Полный текст (514 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
خ وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال.
خ فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال.
إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل.
خ يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل.
خذوا ما أتاكم به واغنموا ... فإن الغنيمة في العاجل.
خ أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطعن عند محبيهم كا القبل.
ولا يجير عليه الدهر بغيته ... ولا تحصن درع مهجة البطل.
بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... كما تضر رياح الورد بالجعل.
إذا ما تأملت الزمان وصرفه ... تيقنت أن الموت ضرب من القتل.
هل الولد المحبوب إلا تعلة ... وهل خلو الحسناء إلا أذى البعل.
وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل.
وربما قالت العيون وقد ... تصدق فيها ويكذب النظر.
أعاذك الله من سهامهم ... ومخطئ من رميه القمر.
وإذا وكلت إلى كريم رأيه ... في الجود بأن مذيقه من محضه.
إن الرياح إذا عمدن لناظر ... أغناه مقبلها عن استعجاله.
دون الحلاوة في الزمان مرارة ... لا تختطى إلا على أهواله.
وهل تغني الرسائل في عدو=إذا ما لم يكن ظبي رقاقا.
وإن جزعنا له فلا عجب ... ذا الجزر في البحر غير معهود.
فما ترجى النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمود.
من يعرف الشمس لا ينكر مطالعها ... أو يبصر الخيل لا يستكرم الرمكا.
خ وما ذاك بخل بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم.
أهل الحفيظة إلا أن تجربهم ... وفي التجارب بعد الغي يجتدع.
ليس الجمال لوجه صح مارنه ... أنف العزيز بقطع العز يجتدع.
والمشرفية ما زالت مشرفة ... دواء كل كريم أوهي الوجع.
خ لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس يأكل إلا الميت الضبع.
خ من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع.
خ فقد يظن شجاعا من به خرق ... وقد يظن جبانا من به زمع.
إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع.
وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى ... وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا.
خ وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد.
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد.
وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد.
فإن قليل الحب بالعقل صالح ... وإن كثير الحب بالجهل فاسد.
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب.
وللترك للإحسان خير لمحسن ... إذا جعل الإحسان غير ربيب.
فرب كئيب ليس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيب.
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب.
خ أعيذها نظرات منك صادقة ... إن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم.
خ وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم.
خ إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم.
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم.
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهي ذمم.
شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم.
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم.
وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا.
وما صبابة مشتاق على أمل ... من اللقاء كمشتاق بلا أمل.
والهجر أقتل لي مما أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل.
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل.
إ كنت ترضى بأن يعطوا الجزى بذلوا ... منها رضاك ومن للعور بالحول.
خ لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل.
لأن حلمك حلم لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كا لكحل.
وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسد طريق العارض الهطل.
стр. 107
خ وليس يصح في الإفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل.
خ وما كمد الحساد شيئا قصدته ... ولكنه من يزحم البحر يغرق.
خ وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق.
خ ومن كنت بحرا له يا علي لا يقبل الدر الإكبارا.
ليالي بعد الظاعنينا شكول ... طوال وليل العاشقين طويل.
وبتن بحصن الران رزحى من الوجى ... وكل عزيز للأمير ذليل.
فإن تكن الأيام أبصرن صولة ... فقد علم الأيام كيف تصول.
أبدري ما أرابك من يريب ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب.
يجشمك الزمان أذى وحبا ... وقد يؤذى من المقة الحبيب.
خ لكل أمريء من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدى.
خ وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا.
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا.
ووضع الندى في وضع السيف بالعلي ... مضر كوضع السيف في موضع الندى.
وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجدا الإحسان قيدا تقيدا.
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لاتشاكل.
وما تركوك معصية ولكن ... يعاف الورد والموت الشراب.
ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب.
خ وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربما خفي الصواب.
خ وكم ذنب مولده دلال ... وكم بعد مولده اقتراب.
خ وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم.
تفيت الليالي كل شيء أخذته ... وهن لما يأخذن منك غوارم.
ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم.
أينكر ريح الليث حتى يذوقه ... وقد عرفت ريح الليوث البهائم.
وما تنفع الخيل الكرام ولاالقنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام.
فإن كنت لا تعطي الذمام طواعة ... فعوذ الأعاذي بالكريم ذمام.
وشر الحمامين الزؤامين عيشة ... يذل الذي يختارها ويضارم.
خ وما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق.
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق.
وما يوجع الحرمان من كف حارم ... كما يوجع الحرمان من كف رازق.
ولو لم يبق لم تعش البقايا ... وفي الماضي لمن بقى اعتبار.
لعل بينهم لبنيك جند ... فأول قرح الخيل المهار.
وما في سطوة الأرباب عيب ... ولا في ذلة العبدان عار.
لك إلف يجره وإذا ما ... كرم الأصل كان للألف أصلا.
إن خير الدموع عينا لدمع ... بعثته رعاية فاستهلا.
وإذا لم تجد من الناس كفؤا ... ذات خدر تمنت الموت بعلا.
ولذيذ الحياة أنفس للنف ... س وأشهى من أن تمل وأحلى.
وإذا الشيخ قال أفٍّ فما مل حياة وإنما الضعف ملا.
آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولا.
أبدا تسترد ما تهب الدن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا.
وهي معشوقة على الغدر لا تحفظ عهدا ولا تتمم وصلا.
كل دمع يسيل منها عليها ... وبفك اليدين عنها تخلى.
رب أمر أتاك لا تحمد الفعال فيه وتحمد الإفعالا.
والعيان الجلي يحدث للظن ... زوالا وللمراد انفعالا.
وإذا ما حلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا.
أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا.
إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا.
من أراد التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا.
كل غاد لحاجة يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا.
ورفلت في حلل الثناء وإنما ... عدم الثناء نهاية الإعدام.
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني.
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران.
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان.
стр. 108
وتوهموا لعب الوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان.
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقسامك القسم.
لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا.
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم.
وما عاقني غير قول الوشاة ... وإن الوشايات طرق الكذب.
ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب.
وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل.
زودينا من حسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال تحول.
إن تراني أدمت بعد بياض ... فحميد من القنا الذبول.
وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل.
ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول.
غدرت يا موت كم أفنيت من عدد ... بمن أصبت وكم أسكت من لجب.
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب.
وعاد في طلب المتروك تاركه ... أنا لنغفل والأيام في الطلب.
فلا تنلك الليالي أن أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بالغرب.
ولا يعن عدوا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخرب.
وإن سررن بمحبوب فجعن به ... وقد أتينك في الحالين بالعجب.
وربما احتسب الإنسان غايتها ... وفاجأته بأمرٍ غير محتسب.
وما قضى أحد منها لبانته ... ولا انتهى أرب إلا إلى أرب.
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب.
فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب.
ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعب.
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا.
تمنيتها لما تمنيت أن أرى ... صديقاً فاعيا أو عدواً مداحيا.
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى ... ولا تنفى حتى تكون ضواريا.
فإن دموع العين غدر بربها ... إذا كن أثر الغادرين جواريا.
إذا الجود لم يرزق خلاص من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا.
وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا.
خلقت الوفا لو رحلت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا.
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا.
حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب.
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب.
أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده.
وأسرع مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء في طباعك ضده.
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده.
خ فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده.
وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده.
وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده.
وما منزل اللذات عندي بمنزل ... إذلم أبجل عنده وأكرم.
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق مل يعتاده من توهم.
أصادق نفس المرء من قبل جسمه ... واعرفها في فعله والتكلم.
وأحلم عن خلي وأعلم أنه ... متى أجزه حلما على الجهل يندم.
وإن بذل الإنسان لي جود عابس ... جزيت بجود الباذل المتبسم.
وما كل هاو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم.
ولم أرج إلا أهل ذاك ومن يرد ... مواطر من غير السحائب يظلم.
فأحسن وجه في الورى وجه محسن=وأيمن كف في الورى كف منعم.
خ وأشرفهم من كان أشرف همة ... وأكثر إقداماً على كل معظم.
خ لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور صديق أو إساءة مجرم.
ولكن ما يمضي من الدهر فائت ... فجد لي بحظ البادر المتغنم.
إنما تنجح المقالة في المر ... ء إذا وافقت هوى في الفؤاد.
قد يصيب الفتى المشير ولم يج ... هد ويشوي الصواب بع اجتهاد.
стр. 109
وإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلم تقدم الميلاد.
خ وإطاعتك أسد دهرك والطا ... عة ليست خلائق الآساد.
وإذا كان في الأنابيب خلف ... وقع الطيش في صدور الصعاد.
كيف لاي ترك الطريق لسيل ... ضيق عن أتيه كل واد.
خ وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في أعين من لا يجرب.
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب.
لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب.
وكل أمريء يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب.
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهب.
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب.
وقد يترك النفس التي لا تهابه ... ويخترم النفس التي تتهيب.
فما يديم سرور ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن.
يا من نعيت على بعد بمجلسه ... كل بما زعم الناعون مرتهن.
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحات ولا يلاقي الهوانا.
ولو أن الحياة تبقى لحي ... لعددنا أضلنا الشجعانا.
خ وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا
كل ما لم يكن من الصعب في الأن ... فس سهل فيها إذا هو كانا.
فإن يك إنسانا مضى لسبيله ... فإن المنايا غاية الحيوان.
قال الزمان قولا له فاسمعه ... إن الزمان على الإمساك عذال.
القاتل السيف في جسم القتيل به ... وللسيوف كما للناس آجال.
يروعهم منه دهر صرفه أبدا ... مجاهر وصروف الدهر تغتال.
خ لطفت رأيك في وصلي وتكرمتي ... عن الكريم على العلياء يحتال.
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال.
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كل ماشية بالرجل شملال.
إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال.
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال.
ولما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام.
وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام.
خ وآنف من أخي لأبي وأمي ... إذا لم أجده من الكرام.
أرى الأجداد تغلبها كثيرا ... على الأولاد أخلاق اللئام.
عجبت لمن له قد وحد ... وينبو نبوة العضب الكهام.
ومن يجد المطي إلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنام.
ولم أرى في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام.
ويصدق وعدها والوعد شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام.
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام.
وللسر منه موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب.
وما العشق إلا غرة وطماعة ... يعرض قلب نفسه فيصاب.
وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للزجاج ركاب.
خ أعز مكان في الدنيا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب.
خ أيا أسدا في جسمه روح ضيغم ... وكم أسد أرواحهن كلاب.
وقد تحدث الأيام عندك شيمة ... وتنعمر الأوقات وهي يباب.
ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب.
أنوك من عبد ومن عرسه ... من حكم العبد على نفسه.
ما من يرى أنك في وعده ... كمن يرى أنك في حبسه.
ولا يرجى الخير عند امرئ ... مرت يد النخاس في رأسه.
فقل ما يلؤم في ثوبه ... إلا الذي يلؤم في غرسه.
خ لاشيء أقبح من فحل له ذكر ... تقوده أمة ليست لها رحم.
وإذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم.
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أني بما أنا باك منه محسود.
جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود.
العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو أنه في ثياب الحر مولود.
لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد.
стр. 110
إن امرءاً أمة حبلى تدبره ... لمستضام سخين العين مفؤود.
خ من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد.
خ أم أذنه في يد النخاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود.
خ وذاك أن الفحول الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود.
فتى زان في عيني أقصى قبيلة ... وكم سيد في حلة لا يزينها.
وما كل منة قال قولا وفي ... وما كل من سيم خسفا أبى.
ولابد للقلب من آلة ... ورأي يصدع صم الصفا.
وكل طريق أتاه الفتى ... على قدر الرجل فيه الخطى.
خ لقد كنت أحسب قبل الخصي أن الرؤوس محل النهى.
خ فلما نظرت إلى عقله ... رأيت النهى كلها في الخصى.
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما ل يرى.
خ الحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع.
خ إني لا أجبن من فراق أحبتي ... وتحس نفسي بالحمام فأشجع.
خ ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع.
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع.
ولمن يغالط في الحقيقة نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع.
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع.
بأبي الوحيد وجيشه متكاثر ... يبكي ومن شر السلاح الأدمع.
وإذا حصلت من السلاح على البكا ... فحشاك رعن به وخدك تقرع.
خ قبحا لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل قبيح برقع.
ومن ضاقت الأرض على نفسه ... حرى أن يضيق بها جسمه.
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر والمم.
وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم.
خ حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم.
توهم القوم أن العجز قربنا ... وفي التقريب ما يدعو إلى التهم.
خ ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم.
هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم.
ولا تشك إلى خلق فتشتمه ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم.
وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم.
غاض الوفاء فما تلقاه في عدة ... وأعوز الصق في الإخبار والقسم.
إن أوحشتك المعالي ... فإنها دار غربة.
كدعواك كل يدعي صحة العقل ... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل.
دريني أنل مالا ينال من العلي ... فصعب العلي في الصعب والسهل في السهل.
خ تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولابد دون الشهد من إبر النحل.
وليس الذي يتبع الوبل رائدا ... كمن جاءه في داره رائد الوبل.
وما أنا ممن يدعي الشوق قلبه ... ويحتج في ترك الزيارة بالشغل.
تحاذر هزل المال وهي ذليلة ... وأشهد أن الذل شر من الهزل.
قد كنت أحذر بينهم من قبله ... لو كان ينفع حاذرا أن يحذرا.
إن في الموج للغريق لعذرا ... واضحا أن يفوته تعداده.
ما سمعنا بمن أحب العطايا ... وأشتهي أن يكون فيها فؤاده.
خ وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد.
خ وليس حياء الوجه في الذئب شيمة ... ولكنه من شيمة الأسد الورد.
خ يعللنا هذا الزمان بذا الوعد ... ويخدع عما في يديه من النقد.
كل جريح ترجى سلامته ... إلا فؤادا دهته عيناها.
وخل زيا لمن يحققه ... ما كل دام جبينه عابد.
لابد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب المضجع عن جنبه.
ينسى بها ما كان من عجبه ... وما أذاق الموت من كربه.
نحن بنوا الموتى فما بالنا ... نعاف ما لابد من شربه.
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه.
لو أفكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه.
لم ير قرن الشمس في شرقه ... فشكت الأنفس في غربة.
يموت راع الضان في جهله ... ميتة جالينوس في طبه.
خ وربما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه.
стр. 111
خ وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه.
فلا قضى حاجته طالب ... فؤاده يخفق من رعبه.
ما كان عندي أن بدر الدجى ... يوحشه المفقود من شهبه.
إن النفوس عدد الآجال ... ورب قبح وحلى ثقال.
أحسن منها الحسن في المعطال ... فخر النفس بالنفس والأفعال.
من قبله بالعم والأحوال.
هذا أخر ما استخرجه الصاحب كافي الكفاة رحمه الله تعالى من شعر المتنبي من الأمثال، وإنما أثبتناها برمتها هنا لتكون عمد لأهل الإنشاء وغيرهم إذا أوردوها في ترسلاتهم وكلامهم وشواهدهم على اختلاف أنواعها فإن المدار عليها كما ذكرناها سابقا، وليس ذلك لعمري مخصوصا بأمثاله فقط، بل جميع شعره يتداوله أصناف الناس، في فنون الأغراض، كما قال أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر: ليست اليوم مجالس الدرس، أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الإنس ولا أقلام كتاب الرسائل؛ أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل؛ ولا لحون المغنين والقوالين، أشغل به من كتب المؤلفين والمصنفين. انتهى.
وقال ابن رشيد العمدة: ليس في المولدين أشهر اسماً من الحسن ابن هاني؛ ثم حبيب والبحتري؛ ويقال أنهما أخملا خمسمائة شاعر في زمانهما كلهم مجيد؛ ثم يتبعهما في الاشتهار ابن الرومي وابن المعتز؛ ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا. انتهى.
ولأبي الفضل أحمد بن محمد بن يزيد السكري المروزي من شعراء اليتيمة مزدوجة ترجم فيها أمثالا للفرس، منها قوله:
أحسن ما في ضفة الليل وجد ... الليل حبلى ليس يدري ما تلد.
من مثل الفرس ذوي الأبصار ... الثوب رهن في يد القصار.
إن البعير يبغض الخشاشا ... لكنه في أنفه ما عاشا.
نال الحمار بالسقوط في الوحل ... ما كن يهوى ونجى من العمل.
نحن على الشرط القديم المشترط ... لا الزق منشق ولا العير سقط.
في المثل السائر للحمار ... قد ينفق الحمار للبيطار.
العنز لا يسمن إلا بالعلف ... لا يسمن العنز بقول ذي لطف.
البحر غمر الماء في العيان ... والكلب يروي منه باللسان.
لا تك من نصحي ذا ارتياب ... ما بعتك الهرة في الجراب.
من لم يكن في بيته طعام ... فماله في محفل مقام.
منيتني الإحسان دع إحسانك ... اترك بحشو الله باذنجانك.
كان يقال من أتى خوانا ... من غير أن يدعى إليه هانا.
وكان الشاعر المذكور مولع بنقل أمثال الفرس إلى العربية، فمن ذلك قوله في غير المزدوجة:
إذا الماء فوق غريق طما ... فقاب قناة وألف سوا.
إذا وضعت على الرأس التراب فضع ... من أعظم التل أن النفع منه يقع.
في كل مستحسن عيب بلا ريب ... ما يسم الذهب الإبريز من عيب.
ما كنت لو أكرمت أستقصي ... لا يهرب الكلب من القرص.
طلب الأعظم من بيت الكلاب ... كطلاب الماء في لمع السراب.
هو الثعلب الرواغ في مهمه سلك ... يرى إليه فيه ما أن يرى الشبك.
من مثل الفرس سار في الناس ... التين يسقي بعلة الآس.
تبختر إخفاء لما فيه من عرج ... وليس له فيما تكلفه فرج.
ولأبي عبد الله الأبيودري قصيدة ترجم فيها أمثال الفرس، منها قوله:
صيامي إذا أفطرت بالسحت ضلة ... وعلمي إذا لم يجد ضرب من الجهل.
وتزكيتي مالا جمعت من الربا ... رياء وبعض الجود أخزى من البخل.
كسارقة الرمان من كرم جارها ... تعود به المرضى وتطمع من الفضل.
ألا رب ذئب مر بالقوم خاويا ... فقالوا علاه البهر من كثرة الآكل.
وكم عقعق قد رام مشية قبجة ... فأنسى ممشاه ولم يمش كالحجل.
ولبعض الأدباء قصيدة أيضاً في ذلك، منها:
ما أقبح الشيطان لكنه ... ليس كما ينقش أو يذكر.
يكفي قليل الماء رطب الثرى ... والطين رطبا بله أيسر.
إلى شفا النار أماشي أخي ... كنني أن خاضها أصدر.
أنتهز الفرصة في حينها ... وألتقط الجوز إذ ينثر.
يطلب أصل المرء من فعله ... ففعله عن أصله يخبر.
كم ماكر حاق به مكره ... وواقع في بعض ما يحفر.
فررت من قطر غلى مشغب ... علي بالوابل يثعنجر.
стр. 112
أن تأت عورا فتعاور لهم ... وقل أتاكم رجل أعور.
خذه بموت يغتنم عنده ال ... لحمى فلا يشكو ولا يجأر.
الكلب لا يذكر في مجلس ... ألا تراءى عندما يذكر.
هذا ما اختره منها جاحظ نيسابور في يتيمة الدهر؛ وما أردنا بإثبات ذلك إلا التفنن في الأمثال. وأما المثال الواقعة في أشعار العرب؛ فأكثر من أن تحصى؛ وأوفر من أن تستقصى؛ وقد ذكرنا منها ما فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.
تنبيه- قال العلامة الزمخشري في الكشاف: المثل في أصل كلامهم، بمعنى المثل وهو النظير، يقال: مثل وممثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه؛ ثم قيل للقول الممثل مضربه بمورده: مثل. ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق؛ حتى تريك الخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن؛ والغائب كأنه مشاهد؛ وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي. ولمر ما أكثر الله تعالى في كتابه المبين؛ وفي سائر كتبه أمثاله؛ وفشت في كلام رسول الله ﵌، وكلام الأنبياء ﵈ والحكماء، قال الله تعالى (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتيسر، ولا جديرا بالقبول؛ إلا قوله فيه غرابة من بعض الوجوه؛ ومن ثم حوفظ عليه؛ وحمي عن التغيير. انتهى.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى في هذا النوع قوله:
رجوتكم نصحاء في الشدائد لي ... لضعف رشدي فاستسمنت ذا ورم.
فقوله: استسمنت ذا ورم، من الأمثال السائرة، يضرب لمن يخيب الرجاء فيه. قال الحريري في المقامة الثانية: لقد استسمنت يا هذا ذا ورم ونفخت في غير ضرم. وأشار إليه المتنبي في قوله:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
أنوار بهجته إرسالها مثلا ... تلوح أشهر من نار على علم.
فقوله: أشهر من نار على علم، من الأمثال السائرة؛ يضرب للبالغ من الشهرة غايتها. ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة:
وكم تمثلت إذا أرخوا شعورهم ... وقلت بالله خلو الرقص في الظلم.
فارقص في الظلم من الأمثال، لكنه مثل عامي لا يؤثر عن العرب؛ على أنه ليس هذا مضربه؛ فإن هذا المثل غنما يضرب لمن يفعل الشيء عبثا في غير محله، بحيث لا ينتفع به. كقول البهاء زهير:
يا أيها الباذل مجهوده ... في خدمة أف لها خدمه.
إلى متى في تعب ضائع ... بدون هذا تؤكل اللقمة.
تشقى ومن تشقى له غافل ... كأنك الراقص في الظلمة.
فتراه كيف تمثل به لمن يذهب فعله ضائعا. وأما التمثيل به حال إرخاء الأحباب للشعور فلا وجه له، فإن إرخاء الشعور أمر مستحسن من الحبائب والأحباء، لم يفعل في غير موقعه حتى يمثل له الرقص في الظلم، فقوله في شرحه: أن قولي لهم بعد إرخاء الشعور: خلوا الرقص في الظلم، لا يخفى على حذاق الأدب؛ أنما لاحظ فيه تشبيه الشعور بالظلم، ولم يتألم مضرب المثل؛ فأخطأ الصواب ولم يشعر.
والشيخ عبد القادر الطبري انتحل بيت الشيخ عز الدين الموصل فقال:
كما لهم ظاهر إرسالهم مثلا ... يلوح أشهر من نار على علم.
وبيت بديعيتي قولي:
أرسلت إذ لذ لي حبيهم مثلا ... وقد يكون نقيع السم في الدسم.
فالسم في الدسم من المثال السائرة، يضرب للمحبوب يكون فيه المكروه. قال صاحب البردة:
كم حسنت لذة للمرء قاتلة ... من حيث لم يدر أن السم في الدسم.
وبيت الشيخ إسماعيل المقري قوله:
طالت مسافة الليل لا منامة به ... ولا منام لمقروح على ألم.
بسقم عينيك اسقم كل جارحة ... فرب داء دفين صح بالسقم.
هذا هو قول أبي الطيب (فربما صحت الأجسام بالعلل) .
التخيير .
تخيير قلبي أضناني بهم ومحا ... مني الوجود والجاني إلى الندم.
التخيير هو أن يأت الشاعر ببيت يسوغ أن يقفى بقواف متعددة، فيختار منه قافية مرجحة على سائرها، تدل على حسن اختياره، لكونها أنسب وأمكن من غيرها.
كقول الحريري:
стр. 113
إن الغريب طويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ماله قوت.
فأنه يسوغ أن يقال في قافيته: ماله مال، ماله نسب، ماله صفد، ماله أحد؛ ماله قوت. فإذا نظرت إلى هذه القوافي، وجدت قوله: ماله قوت؛ أبلغ من الجميع؛ لكونها أدل على الفاقة؛ وأظهر في شكوى الحال من غيرها.
وذكر ابن حجة في هذا النوع آية من كتاب الله تعالى؛ وعدها منه وهو غير صواب؛ بل هي من نوع التمكين قطعا؛ إذ مفهوم التغيير أنه يسوغ أن يؤتى في مكان الفاصلة بفاصلة أخرى؛ لولا ما حظر الشرع من ذلك؛ وليس كذلك؛ فإن القرآن العظيم نزل على أكمل الوجوه لفظا ومعنى، بحيث لا يمكن لأحد أن يغير فيه حرفا واحدا، وإن خفي على بعض الحكماء وجه الحكمة في بعض الألفاظ والفواصل، وتوهم انه يمكن تغييرها، فهو من غباوته وجهله بمواقع الألفاظ. والآية التي أعدها ابن حجة من هذا النوع عدها غيره من التمكين، وسنذكر شيئا من ذلك في نوع من التمكين، عند إفضاء النوبة إليه مع مشيئة الله تعالى.
ولم يسمع في هذا النوع الطف من أبيات ديك الجن:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي عند المنام ... عند الرقاد عند الهجوع عند الهجود عند الوسن.
فعسى أنام فتنطفي نار تأجج في عظامي ... في فؤادي في ضلوعي في كبودي في البدن.
جسد تقلبه الأكف على الفراش من السقام ... من القتاد من الدموع من الوقود من الحزن.
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك دوام ... من معاد من رجوع من وجود من ثمن.
فهذه القوافي المثبتة حيال كل بيت، يناسب كل منه المعنى، لكن الأولى أولى.
وذكر الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح اللامية أن ابن الذروي نظم قصيدة مطلعها:
نوى اطلعت منه القفار البسابس ... نخيل مطي طلعهن أوانس.
وهي تزيد على العشرين بيتا، جعل لكل بيت أربعا وعشرين قافية وهذه القصيدة تنشد أربعا وعشرين قصيدة، وهذا غاية في القدرة.
وصنع أبو القاسم علي بن منجب المعروف بابن الصيرفي بيتين وهما:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره عن كل إطراء.
تناثرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من نظم وإنشاء.
ثم أنه روى البيتين على جميع حروف المعجم.
وأما الشعر الذي على قافيتين فكثير جدا من ذلك قول ابن الرومي:
لم تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد يوضع.
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لا فسح مما كان فيه وأرغد وأوسع.
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد يفزع.
ولسيف الدين قصيدة على هذا النط أولها:
أسقني الراح قد تجلى النهار (الظلام) وتغنى على الأراك الهزاز ... الحمام.
وبدا الروض في ثياب من الزهر شذاها بنفسج وعرار وثمام.
فاسقنيها مثل الورود احمرارا ... وكثغر الحبيب فيه افترار ابتسام.
قهوة لزة رحيق شول ... قرقف لذة سلاف عقار مدام.
من يدي أوطف الجفون غرير ... زانه الخصر واللمى والعذار والقوام.
بدر تم يلوح في زي ظبي ... قصرت عن صفاته الأفكار الإفهام.
ثم أنه سار على هذا النموذج غلى تمام احد وعشرين بيتا.
ولأبي قاسم محمد بن جزى المغربي:
أيا من كففت النفس عنه تعففا ... وفي النفس من شوقي إليه غرام لهيب.
إلا إنما صبري كصبر وإنما ... على النفس من تقوى الإله لجام رقيب.
ومما يناسب ذكره هنا، ما روى أصحاب الحديث من حيث محمد بن كعب القوظي، قال: بينما عمر بن الخطاب جالسا إذ مر به رجل، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذا سواد بن قارب الذي أتاه رأيه بظهور النبي ﷺ ، فقال له عمر: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم، قال: أنت على ما أنت من الكهانة؟ فغضب، فقال عمر: سبحان الله، ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه، فاخبرني بإتيانك رأيك بظهور النبي ﵌، فقال: بينما أنا ذات ليلة نائم، إذ أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد القارب. فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، أنه قد بعث رسول من لوي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته.
ثم انشأ يقولك
عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس باقتابه.
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادق الجن ككذابها.
стр. 114
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قدامها كأكذابها.
قلت: دعني أنام فإني أمسيت ناعسا. ولما كانت الليلة الثانية، أتاني فضربه برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، أنه قد بعث رسول من لوي غالب يدعو إلى الله وعبادته.
ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيس بأكوارها.
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن ككفارها.
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليسد قدامها كأدبارها.
قلت دعني أنام فإني أمسيت ناعسا. فلما كانت الليلة الثالثة، أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، انه قد بعث رسول من لوي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته.
ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتحساسه ... وشدها العيس بأحلاسها.
تهوي غلى مكة تبغي الهدى ... ما طاهر الجن كأنجاسها.
فارحل إلى الصفوة من بني هاشم ... وارم بعينيك إلى رأسها.
قال: فرحلت ناقتي وأتيت المدينة، فإذا رسول الله ﵌ وأصحابه حوله، فأنشأت أقول:
أتاني نجي بين هدو ورقدة ... ولم أك فيما قد بلوت بكاذب.
ثلاث ليلا قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لوي بن غالب.
فشمرت عن ذيلي الأزرار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب.
فأشهد أن الله لا رب غيره ... وانك مأمون على كل غالب.
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب.
قال: ففرح رسول الله صلى عليه وآله وسلم وأصحابه بمقالتي، فوثب عمر بن الخطاب فالتزمه وقال: كنت اشتهي أن أسمع هذا الحديث منك، فهل يأتيك اليوم؟ قال: أما مذ قرأت القرآن فلا.
والذعلب، بذال معجمة مكسورة، فعين مهملة ساكنة، فلام موحدة: الناقة السريعة.
وليسدي الوالد متع الله بحياته بيتان من هذا القبيل وهما:
طابة طابت بشرب الظب ... ي زاهي الخد معسول اللمى الشفاه.
يا له من منهل عذب يزي ... ل الكرب بل يروي الظما الظماه.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى قوله:
عدمت صحة جسمي إذ وثقت بهم ... فما حصلت على شيء سوى الندم.
فإنه لذكر (عدمته) في صدر البيت، يليق أن يكون قافيته (العدم) ولذكر (الصحة) ، يليق بها (السقم والألم) ولذكر (الوثوق) يليق بها (الندم والسأم) ، والأول أرجح، قاله في شرحه.
وبيت بديعية عز الدين الموصلي هو قوله:
تخيير قلبي هوى السادات صح به ... عهدي وغني لحزني ثابت الألم.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
تخيروا لي سماع العذل وانتزعوا ... قلبي وزادوا نحولي مت من سقم.
لو قال هذا البيت بعض صغار المتأدبين، لا ستهجن منه، فإنه معمور بالركة التي تتلو عندها الإسماع (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ولا أعجب من شغف ناظمه به وإعجابه.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
فمذ تخيرت لي مما وثقت وقد ... أعريت قلبي نحولا زاد في المي.
معنى هذا البيت يحتاج في فهمه إلى التوقيف من ناظمه؛ وإلا فالإفهام معترفة في التقصير عن أن تحوم حوله.
وبيت بديعيتي قولي:
تخيير قلبي أضناني بهم ومحا ... مني الوجود والجاني غلى الندم.
فذكر (الضنى) يليق به (السقم والألم) وذكر (الوجود) يليق به (العدم) وذكرهما معا يليق بهم (السأم) ولكن (الندم) أولى لمناسبة التخيير الذي مبنى البيت عليه لفظا ومعنى.
وبين بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
من لي بعيش حلا الزمان به ... وعاضني عنه زادا زاد في نهمي.
قال في شرحه: كان يمكنه أن يقول: زاد في المي، زاد في قرمي، زاد في ضرمي؛ ونحو ذلك.
وبيت بديعية العلوي قوله:
فإن فيه لهيب الشوق مضطرم ... وكيف يخلو فؤاد الصب من ضرم.
قال ناظمه: كان ينساغ أن يقول: من سقمي، من ألم، ونحو ذلك؛ فكان ذكر (الضرم) أولى لكونه أقوى حرا من (السقم والألم) ولن فيه رد العجز على الصدر.
النزاهة .
راموا النزاهة عن هجو وقد فعلوا ... ما ليس يرضاه حفظ العهد والذمم.
стр. 115
النزاهة ضرب من الهجو، غير أنه يتعين أن يكون بألفاظه منزهة عن الفحش والسخف، وهو معنى قول أبي عمرو بن العلاء: خير الهجاء ما تنشده العذراء في خدرها، فلا يقبح بمثلها.
كقول أوس:
إذا ناقة شدت برحل ونمرق ... إلى حسن بعدي فضل ضلالها.
واختار ثعلب مثل قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعب بلغت ولا كلابا.
قال ابن الأثير: وبين المذهبين تناسب، إلا أن بيت جرير أهجي، لما فيه منم التفصيل.
قال الحافظ السيوطي وغيره: جميع هجاء القرآن من نوع النزاهة، فمنه قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون) فإن ألفاظ ذم هؤلاء المخبر عنهم بهذا الخبر، أتت منزهة عما يقع في الهجاء من فحش.
وقالوا: أحسن ما وقع في هذا الباب قول جرير أيضاً:
ولو ترمى بلؤم بني كليب ... نجوم الليل ما وضحت لسار.
ولبس النهار بني كليب ... لدنس لؤمهم وضح النهار.
وما يغدو عزيز بني كليب ... ليطلب حاجة الإبجار.
وقول أبي تمام يهجو صالح بن عبد الملك بن صالح الهاشمي:
يا أكرم الناس آباء ومفتخرا ... وألأم الناس مبلوا ومختبرا.
تغضي الرجال إذا آباؤه ذكروا=لهم ويغضي لهم أن فعله ذكرا.
وقول الخوارزمي في الصاحب بن عباد: لا تحمدن ابن عباد وإن هطلت=كفاه يوما ولا تذممه إن حرما.
فإنها خطرات من وساوسه ... يعطي ولا يمنع لا بخلا ولا كرما.
فأجابه الصاحب بعد موته:
أقول لركب من خراسان قافل ... أمات خوارزميكم قيل لي نعم.
فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبره ... ألا لعن الرحمن من كفر النعم.
وقول ابن المعتز:
فأما الذي محصيهم فمكثر ... وأما الذي يطريهم فمقلل.
وقول البحتري:
له همة لو يجمع الله شملها ... على الناس لم تجمع لمكرمة شمل.
له حسب لو كان للشمس لم تبن ... وللماء لم يعذب وللنجم لم يعل.
وقول البديع الهمذاني:
غني رأيت من المكارم حظكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا.
وإذا تذوكرت المكارم مرة ... في مجلس أنتم به فتقنعوا.
وقول يوسف بن حمويه من شعراء اليتيمية:
إذا ما جئت أحمد مستميحا ... فلا يغررك منظره الأنيق.
له لطف وليس لديه عرف ... كبارقة تروق ولا تريق.
فما يخشى العدو له بعيدا ... كما بالوعد لا يثق الصديق.
فائدة- قال ابن بسام في الذخيرة: الهجاء ينقسم إلى قسمين، فقسم يسمونه هجاء الأشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سبابا مقذعا، وهجوا مستشبعا، وهو طأطأ قديما من الأوائل، وثل عروش القبائل؛ غنما هو توبيخ وتعيير؛ وتقديم وتأخير؛ كقول النجاشي في بني عجلان؛ وشهرة شعره منعتني عن ذكره؛ واستعدوا عليه عمر بن الخطاب؛ وأنشده قول النجاشي فيهم؛ ودرء الحد بالشبهات.
وفعل ذلك الزبرقان، حين شكا الحطيئة، وسأله أن ينشده ما قاله فيه فأنشده قوله:
دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي.
فسال عن ذلك كعب بن زهير فقال: والله ما أود بما قال له حمر النعم. وقال حسان: لم يهجه ولكن سلح عليه؛ فهم عمر بعقابه؛ ثم استعطفه بشعره المشهور.
وقال عبد الملك بن مروان يوما: أحسابكم يا بني أمية؛ فما أود أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس وإن الأعشى قال في:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا.
ولما سمع علقمة بن علاثة هذا البيت بكى وقال: أنفعل هذا نحن بجارتنا؟ ودعا عليه. فما ظنك بشيء يبكي علقمة بن علاثة؟ وقد كان عندهم إذا ضرب بالسيف ما قال حس.
وقد كان الراعي يقول: هجوت جماعة من الشعراء؟ وما قلت فيهم ما تستحي العذراء أن تنشده في خدرها.
ولما قال جرير: فغض الطرف إنك من نمير=فلا كعبا بلغت ولا كلابا.
стр. 116
أطفأ مصباحه ونام؛ وقد كان بات ليلته يتململ؛ لأنه رأى أنه قد بلغ حاجته وشفى غيظه؛ قال الراعي: فخرجنا من البصرة؛ فما وردنا من مياه العرب؛ إلا وسمعنا البيت قد سبقنا إليه؛ حتى أتينا حاضر بني نمير؛ فخرج إلينا النساء والصبيان يقولون: قبحكم الله وقبح ما جئتم به.
والقسم الثاني- هو السباب الذي أحدثه جرير أيضاً وطبقته، وكان يقول: إذا هجوتم فاضحكوا، وهذا النوع منه لم يهدم قط بيتا، ولا عيرت به قبيلة. انتهى.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله يخاطب العاذل:
ٍحسبي بذكرك لي ذما ومنقصة ... فيما نطقت فلا تنقص ولا تذم.
قال ابن حجة: هذا البيت شموس إيضاحه آفلة في غيوم العقادة، وليته استضاء بما قاله جرير، ومشى على سننه.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت عز الدين الموصلي قوله يخاطب العذول:
لقد تفيهقت بالتشديق عن عذلي ... كيف النزاهة عن ذا الأشدق الخصم.
قال ابن حجة: قد تقر أن النزاهة هجو، ولكن شرطوا ألا ينظموا هجوها إلا بألفاظ لا تنفر منها العذراء في خدرها، وألفاظ عز الدين تنفر منها الجان فكيف حال العذراء. وحاصل القضية أنه نزه ألفاظه عن النزاهة ولم يتفيهق ولم يتشدق غيره، وما أحقه بقول القائل:
وما مثله إلا كفارغ حمص ... خلي عن المعنى ولكن يقرقع.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
نزهت لفظي عن فحش وقلت لهم ... عرب وفي حيهم يا غربة الذمم.
هذا البيت فيه النزاهة على وفق شروطها، غير أن لفظة الفحش فيه فاحشة.
والشيخ عبد القادر الطبري شن الغارة على بيت ابن حجة فقال:
نزهت قولي عن ذم فهم عرب ... بقال في حيهم يا غرابة الذمم.
حشمة النزاهة في هذا البيت أوضح من أن تخفى.
وبيت الشيخ إسماعيل المقري في بديعيته قوله:
شكلان في حمق معلوم اجتما ... عادا لأصل وخيم غير ذي كرم.
قال ناظمه: إن هذا البيت فيه النزاهة والتورية في موضعين، فإن قوله: (معلوم) يحتمل أنه أراد ضد المجهول، ويحتمل مع لوم، أي شكلان في حمق معه لوم؛ وقوله: (وخيم) يحتمل انه وصف الأصل بالوخامة وعدم الصحة؛ فيكون الواو أصلية؛ ويحتمل أن الواو عاطفة للخيم بمعنى السجية على الأصل. انتهى.
والذي أقوله: انه إذا وزنت هذه التورية بعقادة تركيب هذا البيت وقلق ألفاظه وخصوصا صدره؛ خفت التورية ورجحت؛ غير أن ذلك ليس بمستنكر من الشيخ فإنه له عادة.
الهزل المراد به الجد .
هازلت بالجد عذالي فقلت لهم ... أكثرتم العذل فاخشوا كظة البشم.
هذا نوع من البديع لطيف المسلك رشيق المأخذ؛ وهو عبارة عن أن يقصد المتكلم مدح إنسان أو ذمه، فيخرج مقصوده مخرج الهزل المعجب والمجون المطرب، هكذا قالوا. وأرى أنه لا يختص بالمدح والذم، بل كل مقصد أخرجه المتكلم هذا المخرج عد من هذا النوع، سواء كان مدحا, أو ذما، أو غزلا أو شكوى، أو اعتذارا أو سؤالا أو غير ذلك.
وشاهده في الهجو، قول أبي نواس من قصيدة يهجو بها تميما:
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذلك كيف أكلك للضب.
فقوله: (كيف أكلك للضب) هزل، والمراد هنا الجد، لأن المقصود التعيير بأكل الضب، فإن تميما يكثرون من أكله.
وكان الحيص بيص الشاعر تميما، واسمه سعد بن محمد، وكان فيه تيه وتعاظم، وكان لا يخاطب أحدا إلا بالكلام العربي، ولا يلبس إلا زي العرب، ويتقلد سيفا؛ فعمل فيه أبو القاسم الفضل.
وقيل الرئيس علي بن عيسى الأعرابي الموصلي:
كمك تبادى وكم تطول طرطو ... رك ما فيك شعرة من تميم.
فكل الضب واقرض الحنظل اليأ ... بس واشرب ما شئت بول الظليم.
ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ... ري ولا يدفع الأذى عن حريم.
فأجابه الحيص بيص بوقوله:
لا تدع من عظيم قدر وإن كن ... ت مشارا إليه بالتعاظم.
فالشريف الكريم ينقص قدرا ... بالتعدي على الشريف الكريم.
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتحريم.
قالوا: والفاتح لهذا الباب أعني نوع الهزل يراد به الجد، امرؤ القيس في قوله:
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بان الفتى يهذي وليس بفعال.
قال ابن أبي الأصبع: ما رأيت أحسن من قوله ملتفتا: (وإن كان بعلها) .
стр. 117
قال ابن الأثير: ومن مليحه قول أبي العتاهية:
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر.
سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق منه رقيناك بالسور.
وأنشد ابن المعتز لأبي العتاهية أيضاً في هذا النوع:
أرقيك أرقيك باسم الله أرقيكا ... من بخل نفسك عل الله يشفيك.
ما سلم كفك إلا من يناوئها=ولا عدوك إلا من يرجيك.
ومنه قول أبي عبد الله حسين بن أحمد بن الحجاج، وقد حصل في دعوة رجل، فأخر طعامه إلى المساء، وجعل يجيء ويذهب في داره:
يا ذاهبا في داره جائيا ... بغير ما معنى ولا فائدة.
قد جن أضيافك من جوعهم ... فقرأ عليهم سور المائدة.
ومن لطيفة قول اللحام في أبي طلحة قسورة بن محمد وكان كوسجا:
ويك يا أبا طلحة مل تستحي ... بلغت ستين ولم تلتح.
ومنه في غير الهجو قول الشريف أبي يعلي ابن الهبارية:
يقول أبو سعيد إذ رآني ... عفيفا منذ عام ما شربت.
على يد أي شيخ تبت قل لي ... فقلت على يد الإفلاس تبت.
فإن هذه ظاهره المجون والخلاعة، والمراد هنا الجد، لأن المقصود شكوى الإفلاس.
وفي معناه للهباء زهير:
قالوا فلان قد غدا تائبا ... واليوم قد صلى مع الناس.
قلت متى كان وأتى له ... وكيف ينسى لذة الكاس.
أمس بهذي العين أبصرته ... سكران بين الورد والآس.
ورحت عن توبته سائلا ... وجدتها توبة إفلاس.
وقول أبي نواس في النسيب:
الجار أبلاني لا الجاره ... بحسن وجه مستوى الداره.
أبيت من وجد به مدنفا ... كأنما السعت جراره.
كفى بلاء حب من لا أرى ... ونحن في حيه وفي حاره.
أنا الذي أصلى بنار الهوى ... وحدي والعشاق نظاره.
تلعب الحب بقلبي كما ... تلعب السنور بالفاره.
ومن طريف هذا النوع قول بديع الزمان المهذاني لمستميح عاوده مرارا وقال له: لما لا تجود بالذهب في الإحسان كمثل الأشجار في الثمار، سبيله إذا أتى بالحسنى، أن يرفه من سنة إلى سنة، وأنا كما ذكرت لا أملك عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما الفؤاد فيعلق بالوفود، وأما اليد فتولع بالجود، ولكن هذا الخلق النفيس، لا يساعده الكيس، وهذا الطبع الكريم، لا يحتمله الغريم؛ ولا قرابة بين الذهب والأدب فلم قرنت بينهما؟ والأدي لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، ولي مع الأدب نادرة، جهدت في هذه الأيام بالطباخ أن يطبخ من رائية الشماخ فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع أدب الكتاب فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت من شعر الكميت ألف ومائتي بيت فلم يغن، ولو دفعت أرجوزة العجاج في ثمن السكباج ما عدمتها عندي، ولكن ليست تنفع فما أصنع، فإن كنت تحسب إختلافك إلي إفضالا علي، فراحتي في أن لا تطرح ساحتي، وفرجي في أن لا تجيز ومنه أيضاً رقعة كتبها الوزير لسان الدين بن الخطيب، إلى أبي عبد الله بن محمد قاسم السديد، وقد فوض إليه النظر في أمور الحسبة ببلده وهي:
يا أيها المحتسب الجزل ... ومن لديه الجد والهزل.
تهنيك والشكر لمولى الورى ... ولاية ليس له عزل.
стр. 118
كتبت أيها المحتسب، المنتمي إلى النزاهة المنتسب، أهنيك ببلوغ تمنيك فكأنني بك وقد طافت بركابك الباعة، ولزم أمرك السمع والطاعة، وارتفعت في مصانعتك الطماعة، وأخذت أهل الريب بغتة كما تقوم الساعة، ونهضت تقعد وتقيم؛ وسطوتك الريح العقيم، وبين يديك القسطاس المستقيم. ولا بد من شرك ينصب، وجماعة على ذي جاه تعصب. فإن غضضت طرفك، أمنت عن الولاية صرفك، وإن كففن كفك، حفك العز فيمن حفك. فكن لقالي الجبينة قاليا، ولحوت السلة ساليا. وابد للدقيق الحواري زهد حواري، وازهد فيما بأيدي الناس من العواري، وسر في اجتناب الحلوى على السبيل السوي. وارفض في الشوى دواعي الهوى، وكن على الهراس، وصاحب ثريد الرأس، صاحب مراس، شدي البأس، وثب على طبيخ الأعراس؛ ليثا مرهوب الافتراس. وأدب أطفال الفسوق في السوق، سيما من كان قبل البلوغ والبسوق، وصمم على استخراج الحقوق. والناس أصناف، فمنه خسيس يطمع منك في أكله، ومستعد عليك بوكزة أو ركلة. وحاسد في مطية تركب، وعطية تسكب. فاخفض للحاسد جناحك وسدد إلى حربه رماحك، أسبع الخسيس مرقة فأنه خنق، ودس له فيها عظما لعله يختنق. واحفر لشريرهم حفرة عميقة، فإن العدو حقيق. حتى إذا حصل، وأولياء الشيطان فانجح. والحق أقوى، وأن تعفوا أقرب إلى التقوى. سددك الله إلى غرض التوفيق، وأعلقك من الحق السبب الوثيق، وجعل قدومك مقررنا برخص اللحم والزيت والدقيق. انتهت.
وله أيضاً رسالة من هذا النوع، خاطب بها ابن خلدون صبيحة ابتنائه بسرية رومية، وقد اشتملت على مبدعات لطيفة، واحماضات ظريفة، وهي:
أوصيك بالشيخ أبي بكره ... لا تأمنن في حالة مكره.
واجتنب الشك إذا جئته ... جنبك الرحمن ما تكره.
سيدي لا زلت تتصف بالوالج، بين الخلاخل والدمالج، وتركض فوقها ركض الهمالج. أخبرني، كيف كانت الحال؟ وهل حطت بالقاع من خير البقاع الرحال؟ واحكم بمردود المراودة والاكتحال؟ وارتفع بالسقيا الإمحال، وصح الاتنحال؟ وحصحص الحق وذهب المحال؟ وقد طولعت بكل بشرى وبشر وزفت هند منك إلى بشر؟ فلله من عشية تمتعت من الربع بفرش موشية، وابتذلت منها أي وسادة وحشية وق أقبل ظبي الكناس من الديماس، ومطوق الحمام من الحمام. وقد حسنت الوجه الجميل التطرية، وأزيلت من الفرع الأثيث الإبرية، وصقلت الخدود فكأنها الأمرية. وسلط الدلك على الجلود، وأغريت نورة بالشعر المولود. وعادت الأعضاء يزل عنها اللمس، ولا تنالها البنان الخمس. والسحنة يجول في صفحتها الفضية ماء النعيم، والمسواك يلبي من ثنية التنعيم، والقلب يرمى من الكف الرقيم، بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم، فيقول: إني سقيم. وقد تفتح ورد الخفر؛ وحكم لزنجي الضفيرة بالضفر، واتصف أمير الحسن بالصدود المغتفر، ورش بماء الطيب، ثم أعلق ببناه دخان العود الرطيب. وأقبلت الغادة، يهديه اليمن وتزفها السعادة؛ وهي تمشي على استحيا وقد ضاع طيب الريا، وراق حسن المحيا. حتى إذا نزع الخف، وقبلت الأكف، وصخب المزمار؛ وتجاوب الدف والطار وذاع الأرج، وارتفع الحرج؛ وتجووز اللوى والمنعرج؛ ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزت الأرض وربت؛ وعوصيت الطباع البشرية فأبت، ولله در القائل:
ومرت فقالت متى نلتقي ... فهش اشتياقا إلى الخبيث.
وكاد يمزق سربال ... فقلت إليك يساق الحديث.
فلما انسدل جنح الظلام، وانتصف من غريم العشاء الأخيرة فريضة السلام، وخاطت خيوط المنام عيون المنام، تأتى دنو الجلسة، ومسارقة الخلسة. ثم عض النهد؛ وقبلة الفم والخد، وإرسال اليد من النجد غلى الوهد، وكانت الأمالة القليلة قبل المد. ثم الإفاضة فيما ينشط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوش ويشغب، ثم أعمال المسير إلى السرير.
وصرنا إلى الحسنى وروقنا كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال.
стр. 119
هذا بعد منازعة للأطواق يسيره، يراها الغيد منم حسن السيرة. ثم شرع في حل التكة، ونزع الشكة، وتهيئة الأرض العزاز عمل السكة. ثم كان الوحى والاستعجال، وحمي الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطبع العفيف، وتوتر التقبيل وكان الأخذ الوبيل؛ وامتاز الأنوك من النبيل، ومنها جائر وعلى الله قصد السبيل. فيالها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق. وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانعة، وطال التراوغ والتزاور، وشكي التحاور، وهنالك تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخس أو تربح الأموال. فمن عصا تنقلب ثعباناً مبيناً، ونونة تصير تنيناً، وبطل لم يهله المعرك الهائل، والوهم الزائل؛ ولا حال بينه وبين قرنه الحائل، فتعدى فتكة السليك إلى فتكة البراض، وتقلد مذهب الأزارقة من الخوارج في الاعتراض. ثم شق الصف، وقد خضب الكف، بعد أن كان يصيب البوسى بطعنته ويبوء بمقت الله ولعنته.
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها.
وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقع فاستراح البال وتشوف إلى مذهب الثنوية، من لم يكن للتوحيد بمبال، وكثر السؤال عن البال بما بال، وجعل الجريح يقول- وقد نظر إلى دمه يسيل على قدمه:
إني له عن دمي المسفوك معتذر ... أقول حملته في سفكه تعبا.
ومن سنان عاد عنانا، وشجاع صار جبانا. كلما شبته شائبة ريبه، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحية؛ وماتت الغريزة الحية. وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأمر ويغلب الحصر، ويجف اللعاب، ويظهر ألعاب، ويخفق الفؤاد، ويكبو الجواد، ويسيل العرق؛ ويشتد الكرب الأرق؛ وينشأ في محل الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق؛ ويقوى اللجاج ويعظم الخرق، فلا تزيد الحال الأشدة، ولا تعرف تلك الجانحة المؤمنة الأردة.
إذا لم يكن عون من لله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده.
فكم مغرى بطول اللبث، وهو من الخبث، يؤمل الكرة؛ ليزيل المعمرة؛ ويستنصر الخيال؛ ويعمل باليد الاحتيال.
إنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت.
ومعتذر بمرض أصابه، جرعه أوصابه، ووجع طرقه؛ جلب أرقه وخطيب ارتج عليه أحيانا؛ فقال سيحدث الله بعد عسرا يسرا، وبعد عي بيانا. اللهم إننا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغفلت أقفالها، ولم تتسم بالنجيع أغفالها، ومن معرات الأقدار، والنكول عن الإبكار، ومن النزول عن البطون والسرير، والجوانح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدرر. ولا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة، وتلعم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أوجال، وأعملت روية وارتجال.
فمن قائل:
أرفعه طورا على إصبعي ... ورأسه مضطرب أسفله.
كالحنش المقتول يلقى على ... عود لكي يطرح في مزبله.
وقائل:
أيحسدني إبليس دائن أصبحا ... برجلي وراسي دملا وزكاما.
فليتهما كانا به وزايده ... رخاوة أير لا يطيق قياما.
إذا نهضت للنيك أرباب معشر ... توسد إحدى خصيتيه فناما.
وقائل:
أقول لأيري وهو يرقب فتكة ... به خبت من أير وغالتك داهيه.
إذا لم يكن للأير بخت تعذرت ... عليه وجوه النيك من كل ناحية.
وقائل:
تعقف فوق الخصيتين كأنه ... رشاء إلى جنب الركية ملتف.
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضعف.
وقائل:
تكرش أيري بعد ما كان أملسا ... وكان غنيا من قواه فأفلسا.
وصار جوابي للمها إن مررن بي ... مضى الوصل الأمنية تبعث الأسى.
وقائل:
بنفسي من حييته فاستخف بي ... ولم يخطر الهجران يوما على بالي.
وقابلني بالبعد والنجه بعدما ... حطت به رحلي وجردت سربالي.
وما أرتجي من مؤثر فوق دكة ... عرضت له شيئا من الحشف البالي.
стр. 120
هموم لا تزال تبكى، وعلل الدهر تشكى؛ وأحاديث تقص وتحكى. فإن كنت أعزك الله من النمط الأول ولم تق: (وهل عند رسم دارس من معول) . فقد جنيت الثمر، واستطبت السمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة؛ واخرج على قومك في ثياب الزينة، واستبشر بالوفود، وعرف المسمع عارفة الجود، وتبجح بصلابة العود، وإنجاز الوعود؛ واجن رمان النهود من أغصان القدود، واقطف ببنان اللثم أقاح الثغور وورد الخدود. وإن كانت الأخرى فاخف الكمد، وأرض الثمد، وانتظر الأمد؛ واكذب التبسم، واستكتم النسوة، وأفض فيهم الرشوة؛ وتقلد المغالطة وارتكب؛ وجيء على قميصه بدم كذب؛ واستنجد الرحمن؛ واستعن على أمرك بالكتمان.
لا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في السراء والضراء.
فلرحمة المتوجعين حزازة ... في القلب مثل شماتة الأعداء.
وانتشق الأرج، وارتقب الفرج، فكم غمام طبق وما همى وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى. واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكنك الفرصة؛ وترفع إليك القصة. ولا تسرع إلى عمل لا تفيء منه بتمام، وخذ عن غمام، واللبانات تلين وتجمح؛ والمآرب تدنو وتنزح وتحزن ثم تسمح. وكم من شجاع خام، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضل الفريق؛ والله يجعلها خلة موصولة وشملا أكنافه بالخير مشمولة، وبينة أركانها بركائب اليمن مأهولة، حتى تكثر خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه؛ وتضفو عليه نعم باريه؛ ما طورد قنيص واقتحم عيص، وأدرك مرام عويص، وأعطي زاهد وحرم حريص والسلام.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته قوله:
أشبعت نفسك من ذمي فهاضك ما ... تلقى وأكثر موت الناس بالتخم.
فقوله: (أكثر موت الناس بالتخم) كناية يهزؤون بها على من يفرط في المآكل اللذيذة ويخص بها نفسه.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلس قوله:
قل للصباح إذا ما لاح نورهم ... إن كان عندك هذا النور فابتسم.
قال ابن حجة: لم أر في هذا البيت هزلا يراد به الجد.
قلت: ومثل هذا ما أنشده رفيقه له في شرح بديعيته المذكورة، وادعى فيه أنه من هذا النوع: تزعم يا بدر مساوتها=ولست أبدي لك تفنيدا.
إن كان ما تزعم عارض لنا ... مقلتها واحك لنا الجيدا.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
هزل أريد به جد عتابك لي ... كما كتمت بياض الشيب بالكتم.
هذا أيضاً لا يظهر فيه شاهد البيت المذكور.
وبيت ابن حجة في بديعيته قوله:
والبين هازلني بالجد حين أرى ... دمعي وقال تبرد أنت بالديم.
أقول: الهزل في هذا البيت ظاهر، ولكن لا حقيقة له، وقد علمت أنه لا بد فيه من الجد؛ وإلا لم يكن من هذا النوع أصلا.
وبيت بديعية الطبري قوله:
أكثرت هزلك جدا لي فحسبك لا ... تكن كهيلة ذات العار في الغنم.
قال في القاموس: هيلة عنزة لامرأة؛ كان من أساء إليها درت له؛ ومن أحسن إليها نطحته؛ ومنه المثل: هيل خير حالبيك تنطحين.
وبيت بديعيتي قولي:
هازلت بالجد عزالي فقلت لهم ... أكثرتم العذل فاخشوا كظة البشم.
الهزل في هذا البيت على حده في بيت الصفي، فإن الكظة بالكسر شيء يعتري من امتلاء الطعام؛ والبشم، هو التخمة، والمراد هنا الجد؛ لأن المقصود منعهم عن كثرة العذل.
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
ما أنت يا عاذلي والحب تنكره ... فخص بنا في حدود القول والكلم.
قال ناظمه في شرحه: يقول: ما أنت من رجال الحب، غنما أنت ممن يعرف حدود القول والكلم، فخض بنا فيما أنت من أهله، ودع الحب فله رجال لست منهم. انتهى.
قلت: لم يظهر لي من البيت ولا من شرحه شاهد النوع؛ فإنه لم يزد على أن جعل عاذله عارفا بالعربية، جاهلا بالحب؛ فتأمله.
وبيت بديعية العلوي قوله:
أخاف لومك إن شاهدت نورهم ... يجني عليك فإن السم في الدسم.
قال ناظمه: الشاهد في قولنا: إن السم في الدسم؛ وهي كلمة تخرج مخرج الهزل وهو جد؛ لأن أكثر ما يكون السم في الدسم. انتهى.
قلت قد تقدم أن السم في الدسم من الأمثال؛ وليست من الهزل في شيء؛ على أن إيراده هنا لا معنى له؛ بل هو موهم لذم أحبابه؛ والله أعلم.
التهكم .
تهكما قلت للواشين لي بهم ... لقد هديتم لفصل القول الحكم.
стр. 121
قال في القاموس: التهكم: التهدم في البئر ونحوها، والاستهزاء، والطعن المتدارك، والتبختر، والغضب الشديد؛ والتندم على الأمر الفائت والمطر الكثير الذي لا يطاق، والتغني. انتهى.
والمقصود هنا: المعنى الثاني وهو الاستهزاء، وفي كونه منقولا من التهدم- ما قال بعضهم- أو الغضب- كما قال آخرون- نظر، لأنه قد ورد التهكم بمعنى الاستهزاء في اللغة، فأي داع إلى كونه منقولا من معنى أخر؟ نعم في الاصطلاح أخص منه في اللغة، لأنه في اللغة بمعنى الاستهزاء مطلقا، وفي الاصطلاح هو الخطاب بلفظ الإجلال في موضع التحقير، والبشارة في موضع التحذير؛ والوعد في مكان الوعيد، والعذر في موضع اللوم؛ والمدح في معرض السخرية، ونحو ذلك.
فمن الخطاب بلفظ الإجلال في موضع التحقير، قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ومن البشارة في موضع التحذير، قوله تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) وقوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) ومن الوعد في موضع الوعيد، قوله تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل) وهذا ضد الإغاثة.
ومن العذر في موضع اللوم، قول ابن أبي الحديد:
عذرتكما إن الحمام لمبغض ... وان حياة النفس للنفس محبوب.
ومن أمثلة هذا النوع في الشعر، قول ابن الرومي:
فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل.
وقول أبي بكر أحمد بن محمد الأبيض الإشبيلي يتهكم برجل زعم أنه ينال الخلافة:
أمير المؤمنين نداء شيخ ... أفادك من نصائحه اللطيفه.
تحفظ أن يكون الجذع يوما ... سريرا من أسرتك المنيفه.
وقول جاسوس الملك في الوزير أبي القاسم الجرجاني، وكان أقطع اليدين من المرافق:
وأقمت نفسك في الثقاة ... وهبك فيما قلت صادق.
فمن الأمانة والتقى ... قطعت يداك من المرافق.
وقول بعضهم:
بجيش يناطح زهر النجو ... م إذا ما طلعت به أسفلا.
وقول المتنبي في كافور: من علم الأسود المخصى مكرمة=أقومه البيض أم آباؤه الصيد.
وقول ابن الذروي في ابن أبي حصينة وكان أحدب، وهو من شاهد المدح في معرض السخرية:
يا أخي كيف غيرتنا الليالي ... وأحالت ما بيننا بالمحال.
حاش الله أن أصافي خليلا ... فيراني في وده ذا اختلال.
زعموا أنني نظمت هجاء ... معربا فيك عن شيع القتال.
كذبوا إنما وصفت الذي حز ... ت من فضلها والبها والكمال.
لا تظنن حدبة الظهر عيبا ... وهي في الحسن من صفات الهلال.
وكذاك القسي محدودبات ... وهي أنكى من الظبى والعوالي.
وإذا ما علا السنام ففيه ... لقروم الجمال أي الجمال.
وأرى الانحناء في مخلب البازي ولم يعد مخلب الرئبال.
كون الله حدبة إن شئ ... ت من الفضل أو من الأفضال.
فأتت ربوة على طود علم ... وأتت موجة ببحر رمال.
ما رأتها النساء إلا تمنت ... أنها حلية لكل الرجال.
وأبو الغصن أنت لا شك فيه ... وهو رب القوام ذو الاعتدال.
عد إلى ودنا القديم ولا ... تضع لقيل من الوشاة وقال.
وتذكر لياليا حين ولت ... أودعت حسنها عقود اللآلي.
أترى بالرجال يجمع شملي ... أم رجائي مخيب وابتهالي.
وإذا لم يكن من الهجر بد ... فعسى أن تزورنا في الخيال.
ولأبي الفتح ابن دانيال قصيدة في رجل أحدب على هذا النمط، وأنا أفضلها على هذه القصيدة وأرى الاستشهاد بها أقعد من تلك في هذا النوع وهي:
قسما بحسن قوامك الفتان ... يا أوحد الأمراء في الحدبان.
أنت الحسام زها برونق حدبة ... فزها على الخطية المران.
يا مخجلا شكل الهلال يقده ... حاشاك أن تعزى إلى نقصان.
وممايلاً قد القضيب إذا مشى ... من حدبتيه يميس كالريان.
ما عاب قامتك الحسود جهالة ... إلا أجبت مقاله ببيان.
هل يحسن الجو كان إلا أن يرى ... مع أكره في حلبة الميدان.
أو هل يزين المتن إلا ردفه ... حسنا فكيف بمن له ردفان.
والعود أحدب وهو ألهى مطرب ... والقد سمعت بنغمة العيدان.
وكذا سفين البحر لولا حدبة ... في ظهره لم يقو للطوفان.
стр. 122
وإذا اكتسى الإنسان قيل تمثلا ... في المدح قامت حدبة الإنسان.
يفديك في الحدبان كل مكوبج ... يمشي الهوينا مشية السرطان.
متجمع الكتفين اقنص قد بدا ... في هيبة المتشجع الصفعان.
وإذ قد ذكرنا هاتين القصيدتين في صفة الأحدب، فلنذكر ما حضرنا في معنى ذلك وإن كان خارجا من النوع، ليقترن بما قبله، وينضم إلى ما في معناه، فإنما هذا الكتاب مجموع أدب، ولابد فيه من الاستطراد، فنقول: أين هذه الصفات المذكورة.
من قول ابن عنين في القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني وكان أحدب:
حاشى لعبد الرحيم سيدنا ال ... قاضي مما يقوله السفل.
يكذب من قال أن حدبته ... في ظهره من عبيده حبل.
ومن بدائع ابن خفاجة الأندلسي في ساق أسود أحدب:
وكاس أنس قد جلتها المنى ... فباتت النفس بها معرسه.
طاف بها أسود محدودب ... يطرب من يلهو به مجلسه.
فخلته من سبج ربوة ... قد أنبت من ذهب نرجسه.
ولعبد الله بن الطباخ في أحدب:
قصرت أخادعه وغاض قذاله ... فكأنه متوقع أن يصفعا.
وكأنه قد ذاق صفعا مرة ... وأحس ثانية بها فتجمعا.
ويحكى أن الأسعد بن مماتي دخل على القاضي الفاضل يوما، فوجد غلى جانبه أترجة غريبة الشكل، فجعل يرمقها بطرفه، فقال له القاضي: أراك تطيل النظر إليها، قال: أتعجب من شكلها، وبديع خلقها. فقال القاضي: وأيضا لها نسبة بنا، فقال: سبحان الله، وخجل، ثم قال: إنما أطلت النظر إليها لأني نظمت فيها بيتين، قال: وما هما؟ فأنشد:
لله بل للحسن أترجة ... قد أذكرتنا بجنان النعيم.
كأنها قد جمعت نفسها ... من هيبة الفاضل عبد الرحيم.
فأعجبه ذلك وزال ما كان عنده، ثم خرج الأسعد فذكر القصة لبعض إخوانه الظرفاء فقال: أحمد الله للذي أنشدتهما من لفظك، ولم تكتبهما إليه، فإنه ربما صحف لفظة (هيبة) بهيئة بالهمز فازداد حنقا.
رجع- ولم أسمع في نوع التهكم أظرف من قول أبي نواس يتهكم على نفسه، وقد أظهر التوبة والإقلاع عن المعاصي على يد الفضل بن الربيع:
أنت يا ابن الربيع علمتني الخي ... ر وعودتنيه والخير عاده.
فارعوى باطلي وراجعني الحل ... م وأحدثت توبة وزهاده.
من خشوع أزينه بنحول ... واصفرار مثل اصفرار الجراده.
التسابيح في ذراعي والمصح ... ف في لبتي مكان القلاده.
فادع بي لا عدمت تقويم مثلي ... وتأمل بعينيك السجادة.
تر أثرا من الصلاة بوجهي ... توقن النفس أنه من عبادة.
لو رآها بعض المرائين يوما ... لاشتراها يعدها للشهادة.
ولقد طالما أبيت ولكن ... أدركتني على يديك السعادة.
ومن الحكايات اللطيفة في هذا النوع، أن أبا دلامة دخل على المهدي وسلمة الوصيف واقف بين يديه، فقال أبو دلامة: قد أهديت لك يا أمير المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله، فأمر بإدخاله إليه؛ فخرج وأدخل فرسه الذي كان تحته، فإذا هو برذون محطم أعجف هرم.
فقال له المهدي: أي شيء ويلك هذا؟ ألم تزعم أنه مهر؟ فقال: أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك، فإنما تسميه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو يعد عندك وصيفا؟ فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل سلمة يشتمه، والمهدي يضحك، ثم قال سلمة: ويحك إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بمثلها في محفل؛ فضحك؛ فقال أبو دلامة: أي والله يا أمير المؤمنين؛ لأفضحنه، فليس أحد في مواليك إلا وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط. ثم إن المهدي أصلح بينهما. وهذا من التهكم الذي يعد من النوادر.
تنبيهان الأول- قال ابن حجة: هذا النوع أعني التهكم؛ ذكر ابن أبي الإصبع في كتابه التحرير: إنه من مخترعاته، ولم يره في كتب من تقدمه من أئمة البديع والعميان لم ينظموه في بديعيتهم وقنع الشهاب محمود (في كتابه المسمى بحسن التوسل) من أشجار معاليه بالشميم، فإنه ذكر بعض شواهده، ولم يأت له بحمد تمشي الإفهام فيه إلى صراط مستقيم، لكن ابن أبي الإصبع أزال بكارة أشكاله فكان أبا عذرته، وأرضع الأذواق لبانة فهمه، فكان فارس حلبته. انتهى.
стр. 123
أقول: قول أبي الإصبع: إن هذا النوع من مخترعاته، إن أراد أول من عده من أنواع البديع وذكره في كتابه فمسلم، وإن أراد أنه أول من اخترعه وسماه بهذا الاسم فليس بصحيح، فإن كتب المتقدمين في علم البيان لا يكاد يخلو كتاب منها من هذا النوع، لكنهم يذكرونه في بحث الاستعارة عند ذكر الاستعارة التهكمية، وهذا جار الله الزمخشري، أقدم من ابن الإصبع بمائة سنت، نص على هذا النوع باسمه في كشافه، فقال في تأويل قوله تعالى: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" تهكم، فإن المعقباب هم الحرس من حول السلطان، يحفظونه بزعمه من أمر الله، على سبيل التهكم فإنهم لا يحفظونه إذا جاء، والله أعلم. ولا أظن أن ابن الإصبع أراد بقوله أنه من مخترعاته إلا ما ذكرناه أولا، فإن مثله لا يخفى عليه هذا المقدار وإنما نبهنا على ذلك لئلا يتوهم من كلامه أنه من مخترعاته بالمعنى الثاني والله أعلم. وقول ابن أبي حجة: فكان أبا عذرته، فيه غلط لفظي، فإن العذرة إذا أضيفت حذفت تاؤها إجماعا، فيقال: أبو عذرها، كما يقال: ليت شعري، وأقام الصلاة.
قال بعضهم:
ثلاثة تحذف تاءآتها ... مضافة عند جميع النحاة.
منها إذا قيل أبو عذرها ... وليت شعري وأقام الصلاة.
ولا يحتمل أن يكون الغلط من الناسخ، لأن السجعة في القرينة الثانية وهي قوله: فارس حلبته، ينتفي معها هذا الاحتمال.
الثاني-الفرق بين هذا النوع، وبين النوع الذي قبله، هو الهزل الذي يراد به الجد، إن هذا ظاهره جد، وباطنه هزل، وذاك بالعكس. والفرق بينه وبين الهجاء في معرض المدح، فإن ظاهره لا يدل إلا على المدح، حتى يقترن به ما يفهم أن المقصود الهجو، وهذا الفرق أحسن من غيره، فإنه أوفى بالمراد.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
محضت لي النصح إحسانا إلي بلا ... غش وقلدتني الأنعام فاحتكم.
قال ابن حجة: لم يظهر لي من هذا البيت غير صريح المدح والشكر، ولم أجد فيه لفظة تدل على الحقارة والاستهزاء، ولا على الوعد في موضع الوعيد، ولم يشر في بيته إلى نوع من هذه الأنواع. انتهى.
أقول: قد عدوا من التهكم قوله تعالى- حكاية عن قوم شعيب مخاطبين له- "إنك لأنت الحليم الرشيد" وظاهره أنه ليس في هذا لفظة تدل على الحقارة، وإنما أفهم التهكم المقام، وكذا بيت الصفي الحلي؛ فإنه خطاب للعاذل؛ والعاشق لا يخاطب عاذله بمثل هذه الألفاظ إلا متهكما مستهزئا به فاعلم.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
لقد تهكمت فيما قد منحتك من ... قولي بأنك ذو عز وذو كرم.
وابن جابر الأندلسي لم ينظم هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ذل العذول بهم وجدا فقلت له ... تهكما أنت ذو عز وذو شمم.
قال ناظمه في شرحه: فخاطب العذول هنا بلفظ العز والشمم، بعد قولنا: ذل؛ ووقوف العاذل في موقف المذلة؛ هو التهكم بعينه. انتهى.
أقول: لا يخفى أن التهكم إنما هو الكلام الذي يواجه به المتهكم عليه ويخاطب، والكلام الذي تهكم به ابن حجة على عاذله، وخاطبه به هو قوله: (أنت ذو عز ذو شمم) فقط، وأما سائر البيت، فحكاية حال، وإخبار بأنه إنما خاطبه بذلك حال ذله؛ وليس البيت كله خطابا للعاذل، فالسامع له حال مخاطبته لعاذله: بأنك ذو عز وذو شمم، لا يظهر له غير صريح المدح لكنه يفهم من المقال أن هذا استهزاء به، وليس في اللفظ ما يشير إلى انه تهكم. فقد وقع فيما انتقد به على الصفي بعينه، فتأمله فإنه نقد دقيق.
وبيت الطبري تقدم إنشاده في نوع الإبهام، فإنه جمع بينه وبين التهكم في بيت واحد، على أنه أخذ مصراع التهكم من بيت ابن حجة فقال:
أذقت إبهام ما يرضي الفؤاد فسد ... تهكما أنت ذو عز وذو عظم.
وبيت بديعيتي قولي:
تهكما قلت للواشين لي بهم ... لقد هديتم لفصل القول والحكم.
فخاطب الواشين هو عين التهكم.
وبيت بديعية شرف الدين إسماعيل المقري قوله:
بالغت في النصح لا شك يداك فزد ... فكلما زدت نصحا زدت في التهم.
القول بالموجب .
قالوا وقد زخرفوا قولا بموجبه ... فهمت قلت هيام الصب ذي اللمم.
стр. 124
هذا نوع من البيع غريب المعنى؛ لطيف المبنى؛ راجح الوزن في معيار البلاغة، مفرغ الحسن في قالب الصياغة، وهو الأسلوب الحكيم رضيعا لبان، فرسا رهان؛ حتى زعم بعضهم أن أحدهما عين الأخر، وليس كذلك، بل بينهما فرق كما سنبينه فيما بعد، مع مشيئة الله تعالى.
ولهم في تعريف هذا النوع عبارات مختلفة، فقال ابن أبي الأصبع: انه عبارة أن يخاطب المتكلم مخاطبا بكلام أخر، فيعمد المخاطب إلى كلمة من كلام المتكلم فيبني عليها من لفظها ما يوجب عكس معنى المتكلم، وذلك عين القول بالموجب، لأن حقيقته، رد الخصم كلام خصمه من فحوى كلامه. وقال بعضهم: هو أن تخصص الصفة بعد أن كان ظاهرها العموم، أ, تقول بالصفة الموجبة للحكم، ولكت تثبتها لغير من أثبتها المتكلم. انتهى.
قال في عروس الأفراح: وهو قريب من القول بالموجب المذكور في الأصول والجدل، وهو تسليم الليل مع بقاء النزاع. انتهى.
وقسمه الخطيب في التلخيص؛ والإيضاح؛ إلى ضربين؛ أحدهما- أن تقع صفة في كلام الغير؛ كناية عن شيء أثبت له الحكم؛ فتثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء؛ من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له وانتفائه عنه، كقوله: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن إلا عز منها إلا ذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) . فأنهم كنوا بالأعز عن فريقهم، وبالإذل عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعز الإخراج، فأثبت الله في الرد عليهم صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ من غير تعرض لثبوت الإخراج للموصوفين بصفة العزة؛ ولا لنفيه عنهم.
والثاني- حمل كلام وقع في كلام الغير على خلاف مراده؛ مما يتحمله بذكر متعلقه.
كقوله:
قد ثقلت إذا أتيت مرارا ... قال ثقلت كاهلي بالأيادي.
قلت طولت قال لا بل تطول ... ت وأبرمت قلت حبل ودادي.
والاستشهاد بقوله: (ثقلت) و (أبرمت) دون قوله: (طولت) .
ومنه قول القاضي الأرجاني:
غالطتني إذا كست جسمي الضنا ... كسوة أعرت من اللحم العظاما.
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما.
انتهى كلام الخطيب في الإيضاح.
قال الحافظ السيوطي: ولم أرى من أورد لهذا الضرب مثالا من القرآن وقد ظفرت بآية منه، وهي قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل إذن خير لكم) . انتهى.
وسبقه إلى ذلك الطيبي في التبيان، فقال بعد تلاوة الآية: كأنه قيل نعم، هو أذن ولكن نعم الأذن، أي هو أذن ما قلتم، إلا أنه أذن خير لا أذن سوء؛ فسلم لهم قولهم فيهم؛ إلا أنه فسره بما هو مدح له، وإن كان قصدوا به المذمة، ولا شيء أبلغ في الرد من هذا الأسلوب، لأن فيه إطماعا في الموافقة، وكرا إلى إجابتهم في الإبطال، وهو كالقول في بالموجب في الأصول. انتهى.
والأذن: الرجل الذي يصدق كل ما سمع، ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التي هي آلة السماع، كأن جملته أذن سامعة.
قلت: وهذا الضرب الثاني من هذا النوع، هو الذي نظمه أرباب البديعيات وتداوله أهل الأدب؛ وحذاق البديع أخلوا هذا النوع من لفظه (لكن) وخصوا بها نوع الاستدراك، ليحصل الفرق بينهما.
ومن عجيب هذا النوع؛ ما حكاه الشريف المرتضى علم الهدى في الغرر والدرر، قال: روي أنه لما نزل خالد بن الوليد على الحيرة، وتحن منه أهلها، أرسل إليهم أن بعثوا إلي رجلا من عقلائهم، وذوي أنسابكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتى دنا من خالد بن الوليد، فقال: أنعم صباحا أيها الملك، قال: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه، فمن أين أقصي أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت، قال: أي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، إني أسأله عن الشيء وينحو في غيره، قال: ما أنبائك إلا عما سألت فسل عما بدا لك.
стр. 125
هذا موضع الشاهد من الخبر، إن خالد بن الوليد قال له: أرب أنتم أم نبيط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا، قال: فحرب أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها لسفيه نحذر منه، حتى يجيء الحليم ينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرآة من أهل الحيرى تضع مكلتها على رأسها، ولا تزود إلا رغيفا واحدا حتى تأتي الشام، ثم قال أصبحت اليوم خرابا، وذلك دأب الله في العباد والبلاد. قال: ومعه سم ساعة يقلبه في كفه، قال له خالد: ما هذا في كفك؟ قال: هذا السم، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته، وإن كانت الأخرى، لم أكن أول من ساق إليهم ذلا، أشربه وأستريح من الحياة، فإن ما بقي من عمري إلا اليسير، قال خالد: هاته، فأخذه وقال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء، ثم أكله، فتجللته غشية، ثم ضرب بذقنه في صدره طويلا، ثم عرق وأفاق كأنما نشط من عقال. فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضره، صانعوا القوم، وأخرجوهم عنكم، فإن هذا أمر مصنوع لهم. فصالحوهم على مائة ألف درهم. انتهى.
ونحو ذلك ما حكي أن رجلا قال لهشام القرطبي: كم تعد؟ قال: من واحد إلى ألف ألف وأكثر، لم أرد هذا، كم تعد من السن؟ قال: اثنين وثلاثين، ستة عشر من أعلى، وستة عشر من أسفل، قال: لم أرد هذا كم لك من السنين؟ قال: عظم، قال: أبن لي ابن كم أنت؟ قال: قال: ابن اثنين رجل وامرأة، قال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء قتلني، قال: فكيف أقول؟ قال: تقول: كم مضى من عمرك.
ومن هذا النمط، ما حكي: أن المتوكل كان مشرفا من قصره الجعفري فتعرض له أبو العبر؛ وقميصه سراويل، فقال المتوكل: علي بهذا المثلة، فلما مثل بين يديه، قال له أنت شارب؟ قال: لا، بل عنفقة يا أمير المؤمنين، قال: إني واضع في رجلك الأدهم، ونافيك إلى فارس، قال: اجعل في رجلي الأشهب، وانفني إلى راجل؛ قال: أتراني قي قتلك مأثوم؟ قال: لا، بل ماء بصل يا أمير المؤمنين، فضحك منه ووصله.
ولأبي العبر هذا ترجمة في الأغاني، واسمه محمد، من ولد عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، كان شاعرا متوسطا، يميل إلى الهزل والحماقة، وكان يتباله ويتحامق عمدا، فنفق على الناس، وحصل مالاً عظيماً.
ومن شعره في الجد:
لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم.
وإذا ما الدهر ضعضعني ... لم يجدني كافر النعم.
قنعت نفسي بما رزقت ... وتناهت في العلى هممي.
ليس لي مال سوى كرمي ... فيه لي أمن من العدم.
قال أبو العيناء: أنشدت أبا العبر قول المأمون:
ما الحب إلا قبلة ... وغمز كف وعضد.
أو كتب فيها رقى ... أنفذ من نفث العقد.
ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد.
فقال لي كذب المأمون، وأكل من الخرا رطلين بالميزان، ألا قال كما قلت:
وباض الحب في قلبي ... فيا ويلي إذا فرخ.
وما ينفعني حبي ... إذا لم أكنس البربخ.
وإن لم يطرح الأصل ... ع خرجيه على المطبخ.
ثم قال لي: كيف رأيت؟ قلت عجبا من العجب، فقال: ظننت أنك تقول: غير هذا؛ فأبل يدي ثم ارفعها. ثم سكت؛ فبادرت وانصرفت.
وكان يجلس في بيته وتجتمع عنده المجان؛ فيملي عليهم أشعاره ويحدثهم؛ فمن ضحك أمر أن يحبس في الكنيف؛ ولا يخرج حتى يغرم درهمين، ونوادره كثيرة.
رجع- ومن شواهد هذا النوع في النظم قول ابن نباتة:
وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بعظمي المنهاض.
قالت تغيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالأعراض.
ولعله من قول الوراق:
قال صديقي ولم يعدني ... وعامل السقم في أثر.
لقد تغيرت يا صديقي ... ويعلم الله من تغير.
وبديع قول أبي المحاسن الشواء في هذا النوع:
ولما أتاني العاذلون ... عدمتهم
وما فيهم إلا للحمي قارض.
قد بهتوا لما رأوني شاحبا ... قالوا به عين فقلت وعارض.
ومنه أخذ ابن النقيب قوله:
وما بي سوى عين نظرت لحسنه ... وذاك لجهلي بالعيون وغرتي.
стр. 126
وقالوا به في الحب عين ونظرة ... لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي.
وأصله من قول الأول:
وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقى ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس.
وقالوا به من أعين الجن نظرة ... ولو صدقوا قالوا به نظرة الإنس.
ولمؤلفه عفا الله عنه:
وقالوا به صفراء يرجى زوالها ... لقد صدقوا صفراء من خرد الحبش.
تفوق ضياء البدران في الدجى ... وتزري بضوء الصبح أن تبد في الغش.
وما أبدع قول ابن نباتة:
وتاركة بالحزن قلبي مقيدا ... ودمعي على الخدين وهو طليق.
يقولون قد أخلقت جفنك بالبكا ... نعم إن جفني بالبكاء خليق.
وقول السيد عز الدين المرتضى:
وقالوا سقيم أي ورب محمد ... ورب علي إنني لسقيم.
سقيم جفاه الأقربون فقلبه ... به من ندوب الحادثات كلوم.
وقالوا لها هلا ... وأنت كريمة
وصلت الفتى العذري وهو كريم.
ومالك قد أصبحت لا ترحمينه ... وقلبك فيما يزعمون رحيم.
فقالت لهم حي سليم من الهوى ... بلى إنني من حية لسليم.
وقول الشهاب محمود:
رأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا.
فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضاً.
ولأبي عامر الجرجاني:
عذيري من شاطر أغضبوه ... فجرد لي مرهفا فاتكا.
فقال أنا لك يا ابن الحسين ... وهل لي رجاء سوى ذلكا.
ولبعضهم:
قلت للأهيف الذي فضح الغص ... ن كلام الوشاة ما ينبغي لك.
قال قول الوشاة عندي ريح ... قلت أخشى يا غصن أن يستميلك.
وللسراج الوراق:
متمارض جعل التغاشي ... من جنايته سبب.
ويقول ما أنا طيب ... صدق الخبيث وما كذب.
وله:
لقنته العذر عن تر ... ك حاجتي لو تصور.
فقلت أنسيتها والن ... سيان أمر مقدر.
فقال لست بناسٍ ... فقلت مولاي أخبر.
وله:
وقائل قال لي لما رأى تلفني ... لطول وعد وآمال تمنيا.
عواقب الصبر فيما قال أكثرهم ... محمودة قلت أخشى أن تحزينا.
ولشمس الدين محمد التلمساني في شاب اسمه علي يعمل الكوافي:
اسم حبيبي وما يعاني ... قد شغلا خاطري ولبي.
قالوا علي فقلت قدرا ... قالوا كوافي فقلت قلبي.
وللشيخ صلاح الدين الصفدي:
لقد أتيت لصاحبي وسألته ... في قرض دينار لأمر كان.
فأجابني والله داري ما حوت ... عينا فقلت له ولا إنسانا.
وله أيضاً:
وصاحب لما أتاه الغنى ... تاه ونفس المرء طماحه.
وقل هل أبصرت منه يدا ... تشكرها قلت ولا راحه.
وله أيضاً:
صدق قلبي نسمات الصبا ... فيما روت عنكم وما شكا.
وقال لا أخبر منها بما ... جاءت به قلت ولا أذكى.
وله أيضاً:
بدا في الخد عارضه فأضحى ... عليه معنفي باللوم يغري.
وحاول أن يرى مني سلوى ... فقال لقد تعذر قلت صبري.
وللسراج الوراق:
شكا رمدا فقيل الآن كلت ... لواحظه من الفتكات فيينا.
وقالوا سيف مقلته تصدى ... فقلت نعم لقتل العاشقينا.
ولنكتف منه بهذا القدر ففيه للطالب كفاية.
تنبيه: هذا النوع أعني القول بالموجب يشترك هو والأسلوب الحكيم في كون كل منهما من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، ويفترقان باعتبار الغاية، فإن القول بالموجب غايته رد كلام المتكلم وعكس معناه، والأسلوب الحكيم هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب، بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولى بحاله أو المهم له.
أما الأول فكقول القبعثري الخارجي للحجاج لما قال له متوعدا بالقيد: لأحملنك على الأدهم، فقال: مثل الأمير من حمل على الأدهم والأشهب. فإنه أبرز وعيده في معرض الوعد، وأراه بألطف وجه أن امرأ مثله في مسند الإمرة المطاعة وبسطة اليد خليق بأن يصفد لا أن يصفد، وأن يعد لا أن يوعد، وكذا قوله ثانيا: ويلك إنه حديد: لن يكون حديديا خير من أن يكون بليدا. وعن سلوك هذه الطريقة في جواب المخاطب عبر من قال مفتخرا:
стр. 127
أتت تشتكي عند مزاولة القرى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي.
فقلت كأني ما سمعت كلامها ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي.
وسماه الشيخ عبد القاهر مغالطة.
وأما الثاني فكقوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) لما قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يستوي ويمتلي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا؟ فأجيبوا بما ترى تنبيها على أن الذي ينفعكم وه أهم بحالكم أن تعلموا منها أوقات الطاعات. وكقوله تعالى: (يسألونك ماذا تنفقون قل أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصارف، تنبيها على أن المهم السؤال عنها، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، وكل ما فيه خير فهو صالح للإنفاق، فذكر هذا على سبيل التضمن دون القصد. ومثال ذلك أيضاً قول الطبيب الرفيق لمن غلب عليه السوداء إذا طلب الجبن: عليك بمائه، وعليه سؤال الأهلة، ولمن قهرنه الصفراء إذا اشتهى العسل: كله مع الخل، وإليه ينظر سؤال النفقة. وإذا أنت تأملت مواقع هذا النوع أعني الأسلوب الحكيم ظهر لك كمال الفرق بينه وبين القول بالموجب أتم ظهور، وجزمت بخطأ من جعلهما واحدا كابن حجة، فاعلم ذلك والله أعلم.
وبيت بديعية الصفي في نوع القول بالموجب قوله:
قالوا سلوت لبعد الإلف قلت لهم ... سلوت عن صحتي والبرء من سقمي.
قال في شرحه: الشاهد فيه عكس معنى المتكلم من فحوى لفظة سلوت.
ووجدت له أبياتا في ديوانه من هذا النوع وهي:
قالت كحلت الجفون بالوسن ... قلت ارتقابا لطيفك الحسن.
قالت تسليت بعد فرقتنا ... فقلت عن مسكني وعن سكني.
قالت تشاغلت عن محبتنا ... قلت بفرط البكاء والحزن.
قالت تخليت قلت عن جلدي ... قالت تغيرت قلت في بدني.
قالت تخصصت دون صحبتنا ... فقلت بالغبن منك والغبن.
وبيت بديعية ابن جابر أورده بحرف الاستدراك فقال:
كانوا غيوثا لكن للعفات كما ... كانوا ليوثا ولكن في عداتهم.
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
قالوا مدام الهوى قولا بموجبه ... تسل قلت شبابي من يد الهرم.
أراد المتكلم بقوله: تسل، إنها تحدث داء السل، فعاكسه المخاطب بسل الشباب من يد الهرم. وهي أحسن من (سلوت) في بيت الحلي غير أن قوله (مدام الهوى قولا بموجبه) فيه من العقادة ملا لا يخفى.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
قولي له موجب إذا قال أشفقتهم ... تسل قلت بناري يوم فقدهم.
مراد المتكلم من قوله (تسل) أمر بالسلو، فعاكسه بحمله على أنه من الإسلاء بالنار، غير أن الإسلاء بالنار مهموز؛ يقال: سلأ السمن إذا طبخه؛ والسلو واوي؛ لكن مثل هذا يغتفر.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
قالوا سلو الهوى قولا بموجبه ... يبري فقلت عظامي يوم بينهم.
مراد التكلم بقوله (يبري) من البرء وهو الشفاء من المرض؛ فعاكسه بحمله على البري؛ من برى السهم إذا نحته؛ هذا مراده؛ ولكنه غلط واضح فإن يبري من البرء بمعنى الشفاء مضموم الأول؛ لأنه مضارع أبرأه؛ يقال: برء المريض يبرأ، من باب نفع وتعب، وبرؤ؛ من باب قرب لغة هو في كل ذلك لازم؛ فإذا أريد تعديته قيل: وأبرأه الله ببرئه إبراء؛ بهمزة التعدية مثل أكرمه يكرمه، ولم يسمع براه الله إلا بمعنى خلقه، ويبري من برى السهم مفتوح الأول؛ لأنه متعد بنفسه، يقال: برى السهم والقلم بريا، من باب رمى، فلا يصح فيه القول بالموجب ما لا يخفى. (على أنه) عصب سقف بيت العز الموصلي في مصراعه الأول.
وبيت بديعيتي هو:
قالوا وقد زخرفوا قولا بموجبه ... فهمت قلت هيام الصب ذي اللمم.
زخرف كلامه: حسنه بترقيش الكذب، والهيام بضم أوله: كالجنون من العشق، واللمم: الجنون؛ والشاهد في قوله (فهمت قلت هيام الصب ذي اللمم) فإن المتكلم أراد به الفهم، فعاكسه المخاطب بحمل قوله (فهمت) بالتورية على أن الفاء ليست من سنخ الكلمة، بل عاطفة على مقدر و (همت) على أنه فعل ماض من الهيام، ولا خفاء فيما ذلك من الدقة واللطافة.
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري:
قالوا الأحبة شكوا في هواك نعم ... شكوا بلا شك أحشائي بلحظهم.
стр. 128
لفظة شكوا مشتركة، فهم أرادوا ضد اليقين، وهو حملها على أنهم أرادوا بها طعنوا.
التسليم .
كم ادعوا صدقهم يوما وما صدقوا ... سلمت ذاك فما أرجو بصدقهم.
التسليم- قال بعضهم هو أن يفرض المتكلم حصول أمر قد نفاه، أو فهم استحالته، أو شرط فيه شرطا مستحيلا، ثم يسلم وقوع ذلك بما يدل على عدم فائدته.
وقال الأكثرون: هو أن يفرض المتكلم فرضا محالا منفيا أو مشروطا بحرف الامتناع، ليكون المذكور ممنوع الوقوع لامتناع وقوع شرطه، ثم يسلم وقوعه تسليما جدليا، ويدل على عدم الفائدة لو وقع.
فالأول أعني المحال المنفي كقوله تعالى: (ما تخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) . فإن معنى الكلام ليس مع الله من إله، ولو سلم أن معه سبحانه إلها لزم من ذلك التسليم، ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق، وعلو بعضهم على بعض، فلا يتم في العالم أمر ولا ينفذ حكم ولا تنتظم أحواله. والواقع خلاف ذلك؛ ففرض إلهين فصاعدا محال لمن يلزم منه المحال.
وهذا القسم هو الذي بنى عليه أرباب البديعيات أبياتهم، لكن ما فرضوه محال ادعاء وليس بمحال حقيقة كما ستراه.
والثاني اعني المشروط بحرف الامتناع مثلوا له بقول الطرماح:
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد.
وهو ليس بكامل الشروط إذ ليس فيه التسليم الجدلي، إنما هو مشروط بحرف الامتناع لا غير. وذكر ابن أبي الأصبع: أن التسليم فيه مقدر؛ وتكلف في تقديره.
وقد نظمت له أنا أمثالا مستوفيا لشروط فقلت:
هم كدروا صفو الوداد وأقبلوا ... يرومون من قلبي البقاء على الود.
يقولون لو تصفو صفونا وهبهم ... وفوا لي بما قالوا فماذا الذي يجدي.
ألم يسمعوا قول الوشاة وجاهروا ... على غير ذنب بالقطيعة والصد.
المثال في البيت الثاني فإنه مشروط بحرف الامتناع وفيه التسليم الجدلي والدلالة على عدم الفائدة، على حد ما ذكروه في التعريف.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
سألت في الحب عذالي فما نصحوا ... وهبه كان فما نفعي بنصحهم.
وهذا من قسم المنفي كما سبقت الإشارة إليه.
وسقط هذا النوع من بديعية ابن حجة وشرحها في النسخ التي حضرتني، وبسقوطه تعذر هنا إيراد بيتي بديعيتي الموصلي، وابن جابر فإنني لم أقف عليهما إلا من شرح بديعية ابن حجة، ولعل الله يظفر بهما فيما بعد؛ فيثبتان مع مشيئة الله تعالى.
وبيت بديعية الطبري قوله:
لم يجد لي عذالهم نفعا أسلمه ... وهبه أجدى فماذا لي بنفعهم.
وبيت بديعيتي هو قولي:
كم أدعوا صدقهم يوما وما صدقوا ... سلمت ذاك فما أرجو بصدقهم.
وبيت بديعية إسماعيل المقري قوله:
لم يلق أذنا على أذني ملامك لي ... وهبه يلقى فلي قلب أصم عمي.
الاقتباس .
قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وقد ... أوروا بجنبي نارا باقتباسهم.
الاقتباس في اللغة: مصدر اقتبس إذا أخذ من معظم النار شيئا، وذلك المأخوذ قبس بالتحريك، وفي الاصطلاح هو تضمين النظم أو النثر بعض القرآن لا على أنه منه، بأن لا يقال فيه: قال الله أو نحوه، فإن ذلك حين إذا لا يكون اقتباسا.
قال الحافظ السيوطي: وقد اشتهر عن المالكية تحريمه وتشديد النكير على فاعله. وأما أهل مذهبنا- يعني الشافعية- فلم يتعرض له المتقدمون ولا أكثر المتأخرين مع شيوع الاقتباس في أعصارهم، واستعمال الشعراء له قديما وحديثا، وقد تعرض له جماعة من المتأخرين، فسئل عنه الشيخ عز الدين بن عبد السلام فأجازه، واستدل بما ورد عنه ﵌ في قوله في الصلاة وغيرها: وجهت وجهي إلى آخره، وقوله: اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني ديني واغنني من الفقر. وفي سياق كلام أبي بكر: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وفي آخر حديث لابن عمر: قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. انتهى.
وهذا كله إنما يدل على جوازه في مقام المواعظ والثناء والدعاء وفي النثر، ولا دلالة فيه على جوازه في الشعر وبينهما فرق.
стр. 129
فإن القاضي أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه في الشعرمكروه وفي النثر جائز، واستعمله أيضاً في النثر القاضي عياض في مواضع من خطبة الشفاء.
وقال الشرف إسماعيل المقري صاحب مختصر الروضة وغيره في شرح بديعيته: فما كان منه في الخطب والمواعظ ومدحه ﵌ فهو مقبول وغيره مردود.
وفي شرح بديعية الشيخ صفي الدين الحلي: الاقتباس ثلاثة أقسام محمود مقبول، ومباح مبذول، ومردود مرذول.
فالأول-ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبي وآله ﵈ ونحو ذلك.
والثاني-ما كان في الغزل والصفات والقصص والرسائل ونحوها.
والثالث- على ضربين: أحدهما ما نسبه الله تعالى إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقع على مطالعة فيها شكاية من عماله: "إن إلينا إيابهم ثن إن علينا حسابهم" والآخر تضمين آية كريمة في معرض هزل أو سخف، ونعوذ بالله من ذلك، كقول أحد العصرين:
قالت وقد أعرضت عن غشيانها ... يا جاهلا في حمقه يتناهى.
إن كان لا يرضيك قبلي قبلة ... لأولينك قبلة ترضاها.
انتهى. قال السيوطي: وهذا التقسيم حسن جدا وبه أقول.
وقال الشيخ بهاء الدين السبكي في عروس الأفراح: الورع اجتناب ذلك كله، وأن ينزه عن مثله كلام الله ورسوله، لاسيما إذ أخذ شيء من القرآن وجعل بيتا مصرعا، فإن ذلك ما لا يناسب المتقين، كقوله:
كتب المحبوب سطرا ... في كتاب الله موزون.
لن تنالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبون.
وبقي هنا فوائد: الأولى- الصحيح أن المقتبس ليس بقرآن حقيقة بل كلام يماثله، بدليل جواز النقل عن معناه الأصلي، وتغيير يسير كما سيأتي. وذلك في القرآن كفر، وهذا سر قول أصحابنا: لو قرأ الجنب الفاتحة على قصد الثناء جاز، قاله السيرافي. وقال في العروس: المراد بتضمين شيء من القرآن في الاقتباس، أن يذكر كلام وجد نظمه في القرآن؛ أو السنة، مرادا به غير القرآن، فلو أخذ به القرآن كان ذلك من أقبح القبائح، ومن عظائم المعاصي نعوذ بالله منه.
الثانية- الاقتباس على ضربين: ضرب لا ينقل المقتبس فيه عن معناه الأصلي، كقول بعض العصرين- وقد طلب من بعض أصحابه الذين بمكة حبا فاعتذر منه-: -
طلبنا منكم حبا ... أجبتم فيه بالمنع.
عذرناكم لأنكم ... بواد غير ذي زرع.
فإن المراد به مكة المشرفة، وكذلك هو في الآية الشريفة. وضرب ينقل عن معناه الأصلي بناء على أنه ليس بقرآن حقيقة كما مر.
وكقول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي.
لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع.
فإنه كنى به عن الرجل الذي لا نفع لديه، والمراد به في الآية الشريفة مكة شرفها الله تعالى كما تقدم.
الثالثة-جوزوا تغير لفظ المقتبس بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ أو إبدال الظاهر من المضمر، أو نحو ذلك بناء على ما هو الصحيح من أن المراد به غير القرآن كما تقدم.
ومثاله قول أبي تمام في مطلع قصيدة يرثي ابنا له، فيما رواه أبو بكر الصولي عن أبى سليمان النابلسي:
كان الذي خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا.
أمسى المرجى أبو علي ... موسدا في الثرى يمينا.
حين استوى وانتهى شبابا ... وحقق الرأي والظنونا.
كنت عزيزا به كثيرا ... وكنت صبا به ضنينا.
دافعت إلا المنون عنه ... والمرء لا يدفع المنونا.
وهي قصيدة طويلة، فقوله: إنا إلى الله راجعونا؛ اقتباس لكنه زاد الألف في راجعون على جهة الإشباع، وأتى بالظاهر مكان المضمر في قوله: إنا لله وإن إليه؛ ومراده آية الاسترجاع وهي قوله: "إنا لله وإن إليه راجعون".
قال في عروس الأفراح: وفي تسمية هذا البيت اقتباسا نظر، لأن في هذا اللفظ ليس في الأصل من القرآن. وتعقبه ابن جماعة بأنه اقتباس بالنظر إلى الأصل الذي هذا مغايره، فهو بالنظر إلى هذا، وما المانع من ملاحظة مثل هذا في التسمية. انتهى.
стр. 130
وهذا البيت لم يعرف أحد من أهل البديع الذين استشهدوا به قائله، فعزاه بعضهم إلى بعض الشعراء وعزاه الخطيب في الإيضاح، والتفتازاني في المطول إلى بعض المغاربة، وقال: إنه قاله عند وفاة بعض أصحابه، وليس كذلك. وإنما قال صاحب قلائد العقيان في ترجمة الرئيس أبي عبد الرحمن ابن طاهر: أنه شهد وفاته، وحين قضى دخل عليه الوزير أبو العلاء بن أزرق وهو يبكي ملء عينيه، ويقلب على ما فاته كفيه، وينادي بأعلى صوته أسفا على فوته:
كان الذي خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا.
انتهى. وهذا لا يدل على أن الوزير المذكور قائله، بل تمثل به، فاعلم. ومما وقع التغير فيه بالزيادة والنقصان وإبدال الظاهر من المضمر والمضمر من الظاهر.
قول عمر الخيام:
سبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة وعلو همة.
فلاح بحكمتي نور الهدى في ... ليال للضلالة مد لهمة.
يريد الجاهلون ليطفؤه ... ويأبى الله إلا أن يتمه.
والآية "يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله غلا أن يتم نوره".
الفائدة الرابعة- المشهور بتخصيص الاقتباس بكونه من القرآن. ومنهم من عد المضمن في الكلام من الحديث اقتباسا أيضاً. وزاد الطيبي: من مسائل الفقه. قال بعضهم: إذا قلنا بذلك فلا معنى للاقتصار على مسائل الفقه، بل بكون من غيره من العلوم. إذا عرفت ذلك فالخلاف المذكور في جوائز الاقتباس من القرآن وعدمه لا يجري في الحديث، خصوصا وهو تجوز روايته بالمعنى وغير ذلك مما لا يجوز في القرآن، كذا قال بعضهم. وقد رأيت ما قاله الشيخ بهاء الدين السبكي في العرس: من أن الورع أن ينزه عن مثله كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﵌.
وهذا محل إثبات شيء من أمثلة الاقتباس بأنواعه نثرا ونظما.
فمن الاقتباس من القرآن في النثر، قول ابن نباتة الخطيب، من خطبة له: فيا أيتها الغفلة المطرقون؛ أما أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ مالكم لا تشفقون؟ "فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون" وقوله من أخرى في ذكر يوم الحساب: هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، وتقطع الأسباب؛ وتذهب الأحساب، ويمنع الأعتاب؛ ويجمع من حق عليه العقاب، وجب له الثواب، فيضرب "بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" وقول الحريري في مقاماته: فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادعى "ونهى النفس عن الهوى" وعلم أن الفائز من ارعوى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى".
وممن تقدم في نحو هذا الكلام، فكان إمام هذا المقام: عبد المؤمن الأصبهاني، في رسالة أطباق الذهب؛ وهي مائة مقالة عارض بها أطواق الذهب للزمخشري. وقال في ديباجتها: وهي مائة مقالة صيغت دمالج للعضد ومخانق للجيد، وخلخلت كل واحدة بكلمة من كتاب الله المجيد، وجعلتها كوكبة ثابتة لمغربها، وكلمة باقية في عقبها. فهي لا قدامها عقب، ولختامها مسك عبق؛ ولا أبتغي إلا وجه الله فيما فصلت وقطعت، وما أريد "إلا الإصلاح ما استطعت".
فمما استحسنه منها- وما محاسن شيء كله حسن- قوله وهي المقالة الخامسة:
خليلي هبا طالما قد رقدتما ... إلا تنشدان العهد ما قد فقدتما.
أين إخوان عاشرناهم وخلان؟ أين زيد وعمر وفلان وفلان؟ وأين رشفاء الكؤوس، وقدما بقي نسيم رياهم في النفوس؟ أما يزعنا موت الآباء والأمهات عن أباطيل الترهات؟ ألا إن المرء غافل مطرق، والموت واعظ مفلق، ينادي أقواما تظنهم قياما وهم قعود "وتحسبهم أيقاظا وهم رقود " تكرهون جرع الحمام فإنه ساقيكم "قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم".
وقوله، وهي المقالة السادسة والثمانون: ذكر الله أشرف الأذكار، فاذكروه بالعشي والإبكار، ذكره مقدحة الأرواح الصدية، كالصبا من وجه الأقاحي الندية، فاذكر الله ذكرا كثيرا، وكبره تكبيرا. فإذا أخلصت الذكر فاترك الصوت والحرف؛ وإذا شربت وسكرت فاكسر الطرف. السجود ما جل عن نقرات الجباه؛ والذكر ما خفي عن حركات الشفاه؛ فجهز لطيمة الأثنية إلى حظائر قدسة؛ واذكر ربك في نفسك يذكرك في نفسه، وقل لمن يذكر الله في لسانه تورعا "اذكر ربك في نفسك تضرعا".
стр. 131
وقوله وهي الرابعة والثمانون: رب جائع مطعام، ورب أعزل مقدام ورب حسناء مردودة؛ ورب خرقاء محسودة. أخلاق متعاكسة، وشركاء متشاكسة؛ وأقسام متباعدة "وما أمرنا ألا واحدة" سبب واحد، وأحكام متعددات؛ وقضاء فرد، وأحوال متجددات؛ وقدرة غلباء؛ وأقدار متغايرات؛ وبيضة مكنونة؛ وأفراخ متطايرات، كلمة قدسية تنشيء الإيمان والكفر، كخابية المسيح تخرج الحمر والصفر، وكالشمس بنورها تلون الحبر والياقوت؛ أو كالنجار بقدومه ينحت المهد والتابوت. الدعوة واحدة وإن تباينت كلمات الرسل، والمقصد واحد وإن تقاذفت جهات السبل. ثمار تسقى بماء واحد "ونفضل بعضها على بعض في الأكل".
وقوله وهي المقالة السابعة: طوبى للتقي الخامل، الذي سلم من إشارة الأنامل، وتبا لمن قعد في الصوامع، ليعرف بالأصابع. خزائن الأمناء مكتومة؛ وكنوز الأولياء مختومة. والكامل كامن يتضاءل؛ والناقص قصير يتطاول، والعاقل قبعة، والجاهل طلعة فاقبع قبوع الحيات، وكن في الظلمات كماء الحياة؛ كنزك في التراب، وسيفك في القراب، عف آثارك بالذيل المسحوب، واستر رؤاك بسفعة الشحوب، فالنباهة فتنة؛ والوجاهة محنة؛ كن كنزا مستورا؛ ولا تكن سيفا مشهورا، إ ن الظالم لجدير أن يقبر ولا يحشر، والبالي خليق أن يطوى ولا ينشر. ولو علم الجزل صولة النجار؛ وعضة المنشار؛ لما تطاول شبرا، ولا تخايل كبرا، وسيقول البلبل المعتقل ليتني كنت غرابا "ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا".
وقوله وهي المقالة التاسعة والثلاثين: داهية وما داهية، وما أدراك ما هية: قاض خبيث المأكل، ثقيل الهيكل؛ يملأ الحشا بالرشا؛ ويؤذي جليسه بالجشا؛ ولان يطاع عشوة خير له من أن يأكل رشوة، قبلته عتبة السلطان، وسبلته مدبة الشيطان. قلمه وقود النيران، وخدمه لصوص الجيران يعرف الحق ولا ينفذه، ويرى الغريق ولا ينقذه، ينزع قميص اليتيم في مأتمه وينازع الطفل الصغير في مطعمه. يغمس يده في الميراث؛ وينفعه في المبال والمراث. إذا قسم جعل نفسه أكبر البنين، ويلحق اليتيم بالجنين. فما البغاث في منسر البزاة، ولا الحربي في أسر الغزاة، بأعجز من اليتيم في مخالب القضاة. يحسبهم الجهال صلحاء وهم مراق، ويظنونهم أمناء وهم سراق، يثنون على ذي العثنون؛ ويدعون لذلك المطعون؛ وهم إن عرفتهم حق العرفان، سراحين تعبث بالخرفان. يكتبون الزور وبه تجري أقلامهم، ويكتمون الحق وبه تأمرهم أحلامهم "وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم" يلبسون الحق بالباطل، ويلبسون عارا وشنارا؛ و؛ "يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا".
وقوله وهي المقالة الرابعة والتسعون، وفيها اقتباس من الحديث النبوي أيضاً: عواتق الحجال، شقائق الرجال، الرجال قوامون والنساء قواعد، هم أعضاء الدين وهن سواعد؛ ما هن إلا مكاريب زروعهم، وشراسيف ضلوعهم، إلا فارفقوا بهن فإنهن لحم على خوان، واستوصوا بهن خيرا فإنهن عوان. ورجل بلا بعل، كرجل بلا نعل، والعزوبة مفتاح الزنا، والنكاح ملواح الغنى، ومن نكح فقد صفد بعض شياطينه، ومن تزوج فقد حصن نصف دينه ألا فاتقوا الله في النصف الثاني، فإن خراب الدين بشهوتين: شهوة الفرج وهي الكبرى، وشهوة البطن وهي الصغرى، فاعمر الركنين، واحكم الحصنين؛ فإذا فرغت من الرواق والصفة، فلا تهمل السقيفة والأسكفة. واعلم أن الدنيا والآخرة ضرتان، لك إليهما كرتان، إحداهما حرة خريدة، والأخرى أمة مريدة، فاجعل للحرة يومين؛ فإن لها قسمين، وللأمة قسما، فإن لها في كتابك اسما، وأضعف نصيب العقبى، ولا تنسى نصيبك من الدنيا، واحفظ القسمة العادلة، ولاتكن ممن يحبون العاجلة، فالويل كل الويل إن تميلوا كل الميل. واتق الميل بالقلب "فكل أولئك كان عنه مسؤولا" وإن كان ولابد "فللآخرة خير لك من الأولى" فإن اتقيت الزيغ فطلق الدنيا فإنها زائدة "وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة". انتهى.
стр. 132
وقلت أنا على هذا الأسلوب الحكيم، سالكا هذا النهج القويم- وأنا استغفر الله من قول بلا عمل، وأسأله من فضله بلوغ الأمل- مقالة في الإيقاض من سنة الغفلة لسنة الإتعاض: انتبه يا نائم، فقد هبي النسائم، ودع المنام، فقد انقشع الظلام، هذا الصبح قد لاحت تباشيره وهذا النجح فد وافاك بشيره، فحتى متى هذه الغفلة والغرة؟ وإلى متى هذه الفضيحة والمعرة؟ أركونا إلى الدنيا الدنية؟ واشتغالا عن المنية بالأمنية؟ ما أراك إلا قد تورطت، فاعمل لنفسك قبل أن تقول "يا حسرتا على ما فرطت " وذر الكبر والزهو "فما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو" فتبا لمن نسي وفاته، حتى ذهب أمره وفاته، وطوبى لمن عمل لغده؛ ولم يغتر من العيش برغده؛ فكم هذا التسويف يا ماطل؟ والحق لا يدرك بالباطل؛ فلا يغرنك قوم أعرضوا عن العلم والعمل "ذرهم يأكلون ويتمتعوا ويلههم الأمل" إن الذين أمنوا لا يسوفون من يوم إلى يوم ومن عام إلى عام "والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام".
مقالة أخرى في الحث على الأعمال؛ وبيان أن رضى الله لا ينال بالآمال: من عجيب أمر الإنسان وكل أمره عجيب أن يدعو فيرجو الإجابة، ويدعى فلا يجيب، أليس كما يدين يدان؟ وهل يجزى المرء إلا بما دان؟ عقل في فقار الجهالة هائم، وقلب في تيار الضلالة عائم، يرجو ولا يخاف، إيمان ظاهر؛ وكفر خاف؛ والخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطير، إن قص أحدهما سقط في هوة الضير. فيا أيها المغرور بأمله، المسرور بعمله، إنك في حبائل الشيطان واقع، ألما تصح والشيب وازع؟ فانظر لحالك قبل ترحالك، واعمل في يومك لغدك، قبل فوات الأمر من يدك، ولا تكن عن الآخرة باللاه "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله" ولا يعجبنك أمر قوم رضوا من الدنيا الدنية بالدون "إنهم اتخذوا الشياطين من أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ".
مقالة أخرى- في وصف عباد الله الصالحين وأولياؤه الفالحين.
لله در عصابة هم أهل الإصابة، ذاقوا شهد الدهر وصابه، وقاسوا محنة وأوصابه؛ فنبذوا الدنيا وراءهم ظهريا، وامتطوا من عزمهم جملا مهريا يرون ببصائرهم ما لا يرون بأبصارهم، وينتصرون بالله سبحانه لا بأنصارهم هم أعلام الهدى ومعالمه، وأركان التوحيد ودعائمه، أنفسهم في عالم الملكوت سائحة، وقلوبهم في غمار الرهبوت سابحة، نطقهم حكمة وذكر وصمتهم عبرة وفكر، إذا خوطبوا أحسنوا السمع "وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع " أكفهم بالبذل مبسوطة، وأوصافهم بالفضل منوطة، يبذلون من المال خلاصه " يرجون تجارة لن تبور" ويخشون يوما يدعى فيه الخاسر بالويل والثبور "يهدون بالحق وبه يعدلون " يأمرون بالصلاح وهم المصلحون "أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".
ولنكتف من محاسن الاقتباس الواقعة في المواعظ بهذه اللمعة المضيئة النبراس، ففيها قناع للمتعظ والواعظ.
ولا بأس بإظهار نور الاقتباس من مشكاة أهل الترسل، ليستضيء الأديب بأنوار اقتباسهم عند التوصل إليه والتوسل. فمن ذلك قول القاضي الفاضل- وهو رئيس هذه الصناعة من غير مناضل- من رسالة يصف، قلعة نجم، وهي من عيون الرسائل: هي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة. فاقدة حياة صالحها الدهر إن لا يحلها بقرعة، نادبة عصمة صافحها الزمن على أن لا يروعها بخلعه، فاكتنفت بها عقارب منجنيقات لم تطبع بطبع حمص في العقارب، وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة في الأقارب.
إلى أن قال: فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد من هواليها طالع؛ وفتحت الأبراج فكانت أبوابا "وسيرت الجبال فكانت سرابا ".
وقوله: ولنا من الجيران من يجور، ويظن أنه إلى الله لن يحور ويصدق وعد الشيطان وما يعده الشيطان إلا الغرور، وتصدر عنه كل عظيمة، ويجهل أن الله عليم بذات الصدور ويظن أنه يرث الأرض وينسى ما كتب الله في الزبور.
وقوله: وينهى وصول كتاب كريم، تفجرت منه ينابيع البراعة، وتبرعت فيه بالحكم أيدي اليراعة، وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب وهطل منه لأوليائه كل صوب ولأعدائه كل شهاب أصيب.
стр. 133
وقوله: كتاب اشتمل على بدائع المعاني وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أنني ما تعبت في استخراج جواهرها، بل سبحت حتى تناولتها وجنحت إلى ما حاولتها، فيا لله من بدائع وروائع، ولطلائف وطرائف؛ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وما يقرط الأسماع ويقرط الألسن.
وقوله: فلو رأيت أطناب الخيم في أعناق الأسارى يساقون بها مقرنين، لحمدت الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، ولقد شابت بخضاب العجاج ما أرسلته رايات الأبرجة من ذوائب مفرقها، وأسلمت وجهها لله وقطعت زنار خندقها.
وقوله: وما عهدته أدام الله سعادته إلا وقد استراحت عواذله، وعرى به أفراس الصبا ورواحله، إلا أن يكون قد عاد إلى ذلك الجج، ومرض قلبه وما على المريض من حرج. وأيما كان، ففي فؤادي إليه سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسي أسيرة غلة لا أطيقها بل أطيعها، وإني لمشتاق إليك؛ وعاتب عليك، ولكن عتبة لا أذيعها.
وقوله: ورد كتاب لا يجد الشكر عنه محيدا، وآنست القلب الذي كان به وحيدا، وعددت يوم وصوله السعيد عيدا، ووردت منه بئرا غير معطلة وقصرا مشيدا (ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وتلك الغاية ليست في وسعي ولا تعلم نفس إلا ما طرق سمعها؛ وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعي، وهذه الأوابد إلا باعد ما طال لها ذراعي ولا استقل بها ذرعي.
وقوله: (لا يجليها لوقتها إلا هو) فسبحانه جلت قدرته جلاها وقد بلغت القلوب الحناجر، وفرجها وقد بلغت الدموع المحاجر ومن بالسلطان على الخلق، وإقامة ليتم به إنشاء الله دين الحق.
وقوله: - في جواب كتاب بعثه العماد إليه في ورق أحمر، فقطعت العرب الطريق على حامله، وأخذوه ثم أعادوه-: ووصل منها كتاب تأخر جوابه لأن العرب قطعوا طريقه، وعقوا عقيقه، ثم أعادوه وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره؛ ولا ألبابهم أن تسيغ خمره، فقطف ورده من شوك أيديهم وحيا حياه الذي جل عن واديهم، وحضر منهم حاضر الفضل الذي ما كان الله ليعذبه بالغربة وأنت في بواديهم، وتشرف منه بعقلية الإنس التي ما كان الله ليمتحنها بقتل واديهم ومسألته بأي ذنب قتلت، وأي شفاعة فيك قبلت، فقال: عرفت الأعراب بضاعتها من الفصاحة، وتناجدت أهل نجد فكل صاح وإصباحه، وقالوا: هذه حقائقنا السحرية، وهذه حقائبنا السحرية؛ وهذه عتائدنا السرية محمولة؛ وهذه مواريث قيثنا وقسنا المأمولة، فقيل لهم: إن الفصاحة تنتقل عن الأنساب، وإن العلم يناله فرسان من فارس ولو كان في السحاب، فدعوا عنكم ثمرا علق بشجراته؛ واتركوا نهبا صيح في حجراته (وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ثم لمته على الشعث؛ وأحللت به بعد الإحرام؛ فاستباح الطيب؛ وحاشاه من الرفث.
ومن ذلك قول العماد الأصبهاني: صدرت هذه البشرى ودماء الفرنج على الأرض وقيل لها: ابلعي، وعجاجها في السماء وقيل لها: أقلعي، وفاض ماء النصال، وغاض ماء الضلال، وهي بشارة اشترك فيها أولياء النعمة؛ ونبئهم أن الماء بينهم قسمة.
وقول الشيخ جمال الدين بن نباتة- في حضيرة القدس-: وكان معنا شخص يلقب بالخلد سكن بيتا حسنا، وغمض عن الرفاق تغميضا في الخلد بينا، فقال مولانا الصاحب: ما تقول في جنة الخلد، وشكا قوم عشرة هذا الرجل؛ فكتبت على ورقتهم: اصبروا على ما تثقلون (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعلمون) .
وقوله في منقل نحاس وهو من غريب الاقتباس: طالما حمدت معاشرته وطابت في الليالي مسامرته؛ واطلع من أفقه نجوما سعيدة القران؛ وتلا على الثلج والريح (يرسل عليكما شواظا من نار ونحاس فلا تنتصران) .
وقول القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير: ولم يزل القتال ينوبهم وسهام المنون تصيبهم، وسحابها يصيبهم، والسيوف تغمد في الطلى؛ والرماح تركز في الكلى؛ والمجانيق تذلل سورتتهم؛ وتسكن فورتهم، وتقذفهم من كل جانب دحورا، وتعيد كلا منهم مذموما مدحورا، وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالتسليم، وتنتابهم فما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.
وقول كمال الدين بن العطار في منازلة قلعة: ونقبت النقوب نظام أساساتها فانحلت، وألقيت النار في أحشائها فألقت ما فيها وتخلت. هذا والمناجيق منا ومنهم تارة وتارة، وكفها يرمي من النفط أصابعها بشرر كالقصر وقودها الناس والحجارة.
стр. 134
وقول الشهاب محمود: - في فتح حصن المرقب-: وتخلخلت قواعد ما شيد من أركانه فانحلت، وانشقت سماؤه من الجزع فألقت ما فيها من الأرض وتخلت، ومشت النار من تحتهم وهم لا يشعرون، ونفخ في الصور بل في السور فإذا هم قيام ينظرون. ومنه: فلجأوا إلى الأمان، وتمسك ذل كفرهم بعز الإيمان، وتشبثوا بساحل العفو حين ظنوا أنهم قد أحيط بهم وجاءهم الموج من كل مكان.
وما ألطف اقتباس أبي طاهر الأصفهاني- في رسالة القوس- إذ قال: وهو صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم؛ إلا ما حملت ظهورها والحوايا أو ما اختلط بعظم.
ومن إنشاء الشيخ عبد الرحمن المرشدي؛ من كتب كتبه غلى الأفندي محمد دراز المكي: على رسلك يا رسول البلاغة؛ ماذا التحدي بهذا المعجز الموجز؛ وعلى مهلك يا نبي البراعة فما منا إلا مذعن معجز (والقلم وما يسطرون) ، (وإن هذا إلا سحر يؤثر) ما هذا قول البشر، (حم والكتاب المبين) ما هذا في زبر الأولين.
ومنه: يا أعد قاض أقيم به عماد الدين (آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) .
قلت: هذا وإن عدهم بعضهم من حسن الاقتباس، إلا أني أراه من القسم المردود، لتجاوزه الحدود.
ومن كتاب له إلى بعض كبراء مصر: فياذا القلم السحار، والكلمة الفائقة لطفا على نسائم الأسحار، أعيذ سطرك وطرسك، بالليل إذا تجلى و (أعوذ برب الفلق) ؛ والليل إذا غسق؛ إذ تقوسم بالإزلام أن يكون غيرك ذا القدح المعلى.
وقوله من كتاب آخر: وأما أحوال العسكر الواردة إلى اليمن، المثيرين بمصر تلك الشرور والفتن، فقد جاؤوا إلى بندرة جدة (وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة) ونزل ميدهم وهو في الغاية من السكينة المتمكنة؛ وأما المتجهز منهم في المركب (المجاهد) فقد ندخ بهم المركب إلى القنفذة، وكادت أن تقع بينهم فتنة وعربذة، وذلك عند وصول الماء إليهم فكادوا أن يقتتلوا، فوصل الخبر إلى الموكول إليه، فقال للرسول: أقر بالري عينهم (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) فأطفأ الله النار بذلك الماء وسافروا بعد ذلك غلى حيثما.
ومن ذلك قول الأفندي محمد بن حسن دراز المكي- في جواب كتاب إلى الشيخ عبد الرحمن المرشدي- (والنجم إذا هوى) ما ضل يرعاك وما غوى (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى) جل فضلك عن التشبيه، وتعالت نباهتك عن الإيماء والتنبيه، ولقبت بالشرف وأنت الشرف النبيه؛ اقتربت ساعة حسادك يا رب البلاغة ووجهك القمر، وأن يروا آية من فضلك يعرضوا، وقد جاء (جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموا قلمك فيما شجر، ويقولوا لجواهر ألفاظك الرطبة إذا نطق ذو اللفظ اليابس: بفيك الحجر، ويوقنوا بحسن تصرفك في التصنيف الذي فيه أنصفت إذ صنفت، وإذا جمع غمام جموعه لمساجلتك قيل له (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت) انتهى.
هذا غيض من فيض، ولم من يم، والقول في هذا الباب لا ينتهي حتى ينتهي عنه، ولا يقف حتى يوقف عليه، فيا أربا الإنشاء والقريض، ويا أصحاب التصريح والتعريض، اقتبسوا مثل هذه الأنوار المشرقة في أشعاركم وخطبكم (وانبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) .
لطيفة- كان القاضي الشهير الشهيد أبو علي الصيرفي المغربي رجلا ذا وقار، يرجع من التقى بأوقار، وعلى وقاره الذي كان يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستظرف، وهو: إن فتى يسمى يوسف لازم معطرا رائحته، ومنظفا ملبسه، ثم غاب لمرض قطعه؛ أو أشغل منعه؛ ولما فرغ؛ أو أبل؛ عاود ذلك النادي والمحل؛ وقبل إفضائه إليه؛ دل طيبه عليه. فقال الشيخ- على سلامته من المجون- (إني لجد ريح يوسف لولا أن تفندون) وهي من طرف نوادره.
ومن لطيف ما يحكى هنا: أن المنصور ولى سليمان بن أميل الموصل وضم إليه ألفا من العجم، وقال له: قد ضممت إليك أف شيطان، تذل بهم الخلق. فعتوا في نواحي الموصل، فكتب إليه المنصور: كفرت النعمة يا سليمان، فأجابه (وما فر سليمان ولكن الشياطين كفروا) فضحك منه وأمده بغيرهم.
ولنصرف الآن عنان اليراعة إلى ما وقع من الاقتباس في أشعار أولي البراعة.
فمن الاقتباس من القرآن قول الأحوص:
إذا رمى عنها سلوة قال شافع ... من الحب ميعاد السرور المقابر.
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سرائر ود يوم تبلى السرائر.
وقول أبي القاسم الرافعي:
стр. 135
الملك لله الذي عنت الوجو ... هـ له وذلت عنده الأرقاب.
متفرد بالملك والسلطان وقد ... خسر الذين يحاربون وخابوا.
دعهم وزعم الملك يوم غرورهم ... فسيعلمون غدا من الكذاب.
وقول أبي عبد الرحمن السلمي:
سل الله من فضله واتقه ... فإن التقى خير ما تكتسب.
ومن يتقي الله يصنع له ... ويرزقه من حيث لا يحتسب.
وقول بديع الزمان الهمذاني:
لآل فريغون في المكربات ... يد أولا واعتذار أخيرا.
إذا ما حللت بمغناهم ... رأيت نعيماً وملكاً كبيراً.
وقول ابن نباتة:
وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى.
أجل نظر في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى.
وما ألطف قول ابن عبد الظاهر في معشوقه نسيم:
إن كانت العشاق من أشواقه ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا.
فأنا الذي أتلوا لهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا.
وقول ابن سناء الملك في مطلع قصيدة:
رحلوا فلست بسائل عن دارهم ... أنا باخع نفسي على آثارهم.
وقول الخباز البلدي:
سار الحبيب وخلف القبا ... يبدي العزاء ويضمر الكربا.
قد قلت إذا سار السفين بهم ... والشوق ينهب مهجتي نهبا.
لو أن لي عزا أصول به ... لأخذت كل سفينة غضبا.
وقل الأبيوردي:
وقصائد مثل الرياض أضعتها ... في باخل ضاعت به الأحساب.
فإذا تناشدها الرواة وأبصروا ال ... ممدوح قالوا ساحر كذاب.
وقول محمد الشجاعي:
لا تعاشر معشرا ضلوا الهدى ... فسواء اقبلوا أو أدبوا.
بدت البغضاء من أفواههم ... والذي يخفون منها أكبر.
وقول القاضي منصور الهروي:
ومنتقب بالورد قبلت خده ... وما لفؤادي من هواه خلاص.
فاعرض عني مغضبا قلت لا تجر ... وقبل فمي إن الجروح قصاص.
وقول بعضهم في رجل كان يشرب الخمر، فبكر فذات يوم فسقط على زجاجته فجرحته، وسال دمه:
أجريح كاسات أرقت نجيعها ... طلب الترات يعز منه خلاص.
لا تسفكن دم الزجاجة بعده ... إن الجروح كما علمت قصاص.
وقال شيخ الشيوخ بحماة:
يا نظرة ما جلت لي حسن طلعته ... حتى انقضت وأباتتني على وجل.
عاتبت إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي خلق الإنسان من عجل.
وقول الحافظ بن حجر العسقلاني:
خاض العواذل في حديث مدامعي ... لما رأوا كالبحر سرعة سيره.
فحسبته لا صون سر هواكم ... حتى يخوضوا في حديث غيره.
وقد سبقه إلى هذا الاقتباس من قال:
أما السماح فقد مضى وقد انقضى ... فتسل عنه ولا تسل عن خيره.
واسكت إذا خاض الورى في ذكره ... حتى يخوضوا في حديث غيره.
وقول محي الدين بن قرناص:
إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ناظره.
أسكنتهم في مهجتي ... فإذا هم بالساهرة.
وقول بعضهم:
تجرد للحمام عن قشر لؤلؤ ... وألبس من ثوب الملاحة ملبوسا.
وقد جرد الموسى لتزيين رأسه ... فقلت لقد أوتيت سؤالك يا موسى.
قال أبو الحسن البلنسي الصوفي: كان لي صديق أمي لا يقرأ ولا يكتب فعلق فتى، وكان خرج لنزهة، فأثرت الشمس في وجهه، فأعجبه ذلك فأنشأ يقول:
رأيت أحمد لما جاء من سفر ... والشمس قد أثرت في وجهه.
فانظر لما أثرته الشمس في قمر ... والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا.
وما أحسن قول القاضي تاج الدين بن احمد المالكي من فضلاء العصر:
مذ واصل الخل شمس الراح قلت له ... الشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا.
فقال معتذرا لوحيل بينهما ... وافى الخسوف لبدر التم مبتدرا.
يشير إلى ما يزعمه المنجون من أنسب خسوف القمر حيلولة الأرض بينه وبين الشمس.
وقال الأبيوردي:
أردت زيارة الملك المفدى ... لأمدحه وأخذ منه رفدا.
فعبس حاجب فقرأت أما ... من استغنى فأنت له تصدا.
وأحسن من هذا قول الأديب المعروف بالمهتار من شعراء العصر أيضاً مقتبساً لهذه الآية في مليح فقير الحال:
تصد وكم تصدى منك كف ... لمن لم يدر قدرك يا مفدى.
стр. 136
فصدك عن أولي أدب فأما ... من استغنى فأنت له تصدى.
ويعجبني قول بعضهم مواليا:
ليل المعنى قد طال بكم لما جن ... والقلب نحو المنازل والحبائب جن.
وقال لما سكر من غير خمر الدن ... يا من يظنوا سلوي أن بعض الظن.
أفقد جفني لذيذ الوسن ... من لم أزل فيه خليع الرسن.
عذاره المسكي في خده ... أنبته الله نباتا حسن.
وقال أيضاً:
قال جوادي عندما ... همزت همزا أعجزه.
إلى متى تهمزني ... ويل لكل همزة.
وقال أخر:
بدر ظننا وجهه جنة ... فمسنا منه عذاب أليم.
وقد قدر الخال على خده ... ذلك تقدير العزيز العليم.
وقول أبي القاسم بن الحسن الكابني:
إن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير ما ذنب فصبر جميل.
وإن تبدلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وما أحسن قول مجير الدين بن تميم في وكيل بدار القضاء يدعى بالعز:
لا تقرب الشرع إذا لم تكن ... تخبره فهو دقيق جليل.
ووكل العز الذي وجهه ... على نجاح الأمر أقوى دليل.
ولا تمل عنه إلى غيره ... فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وهذا اقتباس بالتورية.
ومثله ما حكي: أن النصير المحامي قال للسراج الوراق: قد امتدحت الصاحب بهاء الدين بقصيدة؛ وهي الليلة تقرأ بين يديه؛ وأشتهي منك أن تزهره لها.
فلما أنشدت قال السراج الوراق بعد الفراغ:
شاقني للنصير شعر بديع ... ولمثلي في الشعر نقد بصير.
ثم لما سمعت باسمك فيه ... قلت نعم المولى ونعم المصير.
ومن بديع الاقتباس بالتورية أيضاً قول القاضي محي الدين بن عبد الظاهر:
بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين.
كم قد دفعت عواذلي عن وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن.
وأخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة بقافيته، ولكن زاده إيضاحا بقوله:
يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال فاتتني ألذ وأجمل.
فانظر إلى حسنيهما متأملا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن.
وألم به الشيخ عز الدين الموصلي وما خرج أيضاً عن إيضاحه فقال:
قد سلونا عن المليح بخودٍ ... ذات وجه به الجمال تفنن.
ورجعنا عن التهتك فيه ... ودفعناه بالتي هي أحسن.
ومنه قول ابن نباتة في خادم اسمه كافور:
يا لائمي في خادم لي سيد ... قسما لقد زدت السلو نفورا.
ولقد أدرت على المسامع شربة ... في الحب كان مزاجها كافورا.
ولأبي الفضائل أحمد بن يوسف بن يعقوب قصيدة حسنة اقتبس فيها أكثر سورة مريم ﵍، أولها:
لست أنسى الأحباب ما دمت حيا ... إذ نووا للنوى مكانا قصيا.
وتلوا آية الدموع فخروا ... خيفة البين سجدا وبكيا.
وبذكراهم يسبح دمعي ... كلما اشتقت بكرة وعشيا.
وأناجي الإله من فرط حزني ... كمناجاة عبده زكريا.
واختفى نورهم فناديت ربي ... في ظلام الدجى نداء خفيا.
وهن العظم بالبعاد فهب لي ... رب بالقرب من لدنك وليا.
واستجب في الهوى دعائي فإني ... لم أكن بالدعاء منك شقيا.
قد فرى قلبي الفراق وحقا ... كان يوم الفراق شيئا فريا.
ليتني مت قبل هذا وغني ... كنت نسيا يوم النوى منسيا,
وهي نحو من ثلاثين بيتا على هذا النمط.
وما أبدع قول الصاحب عطا ملك في دوبيت:
يا طاقة شعرة براسي انتشبت ... بيضاء تصارفي بها قد ذهبت.
يا واحدة سواد قوم نهبت ... كم من فئة قليلة قد غلبت.
وقال أبو الحسن الباخرزي:
يزني دهري اللئيم كريما ... كان لي والدا وكنت أنا ابنا.
كل شيء يبيد والله باق ... ربنا إننا إليك أنبنا.
وما أصدق قول صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:
يا عترة المختار يا من بهم ... أرجو نجاتي من عذاب أليم.
حديث حبي لكم سائر ... وسر ودي في هواكم قديم.
قد فزت كل الفوز غذ لم يزل ... سراط ديني بكم مستقيم.
ومن أتى الله بعرفانكم=فقد أتى الله بقلب سليم.
ومن الاقتباس الذي هو غير مقبول، بل هو من المردود المرذول قول ابن النبيه يمدح القاضي الفاضل:
стр. 137
قمت ليل الصدود إلا قليلا ... ثم رتلت ذكركم ترتيلا.
ووصلت السهاد أقبح وصل ... وهجرت الرقاد هجرا جميلا.
مسمعي كل عن سماع عذولي ... حين ألقى عليه قولا ثقيلا.
وفؤادي قد كان بين ضلوعي ... آخذته الأحباب أخذا وبيلا.
قل لرامي الجفون أن لجفني ... في بحار الدموع سبحا طويلا.
ماس عجبا كأنه ما رأى غص ... نا طليحا ولا كثيبا مهيلا.
وحمى عن محبه كأس ثغر ... حين أضحى مزاجها زنجبيلا.
بأن عني فصحت في أثر العي ... س أرحموني وأمهلوني قليلا.
أنا عبد للفاضل بن عي ... قد تبتلت بالثنا تبتيلا.
لا تسمه وعدا بغير نوال ... أنه كان وعده مفعولا.
نعوذ بالله من هذا الكلام. وبعده:
وإذا كان خصمك الدهر وال ... حكم إلى الله فاتخذه وكيلا.
إن مدحي له أشد وطاء ... وقريضي أقوى وأقوم قيلا.
جل عن سائر الخلائق قدرا ... فاخترعنا في مدحه التنزيلا.
هذا من المغالاة والإغراق الذي يجر إلى الإخلال بالدين والعياذ بالله تعالى، ومذهب ابن النبيه في ذلك مشهور.
ومن ذلك قول البهاء بن زهير:
وسقاني من ريقه البارد العذ ... ب كؤوسا حوت شرابا طهورا.
بقوارير فضة من ثنايا ... قدروها بلؤلؤ تقديرا.
وغيوم مثل الجنان فما تن ... ظر شمسا فيها ولا زمهريرا.
نصب روض مشى النسيم عليه ... فانبرى سعيه به مشكورا.
أيها الحاسد المنفد إما ... أن تكن شاكرا وإما كفورا.
كيف تجفوا التي يطير بها ... الهم وإن كان شره مستطيرا.
وقول الحاجري:
قالت وقد حاولت منها نظرة ... والقلب في ألم من الخفقان.
انظر إلى القلب الذي تهوي به ... فإن استقر مكانه فستراني.
وقول الأخر:
أوحى إلى عشاقه طرف ... هيهات هيهات لما توعدون.
وردفه ينطق من خلفه ... لمثل ذا فليعمل العاملون.
ومن الاقتباس من الحديث قول الصاحب بن عباد ﵀:
قال لي إن رقيبي ... سيء الخلق فداره.
قلت دعني وجهك الجن ... ة خفت بالمكاره.
ولفظ الحديث (خفت الجن بالمكاره وخفت النار بالسهوات) .
وثل ذلك قول ابن قلاقس:
ووالله لولا أنه جنى المنى ... لما كان محفوفا لنا بالمكاره.
وقول ابن نباتة:
عن خده منع الرقي ... ب وبعده داجي عذاره.
واهاً لها من جنة=حفت بأنواع المكاره.
وقول ابن مماتي في جارية صورت في وجهها حية وعقربا بالغالية:
قتيلك ما أذكى الهوى جل ناره ... إلى أن تبدى الخد في جلناره.
رأى حية في وجنتيك وعقربا ... نعم جنة حفت كذا بالمكاره.
واقتبست أنا أخر الحديث فقلت:
لقد ذهبت أنفس العاشقين ... على نار وجنته حسرات.
ولا غور أن أصبحت تشتهي ... فقد حفت النار بالشهوات.
ومنه قول الصاحب بن عباد أيضاً:
أقول وقد رأيت له سحابا ... من الهجرات مقبلة إلينا.
وقد سحت غواديها بهطل ... حوالينا الصدود ولا علينا.
اقتبسه من قوله ﵌ استسقى وحصل مطر عظيم (اللهم حوالينا ولا علينا) .
وقول منصور الهروي الأزدي:
فلو كانت الأخلاق تحوى وراثة ... ولو كانت الآراء لا تتشعب.
لأصبح كل الناس قد ضمهم هوى ... وأصبح كل الناس قد ضمهم أب.
ولكنها الأقدار كل ميسر ... لما هو مخلوق وله مقرب.
وقوله الأبله الشاعر البغدادي، وكان يهوى بعض أولاد البغاددة، فعبر على بابه فوجد خلوة فكتب على الباب:
دارك يا بدر الدجى جنة ... بغيرها نفسي ما تلهو.
وقد روي في خبر أنه ... أكثر أهل الجنة البله.
وفي كون هذا اقتباسا نظر لما في حده.
وقول أبي الحسن الباخرزي:
يا حادي العيس رفقا بالقوارير ... وقف فليس بعار وقفة العير.
قف واحتلب ماء عين طالما قطرت=حمر الدموع على البيض المقاصير.
стр. 138
اقتبسه من قوله ﵌ لأنجشة- وكان يحدو بالإبل التي عليها نساء النبي ﵌ في حجة الوداع- ياأنجشة رويدك رفقا بالقوارير. قيل: شبه النساء بهن لضعف عزائمهن، وقلة دوامهن على العهد، لأن القوارير يسرع إليها الإنكسار، ولا يقبل الجبر. انتهى.
وليس بشيء، والأولى ما قاله في النهاية: شبههن بالقوارير من الزجاج لأنه يسرع غليها الكسر، وكان أنجشة يحدو وينشد القريض والرجز فلم يأمن أن يصيبهن أو يقع في قلبهن حداؤه فأمر بالكف عنه، وفي المثل: الغنا رقية الزنا. وقيل: إن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت وأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة. انتهى.
وهذا أولى من الأول لدلالة المقام عليه.
ومنه قول أبي الحسن علي بن مفرج المنجم لما احترقت دار ابن صورة بمصر:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم.
كذا كل مال أصله من نهاوش ... فعما قليل في نهابر يعدم.
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم.
اقتبسه من قوله ﵌: من أصاب مالا من نهوش أهلكه الله في نهابر، والنهاوش بالنون في أوله والشين المعجمة في آخره: المظالم والإجحافات بالناس. والنهابر: المهالك؛ واحدها نهبرة ونهبورة بضم أولها.
ومن قول أبي جعفر الأندلسي:
لا تعاد الناس في أوطانهم ... قلما يرعى غريب في الوطن.
وإذا ما شئت عيش بينهم ... خالط الناس بخلق ذي حسن.
اقتبسه من قله ﵌ لأبي ذر ﵁: اتق الله حيث كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالط الناس بخلق حسن.
وقول شمس الدين محمد بن عبد الكريم الموصلي:
ومنكر قتل شهيد الهوى ... ووجه ينبئ عن حاله.
اللون لون الدم من خده=والريح ريح المسك من خاله.
اقتبسه من قوله ﵇ في وصف دم الشهيد: اللون لون الدم والريح ريح المسك.
وقول القاضي أحمد بن خلكان: انظر إلى عارضه فوقه=ألحاظه يرسل منها الحتوف.
وشاهد الجنة في خده ... لكنها تحت ظلال السيوف.
اقتبسه من قوله ﵇: الجنة تحت ظلا ل السيوف. قال في النهاية: هو كناية عن الدنو من الضراب في الجهاد حتى يعلوه السيف ويصير ظله عليه.
واقتبس ذلك أيضاً لسان الدين بن الخطيب فقال:
أصبح الخد منك جن عدن ... مجتلى أعين وشم أنوف.
ظللته من الجفون سيوف ... جنة الخلد تحت ظل السيوف.
وقول الشيخ جعفر الخطي البحراني:
إني أعجب من هواي وجعلكم ... هجري على عكس القضية دابة.
فكأنكم قلتم ألا من حبنا ... فليستعد لهجرنا جلبابا.
اقتبسه من قول أمير المؤمنين علي ﵇: ألا من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا.
ومن الاقتباس من دراية الحديث- قول الشهاب أحمد بن يوسف الرعيني الغرناطي:
نسختي اليوم في المحبة أصل ... فعليها اعتماد كل عميد.
نقلوا مرسل المدامع منها ... وصحيح الهوى بغير مزيد.
قد رواها قبلي جميل وقيس ... حين هاما بكل لحظ وجيد.
وقول شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن صارو البعلي:
ومحدث حسن الحديث غدا به ... وجدي صحيحا والتسلي معضلا.
لو لم يكن صبري ضعيفاً عنه ما ... أجرى الأسى دمعي عليه مسلسلا.
وقول ابن جابر الأندلسي:
أرادت فؤادي للمحبة شاهدا ... فقلت لها هذي دموعي فاسألي.
فقالت لها جرح بخدك بين ... فتلك شهود عندنا لم تعدل.
وغن حديث الدمع عندي مرسل ... وليس على ما أرسلوا من معول.
فيا عجبا من حسنها وهو مالك ... ومرسل دمعي عنده غير معمل.
وقوله أيضاً:
نقل المسواك لي فيما روى ... أن ذاك الريق مسك وعسل.
قلت عمن قال عن ريقته ... قلت هذا خبر صح وجل.
من تبدى جوهريا ثغره ... صح في الحسن لدينا ما نقل.
وقول أبي إسحاق بن الحاج الغرناطي مع التورية:
رعى الله معطار النسيم فإنه ... رأى من غصون البان ما شاء من عطف.
وأبدى حديث الغيث وهو مسلسل ... لذلك لعمري ليس يخلو من الضعف.
وقوله أيضاً:
стр. 139
نظرت إلى روض الجمال بخده ... وسقيت دمعا به العين تكلف.
فصح حديث الحسن عن ورد خده ... وإن كان أضحى وهو راو مضعف.
وللشيخ الحافظ شهاب الدين ابن عباس أحمد بن فرج الإشبيلي قصيدة غريبة اقتبس فيها جميع مصطلحات علم الدراية في ألقاب الحديث وهي من غريب النظم رقة وانسجاما، وضمن أخرها لغزا، وقد شرحها جماعة من أهل المشرق والمغرب، ولا بأس بإيرادها هنا لغرابة أسلوبها وعذوبة ألفاظها وهي:
غرامي صحيح والرجا فيك معضل ... وحزني ودمعي مرسل ومسلسل.
وصبري عنكم يشهد العقل أنه ... ضعيف ومتروك وذلي أجمل.
ولا حسن إلا سماع حديثكم ... مشافهة يملى علي فأنقل.
وأمري وقوف عليك وليس لي ... على أحد إلا عليك المعول.
ولو كان مرفوعا إليك لكنت لي ... على رغم عذالي ترق وتعدل.
وعذل عذولي منكر لا أسيغه ... وزور وتدليس يرد ويهمل.
أقضي زماني فيك متصل الأسى ... ومنقطعا عما به أتوصل.
وها أنا في أكفان هجرك مدرج ... تكلفني ما لا أطيق فأحمل.
وأجريت دمعي بالدماء مذبحا ... وما هي إلا مهجتي تتحلل.
فمتفق جفني وسهدي وعبرتي ... ومفترق صدري وقلبي المبلبل.
ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي ... ومختلف حظي وما منك آمل.
خذ الوجد عني مسندا ومعنعنا ... فغيري بموضوع الهوى يتحيل.
وذي نبذ من مبهم فاعتبر به ... وغامضه إن رمت شرحا فأطول.
عزيز بكم صب ذليل بعزكم ... ومشهور أوصاف المحب التذلل.
غريب يقاسي الذل منه وماله ... وحقك عن دار الهوى متحول.
فرفقا بمقطوع المسالك ماله ... إليك سبيل لا ولا عنك معدل.
ولا زلت في عز منيع ورفعة ... ولا زلت تعلو بالتجني فأنزل.
أورى بسعدي والرباب وزينب ... وأنت الذي تعنى وأنت المؤمل.
فخذ أولا من آخر ثم أولا ... من النصف منه فهو فيه المكمل.
أبر إذا أقسمت أني بحبه ... أهيم وقلبي بالصبابة يشعل.
وهذه القصيدة دالة على تمكن ناظمها ورسوخ قدمه في الفضل والأدب. وفرح بفتح الراء المهملة وبعدها حاء مهملة، وهكذا يقتضي كلام الصفدي في ضبطه، حيث قال في آخر ترجمته: ولم يزل على حاله حتى أحزن الناس ابن فرح، وتقدم غلى الله وسرح. قال بعض المتأخرين: والذي تلقيناه عن شيوخنا أنه بسكون الراء، وكان مولد الشيخ المذكور صاحب القصيدة سنة خمس وعشرون وستمائة، وتوفي تاسع جمادى الآخرة تسع وتسعين وستماية والله أعلم.
وما أحسن قول الخطيب جند بن الحسن:
روت لي أحاديث الغرام صبابتي ... بإسنادها عن بانة العلم الفرد.
وحدثني مر النسيم عن الحمى ... عن الدوح عن وادي الغضا عن ربى نجد.
بان غرامي والأسى قد تلازما ... فلن يبرحا حتى أوسد في لحدي.
ومن الاقتباس من علم الفقه: قول المتنبي:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه.
قفي تغرمي الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه.
المعنى أن النظرة الأولى أتلفت مهجتي فلزم أن تغرميها بنظرة ثانية لأن من أتلف شيئا لزم أن يغرمه، ولكن التركيب فيه عقادة وقلق.
وقول الأمير أبي فضل الميكالي:
أقول لشاد في الحسن فرد ... يصيد بلحظة قلب الكمي.
ملكت الحسن أجمع في نصاب ... فأد زكاة منظرك البهي.
وذاك بأن تجود لمستهام ... برجف من مقبلك الشهي.
فقال أبو حنيف لي أمام ... وعندي لا زكاة علي الصبي.
وقد رواها بعضهم على غير هذه القافية فقال:
أقول لشاد في الحسن فرد ... يصيد بلحظة قلب الجليد.
ملكت الحسن أجمع في قوام ... فلا تمنع وجوبا عن وجود.
وذلك أن تجود لمستهام ... برشف من مقبلك البرود.
فقال أبو حنيفة لي أمام ... وعندي لا زكاة على الوليد.
وروى بعضهم فيها زيادة على هذه الصورة:
أقول لشادن في الحسن فرد ... يصيد بلحظة قلب الكمي.
ملكت الحسن أجمع في نصاب ... فأد زكاة منظرك البهي.
فقال أبو حنيفة لي أمام ... يرى أن لا زكاة علي الصبي.
стр. 140
وإن تك مالكي الرأي أو من ... يرى رأي الإمام الشافعي.
فلا تك طالبا من زكاة ... فإخراج الزكاة على الولي.
وما أعذب قول أبي العلاء المعري:
أيا جارة البيت الممنع جاره ... غدوت ومن لي عندكم بمقيل.
لغيري زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكري ابن السبيل.
ومثله قول الأخر:
يا قاتلي بالجفا بحقك لا ... تأخذ على العبد في تهجمه.
عسى زكاة الجمال تخرجها ... على فقير الوصال معدمه.
ومنه قول القاضي عبد الوهاب المالكي:
ونائمة قبلتها فتنبهت ... وقالت تعالوا واطلبوا اللعن بالحد.
فقلت لها إني فديتك غاضب ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد.
خذيها وكفي عن أثيم ظلامة ... فإن أنت لم ترضي فألف على العد.
فقالت قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد.
فباتت يميني وهي هميان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد.
فقالت ألم أخبر بأنك زاهد ... فقلت لها ما زلت أزهد في الزهد.
وقول بدر الدين بن العز الحنفي:
يا رب إن العيون السود قد فتكت ... فينا وصالت بأسياف من الدعج.
وهذه قصة الشكوى إليك فخذ ... منها القصاص وحننها على المهج.
وقال عثمان بن عبد الرحمن الحنفي:
خذوا بدمي من رام قتلي بلحظه ... ولم يخش حكم الله في قاتل العمد.
وقودا به جهرا وإن كنت عبده ... ليعلم أن الحر يقتل بالعبد.
لما وقف التاج السبكي على هذين البيتين قال: لم أسمع في عمري بأسمج من هذا المقطوع، ولا رأيت قط متغزلاً يصف محبوبته، ثم يقول خذوه بدمي واقتلوه عمدا بمذهبي في المسألة الفلانية، وهذا غلبة التعصب المذهبي على الحب الطبيعي، وليس هذا مذهب ابن حنيفة، لأنه لا يقتل الحر بعبد نفسه، وإنما يقتل العبد بعبد غيره. ولما انتهيت إلى هذا خطر لي هذان البيتان:
لا يأخذ القاضي الحبيب إذا رمى ... قلبي بسهم اللحظ عند شهوده.
فالحر لا قود عليه بقتله ... عبدا وإني لم أقل عبيده.
انتهى كلام السبكي.
وقال عماد الدين الحنفي معارضا للقاضي عثمان:
أحكامنا إن قال حبي قتلته ... بأسياف الحاظي وقتلتم بعمده.
فلا تقتلوه إنني أنا عبده ... ولا حر في رأي يقاد بعبده.
ولأبي الفتح البستي في هذا المعنى وهو أقدمهم عصرا ومن ديوانه نقلت:
خذوا بدمي هذا الغلام فإنه ... رماني بسهم مقلتيه على عمد.
ولا تقتلوه إنني أنا عبده ... ولم أر حرا قط يقتل بالعبد.
ومنه قول أبي الفاضل الدرامي، وقيل: القاضي عبد الوهاب المالكي:
يزرع وردا ناضرا ناظري ... في وجنة كالقمر الطالع.
أمنع أن أقطف أزهاره ... في سنة المتبوع والتابع.
فلم منعتم شفتي قطفها ... والحكم أن الزرع للزارع.
وقد أجال عن ذلك جماعة من الأدباء، فقال بعض المغاربة:
سلمت أن الحكم ما قلتم ... وهو الذي نص على الشارع.
فكيف تبغي شفتي قطفه ... وغيرها المدعو بالزارع.
وقال الحافظ أبو عبد الله التنسي ثم التلمساني:
في ذي الذي قد قلتم مبحث ... إذ فيه إيهام على السامع.
سلمتم الحكم له مطلقا ... وغير ذا نص عن الشارع.
يعني أنه يلزم على قول المجيب أن يباح له النظر مطلقا والشرع خلافه.
وقال شيخنا حسين بن عبد الصمد العاملي ﵀:
لأن أهل الحب في حكمنا ... عبيدنا في شرعنا الواسع.
والعبد لا أملك له عندنا ... فحقه للسيد المانع.
وقال بعض المغاربة على غير رويه:
قل لأبي الفضل الوزير الذي ... باهى به مغربنا والشرق.
غرست ظلما وأردت الجنى ... وما لعرق ظالم حق.
وهذا مما يعين أن الأبيات لأبي الفضل الدرامي وهو:
стр. 141
الوزير أبو الفضل محمد بن عبد الواحد التميمي الدرامي البغدادي. سمع من جماعة من العلماء ببغداد، وخرج منها رسولا من القائم بأمر الله العباسي إلى صاحب إفريقية المعز بن باديس، واجتمع بأبي العلاء المعري بالمعرة، وأنشده قصيدة لامية يمدح بها صاحب حلب فقبل عينيه وقال: لله أنت من ناظم، وخرج من إفريقية من أجل فتنة العرب، وخيم عند المأمون بن ذي النون بطليطلة؛ وله فيه مدائح كثيرة، ولم يزل في كنفه إلى أن مات ليلة الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال خمس وخمسين وأربعمائة.
ومن فريد شعره قوله:
يا ليل ألا انجليت عن فلق ... طلت ولا صبر لي على الأرق.
جفت لحاظي التغميض فيك فما ... تطبق أجفانها على الحدق.
كأنني صورة ممثلة ... ناظرها الدهر غير منطبق.
رجع- ومنه قول أبي عبد الله محمد بن الفراء الأندلسي:
شكوت إليه بفرط الدنف ... فأنكر من قصتي ما عرف.
وقال الشهود على المدعي ... وأما أنا فعلي الحلف.
فجئنا غلى الحاكم الألمعي ... قاضي المجون وشيخ الظرف.
وكان بصيرا بشرع الهوى ... ويعلم من أين أكل الكتف.
فقلت له اقض ما بيننا ... فقال الشهود على ما تصف.
فقلت له شهدت ادمعي ... فقال إذا شهدت تنتصف.
ففاضت دموعي من حينها ... كفيض السحاب إذا ما يكف.
فحرك رأسا إلينا وقال ... دعوا يا مهاتيك هذا الصلف.
كذا تقتلون مشاهيرنا ... إذا مات هذا فأين الخلف.
وأومى إلى الورد أن يجتنى ... وأومى إلى الريق أن يرتشف.
فلما رآه حبيبي معي ... ولم يختلف بيننا مختلف.
أزال العناد فعانقته ... كأني لام وحبي ألف.
وظلت أعاتبه حتى الجفا ... فقال عفا الله عما سلف.
وقول الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
يا سيدي إن جرى من مدمعي ودمي ... للعين والقلب مسفوح ومسفوك.
لا تخش من قود يقتص منك به ... فالعين جارية القلب مملوك.
وقوله:
ما الكاس عندي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب.
شججت بالماء منها الرأس موضحة ... فحين أعقلها بالخمس لا عجب.
وقوله:
لم يصب الراووق إلا عندما ... قطع الطريق على الهموم وعاقها.
وقوله:
أرقت دم الراووق حلا لأنني ... رأيت صليبا فوقه فهو مشرك.
وزوجت بنت الكرام بابن غمامة ... فصح على التعليق والشرط أملك.
وقول أبي العلاء المعري:
أن يكرهوا طعم القريض فعذرهم ... باد كحاشية الرداء المعلم.
هم محرمون عن المناقب والعلى ... والشعر طيب لا يحل لمحرم.
وقول علي بن همام:
سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعة يضمخ أو فما.
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة ... ذكراك أخرج فدية من احرما.
وقول الشهاب أحمد بن يوسف الغرناطي:
حضر العيد يا غزال وقد غب ... ت وذاك المغيب منك حرام.
كيف صومتنا عن الوصل في العي ... د وما حل يوم عيد وصيام.
وفي معناه لابن الدهان البغدادي:
نذر الناس يوم برئك صوما ... غير أنني نذرت وحدي فطرا.
عالما أن يوم برئك عيدا ... لا أرى صومه ولو كان نذرا.
وقول محمد بن جابر الأندلسي صاحب البديعية:
طلبت زكاة الحسن منها فجاوبت ... إليك فهذا ليس تدركه مني.
على ديون للعيون فلا ترم ... زكاة فإن الدين يسقطه عني.
وقول جعفر بن شمس الخرفة:
بنت كرم تجلى لنا وعليها ... تاج در من الحباب وعقد.
حد سكري منها ثمانون كأسا ... والثمانون هن للسكر حد.
وقول ولادة بنت المستكفي:
لحاظنا تجرحكم في الحشى ... ولحظكم يجرحنا في الخدود.
جريح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود.
ومن الاقتباس من أصول الفقه قول شمس الدين محمد التلمساني:
قضاة الحسن ما صنع بطرف ... تمنا مثله الرشأ الربيب.
رمى فأصاب قلبي باجتهاد ... صدقتم كل مجتهد مصيب.
وقل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثلما يرتضي.
فقلت أما لم يكن ذا تقى ... تعارض المانع والمقتضي.
стр. 142
يشير إلى المسألة الأصولية وهي أنه إذا تعارض المانع والمقتضى يقدم المانع.
وقول ابن جابر:
جئتها طالبا لسالف وعد ... فأجابت لقد جهلت الطريقة.
إنما موعدي مجاز فقلت الأصل في سائر الكلام الحقيقة.
وقول الشيخ عبد علي بن ناصر الشهير بابن رحمة الحويزي:
وجهك لما قد غدا ظاهرا ... مخبرا عن أصلك الطاهر.
حققت من هذا الذي بان لي ... تطابق الأصل مع الظاهر.
وقوله:
يا هاجري وأنا المحقق حبه ... لحديث حب عن هواه بمعزل.
لو كنت من أهل الأصول وعلمها ... لعلمت باستصحاب حكم الأول.
ومن الاقتباس من علم المنطق قول الشيخ شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:
للمنطقيين أشتكي أبدا ... عين رقيب فليته هجعا.
حاذرها من أحبه فأبى ... أن نختلي ساعة ونجتمعا.
كيف غدت دائما وما انفصلت ... ما نعمة الجمع والخلو معا.
وقد تعقب الشيخ صلاح الدين الصفدي هذه الأبيات في شرح اللامية: بأن المراد في مثل هذا أن يتعجب مما خرج عن القواعد، وهذه القضية موجودة مستعملة، وذلك قولهم: العدد إما زوج أو فرد، فهذه القضية مانعة الجمع، فإن الفردية والزوجية لا يجتمعان، ومانعة الخلو من أحدهما، فلا معنى للتعجب. انتهى.
وقلده في مثل هذا التعجب جماعة كابن حجة وغيره ممن لا يعرف هذا العلم.
وأنا أقول: إن تعجبه ليس من وجود هذه القضية فقط، بل من وجودها مع عدم انفصالها، ومانعة الجمع والخلو لا تكون إلا منفصلة البتة، للحكم بانفصال أحد النسبتين فيها عن الأخرى؛ كما هو صريح قوله (كيف غدت دائما وما انفصلت) ؛ فالتعجب في محله فاعلم.
ومنه قول المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله تعالى:
مقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصلة.
تمنعنا الجمع والخلو معا ... وإنما ذاك حكم منفصلة.
وقوله وأجاد ما شاء ﵀:
ما لمثال الذي ما زال مشتهرا ... للمنطقيين في الشرط تسديد.
أما رأوا وجه من أهوى وطرته ... الشمس طالعة والليل موجود.
وقلت أنا في ذلك:
تجن واعتب تجد مني بذاك رضا ... والعذر إن شئت مسموع ومقبول.
ولم أواخذك في ذنب ولا عتب ... فالذنب والعتب موضوع ومحمول.
وقلت أيضاً:
والله لو رمت في غرامي ... إلزام من عنه قد نهاني.
أقمت من حاجبي حبيبي ... عليه برهاناً اقتراني.
وقال آخر:
تالله ما لمعذبي في حسنه ... شبه فأي حشا عليه لم يهم.
لام العذار وميم مبسمة على ... ما أدعي من حسنه برهان لم.
وأما الاقتباس من علم النحو فكثير جدا؛ حتى غلب على غالبهم فيه التوجيه.
ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
وإنما نحن في جيل سواسية ... شر على الحر من سقم على البدن.
حولي بكل مكان منهم حلق ... تخطي إذا جئت في استفهامه بمن.
(من) إنما يستفهم بها عمن يعقل؛ يقول: هؤلاء كالبهائم التي لا تعقل؛ فالاستفهام عنهم (بمن) بأن يقال لهم: من أنتم؛ أو من هم خطأ إنما ينبغي أن يستفهم عنهم (بما) لأن موضوعها لما لا يعقل، فيقال لهم: ما أنتم؛ أو ما هم.
ويحكى أن جريرا لما قال:
يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا.
قال له الفرزدق: ولو كان ساكنة قرودا؟ فقال: لو أردت هذا لقلت: ما كانا؛ ولم أقل من كانا.
وروي أن ابن الزبعرى لما سمع قوله تعالى "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" قال: لأخصمن محمداً؛ فجاء إلى النبي ﷺ فقال أليس قد عبدت الملائكة؟ أليس قد عبد المسيح؟ فيكون هؤلاء حصب جهنم؛ فقال له ﷺ : ما أجهلك بلغة قومك؛ (ما) لما لا يعقل.
ومنه قول المتنبي:
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم.
وقوله:
إذا كان ما ينويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقي عليه الجوازم.
يقول: إذا نويت فعلا أوقعته قبل فوته؛ وقبل أن يقال: لم يفعل=عل؛ وإن يفعل.
وقول أبي العلاء المعري:
فدونكم خفض الحياة فإننا ... نصبنا المطايا بالفلاة على القطع.
وقول نجم الدين الحنفي:
أضمرت في الحب هوى شاد ... مشتغل بالنحو لا ينصف.
стр. 143
وصفت ما أضمرت من حبه ... فقال لي المضمر لا يوصف.
وما أحسن قول أبي المحاسن يوسف بن إسماعيل الشواء:
هاتيك يا صاح ربى لعلع ... ناشدتك الله فعرج معي.
وانزل بنا بين بيوت النقا ... فقد غدت آهلة المربع.
حتى نطيل اليوم وقفا على ال ... ساكن أو عطفا على الموضع.
وقوله وكان كثيرا ما يستعمل هذا النوع في شعره:
وكنا خمسة عشر في التئام ... على رغم الحسود بغير آفة.
فقد أصبحت تنوينا وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافة.
وقوله في غلام عقد أحد صدغيه وأرسل الآخر:
أرسل صدغا ولوى قاتلي ... صدغا فأعيا بهما واصفه.
فخلت ذا في خده حية ... تسعى وهذا عقربا واقفة.
ذا ألف ليست لوصل وذا ... واو ولكن ليست العاطفة.
وقوله أيضاً:
هواك يا من له اختيال ... مالي على مثله احتيال.
قسمة أفعاله لحيني ... ثلاثة مالها انتقال.
وعدك مستقبل وصبري ... ماض وشوقي إليك حال.
وقوله أيضاً:
أرى الصفع أورد منه القذالا ... وأوسع من أخدعيه المجالا.
وأسلاه عن حب ذات اللمى ... وإن هي راقت وفاقت جمالا.
لئن كان قد حال ما بينه ... وبين الحبيبة صفع توالى.
فقد يحدث الظرف بين المضاف ... وبين المضاف إليه انفصالا.
وقوله أيضاً:
وجارة قلت لها ألا ... رعيت في الحب لنا إلا.
وطرفك الأزرق ما باله ... يحث فينا لحظة القتلا.
قالت ألا تقبل طرفا حكى ... لون سنان الرمح والشكلا.
قد عملت إن على أنها ... حرف وقد أشبهت الفعلا.
ومن لطيف ما يحكى هنا، إن شرف الدين بن عنين الشاعر مرض فكتب إلى الملك المعظم صاحب دمشق هذين البيتين:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي.
أنا كالذي احتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي.
فعاده الملك المعظم ومعه خمسمائة دينار، وقال له: أنت (الذي) وأنا (العائد) وهذه (الصلة) .
ونظم هذا المعنى الصفي الحلي يشكر رئيسا عاده في مرضه فقال:
لما رأت علياك أني كالذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد.
وافيتني ووفيت لي بمكارم ... فنداك صلة وأنت العائد.
وقال أيضاً: وعلمت أني في محبتك الذي=فنداك لي صلة وبرك عائد.
وما ألطف قول البهاء زهير المصري في ذلك من قصيدة:
يقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليك ووارد.
هبوني كما تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي.
وما أحسن قوله منها:
فعلتم وقلتم واستطلتم وجرتم ... ولست عليكم في الجميع بواحد.
إذا كان هذا بالأقارب فعلكم ... فما الذي أبقيتم للأباعد.
وله في المعنى الأول:
فديت حبيبا زارني متفضلا ... وليس ذاك على التفضل زائدا.
وما كثرت مني إليه رسائل ... ولا مطلت بالوصل منه مواعد.
رآني عليلا في هواه فعاداني ... حبيب له بالمكرمات عوائد.
فمت كمدا يا حاسدي فأنا الذي ... له صلة ممن يحب وعائد.
وقال آخر:
لا تهجروا من لا تعود هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذي.
ورفعت مقداره بالإبتدا ... حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي.
وقال الشيخ شرف الدين العصامي من فضلاء العصر:
قد ذبت من ألم البعا ... د وسقمي المتزايد.
وأنا الذي موصول حبكم فهل من عائد.
وقال الأمير أمين الدين علي بن عثمان السليماني في المعنى:
وأنا الذي أضنيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي.
وقال ابن أبي حجلة:
قطع الأحبة عادتي من وصلهم ... فكأن قلبي بالتواصل ما غذي.
فإذا سمعتم في النحاة بعاشق ... منعوه من صلة له فأنا الذي.
وما أحلى قول ابن الوردي:
وشادن يقول لي ... ما المبتدأ وما الخبر.
مثلهما لي مسرعا ... فقلت أنا القمر.
وقوله أيضاً:
وأغيد يسألني ... أيبتدى بالمضمر.
قلت نعم كقولهم ... أنت شبيه القمر.
وقول بعضهم:
يا مانعي القلب إلا عن مودتهم ... وصار في الطرف إلا عنهم نظرة.
стр. 144
صيرتموا خبري في الحب مبتدأً ... وكل معرفة لي في الهوى نكرة.
ومنه أخذ ابن الوردي حيث قال:
أنتم أحباي وقد ... فعلتم فعل العدى.
حتى تركتم خبري ... للعاشقين مبتدا.
وقال آخر: قالوا أحب مليحا ما تأمله=فكيف حل به للسقم تأثير.
فقلت قد يعمل المعنى لقوته ... في ظاهر الاسم رفعا وهو مستور.
وقال القاضي ابن الخطير:
وأهيف أحدث لي نحوه ... تعجبا يعرب عن ظرفه.
علامة التأنيث في لفظه ... وأحرف العلة في طرفه.
وقال آخر:
والله ما من خبر سرني ... إلا وذكراك له مبتدا.
وطالما باسمك في خلوتي ... ناديت واستخدمت حرف الندا.
وقال القاضي الفاضل:
لي عنده دين هل له ... من طالب وفؤادي المرهون.
فكأنني ألف ولام في الهوى ... وكأن موعد وصله التنوين.
وقال أبو الفتح البستي:
عزلت ولم أذنب ولم أك خائنا ... وهذا لإنصاف الوزير خلاف.
حذفت وغير ي مثبت في مكانه ... كأني نون الجمع حين يضاف.
وقال الصفي الحلي:
في روضة نصبت أغصانها فغدا ... ذيل الصبا بين مرفوع ومجرور.
والماء ما بين مصروف وممتنع ... والظل ما بين ممدود ومقصور.
والريح تجري رخاء فوق بحرتها ... ومطلق ماؤها في زي مأسور.
قد جمعت جمع تصحيح جوانبها ... والماء يجمع فيها جمع تكسير.
وقوله:
فلو استطعت رفعت حالي نحوكم ... لكن رفع الحال ليس يجوز.
وقول الفقيه أبي الحسين بن جبير الشاطبي الغرناطي:
تغير إخوان هذا الزمان ... وكل صديق عراه الخلل.
وكانوا قديما على صحة ... فقد داخلتهم حروف التعليل.
قضيت التعجب من أمرهم ... فصرت أطالع باب البدل.
وقول ابن العفيف:
يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواه ثاني.
لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان.
وقد أورد الصلاح الصفدي على هذين البيتين نقدا حسنا فقال: إن الساكنين إذا اجتمعا كسر أحدهما وهو الأول، وكلامه يؤدي إلى أن المكسور غيرهما. انتهى.
وتكلف بعضهم في الجواب عنه بأنه يمكن توجيه ذلك، بجعل في للسببية، أي لأي سبب كسرت قلبي، والحال انه ما التقى فيه ساكنان، بسبب سكونه وإخلاده إلى حضيض الاطمئنان وعدم تحركه واضطرابه خوفا من طروق نار الهجر، فيكون إذا أحد الساكنين، ويحسن توجيه السؤال عن كسره بلامين. انتهى.
ونظم بعضهم جوابا للبيتين فقال:
سكنته وهو ذو سكون ... لم يثنه عن هواي ثان.
فكان كسري له قياسا ... لما التقى فيه ساكنان.
وقال مجيبا عنهما أيضاً بعض فضلاء المغرب:
نحلتني طائعا فؤادا ... فصار إذا حزته مكاني.
لا غرور إذا كان لي مضافا ... إني على الكسر فيه باني.
ولأبي الحسن الباخرزي يهجو:
سئلت عن نائك الوزير أبي ... سعد وقد مزقت أسافله.
فقلت دعني فإنه رجل ... مفعول ما لم يسم فاعله.
ومن الاقتباس في علم الصرف قول الباخرزي:
أجدك لا ينفك قلب محبس ... عليك وإبصار إليك شواخص.
فطرفك معتل وجسمك سالم ... وصدغك مهموز وخصرك ناقص.
ومن الاقتباس في علم البيان قول الشيخ عبد علي بن رحمة:
قد قلت للبدر التمام منزلها ... عنه معذب مهجتي تنزيها
أشبهته لما استعرت جماله ... والاستعارة تقتضي التشبيها
وقوله أيضاً:
ولا تعجب لهجر من حبيب ... قريب الدار مرجو الوصال
فحكم الجملتين الفصل حتما ... وبينهما كمال الاتصال
ومن الاقتباس من علم البديع قوله ابن رحمة المذكور أيضاً:
وحوراء العيون إذا تجلت ... لجيش الهم آذن بالشتات
إذا التفت أفادتني نشاطاُ ... وذلك وجه حسن الالتفات
ومن الاقتباس من علم العروض قول أبي نصر الله المصري
وبقلبي من الجفاء مديد ... وبسيط ووافر وطويل
لم أكن عالما بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل
وقول الشيخ شهاب الدين بن صارو:
وبي عروضي سريع الجفا ... وجدي به مثل جفاء طويل
قلت له قطعت أسى ... فقال لي التقطيع دأب الخليل
وقال سراج الدين الوراق:
стр. 145
قلت صلني فقد تقيدت في الحب به والإسار في الحب ذل
قال يا من يريد علم القوافي ... لا تغالط ما للمقيد وصل
وقول برهان الدين القيراطي:
ومليح علم الخليل يعاني ... ليته لو غدا خليل خليع
رمت وصلا منه فقال لحاظي ... ناطقات بأحرف التقطيع
أحرف التقطيع التي تتألف منها الأجزاء الموزون بها عشرة يجمعها قولك (لمعت سيوفنا) هذا الذي أشار إليه.
وقول ابن جابر الأندلسي:
سبب خفيف خصرها ووراءه ... من ردفها سبب ثقيل ظاهر
لم يجمع النوعان في تركيبها ... إلا لأن الحسن فيها وافر
وقول ابن العدوي:
بي عروضي مليح ... موتتي فيه حياة
عاذلاتي في هواه ... فاعلاتن فاعلات
وقول بعضهم يهجو:
وجهك يا عمرو فيه طول ... وفي وجوه الكلاب طول
والكلب يحمي عن الموالي ... ولست تحمي ولا تصول
مستفعلن فاعلن فعول ... مستفعلن فأعلن فعول
بيت كما أنت ليس فيه ... شيء سوى أنه فصول
وقول أبي جعفر الألبري رقيق لبن جابر وشارح بديعيته:
دائرة الحب قد تناهت ... فما لها في الهوى مزيد
فبحر شوقي بها طويل ... وبحر دمعي بها مديد
وإن وجدي بها بسيط ... فليفعل الحب ما يريد
وقول بعضهم:
يا كاملا شوقي إليه وافر ... وبسيط وجدي في هواه عزيز
عاملت أسبابي لديك بقطعها ... والقطع في الأسباب ليس يجوز
وقول يحيى الأصيلي:
وبي عروضي إذا ... أبصره لبدر احتجب
أعطافه لصبه ... فاصلة بلا سبب
ومن الاقتباس من علم النجوم قول ابن الساعاتي:
تعجبت من نحولي وهي واصلة ... توهما أنني بالوصل انتفع
وما درت أن خديها ومصطبري ... كجذوة النار منها قرب الشمع
والبدر يكمل حيث الشمس نائية ... عنه ويمحق إذ بالشمس يجتمع
وقول ابن قلاقس يشير إلى أن نور البدر عرضي:
ما أنت والقمر المنير وإن غدا ... ملء العيون وراقهن سواء
للبدر بالعرض الضياء وأنت قد ... جمعت بجوهر ذاتك الأضواء
وقول أبي إسحاق الغزي:
لست أنسى قول سلمى ذات يوم ... ما لهذا المنحني الظهر ومالي
أنا شمس في الضحى وهو هلال ... وكسوف الشمس من قرب الهلال
وفي معناه قول ابن التلميذ:
أشكو إلى الله صاحبا شكا ... تسعفه النفس وهو يعسفها
فنحن كالشمس والهلال معا ... تكسبه النور وهو يكسفها
وقول الطغرائي:
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
وما أحسن ما ضمنه الشيخ صلاح الدين الصفدي فقال:
أفدي حبيبا له في كل جارحة ... مني جراح بسيف اللحظ والمقل
تقول وجنته من تحت شامته ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
ومنه قول الأخر وأجاد:
وصل الحبيب جنان الخلد اسكنها ... وهجره النار يصليني به النارا
والشمس في القوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وفي الجوزاء إن زارا
ولهذين البيتين حكاية حكاها الخطيب في تاريخه أبي محمد إسماعيل ابن أبي منصور موهوب الجواليقي قال: كنت في حلقة والدي والناس يقرؤن عليه فوقف عليه شاب وقال: يا سيدي بيتان من الشعر لم أفهم معناهما، وانشد البيتين، فقال له والدي: يا بني هذا من علم النجوم، لا من علم الأدب، ثم قام من الحلقة وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم، ويعرف تسيير الشمس، فنظر في ذلك وعرف ثم جلس في الحلقة. ومعنى البيتين: أن محبوبته إذا لم تزره فليله في غاية طوله، وإذا زارته فليله في غاية قصره، كنى بكون الشمس في القوس عن غاية طول الليل لأن ذلك لا يكون إلا والشمس بهذا البرج، وبكونها في الجوزاء عن غاية قصره، لأن ذلك لا يكون إلا والشمس فيها.
وقول ابن جابر:
يا حسن ليلتنا التي قد زارني ... فيها فأنجز ما مضى من وعده
قومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خده
وقول أبي الحسن الباخرزي:
أطلعت يا قمري على بصري ... وجها شغلت بحسنه نظري
ونزلت في قلبي ولا عجب ... فالقلب بعض منازل القمر
ومن الاقتباس من علم الهندسة، قول ابن جابر:
следующие страницы →