Полный текст (488 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الجناب الأكرم، والملاذ الأفخم، عمدة البلغاء والمتكلمين، وكنز النحاة والمعربين، والمتحلي كلامه بقلائد العقيان، ونظامه ببلاغة قيس وفصاحة سحبان، كيف ولا وهو البليغ الذي إن تكلم جزل وأسكت كل ذي لسان ببلاغة وإحسان بل البحر الذي جرت فيه سفن الأذهان، فلم تدرك قراره وعجز البلغاء أن يخوضوا تياره ما برز في مواطن بحث الإبراز على الأقران ولا أخبر عن فضله من رآه إلا وتمثل ب? (ليس الخبر كالعيان) ، كيف لا وهو البليغ الذي تلألأت بمعاني بيانه السطور والطروس، واهتزت ببديع براعته الأعطاف والرؤوس، الألمعي الأحظى، والأريب الأرضى أخونا الشيخ سيدي محمد السنوسي لا زال برهان فضله ساطعأن ودليل مجده قاطعأن ونجم سعده أبداً طالعأن ولا زالت أسفاره مقترنة بالسلامة والأرباح، متصلة بالغبطة والنجاح، وقضى بقرب رجعته، وجعل مسيره يزيد في رفعته، وسكن بقدومه أشواق أوليائه وأهل محبته، ولا زالت محاسنه مشكوره، ودراهم معمورة.
أما بعد إهداء تحيات تباري نسمات الصبا بلطفهأن وتزدري نشر خمائل لصبا بعزمهأن وأدعية ترفعها أكف الضراعة، وتبتهل بها إلى الله قلوب متجذبة مطواعة، فإنه لا يخفى على شريف علمكم، ولطيف فهمكم، ما بيننا من المحبة المعتيدة، والمودة الأكيدة، وإنا إليكم محافظون على الوفأن ولا نكدر من شراب المحبة ما راق صفأن والعبد منذ فارق جنابكم الرفيع المقدار، لم يذق جفنه لذيذ هجعة أو قرار، وأني يكون له قرار وهجوع، ولواعج أشواقه تتلهب بين الجوانح والضلوع، كم صبر فؤادي وهو يقسم بأنه لا يستطيع معه صبرأن ولا يخافكم من نصف قلبه ببلد ونصفه بأخرى، فنسأل الله أن يمن علينا بالتلاق، ويطوي شقة البين والفراق، والسلام.
وكاتبته مجيباً بما نصه: أدام الله حفظ الأنجب الأبرع، والفهامة اليلمع، اللوذعي اللبيب، والأوحد الأريب، الأنجد الأزكى، والأمجد الأذكى نجم الدروس، ومبيح خبيئات الطروس، المزرية من لطف أخلاقه بسلافة الكؤوس، نخبة أقرانه، وغرة جبهة زمانه، أخي وعشيري، وعماد مودتي وسميري، مشيد عالم الفخار الذي تطلعت محاسن كمالاته طلوع محاسن الأقمار أخينا الشيخ سيدي محمد القصار، لا زال يتحف إخوانه بنزهة الأبصار، ويجدد لهم حلي المودة بتجدد الأعصار، ما دام الليل والنهار.
أما بعد إهداء تحية تعرب عن ودادي، ولا أن أنها تقوم بواجبات ما قلدتنيه فقد تشرف العبد بمكتوبكم العزيز، الخالص خلوص مودتنا وأين منها خلوص الإبريز، قد سرني وأيم الله مضمونه وكادت أن تذهب على القلب شجونه، على أنني معترف بأني لست من التقصير في حقوق أودائي ببري ولكن إن مكان الواحد منهم مقسم القلب فأنا نه عري، وهذه غاية ما يقدم به الاعتذار حين شط المزار، وتناءت الديار، ولم يقر للحقير قرار، ومن تباعد الأسفار، نسأل الله تعالى أن ينظم الشمل بجنابكم، وأن لا يعدمنا التلذذ بعزيز خطابكم، والسلام.
وكاتبني حرسه الله مجيباً عن ذلك بما نصه: المقام الذي كل البيان له منقاد، والبديع يقتبس من ذهنه الوقاد، من صعد من سماء العلوم أعلى المنازل، وورد من مياه الآداب أعذب المناهل، وعلوم المعاني قد أطاعت له لفكر، وظفر منها بالثيب والبكر، فارس حلبة الإبداع والبراعة، حاوي قصبات السبق في ميادين اليراعة، حتى تعدى بالمفرد العلم، وفرسان البلاغة القولية السلم، الهمام الجليل، الراقي مراقي العز والتبجيل، أخينا الشيخ سيدي محمد السنوسي لا زال بحراً يقذف موجه الدرر، وعقداً في جيد الدهر يتلألأ بالغرر مخصوصاً بأنواع الكمالات، طالع البدر من أشرف الهالات.
أما بعد إهداؤ لسلام لأطيب من عرف النسيم، والأعذب من رحيق مختوم ختامه مسك ومزاجه من تنسيم، فإنه قد وصل كتابكم فكان وروده أشهى من الفلق لمن باب يكابد مكائد الغسق أو وصل حبيب أو مخالسة، رقيب، أو الماء العذب الزلال لمن أغواه من شدة الظمأ الآل، وليس يخفى ما يحصل للمحب عند رؤية آثار الأحبة من إثارة الأشواق، التي هي للمحبة من ثمرات الأوراق، ولقد كنا في وله وقلق أزاله كتابكم، ومحاه خطابكم.
أبقاكم الله سالمين، ووقاكم من كل أمر يشين، والسلام.
ثم إني لما أدركني عيد الأضحى، بادرت الإياب إلى الحاضرة ضارباً عن أهل الساحل صفحأن لأقضي العيد بين إخواني وأريح التجاني، باستنشاق ما تتضمخ به أرداني.
стр. 387
وبعد أن أقمت تلك المواسم بين الأهل والإخوان، عاودت الرحيل إلى مدينة القيروان واستعذبت لما وجدت في طريقها من المشقة، إذا هي مدينة وأي مدينة، جمعت مفاخر ثمينة، ناهيك بها مضجع البلوي صاحب الرسول مصحوباً بالشعرات النبوية التي هي أعز المأمول، مع ما ضم ذلك التراب من التابعين وتابعيهم، والأيمة المجتهدين من أعلام الأمة وصالحيهم وعنوان ذلك ما جمعه ابن ناجي في كتابه معالم الإيمان وما استدرك به عليه بعض المتأخرين ممن اجتمعت بهم في ذلك المكان، وما زالت البركات فيها عاكفة، والخيرات على أهلها واكفه إذ ما منهم أحد، إلا وله من لفضل وحسن المعاملة ما لم يقف عند حد، فتلقونا بالترحاب، وأنزلونا منازل الأحباب، حتى حملني حسن إكرامهم وفضل مقامهم على أن أنشأت في مديحهم قصيدة بديعة، ضمنتها ما لقيته في الطريق وما أصبته في تلك الرياض المريعة، وهي قولي: [الخفيف]
طاوي البيد مبسراً غير وإني ... إن توجهت زورة القيروان
باكر السعي نحوها باجتهاد ... لاقتياد المنى بذاك العنان
قد خرجنا لها على حين اضحت ... واكفات الهتون مثل الجمان
نلتقي الريح عاصفاً مثل رعد ... قاصف لم يدع ثبات الجنان
ومحيا غزالة الصبح ورار ... هـ الحيا بالسحاب مثل المصان
فامتطينا عزائماً ذات صدق ... واعتمدنا البعاد عن كل دان
واقتطعنا صعاب ذا اليوم سيرا ... وانتجعنا المبيت عند الأوان
وارتحلنا بقطع ليل تبدى ... بدره نافراً نفور الحسان
إذ يرى في الدجى دلالاً فنلقى ... أعينا للنجوم لاحت دواني
أو يرى يزدهي بحسن فيبدو ... في ميادينه بغير امتنان
يقصد القرب رائماً وصل شمس ... قد توارت بحجيها عن عيان
وإذا ما ارتمى إليها تبدت ... من علا الشرق لا تروم التداني
تقتدي تبهر العقول وتلقي ... في البراري بساطها الخسرواني
فارتفقنا معاً إلى أن رأينا ... من حلى القيروان من خير جاني
فاستنرنا بشمس هدي تبدت ... من حلى ثراها وقال كل ذراني
حبذا حبذا بشمس هدى تبدت ... من ثراها وقال كل ذراني
حبذا حبذا معالم دين الل ... هـ لاحت مجلياً بالتهاني
هذه بلدة تأسسها أص ... حاب خير العباد في كل آن
هذه مركز لولاية والع ... لم ففيها تبدت الخصلتان
فهي مأوى أيمة الدين من أه ... ل القرون الثلاث هل من مدان؟
أهلها قد تأثل الخير فيهم ... فانجلى فضلهم بأقصى المكان
يتلقون وافديهم بيسر ... ملء أجفانهم بملء الجفان
يؤنسون الغريب بالقرب حتى ... يمتلي من ودادهم بالتفاني
إذا تحلوا من المعالي بفخر ... عاد كل بحسنه في افتتان
إن تنادوا إلى صلاة سراعا ... فتراهم في رغبة مع حنان
ورثوا الفضل عن جدود ومازا ... لوا بهم يقتدي بني الثمان
فالصير ائتسى بمن قبله في ... كل مجد فنال خير الأماني
هكذا هكذا المفاخر فيهم ... لم تزل تبتني لهم في العيان
قد تجافوا عن الأناسي حتى ... نزلوا القيروان في صحصحان
أحسنوا الصنع للإله فأضحى ... رزقهم ساعياً لهم كل آن
أرسل الله كل خير إليهم ... مع تنائهم عن البلدان
وكفاهم شرَّاً جوارٌ وهذا ... أعجب الشيء بين أهل الزمان
لن ترى في بلادهم من يهود ... ي ولا الغير من أهيل الهوان
لا ولا تلتقي بها حان خمر ... ما لهم واستقاء بنت الدنان؟
إنما بينهم مشاهد صحب ... وزوايا للأوليا في أمان
أو رجال الهدى فإن رمتهم سل ... عن علاهم معالم الإيمان
مثل سحنون والعبدلي المر ... ضي وحنشر وغيرهم كالعواني
بينهم جامع أقيم على تق ... وى من الله نير الأركان
شاده عقبة الصحابي من قد ... قام للدين ناصراً بالسنان
فاغتدى أول المحاريب في المغ ... رب محرابه فهل من يداني؟
حبذا بينهم مقام المعلّى ... صاحب المصطفى الرفيع الشان
ذا أبو زمعة الذي صحبته ... شعرات الرسول لفي ذا المكان
بلوي أتى المغازي مع الأص ... حاب ذا رام نصرة الإيمان
стр. 388
قام للدين ثمك أضحى يجوب ال ... أرض في جوبه خليع العنان
كم روى عنه سادة فاستناروا ... من أحاديثه الصحاح الحسان
واجتناها غنائماً ليست تحصى ... من جميع البلاد قاص ودان
يقتدي ف الحروب دفاع إن ما ... ت بحزم فكان ثبت الجنان
ما تولى الزحاف في يوم حرب ... لا ولا كان للعزائم ثانِ
ولذا وفر الإله له الغن ... م وأولاه مسعدات الجنان
فاقتنى الحسنين فضلاً من الل ... هـ فماذا لواصف باللسان
شاهد المصطفى وتلك المغازي ... واغتدى بعده شهيد الطعان
لن ترى في مقامه غير سر ... باهر من جلاله المستبان
يملأ العين والفؤاد اجتلاء ... لا يفي وصفه وضوح البيان
من يوافيه مستجيراً يرى ما ... يرتجي من مناه لا عن توان
هكذا هكذا به قد رأينا ... إذا دخلناه راجين الأماني
آملين السداد ولنجح فيما ... قد قصدنا على مرور الزمان
نرتجي من رضاه فوزاً بما أن ... نالنا لم نرع من الحدثان
علّه أن يمدنا بالأماني ... ل وللوالدين والإخوان
والألى بالعلوم قد أرضعونا ... خير ذي به أعز اللبان
يشمل الكلَّ جاهه عند ربي ... كي نرى منه في نعيم الأمان
وقرظ هاته القصيدة شاعر القيروان السيد محمد عيسى الكناني بقوله: [الخفيف]
أيها الفاضل الزكي المعلّى ... من له في القريض خير المباني
وأيادٍ عجيبة ما لمثلي ... أن يرى آتيا بها أو يداني
أطربتنا حسناء جاءت بودٍّ ... وخلوص بذي المعاني الحسان
بنت فكر قد ازدهت في حلي ... ما حواها البديع في همذان
فلك الله يا خليل ممدّا ... بمراجيك من بلوغ الأماني
حيث تم في صحب خير البرايا ... ورجال الهدى بكل مكان
مثل باب الرفيع ثم الجناح الأخ ... ضر المحتوم على الأعيان
ولك النفع بزيارة سحنو ... ن المسجى بباب نفع المداني
وعطاء من الجناب المعلّى ... من تسامي ببيعة الرضوان
طالع السعد قد حباك بما قد ... نلته سيدي فكن في أمان
يا سليل الأفاضل الحائزين ال ... مجد بالسبق من قديم الزمان
جدك الخير السنوسي إمام ... بعلوم زكا على الأقران
فأتيتم من بعده في انتساق ... يقتدي بعلاكم النيران
فجزاك الإله خير جزاء ... ووقيت العدى وشر الهوان
ثم لا زلت لابساً ثوب عز ... وافتخار سما به الملوان
ثم إني أول: إنني بمجر وصولي إلى تلك المدينة، طلبت الاجتماع بقية صالح سلفها من ذوي المفاخر الثمينة، فاجتمعت بكبير أهل الشورى بها عماد بيته الأثيل، العالم الجليل والقدوة الذي ليس له مثيل، الدراكة الهمام، النحرير الشيخ سيدي محمد صدام، أدام الله بركته للأنام، ووجدته يومئذٍ قد أخذ منه الكبر، وله صداع يؤلمه في غالب السمر، أما ضخامة شأنه، وجلالة مكانه، فقد رأيت من ذلك مفاخر جليلة ومحاسن جميلة، مع ثبات وأناة، وخبرة بالسياسات، وكانت قراءته بالحاضرة على جلة شيوخها في ذلك العصر كشيخي الإسلام البيرمي والرياحي، وقد حصل منه بفضل الله على إجازة مطلقة أجد ببركتها سدادي وصلاحي، بعد أن فزت بمجالسته في مجالس عديدة، وأدركت خلفه صلاة الجمعة في تلك المدة المديدة، واجتمعت بتلميذه قاضيها العمدة العفيف، صاحب الفضل المنيف، الفقيه الورع الشيخ أبو الفلاح سيدي صالح الجودي رعاه اله تعالى وهو رجل غيور على الحقوق، قاك بالعدل واللسان الصدوق، يحي الليل في الدروس والنوازل، وهو الكفيل بعمران تلك المنازل، وحضرت بدروسه في الفقه والحديث، وأخذت عنه سنداً في صحيح البخاري لم نجد مثله في القديم والحديث، بحيث أه بينه وبين الإمام البخاري اثنا عشر رجلاً من رجال السند، وكتب في ذلك إجازة رائقة أعذب من الثلج والبرد، وقد رأيت أن أنظم سندها تيمناً برجاله، فقلت مصلياً على الرسول المصطفى وآله: [الرجز]
حمداً لمن أجاز من قصده ... وأبلغ الراجي بذاك قصده
وصل يا رب على من اتصل ... سنده إليك من تلك الرسل
خصوصاً المختار عز الدين ... حامله عن روحك الأمين
والآل والأصحاب والأتباع ... وتابع الكل بلا انقطاع
стр. 389
وغب ذا بالقاصر المأسور ... محمد السنوسي المقرور
يقول: إني من حديث المصطفى ... قد اشتملت خير كاس قد صفا
ولاسيما بما روى البخاري ... من الأحاديث عن المختار
فهو صحيح مسند مرفوع ... والدين فيما قد حوى مجموع
وقد تنعمت به دراية ... عن الشيوخ طوراً أو رواية
فنلت من إسنادهم إيصالاً ... وقد بلغت منهم الآمالا
حيث أجازوني تفضلاً بما ... هولهم من الأسانيد انتمى
وأقرب الطرق ما أنبأتي ... به أبو الفلاح فخر الزمن
قاضي مدينة العلوم الجودي ... القيرواني ذي العلى المحمود
عن شيخه مفتيها محمد ... كنز العوم والصلاح الأمجد
أعني أباهاها جميل الدين ... عن يوسف الإمام بدر الدين
ذاك المجاز من شيوخ جمة ... نحواً من المائة فخر الأمة
إذا طاف بالمشرق في الأعجام ... فنال منهم غاية المرام
عن زين باعلوي إمام الحرمين ... ذا جمل الليل اغتدى في الثقلين
عن شيخه محمد بن سنة ... العمري الفاني محيي السنة
عن أحمد العباس عن غضنفر ... النقشبندي في سائر الفنون
عن الإمام الحافظ الطاوسي ... أبي الفتوح مهدي النفوس
عن بابا يوسف الإمام الهروي ... من اغتدى بكل فضل أحروي
عن ابن شاذبخت الفرغاني ... محمد الشيخ حلى الأعيان
عن ذلك الشيخ أبي لقمان ... يحيى أبي المفاخر الختلاني
عن أبي يوسف الزكي الفربري ... عن ذلك الحجة فخر الدهر
محمد المعظم البخاري ... محيي معاني سنة المختار
فأبصر ترى رجال هذا السند ... ثلاث عشر اغتدى في العدد
وفي الثلاثينات سبعة عشر ... بيني وبين المصطفى خير البشر
فالحمد لله على اقترابي ... في صلتي من ذلك الجناب
صلى الله والأصحاب ... ومن روى عنهم مدى الأحقاب
يقول العبد الفقير إلى ربه محمد السنوسي: أنبأني الشيخ أبو الفلاح سيدي صالح الجودي، عن شيخه سيدي محمد باهاهأن عن الشيخ سيدي يوسف بدر الدين، عن الشيخ سيدي زين باعلوي عن الشيخ سيدي محمد بن سنة الفلاني، عن الشيخ سيدي أحمد العباسي، عن الشيخ سيدي غضنفر النقشبندي، عن الشيخ سيدي تاج الدين عبد الرحمن الكازروني، عن الشيخ الحافظ أبي الفتوح سيدي الطاوسي، عن الشيخ بابا يوسف الهروي، عن الشيخ سيدي أحمد بن شاذ بخت الفرغاني عن الشيخ أبي لقمان سيدي يحيى الختلاني، عن الشيخ ابن يوسف الفربري، عن الشيخ الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ثم الجعفي رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: بابا كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ إلخ..
وكنت قبل خروجي من الحاضرة كلفني صدقي بنازلة مع الشيخ المذكور، وحيث قضيتها على الوجه المبرور، أرسى عليه الحال، وأدمجت مع ذلك شيئاً من دعابة المقال، وهذا صورة ما كاتبته به: جناب الأخ الذي تاقت النفوس إلى محاضراته، وبدائع مسامراته، لهمام الذي أحرز لواء الكمالات، التي ظهرت ظهور الشمس بالآيات البينات، فصيح اللسانين، ودراكة المعقولين، النقادة النحرير، والفهامة الولوع بتحبير أردية التحرير العالم الجليل، صاحب الخلق الجميل، عمدتي وودودي، ومن بمناهل ملاطفته استعذب ورودي، الشيخ سيدي محمد بن الخوجه، لا زالت حبال المودة بيننا موشوجه.
أما بعد إهداء تحية تسفر عن محيا الاشتياق، وتريك محاسن المودة التي لو كانت غادة لذبل منها كل من الطرف والأحداق، فإني والمنة لله على ما يسركم من العافية والسلامة، والمسؤول من الله أن يديمها على الجميع في الظعن والإقامة، لولا ما كان بيننا من البعاد، الذي لم نستنشق معه روائح أخباركم من أثر المداد، وغاية الآمال، بأن جنابكم على حالة الكمال، وما كنت أحسب أن تتناءى بنا الفروق، حتى يمون حديثكم أبعد علي من بيض الأنوق، ولولا وثوق الأسباب وطيب ما لاقيته بهذا البلد من العلماء الجلة والسادة الأقطاب، ما حظينا به ولله المنة من التنعم بمقام من ضمت إليه شعرات المصطفى من الأصحاب، إلى غير ذلك من التابعين الثاوين بهذا التراب: [البسيط]
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
стр. 390
هذا وأما المراسلة ورسم الدين، اللذان حملاني عظيم الأين، فقد أبلغتهما إلى الشيخ الجليل، قاضي القضاة الذي ليس له مثيل، فقام في إقامة حق ربك لتلك الحقوق، التي ظعن عنها ذلك الزوج وكلفها العقوق، فما لبث أن أحضره بأحد أعوانه، وجرعه إلزام القضاة قبل النهوض من مكانه، حتى احتار مما ألزم به ذلك المسكين، وخشي لزوم النفقة على تلك السنين، فأبدى الرأفة بعياله، وزعم أنه غير راضٍ بطلاقها في حاله ومآله، وصفها بمدائح زعم أنه كان في انتعاش، حتى كاد أن يمدح فيها حسن الفراش، وذكر أنها لم تناشزه النشوز الذي أوجب به الطلاق، وأن أهلها الذين هم كلفوه الفراق، كل ذلك إظهاراً منه للتعطف، وإبداءً للمسئلة بغاية التلطف، خشية أن يظهر ما بينها من الشقاق فيشد عليه الوثاق، إلا أن جميع ما أبداه من أنواع التملق، وإظهار أنه لم فيها مع فوات بثها مزيد الرغبة والتعلق، لم يكد ذلك يجد له نفعأن ولا يقرع من آذان ذلك العمدة سمعأن وما كانت له ذلك إلا وسيلة للاعتراف بدارهم أخر كتبناها عليه، زيادة على القدر الذي دعي إليه، وألزم بإحضار رسم الطلاق الذي اعترف بإيقاعه على الوجه الموصوف، حيث لم يمسك بمعروف، (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) ، وقطعه بجوده وعدله. أما قضاء الدين، فيرى دونه احتمال الحين، ولذلك جنح به الشيخ إلى ما هو خير، بعد أن علم أن لا طاقة له على الإلزام بما فوق السير، فاقتضى منه خمسين، وجعل عليه ماب قي مشاجرة بعد أن أخذنا عليه الكفيل الأمين، فالتزم بدفع ما بقي عن سبعة عشر شهرأن في كل شهر منها عشرأن فإن أرضتها هاته المعاملات فلتعط توصيلاً قيما يبلغكم صحبة الحامل، وتوكيلاً لمن ترضاه يتولى استخلاص البقية في الأشهر القابلة يبلغها على الوجه الكامل. وهذه غاية النتيجة بعد أن تسعرت نيران الخصام الأجيجة وها هو يصلك رسم الطلاق، عسى الله أن يبدلها زوجاً خيراً منه فتحظى بالانعتاق، والسلام. أواخر المحرم سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف.
واجتمعت هنالك بالشريف الفاضل، والقدوة بين الأفاضل، صاحب الفضل الذي لا يتناهى، سيدي حمودة بوهاهأن وكان يومئذٍ شيخ دروس المقام البلوي، أدام الله بيت مجده العلوي، والشيخ المفتي أبي محمد سيدي حمودة صدام. ووجدت عماد بيت الشريف الأثيل، والفضل الذي ليس له مثيل، صفوة الكرام البرره، ونخبة الخيره، الشيخ سيدي حمدة العواني، وهو نقيب الأشراف الذين فضلهم ليس بخاف وهو من العفة والهمة العالية بمكان عظيم وجدته ولوعاً بالسيرة الحلبية، وحصلت منه على دعوات نرجو بها كل أمنيه. إلى غير ذلك من الأعيان الذين ضمهم ذلك المكان كالفاضل الزكي المدرس الشيخ سيدي حمدة بوراس وهو ممن أنسنا في تلك الإقامة، جزاه الله بكل خير وكرامة.
وكان عامل المدينة المذكورة يومئذٍ الهمام الأفخم أمير الأمراء محمد المرابط، إلا أنه استخلف عليها عند ذلك أخاه العمدة الأكمل الأبر الموقر المحترم الحاج محمد فوجدنا له من حسن السيرة في معاملته أولئك الأعيان، ما لم يتمالكوا به يثنوا عليه بكل لسان، على أن فخر العامل المذكور، قد اشتهر منذ دهور، إذ هو في نسبه ينتمي إلى دفين تلك المدينة صاحب الزاوية المكينه الشيخ سيدي عبيد الغرياني ﵁ ومكانته من عهد المشير الأول لا تكاد تخفى في تلك الدولة الأحمدية، حين قاد جيوش المحمدية.
أما مآثر السلف التي في ذلك البلد، فإنها لم تعقف عند حد وناهيك لجامعها الذي هو من أعظم المفاخر الإسلامية، ومحرابه أول قبلة رسمت في إفريقيه، برسم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ووجدنا بمستودعه من مآثر الصحابة قطعة من درع تبركنا بها مع آثار قوس وبعض ملابس آخر من واقيات الحروب وبقايا مصاحف كوفية على الرسم الأول قبل النقط المتعارف الآن والشكل، إلا أنا ألفينا الجامع المذكور قد تداعى، وكاد المسلمون أن يعدموا به انتفاعأن فبادرنا إلى شرح حاله لجناب ذلك الرئيس، وقد نجح بحمد الله في ذلك سعيه إلى الوجه النفيس، وكاتبه في ذلك كبير أهل الشورى، بمكتوب يملأ الأفئدة سرورأن غير أني لم آخذ منه بنظير، لأحلي منه هذا النزر اليسير، نعم وكاتبه في ذلك الشيخ القاضي بمكتوب، أتى به على أحسن أسلوب نصه:
стр. 391
حرس الله مجد جناب الهمام الكامل، الثقة العمدة النزيه الفاضل، رضيع لباني المجد والعلم من أيمة كانوا غرة في جبهة الدهر وسليل مشايخ أعلام كانوا أيمة فقهاء عصراً بعد عصر، ألا وهو القدوة النحرير، والعلم الشهير، كريم السجايأن وحميد المزايأن الشهم الأحزم والسري الأفخم، الحبر الشيخ محمد بيرم، رئيس جمعية الأوقاف بالحاضرة المحمية، والمكلف بإدارتها وتعميرها فيها وفي سائر البلاد الإفريقية، وصل الله مجده بمجد من مضى من أسلافه، وبلغه أمانيه بخفايا ألطافه، آمين.
أما بعد إهداء التحية المرضية، المناسبة لكمالاتكم السنية، فمن المقرر المعلوم، أن جامع مدينتنا الأعظم، له فضل السبق على سائر الجوامع الإفريقية والتقدم، فقبلته أول قبلة وضعت للناس بالبلاد الإفريقية، عن الاجتهاد الصحيح بالأدلة الكشفية واليقينيه، اختطه من فضلاء الصحابة الأعيان، أكابر ممن شاهد بدراً وبايع بيعة الرضوان، وعمروه بالعبادة والذكر وتلاوة القرآن وطافوا بأرجائه متضرعين مبتهلين، بالدعاء لمن يعمره من سائر الناس في كل حين، وبسبب ذلك تنافس في تعميره من سلف من الولاة فما منهم من أحد إلا وترك فيه من مآثر كمال اعتنائه به علامات، حتى أكملوه على فخامة أبدعيه، وضخامة لم يعهد مثلها في البلاد الإفريقية، أصلوا دائرة جدرانه على أكمل بناء متين، ودعموا سقوفه بعمد رفيعة جلبوها من أقاصي مصانع القياصرة الأقدمين، يرجون أن يدوم لهم أجر من عبد الله فيه ويجري عليهم ذلك بعد الممات، وأن تعود عليهم بركة دعاء من دعا لمن يعمره من أولئك السادات، وإنه وقع الآن بسقوفه خلل إذ مضى عليها ما يفوق المائة والألف من السنين، حتى خشي سقوط بعض الأماكن منها على المصلين، فاقتضى النظر أن جعل عليه حاجز يحجر من عسى أن يمر أو يصلي تحته من الغافلين، ولم يكن في ريع أوقافه ما يقوم بتجديد بعض سقوفه على ما يليق، لضعف أوقافه عن أن تكون بمثل هذا تطيق، وقد امتلأت المسامع والآذان، وتقرر في الأذهان، حسن إدارتكم بمثل هذا الأمر، وسعيكم فيما يبقي لكم به الدعاء والذكر، ومثابرتكم على تعمير بيوت أذن الله أن ترفع، وتجديد ما دثر منها على الوجه الأرفع، ومثلكم يرجى أن يصرف وجهته إليه، حتى يعمل في ضخامته ومكانته على ما كان عليه، وعن صرف فواضل الأحباس في بعضها بعضاً قيل به حيث لا مندوحة عنه واقتضاه الحال، لا سيم إذا أقيم من صرفه في مثل هذا الجامع العديم المثال.
هذا وإن همة مولانا الوزير الأكبر، ووجهته إلى أعزاز هذا القطر وإحياء ما دثر من معالمه في سالف العصر، ومحبته لاقتفاء آثار السلف الماضين، والجري على منهاج طريقهم الواضح المبين، تقتضي أنكم إذا عرفتموه بما آل إليه أمر هذا الجامع وشرح حاله باللفظ الوجيز الجامع، توجهت وجهته إليه، وصرف قصد اعتنائه بحزمه الذي نشر راية الصيت عليه، أبقاه الله جارياً في أموره على السداد، معانا على التوفيق في كل الآماد ببقاء مجد مولانا السيد المشير، العديم المثال والنظير، محروساً جنابهما ببركة من اختلط هذه البلاد، من الصحابة والتابعين والعلماء والصلحاء والأوتاد.
هذا وإن الفاضل الزكي، اللبيب السميدعي، الحائز من قصبات كمال الأدب أعلاهأن ومن أحاسن الأخلاق أسناهأن الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد السنوسي لما اجتمعت به أطلعته على ما شرحته لكم من حال هذا الجامع، وأريته ما ببعض سقوفه من الخلل الواقع، واطلع على أوقافه واستقصاهأن وعلم ما تحصل من فواضل ريعه وأحصاهأن فظهر له ما لي ظهر حيث تطابق الخبر والمخبر وهو الآن عندنا مشتغل بمأموراته، دائب ليله ونهاره فيما كلف به من مشغولاته، وقد دلتنا أعماله على صنائعكم المحموده، التي أحيت بها الدولة معالم الدين المشهودة، نسأل الله أن يكون في عونه، وهو ولي رعايته وصونه. وحين يرد عليكم ما شرح لكم إن شاء الله في الحال على الوجه الأتم، إذ لا يفي بالشرح في مثل هذا المنزل العلم، ومثلكم من يكتفي به لذلك والله ولي عونكم. والسلام من الفقير إلى ربه تعالى عبده محمد صالح الجودي التميمي خادم العلم الشريف والقضايا الشرعية بمدينة القيروان أحسن الله عاقبة الجميع في صفر الخير من سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف.
стр. 392
وقد زرنا هنالك رياض الصالحين كأيمة باب نافع والجناح الأخضر وغيرهم لا سيما ضريح حفيدة سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ ابنة سيدي عبد الله التي أتى بها من ابنة جرجير ملك إفريقية حين قتله وأخذها ﵃ أجمعين وعند زيارتي للجناح المذكور قلت: [الكامل]
القيروان أعز طير أفخرِ ... في أرض إفريقية فكنِ الدَّري
إذ كان رأسَ فخاره (البلويُّ) من ... قد ضم شعراً للرسول الأكبر
وفؤاده سحنون ثاويها الذي ... أحيا مدارك مالك بتدبر
وأوى جناحاه مضاجع سادة ... بالعلم والأسرار مثل الأبحر
وإذا أراد الله خيراً بامرئ ... أبداه من ريش الجناح الأخضر
وقد أنعم الله علينا هنالك بالتلذذ بزيارة صاحب الفضل العلوي الصحابي المقرب سيدي عبد الله بن آدم البلوي وعندما دخلت لمقامه أول يوم أنشدت بين يديه قولي: [الكامل] ?حياك ربي أيها البلوي من=قد حاز شعر المصطفى في مضجعه
قد كنتَ من أصحابه الأنصار في ال? ... غزوات مثل الليث حلّ بمربعه
هذا نزيلك نفسه ملآنة ... بمآمل ترجى بكم في مرجعه
فاملأ حقيبته بما يقضيه جا ... هك إنه لا يكتفي من منجعه
وزيادة على الزيادة اليومية التزمت المبيت عنده في كل ليلة جمعة حتى اتفق لي أن اشتد المطرفي بعض الجمع فخرجت إليه ليلاً على حاله اشتداد الوحل، وأنشدت بين يدي ضريحه قولي: [الطويل]
أبا زمعةٍ جئناك في حالكِ الدجى ... وقد حالت الأوحال دون زيارتكْ
فحاشاك أن لا تمنحنّي مؤلا ... وهذا مفاز الأمن في قرب ساحتك
وقد ألهمني الله أن أقرئ عند ضريحه شمائل المصطفى ﷺ في تلك المدة فأقرأت صحيح الترمذي دراية إلى أن أدركني الرحيل وقد كدت أن أبلغ إلى النصف أتممتها رواية وأنشأت يوم الختم دعوات تلوتها في ذلك المقام لعله مما يحسن بنا أن نورده في هذا النظام، وقد كان أحد جلة العلماء هنالك كاتبني بتذكرة بها يستدعيه بعد أن سمعه في الختم على الوجه الذي يرتضيه وصورة ما كاتبني به ذلك الفاضل.
الحمد لله السلام على جليل مقامكم ورحمة الله وبركاته وبعد فالمطلوب من فضلكم إرسال الدعاء الذي ختمتم به أريد نسخه بقصد التبرك ويرجع لكم إن شاء الله ختم الله لنا ولكم بالسعادة. والسلام كاتبه حمودة بوهاها.
وهذه صورة الدعاء المذكور، بما تضمنه من المنثور حيث كان آخر ما تضمنه ذلك الصحيح المشهور.
إن هذا الحديث دين فانظروا على من تأخذون دينكم فقلت: سبحانك اللهم بك التوثيق في أخذ هذا الدين، عن الأيمة المهتدين، من الصحابة والتابعين، وعليك التوكل في القيام بأعبائه، وإليك الالتجاء في التأهل لنشر لوائه، الذي أنت الإله المنفرد بالألوهية في عالم الملكوت، المتقدس بما له من الجبروت واللاهوت، تقدست صفاتك وأسماؤك، وتعاليت عن أن تأويك أرضك وسماؤك، حيث كنت أنت الملك الجليل، ولم تزل أنت حيث كنت في أزلك ليس لك شبيه ولا مثيل، تنزهت بوصفك أنت الرحيم وعظمت آلاؤك فلا يوفي حق شكرها كل عليم، لا إله إلا أنت الرب المنعم بجلائل النعم ودقائقهن ضلت الأفهام في مفاوز شكرك وطرائقهن فنحمدك اللهم حمداً يوافي نعمك ويكافي المزيد، ونستمد من فضلك على نبيك صلاة دائمة لا تنقطع أبداً ولا تبيد، فهو الرسول الذي خصصته بالخلق الكريم والخلق العظيم، وهديت به إلى الصراط المستقيم، أبرزته لعالم الوجود، وإن لم تزل روحه الزكية في عالم القرب والشهود، وأكرمته بشمائل أعجزت الوصاف، فحاوروا في مهامه إدراكها واحتسبوا الإذعان والاعتراف، فهو درة العالم التي ليس لها ثاني، وخيرة بنيء آدم الذي أنزلت عليه سبعاً من الثماني، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 393
اللهم هذا توسلنا إليك بأعظم الوسائل، ورسولك الذي اصطفيت له أكمل الشمائل، حتى أكرمت من بها دعاك بالإجابه، فيرى البراقع من وجوه السعادة منجابه، وها نحن حظينا بمسك ختامهأن وأدرنا في حانات المسامع كؤوس مدامهأن راجين أن تفضيها علينا بالسعادة، وتمنحنا من سيب فضلك بالحسنى والزيادة، إذ عين منها مسك الختام، في هذا المقام، بين يدي صاحبه وحامل شعراته الكريمه، أحد الفايزين ببغيته الفخيمه، قائد المغرب، الصحابي المقرب، من ظهر المصطفى ﷺ كما أخرج ابن سعد إذ حاز دوحة ووضع أصابعه على ختم النبوءة، ناصر الأيمان وفاتح البلدان، وشهيد الطعان، أحد أعلام الدين الذين تتجدد معالم فخرهم وإن تقادم، ضجيع مقامنا سيدنا أبو زمعة عبيد الله بن آدم، اللهم واخلع عليه جلابيب الرضوان، وأوله أضعاف ما يستحقه من الإحسان، وها نحن أمة رسولك لاجئين إليه في مقامه، فاجعل إجابتنا بمحض فضلك من توابع إ كرامه ، فاللهم يا من إليه الالتجاء نسألك بسيدنا ومولانا محمد ﷺ أن تحسن عاقبتنا. وأن لا تحرمنا من فضلك الثنأن وأن تمنحنا من فيوض رحمتك وغفرانك وتسبغ علينا أردية سترك تفضلاً وإحسانا وأن تنجح أعمالنأن وأن لا تخيب آمالنأن وأن تكسونا أفخر أكسية الهداية والتوفيق، وتيسر لنا من أبواب السعادة أقوم طريق. اللهم فيك الأمل، ومنك نسأل مواهب العلم والعمل، فاجعل ببركة هذا المقام جمعنا هذا سالماً من كدر الدنيا والآخره، وافتح علينا من بحر جودك الذي لا يدرك أحد زاخره، إنك أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال الإكرام. اللهم أجزل منح آلائك لآبائنأن وأول محاسن نعمائك جميع الغائبين والحاضرين من إخواننأن وجازعنا بفضلك بفضلك شيوخنا جزاءً أوفر، يعبق به على جميعهم في الدنيا والآخرة من رضوانك مسك أذفر، وأدم منتك التي لا تحصى على جميع المسلمين، في كل وقت وحين، واقرن بالسداد آراء الحكام، وكن الولي بمن قام بإحياء شعائر الإسلام، بجاه نبيك عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العاملين.
وعندما انتهيت من هاتيك العمال، مع ما اقترن بها من نجاح البلوغ إلى الآمال، والحمد لله على كل حال، أزمعنا على الخروج، من تلك المروج، فأمضيت ليلة رحيلنا عند الرجل الصالح البركة الفاضل الشيخ سيدي عمر العلاني، بلغه الله ممن السر إلى غاية الآماني، وقد اتخذ لنا تلك الليلة مبيتة رائقه، بالذكر والأحوال الفائقه، إلى أن تبلج علينا الصباح، فخرجنا لزيارة المقام البلوي بغاية الانشراح فزنا زيارة الوداع، ومعنا جم من أعيان تلك البقاع، وعند ذلك تممنا الزيارة وفصلت عن ذلك المكان بدموع مفضوضه، وكبد مرضوضه، أرى فرط مفارقته أشد المشقات، علي في تلك الأوقات، وقطعنا قاصدين الوطن القبلي، ونحن على يقين بالجد أمامنا ما يسلي:
كرامة
стр. 394
اتفق لي مع الشيخ العلاني أمر مهم وذلك أني لما أزمعت على الرحيل من القيروان انفتحت السماء كأفواه القرب فتوالت الأمطار هنالك أياماً عديدة، ومن عادتهم أنهم إذا توالت عليهم تلك المطر لا يخرجون للسفر، لأن أرضهم مزلقة وهناك بعض تكسير في وادي البوقال فلا يأمن المسافر أن يقع فيه، وكم غمر من مسافرين. وحيث عزمت على الرحيل والحالة ما ذكر تعرض غالب أهل البلد ومنعوني من الخروج في ذلك الوقت لكن لما أتممت خدمتي رأيت أن لا وجه إلى التأخر وتوكلت على الله في قصد السبيل، لكن ليلة السفر داخلتني بعض هواجس في الرحيل، والحالة ما ذكر، فاتفق لي لما توجهت إلى موادعة السيد نقيب الأشراف وجدت عنده الشيخ العلاني، فبينما كنا جالسين وأنا أفكر في سفر غد قال لي الشيخ على البديهة يا شيخ أنت لا تخف من وادي البوقال وإنما إذا وصلت أنزل من الكروسة وخذ فرساً واركبه وافطع الوادي على الفرس واترك الكروسة تخرج من الوادي وحدهأن وحين قال لي ذلك زادني الهاجس فتوقعت وقوع مكروه، وخرجت من هنالك على تلك الحالة ففي آخر العشي بينما كنت راجعاً لمحل نزولي اعترضني الشيخ فأعاد علي الدعوة إلى المبيتة التي دعاني لها من قبل فقلت له دعني لا آتيك أبداً فضحك وقال لي: لماذا والحال أن المبيتة عملتها لأجلك فقلت له لا يتأتى لك وأنت تقول لي إذا وصلت إلى الوادي أنزل وحيث إني أتكلف الخلاص بنفسي فلا يعنيكم مني شيء فقال لي ماذا تريد فقلت له أريد أن أقطع بكروستي وأكون في أمان بعنايتكم وإذا لم نر ذلك من رجال القيروان فلا يعنيكم من شيء فضحك وقال لي توجه واقطع الوادي بكروستك ولا سوء عليك وإنما إذ نزلتم الوادي قل بسم الله، فقلت له حينئذٍ نأتيك. ولكن لما خرجنا في الصباح في مشقات الخضخاض والزلق مع ما عندي من النوم نمت داخل الكروسة واستغرقت في النوم وما استيقظت إلا بتزلزل الكروسة من الوقوع في وسط الوادي انتبهت فسمعت خوض الدواب في الماء وسمعت صوت الشيخ مع الكرارسي ضاحكاً وهوة يقول له (انده) فتذكرت قوله سم باسم الله فسميت ولكن بقيت متحيراً من وجود الشيخ معنا مع أنه لم يركب معنا ولشدة ما عندي من النوم عاودني الهجوع فبقيت نائماً إلى الزوال فاستيقظت فإذا نحن تجاوزنا السواطير فتذكرت القصة فعملت أنها كرامة للشيخ، جزاه الله خيراً.
وكان دخولي إلى أولى قرى الوطن القبلي التي هي الحمامات صبيحة يوم الخميس الثامن عشر من شهر صفر الخير فقضيت بين تلك بقية الشهر، ورأيت تلك الأيام من حسنات الدهر، إذ أن أهاليها أصحاب سكينة ولين، من العملة المساكين، لا يعنيهم غير الاشتغال بشواغلهم الزراعية، وغيرها من المهمات التي عندهم مرعيه، وأقربها إلى الحضرية نابل التي ضمت وادي السحير، الذي هو من المنازه المخصبة بكل خير، وهو وادي مرمل رحب الساحة، تحيط به البساتين التي تبيح لكل نازل ارتياحه، وبحيث إنه لو كان حول الحاضرة لكان من أعز المنازه إذ هو المنزه الذي طاب بحقيقة الهواء والماء مجازه، غير أنه لم يكن به سعد فجاء على بعد، ولذلك قلت فيه: [البيسط]
جئتك يا وادي السحير في السحر ... بواكر السعد تهمي عنك كالمطرِ
أما بواكر نسمات الصبا فترى ... مهب أعطارها في ربعك الخضرِ
على بساط فقام الأنس يزهر في ... ميامنٍ وشمال موقف الشجر
لله ساحتك الغراء ما بسطت ... فيها الرمال من الترصيع بالدرر
حاطت جوانبك الأغصان مائسة ... بما به فجرت من يانع الثمر
وفي أجنتك اهتزت معاطفها ... تحكي معاطف ذات الدل والحور
تغشي المعاطس طيباً من أزاهرها ... إذ تزدهي بالصبا في ربعك النضر
تلقى سواجعها تبدي تراجعها ... من لحنها فتوازي نغمة الوتر
عذراً لها تسامت من مياهك لا ... من خمرة تدع الألباب في خور
ففي مياهك من لطف العذوبة ما ... يبري الشجي فيغدو جامع الفكر
يا واد يا ليت شملي فيك منتظم ... بأهل ودّي على ما ندري في السمر
إذ ذاك يسقي بكاسات الوداد وقد ... فاقت فخامتها عن مائك النمر
نحيي بظلّك من إيناسنا شرفاً ... منه الرصافة أحيت سالف العصر
إذ فيك روضة أنس لا نظير لها ... فيما رأيت وما لاقيت من خبر
стр. 395
لم تحك منوبة السمحا علاك بما ... أبدت بساتينها من رائق النظر
كلا ولا هاتك المرسى التي فرعت ... بشاطئ البحر والصفصاف والحبر
كلا ولا حلق وادينا وإن بهرت ... منه المحاسن في الآصال والبكر
نعم ولكنّ هاتيك الأماكن قد ... عزت بشمّ تساموا في ذوي الخصر
لطف الحضارة أضحى من شمائلهم ... وهم أسود شرى للدهر كالغرر
أعزة لا يزال السعد يتبعهم ... ينيخ رحله في مغناهم النَّضر
دامت منازلهم تسمو بهم شرفاً ... نلقى بهم بينهم إيناس ذي الوطر
وعند استقراري بالحمامات، تذكرت عهد الأحبة الذين كدت أن أتسلى عنهم بما كنت فيه من تلك المقامات، فهالني منهم تأخير المكاتيب، وإن كانت الطرق ممنوعة بما ذكرناه من توالي الشآبيبت، لكن على كل حال قد وصلني مكاتيب من غيرهم، فرأيتها من أعز ميرهم، وهي أني استفدت الإخوان على بعد الحال. وهنا ينبغي أن لا ننسى كثرة مكاتيب العالم النحرير، الفاضل البديع التحرير عالم الثبات والديانة. وحسن الأمانة والصيانة، أستاذي الشيخ سيدي الحاج أحمد الورتتاني، بلغه الله الأماني، كان أعقبني في الساحل لحل بعض العقد، التي أعجزني أمرها في هاتيكم البلد، وبسبب فيما بيننا من المسافة كنت أسترشده بعدة مكاتيب وهو يجيبني حفظه الله عن ذلك إجابة مشافهة. كما لا ننسى ما كان يمتن علي به جناب العزيز الرفيع العماد بين ذوي الألباب درة العقد الحسيني، صحصحي وقرة عيني، الدراكة البارع، والخلاصة الذي لأعلام المفاخر فارع، باذل العناية في التعلمات، المحصل على أعز الكمالات، الشهم الهمام المرفع شأنه سيدي محمد الناصر باي أبقاه الله ومما يحسن إيراده هنا ما كاتبني به بعض المكاتيب وهو أنه أسلم على يديه رجل نصراني كان بستانياً عنده حقق الله ثوابه آمين.
أما العصابة الأدبية فحين استيقظت لبعدهم كاتبتهم بما وجدت من بعدهم وهذا نص ما كاتبتهم به: [الكامل]
ما للوداد مقره في الأضلعِ ... والآن طيب رقومه لم يطلعِ
هل عاد رسمه عافياً فذوى به ... غصن اليراع ولم يقم في مربع
أم أن شخصه قد هوى بسلوه ... في هوة ناءت بذاك المنزع
أم أن نسج عناكب النسيان قد ... أغناه عن حلي النسيج الأبدع
تالله ما خلت التناءي دارساً ... لمعالم الود القديم الأرفع
كلا ولا خلت الأحبّة كلهم ... يتواطؤونا عن مزيد تمنع
صرفوا حبال الود عني وانثنوا ... ولهم بهذا البعد فخر تولّع
حتى رأيت شهود قلبي فيهم ... بمجرح الهجر الوخيم المرتع
ماكنت أحسب أن حق الود لا ... يقضي هوى بالقرب بين الأربع
إذ هذه ليست بشيمة من بهم ... نرعى من الإيناس أخضل ممرع
وهم الألى أرتضعوا أفاويق الوفا ... ق من الرفاق ذي المقام الأرفع
أهل الوداد وأنس تونس من بهم ... أبدت محاسن كل شهم أروع
دامت كواكب سعدهم من أفقها ... تبدي ازدراء بالبدور اللمع
حيهلا بجمع الإخوان، الذين نتاءوا عن العيان، حين تقاصى بنا المكان، السادات الأعيان، المتطلعين غررا فغي جبهة الزمان، الألباء الحائزين في المعقول والمنقول قصبات السبق والإحسان، المجلين على مشاهير الإيمة في كل ميدان، انتقاء روحي ومن لم أزل أدير بذكري مكارمهم كؤوس غبوقي وصبوحي، شموس المعارف الكبرى، وأعلام العلوم الذين أعلى الله لهم في الخافقين ذكرأن أدباء العصر، وبدور ذلك المصر، والشبان الذين كشفوا عن محيا النجابة والبراعة لثاماً والخلان الذين تاج بهم جليسهم إذ نال بهم التثامأن أوتاد بيوت المفاخر، وبحور الفضائل والمكارم الزواخر، وأصدقائي وأخلائي، وأحبتي وأودائي الذين ألاقي صفاء صفاء مودتهم بالتبجيل، وأنى لي بتسمية خيارهم ولم بحتج النهار إلى دليل، إذ هم الإخوان الذين تفيأت معهم ظلال المفاخرة والعرفان، واتخذت كل شهم منهم شهم منهم سهماً أرمي به أكباد الأعادي، واعتضدت منهم بكل أروع أودع عنده نفائس ودادي.
стр. 396
أما بعد إهداء تحية تعبق على جميعهم بإحياء رميم الوداد، وتحرك ما سكن من الشوق في صميم الفؤاد، ترفعها إليهم أكف التكريم، في محافل التبجيل والتعظيم، وتسقيهم من سلسبيل المودة أعذب الكؤوس، فإن مكاتبهم رهين مودتهم من ألم النفوس، فيا للعجب العجاب، وللسادة الأخلاء الأحباب أدام الله حفظكم، وأجزل من العز حظكم، إذ لم أدر موجب تناسيهم الوداد، عند العباد، وعهدي أنه بذلك يزداد التضاعف، وبما أثمرت غراسته، في افئدتكم ما يدنو بكل قاطف، فتعمدتم الهجر والبخل بالكتاب، وأنتم من ذوي الألباب الخبيرين بألم الشوق، وإن شب عمره عندنا على الطوق، على أن رد السلام، واجب في شريعة الإسلام، وترك الحقوق، مؤذن بالعقوق، وأر أني لا أحتاج إلى إطناب هاتة المقالة بما تتحققونه من هاته الولاية أما إن نشرت بساط حقوق المودة، فلا أقدر أن أفي لكم بذكر ما أخللتم به من هاته المدة، على أنني على تراكم الأشغال قد تخيرت جهد لمقل عن الإخلال فأنا سائل عن جميع جموعكم أدام الله لها السلامة، وأنا والمنة لله، على ما يرضيكم من الاستقامة، إذ كادت فضائل القيروان المأمونة، أن تنسيني محاسن تونس المصونة، إذ لاقيت من برور أبنائهأن ما تأسس عليه شامخ بنائهأن ولا أظن أني وفيت حقهم لو أنصفت بما ذكرت في قصيدة رحلتي الواصلة إليكم، إذ وصفت لكم على أن الله قد امتن علي بختم شمائل المصفى في مقام صاحبه الجليل، وقد أتيت على القريب من نصفه دراية وأتممته رواية حين أدركني الرحيل، والله إني لم أنس واحداً من أحبتي في ذلك الحرم، فالحمد لله على تلك النعم، إلا أن الله ﷻ ، قضى على ل وصل بالفراق ومنع بمقتضى حكمته في هاته الدنيا بقاء التلاق، ولم يسعنا عند ذلك إلا اعتماد مفارقة تلك الروضة ففصلت عنها بكبد مرضوضة، ودموع مفضوضة، ففارقت ذلك البلد بعد أن صبرت على فراقكم وفراق أهلي، وأحلتني المقادير الآن بالوطن القبلي، نسأل الله سبحانه أن ينجح لنا الأعمال ويبلغنا بعد البعاد عنكم من القرب غاية الآمال، بمنه وكرمه والسلام، وكتب في الحمامات يوم ١٩ الجمعة من صفر سنة ١٢٩٢ اثنتين وسبعين ومائتين وألف.
فكاتبني مجيباً عن ذلك جناب الشيخ سيدي محمد بن الخوجة بما نصه: [الكامل]
ما للعتاب هفا بريح زعزعِ ... ترك الجوانح منه ذاتَ تروّعَ
أو ما جزمت بأن ذكرك لم يزل ... طول الليالي سمير هذي الأضلع
حاشا المودة أن يهد حصونها ... ما جاء من هذا الأودّ الأبرع
فاثن العنان عن العتاب ولا تخلْ ... أنّا سلونا أنت أنت المدعي
كيف السلو عن الحبيب وشخصه ... ما أن يريم عن الفؤاد الموجع
إيه فقد أحييت عاطشَ أكبدٍ ... بزلال نظم كان أعذب مشرع
فجرّته الراح الحلال فكلنا ... مترنح الأعطاف حلف تولع
إيه أيها الأخ الثاوي بسويداء الفؤاد وإن نأى قراره، الذي ما إن قر لرهين أشواق وصريع بعاده قراره، كيف الصبر فإنه لا يطيب على الحبيب، وأنى للعين أن تسلو سلو المقصر عن إنسانها المبصر كلا والعيون الدعج والمباسم الفلج والقدود الميس والثغور اللعس وما بعدها من إليه لكل نفس ألمعية، ولا أزيد على الكلمة البيرمية:
стр. 397
أيحسم لي أم بالوفاء يليق، ساوي كلامك لذاك طريق هذا وإليك تحيات تناسب أريحية تلك الشمائل، وأطيب من زهرات الخمائل، من محب جمع الأشواق، لذيذ التلاق، ولا أطيل في بنان التشوق، فتخاله من التملق والتأنق، ونغدل عن عادة المترددين في الإطالة، إلى لدعاء بجمع الشمل على أحسم حاله، حتى تجلو العين بإثمد لقياكم قذاهأن وترتع النفس في رياض مناهأن هذا وإني كاتبت جنابكم جواباً عن مكتوبكم الكريم، المتلقى بغاية المسرة والتعظيم، الوارد علي منذ أسابيع وكان جوابي تلوه بقليل أيام كما تطلع على تاريخه إذا اتصل بكم، وهو الآن بالقيروان وإن أرسلته مع الطريق الذي جاء بكتابك وقد بسطنا فيه القول، وخلطنا الجد بالهزل، وأطلنا فيه مجاد الكلام، كما هو المطلوب في مخاطبة الإخوان الكرام ومن جملة فصوله وقد وصلت الخميس للمرأة التي حركت بحسن مدحك فراشها ساكن أشواقها وأقمت قيامة خلق باقهأن هذا وقد اطلعنا على القصيدة الفريدة، المزرية بشعر أبي عبيدة، الضابرة في الإبداع بسهم مصيب، الحائزة من البلاغة المعلى والرقيب. وتلاها غلينا الأخ السيد محمد جعيط هي وتقريظها والمكتوب البديع كما تتلى المناشير فكل أثنى عليها غاية الثناء من غير نكير، والسلام من أخيكم محمد بن الوجة.
وقد أجبنه عن ذلك بما نصه: [الكامل]
إيه أعد ذكرى أولي الأحلامِ ... وأدرْ بمدحهمُ كؤوس مدامِ
واستحمل النسمات في تضخيمها ... من عابق التبجيل طيب سلام
كي تكنسي لطفاً إذا ما أهديت ... لمحمد ابن مشايخ الإسلام
حياك الله أيها المجلي في حلبة البراعة، النحرير الذي لم ينزع الألباء فيما تحكوه انتزاعه، الجهبذ الذي لم يطلع الفضل من غير أفقه، وقطرت اللطافة على يخرج من نطقه، العالم الوحيد، صاحب الرأي السديد، اليلمعي الفهامة، الذي لم يخك أحد نثره ولا نظامه، مالك أزمة الفصاحة والبلاغة، وإمام أيمة أهل النباغة، المتطلع على حداثة سنه في سائر الفنون، المستخرج بشص ذكائه فرائد جوهرها المكنون، أخي وصديقي، وهداية طريقي، عضدي الذي بإيناسه استنصر على جيوش الأشواق، وأجد بمخاطبته لذة التلاق، على طول الفراق، المر المذاق، سندي عمادي، وخلاصة أهل ودادي، الفاضل الزكي المدرس أخونا الشيخ سيدي محمد بن الخوجة، أدام الله صدور أهل وده بخالص موتده مثلوجه، وسيول آدابه في سائر الأقطار ثجوجة، ما دامت الليالي والأيام، وتناسقت جواهر البديع بغاية الانتظام.
أما بعد فقد شرفني كتابك، وراقني وأذاقني معسول البلاغة خطابك، فلله تلك السبع أبيات التي أنستني بها السبع المعلقات الشهيرة، إذ هفا ريحها على ذوي الفكرة بألطف من الشمائل العطيرة، فحركت مني ما سكن، وتداركت ما أصاب البدن، تناغث أجنتها علي بهاتيك البلايل، وكسرت جفن أعينها فلاقيت ما تفعله الدعج الذوابل: [الوافر]
لما وعيونها الدعج اللواتي ... أقامت للهدى العذري عذرا
لقد غطت على بصري وسمعي ... بملثوم حوى حبباً ودراً
فهبت علي من إيناسكم بذلك النسيم، وأذكرتني بقسمها العظيم، ما كنا نلاقي من طيب النعيم، وحين يجمع الله بيننا على الحالة المرضية لا محالة بهاتيك الألية، التي لا تخفى على مثلك من ذوي النفوس الألمعية، وأما كتابك لأول فما فزت منه بالوصال، على ما اشتمل عليه من نفائس المقال، ولقد كنا نترقبه رقبة الأعياد، حتى أيسنا أن نحظى منه بذل الإيراد، والآن رأيت من إيماض برقه ما تضاعف في شوقي إليه، ووددت التطوف حواليه، كي نرتاح بجده وهزله، ونفوز بنفائس غزله، ونرى ما وصفته به قصة المرأة عند تحريكها على أن جنابك لاقى منها ما ألصقته غرة بسرجهأن وإن بلغني فإني سأجول مع أخوتك في ذلك الميدان وأركض في مخلوع العنان، والله يديم عزكم وحفظكم والسلام، وكتب غرة ربيع الأنوار سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين وألف.
وقد ظهرت بمكتوبه المشار إليه في أثناء هذا المكتوب بعد الإياب وهذا نصه: أخي الفذ الوحيد في الكمالات التي شأوها بعيد عن أعين إخواني، متعلق خاطري وملهج لساني، الواحد الذي بذ الجموع، في معقول ومسموع، الندس المتوقد ذكاؤه، الثابت في أفق المعالي سناؤه، الأخ الذي ألهج بثنائه وابتهج بإخائه الشيخ سيدي محمد السنوسي حرس الله ساحته.
стр. 398
أما بعد بث ويل الأشواق، الذي لا يتحمل استقصاؤه كاهل الأوراق، ولا يبرد غلته إلا لذيذ التلاق، ضمن تحيات أبهج من محيا وسيم، وأعذب من طعم تسنيم، يحاكي سواد نقسهأن في بياض طرسهأن مقلة حوراء تترك القلب سقيماً ولا أزيد سيدي في وصف هاته التحية، والمحركة لتلك الأريحية، وإن كانت إطالة لكلام ربما تعلل بها للفؤاد، الذي أدفنه البعاد، فربما حصل بعض سلوان، من بطائق الإخوان، إذ ير بها آثار حبيبه، فتقوم رقيتها مقام طبيبه، ولا عن مرتبة الشهود، لا يحتاج لشهود، والمكاتبات، إنما هي تعللات، والأشباح فارقت أرواحهأن كيف تجد في البطائق حياتها واسترواحهأن ولا أطيل فربما يستريب الضمير، فيخالها من التأنقات في التعبير، فلنعج إلا الدعاء لك بالسلامة وبلوغ المراد حتى يتصل بروحه جسم هاته البلاد عقدا وأما نازلة المرأة التي حملت عباءها الثقيل، المرجو فيها لك الثواب الجزيل، فقد طوقت أخاك بالقيام فيها أي امتنان، وأقررت عين العجوز إذ تنوسيت في تسريح بإحسان لكن حركت ساكن اشتياقها وأقمت قيامة خان باقهأن حتى اعتقدت أن الخمسين التي وصلتها من صداقهأن ربما كانت شركاً يقتاد بها شارد حسن أخلاقهأن وهي ترغب غاية الرغبة، أن يتمم سيدي اتصال الصحبة، وهي تنش جنابكم هل الأمير يرى ذلي فيشفع لي، وتأمل في جنابكم أن يتكفل قاضي القضاة بتخليص البقية على يد أحد أعوانه بحسب ما قدر في كل شهر إلى تمام الأجل ومكانتكم منه تسوغ الاقتراح عليه في تكليف أحد أمناء أعوانه في تخليص ذلك ولذلك العون أجره عقداً وأما تبليغ السلام من جميع الإخوان فقد وفيت به ولكن عجبت من إغفالك لشيخين عظيمين الحشايشي وذلك الشيخ الشهير. والسلام من أخيكم المرتجي محمد بن الخوجة. وكتب أواسط صفر الخير.
وكاتبني أيضاً الشيخ سيدي محمد جعيط ما نصه: [الكامل]
جاءت من اللّسن الأديب الأبرع ... حسناء ترفل في حلي ترفّع
جرت ذيول التيه لما أشرقت ... منها شموس نسجُ حبر أبرع
جاءت وقد ناقت نفوس ذوي النهى ... لورود منهلك الشهي الأبدع
وأتت ولا عجبٌ بأغرب عتبها ... ياما أجلّ عتابها في مسمعي
فالعتب من طرف الحبيب محبب ... في شرعة لعشاق بعد تمنع
وقد أدعت أن الثنا ليَ دارس ... بمعالم الود القديم الأرفع
ورأت نزوح الكتب بين ذوي الوفا ... بين البعاد شهيدها إذ تدعي
كلا لعمري إن شاهد ما ادعت ... هجر بدا عندي لودي المودع
هل بعد تحقيق الحقائق عندكم ... لودادنا لمقره في الأضلع
يوريك تركي للبطائق سلوةً ... حاشا علاك سلوك هذا المهيع
بل إن لي عين اليقين بأنكم ... رمتم مطارحة الحبيب الأشجع
فأريته فتانة الألباب سا ... فرة الحجاب على وداد ممرع
وبها سررت كما تسر نفوسنا ... فوراً بيوم ظهور ذاك المطلع
وطفقت أنظر في لطيف جمالها ... حتى أزالتْ أختها للبرقع
تلك الفريدة قد أتى في طيها ... سحر البين في الطريف المودع
نظمت فضائل سادة سادوا العلا ... من كل شهم ماجد متورع
أصحابِ خلق الخير في غزواته ... حفّت معالمهم بنورٍ أسطع
بمدحكم لكم الجزا والفوز في ال ... دارين والرجعى بأربح ما سعى
لا زال يكلؤكَ الإله بحفظه ... وبعونه وهو المجيب إذا دعي
حتى تعود لهذه الخضرا على ... عجل فأنت ربيع هات الأربع
سيد إنسان عين الدهر، ومن استولى على ملك البلاغة بالباع والقهر، فهو غرة تاج المفاخر، ومصداق كم ترك الأول للآخر، ومن بز في حذق البيان على الفحول، وتحلى بحليتي المعقول والمنقول العلامة النحرير، والناقد البصير، والفاضل الذي لا يفي بمحاسنه التعبير، بدر المعارف، فأني لي أن أصرح باسمه معرفأن وأفضل من حاز التليد والطارف، فلا غرو إن لم أطل ذيل الكلام فالذي ملأ الكون من مفاخره كفى، حرس الله سناه، وأظفره بمناه.
стр. 399
أما بعد فإن ودي الأصم مكما تعلم لا يعارض ساطع برهان الوداد، تروح الكتب حين البعاد، وتحقيق الحقائق، بعد مسودات البطائق، ولله در من قال: المودة بانت محاملها وتصح دلائلها بمظنات الفؤاد، لا بمزرورات المواد، وأني لي أن أسلو على الصديق الأوفى، والحبيب الأصفى، والقرين الذي أقتطف منه أدبا ولطفأن وكيف يقع السلو والنسيان، بمغيبك على العيان، ومقرك في سويداء الجلجلان، ودلائل المودة قاطعة البرهان، ومآثر السيادة ساطعة للعيان، فإني لأذكر سيدي كلما طلعت الشمس، أو هب ريح في صباح وأمس أو نجم النجم أو عرض الغيث، أو لمع البرق أو ذكر الليث، أو ضحك الروض حين ما بشر بقدوم شباب الزمان، مثل ما هنا يوم قدومك إن شاء الله على زمرة الأهل والإخوان، فأين للشمس محياه، وللريح رياه، وللنجم علاه، وللغيث ما أسداه، وللبرق سناه، لليث حماه، وللروض سجاياه، ففي كل صالحة ذكراه، وفي كل حال أراه، فكيف أنساه، وأشده شوقاه، عسى الله أن يجمعنا وإياه، إنه مجيب الدوات ومانح العنايات ودمتم في حفظ وأمان، ويبلغك سلام شيخي الجميع سيدي محمد النجار والشيخ سيدي عمر بن الشيخ والسلام، من أخيكم محمد جعيط في ٢٧ صفر الخير سنة ١٢٩٢.
وكاتبني أيضاً الشيخ سيدي عمر بن أبي الضياف بما نصه.
أدام الله عافية أخينا الأبرع الجليل، الجهبذ الدراكة الحميل، حامل لواء الآداب، الآتي من بديع أساليبه بالعذب المستطاب، ذي الفكر الشفاف، الفرد المعدود بالآلاف، الذي سارت بأحاديث فضله الركبان، وتضمخت بعبير نظامه ونثاره عرصات البلدان، وكيف وهو الناظم الذي كؤوس نظامه تزري بالشمول، الناثر المزرية فرائده بالماس المصقول، الماجد الذي كرمت منه الأجناس وطابت الأصول، تاج المفرق وفضيلة المغرب على المشرق وإكليل العصر ومن أجليت له عرائس الأدب بدون قهر، العالم الكامل، الجامع لشتات الفضائل والفواضل الحبر الحلاحل، وبحر الداب الذي ليس له ساحل، أخي وعضدي والصارم الذي تصول به يدي، أخص بلك علم الأعلام وواحد الآحاد والحجة البينة على قولهم إخوان الوداد من إخوان الولاد، من لم أزل أدير في رياض أمداحه قداحي وكؤوسي، أبي عبد الله سيدي محمد السنوسي، أسبغ الله عليه ملابس إقباله وعرفه عوارف السعد في بكر الزمان وآله.
أما بعد إهداء سلام ألطف من النسيم مسراه، وأذكى مسراه، وأذكى من العنبر شميم رياه، فقد اتصل بنا كتابكم الكريم، المرصع بذلك الدر النظيم، المصحوب بجيوش العتب، لسائر الأحبة عن بخلهم بالكتب، القصيدة الفريدة التي نظمتموها في مدح صاحب رسول الله ﷺ وغيره من رجال القيروان، المزرية بعقود الجمان، فهنيئاً لكم بامتداحكم لذلك الجناب الرحب، بإحراز السعادة وأعلاه الكعب، هذا وإني إن رمت أن أقرر ما عندي من الخلوص الذي تألق نوره، وثبت في صحف الإخلاص مسطوره، تضاق عنها واسع القرطاس، وأني لي بعد الرمل والأنفاس، ولو رمت أن أعارض عتابك بجيوش أشواقي الجرارة لعجزتم عن الدفاع، وأخذتم في الاسترجاع، كما نشكركم أن شرفتمونا بإرسال السلام في جوابكم، الموجه لخاصة أحبابكم من جر على الخضراء ذيول التيه والفخر، وبلغ في الاعتلاء إلى أن اقتعد الجوزاء وانتعل البدر، البحر الزاخر، والدر الفاخر، من لم تزل مودته على منوال الصفا منسوجه، الشيخ سيدي محمد بن الخوجه، كما تعرفت منه أن بدركم حل بهالة نابل، ورائد محبتكم قد تمتع بتلك العيون الدعج والجفون الذوابل، فكأني سيدي إذا طابت بها داره، وأماط بها تعبت به أسفاره، وواصل برياضها الصبوح بالغبوق، وأنشد لسان حاله تروع الليالي ثم بعد تروق.
[الطويل]
فما شئت من روض أريض ومنظر ... نضير ومن ظل هناك ظليل
وكأني به إذا طال له المقيل، وكيف وإلى نابل يشتاق كل نبيل، فليكن سيدي بهاته النعمة التي جاد بها الدهر متعتيأن لا زال طائر أفراخه واقفاً على تلك الأغصان والربى، والسلام العاطر رياه، الرائق محياه، من مخلص الود عمر بن أبي الضياف.
وكاتبني الفاضل الذكي السيد محمد الحشايشي بطالعتها أبيات وهذا نصها: [الخفيف]
قم خليلي مبكراً للجنان ... وأطلب الخير من وجوه حسانِ
طاب وقت الربيع فاغتنم الصَّف ... وَوبادر إليه فالعمر فانِ
طيب عيشس اللبيب بالذوق والأن ... س وخلّ موافق ودنان
стр. 400
واجتل الكأس بين ورد وآسٍ ... وشقيق بدا كخدّ الغواني
واغتنم فرصة الربيع وواصل ... بنت فكر أتت من القيروان
تسلب العقل والفؤاد بوجه ... وبطوف در منضد وجمان
إن تدر كأسها تر القوم صرعى ... من سلافٍ رحيق تلك المعاني
كيف لا وهو نظم تلك المعالي ... اوحد العصر شمس هذا الزمان
ولما كان ثالث ربيع الأنور وفدت إلى الحاضرة التونسية آيبا يحدوني الشوق إلى بلادي، التي كنت عنها غائباً فرجعت راضياً من قومي وأنا أفضل عن الأمس يومي:
[البسيط]
وما أصاحبُ من قوم فأذكرهمْ ... إلا يزيدهمُ حباً أليّ همُ
وبذلك انتظم شملي بإخواني، الذين ارتضعت معهم أفاويق الأخلاق التونسية في سري وإعلاني، فاتصلت منا الأجسام، وحظي كلنا بغاية المرام، تبين لنا أن أيام السفر إلى تلك الجهات، قد أفادتنا يمن تلك الزيارات، ومعرفة أولئك المخلوقات وعرفنا به فضل الحاضرة عما سواها.
ولكن تبلغ نفسي بذلك إلى غاية مناها فإني إنما لي الأمل في الخروج إلى غير هذا العمل فيا ليت القدر يساعف بقطع الممالك الأوربية، والنظر في عوائد التمدنات التي لم نبلغ منها غلى نيل مزيه، والأمل في الله أن ييسر لنا السفر إلى جزيرة العرب للحصول على حج بيت الله الحرام، والفوز بزيارة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، تكون تل خاتمة الأسفار، وإنما يعنيني أن أقيم في بلادي بين هاته الديار، التي هي في نظري من أعز الأمصار، نسأل الله أن يحيطها بسياج الأمن المحيط، وأن يرقيها في مدارج الحضرية ويعز فيها محل خليط. وحين استقر بي القرار في بلادي، وبلغ بذلك إلى غاية مرادي، راسلت جناب أستاذي وعمدتي وملاذي، العلامة النحرير، الفاضل الشيخ سيدي سالم بو حاجب حيث إنه مقيم بقرنة من عمل إيطاليا في بعض مهمات الدولة وأعلمته بإيابي وأرسلت له بعض تحف ذلك السفر وكاتبته بما نصه: [لكامل]
عوجي بقلبي يا نسيمات الصَّبا ... لأفوز من حمل التحية بالحبا
إن كنت مثلي بالفؤاد عليلة ... ووددتِ أن تلقى بذاك ماربا
فاستورف الأظلال في بلد على ... زهر الخمائل أن تفتح في الربى
واستورف التضميخ كم بأريجه ... تبيح من يلقاك مسكاً مطيبا
واستقص ما أن نلت منه بغاية ... تلقى من الآمال أمراً معجبا
وابد اللطافة والظرافة عندما ... تهدي سلامي للهمام محببا
علمِ العلوم أبي النجاة المرتضى ... بمفاخرٍ ومكارمٍ لن تحسبا
فهو الذي أرواحنا تاقت له ... فتطايرت تبغي إليه المذهبا
ترجو بذاك لقيَّ مجدك سالما ... في رغد عيش بالممالك أخصبا
حيتك عوار الصدر يا أبا الروح، وضاحكتك ثغور السعود كلما تغو وتروح، وضمتك بأريج الاشتياق شذايا مودتنا التي لا تزال بحمد الله من أدواحنا تفوح، فهذا اشتياقي قد تناثرت أزهاره من طول الفراق، فهل من سبيل إلى التلاق، فإن البين أتى على أفئدتنا فطارت في أثركم، حيث لم ترض بما نتلقاه من محاسن خبركم، وأنى للنفس أن تكتفي بذلك ممن لم تستطع مزاياها أن تجلو كمالاته بحلاها ولا سبيل إلى تسلي العين عن إنسانها فإنك أدام الله عزك عين إنسان الكمالات وإنسان عينهأن أسير نفوس أبنائك على طول بنيهأن داركة المعقول والمنقول، لخبير بأغوار الفروع والأصول، كشاق دقائق العلوم، ومجلي خفيات الفهوم، إمام أيمة المعارف، المتخلي من مفاخره في أعز المطارف، محيي النفوس بدماثة الأخلاق وراض النفوس ثالث السعدين، المستظهر بمكارمه على القمرين النيرين، العالم العلامة، والحبر الفهامة، المبرز في مضمار كل مناضل، الهمام النحرير الفاضل، من له حاجب وليس له حاجب والدي الشيخ سيدي سالم بو حاجب أدام الله له الحفظ والأمن والسلامة، في الظعن والإقامة.
стр. 401
أما بعد التشرف بلثم تلك الراحة، لغير مباشرة لثمها لا أجد الأمنية من الاستراحة، فإن عبد مودتك في دروسك ينهي إلى جنابك تحيات عديدة، وأن لا أمل له إلا رجاء بطلعتكم السعيدة. هذا وإني أعلم جنابكم بأني ألخ ما تضمنه وقد كاتبني أبقاه الله تعالى ببا يملأ القلب سرورأن ويرصع تاج الآداب منظوماً ومنثورأن فرأيت أن أجعل هاته المكاتبة العزيزة لرحلتي خاتمة، وهي ليس لشيء من منشئها كاتمة، فلين هاته الرحلة أن تمت بهذا الختم الحسن، حيث أحرزت مثل هاته المكاتبة التي هي من أعظم المنن، وهذا نصه: الفاضل لكي اللوذعي، والبارع الأديب اليلمعي، المحيي من بيت مجده العلمي العلمي ما تنوسي، منزلة أعز أبنائي الشيخ سيدي محمد النسوسي، أدام الله خفظه، وأزل من سائر العرفان حظه، حتى لا تزال ترى شوارد الأدب، تنسل إلى وكر فكره الثاقب من كل حدب.
أما بعد التحية، الملائمة للوصلة الروحية، فقد شرفني كريم كتابك، وشنفني النظم والنثر من نفائس آدابك، فبعد قض ختمة العاطر، والاكتحال بمداده الذي هو جلاء النواظر، حمدت الله تعالى على نعمة العافية المستدامة، ثم على رجوعكم من السفر المرغوس بكل نجح وسلامة، ولو لم يكن من ذلك سوى الزورة القيروانية الكاملة للمخلصين أمثالكم ببلوغ كل أمنية، لكان غنماً كافيأن ومن مشاق السفر شافياً مع ما أشرتم إليه من تنبهكم للمقاصد التي تقصد من السفر، الذي هو كما قيل تهذيب وظفر، من توسيع دائرة العرفان، بمخالطة صنوف الإنسان، مشاهدة الاختلاف الواقع في عادات البلدان، وبالجملة فتوسيع ظفر المكان بمثابة طول الحياة الحاصل من سعة ظرف الزمان، وإطلاق عنان القلم في هذا المجال، ربما يخرج البطاقة عن مطابقة الحال، وقد نعمت نعم الله بالك، ونفى بلبالك، قريحتي الجامدة، وفكرتي التي هي لعدم المحركات خامدة، بالقصيدتين البديعتين، بل الخريدتين الرائعتين، فلقدت منهما منوالي الجد ولهزل كل برد قشيب، وحزت بهما منم أعلام البراعة المعلى والرقيب، ولما أعدت النظر في النونية وما بها من فنون الفتون، ذكرت قسم الله سبحانه بالقلم والنون، ولم يسع الفكر بعد استكشاف كنوناتهأن إلا أتن يسجد شكراً لله في محاريب حواجب نوناتهأن أما السحير النابليه بل السحرية البادلية، فحسبي أن أتمثل فيها بما قلته في مثلها: [السريع]
يا بنية الألباب ما نابل ... منشأك الأصلي بل بابل
كما أني لما أعدت النظر في مكتوبكم المذكور، وما احتوى عليه من جيد المنظوم والمنثور، عاودني الطرب ممزوجاً بالخجل، وصرت من نسبة تزكية النفس إليكم على وجل، واستشعرت حينئذ النفس، شاة الابن لأبيه وبالعكس، فأحجمت عن جوابكم تقديماً لدرء المفاسد على جلب المصالح، ثم استرجعت أن آخذ في هذه الجزئية بقول سمير الرابح، من راقب الناس إلخ فعند ذلك أخذت القلم عاجلأن وجاريتكم في ذلك الميدان وإن كنت راجلأن فقلت: [الكامل]
ما نسمة سحرية هبت صبا ... فنشقت منها عرف أيام الصِّبا
أو عرجت نحو الجنوب فأحدثت ... بين المضاجع والجنوب تجنبا
وأتى الجنوب بنقل ريّا أرضنا ... أشهى وأنعش للفؤاد من الصِّبا
قد ضم الأردان منها الرند وال ... نسرين لما صافحت تلك الربُّى
وروت حديث أحبتي مستجمعاً ... والنفس تفهمه بلحن معربا
والبحر حاول لأن يكون مترجما ... بجميع ألسنة اعتناء بالنبا
فتزاحمتْ في الشعر أنفس موجه ... وغدا بذلك مبهماً مستعصبا
وإذا وكالاتُ المقالات تكدرت ... بالمنطق الحاليّ أصفى مشرباً
بأرق طبعاً من رقيم موجز ... أبدى به مهديه ودّاً مطنبا
قد حمّل الآداب أمضى ما على ... فرض افتراض البربري ابنٌ ابا
در نظيم منه منظوم حكى ... حسن التناسق فيه ثغرا أشنبا
يروي صدى الصادي إلى مغناه إذ ... ويثيب ماس رويه المستعذبا
ألف وباء قبلها علمتني ... كيف اصطناع السحر من ألف وبا
وكأن منشيه رأى ترك التزا ... م الوزن في مهدي لجواهر أنسبا
فغدا يجود بأجودِ المنثور من ... غير اهتبالٍ أن يقدركم حبا
قلم جرى بمجال نظم ملجما ... ثم انبرى طلق العنان فلا كبا
هذا وكم قد أخصبت أنواره ... من روض فضل طالما قد أجدبا
стр. 402
إن كنت أره من ذهاب شبيبتي ... شعراً يلوح براس شعري أشيبا
فالآن ليس يسؤوني إن فاتني ... سن النجابة حيث أدعى منجبا
دم يا محمد في المعارف راقياً ... ثبتا مفيداً للأنام مهذبا
فبقلب تصحيف اسم نسبة بيتكم ... لا زال ركنا ثبت تونس مجتبى
تبه خادم العلم وأهله سالم بو حاجب في ١٤ جمادى الأولى سنة ١٢٩٢.
وناهيك بما تضمنه هذا المكتوب بما لاح على أبدع أسلوب وكأن العبارات لا تطيق شرح مزاياه، التي يجتلي من مراياه لا سيما القلب والتصحيف، الذي ارتكبه آخراً على الوجه المنيف، حتى صير سنوسي ثبت تونس، وهذا من بدائع المعاني التي هو لها خير مونس، وهذا المعنى إنساني به ما يعجب من التصحيف، الذي استعمله في لقبي المذكور، المقدس الشيخ سيدي محمود قابادو الشريف حيث ألغز لي بهذا الشعر النبيه، وهو قوله: [السريع]
تبينوا بيتي ففي تاجه ... فريدةٌ تزهى بها الطرَّه
والفرقدان تحت أقدامه ... فهو لجبهات العلا غرّهْ
وقد أجاب عنه العالم الشاعر الشيخ الحاج محمد طريفة المفتي بصفاقس فقال: [السريع]
نعم تبينا لغزك قد ... أبان ما يبدي لنا بشره
فلم يكن إلا سنوسيّ إذ ... معارف قد ملأت صدره
لكن تعجبنا لبيتك مع ... صغرٍ به كيف احتوى بحره
فعنى بالفريدة نقطة النون، وبالطره سينه الأولى، وجعل نقطتي يائه فرقدين تحت القدمين ليزيده إيضاحاً وشمولاً. نسأل الله أن يرحم السلف ويبقي الخلف، إنه ولي ذلك وهو حسبي ونعم الوكيل.
وكانت نهاية هاته العجالة في رجب الأصب سنة ١٢٩٢ اثنتين وتسعين مائتين وألف، على يد مؤلفها الفقير إلى ربه تعالى عبده محمد السنوسي خادم العلم الشريف أخذ الله بيده. آمين,
الرائد التونسي
هو صحيفة عربية تنشر كل أسبوع يوم الأربعاء عل لسان الدولة تتضمن الأخبار السياسية على وجه لا أذية فيه لإحدى الدول والأشخاص إلا أن يكون محكوماً علي من قبل الدولة، وقد نشر هذه الصحيفة في المملكة التونسية المشير الثالث محمد الصادق باشا باي في أوائل دولته سنة ١٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين وألف. وأول من تولى خطة إنشائها الشيخ محمود قابادو الشريف ثم تناقلتها الأيدي إلى أفضت تلك الخطة إلى العبد الضعيف أوائل شعبان الأكرم سنة ١٢٩٣ ثلاث وتسعين ومائتين وألف. وقد التزمت فيها إنشاء فصول في التربية والتهذيب جعلتها مقدمة لكل عدد زيادة على ما يعرض من الأدبيات، وقد حسم موقع جميع ذلك عند أرباب الصحف وتناقله بعضهم ووصلني من بعضهم مكاتيب خصوصية تتضمن تقريظ ذلك الصنيع.
وأول من كاتبني في هذا الموضوع مهنياً بمباشرة خطة إنشاء الرائد هو أستاذي العالم الشيخ سيدي سالم بو حاجب وهذا نصه ما كاتبني به: الجهبذ اللوذعي، النحرير اليلمعي، ودودنا وخدننأن وإن شئت قلت ابننأن الشيخ سيدي محمد السنوسي أدام الله حفظه، وصل بعين العناية لحظه، أما بعد السلام الأتم فقد حظيت بمكتوبكم المؤرخ بالأسبوع الماضي، وسرني كثيراً مال تضمنه من إحالة إنشاء الرائد إلى أفكاركم السليمة، وقريحتكم التي لا تزال تهطل على حدائق المهارق ديمة، فالآن يحق على الرائد أن يصدق قومه، ويقدم على الأمس يومه، ويوردهم من المناهل الأدبية أعذبهأن ومن المراتع الأنسية والفواكه التونسية أخصها وأطيبهأن فالله يتولى عونكم على إنارة وجو الإعلام، وصونكم من مزالق أقدام الأقلام، والسلام، ولم يتيسر لي مكاتبته بعد ذلك إلا بعد مضي مدة.
فكاتبت جنابه بما نصه: [الوافر]
أدير عليك مترعة الكؤوس ... بخمر منه إحياء النفوس
ومل تلك التي قد عتقوها ... قرونا وهي في بيت المجوس
ولكن هذه خمر حلال ... بوصل تحية النجل السنوسي
حياك لسع والإقبال، وحباك اليمين بغاية الآمال، أيها العالم الذي جاءت فاؤه بالسين، إيذاناً باستمرار معافاته على ممر السنين، العمدة الجليل، والفاضل الذي ليس له مثيل، تاج جبهة المفاخر، ومصداق كم ترك الأول للآخر، علم العلوم، ومعدن الإبداع في المنثور والمنظوم، سيدي وأستاذي، وعمدتي وملاذي: [البسيط]
لسنا نسيمك إجلالاً وتكرمة ... وقدرك المعتلي عن ذاك يكفينا
стр. 403
ويلي ذلك هو ابنكم قد ذهب به الشوق كل مذهب، ولم بجد غير مناهل المكاتبة منهلاً أعذب، بعد أن حالت بيني وبينها الأشغال التي تؤول إلا فخركم على كل حال، لا سيما وأخباركم نتلقاها في كل أسبوع وتحقيقي لإعذاركم إيانأن هو الذي سهل علي هذا التقصير، مع أن نشر المودة مع كل خافقة يسير، والسلام.
فكاتبني مجيباً عن ذلك بما نصه: [الوافر]
أدرت حميت صرف الخندريس ... كؤوسا قد نفت كرب النفوس
على فئة تعتَّقَ محتساها ... لبيت الشعر لا بيت المجوس
وتؤثر أن يكون لها مديراً ... مدير الرائد الشيخُ السنوسي
أما بعد السلام عليك أيها المدير البارع، والمستقر ببحر الآداب بلا منازع، فإن كريم كتابك قد شرف وشنف، وأزرى ببدائع من وقف واستوقف، حيت أرانا بمنظومه ومنثوره، المنخرطين في أسلاك سطوره، كيف يمزج الرحيق الحلال، بقراخ العذب الزلال، ولتشريك حاسة الشم مع السمع والبصر والذوق، أخذ يقذف ند الود فيما لدينا من مجامر الشوق، الله يشكر صنعك، ويديم للمستفيدين نفعك. أما من أشرتم إليه من الاعتذار عن تأخير المكاتبة، فهو مشترك الإلزام على فرض توجه المعاتبة، ثم إن كنتم تستفيدون أخبارنا مما نكتبه لعمدة الجميع، منحن أيضاً نتعرف أحوالكم السارة من رائدكم البديع، الذي لا يتخلف عنا في غالب الأسابيع، ولطالما نزهت حدق الفكر في حدائقه اليانعة واستعذبت موراد تهذيبه التي نرجو أن تكون بحول الله لأبناء الوطن نافعة، والله المسؤول أن يمدكم بمزيد المعونة، ويحمي من الأكدار والعوائد ساحتكم المصونة، والسلام.
ورد علي مكتوب من مدارس إحدى مدن الهند مرسل من الفاضل محمد نصر الدين محرر صحيفة شمس الأخبار الهندية وهذا نصه: الماجد الأثيل، والأديب النبيل، الشيخ محمد السنوسي، منشئ الرائد التونسي، دام لطفكم.
أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقد رأيت في جريدتكم الرائد التونسي أنكم وصفتم جريدتي شمس الأخيار المدارسي بخير أعزني وأفخرني وحثني على أن أشكركم وأجري بينكم المراسلات فإن المسلمين هم إخوان أينما كانوأن وإنما تحصل زيادة الألفة والاتحاد بالمراسلات إذا كانوا بعيدين، فنعرض على جنابكم بغاية الرجاء أن تتفضلوا علينا بإرسال جريدتكم في كل أسبوع على اسمي مبادلة ومعاوضة بجريدتي شمس الأخبار المدارسي وهي من أشهر الجرنالات الهندية وأعظمها قدراً فهذا غاية لطفكم ومنكم وإن تريدوا المبادلة والمعاوضة بجريدتي فأرسلوها إلي أيضاً فإني أرسل إلى حضرتكم ثمنهأن وليكن من معلومكم أن ورود الجرنالات من تلك الممالك المحروسة إلى طرفنا ينتج فوائد كثيرة للدولة التونسية الإسلامية وللمسلمين فهذا ما لزم الآن من الاطلاع. والله ناصركم ومعينكم وحافظكم من شر الحاسدين ومكر الماكرين، والسلام ختام من المحب محمد نصر الدين مدير شمس الأخبار المدارسي في ١٨ محرم ١٢٩٤.
فكاتبته مجيباً عن ذلك بما نصه: أيها المحب لخير أهلي ملته، وإن شسع عنهم ببلدته، أدام الله يراعك يروع أعداء الإسلام، ويحث على الوحدة التي هي سبب كل انتظام، أخص بذلك البارع الفصيح، صاحب الرأي النصيح، والحق الصريح، أخا العزائم الصادقة التي أعلامها مع شمس النهار خافقة، حضرة الفاضل الشيخ محمد نصر الدين المدارسي، أدام الله بمواصلته إيناسي، وأنجح سعيه في كل الأقطار، بما ينشره من شمس الأخبار، ما دام الليل والنهار.
أما بعد إهداء تحية السلام، إلى حضرتكم التي سعادتها من أعز المرام، فقد شرفني منك كتاب كريم، من أقصى الأقاليم، خاض في طلب مواصلتنا معظم البحور، وجابه من مهامه البراري كل موماة لا يمكن فيها العبور، طلب المواصلة للحمة الإسلامية بالخصوص، فرأينا مصداق حديث المؤمن كالبنيان المرصوص، فلا زالت بفضل الله هذه الأمة، متظاهر إلى ما يهمها من المصالح المهمه، فحيهلا بذلك الكتاب، وما احتوى عليه من فرط اللطف والاقتراب، حيانا عم وجه وسيم ولطافة تزري بعليل النسيم، إذ لاحت دواعي المودة الدينية توشيه، وتنادي بحسن سريرة منشيه: [الطويل]
كتاب أتى من شاسع الهند قاصدا ... مواصلة الدين المتين بتونس
فوافى إلى قلب خلي فأحكمت ... روابط إذ جاء من خير مونس
стр. 404
فتلقيناه بالإجلال ورأينا من أعظم نتائج الأعمال، وعدت مبتهجاً بوصول هاتيك الصحيفة التي لكل ثناء مستحقه، ولذلك أنشدت لوصلها بعد بعد الشقه: [الكامل]
عجباً لها أيذوق طعمَ وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها
كلا فلا عجب لسماحة مانحها الفاضل الكريم، الذي أحرز من قلوبنا أيمن الحب الصميم: [الطويل]
وكم من محب قد أحب وما رأى ... وعشق الفتى بالسمع مرتبة أخرى
إيه أيها الماجد أعد علي ذكر إخواني، الذين تقاصى عنهم مكاني، وتالله إن تحرك الدم الإسلامي، لا يبرح يتزايد النامي، وأنى للروح، أن تصبر على هذا النزوح، مع ما أحاط به العلم خبرأن مما لن تستطيع معه النفس صبراً نسأل الله أن يقرب هذا البين تحت راية الدين ويلي هذا أيها الأخ في الله يعز علينا أن تطلبوا منا صحيفتنا على الوجه الذي ذكرتموه في كتابكم، وصرحتم به في خطابكم، من أن إرسالها يكون على وجه المبادلة، أو أنه يكون بالثمن وما في ذلك من معامله، على الله عنك لماذا لا تكون المواصله، بسسب تواصل الدين حاصله، وهذه في شريعتنا أعظم القرب لأرباب الطاعات، فهلا تسمح لنا أن نتخذ هذه المواصلة قربة لرب القربات، لعلنا نستظل بها تحت ظل عرشه في يوم الحساب. أما أنا فإن مودتي لأهل ديني تحملني على مساعدتهم على ما تقبر به عيني، وأي ثمرة في حياتنا إن لم يكن سعينا في فوائد المسلمين جاريأن وهل للمسلم أن لا يساعد أخاه إن كان داريأن فليعلم أخي في الله أني أواصل الجهد في مواصلتكم في كل أسبوع، بثلاث أعداد من رائدنا إذا كنتم تستحسنون منه ذلك الموضوع، وزيادة على ذلك فإنه تصلك أعداد من الرائد، قد انتخبتها لحضرتكم بما اشتملت عليه من الفوائد، لعل موقعنا يحسن عندكم، وإن تفضلتم عنا بعد ذلك بصحيفتكم وفق رغبتنا فتلك فضيلة قد شرفتم بها عبدكم، ثم أستمد من مزيد فضائلكم التي واصلنا بينها وبيننا إن كانت بأقطاركم صحائف عربية تواصلون بينها وبيننا فترسلونها إلينا لنشاهد عيناً كما أنا نؤمل من خصية حضرتكم أن تسمحوا لنا بمكاتبة تشرحون لنا بها حال تلك الأقطار، وحال العلوم الدينية هنالك والفنون العربية والأشعار، فإنا منها في عماية البعاد، ولا نعرف لها ما يشتفي به المراد، بل وإن سمحتم لنا بمقابلة تشرح لنا هذا الشان، فإنما ننشره في هاته الممالك بين أهل الإيمان، نسأل الله أن يجمع كلمة الإسلام بجاه النبي ﵊. حرره الداعي لحضرتكم بنجاح المساعي، وخصب المراعي، معيد السلام على جنابكم خادم العلم الشريف بجامع الزيتونة عبد الله محمد السنوسي منشي الرائد التونسي، أخذ الله بيده. وكتب في ٢٧ صفر الخير سنة ١٢٩٤.
ووردت إلي مكاتبة من البارع الشهير تادرس أفندي وهبي معلم مدرسة اللغات بمصر القاهرة، وهذا نصها:
стр. 405
إلى من بلغ الآداب المراتب العالية، وتولى في دواوين الإنشاء المناصب السامية، وذاع صيته بالبراعة في جميع الأقطار، واشتهر بالفضائل الغزيرة اشتهار ضوء الشمس في رابعة النهار، حفظه الله وأبقاه، وأدام عليه نعماه، فقد كلف منذ مدة بمعاني الأدب، والوقوف على أسرار لغة العرب، حيث ثبت أنه من أجل المطالب، وأعز المآرب، بل هو أولى ما فوق اللبيب سهم فكره إليه، وأحلى ما دأب في تحصيله والانعكاف عليه، ولم أزل لهجاً بذلك مع غاية الاجتهاد، سالكاً أقوم المسالك في تحصيل المراد، ولا سيما بمطالعة الصحائف الخيرية، والجرائد النشريه، التي كثرت خصوصاً في هذا العصر، وعم نفعها الأنام في كل مصر، بما اشتملت عليه من أخبار المفيدة، والنوادر الفريدة، والنصائح الجمه، والفوائد المهمه، وغير ذلك من المنافع التي يجل إحصاؤها ويعجز قلم البليغ استقصاؤهأن حتى إذا أسعدتني المقادير في ذات يوم، بزيارة حضرة أحمد أفندي العشي مع بعض القوم، تكرم علينا من بعض إحسانه، ومزيد فضله وامتنانه، ببعض صحف الأخيار، المحتوية على محاسن الآثار، فعند المطالعة فيهأن والوقوف على حقائق ظواهرها وخوافيهأن عثرنا على صحيفة الرائد، المشحونة بفرائد الفوائد، وإذا هي روضة فضل ثمرات فنونها يانعه، وحديقة أخبار اشتملت على ما رق من الفوائد النافعة، بل هي مرآة الأحوال، ومرقاة الآمال، وفلك السياسة المشحون، وكنز الكياسة المدفون، قد رصعت من جواهر البديع بمارق وغلأن ورصفت من بدائع الترصيع بما دق وعلأن فضلاً عما زينت به من الضروب الرائقة والأساليب الفائقة كيف لا وهي للأديب الفاضل، والأريب الكامل الذي لا يجاريه في ميدان البراعة مجار، ولا يباريه في حلبة الكمال مبار، حضرة السيد محمد السنوسي حفظه الله وأدام علاه. فحمدت الله سبحان وتعالى حيث وفقني للوقوف على هاته الصحيفة، والتقاط درر ألفاظها الرائقة المنيفة، وكانت قد طالت علي شقة الانتظار مدة، وبلغ الشوق مني لرؤيته حده، فقد ثبت عندي الآن صدق المثل الذي سارت به الركبان، من قول أهل الأدب ليس الخبر كالعيان، فتقبل يا سيدي من مثلي هذه الشهاده، بلغك الله الحسنى وزياده، نعم إني لست ممن يستحق أن ينظر إليه بعين الاعتبار، كما أني لست من فرسان هذا المضمار، غير أني كلفت بأن أكون من المقربين إليك، وإن تعاليت عن أن يكون مثلي من المحسوبين عليك، فبادرت بتحرير نميقتي هذه لجنابك، رجاء أن أحظى بانتظامي في سلك أصحابك، وفقك المولى لما يحبه ويرضاه، والسلام عليك ورحمة الله.
فكاتبته مجيباً عن ذلك بما نصه: أيها البارع الذي بذ في حلبة الإنشأن وتصرف في نفائس الأدب كيف شأن الشهم الفطن، الدراكة لأسرار ما خفي وبطن، صاحب الأخلاق الجميلة، والمكارم الجليلة، الأوحد الذي أجرى من نهر المفاخر سلسبيله، فنال من الفخر كل مقصد ووسيلة، حمى الله منازك، وقارن بالسداد أفكارك.
أما بعد فبينما كنت أنظر في مروج الأدب، وأتخير إليها المدب، حتى وقفت على أزهار رياضهأن وارتشفت سلسبيل حياضهأن إذ ضمخت أرداني بنفخ الطيب، وتتبعت من أحرز من أقداحه المعلى والرقيب، فإذا مسعدات الزمان، قد أتاحت إلي فرائد الجمان، وقلائد العقيان، في طي صحيفة ذات أفنان، بها من كل فاكهة زوجان، فرأيت منها ما ملأ القلب سرورأن والسطور، حبورأن قد تنمق منها بياض الطرس، بحسن سواد النقس، بما تبتهج به النفس، فطوراً كنت أرى ذلك من بقايا الليل في طالعة النهار، وتارة نراه أشبه شيء بدعج العيون الأحوار، على أن أيقظني ما فيها من المعاني الفائقة، والمباني المتناسقة، فأيقنت أنها منحة قد ساعد القديم وتحملت من مهديها نفائس الدرر، فيا من كتاب قد تحمل بنفائس الغرر: [الطويل]
كتاب أتى من مصر يعبق نشره ... وقبل افتضاض الختم قد بان بشره
رأينا به البديع منمقاً ... وعن محض ود قد تكشف سرُّه
وناهيك به من كتاب، يغازل الألباب صاغته قريحة لسان الأمم، وفارس حلبة الطرس والقلم، مجمع الألسن واللغات، ودراكة المعاني بسائر الطرقات: [السريع]
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
стр. 406
واهب الدر الثمين، ومجرى مناهل التعليم بالعذب المعين، الشاب الظريف، صاحب الخلق اللطيف، علي الكعب علي المتنبي، تادرس أفندي وهبي، لازال سعيه مشكورأن وبكل مزية مذكورأن فاتخذته أعظم عده، لمواصلة المودة، وأنى للبين، أن يقصر الخلة على العين، فشكراً لهاته الهبة العظيمة، التي اتخذتها فخراً وتميمه، وكفاني شهادتها التي تشهد لصاحبها بأعز شيمه، وإن كان استحسانكم لصحيفتنا التونسية، مما يؤكد أنكم إنما نظرتم لنا بالعين الرضية، وبذلك بادرت إليكم بإرسال أعداد هذا الشهر مع عدد في كل أسبوع، لعلكم تستحسنون منه ذلك الموضوع، وعلى كل حال فإنا نرجو من الله تعالى أن يحفظنا من مزالق الأقدام، ومزلات الأقلام، حرره خادم العلم الشريف بجامع الزيتونة محمد السنوسي، منشي الرائد التونسي، أخذ الله بيده تحريراً في ٢٥ ربيع الثاني ١٢٩٤ أربع وتسعين ومائتين وألف.
وقد أعاد علي المكاتبة مجيباً عن ذلك بما نصه: نخبة العلماء الأعيان، وعمدة فضلاء الزمان، العلم الشهير، والعلامة النحرير، صاحب المآثر المأثورة، والمفاخرة المشهورة، والمقالات الفريدة التي سارت بها الركبان، والرسائل المفيدة التي تشهد لجنابه بالفضل والفوقان، وأحرز قصب السبق في ميادين البيان، أدام الله إجلاله، وحرس بعين عنايته كماله.
أما بعد فبينما أنزه الطرف في رياض الأدب في بعض الأيام، مغتبطاً من أفنان فنونها ما نطفي به الأوام ويشفي من السقام، منكباً على مطالعة صحف الأخبار، المنبئة عما حدث من الوقائع في جميع الأقطار، حظيت بجريدتكم الغراء التي طالما تشوقت إليهأن وتشوفت إلى اجتلاء محاسنها والاطلاع عليهأن فاستدللت من رقة ألفاظها على أنك من أفراد فحول الرجال، السابقين في ميادين المقال، البالغين أسمى درجات الفضل والكمال، فكان ذلك باعثاً لي على تحرير نميقتي السابقة إليك، المتضمنة بعض ما يجب من الثناء عليك، وقد عددت ذلك من اعز المقاصد الجليلة، والوسائل الأدبية الجميلة، حيث إن دأبي التودد إلى كل من نبغ في الأدب، وبلغ من إحراز المعالي غاية الأرب، وإذا بكتاب منك قد تحمل نفائس الأداب، ويأخذ ما انطوى عليه من السحر الحلال بجامع الألباب، سرحت النظر في رياض ألفاظه الرائقة، معانيه الفائقة، ومبانيه المتناسقة، فأيقنت أني قصرت في الثناء عليك، بل أخطأت في إرسال مثله من التحرير إليك، لاسيما بما تضمنه من إرسال الرائد في كل أسبوع إلينأن وتضلكم بهذه المنن الكبرى والنعم العظمى علينأن ولم أعلم بأي ثناء أثني على كمالك، أم بأي لسان أشكرك على فضلك وإفضالك، وقد شاع صيتك بالبراعة وذاع، وملأ في كافة الممالك الإسلامية وغيرها الأسماع، حيث إنك القائم بالذب عن حقوق الأمة، المناضل بسنان اللسان عن مصالحها المهمة، فأطرقت خجلاً في ذلك المقام، والتمست عذراً ينفي عني الملام، فلم أجد سوى إحكام المحبة والوداد، فاعتمدت عليهما في ستر ما فرط مني على غير المراد، ثم لما كانت الهدايا أعظم عده، لمضاعفة المودة، أحببت أن أهديك بهدية فائقة، تكون بمقامك الجليل لائقة، فلم ألف افضل من العلم الشريف، الذي اشتهرت به في سائر الأقطار وقصرت همتك على درسه آناء الليل وأطراف النهار إليك برسالتي الموسومة بالخلاصة الذهبية، في علم العربية، مع اعترافي بأنها من سقط المتاع، لاتستحق أن تشتري ولا تباع، نعم غذ لحظتها الهمة العالية، وفازت بالرعاية السامية، اكتسبت شرفاً يتقيد في صحف الأخبار، ويتخلد في بطون التواريخ على ممر الإعصار، على كل حال، فالرجاء قبول هذه الهدية وتبليغ الداعي بذلك غاية المقاصد والأمنية.
كما أني أرجوك أن لا تحرمني رسائلك على الدوام، ومني إليك مزيد السلام، والتحية والإكرام الداعي تادرس أفندي وهبي معلم اللغات بمدرسة حارة السقائين بمصر القاهرة تحريراً في ٢٧ ج الأولى سنة ١٢٩٤ أربع وتسعين ومائتين وألف.
وكاتبني العالم الفاضل الشيخ ابراهيم الأحدب رئيس الكتاب بالمحكمة الشرعية ببيروت الشام ومنشيء صحيفة ثمرات الفنون بما نصه: [مجزوء الكامل]
نبهت بالحدق النواعسْ ... لهوى فواتكها الفوارسْ
وصبوت من بعد المشي? ... ?يب إلى لقا الغيد الأوانس
وهفا بلبي سالف ... أو عارض في خدّ كانس
كنست بقلبي غادة ... فتانة له في الكنائس
стр. 407
غراء شمس إن بدت ... تسبي بطلعتها الشمامس
وجبينها للمشتري ... إن سام مجلاه يماكس
رومية هنديها ... عالي الهوى فالقلب قابس
والحلي راح بصدرها ... لقلوبنا يبدي وساوس
حملت بطي إزارها ... ما زاد في أوزار بائس
تخطو فيبصر ذو الهوى ... فوق الكثيب الغصن مائس
قد كان لي من وجهها ... بشر يريني الظبي آنس
فالآن أنكرني بها ... حظ لآمالي يعاكس
ضحك المشيب بعارضي ... فرأيت منها الوجه عابس
فعليّ أن اعطي هوى ال? ... ?غادات والغيد الكوانس
وأحيل أغزالي بها ... مدحاً لها الإحسان حارس
وأخص فضل محمد ... منها بسوم غير باخس
الفاضل النَّدب الذي ... آدابه تجلي عرائس
مولى بدائع علمه ... شرحت صدوراً للمجالس
قد ألبس الآداب من ... حلل الثنا أبهى ملابس
ولنشرها قد قام يج? ... ?هد نفسه رغماً لجالس
قد رادَ رائدُ فكره ... حكماً تسوس أمور سائس
تجلي فتجلو ما به ... رغمت لشانيه معاطس
جلّى بها سبقاص فلم ... يلحق خطاه جري فارسْ
بعلاه تونس آنست ... مولى لعلياها مؤانس
فزهت بآدابٍ له ... لم تبتذلها كف لامس
واستوضحت بالدروس من? ... ?هُ معالماً كانت دوارس
إنشاؤه ينشي لنا ... سكر النفوس من النفائس
أهديه ذات عصابة ... للشكر تهزأ بالقلانس
حسبتْ عقود جمالها ... فجرت عليه بشرط حابس
لولا ارتيادُ ثنائه ... بقيت بخدر الفكر عانس
فأقبل محامدها ودع ... منْ وجهه بالذم دامس
لازلت تلبس من برو ... د الحمد ما يصفو للابس
ما طاب غرسك في ريا ... ض الفضل من طيب المغارس
стр. 408
وصلة الأدب، تقتضي بما تقتضيه لحمة النسب، وتحمل البعيد أن يحل بالقرب إلى صاحبه من كل حدب، وحكمة فنونه تحكم على الأديب أن يتفنن في ترسله وإنشائه، وأن يحمل يراعته أن تسجع بما تزهو به أوراقها زهو الروض بسجع ورقائه، فلهذا جنيت من طرح ثمرات الفنون، كما راد فكري أيها المولى الجليل في رائده ما قرت به عيون، وأتى بفصول وصلت بآدابها الحكم، وفصلت عقود من البادئع روائع بحلي ذات البند والعلم، فراق منثورها في ذلك الروض الأريض، ورق سجع ورقها في نواره فنظر إليه الحسن بطرف غضيض، وقد تعرف بذلك خليل ودك ابراهيم على رغم من لا يطيب له نشر، ووقف على الدقيق من جليله الذي حث أسراب المعاني فطاف نشره بالحشر، فاعترف بأنك بديع الزمان، وحسان البلاغة وسحبان البيان، حيث بعثت هؤلاء القوم بعارضة بيانك، ونشرت من محاسنهم ما زاد حسناً من إحسانك، فأنست بك تونس ولم تشك وحشة بفقد الأديب، ورأت من أنفاسك أبا الطيب فلم تبك من ذكرى الحبيب، وقد باهى الغرب بآدابك الشرق، وأدرك بك الجامع ما بين القطرين من الفرق، إذ كان لذكرك في مفرق غانية الأدب أطيب عبق، ولشكرك بكل لسان ما يسوغ في لهاة الولي فيدع العدد عاني شرق، (فإنك الفاتح لما اغلق من أنداب أبواب الفنون، والخاتم لما سبق من آيات الفضائل التي عظمت لها شؤون، ختمت بك يا محمد رسل البديع فلم تصدق بدعوى رسالة لسواك، وأتى كلامك بما هو فوق طوق البشر من معجزه الذي وصلته بكل كرامة يداك، ولا تنكر كرامات محمد عند الله ومعجزاته، وقد جاءت خوارق للعادات في دعوى الرسالة آياته، ولا عبرة بمن جحد الحق كفرأن وزاد بإصراره على الباطل إصرأن وإن ابراهيم الذي وفىّ مصدق بدعواك، ومتشوق إلى زيادة تصديق الخبر بالخبر عند رؤياك) وثناؤه متوال عليك وغن كان من أهل السنة بلامين، وهو يحب الحسن ولا ينسى ما عليه في تونس أيادي الحسين، كما لايزال يرتل آيات الشكر في صفحة لنجل اسماعيل، ويعترف أن رقيق فضله عليه في كل حين جليل، فاعرف ذلك ايها المولى الكريم، واحفظ بما يكون صنائع النشر خلة ابراهيم، وأقبل هاته الأبيات التي استوحشت من سواك وهي بك أوانس، وقد أحدق بها الحسن فتشبهت بها الحدق النواعس، والله تعالى يديم يراعك قائماً بتسطير الحسنات وإن كان يعبد الله على حرف، ويخلد عرفك في أولياء محبتك بما يصيب له على رغم معاطس الأعداء عرف، ويفتح على هذا المحب من الخير ما لايغلق له باب، ويجعل خطى قلمه غير خاطئة في ثنائك على طريق الصواب، اللهم آمين في ذي القعدة سنة ١٢٩٧، الداعي كتاب محكمة بيروت الشرعية محرر ثمرات الفنون ابراهيم الأحدب والسلام.
وكتبت إليه مجيباً بقولي: [مجزوء الكامل]
بسمت لنا عن ثغرِ لاعسْ ... فسبت بكسر جفون ناعس
عربية الأعراق قد ... أزرت برائعة الكنائس
تهتز من خيلائها ... تيهاً على شم المعاطس
وتجر ذيلاً مثلما ... قد جر منه الذيل طاوس
وتميس في أردانها ... فترى جواذب قدّ مائس
وهناك تستبيء النهي ... وتبين فتكاً بالفوارس
فترى القلوب تذوب في ... أرجائها من نار قابس
لكنها كانت سلا ... ماً وهي برد في المجالس
إذ مسها إذاك اب? ... ?راهيم مصداق النفائس
المرتدي من فخره ... وكماله بحلي الملابس
من قد زهت آدابه ... فسما بها طيب المغارس
شيمت من الشام الذي ... شادت به فخر العرائس
ولمثل ذاك أنا بها ... في تونس الإيناس آنس
وردت كما جاء الشفا ... للذ من الحيوان آيس
فغدت مبتهجاً بها ... أروي حلاها للمجالس
وأرى التصابي بالمها ... لا أختشي من لوم حارس
وأقول إني للهوى ... نبِّهتَ بالحدق النواعس
стр. 409
بمعيشك في رياض الهوى أيها النسيم، تحمل ما عليه الفؤاد قد انطوى مما لعلك تؤدي به تحية ابراهيم، وإن كنت قد صافحت رياض اللهو عليلأن ومررت على خمائلها بليلأن فضعفت عن حمل تحية يؤدي حملها سر التعظيم والتبجيل، ويبقى حديثها يرويه جيل بعد جيل، فإني لأستحملك من سر الوداد ما تتضمخ به الأردان، في القرب والبعاد لتتلقى من فتيق مسك المودة ما لم يزل في الفؤاد كامنأن وتدخل به مقام ابراهيم ومن دخله كان آمنأن فهذا مقام ابراهيم الذي وفى، وأبان من مفاخر بيانه آية لاتخفى، فقد رفع العوائد في شعره البديع من كل بيت، وأحيا صريع الغواني بعد أن كان أشهر ميت، فيا لله دره حيث أبدع المعاني وأحكم بيانها ترصيعاً وأفصح عن دقائق لم يحط واحد بها تعريفاً فكان فصيح اللسان والقلم، إن نثر أو نظم، بليغ الإرسال، العذب السلسال، وناهيك بماله في ثمرات الفنون، من الدر المصون، والجوهر المكنون، الذي قد قره لجميع العيون، وكم دار رائد أفكارنا تلك الثمرات، فأصبح يستظهر بالآيات البينات، ولئن جاء كما شاء الفؤاد مقبولاً لطيفاً (فإن محمداً قد اتبع ملة ابراهيم حنيفاً) . أما المودة فقد تخللت سويداء الفؤاد ولن تجد عنك تحويلأن ولا غروان كان ذلك فإني قد اتخذت ابراهيم خليلأن فدم أيها الخليل، مفخراً للوداد تحيي سنة الخليل، وتعيد بعلمك حديث سيبويه والخليل، ونحن مع ما لكم عنا من البعاد، قد رأينا مقرك في الفؤاد، ولو علمنا أن ابراهيم لايخاف حر النار، لنقلناك من الفؤاد الذي نار اشتياقه إلى لقياك لازالت ذات إشعار، ولكن فقد علمنا ما اختص به مقام ودكم العظيم، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم، فمهلاً على محب قد أصيب من بعادكم بما يكفيه، وأرفق من فضلك بقلب تملأه الحب حتى أحلك فيه، أو لم يكفك ذلك حتى أرسلت من عسال بنانك، وأسحار بيانك، بالغادة السحاره، والكاعب المختاررة، التي غطت على السمع والبصر، واستولت على ما بقي في عقولنا من الأثر، فأصبحت تزهو بطرر منساتهأن وتبث منا بالنهي في حركاتها وسكناتهأن وتعد ذلك من حسناتهأن حتى نبهتنا بالحدق النواعس من تحت ليل طرتها البهيم، فعلمنا أنها عذراء كلمتنا بصوت رخيم، من مقام ابراهيم، مجهزة الخصر تجر من ترفيلها ما كانت به أثوابها مذالة، فكان تذيلها على نخوتها أي دلالة، وحين تحققنا أنا من بيوت ابراهيم التي رفع منها أبدع القواعد، دخلنا لها من باب السلام وطفنا حول هاتيك المشاهد، وتلقينا هاته المنة بالإجلال والترحاب، وقابلناها من بنات أفكارنا بهذا الكتاب، آملين من أبيها حسن القبول، وإدامة تواصل الوداد على وفق المأمول، والأمل في الله أن يجمع بين أشباحنأن كما جمع بين أرواحنأن والجسد مطية الروح، للتنعمات الحسية كلما تغدو أو تروح، نسأل الله أن يديم لكم الأمن والعافية ويسبل على الجميع برود لطفه الضافية وييسر تواصل مقولتي الأين بدون أين، حتى تبلغ بذلك إلى قرة العين، بجاه الحسن والحسين في ١٧ ذي الحجة سنة ١٢٩٧. الداعي خادم العلم الشريف بجامع الزيتونة محمد السنوسي، منشيء الرائد التونسي.
стр. 410
وحيث حسن موقع إنشاء الرائد عند الدولة قلدتني نيشان الافتخار من الصنف الثاني من أول وهلة في ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٥ خمس وتسعين ومائتين وألف على يد الوزير الأكبر مصطفى بن اسماعيل آغة وقد استكملت بإعانة الله في الاعتكاف على إنشاء الرائد رغبة في خدمة الوطن مدة خمس سنين إلى أن أتت على البلاد ليلة المحاق، ووطئت من السطوة الأجنبية بكل ساق، وتباعد أهل الدين عن أن يكونوا من آلات العدو، يبدير بهم ما شاء في الحركة والعدو، وعند ذلك استعذت الله أن أكون له لسانأن نقول ما يريده البغاة أو نستعمل في ذلك بنانأن حتى اختار لتلك الخطة المهملة أخأن من تصدى لأن يكون عين العدو وأذنه في الشدة والرخأن فكان له مع ذلك لساناً وبنانأن ووسع العدو شكراً وأهل الدين امتهانأن حتى ضجت من ذلك صحف أهل الإسلام، ولازالوا يشددون التقريع لمن هم كالأنعام بل هم أضل، وكلهم مرق مروق السهم ووقع في الوحل، لكن على حال قد من الله علي وله الحمد بالعتق من تلك الربقة الخطيرة وفصلت عنها بعين قريرة، وإن أوقع ذلك حسرة في عموم أهل البلاد، وحسرتنا على ما أصاب الدين أعظم في هذا السواد، نسأل الله أن يجبر صدع الإسلام، بجاه نبيه ﵊، وقد جمعت ما أدعته في الرائد في اللطائف والترتيبات في كتاب سميته (غرر الفوائد بمحاسن الرائد) وقد كتب عليه أخونا الشيخ محمد بن الخوجة: [مجزوء الكامل]
غرر الفرائد جمَّلتْ ... جيد العلا ببدائعِ
لازلت تظهر مثله ... وتحوز شكر السامع
وهنا نتمم الفائدة بذكر نسب من صاهرت حيث كان فيهم نسب بضعتي حفظاً لحرمة النسب الذي أمر الله بحفظه.
القليبيون
والد أهلي هو أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الله بن الحاج حسين السلاوي المغربي، من ذرية الولي الصالح الشيخ عبد الله بن حسون دفين بلدسلا ﵁. وكان ميلاد ابنته المذكورة في شعبان الأكرم سنة ١٢٧٩ تسع وسبعين ومائتين وألف، وكان بنائي عليها ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شعبان الأكرم سنة ١٢٩٤ أربع وتسعين ومائتين وألف.
стр. 411
أما والدها فقد ولد سنة ١٢٥٢ اثنين وخمسين، ونشأ بين يدي والده، وقرأ مبادئ من الفقه والعربية، واشتغل بالكتابة، فعد من بارعي الكتاب استكتب مدة في الرابطة ثم استخدم كاتباً خصوصاص مع الوزير الأكبر مصطفى خراندار بعد وفاة والده وعند عزل مخدومه ترك الخدمة ولازم داره وفاء بحسن عهد مخدومه. وولد والده محمد سنة ١٢٣٦، وكان كاتباً بارعاً تقدم للكتابة في وزارة البحر وتدرج فيها إلى أن صار رئيساً وسافر مع الوزير خير الدين لباريس في محاسبة محمود بن عياد، ثم خرج لحج بيت الله الحرام فتوفي بمكة بعد أداء فريضة الحج وكانت وفاته ليلة الجمعة السابع عشر من ذي الحجة الحرام سنة ١٢٨١ إحدى وثمانين ومائتين وألف ودفن بالمعلا. وكان والده الشيخ أبو عبد الله محمد بفتح أوله جليلاً ولد بإقليبية سنة ١١٩١ إحدى وتسعين ومائة وألف، وقدم إلى تونس في طلب العلم الشريف فقرأ على الشيخ صالح الكواش وغيره وتفقه وحصل حتى صار عالماً فاضلاً فقدمه الأمير حسين بأي لحظة الفتيا ببلد بنزرت فأقام بها إلى أن توفي ليلة الأربعاء سادس شوال سنة ١٢٥٣ ثلاث وخمسين ومائتين وألف، ودفن امام ضريح سيدي عنان بنزرت عليه رحمة الله. وكان والده عبد الله ولد بإقلبية وتزوج هنالك برقية بنت محمد الزكراوي القليبي ووالدتها آمنة بنت الشريف الصالح الشيخ محمد الإمام، وأمها هي الشريفة العانس الجلازية فكان لابنه الشيخ المفتي شرف من قبل أمه حسبما نذكر نسبهأن وكان الأبر الحاج حسن السلاوي المغربي قدم من بلد سلا من عمل المغرب إلى تونس فنزل بإقلبية أواسط القرن الثاني عشر، والمتناقل عن بيتهم أنه من حفدة الولي الصالح الشيخ عبد الله بن حسون صاحب المشهد الفاخر ببلد سلا ﵁ من بني حسون الأندلسيين أصحاب الذكر في مشاهير الأندلس وهو رجل من الصالحين الكمل قد تجمل به وسط القرن الحادي عشر، وقد نقل الحسن اليوسي في محاضراته عن الحاج الدلائي انه قال قدمت إلى الولي الصالح سيدي عبد الله بن حسون دفين سلا فقعدت إلى جنبه وقد مد رجليه، والأعراب متساقطون عليه يقبلون يده ورجليه، قال فخطر ببالي انه كيف أطلق هذا الرجل نفسه للناس هكذا قال: فلم يتم الخاطر وإلا وقد قال: أيها الناس رجل قيل له من مس لحمك لم تمسه النار أو لم تأكله النار أو نحو هذأن أو يبخل بنفسه على المسلمين، قال فلما سمعت كلامه وعلمت أنه على خاطري تكلم فتبت إلى الله تعالى في نفسي فجعلت إذا مد إليه أحد كاغداً وكان يكتب الحروز تلقيته من يده وناولته الشيخ وقبلت يده فإذا كتبه أخذته منه وقبلت يده فيحصل لأي في كل حرز قبلتان، قال ورأيت أموراً أشكلت علي منها أنه يؤتى بالثياب هدية وصدقة فيأمر بها فترمي في بيت وتبقى كذلك يأكلها السوس، ومنها انه في كل يوم يصبح عليه أهل الآلات فيضربون إليه. قلت أما الثياب فالذي يظهر من أمرها إما غنية حصلت للشيخ عنها وليس ذلك بمستنكر على أمثاله من المشتهرين في ذكره، وإما خارج مخرج القلنسوة التي رمي بها الإمام الشبلي في النار والمائة دينار التي رمي بها في دجلة وتأويل ذلك معروف عند أهل الطريق لا نطيل به وتأويل الآلات فإما أن يكون يستفيد من تلك الأصوات أسراراً أو معاني ﵁ وعن سائر أولياء الله.
(وقد لحقت هنونة زوجتي المذكورة بالدار الآخرة يوم السبت بعد زوال خامس شوال سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف، ودفنت بمقبرة السقائين من الزلاج ومن لطيف ما وصلني في شانها المكتوب الآتي نصه: المقام الذي نرجو من الله بقاء جنابه، وتعظيم أجره على عظيم مصابه، مقام الجهبذ العلامة، الذي لا يقوم غيره مقامه، قطب دائرة المعارف ومركزهأن وحائز قصبات السبق فيها ومحرزهأن قديم الود، وعديم الند، وزكي الأصل، وذكي الفصل، محرر المسائل، ومقنع السائل، ذلك الفذ الذي لا تسع كمالاته طروسي، الأمجد الأحسب والأبرع الأكتب أبو عبد الله الشيخ سيدي محمد السنوسي، أطال الله بقاءه، وأجزل على عظيم مصابه جزاءه.
стр. 412
أما بعد إهداء سلام تحمله إليكم أنفاس متصاعدة، وترد به عليكم أجناس من الأشواق متعاضدة، فإنه لا يخفى على جنابكم الأجل، أن الأمر كله لله ، وإنه لا يسأل عما يفعل ولا عما فعل، وأن العلم بهذه القاعدة مما يبرد حر الأنفاس المتصاعدة، ولولا العلم بها على التفصيل، لفتك بنا مصابكم بذلك الخطب الجليل، ألا وهو فقدكم لزوجتكم المرحومة، التي هي إن شاء الله بالخير والصلاح موسومة، برد الله ثراهأن وعرفها فضله وأدراهأن وأسكنها من الجنة غرفهأن وأنالها منه طرفهأن وقد عظم علينا مصابكم بذلك الفقدان، حتى أنساني الأفراح التي كنت أختلسها من الزمان، فإني كنت مسروراً بختان ابني فما راعني إلا أن ورد نبأ مصابكم علي فأبدل بالترح، ما كان من الفرح لدي، وقال لي حي على الحزن حي، فنزعت عما كنت فيه، وعلمت أن الزمان لا يصفو لغير بنيه، ولكن حيث كان الموت فرضاً على الأعيان، وحتماً على كل إنسان، فلا أسف ولا جزع، والخير فيما وقع، على أن الجازع بعد الفوت، لا يسمع لجزعه صوت، ولا سيما مع ملاحة قوله تعالى: (يوجد آية) ، وح لا يسعنا غلا الانقياد والإذعان، لأحكام الملك الديان، الذي نرجو منه أن يخفف عنا وعنكم ما ثقل من هذه الأحزان بتحقيق ما نطق به الفال عن صميم الجنان، تاريخاً لتلك الفقيدة الفائزة إن شاء الله بأحب نفعة لها في الجنان، في قولنا على لسان الجود والفضل والإحسان، يا رضوان أنزل زوجة السنوسي بأحب الجنان، فناهيك من فال دل على ما للفقيدة عن شاء الله من حسن المال، فالزم يا أخي الصبر حتى يعظم لك الثواب، وتقع الصلاة عليك من الملك الوهاب، وأحمد الله الذي جعل في صحيفتكم ثواب مصيبتهأن ولم يجعل ثواب مصابها بكم في صحيفتهأن وقل كما قال الصابرون إنا لله وإنا إليه راجعون، والله المسؤول، بنبيه الرسول، أن يعاملها بالإحسان، وأن يخلع على الجميع خلع الرضوان، وأن يحسن فيها عزائكم، ويجزل على مصابكم بها جزاءكم، وأن لا يريكم بعدها ما تكرهونه، وأن يبلغكم من خيري الدارين ما تأملونه، وأن يحفظنا وإياكم من حوادث الليالي والأيام، وأن يبلغنا وإياكم من خيري الدارين كل مرام، بجاه سيدنا محمج ﵊، وعلى آله الكرام، وأصحابه المرجو بهم حسن الختام، حرره إليكم الداعي بدوام بقائكم في ظل عيش وريف، ودودكم الحاج محمد طريفة المفتي المالكي الشريف، في ٢٠ شوال سنة ١٣١٢) .
الجلازيون
قد سبق أن العانس الجلازية هي جدة آباء صهري وهي العانس بنت الشريف أبي الحسن علي بن عبد الله بن عبد القادر الجلازي من الأشراف العلاليين الذين ارتحلوا من المغرب ونزلت فرقة منهم بجبل مغيتر وفرقة نزلت بمصر وارتحلت منهم فرقة إلى أرض تونس فنزلوا بماطر ومنهم الجلازيون.
стр. 413
ارتحل السيد علي الجلازي من ماطر إلى دخلة المعاوين وسكن بإقليبية وتزوج هناك له العانس المذكورة كل ذلك استفدته من رسوم شرفهم التي تقتضي ثبوت اتصالهم بهلال بن سعد بن أحمد بن داود بن عباد بن عون بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن أدريس الأصغر بن أدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ فلو لدي شرف من قبل أمه زيادة على ماله من قبل أمه زيادة على ماله من قبل أبيه وهو وإن تخللته بعض الأمهات إلا أن الذين أفتى به الشيخ عبد الباقي الزرقاني هو أن شرف الأم يثبت به الشرف نظراً للولادة فابن الشريفة شريف وله ولأبنائه لبس علامة الأشراف ما لم يخصها الأمير بشرف الآباء وإلا فيكون بمثابة ما إذا عينها بقرفة من الأشراف خاصة، وقد ألف في المسألة ابن مرزوق كتاباً سماه (إسماع الصم في إثبتات شرف الأم) وهي المسألة التي ختم بها الونشريسي معياره وبمقتضى ذلك فإن جد ولدي للأم هو أبو الحسن علي بن محمد بن محمد القليبي بن رقية بنت آمنة بنت العانس بنت علي بن عبد الله بن عبد القادر الجلازي من ذرية هلال بن سعد بن أحمد بن داود بن عياد بن عون بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن أدريس بن أدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت ولادة ولدي من زوجي المذكورة قبل منتصف ليلة الخميس بساعتين من عاشر شعبان الأكرم سنة ١٢٩٥ خمس وتسعين ومائتين وألف الموافق للسابع والعشرين من يوليه الأعجمي وثامن أغشت الإفرنجي سنة ١٨٧٨ ثمان وسبعين وثماني عشرة مائة مسيحية فسميته محمداص نسأل الله أن يجعله محموداً المبدأ والمال، بجاه رسوله والآل، فهو محمد بن محمد بن عثمان بن محمد بن محمد السنوسي بن عثمان بن محمد بن أحمد عرف بن مهنية أحد حفدة الولي الصالح الشيخ سيدي عساكر بن ضيف الله بن محمد بن منصور الشريف الحسني ﵁، أعاد الله علي وعليه فضل السلف، وجعلنا ممن بالعلم والعمل قد تحلى واتصف، بجاه من هو أصل الفضل والشرف. ولما كان هذا الولد هو باكورة أبنائي أرخ ولادته العالم الفاضل التحرير الماجد الشيخ محمد بن الخوجة بقوله: [الطويل]
ترنَّم في دوح المسرة مخبري ... هزارُ تهانٍ بالسرور الموفر
وقد شنف الأسماع بالخبر الذي ... يرنح أعطافاً ذوات توقر
ولا غرو أن هز النفوس وطيه ... لقد زيد في حزب العلا أي مفخر
أما إنّه فرع الأصول التي زكت ... ويعرف طيبُ الفرع من طيب عنصر
سلسل الكرام الغر من عرفت لهم ... مفاخر بالزهر الكواكب تزدري
أما إنه نجل السنوسيّ فذِّنا ... هو البارع المشهور والمنصف السري
هو السيد النحرير والعالم الذي ... يعاطي النهى من قوله أي مسكر
همام له حيزت مآثر جمة ... يقصِّر عنها كل من لم يقصر
وسرعان هذا النجل يصبح مثله ... فكل هلال مقمر دون منكر
وقد سرني ذاك الحبيب بنجله ... أقول له أرخ محمد ...
وأرخه أيضاً العالم الماجد الدراكة الشيخ محمد جعيط بقوله: [الطويل]
سرتْ وهناً يشفي النفوس مسيرها ... بشائر ترويها النهي وتديرها
تشيّد للعلياء ركن فخارها ... فتى زيد للفذ الصديق نصيرها
بنجلك فردوس المسرة فتحت ... أفانينه وانساب منه عبيرها
وألبست الخضراء نوراً به كما ... تبرجت الخضرا وغنّى بشيرها
وتاقت لما اعتادته من بيت أصله ... منابر مجدكي يحلّى سريرها
كأني بهذا النجل قد بذّ في العلا ... كهو لأسرار العلوم بصيرها
كأنّي به في روضة الدرس للورى ... يعاطي كؤوساً غيرُ ظامٍ سميرها
كأنّي به في موقف الفخر منشد ... ذروني فإني بالعلاء خبيرها
كأني به يوم الرهان بحلبة ال? ... ?قريض إليه السبق وهو جريرها
فراسةُ رأي غالب الظن صدقها ... إذا شاء من للكائنات يديرها
فللفرع طيب الأصل مثل نتيجة ... فمنْ أصل صدق الشكل صدقاً يسيرها
أعيد ابن خلي بالذي رفع السما ... فما أن يرى في نفسه ما يديرها
ودم يا شقيقَ الروح تهنا مهنَّأً ... بنجل الرضى والعينُ قرّ قريرها
стр. 414
وعذراً لتقصير القوافي عن المدى ... فجاءك من ضعف النسيج يسيرها
فلمّا قراه البشر يوم بشارة ... وقد ضمخ الأرجاء مسكاً عبيرها
وأقبل كنز اليمن عند قدومه ... فسارعني التاريخ (كنز بشيرها)
وأرخه ايضاً العالم النحرير الخلاصة الشاعر الشيخ محمد المكي بن الشيخ الولي الصالح مصطفى بن عزوز بقوله: [الطويل]
(وفرنا بسعدٍ قد تبدَّى هلاله) ... وريء بأبصار القلوب جماله
على أننا لا نغتني عن زيادة ... من الملك القدوس ﷻ
ولاسيما مما تروح أجوره ... أما الغيث يرجى بالربيع خماله
وقفو الفتى للأصل أقرب واقع ... بهذا انتفى للمبصرين سؤاله
ومن أسكن الأبناء صدراً إليهمُ ... وفي القلب مهد لا يكون فصاله
بأحسن ما يبقى بروزُ ابن كامل ... بأسرع ما يؤتى قراه كماله
سنوسيُّ يا ابن الأمجدين سرورنا ... سواءٌ ببابوس سترضى خلاله
وكل من الأحباب يشكر ربه ... مهِّن مهنّا حامدَ الوقت باله
كأني بهذا الشبل وهو مثابر ... على صنع ما يعنى تروقك حالهُ
وأرجو بأن يضحي قمطرَ معارفٍ ... به العلم يدري تقتفيه رجاله
قنيصاً لأصناف المعاني مدبراً ... تقياً نقي العرض يسمو جماله
حكيماً يرى بالقلب رأي مشاهد ... أعاديه قد عادت عليهم نباله
عساه بدا للمسلمين مبشراً ... بنصر وتأييد بعز مناله
محمدُ عش واسم لك اللطف حافظ ... وحسبك في الأمر النبيء وآله
فمذ جاءني الإبشار قلت مؤرخاً ... (وفرنا بسعد قد تبدّى هلاله)
وأرخه أيضاً العالم الفاضل الشيخ محمد طريفة بقوله: [الكامل]
بشرى المسرة لم تزل متزايدةْ ... لك بازدياد فتى بقيت مشاهدهْ
وسقيت من راح السُّرور بكفه ... كاساً تكون على الدوام معاوده
ومنحت ما ترجوه منه بفضل منْ ... أضحى ينيل الجيد منك قلائده
فاهنأ به يا ذا الفخار فإنه ... لمحصنِ ممَّنْ يروم مكائده
سيكون للعرفان مثلك جامعاً ... حتى ينال طريف ذاك وتالده
ويشدّ أزرك باقتناء نفيسة ... ويمد في جلب الرضا له ساعده
وبصدق هذا جاء قول مؤرخ ... (النّجل عضّد بالبلاغة والده)
وأرخه أيضاً الخير الصفوة الشيخ محمود جراد بقوله: [الكامل]
لكم البشارة والهنا بفوائد ... فاحمد إلهك فهي منه تفضل
منن زكت من ربنا موهوبة ... في كل وقت والعدى تتضاءل
يا يا أديب العصر فزت بتونس ... ما أنت إلا في العلوم حلاحل
ظهر الهلال بأفقه متهللا ... بزيادة البشرى الكواكب تحفل
فبمولد الفرع المسمى محمداً ... وهو السنوسي للأصول تجمِّل
حمل له برج أواخر يوليا ... قمر به نور السعادة يكمل
في شهر شعبان المؤرخ جاءه ... (لاح السرور وحلا سعد كامل)
وعند زيارتي مقام سيدي محيي الدين بن العربي لقبت ولدي بلقبه رجاء أن تعود عليه بركته فهو محمد محيي الدين السنوسي.
وكان ختانه في جبل المنار صبيحة يوم الاثنين الثالث من شوال سنة ١٣٠٠ بعد إقامة عذيرة حافلة وممن وقف على ختنه الأمير الناصر باي والشيخ محمد الشريف إمام جامع الزيتونة وفي ليلة الخميس الموالي له كانت مبيتة القادرية وفيها فقال العالم الشيخ محمد بن الخوجة: [البسيط]
يا ليلة نلتها ما كان أهنأها ... قد عزفي الدهر أن يلفى لها مثلُ
جادت بكل سرور ما به كدر ... سعودها لم تزل تنمو وتكتمل
لا غرور أن عظمت وقعهاً فناسجها ... ذاك السنوسيُّ من للبدر ينتعل
هذا وفي صبيحة يوم الثلاثاء من ذي الحجة الحرام قبل الزوال بأربع ساعات إلا ربع من سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين زيد لي ولد ثان سميته الشريف وأرخ ولادته الأديب أحمد السقاط بقوله: [الطويل]
هلال بأفق العز تزهو سعوده ... وشبل بغاب الفخر ترمي أسوده
وفرع علا تهتز أعطاف مجده ... ويعبق أثناء المحامد عوده
تباشرت الدنيا به وتنافستْ ... مراتبه حتى تباهت مهوده
هنيئاً لبيت الفضل إن عماده ... مقيم وإن الفخر باقٍ عميده
стр. 415
عنيت به نجل السنوسيّ من غدا ... يفوق على الدر النظيم فريده
له نشأة في الجود والبأس قد سمت ... يذاب به صم الثرى بل حديده
شبيه أباه في الفخار وجدّه ... فيا لقديم قد قفاه جديده
سيعلي مباني المجد مثل جدوده ... فيا به من فخر يعود معيده
سقى الله مثوى جده كل مزنة ... تضوع به ضوع الرياض لحوده
وأبقى أباه للسيادة والعلا ... تزاد عطاياه ونحن عبيده
لقد ظهرت علياه مظهر شارق ... وهل ينكر المحسوس إلا حسوده
إذا كان علم فهو وضّاح أصله ... وغن كان رأي غامض فرشيده
فلو أننا في يوم خطب نؤمه ... سألناه شرخ العمر كاد يعيده
ولو أن أقمار السماء تحجبت ... لأغنى سري الفخر عنها وجوده
لأزكى الورى نفساً وأكرم معشراً ... وأمكنهم من مورد يستفيده
ليهنك نجل سعده لاح مشرقاً ... تسرُّ به آباؤه وجدوده
وتلك يد من نعمة الله فز بها ... وأرخ (يد نجل تبدت سعوده)
غير أن الله سبحانه اختار الآخرة والأمل في الفضل أن يكون فرطاً وذخرأن وحسنة وأجرأن إذ أنه على عقب وجودي من حج بيت الله الحرام مرض بالحصبة وتوفي بعد الزوال بنصف ساعة من يوم الأحد غرة جمادى الأولى سنة ١٣٠٠ ثلاث عشرة مائة.
إلى هنا كان موقف جواد القلم، وغاية الجمع الذي في سلك الإبداع قد انتظم، فبرز إلى الوجود من العدم، فجاء نزهة المسافر، وتحفة السامع والناظر، غذ توشح من تعريف الرجال، بما يبلغ به مطالعه غاية الآمال، على حسب ما في مقدرتي من الاطلاع، لا على حسب أولئك الأعلام الذين لاحت فضائلهم كنار على يفاع، وإني وإن كتب تعاطيت في جميع مآثرهم ونشر مفاخرهم ما يتعاطاه الغيور على بلاده، المتصدي لجمع شمل مفاخر علمائها من شيوخه وأجداده، لكن قصر الباع، وحداثة السن وعدم الاطلاع، كلها أعذار أقدمها لما وقع مني من الإخلال، في التعريف بأولئك الرجال، إذ أني فاتحت بهذا التعريف من عمري مكمل الثلاثين، وأني لابنها واستقصاء غايات الشم العرانين، فهيهات هيهات الوصول إلى الغايات لكن حسن ظني بكرام العشيرة، سهل علي التجاسر على المواقع الخطيرة، فأدلجت مع اعترافي، بأني لست من ذوي القوادم أو الخوافي، راجياً رضى السادة الذين أعملت قلمي في خدمة مجدهم، فعسى الله أن يوليني أيمن رفدهم، برضاهم علي في هذا الصنيع، الذي اعملت فيه جهد المستطيع، آملاً منه سبحانه تعالى أن يحشرني في زمرة هؤلاء الأعلام، الذين تتباهى بهم الأيام، بجاه نبيه ﵊.
اللهم يا من ليس لكماله غاية، نسألك بجاه رسولك أن تحسن لنا في كل عمل البداية والنهاية، وأن تديم علينا ما عودتنا به من خفي الألطاف، التي نرجو أن تصاحبنا إلى يوم المخاف، وأن تؤمن عاقبتنا في جميع الأمور، وتحمينا من كل ذي جور وفجور، وأن ترزقنا بفضلك العلم والعمل، وتجعل فينا وفي ذريتنا من الخير ما يبلغ به الراجي إلى غاية الأمل، اللهم احفظ منا اللسان واليد والقدم، واحمنا بلطفك وحفظك من مزالق القلم، يا ذا الجود والكرم. اللهم اجمع لنا بين سعادة الدارين مع الأمن والعافية، وأسبل علينا من سرادق فضلك البرود الضافية، يا من ليس لفضله حد، ولا يعجزه مطلب أحد، واغفر لنا ولوالدينا ولمشائخنا ولمن أحسن غلينا ولإخواننا بجاه رسولك الكريم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وقد أنجزته بعون الله فيما دون الشهرين وذلك بفضل الله الذي لا يخيب من توكل عليه . ووافق الفراغ من جمعه الأول ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من المحرم وتم بإعانة الله تبيضه أواخر جمادى الثانية كل ذلك سنة ١٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين وألف.
الملحق
التشريع
أنشأ الأستاذ السنوسي قصيدة طويلة مبنية على التشريع مدح بها الإمام العلامة المرحوم الشيخ محمد الطاهر النيفر قاضي الجماعة من سنة (١٢٩٠ إلى ١٣١١) لما ختم كتاب الشنشوري على الرحبية في الفرائض.
وكان درسه للشنشوري درساً حافلاً غص بالطلبة فأراد الأستاذ السنوسي تخليد هذا الختم بقصيدته ملتزماً فيها هذا النوع من البديع.
стр. 416
أعني التشريع وهو نوع من أنواع البديع يبني فيه الشاعر ما ينظمه على وزنين من أوزان القريض وقافيتين فإذا أسقط من أوزان البيت شيء يخرج شعر مغاير في الوزن والقافية.
وهو نوع معروف في كلام العرب ومنه قوله: [الكامل]
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هوج الرمال بكثبهن شمالاً
ألفيتنا نفري الغبيط لضيفنا ... قبل القتال ونقتل الأبطال
ومن بليغ التشريع ما جاء عن الحريري في مقامته الثالثة والعشرين الشعرية:
يا خاطب الدنيا إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غداً بعداً لها من دار
وهي قصيدة في تسعة أبيات من الكامل تخرج منها قصيدة أخرى من: [مجزوء الكامل]
يا خاطب الدنيا الدن? ... ?ية إنها شرك الردى
دار متى أضحكت ... في يومها أبكت غدا
وقد اقتفى السنوسي الحريري في قصيدته المذكورة بقوله:
مسك الختام برحب روض قد هفا ... بتعطر وبه النسيم تلطفا
فإذا أسقطنا قوله (ولبه النسيم تلطفا) تستخرج قصيدة أخرى بغير قافية القصيدة، ومن مجزوء الكامل:
مسك الختام برحب رو ... ضٍ قد هفا بتعطر
ولبيان القصيدة المستخرجة من القصيدة الأصلية أعدت في هذا الملحق نشرها مع بيان القصيدة المستخرجة بالنقط في كل بيت وكذلك في قصيدتي التقريظ ثم أتبعت ذلك بنشر القصائد المستخرجة من القصيدة الأصلية وتقريظها.
جاء في (ص١٣١) من هذا الجزء الرابع: أنشأت في ذلك الختم قصيدة من التشريع لما وقع في الكتاب المذكور من الازدحام وهي قولي: [الكامل]
مسك الختام برحب رو ... ض قد هفا
بتعطر
وبه النسيم تلطفا
أحسنْ به إذ فاح في ... روض العلو
م الأخضر
وبكل زهر عرّفا
فغدت به الأزهار ما ... ئسة بنو
رٍ أنور
كالريم حين تعطفا
وغصونها زينت بور ... د للمنى
والعبهري
والكل فيه تالفاً
ودنا قطوفة بعدما ... شاكى الحمى
عنْ مبسر
وبدا لدنيا مشرفا
وغدا به نهر البشا ... ئر هاملاً
كالكوثر
وبه الجنان تزخرفاً
وترنحت أطياره ... فوق الربى
بالمزهر
وبه الحزين قد اشتفى
وبه الظبا بين الربى ... كلٌّ سبا
بتبختر
فربا الحبا بعد الجفا
ماست وقد رفعت ذوا ... ئب فاحم
عن مقمر
فبدا الجمان وما اختفى
فبدا الندى من فوق ور ... د تحت خال
عنبري
كالليل عن شفق ضفا
وبثغرها ثلج على ... خمر تح
?ل بسكر
فلقد تسامت مرشفا
فشفى الضما ضربُ اللمى ... مذ قد همى
من جوهر
ظلم نما منه الشفا
وافت تهز معاطفا ... مثل الكثي?
?ب الأعفر
والقد بان مهفهفاً
ورمت قلوب العاشقي? ... ?ين بسهم لح?
?ظ أحور
وبه الفؤاد تحترفا
فرأيت ما قد فات في ... شرخ الشبا
ب بمحجر
لا القصد منه تخلفا
فداع الملام ومن أتا ... ك يشي لجا
كالمنذر
ودع العذول معنفا
واحضر نديمي لي بوج? ... ?هـ ضاحك
مستبشر
ولدي كنْ كنْ مسعفا
وأدرْ على روح المع? ... ?نى راحة
إذ يجتري
عماله قد كلفا
فاقرع لنا ثغر الكؤو ... س وأملها
بالمسكر
وأدر عليذ القرقفا
وامزج بها راح امتدا ... ح الأطهر اب?
?ن الأطهر
الفذ الإمام أبي الصفا
الطاهر الحبر الهما ... م ابن الهما
م النيفري
نجل الرسول المصطفى
هو عالم الدنيا ومؤ ... نس تونسٍ
بتصدر
مذ كلنا قد سرهفا
ذا وارث المختار خي? ... ?ير الخلق خي?
?ر مبشر
مذ قد علا واستشرفا
بالفرض والتعصيب حا ... ز مفاخرا
وبها حري
من فخر والده اقتفى
فعلاه من حسب ومن ... نسب نق?
?يّ أطهر
فلذا بدا مستطرفا
فلأنه طود العل? ... ?وم وعلمه
كالطيسر
من سحبه قد أوكفا
стр. 417
ذو نجدة وصيانة ... وديانة
لم تنكر
حاشاه يوماً طففا
ذو همة ومروءة ... طابت بطي?
?ب العنصر
وبها غدا متعففا
ذو نجدة وكياسة ... تكسو الحلي
للمشتري
والبدر منه قد اختفى
فلأنه شهم خض? ... ?م أروع
ذو مفخر
وبه الكمال تعرفاً
بدر سناه بشمس وا ... لده الإمام
م الأشهر
من فضله قد كفكفا
فلكم هدى من ضل في ... ديجور عل?
?م أكبر
فأضاءه حين ازدفا
ولكم بكف بكف من ... ولي بعدو
ة قسور
فأباد عنه مزيفا
فهو الذي قد حاز خص? ... ?ل السبق غي?
?ر مقصر
لا للفخار تكلفا
فبدا بتاج جلالة ... ومهابة
في المنظر
والقلب من ذا أرجفا
ولقد تطلع غرة ... في وجه هـ?
?ذي الأعصر
والدهر منه تشرّفا
فاحضر بفيض دروسه ... تلقاه بح?
?ر الجوهر
وترى به ذا الغينفا
فتراه في اشبال جا ... مته إذا
كغضنفر
بزئير علم قد هفا
يحظي الذين أتوه من ... فيض العطا
ء الأوفر
كم من خلائق أتحفا
ومتى تأمل في العوي? ... ?ص يحله
بالزمجر
ويريك عضبا مرهفا
ويريك من تحريره ... عذب السلا
ف المسكر
وبكأسه كم أرشفا
بفصاحة قسية ... قد زانها
بتدبر
وبدا بها متصرفا
فقد امتطى من علمه ... متن الجيا
د الضمر
وبذاك أمره زهلفا
وغدا يجول بحزمه ... في رحب رو
ض مثمر
بفوائد وبها شفى
وبدا لنا في طلعة ... مثل الصبا
ح المسفر
فغدا لدينا شندفا
هذا الفخار ... ر بغيره
للمخبر
فبه العلا ما استحشفا
يا من فخاره عنه قد ... قصرت دعا
ثم قيصر
فغدا به مستشرفا
فمتى يعد ذوو العلا ... أنت المع?
?د بخنصر
مذ قد سموت تشرفا
ماذا يقول شويعر ... في مدحكم
إذ يجتري
لو كلَّ ليله أتلفا
وبفضلكم صار الخطي? ... ?ب يجول قو
ق المنبر
مذ قام يتلو المصحفا
لكنني نقّحت ما ... لم يشتبه
بالمفتري
در المديح وقد صفا
قد فزت منك بمحض و ... د للفؤا
د وبدا فخارك نفنفا
فأقبل إليك فريدة ... ما حاكها
من معشر
لو في المدائح أسرفا
حيتك من نجل ف? ... ?يّ فاق شع?
?ر البحتري
مذ مدح علياك اقتفى
خلّصتها مما انتخب? ... ?ت بدرسكم
من جوهر
فأتى لديك مؤلفا
ولقد سحرتُ بها النهي ... فافخر بها
في المعشر
فالأصل منكم أتحفا
وكسوتها بمديحكم ... حسناً ببر
د عبقري
ووشاحها قد أوصفا
فتطاولت وغدت تج? ... ?ر بكم ذيو
ل المفخر
تيهاً لديك بلا خفا
وأتتك رغماً للحسو ... د وقرة
للمذكر
من أهل ود ما جفا
كيما تهنيكم بخت? ... م مثل مس?
?ك أذفر
في القطر ضاع معرفا
فاهنأْ وفز وامنح ودم ... وابقى بقا
ء الأدهر
تسدي حياء أو طفا
لازلت بحراً والمدي? ... ?ح كما السحا
ب الممطر
وثناك يملأ كل فا
ما قام يلهج مادح ... صلى على
ذي المغفر
خير البرايا المصطفى
صلى الإله عليه ما ... تم المرا
د
بمحشر
حتى يؤم الموقفا
وقرظ هاته القصيدة أخونا الشيخ محمد جعيط على شاكلتها بقوله: [الكامل]
برزتْ فتيمتِ المع? ... ?نَّى المدنفا
بالمنظر
وبحوزها حاز الشِّفا
رفعت قناع جمالها ... فبدت لنا
كالمشتري
أو بدر تمٍّ قد صفا
فخرت بطلعتها فصا ... رت غرة
للأعصر
ولحسنها البدر اختفى
سحرت بلب القول ل? ... ?ب ذوي النهي
من معشر
وبها تبدي مدنفا
стр. 418
أهدت سلاف النظم في ... لفظ لها
كالجوهر
تحكي النسيم تلطُّفا
حملت لواء بلاغةٍ ... وفصاحةٍ
بالأسطر
فكمالها لن يوصفا
طابت ثنا لا بالتص? ... ?نع بل بطي?
?ب العنصر
فنفى بذاك تكلفا
سمحت بكحل مدادها ... مذ قد حكى
للعنبر
لوناً وريحاناً قد هفا
وسقت كؤوس رحيقها ... فأبيح شر
ب المسكر
ناديت هات القرقفا
أزرت بكل فريدة ... أعظم بها
أن تزدري
وبلفظها كن منصفا
فضت ختام رحيقها ... تناديت فاش?
?مم وانظر
واقطف وطب مما وفا
مسك الختام برحب رو ... ض قد هفا
بتعطر
وبه النسيم تلطفا
فتكت محاسنها بنا ... لما أتت
في عسكر
وأتت بقلبي مهدفا
سيف العيون وحاجب ... وفم همي
بالكوثر
تزداد منه تزخرفا
ماست لفتكي فاستجر ... ت بربها
في المعشر
فلأن شيمته الوفا
أعني أبا عبد الإله? ... ?هـ ومن سما
في الأعصر
ولعنصر المجد اقتفى
من صار سحر القول من? ... ?هـ سجية
وبها حري
والطبع لن يتخلفا
سحر البيان مع البدي? ... ?ع يبثه
بالأسطر
ويزيد فيه تألفا
يأتي بسحر القول دو ... ن توقف
وتفكر
ويصوغ درا قد صفا
فهو المقدم بالقري? ... ?ض وعده
بالخنصر
وبه لعمري صنِّفا
خذها إليك فريدة ... جاءت لكم
بتبختر
وبها الجمال تكلفا
رويتْ فنون السحر ع? ... ?ما صغته
من جوهر
ينفي عليه تعسفا
فلذا سمت بجمال قو ... ل عن مقا
ل البحتري
وبفضلها قد أنصفا
قد صغتها تاجاً لها ... مةِ خودكم
في الأدهر
فلحسنها البدر اختفى
فأقبل إليك من المق? ... ?ل قليل هـ?
?ذي الأسطر
واصفح على ما زيّفا
لازلت ترفل في السعا ... دة والمقا
م الأكبر
وتصوغ درا أتحفا
وقرظها أيضاً على شاكلتها الشيخ أحمد جمال الدين بقوله: [الكامل]
نبه جفونك قد وفا ... ساقي السلا
فة بكِّر
مترشفا لترى الشفا
وامزج بها ماء اللَّمى ... ما فاق طع?
?م السكر
واسق النديم المسعفا
ما بين أزهار الربى ... والعود طو?
ع منقّر
وبه المحب تعطفا
والغيد ترفل في بدي ... ?ع شمائل
بتبختر
كل البدور لها اختفى
ترنو بطرف فاتك ... من تحت قو
س موتر
ولها الحشاشة مهدفا
وردت ورود خدودها ... من تحت آ
س عبهر
والصبر مني قد عفا
يا صاح ذا زمن الخلا ... عة والنزا
هة فاحضر
ومن المعنف قد صفا
فاخلع عذراك واغتنم ... فرص اللذا
ذة وانثر
متغنياً
ما شنفا
مسك الختام برحب ر و ... ض قد هفا
بتعطر وبه النسيم تلطفا
طلعت تتيه تطاولاً ... في خير نش?
?ر عنبري
تذر المعنَّى منصفا
وتجر ذيل مطارف ... من سندس?
?يّ عبقري
تلقي المحب من الشفا
سحرت عقول ذوي النهي ... فغدت حلي?
?ف تفكر
بسلاسة لن توصفا
كالراح معنى غذ تفي? ... ?ضُ جواهرا
كالممطر
أو كالعقود تالفا
وبدت تدير مدائحاً ... في ذي الإما
م الأطهر
نسل الرسول المصطفى
ما صاغها ذو نهية ... ولو الحري?
?ريّ
بل لو غدا متكلفا
ما هو إلا من سما ... وبكل شه?
?م يزدري
وأبان فضله كل فا
بحر من الآداب يب? ... ?دو أنه
كالسكر
يبري السقيم المدنفا
من قد تسمى بالسنوسي ... كالسنوس?
?ي المزهر
بل مثله لن يعرفا
أبدعت في نظم نضي? ... ?د مثل سل?
?ك الجوهر
أو كالرياض تزخرفا
стр. 419
يشدو فيفعل بالنهي ... فعل الشرا
ب المسكر
لكنه لن ينزفا
وبك الأواخر قد تفاخ? ... ?ر أين ذك?
?ر البحتري
وبك الصفاء قد اختفى
وبكل فن قد بدا ... متفايضا
كالأبحر
وغدا ذكاؤه مرهفا
قد نلت كل حميدة ... من ذا الجنا
ب الأطهر
ولك الفخار بلا خفا
دم مثل ما ترضى فأن? ... ?ت أديب ك?
?ل الأعصر
وغدا زمانك مسعفا
وبقيت غيثاً واكفا ... ولك الفدا
ء بمعشر
ثدي المفاخر مرشفا
مبتسماً ثغر السعا ... دة فائحاً
كالعنبر
أو مسك ختم قد هفا
وهذه القصيدة المستخرجة من قصيدة المدح: [مجزوء الكامل]
مسك الختام برحب رو ... ض قد هفا بتعطرِ
أحسن به إذ فاح في ... روض العلوم الأخضر
فغدت به الأزهار ما ... ئسةً بنور أنور
وغصونها زينت بور ... د للمنى والعبهري
ودنا قطوفه بعدما ... شاكى الحمى عن مبسر
وغدا به نهر البشا ... ئر هاملاً كالكوثر
وترنحت أطياره ... فوق الرُّبى بالمزهر
وبه الظبا بين الربى ... كلٌّ سبا بتبختر
ماست وقد رفعت ذوا ... ئب فاحم عن مقمر
فبدا الندى من فوق ور ... د تحت خال عنبري
وبثغرها ثلج على ... خمر تحلُّ بسكر
فشفى الضما ضربُ اللمى ... مذ قد همى من جوهر
وافت تهز معاطفا ... مثل الكثيب الأعفر
ورمت قلوب العاشقي? ... ?ين بسهم لحظ أحور
فرأيت ما قد فات في ... شرخ الشباب بمحجر
فداع الملام ومن أتا ... ك يشي لجاً كالمنذر
واحضر نديمي لي بوج? ... ?هـ ضاحك مستبشر
وأدر على روح المع? ... ?نى راحة إذ يجتري
فاقرع لنا ثغر الكؤو ... س وأملها بالمسكر
وامزج بها راح امتدا ... ح الأطهر ابن الأطهر
الطاهر الحبر الهما ... م ابن الهمام النيفري
هو عالم الدنيا ومؤ ... نس تونسٍ بتصدر
ذا وارث المختار خي? ... ر الخلق خير مبشر
بالفرض والتعصيب حا ... ز مفاخرا وبها حري
فعلاه من حسب ومن ... نسب نقيٍّ أطهر
فلأنه طود العل? ... ?وم وعلمه كالطيسر
ذو نجدة وصيانة ... وديانة لم تنكر
ذو همة ومروءة ... طابت بطيب العنصر
ذو نجدة وكياسة ... تكسو الحلي للمشتري
فلأنه شهم خض? ... ?مّ أروعٌ ذو مفخر
بدرٌ سناه بشمس وا ... لده الإمام الأشهر
فلكم هدى من ضل في ... ديجور علم أكبر
ولكم بكفه بكفّ من ... ولَّى بعدوة قسور
فهو الذي قد حاز خص? ... ?ل السبق غي?ر مقصر
فبدا بتاج جلالة ... ومهابة في المنظر
ولقد تطلع غر ... ةً في وجه هـ?ذي الأعصر
فاحضر بفيض دروسه ... تلقاه بح?ر الجوهر
فتراه في أشبال جا ... مته إذاً كغضنفر
يحظي الذين أتوه من ... فيض العطاء الأوفر
ومتى تأمل في العوي? ... ?ص يحله بالزمجر
ويريك من تحريره ... عذب السُّلاف المسكر
بفصاحة قسية ... قد زانها بتدبر
فقد امتطى من علمه ... متن الجياد الضمَّر
وغدا يجول بحزمه ... في رحب روض مثمر
وبدا لنا في طلعة ... مثل الصباح المسفر
هذا الفخار فلا فخا ... ر بغيره للمخبر
يا من فخاره عنه قد ... قصرت دعاثم قيصر
فمتى يعد ذوو العلا ... أنت المعد بخنصر
ماذا يقول شويعر ... في مدحكم إذ يجتري
وبفضلكم صار الخطي? ... ?ب يجول فوق المنبر
لكنني نقَّحت ما ... لم يشتبه بالمفتري
قد فزت منك بمحض و ... دٍّ للفؤاد موفّر
فأقبل إليك فريدة ... ما حاكها من معشر
حيتك من نجل فت ... ?يّ فاق شعر البحتري
خلَّصتها مما انتخب? ... ?ت بدرسكم من جوهر
ولقد سحرتُ بها النهي ... فافخر بها في المعشر
وكسوتها بمديحكم ... حسناً ببرد عبقري
فتطاولت وغدت تج? ... ?ر بكم ذيول المفخر
стр. 420
وأتتك رغماً للحسو ... د وقرة للمذكر
كيما تهنيكم بخت? ... م مثل مسك أذفر
فاهنأْ وفز وامنح ودم ... وابقى بقاء الأدهر
لازلت بحرأن والمدي? ... ?ح كما السحاب الممطر
ما قام يلهج مادح ... صلى على ذي المغفر
صلى الإله عليه ما ... تم المراد بمحشر
وهذه القصيدة المستخرجة من تقريظ الشيخ محمد جعيط: [مجزوء الكامل]
برزت فتيمتِ المع? ... ?نَّى المدنفا بالمنظر
رفعت قناع جمالها ... فبدت لنا كالمشتري
فخرت بطلعتها فصا ... رت غرة للأعصر
سحرت بلب القول ل? ... ?ب ذوي النهي من معشر
أهدت سلاف النظم في ... لفظ لها كالجوهر
حملت لواء بلاغة ... وفصاحة بالأسطر
طابت ثنا لا بالتص? ... ?نع بل بطيب العنصر
سمحت بكحل مدادها ... مذ قد حكى للعنبر
وسقت كؤوس رحيقها ... فأبيح شرب المسكر
أزرت بكل فريدة ... أعظم بها أن تزدري
فضت ختام رحيقها ... تناديت فاشمم وانظر
مسك الختام برحب رو ... ضٍ قد هفا بتعطر
فتكت محاسنها بنا ... لما أتت في عسكر
سيف العيون وحاجبٌ ... وفم همي بالكوثر
ماست لفتكي فاستجر ... ت بربها في المعشر
أعني أبا عبد الإل? ... ?هـ ومن سما في الأعصر
من صار سحر القول من? ... ?هـ سجية وبها حري
سحر البيان مع البدي? ... ?ع يبثه بالأسطر
يأتي بسحر القول دو ... ن توقف وتفكر
فهو المقدِّم بالقري? ... ?ض وعده بالخنصر
خذها إليك فريدةً ... جاءت لكم بتبختر
رويتْ فنون السحر ع? ... ?ما صغته من جوهر
فلذا سمت بجمال قو ... لٍ عن مقال البحتري
قد صغتها تاجاً لها ... مةِ خودكم في الأدهر
فاقبل إليك من المق? ... ?ل قليل هذي الأسطر
لازلت ترفل في السعا ... دة والمقام الأكبر
وهذه القصيدة مستخرجة من تقريظ الشيخ أحمد جمال الدين: [مجزوء الكامل]
نبه جفونك قد وفا ... ساقي السلافة بكِّرِ
وامزج بها ماء اللَّمى ... ما فاق طعمَ السكر
ما بين أزهار الربى ... والعود طو?ع منقّر
والغيد ترفل في بدي ... ?ع شمائل بتبختر
ترنو بطرف فاتك ... من تحت قوس موتر
وردت ورود خدودها ... من تحت آس عبهر
يا صاح ذا زمنُ الخلا ... عة والنزاهة فاحضر
فاخلع عذراك واغتنم ... فرص اللذاذة وانثر
مسك الختام برحب ر و ... ضٍ قد هفا
طلعت تتيه تطاولاً ... في خير نشر عنبري
وتجر ذيل مطارف ... من سندسي عبقري
سحرت عقول ذوي النهي ... فغدت حليف تفكر
كالراح معنى إذ تفي? ... ?ضُ جواهرا كالممطر
وبدت تدير مدائحاً ... في ذي الإمام الأطهر
ما صاغها ذو نهية ... ولو الحريريُّ الحري
ما هو إلا من سما ... وبكل شهم يزدري
بحر من الآداب يب? ... ?دو أنه كالسكر
من قد تسمى بالسنوسي ... كالسنوسي المزهر
أبدعت في نظم نضي? ... ?د مثل سلك الجوهر
يشدو فيفعل بالنهي ... فعل الشراب المسكر
وبك الأواخر قد تفاخ? ... ?ر أين ذكرُ البحتري
وبكل فن قد بدا ... متفايضا كالأبحر
قد نلت كل حميدة ... من ذا الجناب الأطهر
دم مثل ما ترضى فأن? ... ?ت أديب كل الأعصر
وبقيت غيثاً واكفاً ... ولك الفداء بمعشر
مبتسماً ثغر السعا ... دة فائحاً كالعنبر
وانبرت للمدى أماني نفوس ... كن أسرى حوادث الأيام
منن لم يجلن في الفكر لولا ... بركات المولى الجليل الهمام
ذلك السيد الإمام المرجَّى ... بسنا وجهه انسجام الغمام
صدر أعيان زمرة المجد حقاً ... وإمام الأيمة الأعلام
مالك العصر عالم المصر بالقص ... ر وشيخ الشيوخ بين الأنام
حائز السبق في مدى الفضل حاو ... في اقتسام العلى معلَّى السهام
عضد الدين (سعده) (ناصر الم ... لة) بالحق (حجة الإسلام)
стр. 421
نور عين الزمان علماً وحلماً ... وتقى في جلالة واحترام
حافظ السنة الزكية مبدٍ ... نورَ أسرارها بغير اكتتام
عمدة الفقه غاية السؤل فيه ... وشفاء الصدور في الأحكام
وتقاريره الرياض ولكن ... تثمر الدُّرَّ في يد الأفهام
تتسامى درى المنابر منه ... ومحاريبها
بخير إمام
ليس إلا بذهنه تسمع الص ... م وتحيا بصائرُ الأغتام
ليس إلاّ بذهنه تتجلَّى ... نكتُ العلم في دجى الأوهام
ليس إلا بلفظه العذب تتلى ... سورُ الذكر في دياجي الظلام
ليس إلا به اقتناء المزايا ... واقتباس الهدى وبرءُ السقام
عالةً أصبح الأنام عليه ... طاعة النقض منه والإبرام
خضعت عنده الرقاب بما قد ... طوقتها يداه بالإنعام
منةٌ لا تزال تدري وتروى ... لولاة الطروس والأقلام
لا ترى غير مهتدٍ بهداه ... أو محبَّ أو لائذ بذمام
يا إماماً حواه بردُ المعالي ... وردا الفضل قبل عهد الفطام
يا سميَّ الخليل يا وارث الرأفة ... والحلم من حلاه العظام
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والفضل والندى من مسام
ففداء لشسع نعلبيك قوم ... ولدوا في العلى لغير تمام
وهنيئاً لك المفاز يختم ... للبخاري حديث طه التهامي
جاء بشرى لكم بإقبال فتح ... ووصول إلى قصيّ المرام
ولنا منه والبرية طراً ... أي رحمى ونعمة واغتنام
ولعمري ليست بأول نعمى ... كنت مولي ظهورها للأنام
فجزاك الإله خير جزاء ... مشرق بدؤه بحسن الختام
وابق يا بدر في سماء المعالي ... مستدام السنا مصون التمام
والقصيدة الثانية من إنشاء الشاعر الماجد الفصيح الأكتب الشيخ محمد الباجي المسعودي، وهي قوله: [الكامل]
وجه التهاني اليومَ أصبحَ مسفراً ... والكونُ أشرقَ والفضاءُ تعطرا
والسعدُ حيا والمسَّرة أقبلت ... والأفق كلَّله السرورُ كما ترى
وبتونسَ الإيناسُ أسفرَ صبحه ... واهتزَّ روض الصالحات ونوَّرا
وبدا بإبراهيمَ برءُ همومنا ... شيخِ الشيوخ القطب مصباحِ الورى
ركن الشريعة فخر ملة أحمدٍ ... صدر الثقاب الكمَّل الشمَّ الذُّرى
علم الألى بثُّوا العلوم وخير من ... قدْ أمَّ محراباً ونوَّرَ منبرا
يجلو دجى الإشكال ثاقب فهمه ... فتراه بعد اليأس أصبح نيرا
ويجيلُ في النكت العويصة ذهنه ... فيشقُّ كوكبه العجاجَ الأكدرا
ويبينُ أسراراً تكاد لحسنها ... حقاً تباع بها النفوس وتشترى
أشهى على الأسماع من نيل المنى ... وألذُّ في الأجفان من سنة الكرى
كم قد لبسنا من مصوغ عقودها ... درَّا نفيساً في الرقاب وجوهرا
وكم اقتطفنا من أزاهرِ روضها ... حتى لبسنا العيش ثوباً أخضرا
وبدرستك (الجعفيَّ) كم أوضحت من ... نكتٍ تدقُّ عن العيان فما ترى
وسلكت منه مهامهاً وتنائفاً ... يضحى الخبيرُ لبعضها متحَّيرا
وسريت ذا جدَّ لحل رموزه ... والآن حان بختمه حمدُ السُّرى
فلك الهناءُ مقدماً ولنا بكم ... ولمن يخصُّك بالوداد وللورى
وجزاك ربك خير ما جازى به ... وأطال عمرك كيف شئت وأكثرا
وإليك من جهد المقلَّ محوكة ... من خاطر منع العنا أن يخطرا
وقريحة خمدت ودهر غالني ... من غوله ما صد عن أن نبصرا
بلغ الزّبى تياره فاسمح بما ... ينجي الغريق وكن أجلَّ من اشترى
فإذا مددت ودودكم بادعائكم ... أعددت منه إلى المعاند عسكرا
وبلغت آمالي لصدقِ طويتي ... فيكم، وعشتُ مملئاً لن أحذرا
لا زلت في أفق السعادة نيراً ... تجلو بهمتك المهم الأكبرا
والقصيدة الثالثة من إنشاء ولده العالم الأديب المدرس الشيخ علي الرياحي وهي قوله: [الطويل]
تبلَّج في أفق الهدى طالع السعد ... كسي حللُ الإسعاد واليمن والرشدِ
وفاح شذا مسك يفوق ختامه ... نسيم الصبا بالعطرِ أو فوحة الندَّ
أو الروض إذ يزهو بحسن ابتسامة ... فيحيا بريحان الأزاهر والرند
стр. 422
وأسفرتِ الأيام عن وجه بشرها ... كما أسفر المحبوبُ عن وردة الخد
ذكرتُ بذا عهد الصَّبا وغرامه ... وما قد رشفنا في الثغور من الشهَّد
رعى الله تلك الغانيات ولا أرى ... سوى أنهنَّ الحورُ من جنةِ الخلد
لهن جبينٌ كالصباح بياضه ... يلوح سناه تحت فاحمِ مسودَّ
وحاجبهن السيفُ لكن إذا جنى ... فليس قصاص يلزمُ الحرَّ في العبد
وقد نثر الخيلان من حبر عنبرٍ ... بديع جمال لك يكنْ خطّ بالأيدي
لك الله ما أحلى التغزل في الهوى ... وأحسن منه مدحة العلمِ الفرد
إمام أغر الوجه كالشمس في الضحى ... وكالزهرة الحسناء في دوحة المجد
إمام إذا ما كنت في روض درسه ... رأيت نفيس الدرَّ ينظم في العقد
إمام لوَ أن الله يهدي بنوره ... لكن جميعُ الناس من نوره مهدي
ترى رأيه كالسيف في كل حادثٍ ... ورأى سواه لا يعيد ولا يبدي
له رتبة لو حاول البدر نيلها ... لكانت عن الإدراك في حيَّز البعد
غدا مثلاً بالحلم والعلم والتُّقى ... كمالك والبصريَّ كالأحنف السعدي
ألا يا أبا إسحاق والفاضل الذي ... مزاياه قد جلَّت عن الحصر والعدَّ
إليك من السحر الحلال قصيدةً ... تأنق في إتقان صنعتها جهدي
خدمت بها يوم الختام لعلني ... أقابلُ بالرضوان منك وبالودَّ
ودمت مناراً في الشريعة هادياً ... تبلَّغُ من كل المنى منتهى القصد
وقرظ هاته القصيدة الداركة النحرير، وعلم الفتيا الشهير، المؤلف المشكور، الشريف الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، بقوله: [الطويل]
أحنُّ وأصبو كلما هبَّ من نجد ... نسيم برياه يفوق شذا النَّدِ
يمثل لي تلك الأباطح والربى ... وعهداً مضى يا حبذا ذاك من عهد
فهاج لي الشوق الأثيل ولم اكن ... سلوت ولكن زاد وجداً على وجد
سقى الغيث هاتيك الخيام وأهلها ... وإن أضمروا هجري ومرُّوا على الصَّدَّ
لهمْ مني الحب الصدوق ومنهمُ ... على مرّ أيام النوى كاذبُ الوعد
أيا حادياً يحدو المطيَّ مرنما ... ترفق إذا ما جئت حيَّ بني سعد
بلغت المنى بلَّغ إلى غاية المنى ... تحية صبَّ في لهيب من الصد
وناد إلى ليلى وقل صادق الهوى ... مقيم على ما تعهدين من الود
زريه ولو بالطيف في سنة الكرى ... نعم ما الكرى يستام مقلة ذي سهد
بكمتُ لساني يوم حمّ فراقها ... فلم يجر في مضمار مهل ولا عقد
وأصممتُ سمعي بعد طيب حديثها ... وليس استماعي فير ذاك من الرشد
فاسمعني بالقهر قول مبشَّرٍ ... تبلَّج في أفق العلا طالع السَّعد
تطلَّبتُ ما تحت البشارة فانجلت ... لوامعُ درَّ في بهيَّ من العقد
كؤوسٌ من الراح الحلال ياديرها ... على حانة الأسماع "نابغة الجعدي"
تضوَّع منها المسك لمّا تضمنت ... أحاديث فخرٍ عمّ من غير ما حدَّ
ختامٌ به الخضراء فازت وهكذا ... بفضل أبي إسحاق تسمو إلى الخلد
فخار بني الدنيا وذخر ذوي التقى ... وأعلمِ من تحت السماء بلا جحد
مآثره سارت سرى الشمس في الملا ... مفاخره من دونها منتهى العدّ
له الله من ختم وددت لو أنني ... بذلت له ما كان عندي من جهد
وإن فاتني ذاك الفخار فإنني ... علقت من العلياء بالجوهر الفرد
أبا الحسن الأسنى إليك خريدةً ... من السحر إلا أنها خالص النقد
خدمت بها علياك دامت بجودها ... وذلك عند الألمعي غايةُ القصد
ولما ختم شرح السعد التفتازاني على تلخيص القزويني، هنأه أحد تلامذة الدرس، وهو شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الرابع، بقوله: [الكامل]
جسمي بأشواق المحبة صالِ ... متفرَّق الأعضاء والأوصالِ
والنفسُ مني قد غدت مشتاقةً ... ترجو لذيذَ مودةٍ ووصال
والوجد زاد لبارق قد بان من حي الحبة منتهى الآمال
والدمع جاد بوابلٍ من مقلة ... ليست تحل بكثرة الإرسال
يا عاذلي هوَّنْ عليَّ فإنني ... لا عذل ينفعني بكل مقال
إني شغفتُ بحب ذات فواترٍ ... تعني بما تبدي عن الجريال
стр. 423
فالقد غصنُ البان غار لحسنه ... والوجه فيه بديع كل جمال
رامت تضاهي حسنها شمسُ الضحى ... فتداركت ما قدج جرى في الحال
تلك التي قد أشعلت نار الهوى ... بفؤاد صب للقا محتال
وهي التي تركت ميتم حسنها ... في حبها متراكم الأهوال
وسبتهُ نفساً ما لها ذنب سوى ... تأميلها لتآلف ووصال
عجباً لها أتسوءه ولقد غدا ... متشبثاً بحواشي الأذيال
أذيال إبراهيم من قد أعلنت ... بمديحه كل الورى بكمال
ذاك الإمام العالم العلمُ الذي ... لم يأتنا دهر له بمثال
فبه لتونس مفخرٌ ولنا به ... فخرٌ عظيم لا يقاس بحال
وبمثله الأقطار تفخر إذ غدا ... يجبني لعزٍ صالحَ الأمال
وله محال ترتجي مثلاً له ... قمر السما في العز والإجلال
كشَّاف ما خفيتْ مسالك نيله ... مغني الأنام ومعدنُ الإفضال
يلقى بثغر باسم كلَّ الورى ... وتحية تأتي بكلِ مقال
إن رمت وصف مجالس لإمامنا ... غيث العلوم ومبلغ الآمال
فأقول فيه وإنني لمقصر ... كالليث حف بمعظم الأشبال
يا سيداً قد حلّ كل عويصة ... بذكائه وبذهنه السيال
هذا الختام لقد أتاك مبشَّراً ... بدوام سعدٍ مشرقٍ متلالِ
فلقد سررت بمجلس لقدومه ... ولقد شرفت به على الأمثال
وأروم يا مولاي تجديد المنى ... تكسوه لي من حلةٍ الإفصال
وإذا القضيةُ بّينُ إنتاجها ... فلتطوها في منتج الأشكال
وإليك بكراً قد أتت لا تبتغي ... إلا الدعاءَ لنا بحسن الحال
وبقيت ترقى أوجَ آفاق العلى ... متلبَّساً بالعز والإقبال
وهناه ولده الخطيب المدرَّس الشيخ محمد الطيب الرياحي، بقوله: [الطويل]
ألا حدَّثنْ عمن به القلب مولع ... كفى طرباً ذاك الحديثُ المسجَّعُ
على ذاك حبَّست المسامع صبوة ... ولا لسواهم في فؤادي موضع
لقد ظعنوا والقلبُ يزعم كتمهم ... ولي أدمعٌ كالنهر تجري وتدفع
فلله يومٌ بان إشراق نوره ... ولله يومٌ فاض بالدمعِ مدمعُ
وأمسى كئيبَ الصدر بالبعد موحشاً ... وبات على جمر الهوى يتضجَّع
ويا نسمة سارت إلينا عشية ... مقلَّة عرف منهمُ يتضوعُ
فبالله إلا ما حملت إليهمُ ... تحية مشتاق يذلُّ ويخضع
لقد خلفوني في الوداد متيماً ... كئيباً سقيماً باكياً أتضرع
أبيتُ وأفكاري تؤمّل شخصهم ... فأصبح لهافناً وما لي مرجع
ومهما بدا ركب أبادرُ قائلاً: ... أحن إليهم بالفؤاد وأخضع
فيا عاذلي دعني فإنّ مرمكم ... هراءٌ يبق للعذَّالِ عنديَ مطمع
ففي مذهبي السلوان جاء محرماً ... فلم يبق للعذَّالِ عنديَ مطمع
وهل تختفي شمسٌ وفي الكون نورها ... وهل يختفي برق وفي الجوّ يلمع
وهل يختفي علم الهمام الذي غدا ... له موضع فوق الكواكب أرفعُ
هو الأبُ عز الله أصلي أنا به ... فطوبى لأجدادٍ أقرُّا وفرَّعوا
إمامٌ همامٌ فاضل متعفف ... شريف جليل للفواضلِ أجمع
تقيٌّ نقيُّ زاهد ذو سياسة ... حليمٌ كريمٌ للمكارم منبع
هو البحر في أيَّ العلوم أردتها ... حجاه إلى نيل الدقائق مسرع
مشارق أنوار بطلعته انجلت ... وصار لها نور يضيء ويسطع
وفي أبحر التدقيق حاز دقائقاً ... يضلُّ بها عقل سديد وألمع
فيا خير ممدوحٍ، ولست مبالغاً=بل المرءُ باللذ قد تقفاه أجمع
رعى الله طوداً جئته بمقالة ... وليس لها رد ولا فيك تمنع
ألا كل سمع غيرك باطلٌ ... وكل مديح في سواك مضيع
وهذا دليل بالسعادة ناطق ... وأنك تحت العرش تحظى وترفع
وأفضل خير قد يكون غدا به ... كتابك مختوماً وأنت مشفع
ولما ختم تدريس شرح المحلي على جمع الجوامع الأصولي هنأه بالختم المذكور أيضاً تلميذه شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الرابع، بقوله: [الوافر]
مديحك لا يحيط به النظامُ ... وجودك لا يقاومه الغمامُ
وعلمك منهل للناس طرًّا ... ومجلسك الأعزُّ له احترام
بك الآفاق قد زادت سروراً ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
стр. 424
فأنت لأوج أفق الدهر بدر ... منير لا يفارقه التمام
وأنت لعز هذا الدين تاج ... وأنتَ لنصره أبداً حسام
وأنت لكل معضلةٍ ترجَّى ... وأنت لكل مشكلة غمام
جمعت من المحاسن كلَّ وصف ... وكل الناس عن هذا نيام
وآيات الفصاحة عنك تروى ... وفي كفَّ لكم منها زمام
فلو قسٌّ وسبحانٌ جميعاً ... كذا أيضاً أو الفتح الإمام
صغوا يوماً لمنطقكم لقالوا: ... يفوق الدرَّ حقاً ذا الكلام
أبا إسحاق أنت فريدُ دهر ... وأنت لقطرك العلمُ الهمام
هنيئاً يا إمام العصر يا من ... له فوق السما الأعلى مقام
بختم قد شرحتَ به علوماً ... وسرَّتْ من ضخامته الأنام
ختام قد جلا عنا ظلاماً ... وما أدراك ما هذا الختام
وهاك خريدةَ الأفكار جاءت ... يصاحبها سرورٌ وابتسام
تؤملَ حسن صفحٍ منك عما ... يقصر في مديحكمُ النظام
ويطلب ربُّها منكم دعاء ... يقيه من الحوادث إذ الحمام
ولا زالت لك العلياء داراً ... اردّد مدحكم فيها الحمام
وهنأه بالختم المذكور ابنه الشيخ محمد الطيب الرياحي، بقوله: [الوافر]
فؤاد لا يفيق من الغرامِ ... وجسم لا يبين من السقامِ
وشوق ألَّف الأشجان حولي ... وفرَّقَ بين جفني والمنامِ
ودمعٌ لا نفاد له، كأني ... أروم به مساجلة الغمامِ
وصبرٌ حاول الأسواء حتى ... علاهأن فاستعاذت، بانهزام
ألا لله نفس جشمتها ... مخامرةُ العلى همم سوامِ
وفي كف الحضائر أسلمتها ... عزائم تنبري مثل السهام
تقول أفيك للتقصير عذر ... وأنت ابن المفدَّى بالأنام
أبي إسحاق فائدة الليالي ... وبهجتها وواسطة النظام
همام أغربت فيه المعالي ... تقدّمه المعارفُ كالإمام
أغر الوجه وضاح السجايا ... بريء العرض من عيب ودام
ولو قسمت مكارمه البرايا ... فقدنا في الورى صنف اللئام
إذا استبق الكرام مدى رهان ... بدا وهو المجلّى في الكرام
أو اقتسموا على خطط المزايا ... يكون له المعلّى في السهام
غدا المثلَ الشرود تقى وعلماً ... وحلماً في وقار واحترام
تناسينا به ذكر ابن قيس ... ومعروفٍ ومالك الإمام
تسامى للعلا طفلاً معنّى ... بكسب العلم لا كسب الحطام
فأحرز في الكمالِ مقامَ صدق ... تضاءلَ دونه بدرُ التمام
وأصبحَ منه هذا الدين يسمُو ... بعزَّ حمى تاجٍ فوقَ هام
وسيفٍ بالهدى أمسى محلَّى ... وبالعرفان أضحى ذا اتسام
بهمته تزول ذرى الرواسي ... وتنهلُّ الغمائمُ في انسجام
عذيري من أعاديه إذا لم ... يهابوا سطوة اللَّيث المحامي
ألمَّا يذعنوا لما تحدَّى ... يوازون الشوامخ بالإكام
وراموا أن يدانوه فكانوا ... مكان المنسمين من السَّنام
أمولى نعمتي وعماد مجدي ... ويا سندي ويا كلَّ المرام
إليك عقود أمداح جلاها ... صناع الفكر في حسن انتظام
خدمت بها مقامك يوم ختم ... يفوقُ عبيرهُ مسكَ الختام
أدرتَ به علينا كأسَ علم ... دهاقاً جزجه سحرُ الكلام
وحلَّيت النفوس بحلي فضلٍ ... به تزدان ما بين الأنام
ألا إنّ "المحلَّي" لو رآه ... لأعجب من فوائدك الجسام
ونال كتابه عنكم وأمسى ... يفاخر منك بالشيخ الهمام
فملَّئت الهنا فيه وفيما ... يليه، وما يليه إلى القيام
تسر بما تروح به الأعادي ... وتغدو في مساورة الحمام
ودمت وأنمت في شرفٍ وأمن ... دوام الركن فينا والمقام
وقرظ هاته القصيدة أخوه الشيخ علي الرياحي، بقوله: [الوافر]
أهذا الفجرُ أم بدرُ التمام ... أم المشمسُ العديمة للغمامِ؟
أم الوجه المهلل من فتاة ... تراءت في محاسنها العظامِ؟
إذا ما أعرضت يوماً بصدَّ ... تجر العالمين إلى الحمام
إذا ما أتحفتك بريق ثغر ... يخال الريق من رشف المدام
تحاكي البان قدَّا إذ تبدت ... وتحكي السحرَ في لطف الكلام
стр. 425
لعمرك ما وجدت لها سلوَّا ... سوى جمع الجواهر من إمام
سراج العلم والتقوى تناهت ... إليه المكرمات بلا اكتتام
إذا ما فكرهُ أبدى مقالاً ... فإن القول ما قالت حذام
إليك الفكر قد اهدى مديحاً ... يقابل بالقبول لدى الكرام
ويرعى الله مجدك كل حين ... دوامَ الدّهرِ من غير انفصام
وأجابه عن هذا التقريظ أخوه الممدوح الشيخ الطيب الرياحي، بقوله: [الوافر]
أناطتْ إذ أماطت باللثامِ ... بأقمار الدُّجى سمةَ احتشام
عقيلةُ فتنةِ الألباب أزرت ... بدائعها بأزهار الكمام
أعيذ جمالها من كل شوب ... معاذ كمالها من كل ذام
شهدت بأنّ منجبها عليٌّ ... عزيزُ المثل ما بين الأنام
وكيف يكون مذموم المساعي ... فتى ينميه قطبُ رحى الكرام
أدام الله طود علاه فينا ... وصانك يا هلالُ إلى التمام
وقد كتب ﵁ في علم النحو حاشية على شرح الفاكهي لقطر ابن هشام، ترزي مباحثها بحسن الابتسام، في ثغور الأيام، وقد سلك فيها أغواراً دقيقة، وأبدع فيها تحقيقه، مع سهولة مأخذها الذي سهل به صعاب المسائل أي تسهيل، وأغنى بالتصريح فيها عن ارتكاب التأويل، فكان بها كشاف أسرار العربية، ورافع أستار المشكلات النحوية، تدل بما أودع فيها على ماله في العلوم من اليد الطولى، والغايات التي نال إليها وصولاً.
وشرح أيضاً الخزرجية في علم العروض، شرحاً قام لذلك بالقدر المفروض، فكان شرحاً وجيزاً بسيطأن بجميع شروح الفن محيطأن مع سهولة تقرير، ولطافة تحرير.
وأما نظمه لمتن ابن آجروم النحوي فهو وغن جمع جميع ما احتوى عليه الأصل من المسائل، وسهل حفظها لكل طالب وسائل، غير أنه فيما أظن من مبادئ نظامه، كما لا يخفى على مطالع كلامه، وإلا فإنه كان آية الله في حسن الإنشاء، يتصرف في النظم والنثر كيف يشأن قد أبدع الآداب، وسبق في حلبتها على الشعراء والكتاب، وشعره أدل دليل على قوة عارضته، التي توقف فرسان اليراعة دون الوصول إلى معارضته.
وقد تحلت ترجمته هنا بعض ببعض ما له من البدائع، المزرية بالكواعب الروائع، التي أخصب بها ربع الأدب، وتجملت بخيرنها صفحات حدود الكتب، وحسبه ما خلده بجمع ولده في ديوان الخطب، الذي يبلغ البليغ به إلى غاية الأرب.
وأما شعره الرائق، ونظامه الفائق، فأحسب أني أول من تصدى لجمعه في كتابي مجمع الدواوين التونسية، فأحصيت منه نحو خمسة كراريس تزري بالحلل السندسية، حوت نحو الألفين من أبياته الفاخرة، التي طمت بها تلك البحور الزاخرة، وهو مبلغ يصلح لأن ينفرد به ديوان شعره، الفائق في سعره، وفي ضمنه من محاضراته ما ترتاح له النفوس، ويقول مطالعه لا عطر بعد عروس.
فمن محاضراته أنه اجتمع في بعض الليالي بشاعر بلد سليمان العالم الشيخ محمد ماضور الأندلسي في بيت صديقه الكاتب محمد المسعودي واتفق في مسامرة تلك الليلية أن أدار القهوة على ذلك الجمع، وسيم لطيف الصنع، وحين دخوله يحمل فناجينها بأنامله، وطلوعه عليهم ببدر أشرق فيه بكامله، أصاب شمعة المجلس الموقودة، فانحنت انحناء من يروم سجوده، إذ رأت منه شمعة الجيد التي لا تقط، ولا تطفأ قط، وأنشد الشيخ محمد ماضور في وصف الحال من لطائف المسامرات فقال: [الرمل]
ليلةٌ قد عظمت بين الليالْ ... فهي في جيد المنى عقد الآلْ
وأرتنا عجباً إذ جمعت ... بين شمس ثم بدر وهلالْ
سعدت إذ أنزلتنا منزل المس ... عودي الشهم المفدى ذي الكمال
وبإبرهيم أبدت منظراً ... هام فيه القلب إذ عز المثال
فارتياحي بالرياحيَّ غدا ... وكذاك السعد بالمسعود (ي) طالْ
ليلة جد بنا الأنسُ بها ... طرباً بين يمين وشمالْ
وأديرت قهوة البنَّ على ... جمعنا يسعى بها بدرُ الكمال
فانحنى الشمع منيباً ساجداً ... سجدة الشكر لهاتيك الخلال
فهو والقهوة والفنجانُ في ... كفه يبدي غريباً في المثال
قمراً قد عصرَ اللّيل على ... صفحةِ الفجرِ ف مَّتْ باحتفال
مزج الحلوَ بمرَّ فكأنْ ... قد أرانا القرب والبعد المطال
يا لها من ليلة قد جمعتْ ... كل أنسٍ وبهاءٍ وكمال
следующие страницы →