← Тараджим

Тараджим · id 5440

مسامرات الظريف بحسن التعريف

محمد السنوسي

Полный текст (488 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

هو شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد عاشور الصدفي الأنصاري الساحلي، ولد ببلد بو علي من عمل الساحل، وقدم إلى تونس في طلب العلم الشريف، فأخذ عن فحول منهم الشيخ أحمد بوخريص والشيخ إبراهيم الرياحي والمولى الجد الشيخ محمد السنوسيّ، والشيخ محمد بن ملوكة وغيرهم. وتصدى للتدريس ولازمه فأفاد وتقدم لخطة التدريس في الرتبة الأولى ابتداء عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف فلازم جامع الزيتونة، وأخذ عنه علماء جلة مختلفو الطبقات، أدركت جامع الزيتونة وهو شيخ كافة شيوخه إلاّ من ندر ومع هرمه كان جميع يومه يستوعبه تدريساً وقد قرأت عليه القطر لابن هشام ونبذة من الشذور وقطعة من شرح الشيخ عبد الباقي على العزية، وشرح الشنشوري على ال رحبية بعمل الفرائض ونبذة من القلصادي، ونبذة من الدرة، ونبذة من شرح الرصاع في شرح أسمائه ﵊. وكان عالماً عاملاً ورعاً متواضعاً قنوعاً يخدم داره بنفسه كثيراً ما نلاقيه يحمل قلة الماء إلى داره ويحمل خبزته إلى الفرن لقيه تلميذه الشيخ الطاهر بن عاشور حاملاً خبزته وكان راكباً في حاشيته فنزل عن فرسه وقبل يده وأراد أن يأخذ منه الخبزة ليعطيه من يوصله إلى الفرن فامتنع الشيخ من ذلك إلا بجهد جهيد، فكان من بقية السلف الصالح. شرح نظم متن العشماوي في العبادات للشيخ الطيب بوخريص بشرحين كبيراً وصغيراً أبدع فيهما ما شاء في تحرير المسائل، وله تأليف لطيف في الصلاة على النبي ﵊، وهوامش زين بها كتبه، وفي أثناء قراءتي عليه أدركه مرض الحمّى العام لكنه عوفي منه وبعد أيام قليلة ×رج بعياله لبلده بالساحل، وكان ذلك أوائل رجب ثم في تاسع شعبان أرسل له الأمير محمد الصادق باشا باي بتولية خطة قضاء باردو المعمور فامتنع من قبولها وأقام هنالك متمارضاً فأدركته المنية ثامن عشر شوال الأكرمسنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومائتين وألف ودفن هنالك عليه رحمة الله تعالى آمين. الشيخ محمد بو عصيدة هو شيخنا أبو عبد الله محمد المدعو حمدة التميمي، ولد بمنزل تميم وقدم إلى تونس في طلب العلم فأخذ عن أعلام الرجال، قرأ النحو والفرائض على الشيخ محمد بن ملوكة، وقرأ على الشيخ أحمد الأبي، والشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ محمد بن سلامة قرأ عليه شرح التاودي على العاصمية، وغيرهم. وتضلع في المعقول سيّما في علم النحو فقد كان فيه عريض البحث، وله في المعاني والبيان قدم راسخ. تقدم لخطة التدريس في الرتبة الثانية عند ترتيب المدرسين الصغار بجامع الزيتونة، ثم تقدم إلى الرتبة الأولى، وولي مشيخة المدرسة المغربية عند وفاة الشيخ علي الريحاوي، وواظب على دروس انتفع بها خلق كثير وتقدم عضواً في مجالسالأحكام القانونية، فكان عند الظن به في حسن الإدارة والتبصر. وقد قرأت عليه الأزهرية وقطعة من شرح القطر لابن هشام، وكان يومئذبصدد تحرير حاشية عيه، ونبذة من أول المقدمة لابن هشام بحواشيه. وكان عالماً محققاً دراكة غواصاً على دقائق المعاني محبّاً للمباحثة حسن الإلقاء، متواضعاً قنوعاً عالي الهمة. كتب حاشية على مقدمة ابن هشام أبدع فيها ما شاء وكتب حاشية على قطر ابن هشام غير أنه لم يتمها. ومرض فتوفي ضحوة يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين وما~تين وألف، وقد رثاه الشيخ الطاهر بن جعفر بقوله: [الكامل] كل لمرئ للموت حقاً يرجع ... أما البقاء فليس فيه المطمعُ قدر جرى في الناس أمراً حاتماً ... يا صاح منه فأين أين المفزع؟ سيان في ذاك الرفيع وضدّه ... فالله يفعل ما يشاء ويصنع فليحذر الإنسان من دنياه أن ... يغتر فيها إذ بناها بلقع وليتعظ بمصابنا في جهبذ ... شيخي الإمام اللوذعي اليلمع فالكون أصبح مظلماً من بعدهما ... كانت بدور العلم فينا تطلع فبفقد أهل العلم بدء ملمة ... وبموتهم شيئاًفشيئاً وأروع قلبي والخطوب تراكمت ... عني فهل صبر لذلك ينفع؟ سيدي أبو عبد الإله محمد ... من فكره في الفهم سيف أقطع (كشاف) أسرار المعاني متقنٌ ... كل العلوم وللبلاغة منبع

стр. 352

الحائز الآثاروالمنح التي ... ما نالها قط الأديب المصقع نجم الدروس ومن إذا وقف الور ... ى في المعضلات فهوّ هوّ المرجع جرعت بفرقته البرية كلها ... لا سيما البيت العتيق الأجمع أضحى بدار جاره خير الورى ... طه البشير الهاشمي الأرفع فعليه صلى الله ماقد انشدوا ... كل امرئ للموت حقاً يرجع الشيخ أحمد بن نصر هو شيخنا أبو العباس أحمد بن نصر التاستوري قدم لتونس في طلب العلم، فقرأ على أعلام الشيوخ كالشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ محمد بن الخوجة، وحصل على ملكة مهمة فتصدى للإقراء، وواظب على التدريس بجامع الزيتونة باعتناء زائد في إيصال المبتدئين حتى أنه لا يتأخر عن درسه أحد ممن قصد التعليم. وتقدم لخطة التدريس بجامع الزيتونة فكان من فضلاء المدرسين. وتقدم عضواً في المجالس القانونية فأنكر العامة تقدمه لما يعهدون من ديانته ونهيه عن مثل ذلك، ثم بعد بطلان المجالس رجع إلى ما عهد منه في دروسه. وقد قرأت عليه النصف الأول من كفاية الطالب وشرح المكودي على الألفية إلى الفاعل ودروساً أخر قليلة. ثم سافر لحج بيت الله الحرام وعاد من هنالك مريضاً مرضاً يتداول عليه بالإسهال في غالب الأحيان حتى منعه من المواظبة على الإقراء واستمر على ذلك بضع سنين وهو مهيب، أكثر شغله بالحديث. وكان، عالماً فاضلاً مشاركاً في كثير من الفنون خيرأن حييأن محباً حسن السكينة، لا يتجاوز الجامع إلا إلى داره قرب باب الخضراء واقرأ بمسجد هنالك كثيرأ بين العشاءين وقبل صلاة الصبح سنين متطاولة فلازم التدريس إلى أدركته المنية فتوفي في ذي الحجة الحرام سنة ١٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين وألف وقد ارخت وفاته بقولي: [المتقارب] هل تقتدي الأمة مستبصرة ... على جيوش النصر مستنصره كما قد رأينا ابن نصر الرضى ... أحمد ما أن عدا مفخره قد عم بالنفع أهل النهى ... وأسدى بتعليمه انضره فكانت دروسه بين الورى ... بتحرير أفهامه مخبره فعمّر في خدمة العلم مع ... تقى الله في كل ما عمره إلى أن أصيب بآلامه ... سنين بها كان ما أصبره فريء له صبر يعقوب من ... رضاه بما الله قد قدره ولما قضى نحبه عن رضى ... تراءت به الحور مستبشره وسار إلى الله يرجو الجزا ... فقل إن تؤرخ "له المفغرة" الشيخ محمد الأمين بن الخوجة هو شيخنا أبو عبد الله محمد الأمين بن حمودة بن أحمد بن حمودة بن محمد بن الحاج علي خوجة. قرأ والده الشيخ أحمد بن الخوجة، وعلى أخيه الشيخ محمد بن الخوجة وعلى الشيخ محمد بيرم الثالث واشتغل بالتجارة في الزيتون، وكان خيرأن فاضلأنزكي النفس، توفي سنة ١٢٥٨ ثمان وخمسين ومائتين وألف عليه رحمة الله، آمين. وارّخ وفاته الشيخ محمد بيرم: [الطويل] أجل في صروف الدهر معتبراً طرفا ... فقد خطّت الأيام من معظها صحفا وحسبك منها واعظ الموت إنّه ... لأكثرها وعظاً وأبنها كشفا عجبت لمغرور ترامت بلبه ... أكفّ الأماني وهو ينتظر الحتفا فما الحزم كل الحزم إلاّ لمعرض ... عن العرض الفاني وهن له خلفا كحمودة بن الخوجة الفذ من ثوى ... بباطن هذا الرمس يرجو به الزلفى قرين العفاف المحض من شهدت له ... بنو عصره أن لا نظير له يلفى سليل الهمام الجهبذ الفرد أحمد ... وحبر العلا مفتي الورى المنهل الأصفى مضى طاهر الأثواب من كل شائن ... وأبقى ثناء طاب ترديده عرفا فحقق إلهي فيه قول مؤرخ ... (حوى من نعيم الخلد والمفخر الوصفا) وقد ولد ولده صاحب الترجمة ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٣ ثلاث وثلاثين ومائتين والف، فأدرك جده وقص من خبره معه أنه كان في بعض الأيام واقفاً عند باب بيتهم يخاطب اهله ويده مسندة بعارضة الباب وإذا به يسقط عقد سبحة بيده، وكان حفيده واقفاً عند رجليه فقال له على صغر سنّه كيف أنت تخاطب جدتي وأصابعك تسبّح فقال له يا ولدي غني أذكر الله بقلبي وأخاطب والدتك بلساني ثم بكى وحمله وقبّله.

стр. 353

ونشأ في خدمة العم الشريف فقرأ على عمّه الشيخ محمد بن الخوجة سيدي خالد والأزهرية والقطر والمكودي والدرر وقطعة من صحيح البخاري وقرأ على الشيخ محمد بيرم الرابع شرح سيدي حسن علي منظومة ابن وهبان والدرر، وقرأ على الشيخ محمد معاوية المكودي والأشموني والعصام والكنز، وقرأ على الشيخ محمد النيفر الفاكهي واللفية والأشموني عليها والسعد وقطعة من صحيح البخاري وقرأ على الشيخ محمد بن عاشور الأشموني على الألفية، وقرأ على الشيخ مصطفى بيرم الألفية، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي نبذة من الموطأ. وجلس للتدريس وتقدم للرتبة الثانية بجامع الزيتونة في لاثامن عشر من أشرف الربيعين سنة ١٢٦٥ خمس وستين ومائتين وألف، ثم ما لبث أن ارتقى للرتبة الأولى في المحرم سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين والف، ولازم التدريس بجامع الزيتونة واعتنى بالفقه والنوازل حتى صار فقيهاً خبيراً بفروع المذهب الحنفي، له معرفة بتعبير الرؤيا حسن الأخلاق حسن التعبير في درسه. قرأت عليه قطعة من شرح المقدمة لابن هشام. وتقدم للتدريس بالمدرسة الصادقية عند فتحها فرأينا تلامذته في مواكب الامتحانات كلهم محصل على جميع مارواه عن أستاذه. ولمّا توفي المدرس الشيخ محمد الستاري منسلخ ربيع الثاني سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين تقدم عوضه خطيباً وإماماً ومدرساً بجامع القصر فكانت أول خطبة خطبها به من إنشائه يوم الجمعة سابع جمادى الأولى سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين وألف. الشيخ عمر بن الشيخ هو شيخنا أبو حفص عمر بن أحمد بن علي بن حسن بن علي بن قاسم زعوقة عرف ابن الشيخ. أصلهم من قرية الماتلين بمقربة رأس الجبل قرب غار الملح، وقد حج جده قاسم بيت الله الحرام وولي مشيخة الحكم على قرية الماتلين إلى أن توفي سنة ١١٩٥ خمس وتسعين ومائة وألف، فخلفه في المشيخة ولده حسن إحدى وخمسين سنة وكان فيمن دافع عن بنزرت حين ورد إليها العدو من قبل البحر وتوفي في شعبان سنة ١٢٤٦ ست وأربعين ومائتين وألف وترك ولده علياً خطيباً بجامع الماتلين، وقد اشتهر عليه لقب ابن الشيخ، وكان خيراً ملازماً لقراءة القرآن يتمنى كثيراً حج بيت الله الحرام والموت هنالك، وقد أجاب الله أمنيته فقد أتم الحج والزيارة وتوفي بالينبع، ودفن هنالك في المحرم سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين وألف وأما ولده أحمد فقد تقلّب في خدمة الدولة قدمه شاكير صاحب الطابع لخلاص أعشار غار الملح وعمله عند امتناع جده لعجزه وامتناع والده مراعاة لخطة الإمامة فقام بذلك قياماً تستحسنه الدولة حتى تيسر له بذلك أخذ خدمات كثيرة منها استلزامه لمحصول المحصولات ريع الفواكه والخضر والبقول بباب البحر. واستمر في خدمة الدولة إلى أن ولي المقدس المشير الثاني فكان ممن لزم بيته وأقام ببلد رأس الجبل وحج بيت الله الحرام سنة ١٢٩٤ أبع وتسعين ورجع إلى بلده مشتغلاً بما يعنيه.

стр. 354

وأما ولده صاحب الترجمة فقد اعتنى ولده بتعليمه كباقي إخوته بحيث أنه أقام لهم مؤدباً أولاً ثم أحضر لهم الشيخ محمد بن شعبان لتجويد القرآن العظيم والشيخ أحمد بن الطاهر لقراءة العلم الشريف قرأوا عليهمأن وفي بمدإ رجولية صاحب الترجمة دخل بجامع الزيتونة في شوال سنة ٥٩، فقرأ على الشيخ عمر القسنطيني الأجرومية، وقرأ على الشيخ محمد بن مصطفى البارودي شرح الشيخ خالد على الآجرومية والشذور، وقرأ على الشيخ حسن فرشيش الأزهرية والقطر والصغرى، وقرأ على الشيخ محمد الأبي الأزهرية والقطر ومتن الألفية والرحبية، وقرأ على الشيخ محمود قابادو متن إيساغوجي والسلم وآداب البحث والسمرقندية ونبذة من الخبيصي، وقرأ على الشيخ أحمد بن الطاهر الكفاية والأشموني ومتن التلخيص، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح الشذور والملّوي على السلم، وقرأ على الشيخ محمد الخضار غالب الأشموني وقطعة من الخرشي والبردة والقاضي علي إيساغوجي، وقرأ على الشيخ محمد بن سلامة المكودي على الألفية ونبذة من التاودي، وقرأ على الشيخ محمد البنا الدردير على المختصر الخليلي وأول الخرشي عليه ومختصر السعد والمحلي وقطعة من الأشموني، وقرأ على الشيخ محمد بن الخوجة نبذة من المكودي، وقرأ على الشيخ محمد معاوية الأشموني والمطول ونبذة من صدر الشريعةوالشفأن وقرأ على الشيخ محمد النيفر القطر وميارة والكفاية ومختصر السعد والكبرى والقطب، وقرأ على الشيخ حمودة بن عاشور الفاكهي ومختصر السعد، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد نصف الخرشي وغالب المطول، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة تأليفه النحوي، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي نبذة من الموطأن وروى قطعة من صحيح البخاري. وبرع براعة كلية وجلس للإقراء بجامع الزيتونة في ربيع الأول سنة١٢٦٦ ست وستين، وتقدم للرتبة الثانية في التدريس بجامع الزيتونة في أول ربيع سنة ١٢٦٨ ثمان وستين ومائتين وألف، وتقدم للرتبة الأولى في أواسط المحرم سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف، فزان الخطة بعلمه. وهو آية الله في الذكاء والتحقيق وله تحصيل زائد في العلوم العقلية وعلى الخصوص علم المنطق وآداب البحث فقد أدركت جامع الزيتونة وهوالذي يشار إليه فيهمأن ومهما تصدى للفهم أتى بالعجب العجاب من التحرير والتدقيق مع حسن الإلقاء وتتبع أمهات المسائل، وقد سخر الله له حديد الصعب فلان بين يديه مع كمال براعة في تصوير المعقول محسوساً بحيث إنه له قدرة على توصيل الطالبين ليست لغيره وبذلك انتفع عليه خلق كثير، وفيه محاسن أخلاق. وقد كان فيمن انتخب للمجالس القانونية عند وضعها سنة١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف، فولي عضواً في المجلس الأكبر وكاهية رئيس المجلس الاعتيادي، وظهرت له البراعة في التطبيق على كليات القوانين. ولما علمت الدولة منه في ذلك العهد انتخبته وكيلاً عنها في الدعوى التي أقامتها على الوزير مصطفى خزنة دار عند عزله ولما انتهت النازلة المذكورة قدمته لخطة قضاء باردو المعمور في الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف. وقد قرأت عليه شرح الشيخ خالد على مقدمة ابن هشام ونبذة من لامية الأفعال والمغني لابن هشام بحواشيه إلى أن بلغنا إلى الجمل التي لا محل لها من الإعراب قراءة تحقيق وبحث، ولم بلغنا فيه إلى حيث لا يتحمل المقام البحث لبساطة المسائل ورأى تلامذته كفاءة لأن يتمموا ما بقي بأنفسهم آذاننا بمطالعة ما بقي، وابتدأنا المطول على التلخيص بحواشيه مع متابعة المفتاح وشروحه في بعض المسائل ولازمنا معه الجري على ذلك النمط إلى مبحث التعريف باللام من المسند إليه، وقرأت عليه القطب على لشمسية بحواشي السيد وعبد الحكيم إلى بحث الموجهات فمنعني مانع من الحضور إلى أواخره فحضرت ختمه وابتدأنا شرح السيد على المواقف بحواشيه بطلب منا وقد خاطبته في ذلك بقولي: [الطويل] إذا ما بدت في الموقف الصعب وقفة ... من المدره الراقي سماء المعارف فأنت الذي ترقى به وقفة لكي ... تجاوز بعد القطب صعب المواقف وقد حضرت الدرس المذكور إلى أن أتممنا الموقف الأول وأتينأن على غالب الموقف الثاني باعتناء الطالب والمطلوب حيث أن الكتاب المذكور منذ عصور لم يكن له حديث بين علماء تونس.

стр. 355

وفي أثناء ذلك تقدم الشيخ لخطة النيابة عن مستشار الدولة في نظارة الدروس والمدرسين بجامع الزيتونة ند وضع الترتيب الصادقي وأفرغ جهده المذكورة في المحرم سنة ١٢٩٣ ثلاث وتسعين ومائتين وألف. (ثم ولي رئيساً للقسم التونسي من المجلس المختلط العقاري ثم صار مفتياً مالكياً وبقي على خطته) . الشيخ سالم بو حاجب هو شيخنا أبو النجاة سالم بن عمر بن سالم البنبلي من ذرية الشيخ سيدي شبشوب دفين القرية المذكورة، وجدهم الذي ينتهي إليه نسبهم هو الشيخ سيدي مهذب دفين عمل صفاقس وكانوا يلقبون بالمهذبين إلا أن أحد الذرية أصيب في بعض الفتن بضرب على حاجبه فلقب بأبي حاجب وجرى هذا اللقب على أبنائه، وكان جد صاحب الترجمة سميه بلغ من العمر إلى مائة وإحدى عشرة سنة وتوفي والده أبو حفص عمر سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف بعد أن بلغ من العمر إلى ست وخمسين سنة. وكانت ولادة صاحب الترجمة سنة ١٢٤٤ثلاث أو أربع وأربعين ومائتين وألف وقدم إلى تونس على حين بلوغه السبع سنين فقرأ القرآن ودخل لقراءة العلم بجامع الزيتونة في شوال سنة ١٢٥٩ تسع وخمسين فجود القرآن، العظيم برواية حفص على الشيخ حسين البارودي، وقرأ عليه الجحربي على إيساغوجي، وقرأ على الشيخ محمد الشنقيطي ىالأزهرية من باب نائب الفاعل وميارة على نظم ابن عاشر، وقرأ على الشيخ محمد بن مصطفى البارودي الشذور، وقرأ على الشيخ محمد بن محمود الأزهرية والمقدمة وقطعة من السوسي ونبذة من الدرة، وقرأ على الشيخ أحمد بن الطاهر الجربي على إيساغوجي ونبذة من التاودي بحواشيه وروى عن الشفأن وقرأ على الشيخ على الحاج عبد الله الدراجي نبذة من الكفاية، وقرأ تعلى الشيخ علي العفيف القطر والفاكهي والتوضيح والمحلي، وقرأ على الشيخ الطيب الرياحي نبذة من المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ أحمد عاشور شرح خالد للآجرومية والأزهرية والمقدمة والفاكهي والشنشوري على الرحبية والعقيدة السنوسية ونبذة من القلصادي، وقرأ على الشيخ محمد البنا المكودي على الألفية والخبيصي على الته ذيب والمحلي على جع الجوامع والدرير على المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ محمد الخضار الألفية بشرح ابن عقيل ثم بشرح الأشموني ولامية الأفعال والقاضي على إيساغوجي ونبذة من الهمزية بشرح ابن حجر ونبذة من البردة وقطعة من الخرشي على المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ محمد النيفر نحو النصف الأول ن المطول والشفا وتفسير القاضي البيضاوي إلى نهاية سورة البقرة، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن المؤدب قطعة من الكفاية، وقرأ على الشيخ محمد بن عاشور متن الألفية وأواخر الأشموني وأول مختصر السعد، وقرأ على الشيخ محمد معاوية نحو الثلث من شرح المكودي على الألفية وشرح الأشموني عليها إلى أن وصل إلى باب الوقف فشغلته خطة الفتيا فأذن صاحب الترجمة بأن يجلس مجلسه ويتمم الكتاب المذكور لمن حضر معه فصنع ما أمره به وأت إقراءه لتلامذة آخر، وقرأ عليه قسمي البيان والبديع من المطول وقطعة من صدر الشريعة ونبذة من السعد على العقائد النسفية والشفا دراية، وقرأ على الشيخ محمد نم ملوكة شرحه الصغير على الدرة ورسالته المنطقية، وقرأ على الشيخ عمر بن سودة الفاسي عند اجتيازه بتونس لطريق الحج الممختصر الخليلي من البيوع إلى الرهن، وقرأ على الشيخ محمد بن سامة قطعة من التاودي على العاصمية، وقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي دروساً من الموطأ بداره. وقد تصدى على صغر سنه للإقراء، أخبرني أن أول من قرأ عليع رجل كان له بمنزلة الشيخ ينظر دروسه بين يديه غير أنه تغيب مدة ولما رجع طل منه أن يقرئه فن البيان له درس العصام على السمرقندية بمقصورة جامع الزيتونة، وبعد ذلك تصدى للإقراء على أبده أسلوب من التحرير والتحقيق وفي سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف طلب التقدم لخطة التدريس وتعرض للمناظرة وكتب في ذلك لشيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بيرم الراب بقوله: [الطويل] سماء العلا يقفو بها بدرُك الأسنى ... بنحو نجوم من مناقبك الحسنى ومنك لرأس الفخر تاج مكلل ... بكلية في المجد لم يتلها استثنا همام غدا في جبهة الدهر غرة ... فأضحى للفظ المجد والسؤدد له ذهنا له همم رد الدراري سناؤها ... كما رد شهبا لو تحاكي له ذهنا

стр. 356

له كلم رد الغواني جمالها ... وحكم وفكر شبها الوزن والمزنا مضارعه المنفي جزما وأمره ... كماضي الظبا من حلمه اتخذ الفنا تحيرت الألباب فيه فإن بدا ... بطلعته خلت السماء له مغنى وأحسبه في الأرض طوراً وإنما ... أرى أبحر الآداب في يده اليمنى براعته تحيي رسوم بلاغة ... بها إذا بحور النفس من مدها تقنى مدى إن جرى في الجبح طرس مدادها ... دخاناً ترى شهد المعاني به تجنى وتؤثر آذان الأديب صريرها ... على بلبل غنى على روضة غنا إذا حام بازُ الفكر منه هدى إلى ... طيور بليغ القول يستفرغ الوكنا فتنسي إذا قساً وسحبان إذا متى ... تشنف بها أذنا نهبت به الحزنا إلى ما تحلى من سجابا كريمة ... عديد نجوم الأفق من قدرها أدنى تحوك على تبر الوفا وتواضعا ... تحاكي يد التقوى بأخلاقه الحسنى فلو كان في ريح الصبا لين طبعه ... لحرك من غصن النقا الناعم اللدنا وإذْ يتهادى رافلاً في سكينة ... فأي الجبال الشم لم يستحل عهنا فخل بمضمار الحجا قد ألمع ... ومن بيرمي المجد قد أحرز الأسنى فشمس حجاه نسخ ظل ضلالة ... فكيف ظلام الظلم إن حوله جنا إذا ما جرى الإنصاف في روض حكمه ... جنت المنى رغماً لمن رام دهرنا فمهما نضا عن وجه حكم وحكمة ... لثاما نفى عن أهلها الغبن والغينا يحرر من شهد البيان رقيعة ... لفكر غدا حر المعاني له فنا لئن طاعني فيه القريض لقد رأى ... شيوع المزايا عن مديحي قد أغنى وإلا فكل الميل عن منهج الهدى ... عنان الهدى يوماً إلى غيره يثنى وأحرى بمن يثنى العنان بقرع با ... ب عدله أن لا ينثني يقرع السنا بقيت ملاذ العلم ما قال منصف ... بإنجاز وعد خير خاتمة حسنى قبلة هذا الخطاب، محراب جامع الآداب، وباب مدين الآداب سابي أبكار المعاني سيوف أقلامه، وساحر أفكار الدهاة بليف كلامه، عمدة قواعد المنقول، وأساسها مشكاة غوامض المعقول، الرابع في حلبة المحامد البيرمية مجلياً غذ لم يزل على منصة الصواب والإنصاف متجليأن وبسائر أصناف لكمالات متحلياً: [الخفيف] من غدا فضله مؤملَ شملي ... ومجيري إذ لات حين مجيرُ يا أخا العدل والبصيرة والفضل ... ألم يأن ذلك التحريرُ؟ لا أى المنع مثله المنح إلا ... منك بعد الذي إليه المصير ثم إني لا أدعي الاستحقاق إلا بالنسبة للمنازع، ولا للمقاومة إلا للمناضل المقارع، فمن للبغاث، بالاستنسار، وللخفاش بالإبصار في النهار، هذا وإني أتحدى مناظري بأيسر شيء عندي، وهي ورقات كتبها عند النظر بالتماس بعض الإخوان، وهذا كله بتوهيمي كثرة القادحين، وإلا فمثلك لا تخفي عليه سيمات الراحمين ثم إني: [الخفيف] خف حمل المديح مني اتكالا ... إن حمل الوداد منك ثقيل وإذا الحب كان أهل امتداح ... فسواء كثيره والقليل وعند بلوغ ذلك الشيخ الإسلام كتب له بقوله: [الخفيف] يا أبا حاجب حجبت عن السو ... ء ولا شاب شمسك التكوير قد أتتني خريدة منك تجلى ... لا يؤدي حقوقها التعبير فأتني أفق البلاغة مصقو ... لا وزهر الألفاظ فيه تسير من عهدنا الطروس تستخرج الد ... رو أن السلاف منها عصير وإذا سحر بابل إذ حوته ... في فؤادي من فعله تأثير ذكرتني معاهداً كنت أغشا ... ها وروض الشباب غض نضير ثم إني أقول فيك ويأتي ... طبق ما قلت مني التحرير أنت عندي ذو رتبة من حواها ... فهو بالارتقا حقيق جدير غير أن ألأمور تأتي على ما ... خطَّ في لوحة العليم الخبير سالمتْ سالماً صروف الليالي ... ورأينا وهو بدر منير فأجابه الشيخ عن هذه القصيدة مقرظاً وشاكراً بقوله: [الخفيف] أسموط الجمان هذي السطور؟ ... أحقاق الشذور هاذي السطور؟ أمن الدن حبرها أم من الد ... ر أم الندرُّ لفظها المقصور؟ أيمن الله لا يعاد لها الل ... هم إلا لنضار فهو نظير إن تصغ من نفيس تبر بترب ... ما تعاطي استبرق وحرير

стр. 357

أم دخان المداد في جبح طرس ... أري لفظ مدى اليراع تشير تفصم الشهد ضمها لعرا الكر ... ب على القلب لاه ذا التأثير فبإرسال ذي الكتيبة أصبح ... ت وجيش السلولي منصور ولئن حازت البلاغة طرا ... لأبوها محقق تحرير إن يجل باز فكره في المعاني ... فسواء بغاثها والنسور ولمجري البها إذا ما تلاها ... سجد الفكر إذا دعاه الشمور يا ربيع العفاة من كل فج ... لك في هالة البيارم نور فعلى ما يتيمة أنت فيه ... حبس المجد والفخار النجور دمت كهفاً لنا وعن كل سوء ... لك من محكم المفصل سور وقد ناظر في طلب خطة التدريس بمبحث باب التنازع من الأشموني، وتقدم للمشيخة المدرسة المرجانية، وللرتبة الأولى من التدريس بجامع الزيتونة فزانها وصار فخراً لهأن إذ هو آية الله في الذكاء والتحصيل بلغ إلى رتبة عالية في العلوم وعلى الخصوص المعاني والبيان والنحو والصرف واللغة فإنه إمام جميعها الذي تقدم لمحرابهأن واقتدى به في كل من عاصره أما الآداب، فإنه رئيس الشعراء والكتاب، وقد نسج على منوال غريب، من أبدع الأساليب، فابتكر المعاني الغرر، وأرسل قلمه ينثر فرائد الدرر، ونظم ما يبعث بالفكر. فهو علامة فاضل حسن الأخلاق بعيد عن التكلف كريم النفس لطيف المفاكهة المحاضرة، ودروسه ومجالسه رياض بديعة الأساليب والأعراض. كتب حاشية على شرح الأشموني لألفي ابن مالك استدرك فيا مباح كثيرة على الصبان، وكتب أختاماً على أواخر كتب عديدة وأحاديث مهمة وزان أواخرها من بدائع إنشائه بأدعية رائقة. وتقدم كاتباً ثانياً في الكمسيون المالي عند تنظيمه بالدولة التونسية وقد خرج مسافراً في خدمة الدولة عدة مرات، أولها خرج عضواً في الجمعية التي عينتها المجالس القانونية لتفقد المملكة التونسية فخرج مفتشاً عن أحوال الرعايا وأحكام مجالس تلك الجهات في رجب سنة ٧٩ تسع وسبعين، ثم لما سافر إلى إسلامبول صحبة الوزير خير الدين في ربط علاقة الدولة التونسية مع الدولة العلية العثمانية، وكان سفره في جمادى الثانية سنة ١٢٨٨ ثمان وثمانين ومائتين وألف، وقدم للصدر الأعظم قصيدته التي قال في مطلعها: [الطويل] صدارة محمود بها لله قد منَّا=على دولة الإسلام فهي بها تهنا وكان رجوعه إلى الحاضرة رابع شهر رمضان المعظم ثم سافر إلى بلد قرنة من عمل إيطاليا صحبة الوزير حسين المكلف بالمعارف العمومية في محاسبة قابض أموال الدولة التونسية، وكان خروجه أواسط جمادى الأولى سنة ١٢٩٠ تسعين، فأقام هنالك خمس سنين قدم فيها لتونس مرات عديدة لعيادة أهله وبنيه وقد كتب رحلة تشد إليها الرحال، وتقصر دون الوصول إلى ما أودعه فيها أعناق الآمال، حكى فيها ما شاهده في سفره وطريقه، وما استخرجه من فكره وتحقيقه، وفي نتاج لعمران السري مما لم يصل إلى إدراكه أبو عبد الله بن خلدون والعذر له إذ أنه لم ير ما بلغ إليه العمران، في هذا الزمان، مباديه تجاوزت غايات ما كان يراه هو في تلك العصور الغابرة، وقد أدرك غايات هاته العصور صاحب الترجمة أب النجاة فأودع ذلك في رحلته الغريبة لوضع والنسج، مع ما تضمنته من اللطائف والمحاسن. وفي أثناء سفره ولي مشيخة المدرسة المنتصرية بعد وفاة الشيخ علي العفيف، ولما رجع ختم بها على الطريقة المألوفة في شهر رمضان، ولازم دروسه التي هي رياض العلوم بجامع الزيتونة وهو أول مدرس أقرأ بجامع الزيتونة نظم ابن عاصم الأصولي وتصدى لشرحه شرحاً بديعاً أوقفني منه على قطعة فرأيت كثيراً من التحقيق والتحرير، يعجز الجهابذة النحارير، سلك فيها مسلكاً يعز على أمثاله، من أهل العلم ورجاله، بحيث يقتصر على شرح مسألة الناظم وتوجيه ما اعتمده أو ما حكاه من الخلافات بتحرير عزيز وفصاحة عبارة من غير خروج عما تكلم عليه النظام إلا ما هو من استظهاراته التي يحتاج إليها الأصولي احتياجاً كلياً جزاه الله خيراً.

стр. 358

وقد قرأت عليه شرح الشيخ على مقدمة ابن هشام وشذور الذهب له وشرح الدمنهوري على السمرقندية وشرح الباجوي عليها ونبذة من شرح الباجوري على السلم وشرح الأشموني على ألفية ابن مالك إلى باب التأنيث والفن الأول وغالب الفن الثاني من المطول على التخليض حتى بلغ إلى مبحث الاستعارة التمثيلية، جميع ذلك قراءة بحث وتحقيق، كتبت عنها فيها كثيراً من استظهاراته وتحريراته التي تعز على غيره. وقد استجزته فأجازني إجازة بديعة مطلقة هذا نصها: اللهم إنا نستجيز من فضلك الواسع مدداً نتأهل به لما نحن منه بأمكنة شواسيع، ونستقدرك على شكر شكرك، وأني لنا بذلك والشكر نفسه نعمة من عندك، ونستمطر السحب التي لا يزال ينبجس عنها ينبوع عين الرحمة، الواسطة ف إيصال كل نعمة، صلوات تتناول صحبه الهداة وآله وكل من نشج على منواله علمه وأعماله. أما بعد فمن المعلوم البداهي، أن استفادة العلوم بالتلقي الشفاهي، هي الوسيلة الوحيدة للترقي في مراتب المكاشفة العرفانية والشفاهي، ولا جرم أن حصول العلم على هذا النوال يتضمن المأذونية في بثه بدلالة الحال، حيث أن من أعز الآمال نمو النتائج المقصودة من الأعمال، وأن تتسع دوائر مثوباتها المسترسلة، ولا يشاب اتصال البنوة، الروحية فيها بقطع سلسله، بيد أنه لحفظ النسب الروحي المشار إليه، وتعيين ن كان وصول النقول العرفانية على يديه، ترى أمثالنا من التلاميذ، يلحون في طلب الإجازة من جناب السادة الأساتيذ، وقد حصلنا بفضل الله منهم شكر الله سهيهم ورضي عنهم على الإذن بالتقدم للإفادة، غير منفطمين بذلك عن أن نرتضع من مجالسهم أخلاف الاستفادة، حسبما صدر ذلك من بعضهم بالقول وبعضهم بالكتابة، ومن بعضهم بالإعلان في مجلس درسه بأن نجلس مجلسه ونتمم كتابه، إلى غير ذلك من دائل أثمار غرسهم، لا زالت تنهل عليه غمائم رغسهم، وكان ممن انتدى درس العبد، وبذل في اقتناص فرائد وموادها غاية المواظبة والكد، الأديب الأنجب، اليلمعي المهذب، المتيقن منه بفضل الله أن يحي من معارف جده سميه ما تنوسي، الشيخ سيدي محمد ابن أبي النورسيدي عثمان ابن المنعم سيدي محمد ابن العلامة قاضي القضاة سيدي محمد السنوسي، رحم الله السلف، وسركد الخير في الخلف، فالتمس المذكور من الحقير الإجازة، يالا لما أهليته به حقيقة مجازه، ولما لم يسعني إلا إجابة مطلبه، الذي بلوغ إبانه يأبى المطل به، قلت ومن بحر ربي أغتر المقول، مقتبساً إنارة طرف الإيجاب من طرق القبول، قد أجزت للمذكور جميع منقولاتي ومحفوظاتي العلمية من أءي فن كانت إجاوىة عامة مطلقة، كما أخذت مثل ذلك عن شيخنا العلامة الفقيه لمربي أبي حفص تعمر ابن الشيخ سيدي الطالب ابن سيدي محمد المعروف بابن سودة حافظ المذهب المالكي قدس لله روحه وهو عن شيخه الشريف سيدي عبد السلام الأزمي وهو عن عم شيخنا المذكور البدر الكامل العالم العامل الشيخ سيدي محمد الاودي ذي التآلف المفيدة، والمزايا العديدة، وهو عن شيخ المشايخ سيدي أحمد بن المبارك تلميذ الشيخ سيدي عبد العزيز صاحب الإبريز ﵃ أجمعين ثم لنوص المجاز المذكور بمثل ما أوصيت به من تقوى الله سبحانه والنصح للمتعلمين، وأن يثبت في النقل ويكبح بكف الرواية والأناة زمام العل وأن لا ينسى العبد من دعواته الصالحة والله المسؤول أن يجعل مقاصد الجميع ناجحه، وموازين أعمالنا القاصرة بحسن النيات راجحة، بحرمة رحمة الأنام عليه أزكى الصلاة والسلام، كتبه خديم العلم الشريف وأهله سالم بو حاجب في صفر الخبر سنة ١٢٩٠ تسعي ومائتين وألف. الشيخ محمد بيرم هو شيخنا أب عبد الله محمد بن مصطفى بن محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن حسين بن بيرم كان والده من وجهاء البلد، فاضلأن كريمأن عزيز النفس، عالي الهمة، قدمه صهره المشير الثاني المولى محمد باشا باي لخطة الاحتساب العام وجعل له ختماً نقش عليه من شعر الشيخ قابادو قوله: [المجتث] بالمصطفى رب وفق ... سميه لصوابه البيرمي نجارا ... أدم ثوابَ احتسابه

стр. 359

وقد زان الخطة المذكورة ونهض لها نهوض الزعيم، وهجر في خدمتها لذائذ الراحة والنعيم، وأظهر من عز شأنهأن وفخامة بنيانهأن ما عظمت بها صولتها فامتدت على أوقاف سائر جهات المملكة وتصرفات سائر حكام البلاد ومتعلقات أحوال أهاليها امتداداً بلغ العناية جميع مدة دولة المشير الثاني. وبعد ذلك لم يساعده طبع الزمان على ما رامه وقد توفي سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين ومائتين وألف. وأما صاحب الترجمة فقد ولد سنة ١٢٥٦ سنة وخمسني ومائتين وألف وتربى في حجر المعارف والبذاخة البيرمية، وقرأ القرآن برواية حفص على الإمام المجود الشيخ محمد بن أحمد البارودي مؤلف رسالة مخارج الحروف، وقرأ على والده متن الآجرومية وشيئاً من علم الحساب، وقرأ على ابن عمه الشيخ أحمد بن محمد بن حميدة بن حسين بيرم الآجرومية وشرح الشيخ خالد عليها ومتن القطر وشرحه ومتن السمرقندية وشرح العصام عليها والمكودي على الألفية ونبذة من القدروي وغالب صدر الشريعة بشرح الوقاية والشمائل، وقرأ على الشيخ أحمد بن نصر والشيخ خالد والأزهرية والقطر والمكودي وشرحي الدمنهوري والعصام على السمرقندية والمدمة والفاكهي وإيساغوجي وشرح القاضي عليه ونبذة من الأشموني ومتن التلخيص، وقرأ على الشيخ الأمين بن الخوجة غالب الدر المختار، وقرأ على الشيخ صالح بن فرحات نبذة من الشيخ خالد ونبذة من الفاكهي، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد العقيدة السنوسية والأشموني والسعد وقطعة من المطول ومقدمة القسطلاني وقرأ على الشيخ محمود قابادو شرح القاضي على إيساغوجي ونبذة من التلويح ودروساً من تفسير القاضي البيضاوي، وقرأ على الشيخ أحمد عاشور السلم، وقرأ على الشيخ علي العفيف القطر والتصريح والأشموني والسعد ونبذة من المحلي، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح القاضي على إيساغوجي والدمنهوري، وقرأ على عم جده الشيخ مصطفى بيرم شرح المنار البيرمي، وقرأ على الشيخ الطاهر بن عاشور نبذة من المحلي ونبذة من الأبي على مسلم، وقرأ على الشيخ محمد معاوية صدر الشريعة. وتصدى للإقراء ببراعة كلية، وتدم لخطتي التدريس في الرتبة الثانية ثم الأولى بجامع الزيتونة في الخامس عشر من رجب سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين وتقدم لمشيخة المدرسة العنقية، وختم فيها الأختام المهمة المشتملة على تحرير عزيز المسائل، وقد حضر الأمير بعضها وقد كانت تلك الدروس مجالاً لعلماء العصر وقد اعتاد إعادة تدريس تلك الأختام في بيت ولي العهد الأمير علي باشا وهو يجل مكانته ويواصله عنها كل سنة. وهو عالم فاضل، عالي الهمة، عزيز النفس، رفيع الحسب، شاعر ناثر ينظم رقيق الشعر، وله جيد النثر، وقلمه في الإرسال في غاية الفصاحة، فصيح اللسان، حين المحاضرة بغاية الأناة والسكينة، خبير بالسياسات الشرعية والوقتية، ثبت وقور حسن التدبير، واسع الإدارة طولب للخطة الشرعية عدة مرات فامتنع من ذلك متعللاً بضعف بدنه، مرض بأعصاب معدته وسافر لمداواتها عدة مرات لباريس وإيطاليا. قدمه المشير محمد الصادق باشا باي لرياسة جمعية الأوقاف في صفر الخير سنة ١٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين وألف، فأحسن تنظيمها وإجراءهأن وأجرى العمل بتراتيبهأن فنفع البلاد لحفظ الأوقاف وعندما رأت الدولة كفاءته للخدمات السياسية انتفعت بحسن تدبيره في مهمات الخدمة وأدخلته مدخل رجال السياسة، وتدم لنظارة المطبعة، وأحيا ذكرها في البلاد وتوظف عضواً في عموم الجمعيات التي انعقدت لوضع التراتيب العلمية وغيرهأن وبإشارته كان إنشاء المستشفى الصادقي فباشر إقامته وألف قانونه ورى على رأيه ولذلك واصله الأمير يوم فتحه بصندوق مرصع باسم الأمير في الموكب العام هنالك، غير أنه بعد ذلك أنكر عليه ميله للشورى وحب للمجالس وإن اضطر لتوظيفه عضواً في مجلس الدولة الشوري مه ما هو عليه من المرض الملازم له الذي يضطره في كثير من لأحيان إلى إٌقامة بداره، حتى أنه لما أعياه التداوي حضراً وسفراً ألح في طلب الإذن له بالاستعفاء من سائر الخدمات التي بين يديه لما يجده من ألم المرض ولم تسعفه الدولة بذلك.

стр. 360

ثم إن في سفره الأخير كان كلفه الوزير الأكبر مصطفى بن إسماعيل بمأمورية سرية من مصالح البلاد مع دولة فرنسا لم يثبت عليها الوزير وتنكر له عند إيابه حتى خاف عاقبة ذلك وأشير عليه بعود السفر فطلب الإذن بالتوجه لبيت الله الحرام بعد قدومه من باريس بما دون الشعر فخرج لحج بيت الله الحرام في العشرين من شوال سنة ١٢٩٦ ست وتسعين ومائتين وألف، وحج بيت الله الحرام وزار الروضة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة والسلام، ثم زار بيت المقدس وقد بلغ خبر وصوله بيروت الشام يوم الأحد الثامن والعشرين من المحرم سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين. وحيث بقيت خططه شاغرة أعطاه الدولة جميه ما بيده من الوظائف السياسية، ثم تنقل من الشام إلى دار الخلافة العثمانية إسلامبول، ونزل هنالك منزل التعظيم والتكريم، وانضم إليه كبر أبنائه فأدخله المكتب السلطاني، ثم رجع إلى إيطاليا فأقام بها مدة ومعه ولده سميه المذكور وأقام للتعليم بأحد مكاتب سويسرة، ثم ألحق به بقية أبنائه وأهله وأتباعهم، واجتمع جميعهم بالآستانة العلية وأواخر ذي الحجة الحرام سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين، وند ذلك اسقط من وظيفة التدريس بجامع الزيتونة وتقدم لوظيفته غيره. وقد اشتغل في سفره المذكور بتأليف رحلة جليلة استوعب فيها جميع الكرة الأرضية، وقد كان ابتدأ في تأليفها منذ رجوعه من سفر باريس وأطلعني على ما كتبه في مقدمتها غذ ذاك من التعرض لشأن السفر وحكمته وحممه البلاد الإفرنجية واستوعب المسألة بأنقال المفسرين والفقهاء، وأتي في ذلك على ما يعز على غيره وجرى على ذلكم المهيع في الاستيعاب والإطناب بما يشف عن قوة عارضته وكمال تضلعه في السياسة، ثم عند سفري الأستانة في شهر رمضان سنة ١٢٩٩ تسع وتسعين ومائتين وألف أطلعني على ما أنجز من أجزائها وسماها صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار وبسط فيها القول على جغرافية جميع ممالك المعمور وتواريخهأن وشرح جميع ما وقف عليه في أسفاره شرحاً شافياً وعند ذكره لسفره من تونس بسط القول فيها على طبيعة المملكة وعمرانها وسياستها ودولها وأحوال ملوكها ووزرائها وعوائدها وجميع متعلقاتهأن وذكر في آخرها ما آل إليه أمر سياستها مما لم يبق مع تفصيله لقائل، وبذلك كان استيفاء تاريخ البلاد بما تضمنته تلك الخلاصة على أكمل وجه جزاه الله خيراً. كما وقفت له على رسالة جليلة في أحوال بلدان الإسلام وحكم الهجرة أبدع فيها ما شاء وأقام بالأستانة إلى أن شق عليه مرضه العصبي الذي سافر به إلى باريس أولاً وأشار عليه الأطباء بالتنقل إلى البلاد الحارة فخرج بأهله وأبنائه رابع محرم من عام اثنتين وثلاثمائة وألف، وتوجه إلى مصر فاختارها للإقامة ولم يبق عليه السلطان جرايته التي أجراهأن وعوضه منها الخديوي أحسن جراية وفتح المطبعة الإعلامية ونشر صحيفة الإعلام بها إلى أن ولي حاكماً بالجالس المختلطة. وقد كنت قرأت عليه قطعة من مختصر السعد على متن التلخيص بحواشيه كدنا به نتمم الفن الأول وقد استجزته فأجازني إجازة مطلقة عامة ثم خص فيها سنده المحمدي في صحيح البخاري وهذا نصها: الحمد لله المتفضل بالعلم تفضيلأن والمسير لسبل التعليم لينال اللاحق رتبة السابق تكميلأن المودع بعجيب حكمته في مكنون حلقته فنوناً تندهش العقول لأكثرها إجلالاً وتبجيلاً مع أنها لم تحط الإبنزرٍ منها "وما أوتيتيم من العلم إلا قليلاً" والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على مدينة العلوم ومظهر إجلالها ومفيض بحار الشريعة حتى ارتوت الطباع بمشارع حرامها وحلالهأن سيدنا ومولانا محمد رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

стр. 361

أما بعد فطالما انطلقت ألسن الفصحاء بما للسند من الفضيلة، ورتعت أقلامهم في رياض كمالاته الجليلة، ولعمري إنه جدير بالعناية، إذ لا وثوق بعلون من ليس له منه كفاية، وقد أحاط خبراً بكليته وعلى قدر أهميته أخي في الله ذو السجايا الحسان، الساحب لذيل براعته وبلاغته على بدائع سحبان، المتفنن في علمي المعقول والمنقول، والمحصل على الكفاية بما يؤهله إلى الوصول، الشيخ السيد محمد السنوسي، ازال بحراً لإزالة الجهالة بمراهم معارفه يوسي فلذلك كان حريصاً على ثبات سنده وحفظ سياج روايته ومعتمده، وحيث كانت لي معه سابقية محاورة في فنون عقليه، ومشاركة في مسائل نقليه، تشبه درسو العلماء في الخيال، ولتشبه بالكرام من الكمال، رام انخراطي في جميع مشائخه الأعلام بإجازته فيما لي من البضاعة التي لا تستحق إتعاب الأقلام ولما كان المفضل من الدثار العلمي اسماً بما يؤول لهاتيك المزيه، ومحرضاً على تحصيل كمالتها الجليه، لم أجد مندوحة عن إسعافه، وموافقة لكمال أوصافه، فأجزت له بمالي من الباضعة في العلوم، وما أرويه من النثور والمنظوم، بما لي فيها من السند عن مشايخي الأعلام الجامعين لعلوم فضائل الإسلام، وأخصص سندي في الحديث الشريف لاسيما جامع الإمام البخاري ذي القدر المنيف، فأقول: إني قد أجزت له روايته عني بما أرويه عن شيخي فخر الإعلام، ودرة تاج الكرام، مولانا الشيخ سيدي محمد الشريف، عن شيخه العلامة سيدي محمد بيرم الرابع، عن شيخه العلامة سيدي محمد بن الشامي، عن شيخه محمد بن عبد السلام الناصري، عن محمد بن حسن الجنوي الحسني التطوان عن محمد بن عبد العزيز الحنفي، عن محمد الباهلي، عن الواعظ محمد بن الحجار، عن النجم حمد بن محمد الغيطي، عن الإمام محمد بن محمد الدلجي، عن القطب محمد الحظيري، عن الجاد المجتهد محمد المراغي، عن فخر الأئمة، عن محمد القرنشندي عن محمد بن بليج بن كيكدي عن محمد بن مسلم الخيلي عن الشيخ محمد بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، عن عمه الشيخ محمد بن عبد الواحد، عن لشيخ محمد بن أبي القاسم القطان، عن الشيخ محمد بن محمد المفيد، عن محمد بن طاهر المقدسي، عن محمد بن عبد الواحد البزار، عن الزكي محمد بن محمد بن عثمان عن محمد بن مكي، عن محمد بن يوسف الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى ورضي الله عنه وعنهم أجمعين، وعنا بهم، ونوصي لابني في هذا المنزع العظيم بأني أذكره بأن ملاك المر كله التقوى والسلوك على الصراط المستقيم وكتب في جمادى الثانية سنة ١٢٩٣ ثلاث وتسعين ومائتين وألف. وقد توفي في حلوان من البلاد المصرية صبيحة يوم الخميس السابع والعشرين من ربيع سنة ١٣٠٧ سبع وثلاثمائة وألف. الشيخ الطبيب السبعي هو شيخنا أبو عبد محمد الطيب السبعي، قرأ على فحول العلماء منهم الشيخ محمدج بيرم الثالث قرأ عليه البخيصي، وقرأ على الشيخ محمد النيفر والشيخ محمد بن عاشور والشيخ الشاذلي بن المؤدب والشيخ إبراهيم الرياحي، وتقدم لخطة التدريس بجامع الزيتونة في الرتبة الأولى منتصف رج سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف عوضاً عن الشيخ عبد الله الدراجي لسكناه بالمدينة المنورة وتقدم خطيباً وإماماً بجامع سبحان الله، وهو عالم موثق خير عفيف تقي مواظب على دروسه حسن الإلقاء متواضع. حضرت له في بعض الختام بالجامع المذكور في رمضان، وقرأت عليه شرح القاضي على إيساغوجي جزاه الله عنا أحسن الجزاء آمين. الشيخ محمد العربي المازوني

стр. 362

هو شيخنا أبو عبد الله محمد العربي بن محمد بن أحمد بن محمد الخربي بن هني الصالحي شهر المازوني ولد بقرية الصوالح قرب بلدة مازونة من عمل وهران عمل الجزائر سنة ١٢٣١ ثلاثية أو إحدى وثلاثين ومائتين وألف، وقرأ هنالك القرآن العظيم وتوفي عنه والده فتركه صغيراً وكان يوصيه بقراءة العلم فرغب بعد والده في قراءته، وقرأ هنالك على علماء تلك الجهة، فقرأ على الشيخ معروف بن عبد القادر الآجرومية وشيئاً من التوحيد والمختصر الخليلي ثم استغرق وفي قراءة المختصر المذكور على الشيخ محمد بن الطيب الماوني والشيخ محمد بن هني والشيخ عيسى بن محمد والشيخ محمد بن القاضي والشيخ المدياني بن عريوش والشيخ محمد بن الصامت والشيخ الجيلاني بن المكي والشيخ عبد القادر بن محمد والشيخ الصامت بن محمد. ولما تضلع في الفقه قدم إلى حارضة تونس في طلب المعقول سنة ١٢٦١ إحدى وستين ومائتين وألف بعد أن حج بين الله الحرام، فقرأ على الشيخ محمد بن عاشور الذور والألفية والمحلي، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح المكودي على ألألفية كما قرأه على الشيخ محمد بن الخوجة والشيخ محمد معاوية، وقرأ الأشموني على الشيخ محمد الخضار والشيخ محمد البايلي والشيخ أحمد اشور والشيخ الطاهر بن عاشور، وقرأ على الشيخ صالح النيفر مختصر السعد، وقرأ على الشيخ محمد بو عصيدة السلم، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد إيساغوجي وقرأ على الشيخ محمد النيفر الكبرى وقطعة من تفسير القاضي البيضاوي. وتصدى للإقراء بجامع الزيتونة إلى أن ارتقى للرتبة الأولى في خطة التدريس منتصف رجب الأصب سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، وهو عالم فقيه محصل نقي العرض يميل إلى الخمول أعرف الناس بما أودع في المختصر الخليلي، سالك في إقرائه مسلك المغاربة بطرح الاشتغال بالماحثة مع الاقتصار على ما به الحاجة وبسبب ذلك تيسر له أن ختم المختصر وغيره عدة مرات، وانتفع به في الفقه كثير من علماء جامع الزيتونة أطال الله عمره وأدام ذكره. وقد قرأت عليه شرح الشيخ ميرة على ابن عاشر بالشرح الصغير مع وما به الحاجة بالشرح الكبير وختمناه وقرأت عليه نبذة من الدردير، وكان ختماً شرح الشيخ ميارة في العشرين من شعبان الأكرم سنة ١٢٨٤ أربه وثمانين ومائتين وألف. الشيخ عثمان الشامخ هو شيخنا أبو النور عثمان بن أحمد بن إبراهيم الشامخ صاحب والده في حجة سنة ١٢٧٢ اثنتين ومائتين وألف، فأدى فريضة الحج، وتوفي بوادي فاطمة وبه دفن، ورجع ولده إلى تونس في طلب العلم الشريف بجامع الزيتونة، وقرأ الشيخ خالد على الآجرومية على الشيخ العربي الشريف والشيخ محمد الشنقيطي والشيخ محمد المازري بن الطاهر بن مسعود والشيخ أحمد بن نصر، وقرأ على الشيخ محمد بن خوجة الأزهرية، وقرأ على الشيخ الطاهر بن عاشور الأزهرية ونبذة من المحلي، وقرأ على الشيخ أحمد عاشور الشيخ خالد الفاكهي والدرة، وقرأ على الشيخ الحاج العربي المازوني الدرير على المختصر الخليل، وقرأ على الشيخ على العفيف الآجرومية والأزهرية والقطر والمكودي والأشموني ونبذة من الشفا والبخاري ومسلم، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد القطر وقطعة من الخرشي، وقرأ على الشيخ صالح النيفر قطعة من الألفية، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح قطعة من التاودي على العاصمية، وقرأ على الشيخ محمد البنا من شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي، وقرأ على الشيخ محمد النيفر نبذة من الخرشي وقطعة من تفسير القاضي البيضاوي. وتصدى للإقراء فأفاد بحسن نقله وتقدم لخطة التدريس في لرتبة الثانية بمناظرة مع من نازعه عد وفاة المدرس الشيخ علي السقانجي، ثم تقدم المرتبة الأولى بجامع الزيتونة منتصف رجب الأصب سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف.

стр. 363

وهو عالم متواضع نقالة يحضر جميع دروسه بدون استصحاب كراس ويملي جميع ما ينظره حباً متراكباً قد قرأت عليه شرح القطر لابن هشام بحاشية الشريق قطعة وافرة من شرح الأشموني على الألفية بحاشية الصبان والنصف الأول من كفاية الطالب بحاشية الصعيدي ونبذة من ابن تركي على العشماوية بحاشية الصفتي وقطعة وافرة من شرح الدردير على المختصر الخليلي بحاشية الدسوقي من غير إغفال شيء من الحواشي المذكورة، وقد اعتاد قراءة المولد النبوي عند باب الشفا بجامع الزيتونة ليلة المولد من كل سنة، وتقدم مدرساً بالمدرسة الصادقي فانتفعت به تلامذتها وفاقوا على غيرهم في مواكب الامتحانات السنوية بسبب الجهد الذي استعمله في إيصالهم وكانت ولايته تدريس المدرسة المذكورة عند فتحها لفي ذي الحجة الحرام سنة ١٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين وألف وقد توفي يوم السبت الثاني من المحرم سنة ست وثلاثمائة وألف عليه رحمة الله. الشيخ مصطفى رضوان هو شيخنا أب النخبة مصطفى بن علي بن مصطفى رضوان الحنفي السوسي ولد سنة ١٢٤٥ خمس وأربعين ومائتين وألف وهشت نفسه إلى طلب العلم الشريف ببلده سوسة من عمل الشاحل فقرأ بها على الشيخ صالح الغنوشي باش مفتي بلده شرح الشيخ خالد على الآجرومية والأزهرية والقطر والمكودي وذات البراهين وابن المسبح في الفقه المالكي ورسالة الشيخ سيدي عبد الله بن أبي زيد ونبذة من تفسير المخازن وقرأ على الشيخ عبد الله العدة المفني بها المقدمة وإيساغوجي وقرأ على الشيخ الحاج علي السقا القاضي بها المقدمة والسمرقندية والحطاب على الورقات ونبذة من المخحتصر الخليل وقرأ على الشيخ عبد الصمد براوي المفتي بها المكودي على الألفية وشرح نظم ابن غانم في المواقيت وقرأ على الشيخ محمود بن الحاج علي إمام جامع الحنفية بها شرح الشيخ حسن الشرنبلالي في الفقه الحنفي قرأ على لعدل الشيخ أحمد عمار شرح السوسي في الفلك وقرا على العل الشيخ سالم المولا شرح القطر. وقد إلى تونس لاستكمال تعلمه سنة ١٢٦٠ ستين ومائتين وألف، فقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة رسالته المنطقية، وقرأ على الشيخ محمد بن ملوكة رسالته المنطقية، وقرأ على الشيخ محمد بن عاشور الفاكهي والألفية والأشموني عليها والخبيصي، وقرأ على الشيخ محمود قابادو ونبذة من كشف لنقاب في علم الحساب، وقرا على الشيخ مصطفى بيرم القاضي على إيساغوجي وملا مسكين على الكنز ومختصر السعد، وقرأ على الشيخ الطاهر بن عاشور قطعة من المطول، وقرا على الشيخ محمد بن الخوجة قطعة من المكودي وقطعة من الدرر، وقرأ على الشيخ محمد النيفر نبذة من مختصر السعد والمطول. وظهرت عليه براعة كلية فاستكتبه عامل بلده الوزير محمد خزنة دار سنة ١٢٦٦ ست وستين فأقام في بلده في الخدمة المذكورة إلى أن عزل مخدومه من العمل المذكور، ومع ذلك توفي والده في شوال سنة ١٢٨٠ ثماني ومائتين وألف فقدم إلى تونس بقصد الإقامة والاستيطان بها سنة ١٢٨١ إحدى وثمانين واسترزق برشح قلمه يجلس للإشهاد واقرأ بعض دروس بجامع الزيتونة، وتقدم للرتبة الأولى وكتب بذلك لشيخ الإسلام أبي عبد الله محمد معاوية بقوله: [الطويل] أيا شيخ إسلام وعمدة أمة ... مقامك أعلى من مديحي وأعظمُ معاوية الأستاذ هل أنت منصف ... فلا العلم مغبون ولا الحق يكتم عهدناك قبل اليوم تشكو تأخراً ... وتقديم من لا يعلمون وتعلم أعيذك من أن أشتكي منك مثلها ... فعدلك يأباها ورأيك أحزم فلا تجعلني واو عمرو وإنني ... أنا الميم والأيام أفلح أعلم هديتم إلى رشد فخذ قول منصف ... سلي إن جهلت الناس عني وعنهم وإني على علياك أيثني مسلماً ... ولست لمن قدمتموه أسلم وقد ناظر بمبحث لو ن السعد وجلي في ذلك المضمار وتقدم لخطة التدريس بجامع الزيتونة في الرتبة الأولى أواسط ربيع الثاني سنة ١٢٨٦ ست وثمانين ومائتين وألف، فزان الخطة بدروسه الرائقة، وتحريراته الفائقة. وهو عالم دراكة، ثابت الفهم، محقق، فصيح الإلقاء لطيف المحاضرة أكتب منشيء فصيح القلم نظماً ونثراً وإرسالاً حيسوبي بالإدارة، وعارف بتقلبات الأمور مهذب الأخلاق مواظب على دروسه.

стр. 364

ولما رجع مخدومه إلى عمله استصحبه وسافر إلى بلده ورجع أواخر جمادى الثانية سنة ١٢٨٧ سبع وثمانين، ولم يزل في بر مخدومه قائماً بحقوق نعمته عليه، وقد وقفت على قطعة شعرية من نظمه يخاطب بها مخدومه المذكورة في واقعة حال وهي قوله: [الوافر] أمولى نعمتي وعماد مجدي ... ويا سندي يا كل المرام لد نفشت بحرثك شاء معز ... حكمت بحبسها عند اللآم وأحسبها أخيتي من رضاع ... وسن جميعنا دون الفطام تنادي وهي تعرب عن شكاة ... تكاد تبين عنها بالكلام تحنَّن صبيتي باتوا عطاشا ... ورحالا لدى ذوي التقام حليلته تنادي باسم نوء ... ونوء المعز يفضي للحمام وممن أوتي الأحكام طفلاً ... سليمانٌ من الرسل الكرام قضى في الحراث أن الشاء تبقى ... زماناً في المقيل بلا دوام فهذا ما قضاه ولم يفرق ... وإن القول ما قالت حذام فإن تعدل فحكمك ف ماض ... وإن تحلم تفدى بالأنام ومن عناية مخدومه به مع تأهله تقدم لرئاسة كتاب الكومسيون المالي عند تربيته لما للدولة من التوثق به وبمعارفه. وبمباشرة ما لزمه من الأعمال اختلن مواظبته على التدريس مدة بجامع الزيتونة لكنه بعد أن أجرى الأمور التي بين يديه مجراها حضر وقت العشي للتدريس بجامع الزيتونة وواظب على ذلك بما عهد منه انتفع عليه كثيرون وقد قرأت عليه مغني اللبيب لابن هشام بحاشية الدسوقي وحواش أخر بقدر الحاجة قراءة تحقيق إلى أن كدنا نختم النصف منه فعاقنا عارض رجوعه للكتابة واشتغاله بها وقرأت عليه قبل ذلك عند بداءة إقرائه بجامع الزيتونة دروساً في آخر الجربي على إيساغوجي وشرح القطر لابن هشام وفي يوم ختمه سرد دعاءً لطيفاً نصه: اللهم إنك أجريت بتوفيقك عزيمتنا حتى استوت على جودي هذا الموضوع، وأصلحت في العمل نيتنا فاجعله من العمل الصالح المرفوع. اللهم إن مؤلفنا قد بل غلة الصادي بسواكب قطره، فعل بالأهاصيب الثواءي مناكب بره، وقد حققت رجاءه في النفع بهذا الكتاب، وجعلت دعاءه بذلك من الدعاء المستجاب، فحقق اللهم ما أمله منك في دعائه لنفسه، واجعل أنسه بالنظر إليك وأفسح له في أنسه، واغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا وأساتذتنا ولكل من علق على هذا الموضوع حرفاً وأوضح من مسائله ما لعله يخفى، وخر لنا في استئناف العمل، وحتى نكون كالحال المرتحل، فإنك ذو الطول والقوة والحول لا يعنت من أعنته، ولا يعان من أعنته والحمد لله أولاً وآخراً. الشيخ محمد النجار هو شيخنا أبو عبد الله محمد بن عثمان النجار بن محمد بن علي بن أحمد الشريف الأصل، ويقال إن قدومهم إلى تونس كان من الشام، وولده والده سنة ١١٩٨ ثمان وتسعين ومائة وألف، وقرأ الفقه والفرائض على الشيخ أحمد بوحريص واشتغل بالرياضيات فبرع فيها واختص بمزية الهندسة والهيئة والفلك، واستغل بصناعة التجارة وكان موضع خدمته يأتيه الواردون لتعلم العلوم المذكورة، وقد رسم عدة رخامات للمواقيت بتونس وغيرها مشهورة الصحة وقد توفي في شعبان الأكرم سنة ١٢٦٦ ست وستين ومائتين وألف.

стр. 365

وكانت ولادة صاحب الترجمة ثاني عشر شعبان الأكرم سنة ١٢٥٣ ثلاث وخمسين ومائتين وألف، فنشأ نشأة صالحة وتعلقت باكتساب العلوم فدخل جامع الزيتونة في طلب العلم سنة ١٢٧٠ سبعين، وجود القرآن برواية قالون على الشيخ أحمد الماطري والشيخ البشير التواتي، وقرأ على الشيخ صالح رفيفة شرح الشيخ خالد على الآجرومية، وقرأ على الشيخ محمد بن مالك الجزيري قطعة من الخزرجية، وقرأ على الشيخ أحمد بن نصر شرح ميارة علي ابن عاشر، وقرأ على الشيخ محمد النفطي قطعة من الدردير ونبذة من البخاري، وقرا على الشيخ محمد بن عصيدة الملوي على السلم ونبذة من البخاري، وقرأ على الشيخ محمد بو عصيدة الملوي على السلم ونبذة من الصغرى، وقرأ على الشيخ الحاج عبد الله الدراجي نبذة من البيقونة في مصطلح الحديث ونبذة من الحطاب على الورقات وميارة على ابن عاشر ونبذة من الكفاية ونبذة من الدردير وقطعاً من الجامع الصغير والبخاري ومسلم، وقرأ على الشيخ سالم بو حاج المقدمة ولامية الأفعال والشذور والنصف الثاني من الأشموني وقطعة من الدردير ولامية الزقاق وقطعة من العضد، وقرأ على الشيخ عمر بن الشيخ نبذاً من القطر والسلم والكفاية والقطب والمطول، وقرأ على الشيخ الطاهر النيفر شرح الشيخ خالد على الآجرومية والأزهرية والملالي على السنوسية ونبذة من المكودي على الألفية، وقرأ على الشيخ صالح بن فرحات نحو النصف من الأشموني ونبذة من الخزرجية ونبذة من السعد، وقرأ على الشيخ علي العفيف نبذاً من القطر والكفاية والألفية والأشموني عليها ومختصر السعد والشيخ عبد الباقي على المختصر الخليل والموطأ والبخاري، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد نبذاً من الأشموني وفني المعاني والبيان من مختصر السعد والمحلي إلى مسالك العلة، وقرأ على خاله الشيخ محمود قابادو لشريف القاضي على إيساغوجي ورسالة متي زاده والملوي على السمرقندية ونبذا من الدرير وعقائد العضد والمواقف والطب، وقرأ على الشيخ صالح النيفر قطعاً من الألفية والأشموني وشرح الشيخ عبد السلام على الجوهرة والدردير ومختصر السعد والموطأ والشفا وختم عليه التنقيح للقرافي، وقرأ على الشيخ أحمد بن الخوجة قطعاً من القطب وصدر الشريعة والمطول إلى الإنشاء، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح نبذاً من الشذور والتاودي وتفسير الجلالين، وقرأ على الشيخ الطاهر بن عاشور نبذاً من المحلى ومسلم، وقرأ على الشيخ محمد النيفر نبذاً من تفسير القاضي البيضاوي، وقرأ على الشيخ محمد البنا ألفية العراقي وقطعاً من مختصر السعد والخرشي والشيخ عبد الباقي والشفأن قرأ على الشيخ محمد بن مبوكة نبذة من الدرة. وتصدى للتدريس في جامع الزيتونة في شهر رجب الأصب سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين بعد أن طل المناظرة وتهياً لها وآل الأمر إلى تسليم المنازعين له. ثم ارتقى إلى الرتبة الأولى في التدريس بعد نزاع كادت ن تبطل به المناظرة فولي في الثاني والعشرين من رجب سنة سبع وثمانين ومائتين وألف فكان زينة لجامع الزيتونة. وهو عالم محصل متضلع بعلوم شتى أدرك أكثرها بالمطالعة التي لازمها يحاضر بالمسائل العلمية كثيراً مواظب على التدريس يشتغل جميع اليوم بالدروس المختلفة العلوم والمراتب محب للبحث في أثناء الدرس محرر فاضل عالي الهمة لم يحمله الإقلال على ما لا يليق بشرف علمه استرزق بقلم الإشهاد وقنع بما يسر له رب العباد، استغنى بحلية العلم عن التباهي بالحلل، وعد في شرخ شبابه ممن فاز بالعلم والعمل. كتب في العمليات كثيرأن وتقدم لمشيخة مقام الشيخ سيدي ابن عروس يروي به صحيح البخاري ويختم كل سنة في شهر رمضان أختاماً يملؤها علماً ومع ذلك يجعلها مجالاً لبحث الحاضرين. وقد قرأت عليه نبذة من شرح الشيخ خالد الآجرومية ونبذة من الحطاب على الورقات وغالب ىالوسطى للشيخ السنوسي ودرساً من شرح القصيد في علم الكلام ونحو الثلث الأول من شرح الدردير على المختصر الخليلي بحاشية الدسوقي ومقدمة ىالتلخيص بشرح المطول وحواشيه وما يستتبعه ذلك قراءة تحقيق وبحث، جزاه الله أحسن الجزاء (وقد ولي الفتيا في المحرم ١٣٢) . الشيخ أحمد الورتتاني

стр. 366

هو شيخنا أبو العباس أحمد بن سالم بن إبراهيم الورتتاني نسبة إلى سدي ورتتان من عم الكاف، وكان جده للأب من ثقاة عدول وطنه، وجده للأم هو الشيخ محمود بن الضيف قرأ العلم بتونس وقسنطينة وتوفي بالقصير في طريق الحج. وقد ولد صاحب الترجمة سنة ١٢٤٦ ست وأربعين ومائتين وألف، وابتدأ قراءة القرآن على والده ثم قدم لتونس لقراءة العلم فنزل بزاوية الشيخ ابن ملوكة خارج باب القرجاني ثم قرأ القرآن وجوده على الشيخ محمد بم الرايس إلى نافع، وقرأ على الشيخ محمد النفطي الآجرومية والأزهرية، وقرأ على الشيخ محمد الأبي القطر والمكودي، وقرأ على الشيخ محمد الشنقيطي الشيخ خالد على الآجرومية والأزهرية والألفية، وقرأ على الشيخ صالح بن فرحات القاضي على إيساغوجي وقطعة من الأشموني ونبذة من المطول، وقرأ على الشيخ علي العفيف الكفاية، وقرأ على الشيخ محمد الشاهد السمرقندية، وقرأ على الشيخ صالح النيفر مختصر لسعد، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن صالح الآجرومية والأزهرية والقطر والكفاية والشفأن وقرأ على الشيخ محمد عباس أواخر الأشموني، وقرأ على الشيخ الحاج عد الله الدراجي ميارة على ابن عاشر والخرشي على المخترص الخليلي، وقرأ على الشيخ أحمد القروي قطعة من الكفاية، وقرأ على الشيخ العربي الشريف شرح الشيخ خالد على الآجرومية والأزهرية والدرة وقرأ على الشيخ أحمد عاشور القطر،÷ وقرا على الشيخ الطاهر بن عاشور القطر بحاشيته عليه والشذور ودروساً من المطول، وقرأ على الشيخ أحمد بن الطاهر نبذة من الشفأن وقرأ على الشيخ فرج التميمي الآجرومية وقرأ على الشيخ محمد القبايلي السمرقندية، وقرأ على الشيخ محمد البنا قطعة من الدردير والمحلي والتاودي، وقرأ على الشيخ الشاذلي بن المؤدب نبذة من شرح الشيخ خالد والكفاية، وقرأ على الشيخ محمد بن عاشور نبذة من الفاكهي وقطعة من الهمزية، وقرأ على الشيخ محمد النيفر القطر وميارة على ابن عاشر وقطعة من الكفاية ونبذة من صحيح البخاري، وقرأ على الشيخ ابن ملوكة آجروميته والفن الأول من الدرة ورسالته المنطقية وقرأ على الشيخ محمد معاوية الصغرى والأشموني إلى الوقف والأربعين النووية الشفأن وقرأ على الشيخ محمد بن سلامة نبذة من الشفا. وقد تضلع من المعقول والمنقول وأعمل الفكر في المطالعة وحج بيت الله الحرام سنة ١٢٧٠ سبعين، واجتمع بمصر بالشيخ إبراهيم الباجوري والشيخ الأزهري واستجازهما فأجازا له إجازة مطلقة. ثم تخيره الشيخ أبو عبد الله محمد بن ملوكة لإقراء ابناء الوزير مصطفى خزنة دار في شعبان الأكرم سنة ١٢٧١ إحدى وسبعين ومائتين وألف فأقام على تأديبهم وتعليمهم أربع عشرة سنة إلى أن استكملوا ما يحتاجون إليه. وفي سنة خمس وثمانين ومائتين وألف تصدى للإقراء بجامع الزيتونة بغاية التحرير والتحري والمواظبة ثم تدم لخطة التدريس في الرتبة الأولى ابتداءً بجامع الزيتونة بدون مناظرة بعد أن دعي إليها وأجاب فسلم له منازعوه فوليها في أواخر رجب الأصب سنة ١٢٨٧ سبع وثمانين ومائتين وألف، فزانه بعلمه وتثبته. وهو عالم ثقة فاضل ومتثبت منصف من تلامذته محرر مواظب على دروسه في المعقول والمنقول له قدم راسخ في التاريخ واللغة مع تثبت كلي في الضبط والتحري فيه مع ما تحلى به من الصيانة والديانة والأمانة والمحافظة على مروءته والوقوف على الحدود وحسن السكينة. وقد قرأت عليه شرح المختصر السنوسي في المنطق بحاشيته وشرح الحطاب على الورقات بحاشية الهدة وسرد جميع حاشية ابن قاسم على المحلي على الورقات وشرح العصام على السمرقندية بحاشية الصبان وشرح تنقيح الأصول للقافي وشرح المصنف على الدرة وقطعة من الشرح الصغير عليها للشيخ ابن ملوكه وشرح التاودي على العاصمية ونبذة من القاضي على الخزرجية وقطعة من المحلى على جمع الجوامع بحاشيتي البناني والكمال وما تحتاج إليه من الآيات البينات. وتقدم عضواً في جمعية الأوقاف وخرج لتفقد أحوال الساحل والقيروان ثم صار كاهية لرئيسها وباشر الخدمة مدة سفر الرئيس بوقوفه عند الحدود والتحري ما أمكنه. سافر إلى الآستانة صحبة حريم الوزير خير الدين بطلبه حيث سبق منه لإقراء بناته وعند وصوله بهم وجده يومئذٍ تقدم صدراً أعظم بالدولة العلية العثمانية فأقام مدة وجيزة ورجع على أحسن حالة.

стр. 367

ثم قدمه المشير للرئاسة على جمعية الأوقاف ونظارة المطبعة صبيحة يوم الاثنين التاسع والعشرين من المحرم سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين وألف، وثم خرجت من يده النظارة أواسط شهر رمضان المعظم سنة ١٢٩٩ تسع وتسعين ومائتين وألف استمر على رئاسة الجمعية ووكلته الدولة على مطالبها من الوزير مصطفى بن إسماعيل. ثم انتخبه ألأهالي في وكلائهم على مطالبهم من الدولة في ١٩ جمادى الثانية وبسبب ذلك أخرته لدولة من وظائفه سابع شعبان ثم ردت إليه وظيفة التدريس وظهر عليه فساد في الجم فمرض بشهدة في جبل المنار وتوفي ليلة السادس عشر من ذي الحجة ودفن بجوار الشيخ محمد بن ملوكة بالقرجاني يوم الجمعة سنة ١٣٠٢ اثنتين وثلاثمائة وألف أسف لفقده جميع الناس وسمت آيات صدقه وفضله الذي اعتز به الجميع، عاملة الله برضوانه، وأسكنه فسيح جنانه. الشيخ محمد البناني هو شينا أب عبد الله محمد بن حسن البناني الحرايري، قرأ بجامع الزيتونة على الشيخ الشاذلي بن المؤدب والشيخ محمد البنا والشيخ أحمد عاشور علي العفيف وغيرهم، واشتغل بصناعة أبيه مع التدريس بجامع الزيتونة، وهو متفنن مواظب عى دروسه، قرأت عليه الشيخ خالد على الآجرومية والأزهرية والقطر والجربي على إيساغوجي وكفاية الطالب على الرسالة والأربعية النووية وتنبذة من الشفأن وتقدم مدرساً في الرتبة الثانية بجامع الزيتونة في رجب سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف. الشيخ محمد التواتي هو شيخنا أبو عبد محمد بن محمد السعيد الشريف التواتي، ولد ببجاية وقرأ بها الفقه والتوحيد ثم قدم إلى توني فقرأ على الشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ أحمد الأبي والشيخ محمد معاوية والشيخ محمد بن ملوكة. وتصدى لتعليم القرآن العظيم مدة مديدة قرأ عليه فيها والدي وقرأ بجمع الزيتونة وتقدم به مدرساً لإقامة درس المنعمة عزيزة عثمانة وقد أدركته يقري شرح الشيخ ميارة على ابن عاشر فقرأت عليه إلى أن ختمناه وكان مع ذلك يسرد علينا ما يحيله الشارح على الشرح الكبير وقرأت عليه نبذة من الآجرومية. وقد بلغ من العمر إلى تسعين سنة، وتوفي أواسط ربيع الثاني سنة ١٢٩٥ خمس وتسعي ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين. الشيخ إبراهيم السنوسي هو عم والدي شيخنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السنوسي ولد سنة ١٢٣٦ ست وثلاثين ومائتين وألف وقرأ على والده الشيخ محمد السنوسي وعلى عمه الشيخ أحمد زروق والشيخ محمد البنا والشيخ محمد بن عاشور والشيخ محمد النيفر وغيرهم غير أنه لم يأخذ حظه من العلم واشتغل بالإشهاد وله مشاركة في النحو والفقه والمنط والبيان وله معرفة كلية بصناعة التوثيق وقد ألف في ذلك كتاباً سكاه المسلك الرائق في صفة كتب الوثائق. وهو خير غر كريم وتصدى للإقراء بجامع الزيتونة فأقرأ كتب المبادئ وهو أول أستاذ جلست بين يديه في شوال سنة ١٢٨٠ ثمانين ومائتين وألف بجامع الزيتونة فقرأت عليه الآجرومية سلكتين وشرح الشيخ خالد عليها ونبذة من كفاية الطالب على الرسالة بمسجد الفال ونبذة من شرح ابن تركي على العشماروية بحاشية الصفتي. وقد كان زيد له مولود سما البشير فعاجلته المنية واتفق أن كانت ولادته ليلة تمام البدر فهنأه بذلك العالم الشاعر لشيخ سالم بو حاجب بقوله: [مخلع البسيط] وليلة أقبل البشير ... كاس الهنا بيننا يدير بها نظيرين قد رأينا ... سبحان من لا له نظير بدران نارا معاً فقلنا ... من غير ذا ذاك لا يغير بدا سما المجد منك إبرا ... هيم السنوسي مستنير فأبشر ينحل شريف نجل ... تاريخه: (جاءك البشير) الشيخ أحمد بن الطاهر الكنجي هو مؤدبي أبو العباس أحمد بن الطاهر بن الكنجي الخياري، قرأت على والده بمكتب القريب من دريبة الدولاتلي القرآن العظيم، وكان حافظاً فاضلاً خيراً عليه سمة الصالحين، حج بيت الله حرا وتوفي في شعبان الأكرم سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين ومائتين وألف، وقام في المكتب ولده أبو العباس فختمت على يده وأعدت إلى أن تجاوزت النصف وكنت نكرر عليه جميع ما حفظته بين يديه وهو شاب فاضل عفيف جرى على طريقة والده في حسن التأديب وقد توفي عليه رحمة الله سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف. النتيجة

стр. 368

اعلم أن نتيجة الشيء ما يتولد عنه ويحصل منه ونتيجة كل شيء بحسبه فنتيجة الوالد ولده ونتيجة العلماء تآليفهم ومن يتخرج عليهم في العلوم وبمقتضى ذلك فإني نذكر هنا ما يسره لله لرب الجليل لعبده الحقير الذليل شاكراً الله على ما أنعمه به علي من شرف أصولي آبائي الكرام، وما شملني به من النعم الجسام فيما أخذته عن العلماء الأعلام مما تبصرت به وأدركت عجزي وقصوري فيما أخذته عن العلماء الأعلام مما تبصرت به وأدركن وعجزي وقصوري وضعف قوتي وجهلي مؤملاً من الرب الكريم أن يفيض علي وعلى ذريتي عوارف فتحه المبين وفضله الذي لا يختص به أحد من العالمين إنه جواد رحيم ذو فضل عظي لا إله إلا هو. كانت ولادة العبد الضعيف قبل منتصف ليلة الأربعاء بساعة وربع ليلة الثاني والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٦٧ سبع وستين ومائتين وألف وكانت الليلة راجعة للرابع من شهر اشتنبر الأعجمي وكان الطابع الجوزاء في الدرجة التاسعة والعشرين والصاحب عطارد. وقرأت القرآن لعظيم إلى أن ختمه وأعدته مع ملازمة التكرار بما يقرب من الثلاثة أرباع ثم أخذت ي قراءة العلم الشريف سنة ١٢٨٠ ثمانين فقرأت بجامع الزيتونة عل الشيوخ الذين سبق ذكرهم، جودت القرآن العظيم براوية حفص، وقرأت شرح القاضي على الجزرية في علم التجويد، وقرأت ن النحو والصرف الآجرومية وسيدي خالد والأزهرية والقطر والشذور والمقدمة ولامية الأفعال ونبذة من الفاكهي وزالأفية بشرح المكودي وشرح الأشموني والمغني ودروساً من التصريح الجميع بحواشيها قراءة تحقيق وبحث، وقرأت من الفقه شرح العشماوية وميارة على ابن عاشر وكفاية الطالب والدردير على المختصر الخليلي وقطعة متن الخرشي والتاودي على العاصمية، ومن الفرائض والحساب الشنشوري عل الرحبية والدرة البيضاء ونبذة من القلصادي، ومن التوحيد شرح الباجوري على الجوهرة والوسطى ودروساً من الكبرى وقطعة من السعد على العقائد النسفية وقطعة من المواقف، ومن ألأصول الحطاب على الورقات والمحلي عليها وتنقيح القرافي وقطعة من المحلي على جمع الجوامع ومن المنطق الجربي على إيساغوجي والقاضي عليه وشرح الباجوري على السلم وشرح المختصر للشيخ السنوسي والقطب على الشمسية، ومن آداب البحث والوضع نبذة من رسالتي آداب البحث والوضع شرح مسعود الروقي ومن البيان الدمنهوري على السمرقندية والباجوري والملوي والعصام بحواشيه عليها ومختصر لسعد والمطول وجميع الكتب المذكورة بحواشيها قراءة بحث وتحقيق وقرأت الحديث نبذة من الشمائل والشفا وقطعة من الموطأ وغالب صحيح البخاري الجميع دراية ومن التفسير نبذة من تفسير القاضي البيضاوي بحواشي السيلكوتي. ومع كثرة الكتب التي يسر الله لي بمنه لم نكتب في أختامها شيئاً من الشعر في مدح المشايخ على عادة الجامع ما كنت مستغلاً به في المثابرة على القراءة خاصة غير أني لما ختمت شرح الشنشوري على الرحبية في الفرائض بحواشي الباجوري أنشأت في ذلك الختم قصيدة من التشريع لما وقع في الكتاب المذكور من الازدحام وهي قولي: [الكامل] مسكُ الختام برحب روض قد هفا ... بتعطر وبه النسيم تلطفا أحسن به إذا فاح في روض العلو ... م الأخضر وبكل زهر عرفا فغدت به الأزهار مائسة بنو ... ار أنور كالرّيم حين تعطّفا وغصونها زينت بوردٍ للمنى ... والعبهري والك فيه تألفّا ودنا قطةفه بعدما شاكى الحمى ... عن مبسر وبدا لدينا مشرفا وغدا به نهر البشائر هاملا ... كالكوثر وبه الجنان تزخرفا وترنحت أطياره فوق الربا ... بالمزهر وبه الحزين قد اشتفى وبه الظبا بين الربا كل سبا ... بتبختر فربا الحبا بعد الجفا ماست وقد رفعت ذوائب فاحم ... عن مقمر فبدا الجمان وما اختفي فبدا الندى من فوق ورد تحت خالٍ ... عنبري كالليل عن شفق ضفا وبثغرها ثلج على خمر تح ... ل بسكر فلقد تسامت مرشفا فشفى الضما ضرب اللمى مذ همى ... من جوهر ظلمٌ نما منه الشفا وافت تهزّ معاطفا مثل الكثي ... ب الأعفر ولقد بان مهفهفا ورمت قلوب العاشقين بسهم لح ... ظٍ أحور وبه الفؤاد تحترفا فرأيت ما قد فات في شرح الشبا ... ب بمحجر لا القصد منه تخلفا

стр. 369

فدع الملام ومن أتاك يشي لجا ... كالمنذر ودع العذول معنفا واحضر نديمي لي بوجهٍ ضاحك ... مستبشر ولدي كن كن مسعفا وأدر على روح المعنى راحة ... إذ يجتري عماله قد كلفا فاقرع لنا ثغر الكؤوس وأملها ... بالمسكر وأدر علي القرقفا وامزج بها راح امتداح الأطهر اب ... ن الأطهر الفذ الإمام أبي الصفا الطاهر الحبر الهمام ابن الهما ... م النيفري نجل الرسول المصطفى هو عالم الدنيا ومؤنس تونسٍ ... بتصدر مذ كلنا قد سرهفا ذا وارث المختار خير الخلق خي ... ر مبشر مذ قد علا واستشرقا بالفرض والتعصيب حاز مفاخراً ... وبها حري من فخر والده اقتفى فعلاه من حسب ومن نسب نق ... ي أطهر فلذا بدا مستطرفاً فلأنه طود العلوم وعلمه ... كالطيسر من سحيه قد أوكفا ذو نجدة وصيانة وديانة ... لم تنكر.. يوماً طففا ذو همة ومروءة طابت بطي ... ب العنصر وبها غدا متعففا ذو نجدة وكياسة تكسو الحلى ... للمشتري والبدر منه قد اختفى فلأنه شهم خضم أروعٌ ... ذو مفخر وبه الكمال تعرفا بدرسناه بشمس والده الإما ... م الأشهر من فضله قد كفكفا فلكم هدى من ضب في ديور عل ... م أكبر فأضاءه حين أزدفا ولكم بكفه كف من ولى بعد ... وة قسور فأباد منه مزيفا فهو الذي قد حاز خصل السبق غي ... ر مقصر لا للفخار تكلجفا فبدا بتاج جلالة ومهابة ... في المنظر والقلب من ذا أرجفا ولقد تطلع غرة في وجه هـ ... ذي الأعصر والدهر منه تشرفا فاحضر بفيض دروسه تلقاه بح ... ر الجوهر وترى به ذا الغنيفا فتراه في أشبال جامته إذاً ... كغضنفر بزئير علم قد هفا يحظى الذين أتوه من فيض العطا ... ء الأوفر كم من خلائق أتحفا ومتى تأمل في العويص يحله بالزمجر ويريك عضباً مرهفاً ويريك من تحريره عذب السّلا ... ف المسكر وبكاسه كم أرشفا بفصاحة قسية قد زانها ... بتدبر وبدا بها متصرفا فقد امتطى من علمه متن الجيا ... د الضمر وبذاك أمره زهلفا وغدا يجول بحزمه في رحب رو ... ض مثمر بفوائد وبها شفى وبدا لنا في طلعة مثل الصبا ... ح المسفر فغدا لدينا شندقا هذا الفخار فلا فخار بغيره ... للمخبر فبه العلا ما استحشفا يا من فخاره عنه قد قصرت دعا ... ئم قيصر فغدا به مستشرقا فمتى تعد ذوو العلا أنت المع ... د بخنصر مذ قد سموت تشرفا مذا يقول شوعير في مدحكم ... إذ يجتري لو كل ليله أتلفا وبفضلكم صار الخطيب يجول فو ... ق المنبر مذ قام يتلو المصحفا لكنني نقحت ما لم يشتبه ... بالمفتري در المديح وقد صفا قد فزت منك بمحض ود للفؤا ... د موفر وبدا فخارك نفنفا فأقبل إليك فريدة ما حاكها ... من معشر لو في المدائح أسرفا حيتك من نجل فتي فاق شع ... ر البحتري مذ مدح علياك اقتفى خلصتها مما انتخبت بدرسكم ... من جوهر فأتى لديك مؤلفا ولقد سحرت بها النهى فأفخر بها ... في المعشر فالأصل منكم أتحفا وكسوتها بمديحكم حسنا ببر ... د عبقري ووشاحها قد أوصفا فتطاولت وغدت تجر بكم ذيو ... ل المفخر تيهاً لديك بلا خفا وأتتك رغماً للحسود وقرة ... للمذكر من أهل ود ما جفا كميا تهنيكم بختم مثل مس ... ك أذفر في القطر ضاع معرفا فاهنا وفز وامنح ودم وابقى بقا ... ء الأدهر تسدي حياء أوطفا لا زلت بحراً والمديح كما السحا ... ب الممطر وثناك يملأ كل فا ما قام يلهج مادح صلى على ... ذي المغفر خير البرايا المصطفى صلى الإله عليه ما تم المرا ... د بمحشر حتى يؤم الموقفا وقرظ هاته القصيدة أخوانا الشيخ محمد جعيط على شاكلتها بقوله: [الكامل] برزت فتمنيت المدنفا ... بالمنظر وبحوزها حاز الشفا رفعت قناع جمالها فبدت لنا ... كالمشتري أو بدرتم قد صفا فخرت بطلعتها فصارت غرة ... للأعصر ولحسنها البدر اختفى

стр. 370

سحرت بلب القول لب ذوي النهى ... من معشر وبها تبدي مدنفا أهدت سلاف النظم في لفظ لها ... كالجوهر تحكي النسيم تلطفا حملت لواء بلاغة وفصاحة ... بالأسطر فكمالها لن يوصفا طابت ثنا لا بالتصنع بل بطي ... ب العنصر فنفى بذاك تكلفا سمحت بكحل مدادها مذ قد حكى ... للعنبر لوناً وريحاً قد هفا وسقت كؤوس رحقيها فأبيح شر ... ب المسكر ناديت هات القرقفا أزرت بكل فريدة أعظم بها ... أن تزدري وبلفظها كن منصفاً فضت ختام رحقيها روض قد هفا ... بتعطر وبه النسيم تلطفا فتكت محاسنها بنا لما أتت ... في عسكر وأتت بقلبي مهدفا سيف العيون وحاجب وفم همى ... بالكوثر تزداد منه تزخرفا ماست لفتكي فاستجرت بربها ... في المعشر فلأن شيمته الوفا أعني أبا عبد الإله ومن سما ... في الأعصر ولعنصر المجد اقتفى من صار سحر القول منه سجية ... وبها حري والطبع لن يتخلفا سحر البيان مع البديع يبثه ... بالأسطر ويزيد فيه تألفا يأتي بسحر القول دون توقف ... وتفكر ويصوغ دراً قد صفا فهو المقدم بالقريض وعده ... بالخنصر وبه لعمري صنفا خذها إليك فرائداً جاءت لكم ... بتبختر وبها الجمال تكلفا رويت فنون السحر عما صغته ... من جوهر ينفي عليه تعسفا فلذا سمت بجمال قول عن مقا ... ل البحتري وبفضلها قد أنصفا قد صغتها تاجاً لهامة خودكم ... في الأدهر فلحسنها البدر اختفى فأقبل إليك من المقل قليل ها ... ذي الأسطر واصفح على ما زيفا لا زلت ترفل في السعادة والمقا ... م لأكبر وتصوغ دراً أتحفا وقرظها أيضاً على شاكلتها الشيخ أحمد جمال الدين بقوله: [الكامل] نبه جفونك قد وا ساقي السلا ... فة بكر مترشفا لترى الشفا وامزج بها ماء اللمى ما فاق طع ... م السكر واسق النديم المسعفا ما بين أزهار الربا والعود طو ... ع منقر وبه المحب تعطفا والغيد ترفع في بديع شمائل ... بتبختر كل البدور لها اختفى ترنو بطرف فاتك من تحت قو ... س موتر ولها الحشاشة مهدفا وردت ورود خدودها من تحت آ ... س عبهر والصبر مني قد عفا يا صاح ذا زمن الخلاعة والنزا ... هة فاحضر ومن المعنف قد صفا فاخلع عذارك واغتنم فرص اللذا ... ذة وانثر متغنياً ما شنفا مسك الختام برحب روض قد هفا ... بتعطر وبه النسيم تلطفا طلعت تتيه تطاولا في خير نش ... ر عنبري تذر المعنى منصفا وتجر ذيل مطارف من سندس ... ي عبقري تلقي المحب من الشفا سحرت عقول ذوي النهى فغدت حلي ... ف تفكر بسلاسة لن توصفا كالراح معنى إذ تفيض جواهرا ... كالممطر أو كالعقود تألفا وبدت تدير مدائحاً في ذي الإما ... م الأطهر نسل الرسول المصطفى ما صاغها ذو نهية ولو الحرير ... ي الحري بل لو غدا متكلفا ما هو إلا من سما وبكل شه ... م يزدري وأبان فضله كل فا بحر من الآداب يبدو أنه ... كالسكر يبري السقيم المدنفا من قد تسمى بالسنوسي كالسنوسي ... المزهر بل مثله لن يعرفا ابدعت في نظم نضيد مثل سل ... ك الجوهر أو كالرياض تزخرفا يشدو فيفعل بالنهي فعل الشرا ... ب المسكر لكنه لن ينزفا وبك الأواخر قد تفاخر أيت ذك ... ر البحتري وبك الصفاء قد اختفى وبكل فن قد بدا متقايضا ... كالأبحر وغدا ذكاؤه مرهفا قد نلت كل حميدة من ذا الجنا ... ب الأطهر ولك الفخار بلا خفا دم مثل ما ترضى فأنت أديب ك ... ل الأعصر وغدا زمانك مسعفا وبقيت غيثاً واكفا ولك الفدا ... بمعشر ذي المفاخر مرشفا متبسماً ثغر السعادة فائحاً ... كالعنبر أو مسك ختم قد هفا

стр. 371

وفي شوال سنة ١٢٨٧ سبع وثمانين ومائتين وألف ألزمني الشيخ أبو عبد الله محمد البارودي للإقراء بجامع الزيتونة، وأول كتاب ختمه بالإقراء بجامع الزيتونة شرح الشيخ ميرة على ابن عاشر وعند ختمه حضر كثير من مشايخي وإخواني وقد كتبت على خاتمة النظم المذكور كتابة لطيفة. وفي جمادى الأولى سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف استدعاني شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد معاوية للمناظرة بتذكرة فكتبت عليها قولي: [المتقارب] أناظر لا أختشي يومها ... فعوني الإله بنصري كفيل وأدخل في جمعهم صادحا ... بحسبي إلهي ونعم الوكيل وتعين للمناظرة مبحث المطلق والمقيد من جمع الجوامع بشرح المحلي فكتبت على المبحث المذكور ورقات وحضرت بالجامع لإلقائها فإذا بالمنازع تأخر عن الحضور وبسبب ذلك تأخرت المناظرة. ولما قرأت مختصر السعد بجماع الزيتونة كتبت في مبحث الملكة رسالة في المقولات العشر. ولما قرأت علم العروض نظمت فيه أرجوزة جمعت فها فنون العروض والقوافي والقريض أحسن جمع قلت في فاتحتها: [الرجز] بدرة الحمد نظامي نبتدي ... مصلباً على الرسول الأحمد ولما كان مقتضى ترتيب جامع الزيتونة أن التآليف الجديدة يلزم أن تعرض على المشائخ النظار وهم شيخنا الإسلام والقاضيان عرضتها عليهم فكتبوا عليها بخط الإسلام من إنشائه ما نصه: الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وأتباعه، قد وقفت على هاته الأرجوزة الوجيزة، التي أثبتت لمنشئها براعته وتبريزه، وكانت لسلالتها ونصاعة ألفاظها وصحة معانيها واستقامة أغراضهأن سهلة التناول لمداوليها وحفاظها فأجزنا للطالبين منفعة واجتناء ثمار فوائدها من مجانيها. كتبه أفقر العباد لربه تعالى أحمد بن الخوجة كان الله له في شهر رجب من عام ١٢٩٧ سبعة وتسعين ومائتين وألف ومن الفقير إلى ربه محمد الشاذلي بن صالح أصلح الله حال الجميع آمين ومن الفقير إلى ربه محمد بيرم ومن الفقير إلى ربه محمد الطاهر النيفر كان الله به بمنه آمين. وقرظ هاته الأرجوزة أحد تلامذة الدرش الشيخ أحمد بن الصادق بن محمد القريشي السقاط بقوله: [الكامل] يا رائماً تهذيبه لقريضه ... خذ درة تكفيك علم عروضه تحوي موازين الخليل وبعدما ... يخفى على الحذاق درك وميضه سمحت بها كف السنوسي الرضى ... فاغنم هنيئاً من كنوز فيوضه واشكر لمن أسدى لنا نفعاً وإن ... أودى فؤاد حسوده وبغيضه نهضت عزائمه لنشر العلم في ... نفه الورى الله در نهوضه وإذا انتقى الله امرأ لسعادة ... ظهرت بمرأى الناس حبك عروضه فأقبل أبا عبد الإله عجالة ... شكراً وشكر العلم من مفروضه لا زلت في العرفان طود معارف ... والعبد يرفل في حلى تقريظه وقد نظمت متن المقدمات السنوية في علم الكلام تسهيلاً للطالبين ونظمت عدة قواعد وضوابط في فنون شتى، وفي أثناء مدة قراءتي تعلقت بالأدب وتعاطيت حفظ المقامات الحريرية وغيرها من مواده نظمت شيئاً في ذلك العهد كنت أحسبه من الشعر وليس منه في شيء إلا أنه في أواخر سنة ١٢٨٦ ست وثمانين ومائتين وألف صار شعراً يرغب فيه سامعوه ولا أدع حسن بعضه وأرسلته إلى عدة جهات حتى كنت في ذلك العهد أنشد قول الشاعر: [المتقارب] أراني ابن عشرين أو دونها ... وقد طبق الأرض شعري مسيرا إذا قلت قافية لم تزل ... تجوب السهول وتطوي الوعورا استغفر الله إن ذلك لمن غلط الصبا تجاوزه الله عنا آمين. وقد اعتنيت بجمع أشعار أهل البلاد وجعلتها كتاباً سميته (شفاء النفوس السنية بجمع الدواوين لتونسية) ترجمت فيه لكافة الشعراء التونسيين في مبدأ جلة أبناء المقدس حين بن علي تركي إلى هذا العصر الأخير، جاء كتاباً يحتوي على أجزاء كثيرة أربى شعره كثرة على قلائد الأندلسيين ويتيمة العراقيين وقد قرظه كثير ممن وقف عليه ومن لطائف تقاريظه ما قرظه به أخونا الشيخ سيدي محمد بن الخوجة وهو قوله: [البسيط] الراح تقصر عما صغت من أدب ... فلا تسل ما أصاب القلب من طرب وأين من خمرة الآداب ما عصرت ... من دوحة الكرم الدرية الحبب هذب حرام وتلك الشرع حللها ... فانظر لآلئها أعلى لدى الرتب

стр. 372

أهدي إليك ثناء طاب عنبره ... شكراً لما قد بعثتم من حلى الأدب لا زلت تهدي ثمار لعلم دانية ... والشكر يهدي إليكم أحسن النخب وكتب عليه مفتي سوسة الشيخ محمد عمار مقرظاً بقوله: نحمدك يا من طلع في هذه الخضرا بدرأن فأزاح غياهب الأحلاك، وأفاض على نوادي الفصاحة بحرأن يقذف بجواهر الأسلاك، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد أفصح البلغاء وعلى آله وأصحابه أيمة الاقتداء وبدور الاهتداء. هذا وإن محاسن الآداب وبدائع الإعجاب، أنفس ما يرغب فيه الأفاضل، ويتنافس في تحصيله الأماثل، وإن إشعار القطر التونسي بلغت أقصى غايات الاختراع، في جزالة النظم ورونق الإبداع، إلا أنها لم ينتدب لها من ينظم شملها وستنز طلها ووبلهأن لولا أعجوبة الزمان، ونادرة البيان، أوحد العصر، في النظم والنثر، فإنه أحيا أدام الله حياته ذكر أبناء قطره، ومنشئي مصره، بتأليفه شفاء النفوس السنية بمجمع الدواوين التونسية، وأبقى لهم في المعالي ذكراً يجدد لهم على تعاقب الأعصار فخرأن حيث أظهر من زوايا الخبايا دواجن أخبارهم، وجلا على منصة الظهور بنات أفكارهم، ومن نظر الأمور بعين الاعتراف، ووزنها بقسطاس الإنصاف، من جهابذة النظام وحملة الأقلام، لا ينازع في أن من ألبس أبناء الوطن أثواب الثناء الحسن لا ينبغي إهمال الثناء عليه، وإيصال المبرات إليه، على أن جزاء المحسن ضروري الاعتبار، تشهد بذلك سجايا الأحرار، ثم إن مؤلفه أطلعني على الجزء السادس منه فسرحت فيه النظر وأسمت الفكر بين خمائل الزهر، وأدوح الثمر، لأتقطف أزهار رياضه وأرتشف زلال حياضه، ولعمري أن معاطاة طروسه ورحيق كؤوسه أعذب من رشف الرضاب من الثنايا العذاب، بل أشهى من رجع الشباب، كيف لا ونفح الطيب يتأرج من سطوره، وقلائد العقيان دون منظومة ومنثوره، ولقد تبينت به أن المتأخر قد يقهر في وجه المتقدم، ولم أعول على هل غادر الشعراء من متردم، ولكنه وافاني وقد هجرت الغزل، وصحا القلب عن الوقوف في الطلل، وفترت العزائم، عن مطارحة الحمائم، وصياغة التمائم، وتوشيح المعاني، بالنسج الخسرواني، فحرك طباعي، وفتح باب الدواعي، كأنما عاطاني سلافه، أو بعثت إلى الرصافة فجريت رحب المجال وسددته شهاب لمقال لعلي أصادف الغرض، في تقريظه المفترض، ووصف كماله الذي هو جوهر لا عرض، كلا لقد جئت شيئاً إمرأن حملت نفسي إصرأن فأرهقتها عسرأن أرأيت من يصل إلى السماك، ويتعاطى ثواقب الأفلاك، فليت شعري بم نشكر فضل مساعيك. معاشر محبيك، لا غرو أن ضاق نطاق البيان عن أياديك، فإنك بلغت الغاية في المعارف، واقتناء اللطائف، وحصلن على الذوق قبل أن تشب عن الطوق، رويداً قد اعترفنا بأياديك البيض، ولم نجاذبك ر داء القريض، لله درك ما أبرع قلمك وأعذب كلمك إن نثرت أو وشيت بالحبر أنسيت أزاهر الروضة الغناء، وشففت على زواهر الخضراء، بلاغة اليراعه، وفطانة وبراعة، اين البديع من لفظك البديع لقد أزرى بالوليد وأربى على عبد الحميد، فالله يحرس مجدك، ويديم حمدك، بمنه وطوله، كتبه أخوكم محمد عمار. ومنه أخرجت جملة شعر شاعر تونس أبي الثناء محمود قابادو وجعلته ديواناً سبق ذكره في ترجمة صاحبه. ثم إني جمعت ما قلته من الشعر والنثر بديوان سميته بنزهة الخواطر وكل هذه التآليف د تجملت بتقاريظ أهل الأدب مما كثرته تمنعني من استقصاء ذكره هنا. وأما الإقراء بجامع الزيتونة وغيره فلا زلت بحمد الله معتكفاً عليه وقد أتيت بحمد الله على كثير من مهمات الكتب من التوحيد والأصول والحديث والفقه والنحو والصرف والبيان والمنطق والعروض وآداب البحث نسأل الله أن لا يحرمني لذة ملازمته إلى حضور الأجل بجاه النبي الرسول الأجل. وقد رأيت أن أورد هنا قصيدة من نظم شاعر مجيد استظرفتها لما جرت عادة التلامذة أن يقدموه عند ختم الكتب وقد أنشدنيها أحد التلاميذ عند ختم مقدمة ابن هشام وهذا نصها: [الكامل] ظبي الفلا بجمالك المحروس ... من ذا أحل لك اغتصاب نفوس مهلاً بقلب في هواك حبسته ... أو لست ذا رحمى على المحبوس كم من فتى لا زال يقطعه الهوى ... وجد فأصبح في الثرى المرموس شوقي لرشف من لماك لعله ... يطفي لظى وجدي وحر وطيسي

стр. 373

سكن الهوى في باطني فأذاعه ... دمعي عجبت لالذائع مدسوس! ما الحب إلا النار تكوي في الحشا ... أو قتل صب في خبايا الخيس عندي الملامة في هواك ألذ من ... شد فوا أنسي بلوم جليس يا صاح تركك للملامة أليقٌ ... كم من يلوم فيبتلي بالبوس من رام أن يبقى معافى قلبه ... ويفوز بالنعمى من القدوس فليجتنب مغنى الظبا وسبيلها ... كي لا يغر بلينها المأنوس ولينتهز فرصاً لصحبة عالم ... شيخ يعز ملقباً بسنوسي الجهبذ الغطريف من أضحى لدى ... هيجا العلوم يحط كل خميس يا من سما بنتائج الفكر التي ... بذت بمفخرها حلى القاموس حتى غدت من حسنها يسلو بها=ذو الذوق عن خدن وكل أنيس هذا ختام المسك لابن هشامهم ... قدمته كدعامة التأسيس وسنبتني بحياتك الغرا لنا ... علو العلوم إلى ذرى البرجيس لا زال علمك يرشد الطلاب من ... شرقي الحجاز إلى نواحي السوس وقد تعاطيت بحمد الله عدة أشغال علمية وكتابية نذكرها هنا مه بسط الترجمة توشيحاً لهاته فنقول معتمداً على فضل الله الذي يرجى لنيل كل مأمول. الأمير الناص باي هو أبو عبد الله محمد الناصر ابن المشير الثاني محمد باشا ابن الباشا حسين باي ابن الباشا محمود باي ابن الباشا محمد باي الباشا حسين باي علي بن تركي قدس الله أرواحهم من ملوك تجمل بهم كرسي المملكة التونسية وقد رصعنا بجواهر مئاثرهم تاج مقدمة هذا الكتاب، وليس على الشمس حجاب. أما شبلههم صاحب الترجمة فكانت ولادته كما سبق باكر يوم الخميس قبل الزوال بست ساعات وخمسة أدراج الموفي عشرين من شهر شوال الأكرم سنة ١٢٧١ إحدى وسبعين ومائتين وألف فأقبل على والده كالمهني بولايته الملك التونسي ولذلك كان باكورة ملك أبيه سماه الناصر وأرخ ولادته شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بيرم الرابع بقوله: [الكامل] وردت على الدست الكريم بشائر ... لما بدا هذا الهلال الباهر فتبسمت طرباً ثغور للعلا ... إذ نالها هذا السرور الوافر لله من خبر يلذ حديثه ... لهج المقيم به وسار سائر قالوا فحركت المعالي عطفها ... زهوا ونافحها المقال العاطر مذ زيد في التاج المنظم درةٌ ... ونشا بغاب الملك شبل خادر وأنظم للقوم الكرام مهذب ... في لئيم نعليه السعود تبادر فليهن والده المشير بنيله ... وبملكه لا زال وهو الظافر فكأنه الملك كان مواعدا ... فغدا يرافق نجله ويساير فأسلم أباه مرفعاً في غبطة ... حتى تراه وهو ناهٍ آمر وترى بنيه تقاد بين يديهم ... نجب وتجمع كالجدود عساكر لما بدا أرخت هل محمد ... باكورة الملك الجديد الناصر وقد تربى في حجر ملك والده المقدس ولما بلغ أشده اشتغل بحفظ القرآن العظيم على مربيه أبي الربيع سليمان المملوك وكان يحفظ القرآن العظيم وفيه خيرية ودين فأقيم لتربيته وتعليمه فختم عليه القرآن ثم أعاده على غيره من المماليك بعد وفاة مؤدبه ومربيه المذكور. ثم ختنه عمه المشير الثالث صبيحة يوم الاثنين التاسع عشر من رجب سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف في يوم مشهود وحضره سائر آل البيت الحسيني والوزراء ورجال الدولة. ولما بلغ ست عشرة سنة استدعاني المكلف بالمعارف العمومية الوزير حسين لإقرائه العلم الشريف ومن كان بمعيته فحضرت لذلك أواسط ذي القعدة الحرام سنة ١٢٨٧ سبع وثمانين ومائتين وألف وحفظاً من العلم متوناً كثيرة منها الآجرومية والألفين ولامية الأفعال والجوزهرة والعقيدة السنوسية والسمرقندية وغالب فن المعاني من التلخيص وتحفة الملوك ومنتخبات مقامات الحريري وطعة وافرة من أحاديث القضاعي وبعض ترتيبات وحكم بين نثر ونظم.

стр. 374

أما الكتب التي أقرأتها لهما تدريساً فهي متن الآجرومية ثم شرح الشيخ خالد عليه مرتين ثم شرح القطر الألفية بشرح المكودي إلى النعت والعقيدة السنوسية والمقدمات وشرح الباجوري على الجوهرة والشرح البيرمي على إيساغوجي، والدمنهوري على السمرقندية ونبذة من تلخيص المعاني إلى أحوال متعلقات الفعل وشرح الشيخ حسن الشرنبلالي في الفقه الحنفي وقطعة من العيني على الكنز وقطعة من المغني على تحفة الملوك وشرح الدر المختار على تنوير الأبصار وقد بلغنا فيه الآن إلى الخلع والأ'مال الصحيحة من علم الحساب، والشرح الخوجي على الحكم السياسة والخلاصة النقية في أمراء إفريقية وتاريخ القرماني وقطعة من مقدمة ابن خلدون جميعها تدريساً بجد واجتهاد ورواية غالب الشفا للقاضي عياض وسرد الإبريز وقراءة صحيح البخاري دراية في ليالي رمضان كل سنة، وقد كتبت عدة أختام على كثير من الأحاديث لتي ينتهي شهر رمضان بالوقوف عليهأن نسأل الله أن يجعل جميع ذلك من العمل المبرور. وقد اشتغل أيضاً بتعلم اللغة الفرنساوية فبرع فيها كتابة وسرداً وترجمة وتكلماً بعد التروي وحساباً وجغرافية على وجه يعز عمن سواه مع ماله من الولوع بمطالعة الأخبار ومزيد الاستبصار. فهو شاب مهذب شهم فصيح دراكة ألمعي متبصر موفق لطيف الأخلاق حسن اللقاء كيس المعاملة ظريف الشمائل محب للتراتيب يخشى الله في حقوق العباد محب للنصيحة عزيز النفس عالي الهمة حسن العهد رحب الصدر. نسأل الله لنا وله دوام نعمة التوفيق الهدية، وحسن المبدأ والنهاية، بجاه من أنزل عليه القرآن آية آية. وقد كنت في مبدأ إقرأئه كاتبته بمكتوب نثبطه به عما ظهر به من اشتغاله، ونحثه عما يجديه بين الناس في مآله، وهو مكتوب يحسن في بابه، وتعرف قيمته عند أربابه، ولا ينبغي أن نودع عند غيره نفائس آدابه ولذلك حافظ على نفائسه فوعاه حفظأن وبعد أن استوعبه معنى ولفظأن وهذا نصه: أيها الابن الذي يريد أن يقوم لجيوش المعارف ناصرأن وقد أسلمت لك قيادها وحلت لك أبناء الملوك خناصرأن أعزك الله ما الفضل بالسباق إلا في ميادين المعارف، ولا بالصيد إلا الشوارد المسائل واللطائف، ولا بالرماية إلا في أكباد الأعادي، بإحراز سهم لعلوم ونشر رايتها في كل نادي، وعهدي بك أنك ممن سبر وعاين بعد الخبر المخبر فأءيقنت بلزوم بذل العناية في الحرص على التعلم لما تحرر عندك من نتائج سير ملوك الأقاليم، فما بالك آثرت اللهو بالصيد دون رجوع في سويعات التعليم التي إنما تكون لك ثلاثة أيام من كل أسبوع مع هجوم البرد الشديد، الذي لا تروح بسببه الطير من وكرها البعيد، فإن كنت ترى أن ذلك الملك أساسأن وقد نفع ذلك أناساً فسحبي أن أنظم لك في هذا السلك ما أنشأت نظمه في قول الحكماء في الملك: [الكامل] الملك بين أسّه الإيمان ... والسقف تقوى الله والإحسان ومشيد الأركان منه شرائع ... وفراشه عدل به العمران ومناره السير الحميد فمن حوى ... ذا فلينم فالملك فيه أمان وإن أروك أن الفروسية زينة الملوك العظام، فأيقن أن الزينة إنما تكون بعد الحصول على التستر بملابس الكرام، وملابس الملك عشر خصال، قد جمعتها لك في لطيف المقال، هو: أرى الملك محتاجاً لتسع وعاشر ... خصال رووها عن جميع الأكابر قيام بحفظ الدين بين أولي النهي ... وتنفيذ حكم بين أهل التشاجر وذبٍّ على كل الحريم ومالهم ... وضبط حدود الله بين العشائر وتحصين ثغر عن جميع عداته ... وحسن جهاد للمعاند قاهر وحفظ جبايا المال دون تغافل ... وتقدير ما للمستحق المجاور وتولية الأمر الأمين الذي له ... مع الحزم حلي النصح غير الظاهر ومن باشر الأمر المهم بنفسه ... بخبرته أضحى عظيم الأكاسر فآلة الرمي والفروسية من الأدوات التي لا يعد عدمها نقصاً في الذات بين المدبرين من ذوي الكمالات بخلاف نقصان المرء عند التكلم وإهماله حظ التعلم فتلك حسرة لا يجد لهاة مفوتها من سبيل، وإن أجري في معاملته أنهار السلسبيل: [الوافر] وما فضل الملوك على الرعاع ... سوى بالذات في كل البقاع وفضل الذات رحمتهم وحذق الت ... بصر بالمعارف في المراعي

стр. 375

وصولتهم وحزم بالدها قد ... تأكد منه إنجاح لمساعي وليس الفضل فهم بالمباني ... ولا بذخائر ذات انتفاع ولا بملابس ومطاعم مع ... مراكب بالتحلي في ارتفاع فإن فضلت فعما كان منها ... وتبقى من توخاها بقاع ومثلك أدام الله حفظك لا يحتاج إلى مزيد لعلمي بمالك من الرأي السديد الذي يحملك الله على الرجوع إلى المطلوب، والمبادرة إلى حفظ هذا المكتوب، والسلام. جمعية الأوقاف لما جمعت الدولة أوقف المملكة التونسية لنظر الجمعية التي عينتها لذلك قدمني رئيسها للكتابة في صفر الخير سنة ١٢٩١ إحدى وتسعين فتوليت إنشاء ما يصدر عنها من المكاتيب والتقارير وغير ١لك، ثم خرجن لتفقد أوقاف الوطن القبلي علم الساحل والقيروان وأنهيت التفقد المذكور سادس ربيع الأول سنة ٩٢ اثنتين وتسعين وقد اجتمعت في سفري المذكور بأرباب الخطط الشرعية في تلك الجهات وهم الشيخ محمد ماضور قاضي بلد سليمان، والشيخ أحمد المرزوقي قاضي نابل، والشيخ محمد العاصمي قاضي الحمامات، والشيخ محمد الهدة باش مفتي بلد سوسة، والشيخ حسن الريغي المفتي الثاني بهأن والعالم الشيخ عبد الصمد بواري المفتي الثالث بهأن والشيخ محمد عمار المفتي الرابع بهأن والشيخ محمد السقا القاضي بهأن ولعالم الجليل الشيخ محمد صدام باش مفتي القيروان، والفاضل الشيخ حمودة صدام المفتي بهأن والتحرير الشيخ حمودة بوهاها المفتي بهأن والفقيه الورع الشيخ صالح الجودي القاضي بها وقد استجرت جلتهم فأجازني إجازة جليلة وهي الآتية: الإجازة الأولى إجازة العالم الفاضل القدوة الورع المتحلي بالمروءة والأصالة والكياسة والسياسة والهمة العالية الدراكة التحرير الشيخ محمد صدام باش مفتي القيروان وهذا نصها: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم إلى يوم الدين وبعد فقد التمس مني العالم البارع النحرير، حائز قصب السبق في ميدان الإجادة التحبير أبو عبد الله سيدي محمد السنوسي أحد مرسي الجامع الأعظم بمحروسة تونس صانه لله الإجازة وبيني وبين ذويها طريق غير مجتازة ولسنا حالي ومقالي بأني لست أهلاً بأن أجاز، فضلاً عن أن استجاز، ولكن لما لم يكن لي بد من الإسعاف والإنجاز أسعفته بما مني التمس، وأني أعلم أني لست ممن نوره يقتبس، فقلت: قد أجزيك أيها السيد الجليل بجميع ما يجوز مني وعني إجازة تامة مطلقة عامة سائلاً أن لا تنساني من صالح دعواتك في خلواتك وجلواتك والمرجو من فضل الله القبول إنه أكرم مسؤول كتبه العبد الفقير إلى ربه الغني محمد بن أبي بكر صدام اليمني، عامله الله بلطفه والخفي، في ٨ صفر الخير سنة ١٢٩٢ أتمها الله بخير آمين. الإجازة الثانية إجازة العالم الفاضل سلاسة الأولياء العظام النحرير الشيخ عبد الصمد بواري مفتي بلد سوسة وهذا نصها: الحمد لله العليم الحكيم، الذي خص علماء شريعته بمزيد التكريم، وجعلهم نجوماً يهتدي بهم في ظلمات ليل الجهم البهيم وقادةً إلى سلوك سبيل دار النعيم، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي الكريم، والرسول العظيم، المنزل عليه في الآيات والذكر الحكيم وإنك لعلى خلق عظيم، وعلى آله الأبرار وصحابته الأخيار ومن تبعهم من أيمة الدين وهداة المسلمين.

стр. 376

وبعد فإن خير ما يتزين به اللبيب، ويتزر به كل ذي عقل مصيب، بذل العلوم النافعة، والمعارف الرافعة، إذ بها تحصل السعادة الكاملة، والرحمات الشاملة، هذا وإن ممن سعى في تحصيل المراتب الرفيعة، والفنون الوسيعه هو الجهبذ الفاضل، والحجة المناضل، النحرير الأكمل، والعمدة الأجمل أبو عبد الله محمد ابن السيد عثمان السنوسي طلب مني أن أجيزه في إقراء المختصر الجليل، المنسوب للشيخ خليل، رحمه الله تعالى ظناً منه أني من أهل هذا الشأن وفرسان هذا الميدان، وإني والله لست أهلاً لذلك، ولا ممن يسلك بهاتيك المسالك، لكن أجبته راجياً من الله تعالى أن يفيض علينا من أنواره الزاهرة، وأسراره السنية الفاخرة، وأن يمدنا بالمدد الرباني والفيض الصمداني، فأقول: إني أجزته في إقراء المختصر المذكور كما أجازني أشياخي رحمهم الله تعالى وقدس أسرارهم بشرطه قال ذلك أفقر الورى، خادم نعال الفقرأن عبد الصمد بن محمد بن عبد القادر بوراي المفتي بسوسة أخذ الله بيده آمين وكتب في صفر الخير سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف. الإجازة الثالثة إجازة الفقيه الورع المحدث النقادة المتفنن الشيخ صالح الجودي قاضي مدينة القيروان وهذا نصها: نحمدك يا من أجاز قاصده من سلسبيل آلائه، وجعل سندنا إليه خاتم رسله وسيد أنبيائه، ونصلي ونسلم على من نوعت له تلقي وحيك على أنواع، فمنها ما كان بغير واسطة وخصصته مع الرواية بالسماع، ومنها ما كان بواسطة روح القدس الأمين، عن اللوح عن القلم عن مكنون علمك المقدس المتين، وعلى آله الذين تركتهم بعده للتمسك بهم وبكتابك أماناً من الضلال، وجعلت مودتهم كفيلة من أهوال يوم الرجف والزلزال، وعلى أصحابه الذين حملوا إلينا منه شرعك المتين، وحموه من التحريف حتى بلغوه باللفظ الذي تلقوه منه على المنهج الواضح المستبين، وعلى حماته أعلام الأمة الذين سلكوا مسلكهم في الرواية، حتى تلقينا بمسلسل أسانيدهم على أتنم ضبط للغاية. وبعد فإن العلم من الشرف بمكان، شهرته تغن عن الشرح والبيان، وإن درست ربوعه، وانقرضت آحاده وجموعه، وسحبت على أبوابه عناكب الخمول، وأذنت شمسه بعد إشراقها على جميع الآفاق بالأفول قد قيض الله له طائفة من أهل هذا العصر، شمروا في دروسه على ما كانت في سالف الدهر، وكابدوا فيه مكابدة من سلف حتى حصلوا على فك خفايا رموزه، وإصابة خفايا كنوزه، فكانوا من خير الخلف، وكان ممن انتظم في سلك أولئك الأكياس، الناهلين من أصفى موارده من أكبر كاس، أخونا في الله الذكي الألمعي، الزكي المسيدعي، الممتطي بجيد قريحته صهوات جماع المعاني، والمذلل براسخ ملكته أوابد رموز المباني، وإن نثر شف بدرر منثوره الأسماع، وإن نظم حرك سحر بيانه سليم الطباع، الودود الصافي، ذو العهد الوثيق الوافي، الشيخ السيد أبو عبد الله محمد السنوسي ابن العدل الفاضل الشيخ أبي عمرو السيد عثمان السنوسي ابن المنعم الفاضل سليل الأفاضل الشيخ أبي عبد الله السيد محمد ابن الشيخ الكبير، والعالم الشهير الثبت الحجة النحرير، من أشرقت أرجاء قطره بنور عدله، واتفق الثقات على كمال فضله، وأحيا من محررات الأحكام ما تنوسي، المرحوم المقدسي قاضي الجماعة المالكية الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد السنوسي، وقد التمس مني حين قدم لمدينتنا من الحاضرة المحروسة، واجتمعت معه في أوقات مأنوسة، أن أجيزه الإجازة التي جرت بها العادة لتحصيل الاتصال، المحصل لعود بركة مشايخ سلسلتها على مستقيمها في الحال والمآل، وحمله على ذلك حسن الظن الذي هو وصف أهل التقوى والإيمان، وإلا فما أنا من فرسان هذا الشأن، وأين للهزيل الضليع، أن يدرك شأو القوي السريع، لكنني لما رأيت قوة رغبته وأنه لا يقبل لي عذراً في التخلف عن طلبه، أجبته بعد الاستخارة لما أراد رجاء أن أرى أثر بركة دعائه يوم التناد فأقول وبالله أستعين، وما توفيقي إلا بالله القوي المتين:

стр. 377

قد أجزت أخلي الملتمس المذكور، كان الله ولي وله في جميع الأمور، بمثل ما أجازني به أحد جلة مشايخي الذين عليهم اعتمادي، وإليهم فيما حصلت استنادي الشيخ العلامة الخير الثبت الفهامة نادرة وقته في الفروع والأصول وحيد عصره في المعقول والمنقول ذي النزاهة والزهادة والتبتل في العبادة الذي أرجو له من فضل الله الكريم أن يقدس سره ويهب له من الخيرات ما لا يتناهي، مولاي وأستاذي المفتي السيد الشريف أبي عبد الله سيدي محمد بوهاهأن قدس الله بروحه، ونور صريحه، وأسكنه من أعلى الجنان فسيحه، وسندي في صحيح البخاري عنه ﵀ عن شيخه أربي المحاسن يوسف بدر الدين المدني عن شيخ المحدثين بالحرمين السيد زين باعلوي المدني الشهير بحمل الليل عن شيخه المعمر محمد بن سنة العمري الفلاني، عن العلامة أمد بن علي العباسي، عن السيد غضنفر النقشبندي، عن تاج الدين عبد الرحمن الكاروني، عن الحافظ أبي الفتوح أحمد الطاوسي عن المعمر بابا يوسف الهروي، تعن الشيخ المعمر محمد بن شاذبخت الفرغاني، عن الشيخ المعمر أبي لقمان يحيى الختلاني، عن الإمام محمد بن يوسف الفربري، عن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ﵀، ورحمنا به. وعلى نحو ما أذن لي شيخي في إجازته لي أذنت، وشرطي له مثل ما شرط أستاذي علي، ووصيتي بمثل ما كان منه إلي، وأسأل من أخي المجاز الصفح والإغضأن وأن ينظر بعين الرضى، فإن مثله من الكرام ممن يستر الزلات، ويتجاوز عن الهفوات وإن شغل البال، وتكاثر الأشغال، وستحمل عن ألأثقال مما يقبل به الكريم المعذرة، ولا يكلفه فوق المقدرة. وأسأله أن يدعو لي في خلواته، وعند أدبار دروسه وصلواته، وأقول قولي هذا وأستغفر الله من الخطأ والزلل، وأسأله أن يحمل أمورنا على السداد في القول والعمل، إنه لا يخيب من سأل كتبه العبد الفقير، ذو العجز والتقصير، محمد صالح بن قاسم ابن الحاج علي الجودي التميمي قاضي مدينة القيروان وعملها غفر الله له ولوالديه وسائر المسلمين آمين، وكتب في ٢٨ محرم الحرام سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف من الهجرة النبويه على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية. لخصت عوارض هاته الرحلة في عجالة سميتها (سموط الدرر في لطائف السفر) جمعت فيها آداب السفر المذكور وهذا نصها بما احتوت عليه: بسم الله الرحمن لرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم حي الله معالم السفر إلى البدو والحضر، وإن كان سبباً للاغتراب، والتنائي عن ألأهل والأتراب، إذ به يعلم الإنسان، عجائب ما أودع الله في هذا العمران، فيرى من اختلاف الألوان والألسن والأخلاق في جنس البشر ما يفيد العبر، ويحنكه بتجارب العادات التي يرتاح بمعرفتها من الشحناء والمعاداة، ولاسيما إن كان المسافر من الدهاة، الذين يتقبلون في ملابس السفر التحيل ليحصلوا على الخبرة والنجاة، فهذا لا محالة يحصل على مزية السفر دون عنا ويبلغ بأحبولاته إلى غاية المنى، هذا إن تخلق بأخلاق أولئك الأمم، وتباعد عن العادات التي كن في سلك الناس بهذا قد انتظم، أما إن داخلهم بأخلاقه التي لم تكن عندهم مقبوله، ولو كانت ترضي الله ورسوله، فلربما يقع فيما يتجنب، ولم تنفعه عادته التي كان فيها يتقلب، لا جرم أنه يحصل له بذلك مزيد تحقيق، لما لا يعود به إلى ولوج ذلك المضيق، فغاية الاستفادة تحصل لا محالة للمسافر، مهما سفر عن التقاعد تلك المسافر بيد أن الخبير يستسقي ذلك الضرب خالص الشراب، والمختبر يتجرعه مشرباً بنطة من للضباب، وإن كان لابد من أن يحصل من التربية والتجربة على أوفر النصاب، وينال بذلك معارف صالحه، أو تجارة رابحه: إن تجد بين البراري طائفاً ... فاحسبنه قد جنى لطائفا يلتقي الأرباح في متجره ... أو يرى يحوي به المعارفا

стр. 378

وبهذا السبب نرى المتمدنين من أمم هذا الجيل، المقتدمين في المعارف والصنائع ورواية الأناجيل يعملون الجد إلى الرحيل، ويرون أن الإقامة بالوطن كالمعنى المستحيل، فاتخذوا الأرض مغزاة وهم بتطوافها أحرى، ورأوا أن من العجز تفضيل دار على أخرى، وقد أعانهم على ذلك المساعدة بتسهيل الطرقات، التي بشرت لهم البلوغ إلى غاية الجهتين الجنوبية والشمالية في عامة الأوقات، فنسفوا أعقاب الأرض، وذللوا سبلها للمرور بالطول والعرض، واتخذوا البواخر البحرية وخرقوا سياج الجبال الشاهقة بمرور السكك الحديدية التي رأيناها قد امتدت فيما حول حاضرتنا نحوا من لعشرين ميلأن ونؤمل من الله زيادة امتدادها لتسهل لنا من الأرض، سبيلاً ثم إن هاته الوسائل التي يستعملونها لتيسر لهم الوصول إلى الأماكن التي يقصدونها حملهم عليها ما علموه، مما خلق الله عليه نوع الإنسان، من غاية احتياجه إلى الاجتماع والتعاون اللذين هما السبب الوحيد في لعمران، وإلا فأي اجتماع مع استقرار كل واحد في مقره على خيره وشره، وأي تعاون مع انفراد اجتماع أصحاب الاختراع بمخترعاتهم، وتنائي القاضري عن رؤية ما أحكموه ببراعاتهم، وهل في ذلك إلا إضافة التقاصر إلى القصور، مع أن التعاون لا يحصل مع التباعد ولتقاصر، ولابد فيه من الاجتماع والتناصر، نعم قد أضر السفر ببعض أهل الممالك، الذين استغرقوا زمانهم في سلوك تلك المسالك، فهجروا أوطانهم التي كانوا يقصدون عمرانها وحملوا معارفهم إلى غير بلادهم وعمروا ديار الأجانب بتخريب بيوت آبائهم وأجدادهم كتعمير بلاد الروسيا بأمم جرمانيا الذين حملوا إليها معارفهم وصنائعهم، وأخلوا من محاسنهم مرابعهم، وكتقدم لندرة بأفراد أمم الفرنسيس، الذين سلموا إليها من مخترعاتهم وعلومهم الجديدة ما حصلوا به على الفخر انفيس، ولا شك أن السفر الذي بهاته المثابة، ليس لمستحسنه إصابة، فهما قصد المسافر نفع بلاده، لم تكن بلاد الغير غاي مراده، وإنما عليه أن يرغب في تحصيل تلك المعراف، ويجعل في بلاده منها أهم المصارف، ليكون هذا السفر نفع وما أضر وحيث تقررت عندي محاسن الأسفار، على الوجه المختار، وصبوت إلى رؤية مآثره، والتحلي بمفاخره، حتى ساقتني مقادير رب العالمين، إلى تفقد شعائر الدين فذلك الوزير الجديد أدام الله نجاح سعيه الحميد، إذ أمر أوقاف المشاعر فيما سلف أذاب كبود المهتدين، واشمت أعداء الملة المعتدين، حيث رميت من الإهمال بما كاد أن يفضي بها إلى الاضمحلال، ووضعت بيوت أذان الله أن ترفع، وأغتدي شأنها بمضيع وهدمت صوامع وبيع، وأكلت أموالها بالباطل دن قيام بآرابهأن (ومن ظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) إلى أن رأينا من مصانع الدولة الصادقية التي أعادت في هذا العصر شرخ شباب الملك التونسي، وخلعت عليه من محاسن دارة خير الدين ملابس الفخر السندسي، فنظرت خلد الله عزها إلى هذا المهم، وتداركت بحزمها ذلك الخطب الملم، ووضعت بجمع شمل الأوقاف محكم القوانين، وأناطت عهدة تنفيذها لرئاسة العمدة الأمين، العالم الفاضل الشيخ محمد بيرم أدام الله مجده، وقارن بالنجاح سعيه وجده، فقام لها قيام الزعيم، وهجر لتدبير مصالحها لذائد الراحة والتنعيم، مستقبلاً مرضاة ربه بهذا الخير العميم، معتضداً لذلك بجمعية جليلة، قد تخيرهم تاج المفاخر إكليله وكانت ولايته رعاه الله تعالى أوائل شهر صفر الخير من سنة ١٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين وألف، وقد سرت البلاد باختيار أولئك الأنجاد، تحت رئاسة هذا العماد، وأملوا ما حقق الله لهم فيه الأمل، فرأوا عن أقرب وقت أعز البشائر، لاهجة في سائر الأندية بإحياء تلك الشعائر، ولذلك قلت أخاطبه: [الطويل] بك الدين قام اليوم يجبر خلّه ... وربُّه في حصن منيع أحلّه فقمت إلى إحياء خير معالم ... قياماً سواكم ليس بجهد قله وأحسنت تدبيراً لذلك كل من ... تملاه أثنى بالذي كنت أهله بها تونس قامت لشكر رياسة ... أرى تاجها ما إن سواكم أقلّه رأت أنها ضاعت بأيدي برية ... على حين لم تلف النصيح وفضله فذكرت البيت الذي طالما أوت ... إليه وعزت حين حلت محله فنادت ببيت الشم من آل بيرم ... زعيماً هماماً يحمد الناس فعله

стр. 379

أبياً زكياً ألمعياً علومه ... معالمها تحكى علاه وأصله له همة عليا تسامت على السما ... فلم ترتض الجوزاء إذ ذاك نعله وفي خلقه ما يزدري لالينه الصبا ... وفضله كالأفق الذي صب وبله فهيهات لا يولي الأمور محلها ... إذا ما تولي عقد أمر وحله فيهني بيوت الله والأولياء ما ... يلاقون من جبر له الله دله ويهينه ما يلقي من الله جزا ... على صنعه المحمود حين أجله فدم يا أبا عبد الإله مرفعاً ... يزين بك الفخر العزيز محله وقد كنت ممن أقيم للكتابة في تلك الجمعية، فوليت وظيفتها السنية، وبذلك هنأني صديقي الأعز الأكتب الفاضل الشيخ عمر بن أبي الضياف فقال: راحُ السرور تدار للجلاس ... بعطاء أكرم صاح ومواس وتهز أردان الشهادة بالذي ... أضحى لأمره كالطبيب الآسي فهي الخليقة بالهناء لأنها ... ظفرت بمالك أمرها القنعاس ذاك الهمام الأحوذي المرتدي ... ثوب الجلالة والعفاف الكاسي بدر تصعد في سماء معارف ... فغدا يلوح سناه كالنبراس فرع سما من دوحة علمية ... والفرع يتبع أصل كل غراس أعني محمداً السنوسي الذي ... قد خصه المولى بعقل إياس وحباه فرط سياسة وكياسة ... ألقت عليه محبة الناس منة رام حصر صفاتكم فكأنما ... قد رام حصر الرمل والأنفاس لا زلت في درج المعالي رقاياً ... ما هب ريح في رياض الآس أما هاتيك الأوقاف، فقد فازت من عناية الرئيس بغاية الإسعاف، بعد الرمي بالإتلاف، وعم حسن إدارتها سائر بلدان المملكة، إذ قام فيها النواب كلهم سالكاً مسلكه، ومع ذلك فقد اقتضى حزم ذلك الرئيس، الجالس بكمال بصيرته من مراقبة أعمال سائر النواب محل الجليس، أن وجه متفقدين لسائر البلدان، زيادة في الاعتناء بهذا الشأن، وكنت ممن تعين لتفقد أوقاف وطن الساحل ومدينة القيروان، والإتيان على الوطن القبلي من غير توان، وحيث كانت هاته الرحلة بالنسبة إلي هي أولى الأسفار، أحببت أن ألخص هنا جملاً أبرهن فيها عما لاقيته في تلك الديار، مع ذكر ما عسى أن يكون جره السفر من المكاتيب الرائقة والأشعار، كل ذلك حرصاً على استبقاء هاته الآثار، وسميت هاته العجالة بسموط الدرر في لطائف السفر فأقول وبالله نستعين: كان مبدأ خروجي من الحاضرة صبية السبت رابع ذي القعدة الحرام من عام ١٢٩١ أحد وتسعين ومائتين وألف، إلا أنني حين أزمعت السفر إلى هذا الوطر أنشدت إخواني ليلة الرحيل، ما أنشدته قبل قصد السبيل، من قولي: [البسيط] استودع الله إخواناً نباعدهم ... لا عن قلى عندما الترحال قد عرضا أسير عنهم وقلبي في مودتهم ... رهين دين بأيديهم وما انقرضا تقاسموه فما ابقوا لصاحبه ... قسطاً ليرجو من تلقائهم عوضاً وأنشدني من إنشائه الصديق الأصفى البارع الماجد العمدة النحرير أخونا الشيخ سيدي محمد بن الخوجة قوله: [البسيط] صوحبت بالأمن في حل ومرتحل ... ولا حللت سوى العلياء من نزل يا راحلاً شايعته النفس لا جسد ... وهل لمن باعدته النفس من حيل فاسلم وعز ولا تلقى سوى ظفرٍ ... تقر عينا به من مثل ذي النقل

стр. 380

فاعتمدت على الله في عمل المسير إلى بلد سوسة من وطن الساحل، واقتطعنا إليها تلك المراحل، فألفيناها بلدة طيبة المركز وهي عتيقة قبل الإسلام وكان فتحها في ولاية معاوية بن حديج على يد عبد اله بن الزبير بن العوام وهو حد بين القيروان والجزيرة القبلية، من الجهة الشرقية بالنسبة إلى الحاضرة المحمية، في عرض خمس وثلاثين درجة وإحدى وخمسين دقيقة وعشر ثوان من تونس على طول سبع وعشرين دقيقة وثمان وثلاثين، ثمانية منها على شواطئ البحر فهو يحدها من الجهة الشرقية وقد أحاط بها سورها الذي أقامه زيادة بن إبراهيم، بن الأغلب إحاطة تصون، حتى عدت حصونها لإفريقية من أضخم الحصون، وبها مضجع صاحب الأسرار، المعلن بالفخار، الشهير من كل الأقطار، وعماد الأولياء في ذلك لمحل، الولي الصالح الشيخ سيدي بوراوي الفحل، رضي الله تعالى وأرضاه وقد اجتمعت هنالك بأحد ذريته الفاضل الشيخ عبد الصمد بوراوي وهو يومئذٍ من أرباب الفتيا بها على جلالة وخيرية تامين، وكذا عماد بين الشرف الممنوحين بمزيد الرفعة والشرف السادة الذين حبهم فرض على أهل الدين وهو الفاضل الصفوة لشيخ سيدي أبو الحسن زين العابدين إلا أني وجدت أهالي هاتيك البلد، على حالة لم يتصف بها غيرهم من أحد بل وجدتهم على الحالة التي ورثوا فيها أجدادهم حيث ساقت المقادير الشيخ أبا الحسن علي الغراب فقال يصف بلادهم: [البسيط] حللت سوسة لا حلَّ الرخاءُ بها ... بالجهل ملآنة قفرا من الأدب والساكنون بها خشب مسندة ... تبالها أبداً من سوسة الخشب أستغفر الله بل إن ربعهم في الأدب قد أعمره أحد مفاتيها عمارة بعد أن أجدب ممن لازمنا بالمسامرة لما عنده من الآمال، وكتبت إليه حين تخلف في بعض الليال: [البسيط] يا مفتياً له من ذي الود إيثار ... زرنا ولا تتناءى عنكم الدار عجبت منك وقد أفرغت منزلنا ... بالأمس من بدركم إذ أنت عمار فكتب إلي ووافى، ولم بعد إخلافاً: [البسيط] جاءت إلي من المفضال أشعار ... فأشرقت من سماء الطرس أنوار رامت من الود أن نسعى بمنزلة ... وذاك فرض وإن شطت بنا الدار فكيف والقرب قد أدنى منازلنا ... وعبقت من شذا رياه أعطار أما مدة إقامتي بهذا البلد التي بلغت لنحو الشهر فإنها كانت علي من أعظم الأكدار، التي لا يقر لصاحبها قرار، إذ كنت حذراً من كلابهم الذين ينبحون الأضياف ويعدن وكل يوم عندي كلن مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، وإذ لا يكاد نزيلهم راحه، ولا يبيت عزيزهم أو ذليلهم يرتجي نجاحه، فالمستريح عندهم من ذوي الشأن النبيه لا يأمن من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، وهذا الحلل لا زالوا منه في أوحال ولقد أعرب عن دخيلاتهم شاعر بلادهم، وأحد أجدادهم أبو عبد الله محمد المؤخر إذ قال في وصفهم وما تأخر: [مجزوء الرمل] كل سوسي فهو سوسة ... وله نفس خسيسة بعضهم ينهش بعضاً ... مثل كلب في فريسة ثم إني أقول متوفياً طرائق الإنصاف: إنهم معورون فيما أودع في أصولهم من تلك الأوصاف لكنهم قد تخرقوا فخرقوا سائر السياجات أو كادوأن وبعد المحافظة على أصول آبائهم زادوأن إلا أن يقولوا إنه قد كان قائماً بآبائهم ذلك الألم، ومن يشابه ابه فما ظلم، فيتوجه حينئذٍ لهم الاعتذار، ونقول بعداً لهاتيك الديار ولقد صدق أحد جلة الشعراء يحذر من مكائدهم، بما تحققه من سوء عوائدهم، وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن يونس إذ قال مجيباً من سأل عنهم من أهل تونس: [الكامل] بعداً لسوسة لا أراها منزلاً ... لذوي النباهة من بني الآداب بلدا إذا صب السحاب قطاه ... صب الإله عليه سوط عذاب

стр. 381

أما أنا هنالك فلن أستريح إلا بما عسى أن يرد علي من مكاتيب أخواني، حيث تناءى عنهم مكاني، ولولا مخاطبتهم الرائقة، ما كنت لأجد هنالك راحة لائقة، إذ لم أتعود في حاضرة تونس بشهادة الزور، ولا بقول الفجور، فكنت اقتصر في معاملتهم على ما أوجبته الخدمات، قانعاً من الغنيمة بالسلامة والنجاة، ولم أستطب هنالك غير مخاطبات ساقتها لمقادير، وقعت بيني وبين أخلائي بتونس من الجهابذة النحارير، وقد انطوت على خفيات الرموز، ولولا السفر ما مدت تلك المخدرات أعناقها للبروز وأول ذلك ما أنشأته خطابا لجنبا من تفاخرت به تلك الرئاسة، عنواناً على ما كنت أعاني في ذلك البلد مراسه: [الطويل] على كاهل الإجلال أهدي تحية ... مضمخة في سجف ود مثمج وأودعها مالي من الشوق كي به ... تفوح على الدنيا بطيب تأرج وأستحمل الركبان والعيس مالها ... من الفخر والإجلال في كل منهج عسى أن يطيقوا حملها لممجد ... أعز بني الدنيا مقيم المعوج له حسن تدبير وعز مهابةٍ ... وفسحة علم فهو خير متوج تراه على ما عنده من مكارم ... بلاقيك بالوجه الأغر المبلج حيا الله خير محيأن وأفخر العلماء محيأن سراج الهدى، وغيث الندى، القاصي المدى، الداني الجد أعلن مصاقع البيارم، محرز خير المكارم، شهاب الدين وكهف الملتجئين، مقيم شعائر الملة الإسلامية، ومديم المثابرة على الحزم بنفسه العصامية العظامية، سعد السعود، والمنهل العذب الورود، صاحب الصيت الشهير، المتصرف كيف شاء بإكسير التدبير، مالئ الأرض فخارأن ومبيد الدعاة استصغاراً عين أعيان السقع التونسي، الذي ألبسه ملابس العز السندسي أستاذنا الهمام النحرير الفاضل الشيخ سيدي محمد بيرم أدام الله رعايته وحفظه. أما بعد إهداء الإسلام لائق بتلك المكارم مصحوباً بالإجلال الإعظام بما تستوجبه تلك المعالم، فلا يعزب عن شريف علمكم ما عندنا من الاشتياق، الذي لا يكاد أن يطفي بغير التلاق: [الطويل] وفي النفس حاجات إليك كثيرة ... أرى الشرح فيها والحديث يطول وإنما أعلم سيدي بأني على ما تعلمون من بذل الوسع في جميع أطراف ما أنا بصدده مقتحماً شقة سياج لموانع القائمة بهاتيك البلاد، التي منعت تلك المصالح الجارية على القوانين الشرعية من النفاد، وذلك هو السبب الوحيد في صيرورة خدمة الأوقاف بهذا البلد مستأنفة من جميع جهاتها إذ لم تجد قبل قدومنا أحداً من حماتهأن حيث لم يكد أحد يخلوا من غرض في كل ما عرض نعوذ بالله تعالى ونسأله التأييد والإعانة والسلام. وكاتبت إخواني أدام الله رعايتهم وحفظهم بما اقتضاه الحال لتراكم الأشغال بحيث إن ما كاتبهم به ليس يبلغ المرء الأمل، ولكن كما قلت لهم فيها جهد المقل خير من عذر المخل، وكاتبني عند ذلك جناب الأخ الودود والفهامة النحرير الفاضل الشيخ سيدي محمد جعيط بما نصه: كتبت وبعد سيدي لا زال محفوفاً باللطف يلقي علي ضراماً ووثوقي من الله باجتماعي بك واعتقادي عافيتك يقول لسان حالهما يا نار كوني برداً وسلاماً فها أنا أترقب صبح المسرة من أفق الرجأن لتطلع فيها شمس فضلك لأهل الفضل والحجأن وإذا ببشير العافية قد أقبل وعليه من حلل البلاغة برد فأثار مني كامن المجاراة في ميدان الإنشاء ولو كان يني وبينه عهد، كتاب قد استنشقت عرف المودة من مسك مداده واحتسبت راح العافية من منطوقه وفحوى خطابه، وسرحت النواظر في رياضه النواضر، وصرت من خلاه أحلي بحلي الفصاحة نفسي، وأسامره بذلك في مجالس أنسي، وأكرره كلما أصبح وأمسي، وأجعله في حانات المحاضرة نديمأن لما أعددتك لفض ختام رحيق المعاني أخاً زعيمأن وما احتوى عليه من خرائد المعاني، وكان أن يكون سبباً لإجحامي حتى أكون لبساط المكاتبة ثاني، فماذا يقول فيك المادح، وقد أسكتت بلاغتك كل صادح، ومن يباريك وقد ركبت غضنفراً ومن يجاريك في صفة فضل وكل الصيد في جوف الفرأن ولعمري هل يباري التوحيد بعمل، أو يجاري البراق بجمل، وهل يلحق شأو من ملك بسيف يراعه ملك الأدب، العارف بوضع الهناء موضع النقب المظهر من خدره فكره كل فتانة الطرف، عاطرة العرف، لو ضربت بيتها بالحجاز، لأقرت لها العرب العربة بالإعجاز حتى أني متى هطل من سماء فكرته صيب، تمثلت ببيت أبي الطيب: [الطويل]

стр. 382

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباراً ثم قال له الحق لكن فقولك في جوابك جهد المقل خير من عذر المخل، جلت في هذا الميدان وإن لم يكن لي فيه وابل فطل، وعذراً فالعبارات في جمع أوصافك قاصره، والبراعة في أذيال الحجل متعاثرة: [الكامل] خرس اللسان وكلَّ عن أوصافكم=ماذا أقول وأنتم من أنتم؟ هذا ولما كشفت لثام الكتاب، لاح لي أن أوجه لك في طي سلامنا العتاب، فيما نسبتني إليه من البخل عن مكاتيبك وهو من التوبيخ قبل صدور الذنب من المجرم، لكن بعد قراني معك في المكاتبة لم يبق أن يقال إلا الفضل للمتقدم، ويبلغك السلام من جميع إخوانك الذين أمرتني بتبليغ السلام إليهم وكلهم يشكون مثل شكواك من فراقهم من ألم فراقك عليهم خصوصاً من على إرعاء مودتك قد نشأن وتأخيري له مع اعتقادي تقدمه في المودة تغطية لأمر قد فشأن ويبين عن تعيين قول الشاعر بحبي في الحشا والابتهال، إلى من تناخ بساحة فضله ركائب الآمال، أن تهب شمول إقبالك على أحسن حال، والسلام. ثم اتبع هذا ببطاقة تتضمن الاعتذار عن كاتبه، الذي هو من نفائس آدابه، وإن كان الغرض منها مجرد إعادة المكاتبة التي هي أشهى إلى الأسماع، من لذة الوصل بعد الامتناع، وعند ذلك حاولت بضعفي إجابة جنابه عما ضمنه بطاقته وكتابه، فكاتبته بما نصه: جناب الأبرع الشهم، الرامي من كرته بصائب السهم، بدر دروس المطول والعضد والمواقف، المتلفع في جميعها بأفخر الأردية والمطارف، النحرير الذي تعنو له الإفهام، ومحرز السبق في ميادين الدروس مع إخوانه الأعلام، صاحب الرأي الوقاد، والمعد بالخنصر مع الجهابذة لنقاد، الحميد الأخلاق المزرية بالاصطباح والاغتباق ذا العهد الوفي، والود الصفي، شقيق روحي التي أسلمتها إليه تسليمأن ووهبت مع الثناء كليمأن لأجد دون مكاتيبه رحيمأن مخلص الوداد، في القرب والبعاد، أخي وسيدي وعماد دروس وعضدي، الفاضل الزكي، الشيخ سيدي محمد جعيط لا زالت كتبه نزهة الألباب، وفرائد إنشاءاته تتقلد بها جميع الرقاب. أما بعد إهداء تحية تحيي رميم الوداد، الذي كاد أن يحشره البعاد، وتريك من تقلب الأحشاء، ما لا تجده من الحشاء، تحملها إليك غلمان صداقة هذا الصديق، يطوفون عليكم منها بأكواب وأباريق، فقد طلع علي برق كتابك الذي أمطرت له عيني، وتلافى ما كنت عليه من حيني، فورد كما شاء الوداد، وأوردني من موارد مودتك أعذب الإيراد، ويا الله ما ألذّ منه تلك المطارحة والعتاب، اللذين أفضي لهما تعاطي كؤوس الآداب، وحيث إن لإسهاب في وصف ما تضمنه غير محتاج إليه، رأيت أن أنازلكم في ذلك الميدان الذي عوت عليه فأقول: حفظك الله كيف عمدت إلى عتاب المودة، الذي كنت أعهدك تحكم بأنه يفوق الرضاب وبرده، فسميته باسم التوبيخ، الذي هو أمر على الأسماع من الحنظل الرضيخ، ولم يكفك ذلك حتى حكمت بالفضل للمتقدم، وما في ذلك منك إشارة إلى شيء من التندم، وما لبثت أن أتبعت ذلك ببطاقة علم الله أنها وقعت مني موقعاً لا أكاد أصفه حيث رأيت الود منها قبل فتح ختامها قد أشيدت غرفه، وإذا هي تتضمن الاعتذار في خطابك، عما نسبته لكتابك، مع براءته مما وصفت، وأي باعث لك على ذلك إذا كنت على يقين بأن موارد المودة بيننا قد عذبت وصفت، فهذه حجة قد أقمتها عليك، وفوضت الحكم فيها إليك، ويا حبذا ما وشحت به كتابك من سلام الإخوان الذين مودتهم في سويداء الجنان غير أني لم أجد دليلاً على ما ادعبت في وصف من أخرته، وزعمت هنالك في سبب التأخير أمراً ذكرته، وإلا فأين رعاية مودته التي ذكرت أنه عليها قد نشأن وأظنه بعد سفرنا رحل هو أيضاً عن تلك الرعاية ومشى، وإن كان يزعم أنه ما زال قاطناً على ذلك العهد فماله لم يسمح بقلم في قرطاس يوجه إلي من بعد اللهم إلا أن يكون يرى الود مقصوراً على أيام الاجتماع، وإن كانت منزلته كنار على يفاع، فحينئذٍ نعذره فيما يرى، ولا نعود بالسؤال عما عسى أن يكون وقع منه وجرى، والسلام. وكاتبني جناب الأخ الودود الفهامة الأبرع، والنحرير اليلمع، الفاضل الشيخ سيدي محمد بن الخوجة بما نصه:

стр. 383

الجناب الذي بمثل أخوته تبتهج النفس، وبنظير محاضرته يتمكن الأنس، جناب أعز إخواني، ومحل سري وإعلاني، شقيق روحي ومن أجد بمخاطبته راحي وروحي، واحد الزمن ابداً ولطفأن و [من أصبحت] معاطير الأثياب من شمائله قرقفاً صرفاً الندس الذي نار فكر تتوقد، وأنفاس حساده لا زالت تتصعد، الفذ الذي بز على حداثته الكهول، والندس الذي برز على القوارح في حلبتي المعقول والمنقول، طلاع أنجد المعارف، المتحلي من الكمالات العلمية والأدبية بأبهى المطارف، نخبة الأقران، بل صفوة الأعيان، فرد دوحة الأخيار العلماء، الفضاء العظماء ذاك أخي بل صديقي بل سيدي بل ساعدي، يل صارمي، الذي تصول به يدي، الشيخ الذي أحيا من مآثر بيته ما طال عليه العهد ولا أقول تنوسي الماجد الشيخ سيدي محمد السنوسي، لا زالت العين تنافس فيه الجنان، فتارة في سوادها وتارة في سواد الجلجلان. أما بعد تحيات عطيرة تحملها أكف الاشتياق، وأطيب من حديث تلاق في مسامع العشاق، تحاكي شمائلكم عذوبة وطيباً وتهز من أريحيتكم غصناً رطيبأن فقد ورد كتابكم الكريم، ذو المحيا الوسيم، المتلقى بغاية المسرة، المتحف بنهاية المبرة، المؤدي لحقوق الصداقة، المنبئ أن الوداد فاتح لرعاية الإخوان أحداقه، المبشر بغاية الأمينة، من استقامة تلك الذات السنية، والإقامة فيا له من وافد، بل عائد بقلوب أضناها طول التباعد، دأبها استنشاق نسمات أخباركم، في وردكم إصداركم، عسى أن ترقى به جنونهأن وتكشف به شجونهأن وبهذا أصف لك ما بها من الشوق، وقد شب عمره من الطوق، ودوائر العبارات إنما تحيط بالمقدورات وحسي أن أتمثل عن الحال، بقول من قال: [الوافر] كتبت ولو كتبت بقدر شوقي ... لأفنيت القراطس والمدادا ولا غرو أن فر الاصطبار، لما شط المزار فإنه لم يجد أين يحل، والقلب معك يرتحل، ومن لي بمن يعيرني فؤاداً أكابد به النوى، ويكون زيارة لشخص الحبيب فأستريح من الجوى، وإن تعجبت مما فعل بنا البعد في أيام ليست بكثيرة لعدد، أقول منشداً البيت الشهير البراعة، أهذا ولم يمض للبين ساعة، فحجبتنا حينئذٍ قول المحب الصادق، وأنت بها الدري الحاذق. [الطويل] أأترك ليل ليس بيني وبينها ... سوى ساعة إني إذا لصبور وليس هذا تعريضاً ةأيم الله لعدم استيفائك لحال الشوق بالتعزير، الذي يزعمه يراعك المشهود به بالتبريز في حلية التعبير، وإني نحن الموقنون بكثرة أشغالك، في حلك وترحالك، ومثلك ممن أنيطت به عظائم الأعمال، لا يقابل واجب رعايتها بالإهمال، وعظيم اشتياقك بملاقاة خاصة الإخوان، أغنت فيها ما قرره حكيم الشعراء في بيته الشهير الفصيح، هذا وإني لست ممن ينتحي بالتأنق في الفقرات، ويعجز بالتنميق في العبارات، مع علمي بأنها مهداة لمثلك، ومسوقة قطيراتها إلى سبلك، وزمن يعجب بإهداء التمر إلى هجر، والنور إلى القمر، ألقى بنفسه إلى الاستهزاء، وكان أن يعد من الحمقاء، وما هو إلا جواد يرى هزته خيلاء، وكاتبك فركض كيف شاء في حلبة مخاطبتك تطيره رياح الاشتياق، فيجمح كيف يريد في ميدان الأوراق، فلا تخل إذا طولت تطاولت، إذا لم أف بالحال ولا قاربت، وأما تبليغ تحياتك العطيرة، الإخوان المنزلين منزلة العشيرة، فقد أقرت سروراً ورنحت أعطافهم طرباً وحبورأن لاسيما الشيخ الأكبر الذي ما زرناه منذ فارقناه، إلا صبيحة ورود كتابك لتبيلغ خطابك، فسر غاية السرور بتلك الكتابة، ودعا دعوة الشيخ مستجابة، بتعجيل الإياب على أحسن الأحوال، حتى تنظم لعقدنا وسطاه فيبتهج بالكمال، والسلام من أخيكم الغريق في نسب الصداقة محمد بن أمد بن محمد بن الخوجة أخذ الله بيده آمين. وحين ورد إلي هذا الكتاب بما اشتمل عليه من المحاسن التي انهمرت منها المودة بماء غير آسين، بادرت جنابه مجيباً بما نصه:

стр. 384

العيلم الذي جواهر آدابه تبهر الألباب، والفصيح الذي عذوبة ألفاظه تزري بمعسول الرضاب، دراكة المعقول والمنقول، البارع في استنتاج الفروع من الأصول، خلاصة الأعلام وغرة جبهة الأيام، وقرة أعين الكرام، سلالة العلماء الأفاضل، المبرز في الدروس العلمية على كل مناضل، مالك أزمة البيان، وملك أيمة اللسان، فصيح القلم إن نثر أو نظم، والعالم العلم، القاصي الهمم، وشقيق روحي ونفسي، وعماد أهل مودتي وأنسي، سيدي وسندي، ووسط عقد أهل بلدي، الأخ الذي لا أجد عبارة تبرهن عن منزلته من ودادي وقصارى قصوري أن أقول: إنه عين فؤادي العمدة الشيخ سيدي محمد بن الخوجة، لا زالت مسالك السعادة له منهوجة. أما بعد إهداء سلام ربما لا يفي بما ترومه وإن أطلت نجاد أوصافه، ولا يبرهن عما عندي من الاشتياق بذلك هزة أعطافه، وحسي أن أقول سلام خل تكاثرت أشجانه، من بعد مكانه، عمن أهواه من خاصة إخوانه، فإني وأيم الله كدت أن أذوب من الشوق، لولا تلاقي كتابك بما قلد به من الطوق فلم أفتح ختامه، إلا وقد نهلت العين مني ساكبة مثل الغمامة، حتى محيت سطوره قبل أن أستيقظ لتلقي سروره، وهذه الحال كنت أعدها في بيوت الشعراء من زخاريف المقال، ولا والله إني لعليم الآن بما يجدون، وأنهم لا يصفون ما عندهم ولو يجدون، ومثلك من يكفيه هذا العنون، عما أجده من بعد الإخوان، فماذا تحاول مني أن أستوفي تقرير الشوق بتعريضك، وكأني برفيع جنابك لا يجد، ما عندنا مما تصفه بنثرك وقريضك ولكن بين الوجدان والتوجد، ما بين من انتظم شمله بأخوتك والمتوجد، وإلا فكيف تجعل ايام البعد، ليستن بكثيرة العد، ومع تجاوزها للعشرين يوماً تطويها بما عندك من البراعة، وتستنشدني أهذا ولما يمض للبين ساعة، فأنا أحجك بمجرد وقو ذلك بخاطرك القويم، ولو أنك علقت تعجبنا من فعل البعد بالأداة التي تؤذن بما أنت به علم، ولكن قد تبين لي وأنا ممن لم ير عن الحق ميلاً أن ذلك كان منك وسيلة لإنشاد (أأترك ليلى) وهذه مطارحة حملني عليها ما تدريه من الود، والتلذذ بمفاكهتكم على البعد، وإلا فإنك أتحفتني لا زلن تحفة للإخوان بروض الدوح أريج، ذي منظر بهيج، ولم يحكه نشر أزهار، الرياض ولا غرغرة سلسبيل الحياض، كلا وأيم الله ولا تغازل الجفون المراض، ولقد اتخذت فصيح عباراته ولطائف إشاراته ورد الاغتباق والاصطباح، أغناني عن معاطاة الأقداح من أيدي، الملاح، وشنفت به آذان جلسائي من علماء هذا البلد، الشاهدين لك بكمال البراعة التي لم يبلغ إليها أحد، وقد استحسنوا تبليغ سلامنا إلى الشيخ ودعوته، مستجابة، وظنوه من الصالحين الذين لهم من الله الإنابة، وكلهم عاد يرغب أن تستمد لهم منه الدعأن فأبلغه ذلك وسيجزي من سعى، والسلام. وكاتبني أدام الله رعايته وحفظه مجيباً عن ذلك بما نصه. بعد إهداء أعز التحيات وأعطر التسليمات المحاكية أخلاق أخير النسيم لطفأن إلى معاطي الألباب من بدائعه قرقفاً صرفأن نخبة إخواني، وواسطة عقد أقراني، الفذ الوحيد في كمالاته، والمنقطع القرين في تدبيج محبراته، طلاع ثنايا العلوم، المشرق نير إدراكه بين نجوم الفهوم، مجلي غياهب المشكلات، إذا اضطرب الأقوام في حل المعضلات، متلقي راية المجد بيمينه، المفتون بأبكار المعجز وعونه، الساحر للأفهام ببراعة يراعه، المسترق للقلوب ببديع اصطناعه، المتولي على الغاية لافي حلبة الكمال، الأخ الصديق الذي لم يسمح له الدهر بمثال، من لقبته أندية الأدب برئيسي، عمدة خلاني وواسطة عقد إخواني الشيخ سيدي محمد السنوسي، عج الله أوبته، وأنس غربته، وحرس ساحته، مما يكدر ارتياحه هذا والذي في إيناس من صفوة الجلاس، المنشد لم لدفع الإيهام، الناشئ لكم من تابعنا والتآمنا بخاصة الإخوان الكرام، حتى عرض يراعك بالسلوان، وإيهامنا بالغفلة والشغل عنك بغيرك ن الإخوان فلتسمع ما أقول، وإن عد التنبيه على المعلوم من قبيل الفضول: ولو صبا نحونا من أفق مطلعه ... بدر الدجى لم يكن حاشاك يصيبنا وكأني بلسان حالي ينشد للفتى المتردد: [الطويل] ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به ... وما كان يغلو التبر لو نفق الصفر

стр. 385

هذا وإن سيدي وأخي تتالى في مدحك المكتوب بما لا تصدقه في كل القلوب، حتى أدعي أني وصلت إلى حد، لم يبلغه أحد، وذلك الإفراط، أداه إليه الود المحكم الرباط، تجاوز الله لسيدي فيما قال، وفي اعتقاده فينا غاية لكمال، وفي قولك جلساؤنا مع علماء البلد نكت لا يخفى على كل أحد، وأما التماسك الدعاء إليكم من الشيخ الكبير وطلبك والسعي مني ودعاؤك لي بالجزاء على ذلك ففيه ما ترضاه لأخيك أيها الأستاذ النحرير والسلام. وكاتبني جناب الودود الكاتب الأبرع الشيخ سيدي عمر بن أبي الضياف بما نصه: المقام الذي تقتبس الفضائل من أنواره، وتغترف الفوائد من تياره، مقام الفذ الذي بذ الأقران، والفرد الذي لم يسمح له الدهر بثان، واحد العصر، وضياء هذا المصر، ومن جلت مفاخره عن أن تحاط بحصر قطب رحى الآداب الآتي من بدائع أساليبه بالعجب العجاب، وجناب إنسان عين النبلاء وبحر المفاخر الذي لا تكدره الدلاء محل ودادي، ومن له المكانة الخالصة من فؤادي، الشيخ سيدي محمد السنوسي حرس الله ذكره، وأعلى على الأقدار قدره. ما بعد إهداء سلام ألطف من الشمول وأحلى من الرضاب المعسول، وأصفى من الزلال وأضفى من سابغ الظلال يخص ذاتكم الكريمة، ومودتكم القديمة، هذا وإن الحقير ينهي إن وصف أشواقه بإطناب فقد أوجز، وإن نعت تلهفه على اللقاء واحتراقه بديع البيان وأعوز، وأني يبلغ اللسن من ذلك مغزاه، وهو لا يقف على حقيقة فحواه، غير أنه يكل ذلك إلى ما تشهد له القلوب لما يعلمه علام الغيوب: [الرمل] لست عن ود صديقي سائلاً ... غير قلبي فهو يدري ودّه فكما أعلم ما عندي هـ ... فكذا يعلم مالي عنده وإلي هذا يا أخي لما فارقنا شخصك وزايلنا أنسك صرنا كدست غاب صدره، أو ليل تغيب بدره، والله المسؤول وهو المرجو المأمول أن يبلغ من اللقا السول، كتبه حليف ودكم على الدوام المهدي التحية والسلام. وكاتبت جنابه مجيباً عن ذلك بما نصه: حرس الله بعين عنايته جناب النحرير الأبرع، والأكتب اليلمع خلاصة الأعيان، وغرة جبهة الأزمان، اللوذعي الأريب، والفهامة الأديب، المنشيء الفصيح، المعرب عما انطوى عليه من إخلاص المودة بالكناية والتصريح، أوحد الزمن لطافة وكياسة، وأعجوبة الدهر محاسن الأخلاق وسياسة، وعضد مودتي، وجناح عدتي أخينا الشيخ سيدي عمر بن أبي الشياق، حفه الله بخفي الألطاف، وأدام أجنة إنشاءاته دانية الاقتطاف. أما بعد إهداء السلام يحكي محاسن أخلاقك، وعذوبة مفاكهة أذواقك وأني للشمول ما عندك من الشمائل، وقد قضينا بتفضيل جنة أخلاقك على أجنة الخمائل، فقد شرفني وشنفني كتابك الذي برقت أسره سطوره، بجواهر منثوة وتنفست عوابق، صداقتك الفائحة، من أجمته التي بدور إيناسها صارت في آفاق مجلسنا لائحة، ولعمر الله إنك لقد قلدتني ما لم يتأهل لها طوقي، غير أني ولك المنة قد وجدت بها إطفاء بعض شوقي وحيت وكلت إلى قلبك السؤال عن مودة الصديق، فحبذا ما يشهد به ذي الود العريق، سلوا عن مودات لرجال قلوبكم، فتلك شهود لم تكن تقبل الرشا وفي بسط هذا البساط، ما لا يدخ تحت دائرة الاحتياط، إلا أنا نتوجه إلى المطلع على الضمائر، العالم بخفيات السرائر، ونرغب الله أن يجمع بعدنا وأن لا يكدر أحداً من أحبتنا بعدنأن والسلام. وكاتبني الأخ اليلمعي، الفاضل الزكي، سيدي محمد القصار بما نصه:

стр. 386

الجناب الأكرم، والملاذ الأفخم، عمدة البلغاء والمتكلمين، وكنز النحاة والمعربين، والمتحلي كلامه بقلائد العقيان، ونظامه ببلاغة قيس وفصاحة سحبان، كيف ولا وهو البليغ الذي إن تكلم جزل وأسكت كل ذي لسان ببلاغة وإحسان بل البحر الذي جرت فيه سفن الأذهان، فلم تدرك قراره وعجز البلغاء أن يخوضوا تياره ما برز في مواطن بحث الإبراز على الأقران ولا أخبر عن فضله من رآه إلا وتمثل ب? (ليس الخبر كالعيان) ، كيف لا وهو البليغ الذي تلألأت بمعاني بيانه السطور والطروس، واهتزت ببديع براعته الأعطاف والرؤوس، الألمعي الأحظى، والأريب الأرضى أخونا الشيخ سيدي محمد السنوسي لا زال برهان فضله ساطعأن ودليل مجده قاطعأن ونجم سعده أبداً طالعأن ولا زالت أسفاره مقترنة بالسلامة والأرباح، متصلة بالغبطة والنجاح، وقضى بقرب رجعته، وجعل مسيره يزيد في رفعته، وسكن بقدومه أشواق أوليائه وأهل محبته، ولا زالت محاسنه مشكوره، ودراهم معمورة. أما بعد إهداء تحيات تباري نسمات الصبا بلطفهأن وتزدري نشر خمائل لصبا بعزمهأن وأدعية ترفعها أكف الضراعة، وتبتهل بها إلى الله قلوب متجذبة مطواعة، فإنه لا يخفى على شريف علمكم، ولطيف فهمكم، ما بيننا من المحبة المعتيدة، والمودة الأكيدة، وإنا إليكم محافظون على الوفأن ولا نكدر من شراب المحبة ما راق صفأن والعبد منذ فارق جنابكم الرفيع المقدار، لم يذق جفنه لذيذ هجعة أو قرار، وأني يكون له قرار وهجوع، ولواعج أشواقه تتلهب بين الجوانح والضلوع، كم صبر فؤادي وهو يقسم بأنه لا يستطيع معه صبرأن ولا يخافكم من نصف قلبه ببلد ونصفه بأخرى، فنسأل الله أن يمن علينا بالتلاق، ويطوي شقة البين والفراق، والسلام. وكاتبته مجيباً بما نصه: أدام الله حفظ الأنجب الأبرع، والفهامة اليلمع، اللوذعي اللبيب، والأوحد الأريب، الأنجد الأزكى، والأمجد الأذكى نجم الدروس، ومبيح خبيئات الطروس، المزرية من لطف أخلاقه بسلافة الكؤوس، نخبة أقرانه، وغرة جبهة زمانه، أخي وعشيري، وعماد مودتي وسميري، مشيد عالم الفخار الذي تطلعت محاسن كمالاته طلوع محاسن الأقمار أخينا الشيخ سيدي محمد القصار، لا زال يتحف إخوانه بنزهة الأبصار، ويجدد لهم حلي المودة بتجدد الأعصار، ما دام الليل والنهار. أما بعد إهداء تحية تعرب عن ودادي، ولا أن أنها تقوم بواجبات ما قلدتنيه فقد تشرف العبد بمكتوبكم العزيز، الخالص خلوص مودتنا وأين منها خلوص الإبريز، قد سرني وأيم الله مضمونه وكادت أن تذهب على القلب شجونه، على أنني معترف بأني لست من التقصير في حقوق أودائي ببري ولكن إن مكان الواحد منهم مقسم القلب فأنا نه عري، وهذه غاية ما يقدم به الاعتذار حين شط المزار، وتناءت الديار، ولم يقر للحقير قرار، ومن تباعد الأسفار، نسأل الله تعالى أن ينظم الشمل بجنابكم، وأن لا يعدمنا التلذذ بعزيز خطابكم، والسلام. وكاتبني حرسه الله مجيباً عن ذلك بما نصه: المقام الذي كل البيان له منقاد، والبديع يقتبس من ذهنه الوقاد، من صعد من سماء العلوم أعلى المنازل، وورد من مياه الآداب أعذب المناهل، وعلوم المعاني قد أطاعت له لفكر، وظفر منها بالثيب والبكر، فارس حلبة الإبداع والبراعة، حاوي قصبات السبق في ميادين اليراعة، حتى تعدى بالمفرد العلم، وفرسان البلاغة القولية السلم، الهمام الجليل، الراقي مراقي العز والتبجيل، أخينا الشيخ سيدي محمد السنوسي لا زال بحراً يقذف موجه الدرر، وعقداً في جيد الدهر يتلألأ بالغرر مخصوصاً بأنواع الكمالات، طالع البدر من أشرف الهالات. أما بعد إهداؤ لسلام لأطيب من عرف النسيم، والأعذب من رحيق مختوم ختامه مسك ومزاجه من تنسيم، فإنه قد وصل كتابكم فكان وروده أشهى من الفلق لمن باب يكابد مكائد الغسق أو وصل حبيب أو مخالسة، رقيب، أو الماء العذب الزلال لمن أغواه من شدة الظمأ الآل، وليس يخفى ما يحصل للمحب عند رؤية آثار الأحبة من إثارة الأشواق، التي هي للمحبة من ثمرات الأوراق، ولقد كنا في وله وقلق أزاله كتابكم، ومحاه خطابكم. أبقاكم الله سالمين، ووقاكم من كل أمر يشين، والسلام. ثم إني لما أدركني عيد الأضحى، بادرت الإياب إلى الحاضرة ضارباً عن أهل الساحل صفحأن لأقضي العيد بين إخواني وأريح التجاني، باستنشاق ما تتضمخ به أرداني.

стр. 387

وبعد أن أقمت تلك المواسم بين الأهل والإخوان، عاودت الرحيل إلى مدينة القيروان واستعذبت لما وجدت في طريقها من المشقة، إذا هي مدينة وأي مدينة، جمعت مفاخر ثمينة، ناهيك بها مضجع البلوي صاحب الرسول مصحوباً بالشعرات النبوية التي هي أعز المأمول، مع ما ضم ذلك التراب من التابعين وتابعيهم، والأيمة المجتهدين من أعلام الأمة وصالحيهم وعنوان ذلك ما جمعه ابن ناجي في كتابه معالم الإيمان وما استدرك به عليه بعض المتأخرين ممن اجتمعت بهم في ذلك المكان، وما زالت البركات فيها عاكفة، والخيرات على أهلها واكفه إذ ما منهم أحد، إلا وله من لفضل وحسن المعاملة ما لم يقف عند حد، فتلقونا بالترحاب، وأنزلونا منازل الأحباب، حتى حملني حسن إكرامهم وفضل مقامهم على أن أنشأت في مديحهم قصيدة بديعة، ضمنتها ما لقيته في الطريق وما أصبته في تلك الرياض المريعة، وهي قولي: [الخفيف] طاوي البيد مبسراً غير وإني ... إن توجهت زورة القيروان باكر السعي نحوها باجتهاد ... لاقتياد المنى بذاك العنان قد خرجنا لها على حين اضحت ... واكفات الهتون مثل الجمان نلتقي الريح عاصفاً مثل رعد ... قاصف لم يدع ثبات الجنان ومحيا غزالة الصبح ورار ... هـ الحيا بالسحاب مثل المصان فامتطينا عزائماً ذات صدق ... واعتمدنا البعاد عن كل دان واقتطعنا صعاب ذا اليوم سيرا ... وانتجعنا المبيت عند الأوان وارتحلنا بقطع ليل تبدى ... بدره نافراً نفور الحسان إذ يرى في الدجى دلالاً فنلقى ... أعينا للنجوم لاحت دواني أو يرى يزدهي بحسن فيبدو ... في ميادينه بغير امتنان يقصد القرب رائماً وصل شمس ... قد توارت بحجيها عن عيان وإذا ما ارتمى إليها تبدت ... من علا الشرق لا تروم التداني تقتدي تبهر العقول وتلقي ... في البراري بساطها الخسرواني فارتفقنا معاً إلى أن رأينا ... من حلى القيروان من خير جاني فاستنرنا بشمس هدي تبدت ... من حلى ثراها وقال كل ذراني حبذا حبذا بشمس هدى تبدت ... من ثراها وقال كل ذراني حبذا حبذا معالم دين الل ... هـ لاحت مجلياً بالتهاني هذه بلدة تأسسها أص ... حاب خير العباد في كل آن هذه مركز لولاية والع ... لم ففيها تبدت الخصلتان فهي مأوى أيمة الدين من أه ... ل القرون الثلاث هل من مدان؟ أهلها قد تأثل الخير فيهم ... فانجلى فضلهم بأقصى المكان يتلقون وافديهم بيسر ... ملء أجفانهم بملء الجفان يؤنسون الغريب بالقرب حتى ... يمتلي من ودادهم بالتفاني إذا تحلوا من المعالي بفخر ... عاد كل بحسنه في افتتان إن تنادوا إلى صلاة سراعا ... فتراهم في رغبة مع حنان ورثوا الفضل عن جدود ومازا ... لوا بهم يقتدي بني الثمان فالصير ائتسى بمن قبله في ... كل مجد فنال خير الأماني هكذا هكذا المفاخر فيهم ... لم تزل تبتني لهم في العيان قد تجافوا عن الأناسي حتى ... نزلوا القيروان في صحصحان أحسنوا الصنع للإله فأضحى ... رزقهم ساعياً لهم كل آن أرسل الله كل خير إليهم ... مع تنائهم عن البلدان وكفاهم شرَّاً جوارٌ وهذا ... أعجب الشيء بين أهل الزمان لن ترى في بلادهم من يهود ... ي ولا الغير من أهيل الهوان لا ولا تلتقي بها حان خمر ... ما لهم واستقاء بنت الدنان؟ إنما بينهم مشاهد صحب ... وزوايا للأوليا في أمان أو رجال الهدى فإن رمتهم سل ... عن علاهم معالم الإيمان مثل سحنون والعبدلي المر ... ضي وحنشر وغيرهم كالعواني بينهم جامع أقيم على تق ... وى من الله نير الأركان شاده عقبة الصحابي من قد ... قام للدين ناصراً بالسنان فاغتدى أول المحاريب في المغ ... رب محرابه فهل من يداني؟ حبذا بينهم مقام المعلّى ... صاحب المصطفى الرفيع الشان ذا أبو زمعة الذي صحبته ... شعرات الرسول لفي ذا المكان بلوي أتى المغازي مع الأص ... حاب ذا رام نصرة الإيمان

стр. 388

قام للدين ثمك أضحى يجوب ال ... أرض في جوبه خليع العنان كم روى عنه سادة فاستناروا ... من أحاديثه الصحاح الحسان واجتناها غنائماً ليست تحصى ... من جميع البلاد قاص ودان يقتدي ف الحروب دفاع إن ما ... ت بحزم فكان ثبت الجنان ما تولى الزحاف في يوم حرب ... لا ولا كان للعزائم ثانِ ولذا وفر الإله له الغن ... م وأولاه مسعدات الجنان فاقتنى الحسنين فضلاً من الل ... هـ فماذا لواصف باللسان شاهد المصطفى وتلك المغازي ... واغتدى بعده شهيد الطعان لن ترى في مقامه غير سر ... باهر من جلاله المستبان يملأ العين والفؤاد اجتلاء ... لا يفي وصفه وضوح البيان من يوافيه مستجيراً يرى ما ... يرتجي من مناه لا عن توان هكذا هكذا به قد رأينا ... إذا دخلناه راجين الأماني آملين السداد ولنجح فيما ... قد قصدنا على مرور الزمان نرتجي من رضاه فوزاً بما أن ... نالنا لم نرع من الحدثان علّه أن يمدنا بالأماني ... ل وللوالدين والإخوان والألى بالعلوم قد أرضعونا ... خير ذي به أعز اللبان يشمل الكلَّ جاهه عند ربي ... كي نرى منه في نعيم الأمان وقرظ هاته القصيدة شاعر القيروان السيد محمد عيسى الكناني بقوله: [الخفيف] أيها الفاضل الزكي المعلّى ... من له في القريض خير المباني وأيادٍ عجيبة ما لمثلي ... أن يرى آتيا بها أو يداني أطربتنا حسناء جاءت بودٍّ ... وخلوص بذي المعاني الحسان بنت فكر قد ازدهت في حلي ... ما حواها البديع في همذان فلك الله يا خليل ممدّا ... بمراجيك من بلوغ الأماني حيث تم في صحب خير البرايا ... ورجال الهدى بكل مكان مثل باب الرفيع ثم الجناح الأخ ... ضر المحتوم على الأعيان ولك النفع بزيارة سحنو ... ن المسجى بباب نفع المداني وعطاء من الجناب المعلّى ... من تسامي ببيعة الرضوان طالع السعد قد حباك بما قد ... نلته سيدي فكن في أمان يا سليل الأفاضل الحائزين ال ... مجد بالسبق من قديم الزمان جدك الخير السنوسي إمام ... بعلوم زكا على الأقران فأتيتم من بعده في انتساق ... يقتدي بعلاكم النيران فجزاك الإله خير جزاء ... ووقيت العدى وشر الهوان ثم لا زلت لابساً ثوب عز ... وافتخار سما به الملوان ثم إني أول: إنني بمجر وصولي إلى تلك المدينة، طلبت الاجتماع بقية صالح سلفها من ذوي المفاخر الثمينة، فاجتمعت بكبير أهل الشورى بها عماد بيته الأثيل، العالم الجليل والقدوة الذي ليس له مثيل، الدراكة الهمام، النحرير الشيخ سيدي محمد صدام، أدام الله بركته للأنام، ووجدته يومئذٍ قد أخذ منه الكبر، وله صداع يؤلمه في غالب السمر، أما ضخامة شأنه، وجلالة مكانه، فقد رأيت من ذلك مفاخر جليلة ومحاسن جميلة، مع ثبات وأناة، وخبرة بالسياسات، وكانت قراءته بالحاضرة على جلة شيوخها في ذلك العصر كشيخي الإسلام البيرمي والرياحي، وقد حصل منه بفضل الله على إجازة مطلقة أجد ببركتها سدادي وصلاحي، بعد أن فزت بمجالسته في مجالس عديدة، وأدركت خلفه صلاة الجمعة في تلك المدة المديدة، واجتمعت بتلميذه قاضيها العمدة العفيف، صاحب الفضل المنيف، الفقيه الورع الشيخ أبو الفلاح سيدي صالح الجودي رعاه اله تعالى وهو رجل غيور على الحقوق، قاك بالعدل واللسان الصدوق، يحي الليل في الدروس والنوازل، وهو الكفيل بعمران تلك المنازل، وحضرت بدروسه في الفقه والحديث، وأخذت عنه سنداً في صحيح البخاري لم نجد مثله في القديم والحديث، بحيث أه بينه وبين الإمام البخاري اثنا عشر رجلاً من رجال السند، وكتب في ذلك إجازة رائقة أعذب من الثلج والبرد، وقد رأيت أن أنظم سندها تيمناً برجاله، فقلت مصلياً على الرسول المصطفى وآله: [الرجز] حمداً لمن أجاز من قصده ... وأبلغ الراجي بذاك قصده وصل يا رب على من اتصل ... سنده إليك من تلك الرسل خصوصاً المختار عز الدين ... حامله عن روحك الأمين والآل والأصحاب والأتباع ... وتابع الكل بلا انقطاع

стр. 389

وغب ذا بالقاصر المأسور ... محمد السنوسي المقرور يقول: إني من حديث المصطفى ... قد اشتملت خير كاس قد صفا ولاسيما بما روى البخاري ... من الأحاديث عن المختار فهو صحيح مسند مرفوع ... والدين فيما قد حوى مجموع وقد تنعمت به دراية ... عن الشيوخ طوراً أو رواية فنلت من إسنادهم إيصالاً ... وقد بلغت منهم الآمالا حيث أجازوني تفضلاً بما ... هولهم من الأسانيد انتمى وأقرب الطرق ما أنبأتي ... به أبو الفلاح فخر الزمن قاضي مدينة العلوم الجودي ... القيرواني ذي العلى المحمود عن شيخه مفتيها محمد ... كنز العوم والصلاح الأمجد أعني أباهاها جميل الدين ... عن يوسف الإمام بدر الدين ذاك المجاز من شيوخ جمة ... نحواً من المائة فخر الأمة إذا طاف بالمشرق في الأعجام ... فنال منهم غاية المرام عن زين باعلوي إمام الحرمين ... ذا جمل الليل اغتدى في الثقلين عن شيخه محمد بن سنة ... العمري الفاني محيي السنة عن أحمد العباس عن غضنفر ... النقشبندي في سائر الفنون عن الإمام الحافظ الطاوسي ... أبي الفتوح مهدي النفوس عن بابا يوسف الإمام الهروي ... من اغتدى بكل فضل أحروي عن ابن شاذبخت الفرغاني ... محمد الشيخ حلى الأعيان عن ذلك الشيخ أبي لقمان ... يحيى أبي المفاخر الختلاني عن أبي يوسف الزكي الفربري ... عن ذلك الحجة فخر الدهر محمد المعظم البخاري ... محيي معاني سنة المختار فأبصر ترى رجال هذا السند ... ثلاث عشر اغتدى في العدد وفي الثلاثينات سبعة عشر ... بيني وبين المصطفى خير البشر فالحمد لله على اقترابي ... في صلتي من ذلك الجناب صلى الله والأصحاب ... ومن روى عنهم مدى الأحقاب يقول العبد الفقير إلى ربه محمد السنوسي: أنبأني الشيخ أبو الفلاح سيدي صالح الجودي، عن شيخه سيدي محمد باهاهأن عن الشيخ سيدي يوسف بدر الدين، عن الشيخ سيدي زين باعلوي عن الشيخ سيدي محمد بن سنة الفلاني، عن الشيخ سيدي أحمد العباسي، عن الشيخ سيدي غضنفر النقشبندي، عن الشيخ سيدي تاج الدين عبد الرحمن الكازروني، عن الشيخ الحافظ أبي الفتوح سيدي الطاوسي، عن الشيخ بابا يوسف الهروي، عن الشيخ سيدي أحمد بن شاذ بخت الفرغاني عن الشيخ أبي لقمان سيدي يحيى الختلاني، عن الشيخ ابن يوسف الفربري، عن الشيخ الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ثم الجعفي رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: بابا كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ إلخ.. وكنت قبل خروجي من الحاضرة كلفني صدقي بنازلة مع الشيخ المذكور، وحيث قضيتها على الوجه المبرور، أرسى عليه الحال، وأدمجت مع ذلك شيئاً من دعابة المقال، وهذا صورة ما كاتبته به: جناب الأخ الذي تاقت النفوس إلى محاضراته، وبدائع مسامراته، لهمام الذي أحرز لواء الكمالات، التي ظهرت ظهور الشمس بالآيات البينات، فصيح اللسانين، ودراكة المعقولين، النقادة النحرير، والفهامة الولوع بتحبير أردية التحرير العالم الجليل، صاحب الخلق الجميل، عمدتي وودودي، ومن بمناهل ملاطفته استعذب ورودي، الشيخ سيدي محمد بن الخوجه، لا زالت حبال المودة بيننا موشوجه. أما بعد إهداء تحية تسفر عن محيا الاشتياق، وتريك محاسن المودة التي لو كانت غادة لذبل منها كل من الطرف والأحداق، فإني والمنة لله على ما يسركم من العافية والسلامة، والمسؤول من الله أن يديمها على الجميع في الظعن والإقامة، لولا ما كان بيننا من البعاد، الذي لم نستنشق معه روائح أخباركم من أثر المداد، وغاية الآمال، بأن جنابكم على حالة الكمال، وما كنت أحسب أن تتناءى بنا الفروق، حتى يمون حديثكم أبعد علي من بيض الأنوق، ولولا وثوق الأسباب وطيب ما لاقيته بهذا البلد من العلماء الجلة والسادة الأقطاب، ما حظينا به ولله المنة من التنعم بمقام من ضمت إليه شعرات المصطفى من الأصحاب، إلى غير ذلك من التابعين الثاوين بهذا التراب: [البسيط] لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

стр. 390

هذا وأما المراسلة ورسم الدين، اللذان حملاني عظيم الأين، فقد أبلغتهما إلى الشيخ الجليل، قاضي القضاة الذي ليس له مثيل، فقام في إقامة حق ربك لتلك الحقوق، التي ظعن عنها ذلك الزوج وكلفها العقوق، فما لبث أن أحضره بأحد أعوانه، وجرعه إلزام القضاة قبل النهوض من مكانه، حتى احتار مما ألزم به ذلك المسكين، وخشي لزوم النفقة على تلك السنين، فأبدى الرأفة بعياله، وزعم أنه غير راضٍ بطلاقها في حاله ومآله، وصفها بمدائح زعم أنه كان في انتعاش، حتى كاد أن يمدح فيها حسن الفراش، وذكر أنها لم تناشزه النشوز الذي أوجب به الطلاق، وأن أهلها الذين هم كلفوه الفراق، كل ذلك إظهاراً منه للتعطف، وإبداءً للمسئلة بغاية التلطف، خشية أن يظهر ما بينها من الشقاق فيشد عليه الوثاق، إلا أن جميع ما أبداه من أنواع التملق، وإظهار أنه لم فيها مع فوات بثها مزيد الرغبة والتعلق، لم يكد ذلك يجد له نفعأن ولا يقرع من آذان ذلك العمدة سمعأن وما كانت له ذلك إلا وسيلة للاعتراف بدارهم أخر كتبناها عليه، زيادة على القدر الذي دعي إليه، وألزم بإحضار رسم الطلاق الذي اعترف بإيقاعه على الوجه الموصوف، حيث لم يمسك بمعروف، (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) ، وقطعه بجوده وعدله. أما قضاء الدين، فيرى دونه احتمال الحين، ولذلك جنح به الشيخ إلى ما هو خير، بعد أن علم أن لا طاقة له على الإلزام بما فوق السير، فاقتضى منه خمسين، وجعل عليه ماب قي مشاجرة بعد أن أخذنا عليه الكفيل الأمين، فالتزم بدفع ما بقي عن سبعة عشر شهرأن في كل شهر منها عشرأن فإن أرضتها هاته المعاملات فلتعط توصيلاً قيما يبلغكم صحبة الحامل، وتوكيلاً لمن ترضاه يتولى استخلاص البقية في الأشهر القابلة يبلغها على الوجه الكامل. وهذه غاية النتيجة بعد أن تسعرت نيران الخصام الأجيجة وها هو يصلك رسم الطلاق، عسى الله أن يبدلها زوجاً خيراً منه فتحظى بالانعتاق، والسلام. أواخر المحرم سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف. واجتمعت هنالك بالشريف الفاضل، والقدوة بين الأفاضل، صاحب الفضل الذي لا يتناهى، سيدي حمودة بوهاهأن وكان يومئذٍ شيخ دروس المقام البلوي، أدام الله بيت مجده العلوي، والشيخ المفتي أبي محمد سيدي حمودة صدام. ووجدت عماد بيت الشريف الأثيل، والفضل الذي ليس له مثيل، صفوة الكرام البرره، ونخبة الخيره، الشيخ سيدي حمدة العواني، وهو نقيب الأشراف الذين فضلهم ليس بخاف وهو من العفة والهمة العالية بمكان عظيم وجدته ولوعاً بالسيرة الحلبية، وحصلت منه على دعوات نرجو بها كل أمنيه. إلى غير ذلك من الأعيان الذين ضمهم ذلك المكان كالفاضل الزكي المدرس الشيخ سيدي حمدة بوراس وهو ممن أنسنا في تلك الإقامة، جزاه الله بكل خير وكرامة. وكان عامل المدينة المذكورة يومئذٍ الهمام الأفخم أمير الأمراء محمد المرابط، إلا أنه استخلف عليها عند ذلك أخاه العمدة الأكمل الأبر الموقر المحترم الحاج محمد فوجدنا له من حسن السيرة في معاملته أولئك الأعيان، ما لم يتمالكوا به يثنوا عليه بكل لسان، على أن فخر العامل المذكور، قد اشتهر منذ دهور، إذ هو في نسبه ينتمي إلى دفين تلك المدينة صاحب الزاوية المكينه الشيخ سيدي عبيد الغرياني ﵁ ومكانته من عهد المشير الأول لا تكاد تخفى في تلك الدولة الأحمدية، حين قاد جيوش المحمدية. أما مآثر السلف التي في ذلك البلد، فإنها لم تعقف عند حد وناهيك لجامعها الذي هو من أعظم المفاخر الإسلامية، ومحرابه أول قبلة رسمت في إفريقيه، برسم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ووجدنا بمستودعه من مآثر الصحابة قطعة من درع تبركنا بها مع آثار قوس وبعض ملابس آخر من واقيات الحروب وبقايا مصاحف كوفية على الرسم الأول قبل النقط المتعارف الآن والشكل، إلا أنا ألفينا الجامع المذكور قد تداعى، وكاد المسلمون أن يعدموا به انتفاعأن فبادرنا إلى شرح حاله لجناب ذلك الرئيس، وقد نجح بحمد الله في ذلك سعيه إلى الوجه النفيس، وكاتبه في ذلك كبير أهل الشورى، بمكتوب يملأ الأفئدة سرورأن غير أني لم آخذ منه بنظير، لأحلي منه هذا النزر اليسير، نعم وكاتبه في ذلك الشيخ القاضي بمكتوب، أتى به على أحسن أسلوب نصه:
следующие страницы →