونه، ومددت إلى الله تعالى في الحال أيادي التضرع والابتهال بحصول الشفا لكم على أطيب أحوال، على أن العارفين بالله تعالى سرورهم ممزوج بالأكدار، ومن آياتهم النحول والاصفرار والصبر على ضيق الدار، وعدم التفاتهم إلى ما رزق غيرهم من السعة والإكثار هذا والسيل يحمل القذا وما ثم سدى: [الطويل] ومن سرّهُ أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقداً

стр. 338

وإن توجّه الخاطر الشريف بالسؤال عن أحوال هذا العبد الضعيف، الذي أقامه مولاه في مقام الجمال وربما يعتريه في بعض أوانه الجلال، فالحمد على كل حال جلوتي في خلوتي، وآفتي معرفتي وليتني لم أكن لأعرف فالظهور يقصم الظهور، والشهرة آفة العارف، وربما عجلت له طيبات المعارف، وإذا كان الواهب المنعم بالفيض هو الذي أراد من عبده ما أراد فلا ضير أن يجمع لمن شاء في لذّة النشأتين على المراد نعم يا مولانا أدام الله فضلك وعين غيث برك ثرّة فض لك قد عاد محبكم الحاج سيدي محمد بن كوجك علي وأخوه سيدي محمود القاضي أبو العباس صادرين من أرض الحجاز الناهلين من مكارم القبول العابرين على قنطرة الحقيقة ومجاز المجاز وقد ظهرت عليهم إمارات الإقبال، وعلامات الاتصال، وسكنوا بمصرنا ريثما قضوا مصالحهم وفرغوا من أشغالهم وقد صار لهم نبأ عظيم ارتباط، وحبّ خالص تعلق بالنياط ولا برحوا يترددون إلينا ويعولون في المذاكرة علينأن إلى أن إمتلأ لهم الوطاب وجنوا الثمار المعلومة من تلك الأغصن الرطاب، وعادت حقائبهم مملّوه وركائبهم مجلوه وحصل سيدي محمد المشار إليه في رعاه الله تعالى بعض آثارانا وإن كان بمنزلة الياسمين لا يساوي جمعة فمنها شرح حزب الشاذلي والجزء الأوّل من اآمالي الشيخونية من تجزئة عشرة التي فيها الوسائل ومن اعظمها الجواهر المنيفة في أصول أدلّة مذهب أبي حنيفة وفي الحقيقة كان هو الباعث الأعظم على تأليفه وتهذيبه على هذا النمط القريب فكان إتمامه في مدّة أربعة أشهر وهو غريب في بابه، عقيلة تتبرج للخطّاب في أعتابه فتحت فيه باب الجتهاد، وعلوت بذروة الحفّاظ والنقاد، ولا بأس أن يطلع سيدنا عليه وعلى غيره فما منكم شيء يخبأ وأنتم أهل الفضل تسترون عن محبكم العوار، وتقيلون له العثار، ومثلي معذور، وفي قريحتي القصور، وحالي عليكم غير مستور، وربّما أخبرتم عن عبض ما كنت عليه في المبادي، حين قدمت مصر وأنا أشبه الناس بأهل البوادي، وجررت لسان الغفلات، وجريت طلقاً مع الشهوات، إلى أن كان ما كان وحصلت عناية المنان، وجذبت يدي من العنان، فانتبهت من السكرة، وقد علتني الفكرة، فلم أجد معي إلاّ ما كنت حصلته سابقاً في أيام التحصيل، ولم ألحق ان ألحق بذلك السابق شيئاً من اللواحق، على حسب التتميم والتكميل فهذه قصتي وأنت طبيبي وقد أبرزت لك حالي يا حبيبي، فإن وجدتم شيئاً في شرح الإحياء أو غيره من مؤلفاتنا فاقبلوا عذري واستروا عواري، ومن أخبره عن مخبأ حاله فما قصّر، ومن تجليلات الجلال ما أفصح عنه هذا البيت: [الخفيف] كنت مستأنساً إلى كل شخص ... لفأنا اليوم نافر من خيالي

стр. 339

فأرجو من فضلكم أن لا تنسوني من الدعوات في الخلوات، وعقيب الصلوات، فإني في غاية الفتقار إلى ذلك، ولا يسع القلم أن يفصح بأكثر مما هنالك. وهذا الكتب تخصص بحمله سيد الأحباب، وفرد الأفراد من الأنجاب، والأمل أن يكون هو وأخوه مشمولين بحسن أنظاركم العلية، عائدين إلى الوطن بجبر الخاطر من طرفكم وبلوغ أقصى الأمنيه، وقد ذكرتم لي أنهم خرجوا من تونس متوسلين بسيدي محرز بن خلف قُدِّسَ سره ونفع به وهم الآن كذلك من المحرز الخلف إلى سيدي محرز بن خلف، سالمين غانمين محرزين رابحين فائقين، سهل الله عليهم الأمور الصعاب، وحاطهم بعين عنايته ورزقهم ريح الطياب. ومنا إبلاغ شريف السلام والتحية والإكرام إلى حضرات أحبابكم الكرام سيدنا العلامة مولانا الشيخ صالح بن الحسين الكواشي أدام الله النفع به وإلى أولاد شيخنا المرحوم سيدي محمد الغرياني، ومحبنا الفقيه سيدي حسونة بن خليل وكذلك سيدي حسونة بن عمر القصري، وشيخ بني رياح أصحاب الرماح، والقلانس من البيض الملاح، الحاج أبو النور وولده الحاج محمد وأولاد الخوجة، وسيدي إبراهيم بن الكاهية وسيدي محمد بن هارون، وسيدي محمد البخاري، وسيدي يونس العطار، والحاج سيدي أحمد الكافي، وسيدي علي دانة، ومن ضمتهم سقيفة بني ساعدة الأنصار، من المحبين الأخيار، والمجهز إلى حضرته الشريفة ما هو مسطور في القائمة داخل الكتاب يكون إن شاء الله تعالى مقبولاً عند لثم الأعتاب وما فيها من الرسائل فقد اتفق تصيلها على حسب الاستعجال ولم يمكن أن أنظر إليها ثانياً أو أقابلها على أصولها المنقولة إليها لما أنا عليه كم ازدحام الواردين وتحويم الحايمين على هذا المنهل الذي أكاد أن أقول هو عذب حتى يكون سبباً لهذا الازدحام فإني أدرى بما عندي من البضاعة، ولا عليّ في مدح من لم يطلع على خبيئة حالي ولكن أصبر وأقول: لولا الملهم ألقى في روعهم لما حاموا وأحبابنا القادمون سيخبرونكم عن بعض ما شاهدوه ومن منن الله عليّ أن في يوم واحد من شهر شعبان الماضي ورد عليّ كتاب أكبر علماء بغداد ومن مفتي مدينة دمشق ومن مفتي مدينة الحلة ومن ابن مفتي الموصل ومن طالب من الحديثة ومن سلطان مدينة كوكبان، ومن أرض اليمن ومطلةب الكل الدخول في هذه الزمرة، ولولا قوله : (وأما بنعمة ربك فحدث) لَمَا تكلمتُ وأنتم أعلم بفحوى نطقي وأعرف بما في فؤادي ولما كان لسان القلم في إدلال وطول وصورة الوقت في طول أحببت أن أختم الكلام بالحمد لله على الدوام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنام، وعلى آله وأصحابه الأعلام ما هطل ركام، وسبح الرعد في الغمام. من داعيكم المكنى عند أهل الظاهر بأبي الفيض وعند أهل الباطن بأبي الوقت والملقب بالمرتضى محمد بن محمد بن محمد الحسيني الواسطي العراقي الاصل ثم المصري، غفر الله زلله وأصلح حاله، آمين في ليلة الاثنين ١٧ جمادى الثانية سنة ١١١٧. ومن ذلك رسالة هذا نصها: من عبد الله الفقير إليه سبحانه الراجي عفوه وغفرانه محمّد مرتضى أبي الفيض أصلح الله بالتوفيق حاله وزان بالتسديد ما شانه وصانه -آمين- إلى شيخه الولي العارف، صاحب الفضائل والعوارف، ومحط رحال الكاملين، نتيجة العلماء الصالحين، الشاكر لما أولاه ربه في كل وقت وحين، فريد وقته ونسيج دهره، قطب عصره، الشيخ سيدي أحمد السوسي. [الخفيف] مقتدى السير درة الفضل بحرٌ ... زاخر فاض لجه بالنفيس خصه الله بالكمالات طرا ... فعلى بابهم طرحت طروسي لا بقرح قدوة لمن اقتدى، وسراجاً لمن استرشد واهتدى، يشار إليه في العلوم وفي التقى، ويومأ إلى تفضيله في المحافل، وبعد فأهدي إليه سلاماً مثل أنفاس الصبأن وولاء مثل أيام الصبأن وثناء عرفه على المسك رباً وأعرفه بوصول خطابه العالي، الفائق على حبات اللآلي، ولما قرأته حن قلبي، وازداد قلقي وكربي، وكلما تنسمت عبير القرب أراح إلى اللقاء لبي، فها أنا بين شوق منضج وتوق مزعج، ولوعة وبلبال، وألم وأوجال، والله المسؤول أن يهيْ لي مقدمات أسباب تكون منتجة للقاء الأحباب، هذا وإن متحملي هذه البطاقة إلخ، والسلام الذي يتضوع عرفاً ويوالي عرفأن وتتضاعف منحه وهباته، عليكم ورحمة الله وبركاته في ١٠ ربيع الأول سنة ١٢٠٣. ومن ذلك رسالة هذا نصها:

стр. 340

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على من لا نبيْ بعده وسلم تسليماً (قل الله ثم ذرهم) اللهم اجعلنا ممن أقمته في مقام، فأقام وأستقام، وانقاد بحسن الاستسلام من عبد الله سبحنه الراجي عفوه وغفرانه محمد مرتضى الحسيني، رزقه الله الشهود العيني، إلى شيخه الإمام العارف معدن اللطائف وملجأ كل خائف قدوة الأيّمة، وكاشف كل غمة، الفرد الرباني والهيكل الصمداني، قطب عصره، ونسيج وحده في مصره، سيدنا ومولانا أحمدى ابن سيدنا شيخ الشيوخ المرحوم سيدي عبد الله السوسي فتح الله إليه سفراً عن كل محجوب، وكشف لبصر بصيرته مخبآت الغيوب، واستعبد له أحرار أسرار القلوب، وملكه قياد كل فرض ومندوب، حتى يرقى لدرجات المقربين، ويتضح له نهج الحق واليقين، فخالص توحيد الرب عبارة عن رضاه بما أقامه مولاه، والتسليم لما أراده منه بلا انزعاج ولا قلق وهذا هو منتهى منازل السائرين. وبعد، حيث لا قبل ولا بعد، فإني أحمد الله بما أنعم، وبما ألهم، وأشكره اعترافاً بما أكرم، وأصلي وأسلم على حبيبه الأعظم، واستغفره لي ولكم وللمسلمين واستنجده لرفع ما بكم بحيث لو كانت على جبل رضوى لاندكت وتلاشت، وأسأله لي ولكم الأستقامة، فإنها فوق كل كرامة، ومع هذا فمقام الاخلاص، ينادي تثبت ولاة حين مناص، ثم أني أهدي لكم سلاماً لو تمثل كان دراً وياقوتاً يقلب في اليدين، وحُبّاً خالصاً لم يمازجه دنس الرين، فمن رآني ورآكم واحداً فهو بعينين، ومن رآنا اثنين فهو بعين، هذا وإن كتابكم الكريم في أبرك الساعات وصل، وبه أنس الشهود حصل، وقوبل حامله السيد الشريف محمد الشعشعاني بالإكرام، وعومل معاملة الكرام، واستفدت من هذا الكتاب، صحة الانتساب، والرجوع إلى الحق بكمال الرضى والاستصحاب، وأنه سبحانه هو المطعم وهو الساقي وهو الشافي، ومن الغريب ما بين الساقي والشافي من الجناس الرافع للالتباس، والدخول في هذا الباب من لوامح خالص التوحيد، ويتضح لكم سر ذلك إذا تصفحتم كتابنا الذي ومصل إليكم مما يتعلق بحلّ كلام الإمام أبي حامد قدس الله سره وفي الإشارات ما يغني، وفي التلويحات ما يقني، وقد التقينا بأكبر أحبابكم إلخ والسلام الذي طابت نفحاته عليكم ورحمة الله وبركاتهِ حرر في شهر ربيع المكرم سنة ١٢٠٣. ومن ذلك رسالة هذا نصها: من العبد الفقير البائس الكسير أبي الفيض محمد مرتضى الحسيني بصره الله بعيوي نفسه، وجعل يومه خيراً من أمسه، إلى حبيبه في الله ورسوله الإمام العارف منبع العوارف مظهر أنواع اللطائف الأستاذ الأكرم الملاذ الأفخم سيدنا ومولانا شهاب الملة والدين أبي الإخلاص سيدي أحمد السوسي أمده الله بروح اليقين، ومكنه في مراتب التمكين.

стр. 341

أما بعد فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأصلي وأسلم على حبيبه محمد ﷺ وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين يُحيط علمه الكريم، بعد إهداء أشرف تحية وأكرم تسليم، أن الفقير لم يزل يتزايد فيه حبكم ويتعمر بودكم قلبه، ويستضيء بأنوار صَدَاقتكم لبه، وقد وصل مثاله العالي صحبة الجناب الأكمل سيدي مصطفى ابن قاضي تاستور فقوبل بالرعاية على ما يليق بامثاله ووجهناه إلى بندر السويس ثم وصل المثال الثاني صحبة أكمل الأحباب سيدي محمد بن اسماعيل من أهل قصر سليمان مع أخيه سيدي أحمد فقوبل بالرعاية مما يليق بأمثالهما ولازمانا مدة خمسة عشر يوماً كل يوم عندنا من الصباح إلى العشي حتى توجها مع الركب المصري والله يحملهم بالسلامة ويردهم سالمين. وقبل هذا التاريخ حررنا لكم جملة مكاتبات وفي كل منها ما يغني عن الإعادة هنا فإن في كل منها من المقاصد والإشارات ما ليس في الآخر لعل جملتها أو بعضها وصل إليكم وإلى الآن ما ظهر لنا خبر عن وصول الأمانات التي أرسلتها إليكم وهذا التعويق كله بإرادة الله وقدرته وليس لنا إلا التسليم مع كمال إخلاصنا في محبتكم وصدقنا فيها وكأنّ تاخير الجوابات هو الحامل الأكبر لحضرتكم على نسبة القصور إلينا في محبتكم، والحمد لله فقد برّأنا الله من ذلك، وجواباتنا قد تتابعت كالمطر، وتراسلت على الأثر، وتوالت مع كل متوجه إلى الجناب، قاصدٍ للرحاب، والموصل هو الله تعالى. هذا مع وفور أشغالي وتلون أحوالي مع الأجناس المختلفة والانواع المتكثرة بحيث أكون مع كلٍّ مخاطباً مجالسأن وبلسانه مؤانسأن وقد أوردت بعض أحوالي في هذه الأبيات لا بأس بالتأمل فيها: [الطويلي لقد حمّلتي فكرتي كلّ شاغل ... تحملته في كاهليَّ ثقيلُ كمجلس إملاء ودرس يعوده ... تواددتعليل له ودليل وطال إسماع وحاجة نفسه ... وطال علم في البحوث سؤول وكلّهمُ يرجو نجازَ أموره ... ويصخب إن أرجأته ويصول وكتب جوابات إلى الروم كلّها ... بتزكية مني عليّ ثقيل لعمرك أبناء الرسائل كلهم ... إذا عُوّقُوا نحو العقوق يميل وشرح لإحياء ونوم وراحة ... وأكل وشرب يعتليه ذهول وفي نَفَس ترويح نفس أجمتها ... وتأنيس أهل هزلهن هزيل وأمر مَعادي رحت فيه مفرطاً ... وأمر معاشي قد حواه وكيل وأما مداراة الأنام وشرح ما ... ألاقيه منها فالكلام يطول فهل لامرئ في ذا تفاصيل أمره ... فراغ لتحرير الجواب يقول فعذراً فما أخرت عنكم جوابكم ... لبخل ولكن ما إليه سبيل ووقع النظر في كتابكم استدعاء الإجازة من الفقير فقدمت رجلي وأخرت أخرى وغلبتْ عليّ الهيبة واستشعرت تغير مزاجكم اللطيف إن لم أكتب فبرز الغذن الإلهي بكتابة كلمتين في أوراق في طيّ هذا الكتاب على وجه الاختصار من غير ذكر إسناد ولا تعيين كتاب وأنّى لمثلي أن أجيز لمثلكم ولكنّ المحبة تستر كل عيب فإن تشوقت الأنفس إلى معرفة بعض الأسانيد للفقير فحامل الكتاب قد كتبت له إجازة فيها بعض المقصود فلا بأس أن يطلع عليها مولانا إن تعلق غرضه بنقل نسخة وإلا فالستر على العوار هو المطلوب، وولدي السيد عبد الله أبو الفضل يرمق بطرف عينه مترقباً لورود مبشرة حجاب، يكون حرزاً له وهو يقبل الأيدي الكريمة ويطلب منكم الإجازة وممن ترون فيه الخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم. ومن ذلك رسالة هذا نصها: إن أشرف ما يهدى وألطف ما يسدى سلام أطيب من نسمات الصبا حركت الأفنان وأطرب من تغاريد الأطيار أمالت الأغصان، وأحلى من عتاب حبيب مواصل، وأعطر من ربى أزهار الخمائل، إلى حضرة مولانا وسيدنا وشيخنا كعبة الآمال مطلع شمس الإقبال، حبيب أرباب القلوب وأهل الأحوال، نعمة الله على الخاص والعام، ومنته سبحانه على كافة الأنام، الإمام العارف، والهمام الواصف، خلاصة أهل الله الشيخ سيدي أحمد بن عبد الله مهديّ الزمان، المشار إليه بالبنان: [الخفيف] للمعالي بقيت في خير حال ... بلآلي الكمال والمجد حالي أنت والله قدوة وإمام ... عمدة في مآله والفعال

стр. 342

نستمد من فيوضات الحق سبحانه لجنابكم الكريم، مزيد الفضل العميم، وامتداد آمالكم، وانتفاع المسلمين بطول حياتكم، وانسداد أبواب السوء عن حوزتكم وجهاتكم، أما أحوالي فهذه المدة التي مضت كلها وأنا مشغول باتمام شرح الأحياء وقد وصلت الآن في شرح كتاب المحبة والباقي أأربعة كتب وهانَ الأمر بمنة الله تعالى وبركة أنفاسكم الطاهرة، فهذا هو الذي يمنعني من مشاركة الناس في أحوالهم وأخبارهم، ولولا الخلوة ما كانت الجلوة، وقد فرحت بما أشرتم في كتابكم لشيْ مما يتعلق بسيدنا القطب سيدنا محرز بن خلف- قدس الله سره- فإني أعرف أنه من أكابر الأولياء المتصرفين في عالم الغيب وكنت مشتاقاً لسماع شيْ من سيرته الحسنة وإنني من المعتقدين فيه والمعترفين بفضله، حشرنا الله في زمرة محبيه، وما نقله أبو عمران الفاسي عن القاضي أبي بكر الباقلاني فإنَّه صحيح لاشكّ فيه وهو يشير إلى مقام الصديقية العظمى وله خلافة الحق المعنوية، وكمال رتبة الإنسانية التي بها تمت لهالصورة المعنوية بعد النفخ والتسوية فرضي الله عنه، وأرضاه عنا. ثم إن المولى الشهاب الشيخ أحمد السةسي أتى عليه في آخر أمره مرض اعتكف به على العبادة في داره إلى أن أدركته المنية فتوفي في شهر رمضان المعظم سنة ١٢٠٨ ثمان ومائتين وألف. وأما والدهم العالم الشيخ عبد الله السوسي فقد ولد بمكسال من سوس المغرب الأقصى، وقرأ هنالك، وخرج منها لحج بيت الله الحرام سنة ١١٢٧ سبع وعشرين ومائة وألف، وأخذ الحديث بمكة عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري الشافعي الذي كانت وفاته يوم الاثنين رابع رجب سنة ١١٣٤ أربع وثلاثين ومائة وألف وقد جمع ثَبت أسانيده ولده المحدث الشيخ سالم بن عبد الله البصري في كتاب سماه "الإمداد بمعرفة علو الإسناد" ﵃ أجمعين. ثم إن صاحب الترجمة السوسي ارتحل إلى تونس وأخذ عن العالم الرباني الشيخ إبراهيم الجمني والشيخ علي بن أحمد بن الحق اليمني التميمي الأنصاري وأقام مدة بالقيروان إلى أن حاصرها الباشا علي بن محمد فقدم إلى تونس وتصدى لبث العلم. ولما أتم الباشا بناء مدرسة حوانيت عاشور عرض مشيختها على الشيخ علي سويسي فامتنع من قبولها وأشار على الباشا بتولية الشيخ عبد الله السوسي، فأولاه إياهأن فكان أول شيوخها وقد ذكر الشيخ محمد مقديش الصفاقسي في تاريخه نزهة الأنظار في عجائب التواريخوالأخبار أنه مرض مدة فأوتي براتب مشيخة المدرسة فامتنع من قبوله مدة حتى بلغ خبره إلى الباشا فأرسل إليه يقول له: إني لم نجعل لك الراتب في مقابلة الإقراء وإنما جعلته لك إعانة عليه وبمقتضى ذلك يلزم أن تقبضه فقبله ﵁. قيل: إن الشيخ لطف الله الأعجمي لما قدم إلى تونس حضر بالمدرسة المذكورة وحين علم أن شيخها هو صاحب الترجمة أخرج تقييداً من جيبه فنظره ثم قال: إن هذا الشيخ قد أُمرنا بزيارته وعند ذلك طلب الاجتماع به فجلس بين يديه جلوس التلميذ، وإنّما يعرف الفضل ذووه. ولما ذكَرَ الحاج حمودة بن عبد العزيز في تاريخه علماء دولة المقدس حسين باي بن علي قال وواحد المغرب علماً وديناً وورعاً أي محمد عبد الله السوسي الوافد عليها من المغرب الأقصى ١هـ. وذكره المولى حسين خوجة في تاريخه بشائر أهل الإيمان فقال فيه ما نصه: منهم العالم العلامة المحقق المدقق الشيخ سيدي عبد الله بن محمد أصله من بلاد سوس المغرب وقرا في أحواز مراكش وفاس النحو والصرف والفقه، ثم انتقل ورحل إلى مصر ومكث بالأزهر مدة وأخذ عن أجلاء الوقت وعلمائه وفي عوده مكث في جزيرة جربة واستقر بمدرستها وأخذ عن الشيخ الفاضل البركة العالم الزاهد سيدي إبراهيم الجمني ثم قدم إلى القيروان واستقر بها وتصدى للتدريس أولاً بزاوية صاحب المناقب الظاهرة والإشارات الباهرة الشيخ الولي الصالح سيدي سعيد الوحيشي نفعنا اللهبه وأقرأ بها مدة واشتهر بالعلم ' فاستدعاه الأمير حسين باي ورتبه في مدرسته بالقيروان وهو الآن شيخها ومدرسها عالم بالفقه والنحو والمنطق والبيان والأصول والفقه والحديث، فأقاد منها وأجاد، وله درس عظيم ومدحه الخاص والعام وهو رجل أسمر اللون حسن القامة مليح الوجه صاحب سكينة ووقار عفيف دين ذو مهابة وله ميل إلى الخمول اه.

стр. 343

وقد عده الشيخ المختار العياضي في مفاتيح النصر في علماء العصر فترجم له بما نصه. الفقيه أبو محمد الشيخ عبد الله السوسي هز من العلماء الأعلام، كأنما هو ضياء في جبين الإسلام، وبدر علم لا يفارقه التمام، جيد المعرفة بالنحو والبيان وبعلم الفقه والحديث والكلام، خزانة تحقيق، ومعدن تدقيق، قدم من المغرب إلى تونس وجدَّ في القراءة على مشايخ ذلك العصر منهم الشيخ الصفار. ثم ارتحل إلى المشرق فعكف على العلم ساهرأن وقطف منه رياحين وأزاهر، ثم رجع إلى إفريقية فاستوطن القيروان ولازم بها التدريس والإقراء فمكث بها برهة من الزمان، حتى كان بها من أمر الله ما كان، فانتقل تحت الجناب العلي والفخر الجلي مولانا الباشا علي فأغمره في بحر إحسانه الزاخر، وصار معدوداً من العلماء الأكابر، وقد أثبت من شعره ما يدل على علو قدره فمن ذلك قوله يمدح النبي ﷺ ويتشوق: [الوافر] أَحنُّ وما إلى وطني اشتياقي ... ولا شوق إلى كاسات ساقي ولا طرب لرنات المثاني ... مجاوبة بألحانٍ رقاق ولا للغانيات ولاجياد ... يسابقن الراح لدى السباق ولا للروض قد حفت بزهر ... بكل الطرف منها بائتلاق ولا لسماع أسجاع القَمَاري ... على دوح تُخَالِلُها السواقي ولكن طَيْبة المختار طه ... علت شرفاً على كل الأفاق إلهي أوثقتْ رجلي ذنوبي ... على الحرمين فاحلل لي وثاقي أعدني كي أموت بها إلهي ... بجاه المصطفى بدر اتساقي على دين حنيفيّ معافى ... من الأهوال ساعة كشف ساقي وصلى الله ما هزت سرورا ... قلوب العاشقين لدى ألاقي على المختار خير الخلق طرا ... وأفضلهم جميعاً باتفاق وآل ثم صحب ثم تال ... بإحسان إلى يوم المساق قلت وقد أخذ عنه كثير من علماء جامع الزيتونة كما تقدم ذكره في تراجمهم وختموا عليه أعالي كتب المعقول والمنقول وتناشدوا بين يديه رائق الشعر عند أختامه وقد أصيب في آخر عمره بضعف بصره فكتب إليه الشيخ علي الغراب بقوله: [الطويل] ألا أيها الحبر الذي بحر علمه ... له في الورى يبدو تلاطمُ أمواجِ إذا سنح المعنى العويص بذهنه ... فذلك صيد لم يكن منه بالناجي لئن حل في عينيك ضعف فقد غدا ... بفكرك في الأشياء قوة إنتاج إذا عَرَضَ المعنى العويص مسابقاً ... ترى كلّ ما قد ضاق أوسع منهاج وإنك بحر موجهُ متلاطمٌ ... وما البحر يوماً للعيون بمحتاج شفاك إله العالمين بفضله ... إلى أن ترى ما دق في ظلمة الداج وأخرج منها داخل الداء مسرعاً ... على غير إيذاء بألطف إخراج بمن خصه المولى برؤية كلِّ ما ... غدا خلفه واختص منه بمعراج عليك سلام يحسد المسك نفحه ... يجدد أفواجاً لكم بعد أفواج ولم يزل في جلالته وكماله ناشراً لواء العلوم إلى أن أدركه الأجل المحتوم لما حضرته الوفاة جمع أولاده الثلاثة وقال لهم من ترك أولاداً مثلكم هل تنفذ وصيته؟ فقالوا له نعم ونحن سميعون مطيعون فقال لهم إذا مت فاغسلوني على السنة واحملوني إلى قبري من غير جهر بالذكر أمام النعش وتوفي ليلة الخميس السابع عشر من شوال الأكرم سنة ١١٧٧ سبع وسبعين ومائة وألف ونفذ بنوه وصيته وقد رثاه الشيخ محمد الغضبان بقوله: [الطويل] أرى الكون من فقد السريّ تصدّعَا ... وركن الهدى من بعده قد تزعزعا وذابت فحول العلم من موت ماجدٍ ... تصرف في كل الفنون وأبدعا هو السند السوسيُّ من عَرْفِ بحثه ... نسيمٌ به روض العلوم تضوعا فكم شنّف الأسماع جذب حديثه ... إلى أن غدا كاس البلاغة مترعا وكم منح الطلاب مجداً مؤثلا ... ووشحهم برد البيان منوعا وكم حل إشكالاً عليه تقاصرت ... عزائم مَن في المشكلات تضلعا وكم برزت للفكر أجياد فكره ... فقاد بها صعب العويص وطوعا وكم بات في دجن يسامر بحثه ... فأثر بالجميل مولعا تعود ذكر الله في كل حالة ... إلى أن أتى الإجلال أن يتقطعا وأبدت رياض العلم غب وفاته ... ذيولاً يرى منه أسى وتوجعا

стр. 344

صلاها لهيب الوجد حتى كأنها ... هشيمٌ أمالته الرياح مقلعا وطارت به فوق الأكفّ تكرماً ... إلى أن علافوق الؤوس مشيعا وأضحت ربوع الأنس منه بلاقعا ... وصار كبدر بالمحاق تقنعا ففاضت عيون الحاضرين تأسفاً ... وقامت على الأطلال تَسكبُ أدمعا وغيّب فخر الدين في الترب بعدما ... تسربل في برد الرضى متافعا وحفت به أنجاله فكأنهم ... بدور بها أفق المهابة رصعّا وعهدي بهم من أمهم بملمة ... كسوه من الصبر الممدد أدرعا ولكن ريب الدهر كدّر صفوهم ... بفقد الذي فيه الكمال تجمعا عليه من المولى شآبيب رحمة ... وأسكنه روض الجنان ممتعا بحق رسول أعطر الكون نشره ... ومن كفه ماء نمير تنبعا عليه متى هب النسيم تحية ... تُقبِّلُ ترباً من سناه ترفعا ورثاه الشيخ لطف الله الأعجمي بقوله: [البسيط] رمى الحمام سهام البطش وابتدرا ... فقال ما يتمنى وارتضى القدرا كشخص طيف سرى أو ظل قائلة ... أم السراب رأى الظمآن ما نكرا أم شمس فضل عدت بالكسف أو قمر ... أوى الأفول أو البرجيس قد سترا لله در صفي بارع ندس ... حبر شفوق رضي مبرز غِيرا سُوسيهم مولدا أصفاهم خلدا ... في مذهب مسعد بالمالكي افتخرا عمر تزاحم فيه المجد منسجما ... والعلم والحلم من أردانه انتشرا والزهد غب صلاح لم يزل ثملا ... من قرقف البر لما كان مشتهرا شرّفت بالنشر إفريقية فسمت ... شأناً على كل أرض الغرب وانتصرا فاشتف كل غليل قدر مطلبه ... طفل وشب كهولا عمهم أثرا هاجت زكية نفس منك سامية ... إلى حظيرة قدس فاصطفت سفرا فحبذا موئل نعم المحيط لها ... عيش نعيم هني خالد طهرا غطريف رهط أتيت هاهنا وكذا ... نعم العلا ودلاص العين مدّخرا في سبسب بِهمُ فاحت شقائقه ... بالمسك كالغادة الحسناء حين تُرى لا سيما بذريمن قد خصصت به ... نجلاً أصيلاً حفيداً بالثناء عرا أغصان فيض إذا ماست يحاولها ... رشدو فيها جنى منها الرضى ثمرا يُبقيهمُ بسرور ما حوى كرما ... عليك غفران ربي خالق لورى الجراديون والدة جدتي للام هي آمنة بنت الشريف أبي الحسن علي ابن الشيخ علي أيضاً جراد بيت شرف متصل برسول الله ﷺ أما والدة آمنة المذكورة فهي شلبية بنت التاجر محمد بن الطاهر بن زاكور الفاسي، وقفت على رسم وفاتها عليها رحمة الله. وقد أضاف الشيخ علي جراد إلى شرف نسبه شرف حسبه فكان عالماص عاملاً فاضلاً تقدم لخطة التدريس وولي إمامة جامع باب الجزيرة وتقدم للتدريس بمسجد القنيطرة، وقد زيد ولده بعد وفاته فسمي باسمه. واشتغل بصناعة الشاشية وهي الصناعة التي بقيت لبنيه. وكيفية اتصال نسبي هو أن العبد الضعيف محمد السنوسي بن منا السقاطية بنت فاطمة السوسية بنت الشريفة آمنة بنت علي ابن الخطيب المدرس الشريف علي جراد، وكان أبو عبد الله محمد بن علي بن علي جراد موثقاً تقدم لخطة العدالة واسترزق بالإشهاد بتونس وكلهم يلبسون العمامة الخضراء علامة عن شرفهم المشهور، وهم فروع ثلاثة من أصل واحد بمدينة القيروان ومنهم الولي الصالح الشيخ علي جراد صاحب الكرامات المشهورة في القيروان وقد توفي في حدود الثمانين ومائة وألف، والفرع الثاني ببلد مساكن من عمل الساحل، والفرع الثالث مقيم بتونس، وقد اتصلت بسلسلة آباء الفرع المساكني فكان منهم الشريف أبو عبد الله محمد بن أحمد بن صالح بن رمضان ابن المدرس إبراهيم جراد بن علي بن علال بن محمد بن علي بن محمد بن محمد أيضاص ابن عمر بن عبد الواحد بن أحمد بن علي بن يحيى الجوطي بن القاسم بن إدريس الاصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ . المحجوزيون

стр. 345

أم والد والدة جدتي للأم هي الشريفة الأصيلة منا بنت الشيخ أحمد ين سعيد بن إبراهيم المحجوز، وذلك أن والد والدة جدتي للأم هو الشيخ علي بن علي جراد على ما سبق ذكره، ووالدة الشيخ علي المذكور هي منا المحجوزية إذ أن والده سميَّه الخطيب المدرسَ الشيخ علي جراد قد تزوج بها وأوتي منها بولده سميِّه وهي إحدى الست من بنات الشيخ أحمد بن سعيد إبراهيم المحجوز توفي أحمد المذكور عنهن وعن ولده أبي النجاة سالم المحجوز، وقد وقفت على تضمين رسم وفاة الشيخ أحمد المذكور في أثناء رسم بيع تضمن أنه توفي عن زوجنه ملوكة بنت الحاج الحمامي وولدِه سالم وبناته خدوجة وفاطمة ومنا وعائشة وصالحة وكبيرة، وكان البيع المذكور أوائل شوال سنة ١١٥٢ اثنتين وخمسين ومائة وألف، وفيه تحليته بالشريف الفقيه الإمام، ولم ندر هل شرفه من قبل والده ولم نر تحليته بذلك أم من قبل أمه وهذه كيفية اتصال نسبي به إذ هذا العبد الضعيف مَحمد السنوسي بن منا السقاطية بنت فاطمة السوسية بنت آمنة بنت علي جراد بن منا بنت الشريف أحمد بن سعيد بن إبراهيم المحجوز ﵁. وكان هذا الجد سعيد بن إبراهيم المحجوز عالماً محدثاً ورعاً صالحاً كثير الرؤيا لرسول الله ﷺ وقد قرأ العلم بتونس على فحول منهم الشيخ أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا وتضلع من المعقول والمنقول وكان حافظاً لصحاح أحاديث الرسول فتصدى لبث العلم وقرأ عليه كثير من الفحول منهم الشيخ محمد الخضراوي وقرأ عليه الصحاح الستة والشيخ محمد سعادة والشيخ عبد الكبير الصوفي والشيخ أحمد الطرودي والمفتي المالكي الشيخ محمد ابن المدروس محمد جعيط وغيرهم، وقد ذكره الشيخ محمد برناز في كتابه الشهب المحروقة في الرد على أهل الزندقة في أثناء استطراده ترجمة العالم الشيخ محمد الزاوي فقال وأنه قد ناب الخطيب المحدث والشهرة له فيه الشيخ سعيد بن ابراهيم المحجوز أحد فضلاء بلادنا وكان أمين المؤدبين وما من أحد تعاطى الحديث ببلادنا من معاصريه إلّا وله به سند وكان شديد النكير على متعاطي شرب الدخان وكان معتنياً بالحديث النبوي وكان يجلس للإقراء على وسادة لعجزه. وقد قرأ مختصر القدوري على الشيخ محمد بالفتح ابن شعبان الحنفي بالمدرسة اليوسفية وتوفي في طريق الحج قبل أن يصل إلى الإسكندرية بغير مرض وإنما أصابه ضعف يوم موته فمات راكباً على بغلته قبل العصر ودفن هنالك ولما رجع الركب إلى ذلك الموضع وجدوه كيوم وضع فحملوه بصندوق ودفن بتونس، وكانت في شهر رمضان سنة ١١١٩ تسع عشرة ومائة وألف عليه رحمة الله. قلت وقد بلغني من بعض ذريته أن سبب حمل الشيخ من مدفنه هو أن الركب لما وصل إلى ذلك المكان عند إيابه وكان كبيره الشيخ الغفاري فرأى الشيخ ليلة مبيته هنالك في النوم يقول له كيف يا أخي نأتي جميعاً وترجع وحدك وتتركني مدفوناً هنا فقال له شيخ الركب وأين يكون دفنك يا سيدي فقال له الشيخ بزاوية الشيخ سيدي منصور بن جردان فقال له إني لم أعلم مكان قبرك حتى أحملك منه فقال له الشيخ انظر العلامة التي تدلك عليه واحملني فلما كان من الغد خرج شيخ الركب يتقصص قبر الشيخ وبينما هو كذلك وإذا بطائر أبيض يحوم حول موضع مرتفع من التراب ونزل عليه فلم يشك في أن ذلك هو قبر الشيخ فأمر بحفره فإذا هو كما وضع فحمله ودفن بزاوية الشيخ سيدي منصور وقبره يقابل الداخل للزاوية بالبرطال وعليه تابوت يزوره زائر والزاوية ﵁. وقد ذكره مؤرخ الدولة الحسينية المولى حسين خوجة في كتابه بشائر أهل الإيمان عند ذكر علماء الدولة فقال ومنهم العالم العلامة الفاضل الإمام الخطيب المحدث فريد عصره ووحيد دهره الشيخ سيدي سعيد بن إبراهيم المحجوز قدوة المحدثين وسند المحققين قرأعلى علماء عصره بمدينة تونس وحصل عليهم وأجازوه في كثير من العلوم وله سند عال في الكتب الستة في الحديث عالماً فاضلاً تقياً زاهداً تصدى للتدريس في أماكن متعددة ثم لازم التدريس بالجامع الأعظم جامع الزيتونة واستفاد منه خلق كثير كان شيخ عصره وزمانه في الرواية والدراية وله شرح على الموطأ غير كامل وتخرج عنه أناس كثيرة.

стр. 346

وكان ﵀ رأى النبي ﷺ مراراً وكان الشيخ يروي الحديث بمسجد محل سكناه ويخرج من داره عند طلوع الفجر وكان كلب العسة يؤذيه فامتنع من الخروج أياماً قال فرأيت النبي ﷺ في المنام وقال لي قم يا سعيد اقرأ حديثي فإن الكلب قد قتل قال فقمت وقلت ما قاله رسول الله ﷺ حق فتوضأت وخرجت فوجدت الكلب نصفين وكان من قدر الله أن اجتاز من هنالك جندي فآذاه فضربه بسيف فقسمه نصفين ومناقبه كثيرة لا تحصى رحمه الله تعالى وسار إلى الحج وتوفي بمكان يقال له المطروح قريباً من الاسكندرية في اليوم السابع عشر من شهر رمضان سنة ١١١٩ تسع عشرة ومائة وألف ودفنوه في ذلك المكان أمانة في تابوت وفي عودهم وجدوه كما كان وأتوا به إلى تونس ودفنوه بمقبرة الشيخ الولي الصالح صاحب المناقب الخارقة سيدي منصور بن جردان نفعنا الله به، وسمعت من تلميذه الشيخ سيدي أحمد الطروبي أنه كشف عليه حين دفنه في سيدي منصور فشاهده كما كان في حياته لم يتغير رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين انتهى. وقد ترجم له مؤرخ عصره الشيخ محمد الوزير السراج في كتابه الحلل السندسية فقال وفي هذه السنة أعني سنة١١١٩ تسع عشرة ومائة وألف طلع مع الركب حاجاً الشيخ العالم العلامة والبحر الفهامة الأستاذ المحدث الصالح الإمام الخطيب الفاضل الذي اتخذ الحديث عزة وفخاراً ودرايته شعارأن وروايته دثارأن كم شفى بلطيف شمائله من معضل، وفصل فصول تبيانه من مشكل، وعدل كفات موازينه بين راجح ومرجوح، وداوى برقة معارفه، ومراهم عوارفه، كل ضعيف ومجروح، أزاح بري روايته عن عطاش القلوب أُوَامأن وأدار سلاف نفحاتها على لائذي أبوابها دوامأن واستقر مقيماً على ذلك الدين أعوامأن فحسن مستقراً ومقامأن وكان كثير الرؤية لسيِّدنا رسول الله ﷺ . كان يتعاطى الحديث ومصطلحه ضُحىً جوفيّ الختمة بجامع الزيتونة ويروي الحديث أيضاً بزاوية الأستاذ، ومن بجاهه للائذين أعظم ملاذ، صاحب البراهين والبركات، وخوارق العادات، أبي الظَّفر، سيدي منصور بن جردان، وكان يؤمُّ بمسجد القنيطرة داخل باب الجزيرة ويخطب بجامع خارجهأن ورأيت بخطه ﵀ في ورقة ما نصه: يقول العبد الفقير إلى الله تعالى سعيد بن إبراهيم المحجوز أذكر هنا ما ألفته من الكتب فمن ذلك كتاب في (الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض) وكتاب (في الدعوات المستجابة) وكتاب في (الأفعال الثلاثية) هل هي من باب نصر أو من باب ضرب أو من باب علم أو من حسب؟ وكتاب (المثلث في اللغة) وكتاب (فيمن رأى الله تعالى في النوم من الأولياء) وكتاب (في رؤيا النبي ﷺ في اليقظة) وكتاب (في الأضداد) وكتاب (في رقم لاإله إلا الله واسم سيدنا محمد وأحمد وغيرهما) وكتاب (في سيرة المصطفى ﷺ اه بحروفه، غير أنه ما سمعنا بمن شاهد هذه الكتب، ولعلها اندرجت في كراريس حزمة قبل أن يسفرها وأهملت. وكان واعظاً حرجاً في حقوق الله تعالى. توفي رحمه الله تعالى عشية التاسع عشر من شهر رمضان من عام ١١١٩ تسع عشرة ومائة وألف بمكان يقال له أبو مطروح قرب الاسكندرية في طلوعه. ثم لما نزل الركب نبش عليه وأخرج من قبره ووضع في تابوت ولم يجدوا فيه من التغير شيئأن مع أن تلك الأماكن أشد حرأن وكفى بعدم تعدي الأرض عليه عنوان القبول مع حرارة المكان وبعد الزمان ثم بعد تلك الحركات بالسفر إلى مدينة تونس وكشفوا عنه فوجدوه كأنه قُضي الآن، ودفن بالصحن من زاوية الشيخ الأستاذ سيدي منصور بن جردان، ﵀ رحمة واسعة. الحياصيون

стр. 347

إن الشيخ المحجوز له اتصال بالولي الصالح سيدي سالم الحياص شهر الهياص تلميذ السيدة عائشة المنوبية رضي الله تعالى عنها ودفين القرجاني على يمين المار إلى مقامها والمتناقل عن الجدات السابقات أنهن يعتزين الشيخ من جهة الأمهات ومع إعمال البحث لم نظفر بجهة الاتصال وذلك ما يؤثره تباعد الزمان من تلاشي ما توجبه التعاريف، وغاية ما ظفرت به رسم مؤرخ سنة ٩٧٥ خمس وسبعين وتسعمائة يتضمن أن الشريف عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الحياص أصله مغربي من العراقيين أبناء سقف وأن قدومهم كان من المغرب إلى المنستير ثم تنقلوا إلى المهدية من الساحل عمل تونس ثم قدموا إلى حاضرة تونس وتوفي الشريف السيد عبد الله الحياص عن زوجته عائشة بنت محمد علي المهدوي وأولاده فرج وعبد الرحمن وبو سلامة وسالم. ثم إن سالماً المذكور قد حفت به العناية الإلهية وسلك طريق أهل أبيه ونال الفتح الرباني على يد ولية الله السيدة عائشة المنوبية ﵂. وقد توفي ﵁ عن زوجته فاطمة بنت مبارك مجيد وأولاده محمد وعائشة وجودة، وقد وقفت على رسم وفاة الشريف السيد محمد بتاريخ سنة ١٠٧٨ ثمان وسبعين وألف تضمن أنه توفي عن زوجته فاطمة بنت محمد الحبكي وأولاده فاطمة أيضاً وعلي وأبي القاسم، وأن السيدة عائشة بنت الشيخ سيدي سالم تزوجت بالوجيه مراد خوجة بن عبد الله التركي ووقفت على رسم حبس أوقفه مراد خوجة على زاوية الشيخ سيدي سالم لإقامة شعائرها وأحزاب ودرس بها وكان رسم التحبيس المذكور بتاريخ أواخر أشرف ربيع سنة ١١٥٨ ثمان وخمسين ومائة وألف متمم بشهادة العدلين محمد العصفوري وعلي بن طاير بإمضاء الشيخ أحمد القاضي الحنفي في ذلك العهد، وفيه جعل النظر للذرية وحيث انقرضت ذرية مراد خوجة المذكور على حين تلاشي الوقف الموقوف على الزاوية رجع الوقف إلى النظر العام ودخل لتصرف جمعية الأوقاف بعد انتصابها بقليل، ثم أقيم درس الحبس المذكور ونقل إلى جامع المقدس حمودة باشا المرادي لعسر الخروج لإقرائه بالزاوية وصدر أمر ولاية العبد الضعيف مدرساً لإقامة الدرس المذكور بجامع حمودة باشا في ٢١ شعبان الأكرم سنة ١٣٠١ إحدى وثلاثمائة وألف، فابتدأت هنالك شرح الدردير على المختصر الخليلي نقرأه بين العشائين نسأل الله التأييد. ومع إعمال البحث في جامع الاتصال بين المحجوزين والهياصيين لم نجد من رسوم الوفيات ما يصح أن نعتمد عليه وذلك ما يؤثره تطاول السنين، ولم ندر أية البنات التي تضمنتها الوفيات الهياصية اتصلت بالمحجوز حتى اتصل بشرفها وإنما بحسب التاريخ والأسماء لم يبق من بنات الهياص من لم يعلم زوجها سوى فاطمة بنت محمد بن الشيخ سيدي سالم ووصف الشيخ أحمد بن سيدي سعيد المحجوز بالشرف في الرسوم دون والده يدل على شرف أمه، وتاريخ وفاة الشيخ سعيد المحجوز وتاريخ وفاة الشيخ محمد بن سالم الهياص صالحان لتزوج الشيخ سعيد المحجوز بالسيدة فاطمة بنت الشيخ محمد الهياص إذ يكون بعد وفاة والدها ووفاة زوجها إحدى وأربعونه سنة، وولدها الشيخ أحمد المحجوز الذي نتصل به وعلى هذا فأحمد المحجوز هو ابن فاطمة بنت محمد بن الشيخ سيدي سالم الهياص ﵁، وعلى كل حال فإن الاتصال في أصله ثابت وجميع أمهاتنا كن يأخذن من ريع حبس الهياص حين كان قائمأن وأما نسب الشيخ سيدي سالم فإنه ثابت متصل برسول الله ﷺ إذ هو سالم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الحياص بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن مسعود بن عيسى بن عثمان بن إسماعيل بن عبد الواحد بن عبد الوهاب بن يوسف بن عيسى بن عمران بن يحيى بن عبد الله بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن محمد بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ . المقصد

стр. 348

لما كان المقصد من الخاتمة هو إتمام التعريف بمن أخذت عنهم من الشيوخ عنونتُ هذا القسم بالمقصد، وقد أردت أن أقدم بين يدي هذا المقصد أسنة عقد نفيس فيمن ولي بجامع الزيتونة خطة التدريس، وذلك أن العلم بجامع الزيتونة قد أتت عليه أطوار من أعزها طوره اليوم أدام الله عمرانه بفحول علماء البلاد وذلك أن المقدس المشير الأول أحمد باشا بايث قد رتب بجامع الزيتونة ثلاثين مدرساً نصفهم من المالكية ومثلهم من الحنفية وجعل للواحد ستين ريالاً شهرياً يخرج من بيت مال المسلمين، واستمر بحفظ العدد المذكور من المدرسين وبذلك لم يزل سوق العلم في غاية الرواج، سالكاً أكمل منهاج، وبهذا أردت أن أجمل ذكر من ولي هذه الخطة المباركة من ذلك العهد الذي هو السابع والعشرون من شهر رمضان المعظم سنة١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف. وهذا بيان الشيوخ الأولين: وهم الشيخ حسين البارودي والشيخ الشاذلي بن المؤدب والشيخ محمد بيرم الثالث والشيخ محمد الخضار والشيخ علي الدرويش والشيخ محمد البنا والشيخ محمد معاوية والشيخ فرج التميمي والشيخ محمد بن مصطفى البارودي والشيخ محمد النيفر والشيخ مصطفى بيرم والشيخ محمد بن عاشور والشيخ محمد عباس والشيخ محمد القبايلي والشيخ حسن فرشيش والشيخ الشاذلي بن صالح والشيخ محمد الشابي والشيخ محمد الشنقيطي والشيخ محمد الأبي والشيخ محمد الشاهد والشيخ محمود بن بالخير والشيخ أحمد القروي والشيخ حسن بن الخوجا والشيخ الطيب الرياحي والشيخ حسن القلايجي الجزيري والشيخ علي العفيف والشيخ قسومة السراج والشيخ أحمد عاشور والشيخ محمد بن الرايس الضرير والشيخ العربي الشريف رضي اللع عنهم أجمعين. ولما توفي الشيخ فرج التميمي أواخر جمادى الأولى سنة١٢٦٢ اثنتين وستين ومائتين وألف ولي مكانه مدرساً الشيخ الطاهر بن عاشور، ولما توفي الشيخ علي الدرويش خامس ذي القعدة من سنة اثنتين وستين ولي عوضه مدرساً ابنه الشيخ أحمد الدرويش حادي عشر من ذي القعدة المذكور وكانت وفاته في الرابع من شهر رمضان المعظم سنة ١٢٦٣ ثلاث وستين ومائتين وألف، ولما توفي الشيخ محمد بن عاشور في صفر الخير سنة ١٢٦٥ خمس وستين ومائتين وألف تقدم عوضه الشيخ علي الرياحي ولي عوضه مدرساً الشيخ أحمد بن نصر ولما توفي الشيخ محمد الشنقيطي أواخر شهر رمضان من السنة المذكورة ولي عوضه مدرساً: الشيخ الحاج عبد الله الدراجي وهو عالم جليل تقي نبيل، حسيب أصيل، ولد بالحضنة قرب المسيلة من عمل قسنطينة من نزلاء وادي برهون أحد أودية الحضنة المذكورة، ومقام جده سمي والده، فمحل نزلهم المشار إليه محط للوافدين والزوار، ومناخ للثقاة الأخيار، وملاذ لذوي المآرب والأوطار، يتوسلون به في قضاء الحاجات، ونزول النوائب المدلهمات، ودفع الشدائد والأزمات، والناس يجتمعون عند ضريحه ما بين قارىء وداع ومستغفر، وموقن لقضاء وطره مستبشر، وشهرة آبائه الآن بقبيلهم بأولاد الشيخ محمد الهذلي أحد أجداده الآتي ذكرهم كما وجد ذلك بخطه ﵀، مع مالهم في محلتهم من الحظ الوافر، من الأكابر والأصاغر، والجاه والقبول، عند كل من الفاضل والمفضول، والكلمة المطاعة، لدى الخاص والعام من الجماعة. وقرأ القرآن على والده ومبادىء النحو، وتنقل إلى قسنطينة، وقرأ بها على علماء ذلك العصر منهم الشيخ أحمد العباسي، والشيخ المكي البو طالبي، والشيخ أحمد بن المبارك، والشيخ محمد الشاذلي، وغيرهم. وأقام بها نحو العشر سنين وتزوج بها وخرج منها عند إصابة الجزائر عام ١٢٤٦ ستة وأربعين ومائتين وألف. وحج بيت الله الحرام وأقام بمصر نحو السبع سنين قرأ فيها على فحول الأزهر. ثم وفد على تونس وأكمل فيها قراءته وتصدى لبث العلم مع القناعة والثبات في الدين وتقدم للتدريس بجامع الزيتونة والإمامة والخطبة بجامع سبحان الله ومشيخة المدرسة المنتصرية وأقرأ فيهما وختم الأختام المهمة وهاجر للمدينة المنورة عام ١٢٨٣ ولازم التدريس بالحرم النبوي إلى أن توفي أوائل سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين وألف.

стр. 349

وقد أدركته بتونس يلبس الصوف وجميع الناس يجله ويعظمه. وقد وقفت على تقييد بخطه على ظهر كتاب عدد فيه بعض آبائه وذلك أنه عبد الله بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمد الهذلي بن سليمان بن خليفة بن عمر بن محمد بن خليفة بن أحمد بن محمد ساسي، وبيتهم مشهور بالشرف والعلم وأفراد العلماء منهم كثيرون ﵃. ولما هاجر هذا الشيخ للمدينة المنورة ولي عوضه مدرساً وخطيباً بجامع سبحان الله الشيخ الطيب السبعي. ولما توفي الشيخ محمد بن مصطفى البارودي ولي عوضه مدرساً الشيخ محمد الأمين بن الخوجة في ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٥ خمس وستين ومائتين وألف، ولما توفي الشيخ محمد بيرم الثالث وتقدم الشيخ محمد بن باكير قاضياً حنفياً ولي عوضه مدرساً العالم المنجم الشيخ محمد بن محمود وحيث انتهى بنا العد إلى ذكر هذا الأستاذ نذكر ترجمته إذ هي ليست أجنبية من غرض هذا الكتاب فنقول: الشيخ محمد بن محمود هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن حمودة بن محمد بن حمودة بن محمد بن محمود الترجمان كان محمود الترجمان على عهد استقلال الدولاتية بتونس مترجم اللغة التركية إلى العرب بين يدي الدولاتي مثل والده، وكان قدومهم من الشام وهو من بني محمود الأعوج أحد ملوك الشام، وقد قتل محمود الترجمان المذكور على عهد مراد باي بوباله قتله هو والدولاتي وباش حانبة في يوم واحد، وفر ولده محمد بفتح أوله إلى الشبخ سيدي علي عزوز بزغوان وأخذ منه مكتوباً وحين وصل به إلى الحاضرة صادف ولاية ابارهيم الشريف باي داي فأحسن قبوله وأذن له بإرجاع جميع أملاك والده من الذين اشتروها بعد بيعها فصالح جميعهم فأخذ بقية قيمة الملك حيث إنّهم أخذوه بثمن بخس وتمم بيعه لهم. وسافر إلى مصر وأقام على خدمة العلم الشريف إلى أن خرج الشيخ علي عزوز وعند عوده رجع به إلى الحاضرة ونشأ بعده ولده حمودة في خدمة العلم وأخذ عن شيخ الإسلام محمد بيرم الأوّل ومن عاصره، وتفقه وطالت يده في الفرائض حتى كان عمدة الفرضيين، وجلس للإشهاد مع إمام المالكية الشيخ محمد المحجوب، وكانت ترد إليه الفتاوي من كل جهة، وربما رجع إليه الخصوم في نوازلهم حتى تشّكى منه الشيخ محمد البارودي للأمير وأرسل له في ذلك فأجاب الرسول بقوله أو أن الناس إذا قدموا غليّ يسألوني عن أمور دينهم نقول لهم منعني الأمير ولم يمتثل ذلك النهي وتوفي بعد الثمانين والمائة والألف. وأما ولده محمد سمي جده فكان عدلاً فرضياًوأقام على الإشهاد هو وأخوه الشيخ محمود وحج بأهله ولمّا رجع صادف انتشار الوباء فأقام بالكرنتينة بحلق الوادي مع أهله وتوفي هنالك بالوباء منتصف شعبان الأكرم سنة ١٢٣٣ ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، ودفن بتربة آبائه بالزلاج. وكان ولده حمودة عدلاً وباش خوجة بجامع حمودة باشا كسائر آبائه وتوفي في صفر سنة ١٢٨٩ تسع وثمانين ومائتين وألف. وولد صاحب الترجمة في المحرم عام ١٢٢٢ اثنين وعشرين ومائتين وألف وبشّر به والده وهو يقرأ على الشيخ أحمد بن الخوجة فقال له الشيخ إنّ ولدك هذا تاريخه "بشّرك" فنشأ بين يدي والده وجمع القرآن العظيم وقرأ على الشيخ مجمجد بن ملوكة الأجرومية والأزهرية والدرة وشرحها بطلبه وقرأ عليه رسالته المنطقية، وقرأ على لاشيخ مصطفى بو غازلي مراقي الفلاح في الفقه، وقرأ على لاشيخ محمد بن اسماعيل المكودي، وقرأ على لاشيخ أحمد بن حسين الشذور، وقرأ على لاشيخ عثمان النجار الفلك، وقرأ على لاشيخ محمود بن باكير العيني والواقعات، وجوّد القرآن على لاشيخ حسين البارودي، وطلب قراءة الخزرجية على لاشيخ محمد الخضار فأجابه لذلك بزاوية سيدي ابن عروس غير أنّه اتفق في يوم البداية أن الشيخ عرض له شغل منعه من الحضور فكتب إلى تلميذه بقوله: [الطويل] أيا نجل محمود ومن مثل محمودِ ... إليك اعتذاري أن أخالف موعودي سأطلب من جدواك تأخير درسنا ... لحين وإني باذل لجهودي فكتب إليه صاحب الترجمة بقوله: [الطويل] أيا سيّداً بالفضل والرأي يحمدُ ... لك الهمّة العليا ومجد وسؤودُ سأصبر للتأخير حيناً لدرسنا ... ولكن إلى لقياك شوقي مجدد

стр. 350

وقرأ على لاشيخ أحمد الأبي الفاكهي وقطعة من الأشموني، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة السعد والمكودي والدرر، وقرأ على الشيخ محمد بيرم الثالث النصف الثاني من السعد ودروساً من الدرر، وقرأ على الشيخ عبد الرحمن الكامل السعد على العقائد النسفية. وتصدى للتدريس فأفاد الطالبين وتقدم لخطة التدريس في الرتبة الأولى ايتداء عوض الشيخ محمود بن باكير عندما تقدم الشيخ لخطة القضاء ولازم التدريس بجامع الزيتونة. وتضلع في العلوم الفلكية وأحكام التنجيم وصدق عمل النصية منه مع الشيخ الخضار والشيخ عثمان النجار في كثير من الوقائع ولمّا ولي المشير الثاني محمد باشا وظهر من صهريه شيخ الإسلام وأخيه المحتسب تصرف في أمور كثيرة عمل في تلك نصبة وأخبر بقرب تقشع ذلك الأمر، وبلغ ذلك إلى شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الرابع وكان يومئذ قد ألزم جميع المدرسين بلبس الزمالة ولصاحب الترجمة ألم برأسه امتنع بسببه عن لبسها فأحضره في بيته وعنفه وأغلط عليه القول في شأن لبس الزمالة حتى قال له كيف لا تلبس الزمالة وأنت رجل تحكم يعني الأحكام التنجيمية إلى غير ذلك مما هو غير وعند فراغه من ذلك المجلس توجه للأمير وطلب خطة الكتابة، واستعفى من خطة التدريس، فآثره خصوصياً في بيته وذلك سنة إحدى وسبعين ونال عنده الحظوة التامة. وبعد وفاة مخدومه أقام على الكتابة بديوان الإنشاء وتطور به لاحال إلى أن أدركه ضعف البدن فلازم جبل المنار سنين متطاولة لحسن الهواء وتعفف عن إعمال النصبة حتى أن وزير تونس مصطفى بن اسماعيل ذهب إليه وطلب منه العمل فلم يجبه، وقد رأيت منه مع ذلك محاسن أفهام مبنية على قواعد حسابية مختلفة. أدركته وهو من القناعة والظرافة واللطافة بمكان عظيم مع علو الهمة والخيرية والفضل، إلى أن توفي في جبل المنار يوم الأحد ودفن يوم الاثنين الخامس عشر من ذي الحجة الحرام سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين ومائتين والف ودفن جوار قبر الست ميمونة قرب الناظور، عليه رحمة الله. وممن ولي التدريس الشيخ أحمد بيرم وكانت ولادته بعد زوال يوم السبت من المحرم سنة ١٢٣٥ خمس وثلاثين، وقرأ على فحول شيوخ عصره، ونبغ في الأدب والشعر وتقدم للتدريس في الرتبة الثانية في المولد النبوي سنة ١٢٦٥ خمس وستين، ثم ارتقى للرتية الأولى في ١٨ جمادى الثانية ١٢٧١ سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف، وولي وكالة جامع المكنين في ٩ صفر عام ٧٢ وعضواً في المجلس الأكبر في ١٠ شعبان سنة ١٢٧٨، وله ديوان شعر رائق وغزل فائق. وتوفي في ربيع الأول سنة ١٢٨٠ ثمانين ومائتين وألف. وقد أدركت من الشيوخ المالكية الشيخ محمد النفطي والشيخ محمد المارزي، والشيخ سليمان التبرسقي كلهم مدرسون في الرتبة الأولى. ومن الشيوخ الحنفية الشيخ محمد برناز، والمجود الشيخ محمد الستاري، والشيخ حمودة قلايجي، والشيخ مصطفى بن الطيب، والشيخ محمد الأبي كلهم في الرتبة الأولى، والشيخ الحاج محمد بن حمدة بن مراد توفي بعد غروب ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من ربيع الثاني سنة ١٣٠١ إحدى وثلاثمائة وألف عليه رحمةالله. وممن مات في الرتبة الثانية الشيخ حسونة الشحيح المالكي، والشيخ عبد الرزاق الجزيري، والشيخ مصطفى الأبي عليهم رحمة الله. وهكذا تنقلت خطة التدريس بجامع الزيتونة من عالم حتى كانت اليوم بيد علماء العصر وهم الثلاثون الآتي بيانهم الشيخ الأمين بن الخوجة، والشيخ محمد الشاهد، والشيخ أحمد كريم والشيخ محمد النيفر. والشيخ حسونة عباس والشيخ سالم بوحاجب، والشيخ الطيب السبعي، والشيخ محمد بن مصطفى خوجة إمام المحلة، والشيخ الحاج العربي المازوني، والشيخ مصطفى رضوان، والشيخ عثمان الشامخ، والشيخ محمد النجار، والشيخ الشاذلي بن القاضي، والشيخ الطيب النيفر، والشيخ محمد بن إسماعيل بن محمود، والشيخ البشير التواتي، والشيخ الشاذلي بن مراد، والشيخ حسين بن أحمد بن حسين، والشيخ محمود بن اسماعيل بن محمود، والشيخ الصادق الشاهد، والشيخ أحمد بن محمد بن مراد إمام مسجد حمودة باشا. وحيث إن محط نظر هذا المقصد هو التعريف بالشيوخ أساتيذي رضي الله عهم فإني نذكرهم على حسب مراتبهم في تاريخ ولاية التدريس ﵃ أجمعين. الشيخ أحمد عاشور

стр. 351

هو شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد عاشور الصدفي الأنصاري الساحلي، ولد ببلد بو علي من عمل الساحل، وقدم إلى تونس في طلب العلم الشريف، فأخذ عن فحول منهم الشيخ أحمد بوخريص والشيخ إبراهيم الرياحي والمولى الجد الشيخ محمد السنوسيّ، والشيخ محمد بن ملوكة وغيرهم. وتصدى للتدريس ولازمه فأفاد وتقدم لخطة التدريس في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف فلازم جامع الزيتونة، وأخذ عنه علماء جلة مختلفو الطبقات، أدركت جامع الزيتونة وهو شيخ كافة شيوخه إلاّ من ندر ومع هرمه كان جميع يومه يستوعبه تدريساً وقد قرأت عليه القطر لابن هشام ونبذة من الشذور وقطعة من شرح الشيخ عبد الباقي على العزية، وشرح الشنشوري على ال رحبية بعمل الفرائض ونبذة من القلصادي، ونبذة من الدرة، ونبذة من شرح الرصاع في شرح أسمائه ﵊. وكان عالماً عاملاً ورعاً متواضعاً قنوعاً يخدم داره بنفسه كثيراً ما نلاقيه يحمل قلة الماء إلى داره ويحمل خبزته إلى الفرن لقيه تلميذه الشيخ الطاهر بن عاشور حاملاً خبزته وكان راكباً في حاشيته فنزل عن فرسه وقبل يده وأراد أن يأخذ منه الخبزة ليعطيه من يوصله إلى الفرن فامتنع الشيخ من ذلك إلا بجهد جهيد، فكان من بقية السلف الصالح. شرح نظم متن العشماوي في العبادات للشيخ الطيب بوخريص بشرحين كبيراً وصغيراً أبدع فيهما ما شاء في تحرير المسائل، وله تأليف لطيف في الصلاة على النبي ﵊، وهوامش زين بها كتبه، وفي أثناء قراءتي عليه أدركه مرض الحمّى العام لكنه عوفي منه وبعد أيام قليلة ×رج بعياله لبلده بالساحل، وكان ذلك أوائل رجب ثم في تاسع شعبان أرسل له الأمير محمد الصادق باشا باي بتولية خطة قضاء باردو المعمور فامتنع من قبولها وأقام هنالك متمارضاً فأدركته المنية ثامن عشر شوال الأكرمسنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف ودفن هنالك عليه رحمة الله تعالى آمين. الشيخ محمد بو عصيدة هو شيخنا أبو عبد الله محمد المدعو حمدة التميمي، ولد بمنزل تميم وقدم إلى تونس في طلب العلم فأخذ عن أعلام الرجال، قرأ النحو والفرائض على الشيخ محمد بن ملوكة، وقرأ على الشيخ أحمد الأبي، والشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ محمد بن سلامة قرأ عليه شرح التاودي على العاصمية، وغيرهم. وتضلع في المعقول سيّما في علم النحو فقد كان فيه عريض البحث، وله في المعاني والبيان قدم راسخ. تقدم لخطة التدريس في الرتبة الثانية عند ترتيب المدرسين الصغار بجامع الزيتونة، ثم تقدم إلى الرتبة الأولى، وولي مشيخة المدرسة المغربية عند وفاة الشيخ علي الريحاوي، وواظب على دروس انتفع بها خلق كثير وتقدم عضواً في مجالسالأحكام القانونية، فكان عند الظن به في حسن الإدارة والتبصر. وقد قرأت عليه الأزهرية وقطعة من شرح القطر لابن هشام، وكان يومئذبصدد تحرير حاشية عيه، ونبذة من أول المقدمة لابن هشام بحواشيه. وكان عالماً محققاً دراكة غواصاً على دقائق المعاني محبّاً للمباحثة حسن الإلقاء، متواضعاً قنوعاً عالي الهمة. كتب حاشية على مقدمة ابن هشام أبدع فيها ما شاء وكتب حاشية على قطر ابن هشام غير أنه لم يتمها. ومرض فتوفي ضحوة يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين وما~تين وألف، وقد رثاه الشيخ الطاهر بن جعفر بقوله: [الكامل] كل لمرئ للموت حقاً يرجع ... أما البقاء فليس فيه المطمعُ قدر جرى في الناس أمراً حاتماً ... يا صاح منه فأين أين المفزع؟ سيان في ذاك الرفيع وضدّه ... فالله يفعل ما يشاء ويصنع فليحذر الإنسان من دنياه أن ... يغتر فيها إذ بناها بلقع وليتعظ بمصابنا في جهبذ ... شيخي الإمام اللوذعي اليلمع فالكون أصبح مظلماً من بعدهما ... كانت بدور العلم فينا تطلع فبفقد أهل العلم بدء ملمة ... وبموتهم شيئاًفشيئاً وأروع قلبي والخطوب تراكمت ... عني فهل صبر لذلك ينفع؟ سيدي أبو عبد الإله محمد ... من فكره في الفهم سيف أقطع (كشاف) أسرار المعاني متقنٌ ... كل العلوم وللبلاغة منبع

стр. 352

الحائز الآثاروالمنح التي ... ما نالها قط الأديب المصقع نجم الدروس ومن إذا وقف الور ... ى في المعضلات فهوّ هوّ المرجع جرعت بفرقته البرية كلها ... لا سيما البيت العتيق الأجمع أضحى بدار جاره خير الورى ... طه البشير الهاشمي الأرفع فعليه صلى الله ماقد انشدوا ... كل امرئ للموت حقاً يرجع الشيخ أحمد بن نصر هو شيخنا أبو العباس أحمد بن نصر التاستوري قدم لتونس في طلب العلم، فقرأ على أعلام الشيوخ كالشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ محمد بن الخوجة، وحصل على ملكة مهمة فتصدى للإقراء، وواظب على التدريس بجامع الزيتونة باعتناء زائد في إيصال المبتدئين حتى أنه لا يتأخر عن درسه أحد ممن قصد التعليم. وتقدم لخطة التدريس بجامع الزيتونة فكان من فضلاء المدرسين. وتقدم عضواً في المجالس القانونية فأنكر العامة تقدمه لما يعهدون من ديانته ونهيه عن مثل ذلك، ثم بعد بطلان المجالس رجع إلى ما عهد منه في دروسه. وقد قرأت عليه النصف الأول من كفاية الطالب وشرح المكودي على الألفية إلى الفاعل ودروساً أخر قليلة. ثم سافر لحج بيت الله الحرام وعاد من هنالك مريضاً مرضاً يتداول عليه بالإسهال في غالب الأحيان حتى منعه من المواظبة على الإقراء واستمر على ذلك بضع سنين وهو مهيب، أكثر شغله بالحديث. وكان، عالماً فاضلاً مشاركاً في كثير من الفنون خيرأن حييأن محباً حسن السكينة، لا يتجاوز الجامع إلا إلى داره قرب باب الخضراء واقرأ بمسجد هنالك كثيرأ بين العشاءين وقبل صلاة الصبح سنين متطاولة فلازم التدريس إلى أدركته المنية فتوفي في ذي الحجة الحرام سنة ١٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين وألف وقد ارخت وفاته بقولي: [المتقارب] هل تقتدي الأمة مستبصرة ... على جيوش النصر مستنصره كما قد رأينا ابن نصر الرضى ... أحمد ما أن عدا مفخره قد عم بالنفع أهل النهى ... وأسدى بتعليمه انضره فكانت دروسه بين الورى ... بتحرير أفهامه مخبره فعمّر في خدمة العلم مع ... تقى الله في كل ما عمره إلى أن أصيب بآلامه ... سنين بها كان ما أصبره فريء له صبر يعقوب من ... رضاه بما الله قد قدره ولما قضى نحبه عن رضى ... تراءت به الحور مستبشره وسار إلى الله يرجو الجزا ... فقل إن تؤرخ "له المفغرة" الشيخ محمد الأمين بن الخوجة هو شيخنا أبو عبد الله محمد الأمين بن حمودة بن أحمد بن حمودة بن محمد بن الحاج علي خوجة. قرأ والده الشيخ أحمد بن الخوجة، وعلى أخيه الشيخ محمد بن الخوجة وعلى الشيخ محمد بيرم الثالث واشتغل بالتجارة في الزيتون، وكان خيرأن فاضلأنزكي النفس، توفي سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف عليه رحمة الله، آمين. وارّخ وفاته الشيخ محمد بيرم: [الطويل] أجل في صروف الدهر معتبراً طرفا ... فقد خطّت الأيام من معظها صحفا وحسبك منها واعظ الموت إنّه ... لأكثرها وعظاً وأبنها كشفا عجبت لمغرور ترامت بلبه ... أكفّ الأماني وهو ينتظر الحتفا فما الحزم كل الحزم إلاّ لمعرض ... عن العرض الفاني وهن له خلفا كحمودة بن الخوجة الفذ من ثوى ... بباطن هذا الرمس يرجو به الزلفى قرين العفاف المحض من شهدت له ... بنو عصره أن لا نظير له يلفى سليل الهمام الجهبذ الفرد أحمد ... وحبر العلا مفتي الورى المنهل الأصفى مضى طاهر الأثواب من كل شائن ... وأبقى ثناء طاب ترديده عرفا فحقق إلهي فيه قول مؤرخ ... (حوى من نعيم الخلد والمفخر الوصفا) وقد ولد ولده صاحب الترجمة ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٣ ثلاث وثلاثين ومائتين والف، فأدرك جده وقص من خبره معه أنه كان في بعض الأيام واقفاً عند باب بيتهم يخاطب اهله ويده مسندة بعارضة الباب وإذا به يسقط عقد سبحة بيده، وكان حفيده واقفاً عند رجليه فقال له على صغر سنّه كيف أنت تخاطب جدتي وأصابعك تسبّح فقال له يا ولدي غني أذكر الله بقلبي وأخاطب والدتك بلساني ثم بكى وحمله وقبّله.

стр. 353

ونشأ في خدمة العم الشريف فقرأ على عمّه الشيخ محمد بن الخوجة سيدي خالد والأزهرية والقطر والمكودي والدرر وقطعة من صحيح البخاري وقرأ على الشيخ محمد بيرم الرابع شرح سيدي حسن علي منظومة ابن وهبان والدرر، وقرأ على الشيخ محمد معاوية المكودي والأشموني والعصام والكنز، وقرأ على الشيخ محمد النيفر الفاكهي واللفية والأشموني عليها والسعد وقطعة من صحيح البخاري وقرأ على الشيخ محمد بن عاشور الأشموني على الألفية، وقرأ على الشيخ مصطفى بيرم الألفية، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي نبذة من الموطأ. وجلس للتدريس وتقدم للرتبة الثانية بجامع الزيتونة في لاثامن عشر من أشرف الربيعين سنة ١٢٦٥ خمس وستين ومائتين وألف، ثم ما لبث أن ارتقى للرتبة الأولى في المحرم سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين والف، ولازم التدريس بجامع الزيتونة واعتنى بالفقه والنوازل حتى صار فقيهاً خبيراً بفروع المذهب الحنفي، له معرفة بتعبير الرؤيا حسن الأخلاق حسن التعبير في درسه. قرأت عليه قطعة من شرح المقدمة لابن هشام. وتقدم للتدريس بالمدرسة الصادقية عند فتحها فرأينا تلامذته في مواكب الامتحانات كلهم محصل على جميع مارواه عن أستاذه. ولمّا توفي المدرس الشيخ محمد الستاري منسلخ ربيع الثاني سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين تقدم عوضه خطيباً وإماماً ومدرساً بجامع القصر فكانت أول خطبة خطبها به من إنشائه يوم الجمعة سابع جمادى الأولى سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين وألف. الشيخ عمر بن الشيخ هو شيخنا أبو حفص عمر بن أحمد بن علي بن حسن بن علي بن قاسم زعوقة عرف ابن الشيخ. أصلهم من قرية الماتلين بمقربة رأس الجبل قرب غار الملح، وقد حج جده قاسم بيت الله الحرام وولي مشيخة الحكم على قرية الماتلين إلى أن توفي سنة ١١٩٥ خمس وتسعين ومائة وألف، فخلفه في المشيخة ولده حسن إحدى وخمسين سنة وكان فيمن دافع عن بنزرت حين ورد إليها العدو من قبل البحر وتوفي في شعبان سنة ١٢٤٦ ست وأربعين ومائتين وألف وترك ولده علياً خطيباً بجامع الماتلين، وقد اشتهر عليه لقب ابن الشيخ، وكان خيراً ملازماً لقراءة القرآن يتمنى كثيراً حج بيت الله الحرام والموت هنالك، وقد أجاب الله أمنيته فقد أتم الحج والزيارة وتوفي بالينبع، ودفن هنالك في المحرم سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين وألف وأما ولده أحمد فقد تقلّب في خدمة الدولة قدمه شاكير صاحب الطابع لخلاص أعشار غار الملح وعمله عند امتناع جده لعجزه وامتناع والده مراعاة لخطة الإمامة فقام بذلك قياماً تستحسنه الدولة حتى تيسر له بذلك أخذ خدمات كثيرة منها استلزامه لمحصول المحصولات ريع الفواكه والخضر والبقول بباب البحر. واستمر في خدمة الدولة إلى أن ولي المقدس المشير الثاني فكان ممن لزم بيته وأقام ببلد رأس الجبل وحج بيت الله الحرام سنة ١٢٩٤ أبع وتسعين ورجع إلى بلده مشتغلاً بما يعنيه.

стр. 354

وأما ولده صاحب الترجمة فقد اعتنى ولده بتعليمه كباقي إخوته بحيث أنه أقام لهم مؤدباً أولاً ثم أحضر لهم الشيخ محمد بن شعبان لتجويد القرآن العظيم والشيخ أحمد بن الطاهر لقراءة العلم الشريف قرأوا عليهمأن وفي بمدإ رجولية صاحب الترجمة دخل بجامع الزيتونة في شوال سنة ٥٩، فقرأ على الشيخ عمر القسنطيني الأجرومية، وقرأ على الشيخ محمد بن مصطفى البارودي شرح الشيخ خالد على الآجرومية والشذور، وقرأ على الشيخ حسن فرشيش الأزهرية والقطر والصغرى، وقرأ على الشيخ محمد الأبي الأزهرية والقطر ومتن الألفية والرحبية، وقرأ على الشيخ محمود قابادو متن إيساغوجي والسلم وآداب البحث والسمرقندية ونبذة من الخبيصي، وقرأ على الشيخ أحمد بن الطاهر الكفاية والأشموني ومتن التلخيص، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح الشذور والملّوي على السلم، وقرأ على الشيخ محمد الخضار غالب الأشموني وقطعة من الخرشي والبردة والقاضي علي إيساغوجي، وقرأ على الشيخ محمد بن سلامة المكودي على الألفية ونبذة من التاودي، وقرأ على الشيخ محمد البنا الدردير على المختصر الخليلي وأول الخرشي عليه ومختصر السعد والمحلي وقطعة من الأشموني، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة نبذة من المكودي، وقرأ على الشيخ محمد معاوية الأشموني والمطول ونبذة من صدر الشريعةوالشفأن وقرأ على الشيخ محمد النيفر القطر وميارة والكفاية ومختصر السعد والكبرى والقطب، وقرأ على الشيخ حمودة بن عاشور الفاكهي ومختصر السعد، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد نصف الخرشي وغالب المطول، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة تأليفه النحوي، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي نبذة من الموطأن وروى قطعة من صحيح البخاري. وبرع براعة كلية وجلس للإقراء بجامع الزيتونة في ربيع الأول سنة١٢٦٦ ست وستين، وتقدم للرتبة الثانية في التدريس بجامع الزيتونة في أول ربيع سنة ١٢٦٨ ثمان وستين ومائتين وألف، وتقدم للرتبة الأولى في أواسط المحرم سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف، فزان الخطة بعلمه. وهو آية الله في الذكاء والتحقيق وله تحصيل زائد في العلوم العقلية وعلى الخصوص علم المنطق وآداب البحث فقد أدركت جامع الزيتونة وهوالذي يشار إليه فيهمأن ومهما تصدى للفهم أتى بالعجب العجاب من التحرير والتدقيق مع حسن الإلقاء وتتبع أمهات المسائل، وقد سخر الله له حديد الصعب فلان بين يديه مع كمال براعة في تصوير المعقول محسوساً بحيث إنه له قدرة على توصيل الطالبين ليست لغيره وبذلك انتفع عليه خلق كثير، وفيه محاسن أخلاق. وقد كان فيمن انتخب للمجالس القانونية عند وضعها سنة١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف، فولي عضواً في المجلس الأكبر وكاهية رئيس المجلس الاعتيادي، وظهرت له البراعة في التطبيق على كليات القوانين. ولما علمت الدولة منه في ذلك العهد انتخبته وكيلاً عنها في الدعوى التي أقامتها على الوزير مصطفى خزنة دار عند عزله ولما انتهت النازلة المذكورة قدمته لخطة قضاء باردو المعمور في الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف. وقد قرأت عليه شرح الشيخ خالد على مقدمة ابن هشام ونبذة من لامية الأفعال والمغني لابن هشام بحواشيه إلى أن بلغنا إلى الجمل التي لا محل لها من الإعراب قراءة تحقيق وبحث، ولم بلغنا فيه إلى حيث لا يتحمل المقام البحث لبساطة المسائل ورأى تلامذته كفاءة لأن يتمموا ما بقي بأنفسهم آذاننا بمطالعة ما بقي، وابتدأنا المطول على التلخيص بحواشيه مع متابعة المفتاح وشروحه في بعض المسائل ولازمنا معه الجري على ذلك النمط إلى مبحث التعريف باللام من المسند إليه، وقرأت عليه القطب على لشمسية بحواشي السيد وعبد الحكيم إلى بحث الموجهات فمنعني مانع من الحضور إلى أواخره فحضرت ختمه وابتدأنا شرح السيد على المواقف بحواشيه بطلب منا وقد خاطبته في ذلك بقولي: [الطويل] إذا ما بدت في الموقف الصعب وقفة ... من المدره الراقي سماء المعارف فأنت الذي ترقى به وقفة لكي ... تجاوز بعد القطب صعب المواقف وقد حضرت الدرس المذكور إلى أن أتممنا الموقف الأول وأتينأن على غالب الموقف الثاني باعتناء الطالب والمطلوب حيث أن الكتاب المذكور منذ عصور لم يكن له حديث بين علماء تونس.

стр. 355

وفي أثناء ذلك تقدم الشيخ لخطة النيابة عن مستشار الدولة في نظارة الدروس والمدرسين بجامع الزيتونة ند وضع الترتيب الصادقي وأفرغ جهده المذكورة في المحرم سنة ١٢٩٣ ثلاث وتسعين ومائتين وألف. (ثم ولي رئيساً للقسم التونسي من المجلس المختلط العقاري ثم صار مفتياً مالكياً وبقي على خطته) . الشيخ سالم بو حاجب هو شيخنا أبو النجاة سالم بن عمر بن سالم البنبلي من ذرية الشيخ سيدي شبشوب دفين القرية المذكورة، وجدهم الذي ينتهي إليه نسبهم هو الشيخ سيدي مهذب دفين عمل صفاقس وكانوا يلقبون بالمهذبين إلا أن أحد الذرية أصيب في بعض الفتن بضرب على حاجبه فلقب بأبي حاجب وجرى هذا اللقب على أبنائه، وكان جد صاحب الترجمة سميه بلغ من العمر إلى مائة وإحدى عشرة سنة وتوفي والده أبو حفص عمر سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف بعد أن بلغ من العمر إلى ست وخمسين سنة. وكانت ولادة صاحب الترجمة سنة ١٢٤٤ثلاث أو أربع وأربعين ومائتين وألف وقدم إلى تونس على حين بلوغه السبع سنين فقرأ القرآن ودخل لقراءة العلم بجامع الزيتونة في شوال سنة ١٢٥٩ تسع وخمسين فجود القرآن، العظيم برواية حفص على الشيخ حسين البارودي، وقرأ عليه الجحربي على إيساغوجي، وقرأ على الشيخ محمد الشنقيطي ىالأزهرية من باب نائب الفاعل وميارة على نظم ابن عاشر، وقرأ على الشيخ محمد بن مصطفى البارودي الشذور، وقرأ على الشيخ محمد بن محمود الأزهرية والمقدمة وقطعة من السوسي ونبذة من الدرة، وقرأ على الشيخ أحمد بن الطاهر الجربي على إيساغوجي ونبذة من التاودي بحواشيه وروى عن الشفأن وقرأ على الشيخ على الحاج عبد الله الدراجي نبذة من الكفاية، وقرأ تعلى الشيخ علي العفيف القطر والفاكهي والتوضيح والمحلي، وقرأ على الشيخ الطيب الرياحي نبذة من المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ أحمد عاشور شرح خالد للآجرومية والأزهرية والمقدمة والفاكهي والشنشوري على الرحبية والعقيدة السنوسية ونبذة من القلصادي، وقرأ على الشيخ محمد البنا المكودي على الألفية والخبيصي على الته ذيب والمحلي على جع الجوامع والدرير على المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ محمد الخضار الألفية بشرح ابن عقيل ثم بشرح الأشموني ولامية الأفعال والقاضي على إيساغوجي ونبذة من الهمزية بشرح ابن حجر ونبذة من البردة وقطعة من الخرشي على المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ محمد النيفر نحو النصف الأول ن المطول والشفا وتفسير القاضي البيضاوي إلى نهاية سورة البقرة، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن المؤدب قطعة من الكفاية، وقرأ على الشيخ محمد بن عاشور متن الألفية وأواخر الأشموني وأول مختصر السعد، وقرأ على الشيخ محمد معاوية نحو الثلث من شرح المكودي على الألفية وشرح الأشموني عليها إلى أن وصل إلى باب الوقف فشغلته خطة الفتيا فأذن صاحب الترجمة بأن يجلس مجلسه ويتمم الكتاب المذكور لمن حضر معه فصنع ما أمره به وأت إقراءه لتلامذة آخر، وقرأ عليه قسمي البيان والبديع من المطول وقطعة من صدر الشريعة ونبذة من السعد على العقائد النسفية والشفا دراية، وقرأ على الشيخ محمد نم ملوكة شرحه الصغير على الدرة ورسالته المنطقية، وقرأ على الشيخ عمر بن سودة الفاسي عند اجتيازه بتونس لطريق الحج الممختصر الخليلي من البيوع إلى الرهن، وقرأ على الشيخ محمد بن سامة قطعة من التاودي على العاصمية، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي دروساً من الموطأ بداره. وقد تصدى على صغر سنه للإقراء، أخبرني أن أول من قرأ عليع رجل كان له بمنزلة الشيخ ينظر دروسه بين يديه غير أنه تغيب مدة ولما رجع طل منه أن يقرئه فن البيان له درس العصام على السمرقندية بمقصورة جامع الزيتونة، وبعد ذلك تصدى للإقراء على أبده أسلوب من التحرير والتحقيق وفي سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف طلب التقدم لخطة التدريس وتعرض للمناظرة وكتب في ذلك لشيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بيرم الراب بقوله: [الطويل] سماء العلا يقفو بها بدرُك الأسنى ... بنحو نجوم من مناقبك الحسنى ومنك لرأس الفخر تاج مكلل ... بكلية في المجد لم يتلها استثنا همام غدا في جبهة الدهر غرة ... فأضحى للفظ المجد والسؤدد له ذهنا له همم رد الدراري سناؤها ... كما رد شهبا لو تحاكي له ذهنا
следующие страницы →