← Адаб

Адаб · id 5446

أنوار الربيع في أنواع البديع

ابن معصوم الحسني

Полный текст (514 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وتبين بهذه الأمثلة المذكور سقوط ابن حجة: إن الإغراق لا يعد من المحاسن إلا إذا أقترن بما يقربه إلى القبول, كقد: للاحتمال, ولولا: للامتناع, وكاد: للمقاربة, ونحو ذلك. انتهى. فإن الأمثلة المذكورة ما خلي عن ذلك, وهو في غاية الحسن, فلا عبرة بقوله. وبيت البديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله: في معرك لا تثير الخيل عثيره ... مما تروي المواضي تربه بدم هذا البيت عامر بالمحاسن, والإغراق فيه ظاهر لإمكان معناه عقلا, واستحالة عادة. وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله في النبي ﵌: لو قابل الشهب ليلا في مطالعها ... خرت حياء وأبدت بر محترم هذا البيت لكونه في مدح سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين كأن معناه ممكنا عقلا, ولو كان معناه ممكنا عقلا, ولو كان في مدح غيره لكان من باب الغلو . وبيت البديعية عز الدين الموصلي قوله: لو شاء إغراق وجه الأرض أجمعه ... ندى يديه لأحياها ولم يضم وبيت بديعية ابن حجة قوله: لو شاء إغراق من في الحق كذبه ... لفاض إصبعه بالزاخر العمم وبيت بديعيتي هو قولي: لو أنه رام إغراق العداة له ... لأصبح البر بحرا غير مقتحم الإغراق في هذا البيت ظاهر, وهو أبلغ منه في بيت ابن حجة, لأنه قال (لو شاء إغراق من ناواه مد له في البر بحرا) وأنا قلت (لا نقلب البر بحرا) وبينهما بون بائن. وبيت البديعية المقري قوله: لولا غليل شفته الأرض من دمهم ... شربا لما جت ببحر منه ملتطم قال في شرحه معناه: لولا أن الأرض كان بها على قتلاه من الكفار غيظ وخنق فشفت غليلها منهم بشرب دمائهم كما يفعله المبالغون في العداوة لكانت الدماء من كثرتها تموج من فوقها بحرا. انتهى. الغلو ولا غلو إذا ما قلت عزمته ... تكاد تثني عهود الأعصر القدم الغلو هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الاستحالة عقلا وعادة. فتبين بهذا أن المبالغة دون الإغراق, والإغراق دون الغلو, لما مر من أن المدعي في المبالغة ممكن عقلا وعادة, وفي الإغراق ممكن عقلا ولا عادة, وفي الغلو مستحيل عقلا وعادة. والغلو أن أفضى إلى الكفر كان قبيحا مردودا, وإلا كان مقبولا, والمقبول يتفاوت في الحسن, وأحسنه ما دخل عليه ما يقر به إلى الصحة, ككاد, ولو, ولولا وحرف التشبيه كقوله تعالى (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) فإن إضاءة الزيت مع عدم مسيس النار مستحيلة عقلا وعادة, وبدخول (يكاد) خرج عن الامتناع, لأنها دلت على مقاربة الإضاءة لا وقوعها الذي هو المستحيل. ومثله قول الفرزدق في علي بن الحسين ﵇: يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم وقول الشريف الرضي ﵁ والغلو فيه مجازي: أشكو ليالي غير معتبة ... أما من طول أو من القصر تطول في هجركم وتقصر في الوصل فما تلتقي على قدر يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيه العشاء بالسحر قيل أول ما بالغ في الشعر وكذب فيه المهلهل بقول: ولولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور وهذا من الغلو, فإنه ممتنع عقلا وعادة, لأنه كان بين حجر وبين موضع الوقع عشرة أيام, ولهذا قيل فيه: أنه كذب بيت قالته العرب. ومنه قول أبي العلاء المعري في شدة الحنين عند لمع البرق: شجا ركبا وأفراسا وإبلا ... وزاد فكاد أن يشجو الرحالا وقوله أيضاً من هذه القصيدة: تكاد قسيه من غير رام ... تمكن في قلوبهم النبالا تكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم انسلالا وما أبدع قوله منها وهو مما نحن فيه: يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه انسلالا وفي معناه قول ابن المعتز: يكاد يجري من القميص من ال ... نعمة لولا القميص يمسكه وقول أبي الشيص: لولا التمنطق والسوار معا ... والحجل والدملوج في العضد لتزايلت من كل ناحية ... لكن جعلن لها على عمد ومنه أخذ ابن النبيه قوله: لها معصم لولا السوار يصده ... إذا حسرت أكمامها لجرى نهرا ومثله قول بعضهم: لها من الليل البهيم طرة ... على جبين واضح نهاره

стр. 317

ومعصم يكاد يجري رقة ... وإنما يعصمه سواره وقال عبد العزيز بن عبد الرزاق في معناه: قالت وقد صرت كطيف الخيال ... كيف ترى فعل الدمى بالرجال وسددت سهما إلى مقتلي ... تقول هل فيك لدفع النصال رقيقة الجسم فلولا الذي ... يمسكه من قسوة القلب سال وما ألطف قول شرف الدين الحلاوي يصف قدحا من أبيات: رق فلولا الأكف تمسكه ... سال مع الخمر حين ترشفه وأبدع من ذلك كله وألطف قول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي: شرقت معاطفه بأمواه الصبا ... وجرى عليه بضاضة ونعيم قد كاد تشربه العيون لطافة ... لكن سيف لحاظه مسموم وقوله أيضاً في معناه: رقت شمائله ورق أديمه ... فيكاد تشربه عيون الناظر ويعجبني جدا قول بعضهم في الخمر: كادت تطير وقد طرنا بها ... لولا الشباك التي صيغت من الحبب وما أعجب قول بعضهم في الخمر: أما الصبوح فإنه فرض ... فإلى من يكحل جفنك الغمض هذا الصباح بدت بشائره ... ولخيله في ليله ركض والليل قد شابت ذوائبه ... وعذراه بالفجر مبيض فانهض إلى حمراء صافية ... قد كاد يشرب بعضها بعض يستقيكها من كفه رشأ ... لدن القوام مهفهف بض سيان خمرته وريقته ... كلتاهما عنبية محض تدمي اللواحظ خده نظرا ... للحظ في وجناته عض من ضمه فتح السرور له ... بابا وكان لعيشه الخفض باهت وقد أبدى محاسنه ... قمر السماء بحسنه الأرض يسعى بها كالشمس مشرقة ... للعين عن إشراقها غض والكأس إذ تهوي بها يده ... نجم بجنح الليل منقض بات الندامى لا حراك بهم ... إلا كما يتحرك النبض في روضة يهدي لنا شقها ... أرج الحبائب زهرها الغض ختم الحيا أزهارها فغدا ... بيد النسيم لختمها فض فاشرب على حافتها طربا ... وأنهض لها ما أمكن النهض لا تنكرن لهوى على كبري ... فعلي من عصر الصبا قرض أعرى العذول بلومه شغفي ... فكأنما إبرامه نقض خالفته والرأي مختلف ... شأني الوداد وشأنه البغض مهلا فليس على الفتى دنس ... في الحب ما لم يدنس العرض وبديع قول ابن حمديس القلي في وصف فرس: يجري ولمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق ومثله قول شمس الدولة عبدان: أبت الحوافر أن يمس بها الثرى ... فكأنه في جريه متعلق فكأن أربعة تراهن طرفه ... فتكاد تسبقه إلى ما يرمق ولمؤيد الدين الطفرائي يصف خيلا: سبقت حوافرها النواظر فاستوى ... سبق إلى غاياتها وشفون لولا ترائي الغايتين لأقسم ال ... راؤن أن حراكها تسكين وتكاد تشبهها البروق لو أنها ... لم تعتلقها أأعين وظنون وقال معاوية بن مرداس: يكاد في شأوه لولا أسكنه ... لو طار ذو حافر من قبله طارا ومثله قول الآخر: لو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر ومنه قول البحتري: لو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر ومنه أخذ المتنبي قوله: لولا تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا إلا أن بيت البحتري أحسن وأمكن. حدث أحمد البلاذري المؤرخ قال: كنت من جلساء المستعين, فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلا ممن قال: مثل قول البحتري في المتوكل (لو أن مشتاقا - البيت) فرجعت إلى داري, وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري, فقال: هاته, فأنشدته: ولو أن برد المصطفى إذ لبسته ... يظن لظن البرد أنك صاحبه وقال وقد أعطيته ولبسته ... نعم هذه أعطافه ومناكبه فقال ارجع إلى منزلك وأفعل ما آمرك به. فرجعت, فبعث إلي بسبعة آلاف دينار وقال: أدخر هذه للحوادث بعدي, ولك على الجراية والكفاية ما دمت حيا. انتهى. قلت: ولعمري لقد أساء الأدب هذا الشاعر مع المصطفى ﵌, وسيجازيه الله تعالى على قلة أدبه. وهذا من الغلو القبيح المردود. ومنه قول التمار الواسطي وقيل غيره:

стр. 318

قد كان لي فيما مضى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به وذبت من شوق فلو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه وقول المظفر بن كيغلغ: عبدك أمرضته فعده ... أتلفه إن لم تكن ترده ذاب فلو فتشت عليه ... كفك في الفرش لم تجده وقول ابن دانيال: محب غدا جسمه ناحلا ... يكاد لفرط الضنى أن يذوبا ورق فلو حركته الصبا ... لصار نسيما وعادت قضيبا وقول بعضهم: ولو شئت في طي الكتاب لزرتكم ... ولم تدر عني أحرف وسطور وقول الوزير ابن العميد: لو أن ما أبقيت من جسمي قذى ... في العين لم يمنع من الإغفاء ومن هنا أخذ الشيخ جعفر الخطي من شعراء هذا القرن فقال: لقد تضائل حتى لو قذفت به ... في مقلة ما أحسته مآقيها وأكثر من ذلك غلوا قول أبي عثمان الخالدي: بنفسي حبيب بأن صبري ببينه ... وأودعني الأحزان ليلا ودعا وأنحلني بالهجر حتى لو أنني ... قذى بين جفني أرمد ما توجعا وتجاوز المتنبي أبعد من ذلك فقال: أراك ظننت السلك جسمي فعقته ... عليك بدر عن لقاء الترائب ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب ومنه قول الشيخ جعفر الخطي ﵀: وعبرة لو دعي نوح ليسلكها ... بفلكه قال بسم الله مجريها ومقلة ألفت فرط السهاد فلو ... رد الرقاد عليها كاد يؤذيها وقولي من أبيات خمرية: رقت فلولا الكأس لم تبصر لها ... جسما ولم تلمس براحة لامس فكأنها عند المزاج لطافة ... وهمٌ يخيله توهم هاجس وقول الشريف الرضي ﵁: لو أن قومك نصلوا أرماحهم ... بعيون سربك ما أبل طعين ومن أحسن أنواع الغلو أيضاً ما تضمن نوعا حسنا من التخييل, وإن لم يأت فيه بأداة التقريب, ومثل له الخطيب في الإيضاح والتلخيص بقول أبي الطيب: عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لا مكنا وتبعه على ذلك ابن حجة فقال: ومن الغلو المقبول بغير أداة التقريب قول أبي الطيب - وأنشد البيت - وأعترض ذلك بعض المتأخرين فقال: قد عدوا من أدوات التقريب (لو) وصرح بذلك ابن حجة في الإغراق فقال: ولم يقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز, ولا في الكلام الفصيح إلا مقرونا بما يخرجه من باب الاستحالة, ويدخله في باب الإمكان مثل (كاد) و (لو) وما يجري مجرهما, ثم قال: ومن شواهد تقريب نوع الإغراق (بلو) قول زهير: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لأولهم أو مجدهم قعدوا قال (لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا) وهو محل الشاهد, فإن صدره لا غلو فيه البتة, فكيف يقال أنه من الغلو بغير أداة التقريب؟. وقد جمع القاضي الأرجاني بين حسن التخييل وأداة التقريب في قوله: يخيل لي أن سمر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني فقوله (يخيل) هي أداة التقريب, فإنه جعل المدعى توهما لا حقيقة وأما حسن التخييل فهو ما أدعاه من أنه لطول ليلة وشدة سهره يوقع في خياله أن الشهب محكمة بالمسامير لا تزول عن مكانها. وشدت أجفانه إليها بأهدابه لعدم انطباقها والتقائها, فجعل الأهداب بمنزلة الحبال. ولا خفاء بما في هذا التخييل من الحسن. وإلى هذا المعنى لمح ابن نباتة في قوله - وإن لم يستوفه -: كم ليلة بت أشكو من تطاولها ... علي والليل داجي القلب كافره وأرقب الشهب فيه وهي ثابتة ... كأنما سمرت منها مسامره ومن الغلو المقبول, ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة كقول أبي الشكر محمود بن سليمان بن سعيد الموصلي المعروف بابن المحتسب من قصيدة: أمر بالكرم خلف حائطه ... تأخذني نشوة من الطرب أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب غدا إن ذا من العجب فإن السكر في الأمس للعزم على الشرب في الغد محال, لكنه مقبول لإخراجه مخرج الهزل والخلاعة, وذلك مما تميل إليه الطباع. وقول ابن الحجة أنه من الغلو الذي هو غير مقبول, فقد نص على ما ذكرناه الخطيب في كتابه, وغيره من المحققين, فلا عبرة بقوله. ومنه قول أبي الحسن أحمد بن المؤمل: وقائلة ما بالك بالدهر طافحا ... وأنت مسن لا يليق به السكر

стр. 319

فقلت لها أفكرت في الخمر مرة ... فاسكرني ذاك التوهم والفكر ومن الغلو بغير أداة التقريب قول أبي نواس في الخمر: فلما شربناها ودب دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها قفي مخافة أن يسطو على شعاعها ... فيطلع ندماني على سري الخفي قوله أيضاً: وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق روي أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس فقال: ما استحييت من الله بقولك (وأخفت أهل الشرك - البيت) فقال له أبو نواس: وأنت ما استحييت من الله بقولك: ما زلت في غمرات الموت مطرحاً ... يضيق عني وسيع الرأي من حيلي فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي فقال العتابي: قد علم الله, وعلمت أن مثل هذا ليس قول مثلك, ولكنك قد أعددت لكل ناصح جوابا. وقد استعمل أبو نواس معنى البيت ثانيا فقال: حتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان ومنه قوله أيضاً: لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار وقول الآخر: منعت مهابتك القلوب كلامها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم وقول النظام: نظرت إليه نظرة فتحيرت ... دقائق وهمي في جليل صفاته فأومى إليه الوهم أني أحبه ... فأثر ذاك الوهم في وجناته وقوله أيضا: حركات الضمير تؤثر في الخد ... ويدميه وهم لحظ العيون رق حتى لو لامسته أذابت ... هـ بإيمائها يد المكنون وقول أبي العتاهية في فرس للرشيد. حدث ابن الأعرابي قال: أجرى هارون الرشيد الخيل فجاء فرس يقال له المشمر سابقا, وكان الرشيد معجبا بذلك الفرس, فأمر الشعراء أن يقولوا فيه فبدرهم أبو العتاهية فقال: جاء المشمر والأفراس يقدمها ... عفوا على رسله منها وما انبهرا وخلف الريح حسرى وهي جامدة ... ومر يختطف الأبصار والنظرا قال: فأجزل وصلته, وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول شيئا. وقول الآخر في فرس أيضا: كم سابح أعددته فوجدته ... عند الكريهة وهو نسر طائر لم يرم قط بطرفه في غاية ... إلا وسابقه إليها الحافر وقول ابن حجاج في مرثية فرس له: قال له البرق وقالت له الريح ... جميعا وهما ما هما أأنت تجري معنا قال لا ... إن شئت أضحكتكما منكما هذا ارتداد الطرف قد فته ... إلى المدى سبقا فمن أنتما وقول ابن خفاجة الأندلسي: وأبلق خوار العنان مطهم ... طويل الشوى والساق أقود أتلعا جرى وجرى البرق اليماني عشية ... فأبطأ عنه البرق عجزا وأسرعا وحسب الأعادي أن يزجروا به ... مغيرا غربا صبح القوم أبقعا ومعنى البيت الأخير في غاية الحسن. وقول الشيخ صفي الدين الحلي ﵀: وأغر تبري الإهاب مورد ... سبط الأديم محجل ببياض وأخشى عليه أن يصاب بأسهمي ... لما يسابها إلى الأغراض وقوله أيضا: وأدهم يقق التحجيل ذي مرح ... يميس من عجبه كالشارب الثمل مضمر مشرف الأذنين تحسبه ... موكلا باستراق السمع عن زحل ركبت منه مطاليلٍ تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرت بهاديه وانحطت عن الكفل وقول الشيخ صلاح الدين الصفدي: يا حسنه من أشقر قصرت ... عنه بروق الجو في الركض لا تستطيع الشمس من جريه ... ترسمه ظلا على الأرض فهذه الأمثلة كلها من نوع الغلو الذي لم يؤت فيه بأداة التقريب, ومنها البديع المستحسن, والمقبول غير المستهجن كما ترى, فظهر لك أن حسن الغلو غير مقصور على ما قرب من الإمكان بأداة التقريب كما زعم ابن حجة في شرح بديعيته. ومن الغريب أن ابن حجة عد من أدوات التقريب (لو) كما مر ببيانه, ثم قال: ومن الغلو بغير أداة التقريب قول بعضهم: قد كان لي فيما مضى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به وذبت حتى صرت لو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه قال: ومثل هذا لا يقبله العقل, ولا عليه رونق القبول. انتهى. وقد ترى أن الغلو في هذين البيتين كليهما مقرون (بلو) فهل هذا إلا تناقض؟.

стр. 320

وأما الغلو المردود القبيح الذي يجب اجتنابه, ويهجر جنابه, فهو ما آل بصاحبه إلى الكفر والاستخفاف بقدرة الله تعالى, والمدح الذي لا يليق إلا بجنابه , سواء قرن بشيء من أدوات التقريب أم لا. كقول ابن دريد في مقصورته يخاطب الدهر: ما رست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجو عليه ما شكا يقال: أنه أصابه فالج بطل له من محزمه إلى قدمه, فكان إذا دخل عليه الداخل صاح وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه. قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي: فكنت أقول في نفسي أن الله عاقبه لقوله المذكور, فكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه, أو يشك بالمسال؛ أعاذنا الله من ذلك. ويقرب من ذلك ما حكي أن الشيخ عمر بن الفارض لما نظم قوله: وبما شئت في هواك اختبرني ... فاختباري ما كان فيه رضاكا ابتلي بحصر البول, حتى أنه صار يأتي للصبيان في المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب. ومن غلو ابن دريد القبيح في مقصورته هذه قوله أيضاً في ممدوحه: ولو حمى المقدار عنه مهجة ... لرامها أو يستبيح ما حمى تغدو المنايا طائعات أمره ... ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى وقول أبي العتاهية: فإذا أضرم حربا كان في ... مهج القوم شريكا للقدر وقول علي بن جبلة المعروف بالعكوك: أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر في حال إلى حال وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال وبهذين البيتين استحل المأمون دم الشاعر المذكور. ذكروا أن المأمون لما بلغه قول علي بن جبلة في أبي دلف: كل من في الأرض من عرب ... بين باديه ومحتضره مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره استشاط من ذلك وغضب غضباً شديداً وقال: ويلي على ابن الفاعلة, يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلا مستعارة من أبي دلف وقال: اطلبوه حيث ما كان, وأتوني به. فطلبوه ولم يقدروا عليه, لأنه كان مقيما بالجبل. فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة الفراتية, حتى توسط الشامات فظفروا به وأخذوه, وحمل مقيدا إلى المأمون. فلما صار بين يديه قال: يابن اللخناء أنت القائل في قصيدتك للقاسم بن عيسى - وهو أبو دلف - (كل من في الأرض من عرب) وأنشد البيتين, جعلتنا ممن يستعير المكارم منه يوم الافتخار؟ قال: يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت لا يقاس بكم, لأن الله اختصكم لنفسه على عباده, وآتاكم الكتاب والحكم وآتاكم ملكا عظيما. وإنما ذهبت في قولي إلى أقران وأشكال القاسم بن عيس من الناس. فقال: والله ما أبقيت أحدا, ولقد أدخلتنا في الكل, وما استحل دمك بكلمتك هذه, ولكن استحله بكفرك في شعرك, حيث قلت في عبد ذليل مهين فأشركت بالله وجعلت معه ملكاً قادراً, وهو (أنت الذي تنزل الأيام منزلها) وأنشد البيتين. ثم قال: أخرجوا لسانه من قفاه, فمات, وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد. والشعراء المشهورون بالاستكثار من الغلو المردود والقبيح: أبو نواس وأبو الطيب المتنبي, وابن هاني الأندلسي وهو أشهرهم بذلك, وأبو العلاء المعري, والمتأخرين ابن النبيه. فمن غلو أبي نواس القبيح قوله يمدح الفضل بن العباس: يداه في الأرض والسماء فما ... تجوز قطريه كف مخلوق وقوله في الرشيد: فلا يتعذرن عليك عفو ... وسعت به جميع العالمينا وهذا إنما هو عفو الله سبحانه لا عفو الرشيد. وقوله فيه أيضاً: يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكا ... تقبيل راحته والركن سيان وقوله في الغزل: متتايه بجماله صلف ... لا يستطاع كلامه تيها للحسن في وجناته بدع ... ما إن ميل الدرس قاريها لو كانت الأشياء تعقله ... أجللته إجلال باريها وقال أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر عند ذكره ما نعي على أبي الطيب المتنبي من معائب شعره ومقابحه: منها الإفصاح عن ضعف العقيدة, ورقة الدين. على أن الديانة ليست عيارا على الشعر, ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشعر, ولكن الإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به, قولا وفعلا ونظما ونثرا, ومن استهان بأمره, ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه فقد باء بغضب من الله تعالى, وتعرض لمقته في وقته.

стр. 321

وكثيرا ما قرع المتنبي هذا الباب بمثل قوله: يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد قلت: وقال أبو الفتح بن جني: أنه أنشده حلاوة التوحيد, أي هي عندي مثل حلاوة التوحيد. وأبعد وأغرب بعض الشراح حيث جعل التوحيدي بياء النسبة, وقال: أنه نوع من التمر. وقوله: تتقاصر الإفهام عن إدراكه ... مثل الذي الأفلاك فيه والدنى وقد أفرط جداً, لأن الذي الأفلاك فيه والدنى هو علم الله تعالى. وقوله: الناس كالعابدين آلهة ... وعبده كالموحد اللاها وقوله: لو كان علمك بالإله مقسما ... في الناس ما بعث الإله رسولا أو كان لفظك فيهم ما أنزل ال ... توراة والفرقان والإنجيلا وقوله: لو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا أو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركة لاعيا عيسى عازر: اسم الرجل الذي أحياه المسيح ﵇: أو كان لج البحر مثل يمينه ... ما أنشق حتى جاز فيه موسى وكأن المعاني أعيته حتى التجأ إلى استصغار أمور الأنبياء ﵈ وفي هذه القصيدة: يا من نلوذ من الزمان بظله ... أبدا ونطرد باسمه إبليسا وقوله وقد جاوز حد الإساءة: أي محل أرتقى ... أي عظيم اتقى وكل ما قد خلق ال ... له وما لم يخلق محتقر في همتي ... كشعرة في مفرقي وقبيح بمن أوله نطفة مذرة, وآخره جيفة قذرة, وهو فيما بينهما محمل العذرة, أن يقول مثل هذا الكلام. ومن غلو ابن هاني الشنيع قوله في المعز لدين الله: ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار وكأنما أنت النبي محمد ... وكأنما أنصارك الأنصار أنت الذي كانت تبشرنا به ... في كتبها الأحبار والأخبار ومنها: جلت صفاتك أن تحد بمقول ... ما يصنع المصداق والمكثار وقوله فيه من أخرى: هذا ضمير النشأة الأولى التي ... بدأ الإله وغيبها المكنون من أجل هذا قدر التقدير في ... أم الكتاب وكون التكوين وبذا تلقى آدم من ربه ... عفوا وفاء ليونس اليقطين لو يلتقي الطوفان قبل وجوده ... لم ينج نوحا فلكه المشحون ومنها يخاطبه: والنور أنت وكل نور ظلمة ... والفوق أنت وكل قدر دون لو كان رأيك شائعا في أمة ... علموا بما سيكون قبل يكون وقوله من أخرى فيه أيضا: وعلمت من مكنون علم الله ما ... لم يؤت جبريلا وميكائيلا لو كنت آونة نبيا مرسلا ... نشرت بمبعثك القرون الأولى أو كنت نوحا منذرا في قومه ... ما زادهم بدعائه تضليلا لله فيك سريرة لو أظهرت ... أحيا بذكرك قاتل مقتولا لو كان آتى الخلق ما أوتيته ... لم يخلق التشبيه والتمثيلا لولا حجاب دون علمك حاجز ... وجدوا على علم الغيوب سبيلا وقال وأساء في المقال: وجد العيان سناك تحقيقا ولم ... تحط الظنون بكنهه تصريحا أخشاك تنسي الشمس مطلعها كما ... أنسى الملائك ذكرك التسبيحا أقسمت لولا أن دعيت خليفة ... لدعيت من بعد المسيح مسيحا شهدت بمعجزك السماوات العلى ... وتنزل القرآن فيك مديحا وقوله وقد تجاوز الحد: أتبعته فكري حتى إذا بلغت ... غاياتها بين تصويب وتصعيد رأيت موضع برهان يبين وما ... رأيت موضع تكييف وتحديد وهذا مدح يليق بالخالق سبحانه لا بالمخلوق, وهو في شعره كثير جدا حتى قال القاضي ابن خلكان في ترجمته: ولولا ما في ديوانه من الغلو في المدح والإفراط المؤدي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين. وليس من المغاربة من هو في طبقته, لا من متقدميهم ولا متأخريهم, بل هو أشعرهم على الإطلاق. وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة, وكانا متعاصرين والله أعلم. ومن غلو أبي العلاء المعري قوله في قصيدة: ولولا قولك الخلاق ربي ... لكان لنا بطلعتك افتتان وقوله أيضاً من أخرى: خاضعات لك الكواكب تختص ... مواليك بالمحل الأثير لا يؤثرن في الولي ولا الحاسد حتى تشير بالتأثير ومنها في تهنئة ممدوحه بالزواج:

стр. 322

كنت موسى وافتك بنت شعيب ... غير أن ليس فيكما من فقير وقوله: وقد علمت هذي البسيطة أنها ... تراثك فلتشرف بذاك وتزدد وإن شئت فأرغم من فوق ظهرها ... عبيدك واستشهد إلهك يشهد نعوذ بالله من هذا الغلو القبيح, فإن فوق الأرض من عباد الله الأخيار والصلحاء الأبرار, والأقطاب والإبدال, ما لا يعلمهم إلا الله تعالى, فما له يقول هذا القول الشنيع الذي تصم منه الأسماع, وتنفر منه الطباع. ومنه قوله أيضاً: فلو زار أهل الخلد عتبك زورة ... لأوهمهم أن الجنان جحيم وقوله في رثاء فقيه: واكسواه الأكفان من ورق المص ... حف كبرا عن أنفس الأبراد ومن غلو ابن النبيه قوله يمدح الخليفة الناصر لدين الله: بغداد مكننا وأحمد أحمد ... حجوا إلى تلك المناسك واسجدوا يا مذنبين ضعوا بها أوزاركم ... وتطهروا بترابها وتهجدوا فهناك من جسد النبوة بضعة ... بالوحي جبري لها يتردد باب النجاة مدينة العلم التي ... ما زال كوكب هديها يتوقد هذا هو الستر الذي بهر الورى ... في ظهر آدم والملائك سجد هذا الذي يسقي العطاش بكفه ... والحوض ممتنع الحمى لا يورد هذا الصراط المستقيم حقيقة ... من زل عنه ففي جهنم يخلد ومنها وقد جاوز الحد: يا من لمبغضه الجحيم قراراة ... ولمن يواليه النعيم السرمد لولا التقية كنت أول معشر ... غالوا فقالوا أنت رب تعبد وقوله من أخرى فيه: له على سرِّ سرِّ الغيب مطلع ... فما موارده إلا مصادره يقضي بتفضيله سادة عترته ... لو كان صادقه حيا وباقره كل الصلاة خداج لا تمام لها ... إذا تقضت ولم يذكره ذاكره كل الكلام قصير عن مناقبه ... إلا إذا نظم القرآن شاعره وقوله من أخرى فيه: فيك سر لوه ما قسم الل ... هـ على الناس جنة وسعيرا قد هدانا بك السبيل فإما ... مؤمنا شاكراً وإما كفورا وقوله في الملك الأشرف: ملك له الفضل على آدم ... والفضل لا يكسب بالمولد لو لم تر الأملاك في صلبه ... غرته الغراء لم تسجد ومن هذا النمط في شعره كثير وهو مشهور بذلك, فلا حاجة إلى الإكثار منه. ومن الغلو القبيح, قول عضد الدولة: ليس شرب الراح إلا في المطر ... وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى ... ناغمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر يقال أنه ما عاش بعد هذه الأبيات إلا قليلا, ولما احتضر لم يكن لسانه ينطق إلا بتأوه (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) ومنه أيضاً قول الشيخ جعفر الخطي من شعراء هذا القرن: وزفرة لو ثوى يوم الخليل بها ... أودى ولم يغن عنه برده فيها ومنها: ماذا على الطير إذ أبلى الضنا جسدي ... فخف لو حملتني في خوافيها أن تقعد الطير عن حملي لكم وسرت ... ريح الصبا فاطلبوني في مساريها تلقي لكم جسدا لو أن علته ... يدعى المسيح لها ما كان يبريها وأنا استغفر الله تعالى من إثبات هذه الأشياء, فليحذر الأديب الأريب الوقوع في مثل ذلك, وليتجنب هذه المسالك, فأن عن ذلك للشاعر مندوحة, ولا يعود عليه إلا منه إلا المقت من رحمة الله وخلقه. (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) . وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله: عزيز جار لو الليل استجار به ... من الصباح لعاش الناس في الظلم هذا الغلو في مدحه ﵌ بديع مقبول, لائحة عليه إشارات القبول, لا كقوله في ممدوحه: ولو أتاه الليل مستجيرا ... آمنه من سطوات الفجر وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله: تكاد تشهد أن الله أرسله ... إلى الورى نطف الأبناء في الرحم هذا الغلو في مديحه عليه وآله الصلاة والسلام أيضاً حسن مقبول, لو لم يشنه بذكر الرحم والنطف الذي لا يليق بالمديح النبوي. وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله: في مدحه نفحات لا غلو بها ... يكاد يحيي شذاها بالي الرمم

стр. 323

نفحات غلو هذا البيت أخجلت نفحات الغالية, ونشر شذاه عطر مسام الأرواح حتى كاد يحيي الرمم البالية, مع تمام الانسجام والرقة, وتمكن القافية. ولا شك أنه من البيوت التي أذن الله أن ترفع بمديح نبيه المصطفى ذي المقام الأرفع صلى الله عليه وآله الكرام, وأصحابه العظام. وبيت بديعية ابن حجة قوله: بلا غلو إلى السبع الطباق سرى ... وعاد والليل لم يحفل بصحبهم غالى ابن حجة في الإعجاب بغلو هذا البيت, وظن أنه لا يتحكم عليه لو, (ولا, وليت) , والذي أقوله: إنه إنما نظم أمرا واقعا لا غلو فيه, إلا لو لم يقع, وأما بعد وقوعه فادعاء استحالته عقلا وعادة كما هو معنى الغلو قد يكون كفرا - نعوذ بالله من ذلك - فإنه ﵌ سرى إلى السماوات السبع ليلة الإسراء, ودوخ طباقها, وعاد قبل طلوع الفجر, لاشك في ذلك. فتسمية هذا غلوا فيه مالا يخفى. وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله: بلا غلو لو الدهر استجار به ... من الفنا لم يكن يوما بمنعدم هذا أيضاً من الغلو المقبول في مدح الرسول ﵌. وبيت بديعيتي هو قولي: ولا غلو إذا ما قلت عزمته ... تكاد تثني عهود الأعصر القدم دعوى إعادة عهود الأزمان الماضية مما يستحيل عقلا وعادة, إلا أن فعل التقريب وهو (تكاد) قرب ذلك من الصحة, وأخرجه عن الاستحالة, فهو من الغلو المقبول, على أنه لا غلو في ذلك كما أشرنا إليه في نفس البيت, لكونه في مديحه ﵌. وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: عريض جاه لو أن الدهر طال مدى ... كجاهه آمن الدنيا من العدم التفريق قاسوه بالبحر والتفريق متضح ... أين الأجاج من المستعذب الشبم التفريق في اللغة ضد الجمع لا الاجتماع كما وهم ابن حجة, وضد الاجتماع إنما هو الافتراق لا التفريق. وفي اصطلاح البديعيين هو إيقاع تباين أمرين من نوع واحد في المدح أو غيره. كقول الشاعر: قاسوك بالغصن في الثني ... قياس جهل بلا أنتصاف هذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف وقول رشيد الدين الوطواط: ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء وقد تلاعب الشعراء بمعنى هذين البيتين كثيرا, فللوأواء الدمشقي: من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين ولبعضهم فيه: من قاس جدواك يوما ... بالسحب أخطأ مدحك السحب تعطي وتبكي ... وأنت تعطي وتضحك وللأديب يعقوب النيسابوري: رأيت عبيد الله يضحك معطيا ... ويبكي أخوه الغيث عند عطائه وكم بين ضحاك يجود بماله ... وآخر بكاء يجود بمائه ولأبي الفتح البستي: يا سيد الأمراء يا من جوده ... أوفى على الغيث المطير إذا همى الغيث يعطي بالحيا متجهما ... ونداك يعطي بالجدا متبسما ولشرف الدين النجاري: ما قست بالغيث العطايا منك إذ ... يبكي وتضحك إذ توالي للندى وإذا أفاض على البرية جوده ... ماء تفيض لنا غيوثك عسجدا وقلت أنا في ذلك: من قاس جدوى راحتيك إذا همت ... بالغيث أخطأ في القياس وما درى إذ أنت تعطي ضاحكا مستبشر ... والغيث يعطي باكيا مستعبرا وقلت أيضاً: من قاس جدوى يديك يوما ... بالغيث ما بر في امتداحك الغيث ينهل وهو باك ... وأنت تعطي وأنت ضاحك وما أبدع قول البديع الهمداني من قصيدته المقدم ذكرها: وكاد يحيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر ولو عذبا وما زلت معجبا بقول ابن اللبانة في المعتمد بن عباد: سألت أخاه البحر عنه فقال لي ... شقيقي إلا أنه البارد العذب لنا ديمتا مال وماء فديمتي ... تماسك أحيانا وديمته سكب إذا نشأت برية فله الندى ... وإن نشأت بحرية فله السحب وقال أبو العلاء المعري:

стр. 324

تنازع فيك الشبه بحر وديمة ... ولست إلى ما يزعمان بمائل إذا قيل بحر فهو ملح مكدر ... وأنت نمير الجود عذب الشمائل ولست بغيث فوك للدر معدن ... ولم تلف دار في الغيوث الهواطل ومنه قول السيد علي بن محمد الحماني في الغزل: وجه هو البدر إلا أن بينهما=فضلا تحير عن حافاته النور في وجه ذاك أخاليط مسودة ... وفي مضاحك هذا الدر منثور وقول بعضهم: يا غيوث السماء دمعك يفنى ... عن قليل وما لدمعي فناء أنا أبكي طوعا وتبكين كرها ... ودموعي دم ودمعك ماء وقول مهيار الديلمي: أبكي وتبكي غير أن الأسى ... دموعه غير دموع الدلال أخذه السيد أحمد الصفوي الدمشقي فقال: صه يا حمام فلست المشوق ... ولا بات فيها كحالي فما من تباكي كما من بكى ... ودمع الأسى غير دمع الدلال والشعر في هذا المعنى يضيف عن الإحاطة به نطاق الحصر, وفي هذا النموذج كفاية. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله: فجود كفيه لم تقلع سحائبه ... عن العباد وجود السحب لم يدم هذا من بيت ابن اللبانة المقدم ذكره وهو: لنا ديمتا ماء ومال فديمتي ... تماسك أحيانا وديمته سكب وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي: لا يستوي الغيث مع كفيه نائل ذا ... ماء ونائله مال فلا تهم ثقل تركيب هذا البيت, وتعقيد ألفاظه, وتداعي قافيته, ظاهرة مع سهولة نظم هذا النوع وخفة محمله. على أنه مأخوذ من قول الأول: فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله: قالوا هو البحر والتفريق بينهما ... إذ ذاك غم وهذا فارج الغمم قال ابن حجة: ليس في بديعية الموصلي بيت يناظر هذا البيت في علو طباقه, فإنه مشتمل على التورية باسم النوع, ولطف الانسجام والسهولة. وبيت بديعية ابن حجة قوله: قالوا هو البدر والتفريق يظهر لي ... في ذاك نقص وهذا كامل الشيم أغار ابن حجة على صدر بيت عز الدين الموصلي أغارة قبيحة, لا يرضى بها من له في الأدب خطوة فسيحة, على أنه مأخوذ من قول الأول: حسبت جماله بدرا منيرا ... وأين البدر من ذاك الجمال وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله: فاق النبيين والتفريق يظهر من ... دوام معجزة للغير لم تدم لنظر الأديب في هذا البيت مجال يستغني عن المقال. وبيت بديعيتي هو قولي: قاسوه بالبحر والتفريق متضح ... أين الأجاج من المستعذب الشبم التفريق في هذا البيت من جهتين: إحداهما أن البحر ملح, وهو مستعذب. والثانية أن البحر حار وهو بارد. والتفريق في أبيات البديعيات المذكورة كلها من جهة واحدة. ولست أدعي في هذا البيت الاختراع بل هو من قول ابن اللبانة المقدم: سألت أخاه البحر عنه فقال لي ... شقيقي إلا أنه البارد العذب ولكن في بيتي تلميح إلى قوله تعالى (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) . وبيت بديعية إسماعيل المقري قوله: أين السحاب وأين البحر منه ندى ... البحر ملح وجود السحب لم يدم هذا البيت فيه تفريقان كلاهما مأخوذ مما تقدم. التلميح تلميحه كم شفى في الخلق من علل ... وما لعيسى يد فيها فلا تهم التلميح - قال العلامة التفتازاني في شرح التلخيص: صح بتقديم اللام على الميم, من لمحه, إذا أبصره ونظر إليه. وكثيرا ما تسمعهم يقولون في تفسير الأبيات: في هذا البيت تلميح إلى قول فلان, وقد لمح هذا البيت فلان إلى غير ذلك من العبارات. وأما التلميح - بتقديم الميم - فهو مصدر ملح الشاعر: إذا أتى بشيء مليح, وهو ههنا خطأ محض, نشأ من قبل الشارح العلامة, حيث سوى بين التمليح والتلميح, وفسرهما: بأن يشار إلى قصة أو شعر. ثم صار الغلط مستمرا, وأخذ مذهبا لعدم التمييز. انتهى. فلا عبرة بقول ابن حجة: وسماه قوم التمليح - بتقديم الميم - كأن الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة.

стр. 325

وهو في الاصطلاح, أن يشار في الكلام إلى آي من القرآن, أو حديث مشهور, أو شعر مشهور أو مثل سائر, أو قصة, من ذكر شيء من ذلك صريحا. وأحسنه وأبلغه, ما حصل به زيادة في المعنى المقصود. قال الطيبي في التبيان: ومنه قوله تعالى (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) . وقال جار الله: قوله: وآتينا داود زبورا, دلالة على تفضيل محمد ﵌ وهو خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم, لأن ذلك مكتوب في الزبور. قال تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) , وقال: وهو محمد صلى الله عليه وآله وأمته. ولنرتب شواهد هذا النوع على فصول. الفصل الأول فيما وقع التلميح فيه إلى آية من القرآن فمنه قول نصر بن أحمد الخبز أرزي ﵀: أستودع الله أحبابا فجعت بهم ... بانوا وما زودني غير تعذيب بانوا ولم يقض زيد منهم وطرا ... ولا انقضت حاجة في نفس يعقوب لمح في المصراع الأول إلى قوله تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) , وفي الثاني قوله تعالى (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) . ولمح إلى الآية الأولى البهاء زهير في مطلع قصيدة له فقال: لم يقض زيدكم من حبكم وطره ... ولا قضى ليله من حبكم سمره يا صارفي القلب إلا عن مودتهم ... وسالبي الطرف إلا عنهم نظره ولمح في الثانية أيضاً الشريف الرضي ﵁ في قوله: وحاجة أتقاضاه وتمطلني ... كأنها حاجة في نفس يعقوب ومنه قول بعضهم: ما في الصحاب وقد سارت حمولهم ... إلا محب له في الركب محبوب كأنما يوسف في كل راحلة ... والحي في كل بيت منه يعقوب يشير إلى ما قصه سبحانه في القرآن العظيم من أمر يوسف. وحرض يعقوب ﵉. ولهذين البيتين حكاية لطيفة, وهي ما حكي أن الشيخ شهاب الدين السهروردي صاحب عوارف المعارف لما رجع من الشام إلى بغداد, وجلس على عادته للوعظ, أخذ يقلل أحوال الناس, ويهضم جانب الرجال ويقول: أنه ما بقي من يلقى وقد خلت الدنيا. وأنشد: ما في الصحاب أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا خل نجاريه وجعل يكرره ويتواجد, فصاح عليه من أطراف المجلس شاب عليه قبا وكلونة: يا شيخ كم تشطح وتتنقص بالقوم, والله إن فيهم من لا يرضى أن يجاريك, وقصاراك أن تفهم ما يقول, هلا أنشدت؟ (ما في الصحاب وقد سارت حمولهم) وأنشد البيتين. فصاح السهروردي ونزل عن كرسيه وقصد الشاب ليعتذر إليه فلم يجده, ووجدت مكانه حفرة فيها دم كثير لشدة ما كان يفحص برجليه عند إنشاد الشيخ البيت. وهو من قصيدة لابن المعلم الوسطى تقدم إنشاد بعضها في نوع الانسجام. وقلت ملمحا التلميح المذكور لغرض سنح: لله من واله عان بأسرته ... ومن محب غدا يبكيه محبوب كأنه يوسف في السجن مضطهدا ... وكل ذي خلة في الحي يعقوب ومن بديع هذا النوع قول أبي نصر محمد الأصبهاني في ذم مملوك له: بليت بمملوك إذا ما بعثته ... لأمر أعيرت رجله مشية النمل بليد كأن الله خالقنا عنى ... به المثل المضروب في سورة النحل يشير إلى قوله تعالى (وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ولا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير) الآية. ومنه قول الباخرزي يمدح جعفر بن داود: والله لولا حسن نيته لما ... لقي الشقاء ببأسه مسعود كان الحديد فلان يوم لقائه ... حتى تحقق أنه دواد يشير إلى قوله تعالى في داود (وألنا له الحديد) ومنه ما ذكره ابن الأبار في تحفة القادم: أن أبا بكر الشبلي جلس يوما على الجسر, فتعرض له بعض الجواري للجواز, فلما أبصرته رجعت بوجهها, وسترت ما ظهر له من محاسنها, فقال أبو بكر المذكور: وعقيلة لاحت بشاطئ نهرها ... كالشمس طالعة لدى آفاقها فكأنما بلقيس وافت صرحها ... لو أنها كشفت لنا عن ساقها حورية قمرية بدوية ... ليس الجفا والصد من أخلاقها قال بعضهم: ويمكن تغيير البيتين الأولين بأن يقال: وعقيلة لاحت بشاطئ نهرها ... كالشمس تتلو في المشارق صبحها لو أنها كشفت لنا عن ساقها ... لحسبتها بلقيس وافت صرحها

стр. 326

الإشارة في ذلك إلى قوله تعالى في قصة بلقيس مع سليمان ﵇ (قيل لها أدخلي في الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها) الآية. وجمع النفيس القطرسي بين التلميح إلى القرآن والشعر في قوله: يسر بالعيد أقوام لهم سعة ... من الثراء وأما المقترون فلا هل سرني وثيابي فيه قوم سبا ... أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا يشير إلى قوله تعالى عن قوم سبا (ومزقناهم كل ممزق) . وإلى قول الشاعر: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني ومنه ما حكاه صاحب كتاب التبر المسبوك: أن السلطان محمودا كتب إلى الخليفة القادر بالله كتابا يتهدده فيه بالفيل, وخراب بغداد, وأن يحمل تراب دار الخلافة على ظهور الفيلة إلى غزنة. فكتب إليه القادر بالله كتابا صغيرا فيه بعد البسملة (ألم) لا غير, فلم يدر السلطان ما معناه, وتحيرت علماء حضرته في حل هذا الرمز, وجمعوا كل سورة من القرآن, أولها (ألم) فلم يكن فيها ما يناسب الجواب. وكان في الجماعة شاب فقال: إن أذن لي الملك أعزه الله حللت الرمز, فقال له الملك: قل, فقال: ألست كتب إليه تهدده بالفيلة وأنك تنقل تراب دار الخلافة على ظهورها إلى غزنة؟ قال: بلى, قال: فإنه كتب إليك (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) , فاستحسن الحاضرون منه ذلك, ثم اصطلح السلطان والخليفة. ومن خفيه ما حكاه صاحب نزهة العشاق: أن الملك محمود بن صالح ظفر بعدو له فأعتقله, وكان لذلك العدو أخ, فأراد الملك أن يقبض على الأخ كما قبض على أخيه, فأمره أن يكتب إلى أخيه كتابا يدعوه إلى خدمة الملك, ويذكر في الكتاب أن الملك أكرمه وأحسن إليه. فأمتثل ما أمره, وكتب في آخر الكتاب: فعجل القدوم تنل الخير إن شاء الله تعالى, وجعل على رأسه النون تشديدة. فلما وصل الكتاب إلى أخيه فرح وطابت نفسه, فلما انتهى إلى التشديد على رأس النون أنكر ذلك واستراب, وقال: ما شددت هذه النون إلا لخطب شديد. فلم يزل يعمل فكره حتى فطن أن أخاه قصد قوله تعالى (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) . ثم كتب إلى أخيه كتابا, وذكر في آخره: أنا آت عقب كتابي إلى الملك أعزه الله, وشدد النون من (أنا آت) فلما وصل الكتاب إلى أخيه, ورأى ذلك طابت نفسه وفهم أن أخاه أشار إلى قوله تعالى (إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها) . ومنه قول علاء الدين الوداعي فيمن وعده بسمك: يا مالكا صدق مواعيده ... خلي لنا في جوده مطعما لم نعد في السبت فما بالنا ... لم تأتنا حيتاننا شرعا

стр. 327

يشير إلى قوله تعالى (وأسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا) . وكان بنو إسرائيل في زمن داود ﵇ في قرية بأيلة على ساحل البحر, بين المدينة والشام, وحرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت, فكان إذا دخل السبت اجتمعت الحيتان من كل مكان حتى لم يبق حوت إلا اجتمع هناك, يخرجن خراطيمهن من الماء, حتى لا يرى الماء لكثرتها. فإذا مضى السبت تفرقن فلا يرى منها شيء. ثم أن الشيطان وسوس لهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت, فعمد رجال فحفروا حياضا نحو البحر, وشرعوا منه إليها الأنهار, فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تقدر على الخروج لبعد عمقها, وقلة مائها, فيأخذونها يوم الأحد, أو كانوا ينصبون آلات الصيد يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد. وفعلوا ذلك مدة, فلما لم ينزل بهم عقوبة قالوا: ما نرى إلا أنه أحل لنا السبت, فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا وكثر مالهم. فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية - وكانوا نحو سبعين ألفا - ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى, وصنف أمسك ولم ينه, وصنف انتهك الحرمة. فكان الناهون أثني عشر ألفا. ولما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم. فقسموا القرية بجدار وتجبروا كذلك سنتين, فلعنهم داود, وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية. فخرج الناهون ذات يوم من ديارهم, ولم يخرج من المجرمين أحد, ولم يفتحوا لهم بابا, فلما أبطأوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم قردة لها أذناب يتعاوون, صار الشباب قردة, والمشايخ خنازير. فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا, ولم يبق مسخ فوق ثلاثة أيام, ولم يتوالدوا. وقال مجاهد: مسخت قلوبهم دون صورهم, وهذا خلاف الإجماع وما نطق به القرآن العظيم. وفي الأمثال المولدة: عليه ما على أصحاب السبت. يعنون بذلك اللعنة. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: فان قيل: لما كان الله تعالى نهاهم عن الاصطياد يوم السبت, فما الحكمة في أن نثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام, كما قال (تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم) وهل هذا إلا إثارة الفتنة واردة الإضلال؟. قلنا: أما على مذهب أهل السنة, فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى, وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب. الفصل الثاني فيما وقع التلميح فيه إلى حديث مشهور فمن ذلك قول بعضهم مع التورية: يا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التجري وقبحوا لك وصلي ... وحسنوا لك هجري فيفعلوا ما أرادوا ... لأنهم أهل بدر يشير إلى قوله ﵇ لعمر حين سأله قتل حاطب: لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وما أحسن ما لمح إلى هذا الحديث أيضاً الشيخ عمر بن الفارض بقوله مع التورية: ليهن ركب سروا ليلا وأنت بهم ... مسيرهم في صباح منك منبلج فليصنع الركب ما شاؤا بأنفسهم ... هم أهل بدر فلا يخشون من حرج ونظم ذلك بعضهم في مواليا فقال وأجاد: يا بدر أهلك يقولوا لك علي جور ... وعلموك التجافي يا بهي النور فليصنعوا ما أرادوا يا شقيق الحور ... لأنهم أهل بدر ذنبهم مغفور ومنه ما حكي أن ابن الصابوني حضر مجلس أحد الفضلاء فقدم للحاضرين خيارا, فجعل أحد الأدباء يقشره بسكين, فخطف ابن الصابوني السكين من يده, فألح عليه في استرجاعها, فقال له ابن الصابوني: كف عني وإلا جرحتك بها, فقال صاحب المنزل لذلك الأديب: كف عنه لئلا يجرحك, فيكون جرحا جبارا, يلمح إلى قوله ﵇: جرح العجماء جبار. فأغتاض ابن الصابوني وخرج من عقله, وهجر بلسانه, وما كف إلا بعد الرغبة والتضرع إليه, وخرج عن ذلك المجلس مغضبا. ومنه قول الحريري في المقامة السابعة والثلاثين: فلم أزل أتقرب إليه بالإلمام, وأتنفق عليه بالاجمام, حتى صرت صدى صوته, وسلمان بيته. يشير إلى قول النبي ﵌ في سلمان الفارسي: سلمان منا أهل البيت. الفصل الثالث في ما وقع فيه التلميح إلى شعر مشهور.

стр. 328

فمنه ما حكاه ابن قتيبة قال: تمازح معاوية والأحنف - فما رئي مازحان أوقر منهما - قال معاوية: يا أبا بحر ما الشيء الملفف في البجاد؟ فقال: السخينة يا أمير المؤمنين. وإنما أشار معاوية إلى ما رمي به بنو تميم من النهم وحب الأكل في قول القائل: إذا ما مات ميت من تميم ... وسرك أن يعيش فجئ بزاد بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد تراه يطوف بالآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد وأراد الشاعر بالشيء الملفف في البجاد: وطب اللبن, والبجاد ككتاب: كساء مخطط. وأشار الأحنف إلى ما كانت تعير به قريش من أكل السخينة قبل الإسلام, لأن أكثر زمانها كان زمان قحط ومحل, والسخينة: ماء يسخن بالنار ويذر عليه دقيق, وغلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة. قال حسان: زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغلب الغلاب ومثل ذلك ما روي أن عبد الله بن ثعلبة المحاربي دخل على عبد الملك أبن يزيد الهلالي - وهو يومئذ والي أرمينية - فقال له: ماذا لقينا البارحة من شيوخ محارب؟ منعونا النوم بضوضاتهم ولغطهم. فقال عبد الله بن ثعلبة: أنهم - أصلح الله الأمير - أضلوا البارحة برقعا فكانوا يطلبونه. أراد عبد الملك قول الشاعر: تكش بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر وأراد عبد الله قول القائل: لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن يزيد برقع وجلال وكان سنان بن أحمر النميري يساير الأمير عمر بن هبيرة الفزاري وهو على بغلة له, فتقدمت البغلة على فرس الأمير فقال: أغضض بغلتك يا سنان, فقال: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير, فضحك الأمير وقال: قاتلك الله, ما أردت ذلك, قال: ولا أنا. وإنما أراد ابن هبيرة قول جرير: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا وأراد سنان قول الأخطل: لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار وكانت فزارة تعير بإتيان الإبل, ولذلك قال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة هذا ويخاطب يزيد بن عبد الملك حين ولاه العراق: أمير المؤمنين وأنت بر ... تقي لست بالجشع الحريص أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص الرافدان: دجلة والفرات. وأخذ يد القميص: كناية عن السرقة والخيانة. وتفنق: تنعم وسمن, يقال: جارية فنق, أي سمينة. والبيت الآخر تلميح إلى إتيان الإبل الذي كانوا يعيرون به. وعلى هذه الأبيات روى أبو عبيدة عن عبد الله بن عبد الأعلى قال: كنا نتغدى مع الأمير عمر بن هبيرة فاحضر طباخه جام خبيص, فكرهه للبيت السابق في هذه الأبيات, إلا أن جلده أدكه فقال: ضعه يا غلام, قاتل الله الفرزدق, لقد جعلني أرى الخبيص فاستحي منه. قال المبرد: وقد يسير البيت في الواحد فيرى أثره عليه أبدا, كقول أبي العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة: فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا فكسر حلية السيف ... وصغها لك خلخالا فكان عبد الله إذا تقلد السيف فرأى من يرمقه بأن أثره عليه وظهر الخجل منه. ومثل ذلك ما يحكى أن جريرا قال: والله لقد قلت في بني تغلب بيتا لو طعنوا بعده الرماح في أستأهم ما حكوها وهو: والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا وحكى أبو عبيدة عن يونس قال: قال عبد الملك بن مروان يوما وعنده رجال: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودوا أنهم افتدوا منه بأموالهم؟ فقال أسماء بن خارجة الفزاري: نحن يا أمير المؤمنين, قال: وما هو؟ قال: قول الحارث بن ظالم المري: وما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا فو الله أني لا لبس العمامة الصيفية فيخيل لي أن شعر فقاي قد بدا منها. وقال هاني بن قبيصة النميري: نحن يا أمير المؤمنين, قال: وما هو؟ قال: قول جرير: فعض الطرف أنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا كان النميري إذا قيل ممن أنت, يقول: من نمير, فصار يقول بعد هذا البيت من عامر بن صعصعة.

стр. 329

وكان عبد الملك بن عمير القاضي يقول: والله أن التنحنح والسعال ليأخذاني وأنا في الخلا فأردهما حياء من قول القائل: إذا ذات دل كلمته لحاجة ... وهم بأن يقضي تنحنح أو سعل رجع إلى أمثلة التلميح إلى الشعر. ومنه ما حكي أن تميميا قال لشريك النميري: ما أحب إلي من البازي, فقال شريك: خاصة إذا كان يصيد القطا. أشار التميمي إلى قول جرير: أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء له أنصبابا وأشار شريك إلى قول الطرماح: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... لو سلكت طرق المكارم ضلت ومثله ما حكي أن تميميا نزل بفزاري فقال له: قلوصك يا أخا تميم لا تنفر القطا, فقال: أنها مكتوبة, أشار الفزاري إلى بيت الطرماح المذكور, وأشار التميمي إلى قول الأخطل المقدم ذكره. (ومثله) ما يحكى أن محمد بن عقال المجاشعي دخل على يزيد بن مزيد الشيباني وعنده سيوف تعرض عليه, فرفع سيفا منها إلى يد محمد فقال: كيف ترى هذا السيف؟ فقال: نحن أبصر بالتمر منا بالسيوف. أراد يزيد قول جرير في الفرزدق: بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم وأراد محمد قول مروان بن أبي حفصة: لقد أفسدت شيبان بكر بن وائل ... من التمر ما لو أصلحته لمارها ولبيتي جرير المذكورين قصة يأتي ذكرها في نوع المواردة إنشاء الله تعالى. وقد غلط السكاكس على جلالة قدره في تفسير قوله (ولم تضرب بسيف ابن ظالم) فقال: أن الفرزدق كان عرض عليه سيف غير صالح للضرب فقال: بل أضرب بسيف أبي رغوان مجاشع, يعني سيفه, وكأنه قال: لا يستعمل ذلك السيف إلا ظالم وابن ظالم, فلما نبا سيفه وبلغ جرير ذلك قال البيتين, وأشار بقوله: ابن ظالم إلى ذلك. وتبعه على هذا جماعة من أهل الفضل. ولم يرد جرير ذلك قط, مع أن معنى البيت لا يستقيم على هذا التفسير كما لا يخفى. وإنما أراد جرير بابن ظالم, الحارث بن ظالم المري وكان فاتكاً, فتك بخالد بن جعفر بن كلاب وهو إذ ذاك نازل على النعمان بن المنذر, وإنما قال جرير ذلك لان ابن ظالم المذكور من قومه, وهو مشهور بالفتك فيهم, فقال: ضربت بسيف جدك فينا ولم يقطع, ولو ضربت بسيف ابن ظالم الذي هو من قومي لم ينب, ولكنك لم تضرب به. هذا معنى البيت المقصود لا ما ذكره السكاكي وغيره فأعلم. ومن لطيف التلميح أيضاً ما روي, أن الفضل بن محمد الضبي بعث بأضحية هزيل إلى شاعر, فلما لقيه سأله عنها فقال: كانت قليلة الدم, فضحك الفضل وقال: مهلا يا أبا فلان. أراد الشاعر قول القائل: إذا ذبح الضبي بالسيف لم تجد ... من اللؤم للضبي لحما ولا دما وروى ابن الأعرابي في الآمالي قال: رأى عقال بن شبة بن عقال المجاشعي على أصبع بن عياش وضحا فقال: ما هذا البياض على إصبعك يا أبا الجراح؟ قال سلح النعامة يابن أخي. أراد قول جرير: فضح العشيرة يوم يسلح إنما ... سلح النعامة شبه بن عقال وكان شبة قد برز يوم الطوانة مع العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى رجل من الروم, فحمل عليه الرومي فنكص وأحدث. فبلغ ذلك جريرا باليمامة فقال فيه ذلك. ورأى الفرزدق مخنثا يحمل قماشة كأنه متحول من دار إلى دار فقال: إلى أين راحت عمتنا؟ فقال: قد نفاها الأغر يا أبا فراس. يريد قول جرير في الفرزدق: نفاك الأغر ابن عبد العزيز ... بحقك تنفى عن المسجد وإنما قال جرير ذلك لأن الفرزدق ورد المدينة والأمير عليها عمر بن عبد العزيز, فأكرمه حمزة بن عبد الله بن الزبير وأعطاه, وقعد عنه عبد الله بن عمرو بن عثمان وقصر به, فمدح الفرزدق حمزة. وهجا عبد الله فقال: ما أنتم من هاشم في سرها ... فأذهب إليك ولا بني العوام قوم لهم شرف البطاح وأنتم ... وضر البلاط وموطئ الأقدام فلما تناشد الناس ذلك بعث إليه عمر بن عبد العزيز فأمره أن يخرج من المدينة, وقال له: إن وجدتك بها بعد ثلاث عاقبتك. فقال الفرزدق: ما أراني إلا كثمود حين قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. وأنشد: توعدني وأمهلني ثلاثاً ... كما وعدت لمهلكها ثمود فبلغ ذلك جريرا فقال يهجوه:

стр. 330

نفاك الأغر ابن عبد العزيز ... بحقك تنفى عن المسجد وسميت نفسك أشقى ثمود ... فقالوا ضللت ولم تهتد وقد أجلوا حين حل العذاب ... ثلاث ليال إلى الموعد وجدنا الفرزدق بالموسمين ... خبيث المداخل والمشهد وروى أبو بكر بن دريد في كتاب الأمالي عن أبي حاتم عن العيبي عن أبيه: أنه عرض على معاوية فرس وعنده عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص فقال: كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرف؟ فقال: أراه أجش هزيما, قال معاوية: أجل, لكنه لا يطلع على الكنائن. فقال: يا أمير المؤمنين ما استوجبت منك هذا الكلام كله, قال: لقد عوضك عنه عشرين ألفا. قال ابن دريد: أراد عبد الرحمن التعريض لمعاوية بما قاله النجاشي في أيام صفين: ونجى ابن حرب سابح ذو غلالة ... أجش هزيم والرماح دواني إذا قلت أطراف الرماح تنوشه ... مرته به الساقان والقدمان فلم يحتمل معاوية منه هذا المزاح وقال: لكنه لا يطلع على الكنائن, لأن عبد الرحمن كان يتهم بنساء أخوته. قال: وروى صاحب الأغاني هذا الخبر على وجه آخر فقال: عرض معاوية على عبد الرحمن بن الحكم خيله, فمر به فرس فقال له: كيف تراه؟ فقال: هذا سابح, ثم عرض عليه آخر فقال: هذا ذو غلالة, ثم مر به آخر فقال: وهذا أجش هزيم, فقال له معاوية: أبي تعرض؟ قد علمت ما أردت. إنما أردت قول النجاشي في: ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... كسيد الغضا ماض على النسلان أخرج عني فلا تساكنني في بلد. فذهب إلى أخيه مروان وشكى إليه معاوية فقال له مروان: هذا عملك لنفسك؟ فانشأ يقول: أتقطر آفاق السماء لها دما ... إذا قلت هذا الطرف أجرد سابح فحتى متى لا نرفع الطرف ذلة ... وحتى متى تعيا علينا المنادح فدخل مروان على معاوية فقال: حتى متى هذا الاستخفاف بآل أبي العاص؟ أما والله لتعلم قول النبي ﵌ فينا. ولقلَّ ما بقي من الأمد, فضحك معاوية وقال: قد عفوت لك عنه يا أبا عبد الملك. ورواه أيضاً على وجه غير هذا فقال: قدم عبد الرحمن بن الحكم (على معاوية) وكان قد عزل أخاه مروان وجهه قبله وقال له: ألق معاوية وعاتبه لي واستصلحه. فلما دخل عليه وهو يعشي الناس فأنشأ يقول: أتتك العيس تنفخ في براها ... تكشف عن مناكبها القطوع بأبيض من أمية مضر حي ... كأن جبينه سيف صنيع فقال له معاوية: أزائرا جئت أم مفاخرا أم مكاثراً؟ فقال: أي ذلك شئت, فقال: ما أشاء من ذلك شيئا. وأراد معاوية أن يقطعه من كلامه الذي عن له فقال: أي الظهر أتيتنا عليه؟ قال له على فرس, قال: وما صفته؟ قال: أجش هزيم. يعرض له بقول النجاشي له: ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني

стр. 331

فغضب معاوية وقال: أما أنه لم يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب, ولا هو ممن يتسور على جاراته, ولا يتوثب على كنائنه بعد هجعة الناس - وكان عبد الرحمن يتهم في امرأة أخيه - فخجل عبد الرحمن وقال: يا أمير المؤمنين ما حملك على عزلك ابن عمك؟ ألجناية أوجبت سخطا أم لرأي رأيته وتدبير استصلحته؟ فقال: بل لرأي رأيته وتدبير استصوبته, قال: فلا بأس بذلك, وخرج من عنده فلقي أخاه مروان فأخبره بما جرى بينه وبين معاوية فاستشاط غيظا وقال لعبد الرحمن: قبحك الله ما أضعفك عرضت للرجل بما أغضبته, حتى إذا انتصر منك أحجمت عنه. ثم لبس حلته وركب فرسه وتقلد سيفه ودخل على معاوية, فقال له معاوية حين رآه والغضب يتبين في وجهه: مرحبا بأبي عبد الملك, لقد زرتنا عند اشتياق إليك منا, قال: لا والله ما زرتك لذلك, ولا قدمت عليك فألفيتك إلا عاقا قاطعا والله ما أنصفتنا ولا جزيتنا جزاء, لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص, والصهر برسول الله ﵌ لهم, والخلافة فيهم, فوصلوكم يا بني حرب, وشرفوكم, وولوكم فما عزلوكم, حتى إذا وليتم أبيتم إلا سوء صنيعة, وقبح قطيعة, فرويدا رويدا, قد بلغ بنو الحكم وبنو أبيه نيفا وعشرين, وإنما هي أيام قلائل حتى يكملوا أربعين ويعلم امرؤ أين يكون حينئذ منهم, ثم هم للجزاء بالحسنى والسوأى بالمرصاد. فقال له معاوية: عزلتك لثلاث, لو لم يكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك: إحداهن أني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه. والثانية, كراهيتك لأمر زياد. والثالثة, أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها. فقال مروان: أما ابن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني, ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موقعه. وأما كراهتي لأمر زياد, فإن سائر بني أمية كرهوه, وجعل الله لنا في ذلك الكره خيرا. وأما استعداء رملة على عمرو, فو الله أنه ليأتي علي سنة أو أكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا - يعرض له بأن رملة إنما تستعدي عليه بطلب النكاح - فقال له معاوية: يا بن الوزغ, لست هناك, فقال مروان: هو ذاك. ألآن والله إني أبو عشرة, وأخو عشرة, وعم عشرة, وقد كاد ولدي يكملون العدة, ولو قد بلغوها لعلمت أين تقع مني. فانخزل معاوية ثم قال: فإن أك في شراركم قليلا ... فإني في خياركم كثير. بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلاة نزور فلما فرغ مروان من كلامه خضع له معاوية وقال: لك العتبى وأنا رادك إلى عملك, فوثب مروان وقال له: كلا وعيشك, لا رأيتني عائدا إليه أبدا, وخرج. فقال الأحنف بن قيس لمعاوية - وكان حاضرا -: ما رأيت قد لك سقطة مثلها, ما هذا الخضوع لمروان؟ وأي شيء يكون منه ومن بني أبيه إذا بلغوا أربعين؟ وأي شيء تخشاه منهم؟. فقال أدن مني حتى أخبرك بذلك. فدنا منه فقال له: أن الحكم بن أبي العاص كان أحد من قدم مع أختي أم حبيبة لما زفت إلى النبي ﵌, وهو تولى نقلها, فجعل رسول الله ﵌ يحد النظر إليه, فلما خرج من عنده قيل له: يا رسول الله لقد أحددت النظر إلى الحكم؟ فقال: ابن المخزومية ذلك الرجل إذا بلغ ولده ثلاثين, أو قال: أربعين, ملكوا الأمر بعدي, فوالله لقد تلقاها مروان من عين صافية. فقال له الأحنف: لا يسمعن هذا منك أحد, فإنك تضع من قدرك وقدر ولدك, وأن يقض الله أمرا يكن, فقال معاوية: فاكتمها علي يا أبا عمرو إذن, فقد لعمري صدقت ونصحت. ومن لطيف التلميح المذكور أيضاً, ما حكي أنه دخل عبد الحميد بن سعيد بن مسلم الباهلي ومعه ابنه الأفوه - وكان مبغما - فتخلى الناس حتى بلغ إلى عمر بن فرح المذحجي, فلما قرب منه قال له: من هذا؟ قال: ابني أصلحك الله, وهل يخفى القمر؟ فقال: إن كان كذلك فرفع عنه حاشية الأزرار. أراد قول بشار بن برد: إذا أعيتك نسبة باهلي ... فرفع عنه حاشية الأزرار على أستاه سادتهم كتاب ... موالي عامر وسما بنار

стр. 332

ومنه حمزة بن بيض الحنفي الشاعر قدم على بلال بن بردة, وكان كثير المزاح معه, فقال لحاجبه: استأذن لحمزة بن بيض الحنفي, فدخل الحاجب فأخبره به, فقال: أخرج فقل له: حمزة بن بيض ابن من؟ فقال له: أدخل فقل له: الذي جئت إليه وأنت أمرد, فسألته أن يهب لك طائرا, فأدخلك وناكك ووهب لك الطائر, فشتمه الحاجب, فقال له: ما أنت ذا؟ بعثتك برسالة فأخبره الجواب, فدخل الحاجب وهو مغضب, فلما رأه بلال ضحك وقال: ما قال لك قبحه الله؟ فقال: ما كنت لأخبر الأمير بما قال. فضحك حتى فحص برجله الأرض وقال له: قد عرفنا العلامة فأدخله, فدخل وأكرمه, وسمع مديحه, وأحسن وصلته. وأراد بلال: ابن بيض ابن من؟ قول القائل فيه: أنت ابن أبيض لعمري لست أنكره ... فقد صدقت ولكن من أبو بيض ومن التلميح الدقيق ما حكي أن قتيبة بن مسلم دخل على الحجاج وبين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك وهو يقرأه ولا يعلم معناه وهو مفكر, فقال: ما الذي أحزن الأمير؟ قال كتاب ورد من أمير المؤمنين لا أعلم معناه, فقال: إن رأى الأمير أعلامي به, فناوله إياه وفيه: أما بعد فأنك سالم والسلام. فقال قتيبة: مالي أن استخرجت لك ما أراد؟ قال: ولاية خرسان, قال: إنه ما يسرك أيها الأمير ويقر عينك. إنما أراد قول الشاعر: يديرونني عم سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر. فولاه خرسان. ويشبه هذه الحكاية: أن الحجاج كتب إلى عبد الملك كتابا يغلظ فيه أمر الخوارج, ويذكر فيه حال قطري وغيره وشدة شوكتهم, فكتب إليه عبد الملك: أوصيك بما أوصى به البكري زيدا والسلام. فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك, فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب فلم يعلم أحد منهم ما أراد. فقال: من جاءني بتفسيره فله عشرة آلاف درهم. وورد رجل من أهل الحجاز متظلم من بعض العمال, فقال له قائل: أتعلم ما أوصى به البكري زيدا؟ قال: نعم أعلمه, فقيل له: فأت باب الأمير فأخبره ولك عشرة آلاف درهم. فدخل عليه وسأله فقال: نعم أيها الأمير أنه يعني قوله: أقول لزيد لا تترتز فإنهم ... يون المنايا دون قتلك أن قتلي فإن وضعوا حربا فضعها وان أبوا ... فعرضه نار الحرب مثلك أو مثلي وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فشب وقود النار بالحطب الجزل فقال الحجاج: أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني, وأصاب البكري فيما أوصى به زيدا, وأصبت أيها الأعرابي, ودفع إليه الدراهم. وكتب الحجاج إلى المهلب, إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا, وأنا أوصيك بذلك, وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه. فنظر وصية الحارث بن كعب فإذا فيها: يا بني كونوا جميعا ولا تكونوا شيعا فتفرقوا, وترووا قبل أن تنزوا, فموت في قوة وعز, خير من حياة في ذل وعجز. فقال المهلب: صدق البكري, وصدق الحارث وأصاب. ومن لطائف التلميح قصة المنصور مع الهذلي. فقد روي أنه وعده بجائزة ثم نسي, فحجا معا ثم مرا في المدينة الشريفة ببيت عاتكة, فقال الهذلي: يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص: يا دار عاتكة التي أتغزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل فأنكر عليه المنصور ابتداءه بالخبر من غير سؤال, ثم أمر المنصور القصيدة على خاطره ليعلم ما أراد, فإذا فيها: أراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل فعلم أنه أراد هذا البيت, فتذكر ما وعده به فأنجزه. ومثله ما حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب للمتنبي, وشرح ديوانه وسماه معجز أحمد, وكان يقول: إن المتنبي نظر إلي بلحظ الغيب حيث يقول: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم فاتفق أنه حضر يوما مجلس الشريف المرتضى فجرى فيه ذكر أبي الطيب المتنبي, فأخذ المرتضى في هضم جانبه, فقال المعري: يا مولانا لو لم يكن للمتنبي من شعر إلا قوله (لك يا منازل في القلوب منازل) لكفاه. فغضب الشريف وأمر الغلمان بسحبه وإخراجه, فأخرج مسحوبا. فلامه الحاضرون على ذلك, فقال لهم: أنكم لا تدرون ما عنى بذكر هذا البيت. إنما عنى به قوله في هذه القصيدة: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل

стр. 333

فعجبوا من ذكاء الشريف فهمه لما عناه. ومن لطيف التلميح بهذا البيت أيضاً ما حكاه صاحب الحدائق: أن الفتح بن خاقان ذكر ابن الصائغ في كتابه - قلائد العقيان - فقال فيه: رمد عين الدين, وكمد نفوس المهتدين, أشتهر سخفا وجنونا, وهجر مفروضا ومسنونا, ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة, ولا أظهر مخيلة إنابة, ولا استنجى من حدث, ولا شجى فؤاده مواراة في حدث, ولا قر بباريه ومصوره, ولا فر عن تباريه في ميدان تهوره. الإساءة إليه أجدى من الإحسان, والبهيمة لديه أهدى من الإنسان, إلى غير ذلك. فبلغ ابن الصائغ انتقاصه له, فمر يوما على الفتح وهو جالس في جماعة فسلم على القوم, وضرب على كتف الفتح وقال له: شهادة يا فتح, ومضى, فلم يدر أحد من القوم ما أراد بذلك إلا الفتح, فأنه تغير لونه, فقيل له: ما قال لك؟ فقال: إني وصفته بكتابي بما تعملون, فما بلغت بذلك عشر ما بلغ هو مني بهذه الكلمة. فإنه يشير إلى قول المتنبي: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل ويقرب من هذا التلميح الدقيق ما حكاه أبو الوليد إسماعيل الشقندي - نسبة إلى شقندة, بالشين المعجمة, قرية مطلة على نهر قرطبة, مجاورة لها من جهة الجنوب - قال: كنت يوما بين يدي الفقيه الرئيس أبي بكر بن زهر, فدخل علينا رجل عجمي من فضلاء خرسان - وكان ابن زهر يكرمه - فقلت له: ما تقول في علماء الأندلس وكتابهم وشعرائهم؟ فقال: كبرت, فلم أفهم مقصده, واستبردت ما أتى به, وفهم عني أبو بكر بن زهر أني نظرته نظرة المستبرد المنكر فقال لي: أقرأت شعر المتنبي؟ قلت: نعم وحفظت جميعه, قال: فعلى نفسك إذن فلتنكر, وخاطرك بقلة الفهم فلتتهم. فذكرني بقول المتنبي: كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق فاعتذرت إلى الخرساني وقلت له: والله قد كبرت في عيني بعدما صغرت نفسي عندي حين لم أفهم نيل مقصدك. ومن ذلك أيضاً قصة السري الرفاء مع سيف الدولة بن حمدان بسبب المتنبي, فإنهما كانا من شعرائه ومداحه فجرى ذكر المتنبي يوما بحضرة سيف الدولة, فبالغ سيف الدولة في الثناء عليه وعلى شعره, فقال له السري: أشتهي أن الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لا عارضها, ويتحقق بذلك أنه أركب في غير سرجه. فقال له سيف الدولة على الفور عارض لنا قصيدة القافية التي مطلعها: لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق منه وما بقي قال السري: فكتبت القصيدة واعتبرتها فلم أجدها من مختارات أبي الطيب, ولكني رأيته يقول فيها: إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق فعلمت أن سيف الدولة إنما أشار إلى هذا البيت فأعرضت عن معارضته. ومن ذلك أيضاً ما حكاه الشيخ الفاضل الأديب عبد علي بن ناصر الشهير بابن رحمة الحويزي في كتابه - المعول في شرح شواهد المطول -: أنه جرى بين السيّد علي بن بركات الحسني والشريف زيد بن محسن أمير مكة المشرفة عتاب طال به الخطاب, وكان السيّد علي بن بركات شيخا عالي السن, والشريف زيد شابا. فأنشد السيّد علي قول الطفرائي: هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل فغضب الشريف زيد وقال: لم ترد هذا, وإنما أردت ما قبله وهو: ما كنت أحسب أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد السفل انتهى بالمعنى. ومن الطريف التلميح أيضاً ما يحكى أن رجلا قعد على جسر بغداد, فأقبلت امرأة بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى جانب الغربي, فاستقبلها شاب فقال لها: رحم الله علي بن الجهم, فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري, وما وقفا بل سارا مشرقا ومغربا. قال الرجل: فتبعت المرأة وقلت لها: لئن لم تخبريني بما أراد بابن الجهم, وما أردت بأبي العلاء المعري فضحكت. فقالت: أراد بابن الجهم قوله: عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري وأردت أنا بأبي العلاء قوله: فيا دارها بالخيف أن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال

стр. 334

ومثل ذلك بعينه ما حكاه الشيخ فتح الدين بن السيّد الياس: أن الشيخ بهاء الدين النحاس دخل إلى الجامع الأزهر يوما, فوجد أبا الحسين الجزار جالسا إلى جانبه وإلى جانبه مليح, ففرق بينهما وصلى ركعتين, ولما فرغ قال لأبي الحسين الجزار: ما أردت إلا قول ابن سناء الملك, فقال أبو الحسين: وأنا تفاءلت بقول صاحبنا السراج الوراق. أراد ابن النحاس قول ابن سناء الملك: أنا في مقعد صدق ... بين قواد وعلق وأراد الجزار قول السراج الوراق: ومهفهف راض الأبي فقاده سلس القياد لما توسط بيننا ... جرت الأمور على السداد ومن لطيفه أيضاً ما روي: أن أحمد بن يوسف الوزير دخل على المأمون, وعريب جاريته تغمز رجله, فخالسها النظر وأومى إليها بقبلة فقالت: كحاشية البرد, فلم يدر ما أرادت, فحدث بذلك محمد بن بشير فقال له: أنت تدعي الفطنة ويذهب عليك مثل هذا؟ أرادت طعنة وعنت قول الشاعر: رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم ومنه قول الحريري: وإني والله لطالما تلقيت الشتاء بكافاته, وأعددت له الأهب قبل موافاته. يريد قول ابن سكرة: جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا الغيث عن حاجاتنا حبسا كن وكيس وكانون وكأس طلا ... مع الكباب وكس ناعم وكسا وقال الآخر وفيه تلميحان: يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هن إلا واحد غير مفترى إذا صح كاف الكيس فالكل حاصل ... لديك وكل الصيد في باطن الفرى لمح بكافات الشتاء إلى بيتي ابن سكرة, ولمح بقوله (وكل الصيد في باطن الفرى) إلى المثل المشهور (كل الصيد في جوف الفرى) وأصله: أن قوما خرجوا للصيد, فصاد أحدهم ظبيا, والآخر أرنبا, وأخر فرى, أي حمارا وحشيا, فقال لأصحابه في جوف القرى, يعني أن ما صاده كلكم يسير بالنسبة إلى ما صدته. ومن أظرف ما وقع من التلميح إلى بيتي ابن سكرة ما حكي: أن امرأة بارعة الجمال والأدب مرت بقوم وهي ملتفة بكساء, فقال لها بعضهم: من أنت؟ فقالت: أنا السادس في السابع. تشير إلى قوله (وكس ناعم وكسا) فكأنها قالت: أنا الكس الناعم في الكساء ونظم بعضهم هذا المعنى فقال: رأيتها ملفوفة في كسا ... خوفا من الكاشح والطامع قلت لها من أنت يا هذه ... قالت أنا السادس في السابع وما ألطف قول أبي الحسين الجزار ملمحا إلى بيتي ابن سكرة أيضا: وكافات الشتاء تعد سبعا ... ومالي طاقة بلقاء سبع إذا ظفرت بكاف الكيس كفي ... ظفرت بمفرد يأتي بجمع فائدة - قال في القاموس: الكس بالضم للحر ليس من كلامهم وإنما هو مولد. وقال الأنباري في شرح المقامات الكس والسرم لغتان مولدتان وليستا بعربيتين, وإنما يقال: دبر وفرج. وقال الحافظ السيوطي في المزهر: في لفظة الكس ثلاثة مذاهب لأئمة العربية, أحدها هذا, والثاني أنه عربي ورجحه أبو حيان في تذكرته, ونقله عنه الأسنوي في المهمات, وكذا الصغاني في كتاب خلق الإنسان ونقله عنه الزركشي في تتمات المهمات. قلت: وحكى أبو حيان عن النحاس أنه سمع من كلام العرب: وا عجبا للساحقات الورس ... الواضعات الكس فوق الكس الثالث أنه فارسي معرب, وهو رأي الجمهور ومنهم المطرزي في شرح المقامات. ومنه أيضاً قول بعضهم: لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحنى منك في ساعة الهجر ولمح فيه إلى قول الشاعر: المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار وقول ابن حجاج وفيه تلميحان: نبهت منه لحاجتي عمرا ... ولم أعول فيها على عمرو لمح في الصراع الأول إلى قول القائل: إذا أيقضتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم وفي المصراع الثاني إلى البيت المذكور. الفصل الرابع فيما وقع فيه التلميح إلى مثل. فمنه قول كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل

стр. 335

يشير إلى المثل المشهور (أخلف من عرقوب) وهو رجل من العمالقة, وهو عرقوب بن زهي, أحد بني شمس بن ثعلبة, أو عرقوب بن صخر, على خلاف في ذلك. وكان من خبره أنه وعد أخا له ثمرة نخلة, وقال له: ائتني إذا طلع النخل, فلما أطلع قال: إذا أبلح قال: إذا أزهى (فلما أزهى) قال: إذا رطب قال: إذا أتمر, فلما أتمر جذه ليلا ولم يعطه شيئا. وقال ( ... ) أو علقمة الأشجعي: وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب قال التبريزي: والناس يروون (يثرب) في هذا البيت, بالثاء المثلثة والراء المكسورة, وإنما هو بالمثناة وبالراء المفتوحة: موضع بقرب مدينة الرسول ﵌, قال ابن الكلبي. قال ابن هشام: وقاله أبو عبيدة, وقد خولفا في ذلك. قال ابن دريد: اختلفوا في عرقوب فقيل: هو من الأوس فيصح على هذا أن يكون بالمثلثة المكسورة. وقيل: من العماليق فيكون بالمثناة وبالمفتوحة, لأن العماليق كانت من اليمامة إلى وبار, ويترب هناك. قال: وكانت العماليق أيضاً في المدينة, انتهى. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: سميت المدينة يثرب باسم الذي نزلها من العماليق, وهو يثرب بن عبيد, وبنو عبيدهم الذين سكنوا الحجفة, فأحجفت بهم السيول فسميت الحجفة. ولا يجوز الآن أن تسمى المدينة يثرب لقول النبي ﵌: يقولون: يثرب هي المدينة. وكأنه كره هذا الاسم, لأنه من مادة التثريب, وأما قوله تعالى (يا أهل يثرب) فحكاية عمن قاله من المنافقين. ومنه قول المتلمس: لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما يشير إلى المثل (إن العصا قرعت لذي الحلم) يضرب لمن إذا تنبه انتبه. وذو الحلم هو عامر بن الظرب العدواني كان من حكماء العرب لا تعدل بفهمه فهما, ولا بحكمه حكما. فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئاً فقال لبنيه: أنه قد كبرت سني, وعرض لي سهو فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت في غيره فاقرعوا لي المحجن بالعصا. يقال: أنه عاش ثلاثمائة سنة. وهو الذي يقول: تقول ابنتي لما رأتني كأنني ... سليم أفاع ليله غير مودع وما الموت أغناني ولكن تتابعت ... علي سنون من مصيف مربع ثلاث مئين قد مررن كواملا ... ها أنا هذا ارتجي مر أربع فأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطيارا يقال له قع أخبر أخبار القرون التي مضت ... ولابد يوما أن يطار بمصرعي قال ابن الإعرابي: أول من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدواني, وربيعة تقول: بل هو قيس بن خالد بن ذي الجدين, وتميم تقول: بل هو ربيعة بن مخاشن أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم, واليمن تقول: بل هو عمرو بن حممه الدوسي. قال: وكانت حكام تميم في الجاهلية: أكثم بن صيفي, وحاجب بن زرارة, والأقرع بن حابس, وربيعة بن مخاشن, وضمرة بن ضمرة. غير أن ضمرة حكم فأخذ رشوة فعذر. وحكام قيس: عامر بن الظرب, وغيلان بن سلمة الثقفي. وكانت له ثلاثة أيام: يوم يحكم بين الناس, ويوم ينشد فيه شعره, ويوم ينظر فيه إلى جماله. وجاء الإسلام وعنده عشر نسوة, فخيره النبي ﵌, فأختار أربعا فصار سنة. وحكام قريش: عبد المطلب, وأبو طالب, والعاص بن وائل. وحكيمات العرب: صخر بنت لقمان, وهند بنت الحسن, وجمعة بنت حابس, وابنة عامر بن الظرب الذي يقال له: ذو الحلم. ومنه قول أبي العلاء المعري: إذا وصف الطائي بالبخل مادرٌ ... وعير قسا بالفهاهة باقل وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى للصبح لونك حائل وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل فيا موت زر أن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي أن دهرك هازل فلمح في البيت الأول إلى أربعة أمثال. فإن الطائي وهو حاتم ويضرب به المثل في الجود, فيقال: أجود من حاتم. وقسا يضرب به المثل في البلاغة فيقال: أبلغ من قس. ومادرا يضرب به المثل في البخل, فيقال: أبخل من مادر. وباقلا يضرب به المثل في العي, فيقال: أعيا من باقل.

стр. 336

فأما حاتم, فهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج. كان جوادا شجاعا شاعرا مظفرا, إذا قاتل غلب, وإذا غنم أنهب, وإذا سئل وهب, وإذا ضرب بالقداح سبق؛ وإذا أسر أطلق, وإذا أثرى أنفق. وكان أقسم بالله لا يقتل واحد أمه. ومن حديثه, أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة, فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم, يا أبا سفانة, أكلني الأسار والقمل, فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي, وما معي شيء, وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك. ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قده حتى أتي بفدائه فأداه إليهم. ومن حديثه. أن ماوية امرأة حاتم حدثت: أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع, فأخذ حاتم عديا, وأخذت سفانة, فعللناهما حتى ناما. ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام, فرفقت به لما به من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمة. فقال لي: أنت؟ مرارا فلم أجبه, فسكت: ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل, فرفع رأسه فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة أتيتك من عند صبية جياع, فقال: أحضريني صبيانك. فو الله لأشبعنهم. قالت: قمت سريعا فقلت: بماذا يا حاتم؟ فو الله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل. فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج نارا. ودفع إليها شفرة وقال: أشوي وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي: أيقظي صبييك, فأيقضتهما. ثم قال: والله (أن) هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم, فجعل يأتي الصرم بيتا بيتا ويقول: عليكم بالنار, فاجتمعوا وأكلوا. وتقنع بكسائه, وقعد ناحية, حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير, ولم يذق منه شيئا. وزعم الطائيون أن حاتما أخذ الجود عن أمه غنية بنت عفيف الطائية, وكانت لا تليق شيئاً سخاء وجودا. وأما مادر, فهو رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة, وبلغ من بخله أنه سقى أبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلخ فيه ومد الحوض به فسمي مادرا لذلك, واسمه مخارق. وفي بني هلال يقول الشاعر: لقد جللت خزيا هلال بن عامر ... بني طرأ بسلحة مادر فأف لكم لا تذكروا الفخر بعدها ... بني عامر أنتم شرار المعاشر قال حمزة: وحدثني أبو بكر بن دريد قال: حدثني أبو حاتم, عن أبى عبيدة, أنه قرأ عليه حديث مادر فضحك. قال: فقلت له: ما الذي أضحك؟ فقال: تعجبي من تسيير العرب من أمثال لها, ولو سيروا ما هو أهم منها لكان أبلغ لها, قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل مادر هذا جعلوه في البخل مثلا بفعلة صدرت منه تحتمل التأويل. وتركوا مثل ابن الزبير مع ما يؤثر على لفظه وفعله من دقائق البخل فتركوه كالغفل. فمن ذلك أنه نظر إلى رجل من أصحابه - وهو يومئذ خليفة يقاتل الحجاج بن يوسف على دولته, وقد دق الرجل في صدور أهل الشام ثلاثة أرماح - فقال له: يا هذا اعتزل حربنا, فإن بيت المال لا يقوى على هذا. وقال في تلك الحرب لجماعة من جنده: أكلتم تمري وعصيتم أمري. وسمع أن مالك بن أشعر الرزامي من بني مازن أكل من بعير وحده وحمل ما بقي على ظهره. فقال: دلوني على قبره أنبشه. وقال لرجل أتاه مجتدياً - وقد أبدع به فشكى إليه حفى ناقته -: أخصفها بهلب, وأرقعها بسبت وأنجد بها يبرد خفها. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين جئتك مستوصلا لا مستوصفا, فلا بقيت ناقة حملتني إليك. فقال: إن وصاحبها. قال أبو عبيدة: فلو تكلف الحارث بن كلدة طبيب العرب, أو مالك بن زيد مناة, وحنفيف الحاتم أطباء العرب من وصف علاج ناقة الإعرابي ما تكلفه هذا الخليفة لما كانوا يعشرونه, وكان مع هذا يأكل في كل أسبوع أكلة ويقول في خطبته: إنما بطني شبر في شبر, وعندي ما عسى يكفيني. فقال فيه الشاعر: لو كان بطنك شبرا وقد شبعت وقد ... أفضلت فضلا كثيرا للمساكين فإن تصبك من الأيام جانحة ... لا نبك منك على دنيا ولا دين وأما قس, فهو قس بن ساعدة بن حذاقة بن زهير بن أياد بن نزار الإيادي وكان من حكماء العرب, وأعقل من سمع به منهم, وهو أول من كتب من فلان إلى فلان, وأول من أقر بالبعث من غير علم, وأول من قال: أما بعد وأول من قال: البينة على من أدعى واليمين على من أنكر. وقد عمر مائة وثمانين سنة. قال الأعشى: وأبلغ من قس وأجرى من الذي ... بذي الغسيل من خفان أصبح خادرا

стр. 337

وأخبر عامر بن شراحيل الشعبي عن عبد الله بن عباس: أن وفد بكر بن وائل قدموا على رسول الله ﵌, فلما فرغ من حوائجهم قال: هل فيكم أحد يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا كلنا نعرفه, قال: فما فعل؟ قالوا: هلك, فقال ﵌: كأني به على جبل أحمر بعكاظ قائما يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا, كل من عاش مات, وكل من مات فات, وكل ما هو آت آت. أن في السماء لخبرا, وأن في الأرض لعبرا. مهاد موضوع, وسقف مرفوع, وبحار تموج, وتجارة لن تبور. ليل داج, وسماء ذات أبراج. أقسم قس حقا لئن كان في الأمر رضى ليكونن بعده سخط. مالي أرى الناس يموتون فلا يرجعون؟ أرضوا؟ أم تركوا فناموا؟.. ثم أنشد أبو بكر رضي الله تعالى عنه شعرا حفظه له وهو قوله: في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... يسعى الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إلي ... ولا نم الباقي غابر أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر وأما باقل, فهو رجل من ربيع, وقيل من أياد. يقال: أنه أشترى ظبيا بأحد عشر درهما, فمر بقوم فقالوا له: بكم اشتريت الظبي. فلم يقدر على الكلام, فمد يديه ونشر أصابعهما, ودلع لسانه مشيرا يردي أحد عشر, وخلى الظبي فشرد. ومنه قول بعضهم: عشن بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود عش بجد وكن هبنقة القي ... سي نوكا أو شيبة بن الوليد يشير إلى حمق هبنقة المضرب به المثل واسمه يزيد بن ثروان, ويلقب بذي الودعات, أحد بني قيس بني ثعلبة, وبلغ من حمقه أنه ضل له بعير فجعل ينادي: من وجد بعيري فهو له, فقيل له: فلم تنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان؟. ومن حمقه أنه اختصمت الطفاوة وبنو راسب إلى عرباض في رجل ادعاه هؤلاء وهؤلاء, فقال الطفاوة: هذا من عرافتنا, وقال بنو راسب: بل هو من عرافتنا, ثم قالوا: رضينا بأول من يطلع علينا؟ فلما دنا قصوا عليه قصتهم فقال هبنقة: الحكم عندي, أن يذهب به إلى نهر البصرة فيلقى فيه, فإن كان راسبيا رسب فيه, وإن كان طفاوياً طفا. فقال الرجل: لا أريد أن أكون واحد من هذين الحيين, ولا حاجة لي بالديوان. ومن حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودعة وعظام وخزف, وهو ذو لحية طويلة, فسئل عن ذلك فقال: لا عرف بها نفسي, ولئلا أضل. فبات ذات ليلة وأخذ أخوه قلادته فتقلدها, فلما أصبح ورأى القلادة في عنق أخيه قال: يا أخي أنت أنا فمن أنا؟. ومن حمقه أنه كان يرعى غنم أهله, فيرعى السمان في العشب, وينحي المهازيل, فقيل له: ويحك ما تصنع؟ قال: لا أفسد ما أصلح الله, ولا أصلح ما أفسده. ولنكتف من شواهد التلميح بهذا المقدار فإنه باب لا ينتهي حتى ينتهي عنه, ونورد الآن أبيات البديعيات. فبيت بديعية الصفي الحلي قوله: إن ألقها تتلقف كلما صنعوا ... إذا أتيت بسحر من كلامهم التلميح فيه هو الإشارة إلى قصة موسى ﵇ مع السحرة لما ألقى العصا. وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله: وتقرع السمع عن حق زواجره ... قرع الرماح ببدر ظهر منهزم وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: وبان في كتب التاريخ من قدم ... تلميح قصة موسى مع معدهم قال ابن حجة: لم ألمح من خلال بيت الشيخ عز الدين غفر الله له لمحة تلدني على نور التلميح, لكنه ساق حكاية مضمونها: أن كتب التاريخ القديمة بان فيها تلميح قصة موسى ﵇ مع معد, والله أعلم. انتهى, وهو في محلة. وبيت بديعية ابن حجة قوله: ورد شمس الضحى للقوم خاضعة ... وما ليوشع تلميح بركبهم قد تقدم أن هذا التلميح استعملته الشعراء كثيرا في أقوالهم, أعني التلميح برد الشمس ليوشع, فما زاد ابن حجة عليهم بشيء يعلم, إلا بإعجابه بنظمه له, وتزكيته لنفسه بما تمجه الأسماع, وتنفر عنه الطباع. وبيت بديعة الطبري قوله: بمعجزات أتت كم أبهرت خصما ... كشاة خيبر تلميحا بعجزهم

стр. 338

التلميح فيه إلى قصة الشاة التي أهدتها اليهودية إليه ﵌ بخيبر, وكانت قد صلتها وسمتها, فأكل منها وأكل القوم, فقال: أرفعوا أيديكم فأنها أخبرتني أنها مسمومة, والقصة مشهورة. وبيت بديعيتي هو قولي: تلميحه كم شفى في الخلق من علل ... وما لعيسى يد فيها فلا تهم التلميح فيه هو الإشارة إلى إبراء عيسى ﵇ للمرضى. قال البغوي في تفسيره: قال وهب: ربما اجتمع على عيسى ﵇ من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا, من أطاق منهم أن يبلغه بلغه, ومن لم يطق مشى إليه عيسى. وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان. وأما إبراء نبينا ﵌ للمرضى فقد وردت به روايات كثيرة. روي أن عين قتادة بن النعمان أصيبت يوم أحد حتى وقعت على وجنته, فردها صلى الله عليه وآله, فكانت أحسن من عينه. وبصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد, قال: فما ضرب علي ولا قاح. وروى النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا رسول الله, أدع الله أن يكشف لي عن بصري, قال: فانطلق فتوضأ, ثم ﷺ ركعتين, ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة. يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصري. اللهم شفعه في. قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره. وروي أن ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء, فبعث إلى النبي ﵌, فأخذ بيده جثوة من الأرض, فتفل عليها ثم أعطاها رسوله. فأخذها متعجبا يرى أن قد هزئ به, فأتاه بها - وهو على شفا - فشربها فشفاه الله. وذكر العقيلي عن حبيب بن فديك - يقال: فويك - أن أباه ابيضت عيناه, فكان لا يبصر بهما شيئا, فنفث رسول الله ﵌ في عينه فأبصر, فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين. ورمي كلثوم بن الحصين يوم أحد في نحره, فبصق رسول الله ﵌ فيه فبرأ. وتفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تمد. وتفل في عيني علي يوم خيبر وكان رمدا فأصبح بارئا. ونفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع يوم خيبر فبرئت. وفي رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب (حين قتل ابن الأشرف) فبرئت. وعلى ساق علي بن الحكم يوم الخندق إذ انكسرت فبرأ مكانه وما نزل عن فرسه. واشتكى عليه بن أبي طالب ﵇ فجعل يدعو, فقال رسول الله ﵌: اللهم اشفه (أو عافه) , ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك الوجع بعد. وقطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء. فجاء يحمل يده, فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وآله, وألصقها فلصقت. رواه ابن وهب. ومن روايته أيضاً, أن حبيب بن يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله ﵌ بضربة على عاتقه, حتى مال شقه, فرد رسول الله ﵌ ونفث عليه حتى صح. وأتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم, فأتي بما فمضمض فاه, وغسل يديهن ثم أعطاها إياه وأمره بسقيه, ومسه به, فبريء الغلام وعقل عقلا يفضل عقول الناس. وعن ابن عباس, جاءت امرأة بابن لها به جنون, فسمح صدره فثع ثعة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود وشفي. وانكفأ القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل, فسمح عليه ودعا له, وتفل فيه فبريء لحينه. وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة تمنعه من القبض على السيف وعنان الدابة, فشكاها للنبي ﵌ فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثر. وسألته جارية طعاما وهو يأكل, فناولها من بين يديه - وكانت قليلة الحياء - فقالت: إنما أريد من الذي في فيك, فناولها ما في فيه - ولم يكن يسأل شيئاً فيمنعه - فلما استقر في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم يكن امرأة بالمدينة أشد حياء منها. وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: أهل الفضائل سيماهم تبين ولا ... سيماهم وهي نور في وجوههم

стр. 339

وقال ناظمة في شرحه: معناه هم أهل الفضائل (سيماهم تبين) أي تظهر. ولا سيماهم: الأصل, ولاسيما, بياء متحركة, وهي مركبة من سي, وما؛ يستثنى بها؛ فسكنت الياء بضرورة الشعر وهو جائز؛ والضمير المتصل يعود إلى الصحابة. وقوله: وهي نور في وجوههم, يعين أثر السجود. وفي البيت التجنيس الملفق. انتهى كلامه, وكأنه يريد التلميح إلى قوله تعالى (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) . العنوان وآدم إذ بدا عنوان زلته ... به توسل عند الله في القدم العنوان بضم وقد يكسر, والأول أفصح. قال أبو الهيثم: أصله عنان كرمان, فلما كثرت النونات قلبت إحداهما واوا. ومن قال: علوان, جعل النون لاما, لأنها أخف وأظهر من النون. قال: وكلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له. قال: وعننت الكتاب, وعنيته, وعنونته, وعلونته بمعنى واحد. قال: وسمي عنوان الكتاب عنوانا لأنه يعزله نم ناحيته. وقال الجوهري: ويقال: عينان. وقال الليث: العلوان لغة في العنوان غير جيدة. قال في المصباح: وعنوان كل شيء ما يستدل به عليه, ويظهره. وفي اصطلاح البديعيين قال ابن أبي الإصبع: هو أن يأخذ المتكلم في غرض فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة في ألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدمة وقصص سالفة. ومنه نوع عظيم جدا, وهو عنوان العلوم, بأن يذكر في الكلام ألفاظ تكون مفاتيح لعلوم ومداخل لها. فمن الأول قوله تعالى (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) الآية, فإنه عنوان قصة بلعام. ومن الثاني قوله تعالى (انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب) الآية فيها عنوان علم الهندسة, فإن الشكل المثلث أول الأشكال, وإذا نصب في الشمس على أي ضلع من أضلاعه لا يكون له ظل, لتحديد رؤوس زواياه. فأمر الله تعالى أهل جهنم بالانطلاق إلى ظل هذا الشكل تهكما بهم. وقوله (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) الآيات, فيها عنوان علم الكلام, وعلم الجدل, وعلم الهيئة. انتهى. وكثيرا ما يقع هذا النوع في أشعار المتقدمين بخلاف أقوال المتأخرين. فمن ذلك قول أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان وقد كتب إليه بعض إخوانه يوصيه بالصبر, وأجابه بقوله: ندبت لحسن الصبر قلب نجيب ... وناديت للتسليم خير مجيب ولم يبق مني غير قلب مشيع ... وعود على ناب الزمان صليب وقد علمت أمي بأن منيتي ... بحد سنان أو بحد قضيب كما علمت من قبل أن يهلك ابنها ... بمهلكه في الماء أم شبيب فهذا عنوان لخبر أم شيب الخارجي. فإنها كانت قد رأت أنها ولدت نارا, فلم تزل النار تشتعل حتى بلغت السماء وعمت بضيائها أقطار الأرض ثم وقعت في ماء فطفئت. وكان إذا قيل لها: أن ابنك قتل لم تصدق, وإذا قيل لها: إنه مات قالت: لا, فلما قيل لها: أنه غرق, ناحت عليه. وكان وثب به فرسه في دجلة من أعلى الجسر فوقع في الماء, وأثقله الحديد الذي عليه فغرق. وحكي أن أصحاب الحجاج غاصوا عليه فأخرجوه من الماء, وشقوا بطنه, واستخرجوا قلبه فوزنوه فكان سبعة أرطال, ويقال: أنهم كانوا يضربون فيه الأرض فيطفر, وإن أحدهم كان يغمزه بأصبعه فيجده كالحجر صلابة, وحديثه معروف. ومن هذه القصيدة أيضا: تحملت خوف العار أعظم خطة ... وأملت نصرا كان غير قريب وللعار خلى رب غسان ملكه ... وفارق دين الله غير مصيب

стр. 340

هذا أيضاً من نوع العنوان, فإنه يشير إلى قصة جبلة بن الأيهم, وهو آخر ملوك غسان, وهو بن الأيهم بن الحارث الغساني, وهو أول من ملك الشام من آل غسان, وكان طوالا, يقال: أن طوله كان اثني عشر ذراعا. وكان من خبره أنه قدم إلى عمر ليسلم, فخرج في خمسمائة فارس من عكل وجفنة. فلما قربوا من المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوجة بالذهب, والخز الأصفر, وحملهم على الخيل, وقلدها قلائد الفضة والذهب, ولبس تاجه, وفيه قرطا مارية, فلم يبق في المدينة إلا من خرج إليه. وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه. ثم حضر الموسم مع عمر, فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ أزاره رجل من فزارة فحله, فالتفت إليه مغضبا فلطمه فهشم أنفه, فاستعدى عليه الفزاري عمر, فقال له: ما دعاك إلى لطم أخيك؟ قال: إنه وطئ أزاري, ولولا حرمة البيت لأزلت الذي فيه عيناه. فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت, فأما أن ترضيه, وأما أن أقيده منك. قال: أتقيده مني وهو سوقه؟ قال: قد شملك وإياه الإسلام, فما تفضله إلا بالعافية, قال: قد رجون أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية, قال: وهو ذاك, قال: إذن أتنصر, قال: إذا تنصرت ضربت عنقك. واجتمع وفد فزاره, ووفد جبلة حتى كادت تكون فتنة. فقال جبلة: أنظرني إلى غد أنظر في أمري, قال: ذلك إليك. فلما جنح الليل خرج في قومه من عكل وجفنة, فتنصر وقدم على هرقل, فأعظم هرقل قدومه وسر به, وأقطعه الأموال والرباع. فلما بعث عمر رسوله إلى هرقل يدعوه للإسلام, وأجابه إلى المصالحة, قال للرسول: ألقيت ابن عمك الذي أتانا في ديننا؟ قال: لا, قال: ألقه ثم ائتني وخذ الجواب مني. قال: فذهبت إليه فوجدت على بابه هيبة وجمعا ما رأيت مثله على باب هرقل, فلما أذن لي دخلت عليه فإذا هو على سرير من ذهب, أربع قوائمه أسد من ذهب, وعليه ثياب صفر, وعلى رأسه تاج فيه قرطا مارية. فلما رآني رحب بي وأكرمني وقال: أجلس على ذلك الكرسي, فاستعفي لمكان الذهب, فضحك وقال: إذا طهر قلبك فلا تبالي ما لبست, وعلى ما جلست, فقلت له: إن رسول الله ﵌ نهى عن ذلك. ثم أشار إلى خادم, فما كان أسرع من أن جاء ومعه وصائف يحملن صناديق الأطعمة, فوضعت, ثم أتي بمائدة من ذهب عليها صحائف الفضة, وأتيت بطبق من خيزران, وبآنية من الخلنج والزجاج. فلما رفعنا أيدينا, أتي بطست وكوز من ذهب فشرب به خمسة. ثم وضعت بين يديه كراسي عشرة فجلست عليها جوار مثل الدمى, وجاءت جارية في يمينها جام ذهبي, وفي شمالها جام فضي, وعلى رأسها حمام أبيض مزخرف, فوضعت الجامين, فإذا في الذهبي ماء ورد, وفي الفضي سحيق المسك. ثم نفرت الحمام, فوقع في ذلك مرة, وفي هذا أخرى. ثم طار بما لزق بجناحيه من ماء الورد والمسك حتى وقع على تاجه فانتفض. ثم أقبل جبلة على الجواري فقال: أطربنني, فتغنين بقولهم: لله در عصابة نادمتهم ... يوما بجلق في الزمان الأول يسقون من ورد البريص عليهم ... راح تصفق بالرحيق السلسل أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الجواد المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل فضحك ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا, قال: حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﵌, وأول الأبيات المذكورة (أسألت رب الدار أم لم تسأل) : ثم ألتفت إلى الجواري وقال: ابكينني, فتغنين بقولهم: تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو تجافيت من ضرر تداخلني فيها لجاج ونخوة ... فكنت كمن باع السلامة بالغرر فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي في الشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر فبكى حتى بل لحيته. ثم سألني عن حسان, قلت: عمي وقلت ذات يده, فدعى بخمسمائة دينار هرقلية وخمسة أثواب, ونزع جبة كانت عليه, وقال: أدفعها إليه. فلما وفدت على عمر وقصصت عليه القصص, وأنه بعث معي إلى حسان كذا وكذا قال: أدع حسانا ولا تعلمه, فلما دخل حسان قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين, إني لأجد روائح آل جفنة, قال له: نعم قد آتاك على رغم أنفه معونة. فأخذها وخرج وهو يقول:

стр. 341

أن ابن جفنة من بقية معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللوم لم ينسني بالشام إذ هو ربها ... كلا ولا متنصرا بالروم يعطي الجزيل ولا يراه عطية ... إلا كبعض عطية المحروم وحكي أن حسان دخل يوما على جبلة فقال له: قد دخلت علي ورأيتني ورأيت النعمان فكيف وجدتنا؟ فقال: والله لشمالك أندى من يمينه, ولقفاك أحسن من وجهه, وأمك خير من أبيه. وفي خبر رسول عمر المذكور, إنه لما سمع جبلة يصلي على النبي ﵌, طمع في إسلامه فقال له (ويحك يا جبلة الإسلام فقد عرفته وفضله) فقال: أبعد ما كان مني؟ قلت: نعم قد فعل رجل من فزارة أكثر مما فعلت, أرتد وضرب وجه المسلمين, ثم أسلم وقبل منه, فقال: زدني من هذا, إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته, ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام. فضمنت له التزويج, ولم أضمن له الخلافة. قال: فرجعت إلى عمر فأخبرته, فقال: هلا ضمنت له الأمر, فإذا أسلم قضى الله علينا بحكمه. ثم جهزني عمر إلى قيصر وأمرني أن أضمن لجبلة الشرط, فقدمت القسطنطينية فوجدت الناس منصرفين من جنازته, فعملت أن الشقاء قد سبق عليه. ومن قصيدة أبي فراس المذكورة: ولم يرتغب في العيش عيسى بن مصعب ... ولا خف خوف بالحرون حبيب وهذا عنوان لخبر عيسى بن مصعب بن الزبير, فإنه كان في حرب عبد الملك بن مروان مع أبيه وهو غلام حدث فقال له أبوه: انج بنفسك, فقال: ما كنت لأفارقك. فتقدم فقاتل حتى قتل بين يديه. والحرون, هو حبيب بن المهلب بن أبي صفرة, وسمي الحرون لثباته في الحرب. ومنه قوله أيضاً وقد أسرته الروم وساموا فداءه, فكتب إلى سيف الدولة (يسأله أن يفديه) قصيدة أولها: دعوتك للجفن القريح المسهد ... لدي وللنوم الطريد المشرد أناديك لا أني أخاف من الردى ... ولا أرتجي تأخير يوم إلى غد وما ذاك بخلا بالحياة وإنها ... لأول مبذول لأول مجتدي وما الأسر مما ضقت ذرعا بحمله ... وما الخطب مما أن أقول له قدى وما زال عني أن شخصي معرض ... لنبل العدى إن لم يصب فكأن قد ولكنني أختار موت بني أبي ... على صهوات الخيل غير موسد إلى أن قال: دعوتك والأبواب ترتج دوننا ... فكن خير مدعو وأكرم منجد فمثلك من يدعى لكل عظيمة ... ومثلي من يفدى بكل مسود ولا تقعدن عني وقد سيم فديتي ... فلست عن الفعل الكريم بمقعد فإن مت بعد اليوم عابك مهلكي ... معاب الزرازيين مهلك معبد هم عضلوا عنه الفداء فأصبحوا ... يهذون أطراف القصيد المقصد ولم يك بدعا هلكه غير أنهم ... يعابون إذ سيم الفداء مما فدي هذا عنوان لواقعة معبد بن زرارة التميمي أخي حاجب بن زرارة, وذلك أن بني عامر بن صعصعة كانوا قد أسروه فأشترى نفسه بأربعمائة بعير, فأبى أخوه لقيط أن يبذلها فيه, واعتذر بأن أباه أوصاه أن لا تطعموا العرب أثمان بني زرارة, فحبسه بنو عامر بن صعصعة حتى مات في الأسر, فندم أخوه لقيط, وانشأ فيه المراثي. وما أحسن قول أبي فراس بعد هذا: فإن تفتدوني تفتدوا لعلاكم ... فتى غير مردود اللسان ولا اليد وأن تفتدوني شرق العدى ... أسرع عواد إليها معود يدافع عن أحبابكم بلسانه ... ويضرب عنكم بالحسام المهند متى تخلف الأيام مثلي لكم فتى ... طويل نجاد السيف رحب المقلد وقال فيها يخاطب سيف الدولة: فيا ملبسي النعمى التي جل قدرها ... لقد أخلقت تلك الثياب فجدد ألم تر أني فيك صافحت حدها ... وفيك شربت الموت غير مصرد وفيك لقيت الألف زرقا عيونها ... بسبعين فيهم كل أشأم أنكد يقولون جنب عادة ما عرفتها ... عسير على الإنسان ما لم يعود فقلت أما والله لا قال قائل ... شهدت له في الرب ألأم مشهد وبكر سألقاها فإما منية ... هي الظن أو بنيان عز موطد وهذا النوع في شعر أبي فراس كثير, ومنه قوله أيضا: جمعت سيوف الهند من كل بلدة ... وأعددت للهجاء كل مجاهد وأكثرت للغارات بيني وبينهم ... بنات البكيريات حول المذاود إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الزرايا من وجوه الفوائد

стр. 342

فقد جرت الحنفاء حتف حذيفة ... وكان يراها عدة للشدائد الحنفاء: فرس حذيفة بن بدر الفزاري, وهذا عنوان لخبره معها. فإن الحنفاء كان حافرها كبيرا جدا ولم ير حافر مثله, فلما كان يوم الهباءة انهزم حذيفة عليها, فلم يدر أين توجه. فقال قيس بن زهير: اتبعوا أثر الحنفاء, فتبعوه حتى لحقوه بماء الهباءة, فقتل هو وجماعة من أهله, وكانت الحفناء سبب قتله. وقال بعده: وجرت منايا مالك بن نويرة ... عقيلته الحسناء أيام خالد يشير إلى حكاية مالك بن نويرة مع خالد بن الوليد. فإن مالكا لما أمتنع أن يؤدي الصدقات إلى أبي بكر أنفذ إليه خالد بن الوليد. فيذكر أن خالدا أعطاه الأمان, فلما رأى امرأة مالك أعجبته وكانت ذات جمال, فقتل مالكا وتزوج بها وبنى عليها من ليلته, والقضية في ذلك مشهورة. وقال بعده: وأردى ذؤابا في بيوت عتيبة ... أبوه وأهله بشدو القصائد يشيير إلى خبر ذؤاب بن ربيعة قاتل عتيبة بن الحارث اليربوعي, وذلك أن بني يربوع أسروا ذؤابا ولم يعلموا أنه قاتل عتيبة, وباعوه من أبيه إلى وقت, فجاء أبوه, وتخلف اليربوعيون لمانع منعهم, فظن أبو ذؤاب أنهم قتلوه بعتيبة. فقال أشعارا منها قوله: إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب فبلغ اليربوعيين الشعر فقالوا: إنك لقاتل عتيبة؟ فقتلوه. ومنه قول الفرزدق يخاطب جريرا من قصيدة هجاه بها: وإني لأخشى لو خطبت إليهم ... عليك الذي لاقى يسار الكواعب وهذا عنوان لخبر يسار المضروب به المثل. قال أبو عبيدة: إنه عبد لبني غدانة بن يربوع, أراد مولاته على نفسها, فنهته مرة بعد مرة, فلما أبى إلا طلبها أطعمته في نفسها, وأوعدته أن يأتيها ليلا. فأخبر بذلك عبدا كان معه فقال: يا يسار كل من لحم الحوار, واشرب من لبن الغزار, وإياك وبنات الأحرار. فلم يستمع منه, وأتى مولاته بموعدها, وقد أعدت له موسى فلما دخل عليها قالت: إني أريد أن أدخنك فإنك منتن الريح, قال: افعلي ما بدا لك, ثم أدخلت تحته مجمرة وقبضت على مذاكيره فبترتها, فلما وجد حر الحديد قال صبراً على مجامر الكرام, فذهبت مثلا. وزعم ابن الكلبي: أن يسار الكواعب, كان عبدا للجبابن حنظلة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة - وليس في العرب أسلم إلا هذا, وأسلم بن القيانة بن عك, وكل شيء في العرب أسلم - وإن يسارا تعشق الرائقة بنت الجبا, بنت مولاه, فخضع لها بالقول فزبرته, فشكا عشقها إلى رفيقه وكان يرعى معه فقال: يا يسار كل لحم الحوار, أشرب لبن العشار, وإياك وبنات الأحرار. فعصاه, وخضع لها ثانية فضحكت إليه, فرجع فقال لصاحبه فأعاد عليه القول الأول ونهاه, ثم عاد إليها وخضع لها فقالت له: ائت مرقدي الليلة, فصار إليها وقد أحدت له موسى, فلما جاء قالت: إن للحرائر طبيبا فإن صبرت عليه أمكنتك من نفسي, فقال: شأنك, فجبته وجدعت أذنيه وشفتيه, فوقع مغشيا عليه, فلم تزل تضربه بالعصي حتى أفاق. فرجع إلى صاحبه مجدوعا, فضرب به العرب المثل. ومنه قوله أيضاً يجيب جريرا عن قصيدته التي هجا بها عياش بن الزبرقان بن بدر: وأن تهج آل الزبرقان فإنما ... هجوت الطوال الشم من هضب يذبل وقد نبح الكلب النجوم دونه ... فراسخ تنضي الطرف للمتأمل لهم وهب الجبار بردي محرق ... لعز معد والعديد المحصل

стр. 343

يريد بالجبار المنذر بن ماء السماء, وهي أمهن وأبوه امرؤ القيس, وابنه محرق وهو عمرو بن المنذر. ذكروا أن المنذر أبرز سريره وقد اجتمعت عنده وفود العرب, فدعا ببردي ابنه المحرق فقال: ليقم أعز العرب قبيلة, وأكثرهم عددا فليأخذ هذين البردين. فقام عامر بن أحيمر بن بهدلة فأخذهما فأتزر بواحد وارتدى الآخر. فقال له المنذر: ما أنت أعز العرب قبيلة, وأكثرهم عدد. قال: العز والعدد من العرب في معد, ثم في نزار, ثم في مضر, ثم في خندف, ثم في سعد, ثم في كعب؛ ثم في عوف؛ ثم بهدلة؛ فمن أنكر هذا في العرب فلينافرني. فسكت الناس, فقال المنذر عند ذلك لعامر: هذي عشيرتك ما تزعم, فكيف أنت في أهل بيتك وفي بدنك؟ قال: أنا أبو عشرة, وعم عشرة, وخال عشرة, وأخو عشرة, يعينني الأكابر على الأصاغر, والأصاغر على الآكابر. فأما قولك: كيف أنت في بدنك, فشاهد العز شاهدي, ثم وضع قدمه على الأرض وقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل, فلم يقم إليه أحد من الناس. فذهب بالبردين, فسمي ذو البردين. فقال الزبرقان بن بدر: وبردا ابن ماء المزن عمي اكتساهما ... لعز معد حين عدت محاصله رآه كرام الناس أولاهم به ... ولم يجدوا في غيرهم من يعادله ومما وقع من نوع العنوان في الغزل قول الأرجاني: ما في جفائكم إذا أنا لم أخن ... سبب يعاف حديثه ويعاب سخط النبي على البريء وما درى ... مما جناه الآفك الكذاب حتى استبان له بوحني نازل ... أن الذي قال الوشاة كذاب يشير إلى واقعة الإفك على عائشة. وكان من أمرها أن رسول الله ﵌ لما أقبل من غزوة بني المصطلق, حتى إذا كان قريبا من المدينة قال أهل الإفك في عائشة أم المؤمنين ما قالوا. وحدثت, قالت: كان رسول الله ﵌ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه, فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزوة بني المصطلق خرج سهمي عليهن, فخرج بي رسول الله ﵌. وكان الناس إذ ذاك خفافا, إنما يأكلن العلق لم يهجهن اللحم فيثقلن. وكنت إذا رحل بي بعيري جلست في هودجي, ثم يأتي القوم ويحملونني, ويأخذون بأسفل الهودج ويرفعونه ويضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله, ثم يأخذون برأس البعير وينطلقون به. فلما فرغ رسول الله ﵌ من سفره ذلك, ونزل منزلا قريبا من المدينة فبات به بعض الليل, ثم أذن في الناس بالرحيل, فارتحل الناس, وخرجت لحاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار, فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري. فلما رجعت إلى الرحل ذهبت التمسه في عنقي فلم أجده - وقد أخذ الناس في الرحيل - فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته. وجاء القوم الذين كانوا يرحلون لي البعير - وقد فرغوا من رحلته - فأخذوا الهودج وهم يظنون أنني فيه كما كنت أصنع, فاحتملوه وشدوه على البعير, ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به. ورجعت إلى المعسكر وما فيه من داع ولا مجيب, فتلففت بجلبابي, واضطجعت في مكاني, وعرفت أن لو افتقدت لرجع إلي. فو الله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي - وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس - فرآى سوادي فأقبل حتى وقف علي - وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب - فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون, ظعينة رسول الله ﵌ وأنا متلففة في ثيابي - قال: ما خلفك رحمك الله؟ قالت: فما كلمته, ثم قرب البعير فقال: أركبي - واستأخر عني - فركبت, وأخذ برأس البعير وأنطلق حتى أصبحت, ونزل الناس, فلما أطمأنوا طلع الرجل يقود بي, فقالوا أهل الإفك ما قالوا, فارتج العسكر, ووالله ما أعلم بشيء من ذلك.

стр. 344

ثم قدمنا المدينة, فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة, ولا يبلغني من ذلك شيء, وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﵌ وإلى أبوي, لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا. إلا أنني قد أنكرت من رسول الله ﵌ بعض لطفه بي, فكنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي, فلم يفعل بي ذلك في شكواي, فأنكرت ذلك منه. وكان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال: كيف تيكم؟ ولا يزيد على ذلك, حتى وجدت في نفسي حين رأيت ما رأيت من جفائه, فقلت: يا رسول الله لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني؟ قال: لا عليك, فانتقلت إلى أمي, ولا أعلم بشيء مما كان, حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة. وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم, نعافها ونكرهها إنما كنا نذهب في فيح المدينة. وإنما كان النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن, فخرجت ليلة في بعض حاجتي, ومعي أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح, فقلت: بئس ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا, قالت: أو ما بلغت الخبر يا بنت أبي بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك, قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان. قالت: فو الله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت. فو الله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع في كبدي, وقلت لأمي: يغفر الله لك, تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: أي بنية خفضي عليك الشأن, فو الله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها, لها ضرائر, إلا كثرن وكثر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله ﵌ في الناس وخطبهم - ولا أعلم بذلك - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي, ويقولون عليهم غير الحق, والله ما علمت منهم إلا خيرا ويقولون ذاك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا, وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي. قالت: وكان قد كثر ذلك عند عبد الله بن أبي, في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش, ولم يكن من نسائه امرأة تناصيني في المنزلة غيرها. فأما زينب فعصمها الله بدينها, فلم تقل إلا خيرا, وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت, تضار بي لأختها فشقيت بذلك. فلما قال رسول الله ﵌ تلك المقامة قام أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله أن يكونوا من الأوس نكفيكهم, وأن يكونوا من أخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك, فو الله أنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد ابن عبادة فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم, أم والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك عرفت أنهم من الخزرج, ولو كانوا من قومك ما قلت هذه المقالة, فقال أسيد: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: وتساور الناس حتى كاد يكون بين هذيين الحيين من الأوس والخزرج شر. ونزل رسول الله ﵌ فدعا علي بن أبي طالب ﵇ وأسامة بن زيد فاستشارهما, فأما أسامة فأثنى خيرا ثم قال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا, وهذا الكذب والباطل. وأما علي فإنه قال: يا رسول الله أن النساء لكثير, وإنك لمقتدر أن تستخلف, وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله ﵌ بريرة ليسألها فقام لها علي وهو يقول: أصدقي رسول الله ﵌ فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا, إلا إني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام فتأتي الشاة فتأكله. قلت وورد عن علي ﵇ أنه قال: طلقها يا رسول الله. قال الشيخ محمد القابلي: وما أراد بذلك تنقيص قدرها, وإنما تعارض في حقه أمران مشكلان: إضرار عائشة بالطلاق, وإضرار النبي ﵌ بما نزل به من الأمر العظيم في شأن الإفك, والقاعدة فيما إذا تعارض إضراران, أن يرتكب أخفهما, ولاشك أن إضرار عائشة هو الأخف, فأراد راحته ﵌ مما حصل عنده, وعلم أنه ولابد أن ينزل عليه ﵌ في ذلك شيء, لأنه يعتقد نزاهتها وعظيم قدرها, وإن له ﵌ سبيلا إلى مراجعتها.

стр. 345

قالت عائشة: ثم دخل علي رسول الله ﵌ وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار, وأنا أبكي وهي تبكي معي, فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله, فإن كنت قارفت سوء مما يقول الناس فتوبي إلى الله, فإن الله يقبل التوبة من عباده. قالت: فو الله ما هو إلا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا, وانتظرت أبوي أن يجيبا عني فلم يتكلما. قالت: وأيم الله لأنا كنت أحقر نفسي وأصغر شأنا أن ينزل الله فيّ قرآنا يتلى في المسجد ويصلى به, ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﵌ في نومه شيئاً يكذب الله به عني لما يعلم من برائتي, أو يخبر خبرا. فأما قرآن ينزل فيّ فو الله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك. قالت: فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله ﵌؟ فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه. قالت: ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام. فلما استجمعا عليّ استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله, لا أتوب إلى الله عما ذكرت أبدا, والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس - والله يعلم أني منه بريئة - لأقولن ما لم يكن, ولئن أنا أنكرت ما يقول الناس لا يصدقونني. ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت: ولكني أقول كما قال أبو يوسف (فصبر جميل ولله المستعان على ما تصفون) . قالت: فو الله ما برح رسول الله ﵌ مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه, فتسجى بثوبه, ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه. فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة, وإن الله غير ظالمي. وأما أبواي, فو الذي نفس عائشة بيده, ما سري عن رسول الله ﵌ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس. ثم سري عن رسول الله ﵌, فجلس وأنه لينحدر منه مثل الجمان في يوم شات, فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: ابشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك. فقلت: بحمد الله. ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك, ثم أمر بمسطح بن أثاثة, وحمنة بنت جحش, وحسان بن ثابت - وكانوا ممن أفصح بالفاحشة - فضربوا حدهم. قالت: ولما نزل في القرآن ذكر من قال من أهل الإفك فقال (إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما أكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) قيل: إنه حسان وأصحابه, وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه. ثم قال (لولا إذ سمعتوه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين) أي هلا قلتم إذ سمعتوه كما قال أبو أيوب الأنصاري وصاحبته أم أيوب, وذلك أنها قالت لزوجها: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ فقال بلى, وذلك الكذب, أكنت يا أم أيوب فاعلته؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله, قال: فعائشة والله خير منك. ثم قال تعالى (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) . فلما نزل هذا في عائشة قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته -: والله لا أنفق على مسطح أبدا, ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة. قالت: فأنزل الله في ذلك (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسمعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) . قالت: فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي, فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفقها وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. وكان حسان قد عرض بصفوان بن المعطل بقوله: أمس الخلابيس قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد فلما بلغ ذلك صفوان اعترض حسان فضربه بالسيف ثم قال: تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذ هوجيت لست بشاعر ولما سري عن رسول الله ﵌ قال: يا عائشة أما والله لقد برأك الله. فقالت أمي: قومي إليه, قالت عائشة: فقلت: والله لا أقوم إليه ولم أحمد إلا الله. وبيت بديعية الصفي الحلي ﵀ قوله:

стр. 346

والعاقب الحبر في نجران لاح له ... يوم التباهل عقبى زلة القدم العنوان في هذا البيت هو الإشارة إلى قصة المباهلة التي ذكرها الله سبحانه في القرآن المجيد فقال (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساؤكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنه الله على الكاذبين) . قال الإمام في تفسيره: روي أنه ﵇ لما أورد الدلائل على نصارى نجران, ثم أنهم أصروا على جهلهم قال ﵇: إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم. فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع في أمرنا ثم نأتيك. فلما رجعوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل, ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم, والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم, ولئن فعلتم لكان الاستيصال, فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم, والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل, وانصرفوا إلى بلادكم. وكان رسول الله ﵌ خرج وعليه مرط من شعر أسود, وكان احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن, وفاطمة تمشي خلفه, وعلي ﵇ خلفها, وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها, فلا تباهلوا فتهلكوا, ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثم قال: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وإن نقرك على دينك. فقال صلوات الله عليه: فإذا أبيتم المباهلة فاسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين. فأبوا, فقال: إني أناجزكم الحرب, فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة, نصالحك على أن لا تغزونا, ولا تردنا عن ديننا, على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر, وألف في رجب وثلاثين درعا عادية من حديد. فصالحهم على ذلك وقال: والذي نفسي بيده أن الهلاك قد تدلى على أهل نجران, ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير, ولاضطرم عليهم الوادي نارا, ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر, ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا. وروي أنه ﵇ لما خرج في المرط الأسود فجاء الحسن ﵁ فأدخله, ثم جاء الحسين ﵁ فأدخله ثم فاطمة, ثم علي ﵄, ثم قال (إنما يرد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) . قال: وأعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث. وابن جابر لم ينظم هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: بشرى المسيح أتت عنوان دعوته ... وقبله كل هاد صادق القدم يريد بعنوانه قوله تعالى (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) . وعن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى ﵇: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال نعم أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء, كأنهم من الفقه أنبياء, يرضون من الله باليسير من الرزق, ويرضى الله منهم باليسير من العمل. وبيت بديعية ابن حجة قوله: به العصا أثمرت عزا لصاحبها ... موسى وكم قد محت عنوان سحرهم هذا البيت عنوانه ظاهر لم يحتج إلى شرح. وبيت بديعية الطبري قوله: رجم الشياطين من عنوان بعثته ... وحين أرسل دين الكفر لم يقم والعنوان في هذا البيت ظاهر أيضاً. وبيت بديعيتي هو قولي: وآدم إذ بدا عنوان زلته ... به توسل عند الله في القدم

стр. 347

العنوان في هذا البيت هو الإشارة إلى ما ذكره الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري ﵉ في تفسيره قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) قال: لما ذلت من آدم الخطيئة وأعتذر إلى ربه وقال: يا رب تب علي وأقبل معذرتي, وأعدني إلى مرتبتي, وأرفع لديك درجتي, فلقد تبين بعض الخطيئة وذلها بأعضائي, وسائر بدني. قال الله تعالى (يا آدم أما تذكر أمر إياك بأن تدعوني بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك, وفي النوازل التي تبهظك؟ قال آدم: يا رب بلى. قال الله : فبهم, وبمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم خصوصاً فادعني, أجبك إلى ملتمسك, وأزدك فوق مرادك. فقال آدم: يا رب وإلهي قد بلغ عندك من محلهم أنك بالتوسل إليهم وبهم تقبل توبتي, وتغفر خطيئتي؟ وأنا الذي أسجدت له ملائكتك, وأبحته جنتك, وزوجته حواء أمتك, وأخدمته كرائم ملائكتك. قال الله: يا آدم إنما أمرت الملائكة بتعظيمك في السجود إذ كنت وعاء لهذه الأنوار, ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها, وأن أفطنك لدواعي عدوك أبليس حتى تحترز منها, لكنت قد جعلت ذلك, ولكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي. فالآن فبهم فادعني لأجيبك. فعند ذلك قال آدم: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين, بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم لما تفضلت بقبول توبتي, وغفران زلتي, وإعادتي من كرامتك إلى مرتبتي. فقال الله : قد قبلت توبتك, وأقبلت برضواني عليك, وصرفت الآئي ونعمائي إليك, وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي, ووفرت نصيبك من رحماتي. فذلك قوله (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) . وبيت بديعية الشيخ إسماعي المقري قوله: وحاز حدا وجاز الحد حيث دنا ... كقاب قوسين أو أدنى ولم يرم والعنوان فيه ظاهر والله أعلم. التسهيم به دعا إذ دعا فرعون شيعته ... موسى فأفلت من تسهيم سحرهم التسهم مأخوذ من البرد المسهم أي المخطط, وهو الذي يدل أحد سهامه على الذي يليه لكون لونه يقتضي أن يليه لون مخصوص بمجاورة اللون الذي قبله أو بعده منه. والمراد به في الاصطلاح, أن يؤسس الكلام على وجه يدل على بناء ما بعده, ومناسبته للمعنى اللغوي ظاهرة. وقيل: سمي تسهيما لأن المتكلم يصوب ما قبل عجز الكلام إلى عجزه. والتسهيم: تصويب إلى الغرض. ومنهم من سماه (الأرصاد) من أرصد له, بمعنى أعد أول الكلام لآخره, أو لأن السامع يرصد ذهنه لعجز الكلام بما دل عليه مما قبله. قال الشيخ صفي الدين: ومن المؤمنين من سماه (التوشيح) والتوشيح غيره, والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها, أن التسهيم يعرف به من أول الكلام آخره, ويعلم مقطعه من حشوه, من غير أن تتقدم سجعة النثر أو قافية الشعر, والتوشيح لا يعلم السجعة والقافية منه إلا بعد تقدم معرفتها. والآخر, أن التوشيح لا يدلك أوله إلا على القافية فحسب, والتسهيم يدلك تارة على عجز البيت, وطورا على مادون العجز, بشرط الزيادة على القافية. والثالث, أن التسهيم يدل تارة أوله على آخره, وطورا آخره على أوله, بخلاف التوشيح. فهذه الفروق ظاهرة. انتهى. إذا عرفت ذلك فأعلم, أن التسهيم ضربان: أحدهما ما دلالته لفظية كقوله تعالى (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) فلو وقف على (أوهن البيوت) علم أن بعده (بيت العنكبوت) . ومنه قول البحتري: أحت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام وقوله أيضا: فإذا حاربوا أذلوا عزيزا ... وإذا سالموا أعزوا ذليلا وقول القائل - وينسب إلى أمير المؤمنين علي ﵇: ولي فرس بالجهل للجهل ملجم ... ولي فرس بالحلم للحلم مسرج فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج وقول ابن هاني الأندلسي: وإذا حللت فكل واد ممرع ... وإذا ظعنت فكل شعب ما حل وإذا بعدت فكل شيء ناقص ... وإذا قربت فكل شيء كامل

стр. 348

الثاني, ما دلالته معنوية, وأحسن شواهدها, ما روي أنه حين بلغت قراءته ﵌ في سورة المؤمنين إلى قوله تعالى (ثم أنشأناه خلقا آخر) قال عبد الله بن أبي سرح: (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال له ﵌: أكتب هكذا نزل, فقال: إن كان محمد نبيا يوحى إليه, فأنا نبي يوحى إلي, ولحق مرتدا بمكة. فلما كان يوم الفتح أهدر النبي ﵌ دمه, فأستأمن له عثمان (وكان أخاه من الرضاعة) فأمنه وأسلم يومئذ. ومن غريب أمثلة هذا النوع - لأنوع التوشيح كما زعم ابن حجة وغيره لما عرفته في وجوه الفرق بينهما - ما حكى جعفر بن سعيد بن عبيدة العماري قال: أتى عمر بن أبي ربيعة عبد الله بن العباس ﵄ وهو في حلقة في المسجد الحرام قال: أمتعني الله بك, إن نفسي قد تاقت إلى قول الشعر وقد أكثر الناس في الشعر, فجئت حتى أنشدك. فأقبل عليه عبد الله بن عباس فقال: هات, فأنشده: - (تشط غد دار جيراننا) فقال ابن عباس: - (وللدار بعد غد أبعد) فقال عمر: والله ما قلت إلا كذا, فقال ابن عباس: وهكذا يكون. وقريب من ذلك ما يحكى أن عدي بن الرقاع أنشد الوليد بن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدته التي مطلعها: (عرف الديار توهما فأعتادها) حتى انتهى إلى قوله فيها: - (تزجي أغن كأن إبرة روقه) ثم شغل الوليد عن الاستماع بأمر عرض له فقطع عدي الإنشاد, فقال الفرزدق لجرير - في خلال ذلك -: ما تراه قائلا؟ فقال جرير: أراه يستلهب بها مثلا, فقال الفرزدق: إنه سيقول: - (قلم أصاب من الدواة مدادها) . فلما عاد الوليد إلى الاستماع, وعاد إلى الإنشاد قال كما قال الفرزدق. فقال الفرزدق: فو الله لقد سمعت صدر البيت فرحمته, فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدا. قال زكي الدين بن أبي الأصبع: الذي أقول: أن بين ابن العباس وبين الفرزدق في استخراجهما العجزين كما بينهما في مطلق الفضل, وفضل ابن العباس معلوم, وأنا أذكر الفرق. فإن بيت عدي بن الرقاع من جملة قصيدة تقدم سماع مطلعها مع معظمها, وعلم أنها دالية مردفة بألف, وهي من وزن قد عرف, ثم تقدم في صدر البيت ذكر ظبية تسوق خشفا لها قد أخذ الشاعر في تشبيه طرف قرنه, مع العلم بسواده, وهذه القرائن لا تخفى على أهل الذوق الصحيح, أن فيها ما يدل على عجز البيت, بحيث يسبق إليه من هو دون الفرزدق من حذاق الشعراء. وبيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته من أي ضرب هي القوافي, ولا رويه من أي الحروف, ولا حركة رويه من أي ضرب هي من القوافي, ولا رويه من أي الحروف, ولا حركة رويه من أي الحركات, فاستخرج عجزه ارتجالا في غاية العسر, ونهاية الصعوبة, لولا ما أمد الله به هؤلاء الأقوام من المواد التي فضلوا بها غيرهم. انتهى كلام ابن أبي الإصبع. وإنما قال: إن بيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته ولا رويه, لأنه هو مطلع القصيدة ولم يتقدمه شيء يعلم به ذلك. ومثل ذلك ما روي عن أبي عبيدة قال: أقبل راكب من اليمامة فمر بالفرزدق, فقال له: هل رأيت ابن المراغة؟ قال: نعم, قال: فأي شيء أحدث بعدي؟ فأنشده: هاج الهوى بفؤادك المهتاج ... فقال الفرزدق فانظر بتوضح باكر الأحداج ... فأنشد الرجل هذا هوى شغف الفؤاد مبرح ... فقال الفرزدق ونوى تقاذف غير ذات خداج ... فأنشد الرجل إن الغراب بما كرهت لمولع ... فقال الفرزدق بنوى الأحبة دائم التشحاج ... فقال الرجل: هكذا والله قال أفسمعتها من غيري؟ قال: لا ولكن هكذا ينبغي أن يقال. وحكي أن جريرا لما أنشد الراعي النميري قصيدته التي هجاه بها كان الفرزدق حاضرا, فلما وصل إلى قوله: (ترى برصا بمجمع إسكتيها) غطى الفرزدق عنفقته فقال جرير: (كعنفقة الفرزدق حين شابا) فقال له الفرزدق: أخزاك الله, والله لقد علمت أنك لا تقول غيرها. ومدح أبو الرخاء الأهوازي الصاحب بن عباد لما ورد الأهواز بقصيدة منها: إلى ابن عباد أبي القاسم ال ... صاحب إسماعيل كفاي الكفاة فاستحسن جمعه بين اسمه وكنيته لقبه واسم أبيه في بيت واحد. ثم ذكر وصوله إلى بغداد, وملكه إياها إلى أن قال: (ويشرب الخيل هنيئا بها) فقال له: أمسك, ثم قال: تريد أن تقول:

стр. 349

(من بعد ماء الري ماء الفرات) فقال: هو كذا والله, فضحك. وبيت بديعية الصفي المحلي قوله: كذاك يونس ناجى ربه فنجا ... من بطن حوت له في اليم ملتقم وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: تسهيمه في الوغى حسم لمتصل ... تسليمه في الرضا وصل لمنحس قال ابن حجة: بيت عز الدين رماه بالتسهيم في العكس فتشوش, إذ صار كل من النوعين يجاذبه. انتهى. والذي أعتقده أنا أن الشيخ عز الدين أخطأ سهم تسهيمه الغرض في هذا البيت. وبيت بديعية ابن حجة قوله: كذا الخليل بتسهيم الدعاء به ... أصابهم ونجا من حر نارهم وبيت بديعية الطبري قوله: وكل مقتحم في الحرب مبتدر ... لم يثنه ذاك عن تسهيم لحمهم ما أحق الطبري أن ينشد في هذا المقام: على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهم وبيت بديعيتي هو قولي: به دعا إذ دعا فرعون شيعته ... موسى فأخطأه تسهيم سحرهم وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: ساقي البرايا غدا ماء على قدم ... صدق فبورك من ساق على قدم التشريع لاح الهدى فهدى تشريع ملته ... لما بدا لسلوك المنهج الأهم التشريع في اللغة مصدر شرع بالتضعيف. يقال: شرع بابا إلى الطريق تشريعا, أي فتحه وبينه, كأشرعه إشراعا, وشرع الناقة تشريعا إذا أدخلها في شريعة الماء - وهي مورد الإبل على الماء - والتشريع أيضاً إيراد أصحاب الإبل إبلهم شريعة لا يحتاج معها إلى الاستقاء من البئر, ومنه حديث علي ﵇: إن أهون السقي التشريع. ومن المعنى الأول نقل الاصطلاح وهو أن تبنى القصيدة على وزنين من أوزان العروض وقافيتين, فإذا أسقط من أجزاء البيت جزء أو جزآن صار ذلك البيت من وزن آخر, كأن الشاعر شرع في بيته بابا إلى وزن آخر. ولما خفي على ابن أبي الإصبع وجه مناسبة التشبيه بين اللغوي والاصطلاحي, أو استعبده, سمى هذا النوع التوأم ليطابق بين الاسم والمسمى. قال الحافظ السيوطي في الإتقان: وزعم قوم اختصاصه بالشعر, وقال آخرون: بل يكون في النثر, بأن يبنى على سجعتين لو أقتصر على الأولى منها كان الكلام تاما مفيدا, وإن ألحقت به السجعة الثانية كان في التمام والإفادة على حاله مع زيادة معنى ما زاد من اللفظ. قال ابن الإصبع: وقد جاء من هذا الباب معظم سورة الرحمن, فإن آياتها لو اقتصر فيها على أولى الفاصلتين دون فبأي آلاء ربكما تكذبان لكان تاما مفيدا, وقد كمل بالثانية فأفاد معنى زائدا عن التقرير والتدبيج. قلت: التمثيل غير مطابق, والأولى يمثل بالآيات التي في أثنائها ما يصلح أن يكون فاصلة, كقوله (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) وأشباه ذلك. ومن أمثلته في الشعر قول بعض العرب المتقدمين: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هوج الرمال بكثبهن شمالا ألفيتنا نقري العبيط لضيفنا ... قبل القتال ونقتل الأبطالا فإنه لو اقتصر على الرمال والقتال لكان الشعر من الضرب المجزو المرفل من الكامل وهو: وإذا الرياح مع العشي ... تناوحت هوج الرمال ألفيتنا نقري العبيط ... لضيفنا قبل القتال فأما إذا أتم البيتين صارا من الضرب التام المقطوع منه, وصار لكل بيت منهما قافيتان, ومنه قول الحريري في مقاماته: يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا أف لها من دار ولا بأس بإيراد صدر المقامة المشتملة على هذه الأبيات, فإن فيه مع إيراد الشاهد على النوع بيان تشريعها, ولطف معانيها وبديعها.

стр. 350

قال: حدث الحارث بن همام قال: نبا بي مألف الوطن, في شرخ الزمن, لخطب خشي, وخوف غشي. فأرقت كأس الكرى, ونصصت ركاب السرى, وجبت في سيري وعورا لم تدمثها الخطى, ولا اهتدت إليها القطا, حتى وردت حمى الخلافة, والحرم العاصم من المخافة. فسروت إيجاس الروع واستشعاره, وتسربلت لباس الأمن وشعاره. وقصرت همي على لذة أجتنيها, وملحة أجتليها فبرزت يوما إلى الحريم لأروض طرفي, وأجيل في طرقه طرفي. فإذا فرسان متتالون, ورجال منثالون, وشيخ طويل اللسان, قصير الطيلسان, وقد لبَّبَ فتى جديد الشباب, خلق الجلباب, فركضت في أثر النظارة, حتى وافينا باب الإمارة. وهناك صاحب المعونة متربعا في دسته, ومروعا بسمته. فقال له الشيخ: أعز الله الوالي وجعل كعبه العالي, إني كفلت هذا الغلام فطيما, وربيته يتيما, ثم لم آله تعليما, فلما مهر وبهر؛ جرد سيف العدوان وشهر, ولم أخله يلتوي علي ويتقح حتى يرتوي مني ويلتقح. فقال له الفتى: علام عثرت مني حتى تنشر هذا الخزي عني؟ فو الله ما سترت وجه برك, ولا هتكت حجاب سترك, ولا ألغيت تلاوة شكرك, ولا شققت عصا أمرك. فقال له الشيخ: ويلك وأي ريب أخزى من ريبك؟ وله عيب أفحش من عيبك؟ وقد أدعيت سحري واستحلقته, وانتحلت شعري واسترقته. واستراق الشعر عند الشعراء, أفظع من سرقة البيضاء والصفراء, وغيرتهم على بنات الأفكار كغيرتهم على البنات الأبكار. فقال الوالي للشيح: وهل حين سرق سلح أم مسخ أم نسخ؟ فقال: والذي جعل الشعر ديوان العرب, وترجمان الأدب, ما أحدث سوى أن بتر شمل شرحه, وأغار على ثلثي سرحه. فقال له أنشد أبياتك برمتها, ليتضح ما احتازه من جملتها. فقال: يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار وإذا أظل سحابها لم ينتقع ... منه صدى لجهامه الغرار غاراتها ما تنقضي وأسيرها ... لا يفتدى بجلائل الأخطار كم مزدهى بغرورها حتى بدا ... متمردا متجاوز المقدار قلبت له ظهر الجن وأولغت ... فيه المدى ونزت لأخذ الثار فاربأ بعمرك أن يمر مضيعا ... فيها سدى من غير ما استظهار واقطع علائق حبها وطلابها ... تلق الهدى ورفاهة الأسرار وارقب إذا ما سالمت من كيدها ... حرب العدى وتوثب الغدار واعلم بأن خطوبها تفجا ولو ... طال المدى وونت سرى الأقدار فقال له الوالي ثم ماذا صنع هذا؟ قال: أقدم للؤمة في الجزاء, على أبياتي السداسية الأجزاء فحذف منها جزأين, ونقص من أوزانها وزنين, حتى صار الرزء فيها رزءين. فقال: بين ما أخذ ومن أين فلذ. فقال: أرعني سمعك, وأخل للتفهم عني ذرعك, حتى تتبين كيف أصلت علي وتقدر قدر اجترامه إلي. ثم أنشد وأنفاسه تتصعد: يا خاطب الدنيا الدني ... ة إنها شرك الردى دار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدا وإذا أظل سحابها ... لم ينتقع منه سدى غاراتها ما تنقضي ... وأسيرها لا يفتدى كم مزدهى بغرورها ... حتى بدا متمردا قلبت له ظهر المجن وأولغت فيه المدى فاربأ بعمرك أن يمر ... مضيعا فيها سدى واقطع علائق حبها ... وطلابها تلق الهدى وارقب إذا ما سالمت ... من كيدها حرب العدى وأعلم بأن خطوبها ... تفجا ولو طال المدى فالتفت الوالي إلى الغلام وقال: تبا لك من خريج مارق, وتلميذ سارق. فقال الفتى: برئت من الأدب وبنيه, ولحقت بمن يناويه ويقوض مبانيه, إن كانت أبياته نمت إلى علمي, قبل أن ألفت نظمي. وإنما اتفق توارد الخواطر, كما قد يقع الحافر على الحافر. انتهى ما أردنا إيراده من هذه المقامة. وأغرب ما وقع من هذا النوع ما جاء من غير قصد الشاعر, وقد وقع كثير منه في شعر المتأخرين. فمنه قول الشيخ العارف عفيف الدين التلمساني من قصيدة أولها: باكر إلى داعي الصبوح صباحا ... واجعل زمانك كله أفراحا واجل التي تجلو همومك في الدجى ... حتى ترى لظلامه مصباحا يا طالب الراحات ليس ينالها ... إلا الذي في الراح يجلو الراحا أو مغرم أعطى الصبابة حقها ... تدعوه صبوته إليه كفاحا

стр. 351

نشوان من خمر الصبا فكأنه ... غصن يميل مع الصبا مرتاحا الشاهد في البيت الأخير, فإنك إذا أسقطت من كل شطر من البيت جزء صار البيت هكذا: نشوان من خمر الصبا ... غصن يميل مع الصبا وقوله من أخرى وأولها: يا برق نجد هل حكيت فؤادي ... في ذا التلهب والخفوق البادي لولا اشتراك هواكما لم تسفحا ... دمعيكما في سفح ذاك الوادي أترى سويكنة الحمى بجمالها ... سلبت رقادك في الهوى ورقادي فإذا سقط من كل شطر من البيت الأخير جزء صار هكذا: أترى سويكنة الحمى ... سلبت رقادك في الهوى وقوله أيضاً من جملة قصيدة: مهما انثنى فأنا الطعين بقامة ... هيفاء تهزء بالقنا المياد وإذا رنا فأنا القتيل بمقلة ... نجلاء أمضى من حدود حداد فإنك إذا أسقطت من البيت الأول قوله (تهزء بالقنا المياد) ومن الثاني قوله (أمضى من حدود حداد) صار البيتان هكذا: مهما انثنى فأنا الطعين ... بقامة هيفاء وإذا رنا فأنا القتي ... ل بمقلة نجلاء وقوله أيضاً في مطلع قصيدة: بالله بلغ سلامي أيها الحادي ... إلى غزال الصريم الرائح الغادي فإنه يخرج منه بيت من منخرق المجتث وهو: بالله بلغ سلامي ... إلى غزال الصريم ومنه قول التلعفري: نهاري كله قلق وفكر ... وليلي كله أرق وذكر فإنه يخرج منه بعد إسقاط جزء من كل من الشطرين بيت وهو: نهاري كله قلق ... وليلي كله أرق وقول ابن النبيه: خذ من حديث شؤونه وشجونه ... خبرا تسلسله رواة جفونه لولا فضيحة خده بدموعه ... مازال شك رقيبه بيقينه فإن البيت الثاني يخرج منه بيت وهو. لولا فضيحة خده ... مازال شك رقيبه ومن ألطف ما وقع من هذا النوع عن قصد قول ابن جابر صاحب البديعية: يرنوا بطرف فاتر مهما رنا ... فهو المنى لا أنتهي عن حبه يهفو بغصن ناضر حلو الجنى ... يشفي الضنى لا صبر لي عن قربه لو كان يوما زائري زال العنا ... يحلو لنا في الحب أن نسمى به أنزلته في خاطري لما دنا ... قد سرنا إذ لم يحل عن صبه وهذه الأبيات من الرجز التام, وهو الضرب الأول منه, فإن تركتها كانت على حالتها من التام, وإذا أسقطت من البيت الأول (لا انتهي عن حبه) , ومن الثاني (لا صبر لي عن قربه) , ومن الثالث (في الحب أن نسمى به) , ومن الرابع (إذ لم يحل عن صبه) , صارت من الرجز المجزو. وإن أسقطت من البيت الأول (فهو المنى) إلى آخره, ومن الثاني (يشفي الضنا) إلى آخره, ومن الثالث (يحلو لنا) إلى آخره, ومن الرابع (قد سرنا) إلى آخره, صارت من الرجز المشطور. وأن أسقطت من الأول قوله (مهما رنا) ومن الثاني) (حلو الجنى) ومن الثالث (زال العنا) ومن الرابع (لما دنا) إلى آخره صار الرجز المنهوك. ومثل ذلك قول بعضهم: جمر غرامي واقد يحكي لظى ... شراره في القلب ليس ينطفي ودمع عيني شاهد على الهوى ... مدراره والوجد ما لا يختفي والنوم مني شارد لا يرتجى ... غراره فيا لطب مدنف هل في الهوى مساعد ما قد عنى ... اعذاره في حب ظبي أهيف مائل قد مائد إذا انثنى ... خطاره كالغصن المهفهف فلحظه لي صائد أن ينتضى ... بتاره هل في الجفون مشرفي قلبي عليه واجد لما نأى ... قراره بين الأسى والأسف أرغب وهو زاهد وهو المنى ... أختاره من لي به فأشتفي أسهر وهو راقد لما جفا ... نفاره عرضني للتلف وجدي عليه زائد من الجوى ... أسعاره بين الدموع الذرف ولأبي جعفر الغرناطي على أسلوب أبيات الحريري: يا راحلا يبغي زيارة طيبة ... نلت المنى بزيارة الأخيار حي العقيق إذا وصلت وصف لنا ... وادي منى يا طيب الأخبار وإذا وقفت لدى المعرف داعيا ... زال العنا وظفرت بالأوطار ولابن جابر الأندلسي: من لي بآنسة تنام لحظها ... من غير نوم بل تتيه وتفتن قالت ألست تخاف حين تزورني ... سطوات قومي كم تبوح وتعلن فأجبتها في نيل وصلك لم أكن ... لأخاف لومي فهو عندي هين ومنه قولي:

стр. 352

من مستهل دموعي يوم فرقته ... أمطرت سحبا غزارا فهي تنهمر ومن لهيب ضلوعي في محبته ... أوقدت في الحي نارا فهي تستعر وكم كتمت ولوعي خوف شهرته ... فزاد فيه اشتهارا والهوى عبر فإنه يخرج من كل بيت بيت من مجزو المجتث هكذا: من مستهل دموعي ... أمطرت سحبا غزارا ومن لهيب ضلوعي ... أوقدت في الحي نارا وكم كتمت ولوعي ... فزاد فيه اشتهارا وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: فلو رأيت مصابي عندما رحلوا ... رثيت لي من عذابي يوم بينهم فإنك إذا أسقطت من كل شطر من البيت جزء صار البيت هكذا: فلو رأيت مصابي ... رثيت لي من عذابي وابن جابر نظم هذا النوع في بيتين فقال وتكلف ما شاء: واف كريم رحيم قد وفى ووقى ... وعم نفعا فكم ضر شفى وكم فقم بنا فلكم فقر كفى كرما ... وجود تلك الأيادي قد صفا فقم قال ابن حجة - ونعم ما قال - أقول: لو اختصر العميان هذين البيتين, وأضافوهما إلى ما اختصروه من البديع لكان أجمل بهم, فإنهم أسقطوا من أنواع البديع نحو السبعين. وقصد الناظم فيهما - أعني البيتين - أنك إذا أسقطت من البيت الكلمة الموازنة (فعلن) من آخر كل نصف وهما قوله (ووقى) وقوله (وكم) صار الوزن من الضرب الأول من البسيط وهو التام, إلى الضرب الثالث منه وهو المجزو. لأنه قد حذف منه جزء من آخر كل نصف فصار: واف كريم رحيم قد وفى ... وعم نفعا فكم ضر شفى فقم بنا فلكم فقر كفى ... وجود تلك الأيادي قد صفا وهذا مع ركية وثقالة نظمه, غير المشهور من البسيط, فإنه لم يشتهر منه غير العروض الأولى المخبونة, ووزنها (فعلن) ولها ضربان, المشهور منها الأول وهو مخبون مثلها. وبيت بديعة الشيخ عز الدين الموصلي قوله: وفي الهوى ضل تشريع العذول لنا ... وكم هوى في مقال ذل من حكم هذا البيت يخرج منه بيتان أحدهما من منهوك الرجز وهو: وفي الهوى ... وكم هوى والثاني من العروض الثالثة المحذوفة المخبونة من المديد وهو: ضل تشريع العذول لنا ... في مقال ذل من حكم ولقد برز الشيخ عز الدين على من تقدمه في هذا البيت, فإن الصفي وابن جابر لم يتحصل لهما بيتان من بيت ولهذا قال في شرحه: إن هذا النمط ما وقع للمتقدمين وهو معجز ليس لأديب عليه قدرة. وقد نسج ابن حجة على منواله فقال: طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا ... عل التقا فنعمنا في ظلالهم فإنه يخرج منه بيتان أيضاً أحدهما: طاب اللقا ... على النقا والثاني: لذ تشريع الشعور لنا ... فنعمنا في ظلالهم وزاد على الشيخ عز الدين بتمام معنى البيت الأول الذي هو من منهوك الرجز, فإن بيته لا تتم به الفائدة, ولا يحسن السكوت عليه. والطبري حاك على منوال الشيخ صفي الدين فقال: تسرعوا بولائي إذ وثقت بهم ... لأن فيهم رجائي وفق شرعهم وبيت بديعيتي محوك على منوال بيتي الموصلي وابن حجة وهو: لاح الهدى فهدى تشريع ملته ... لما بدا لسلوك المنهج الأمم فإنه يخرج منه بيتان أيضاً أحدهما: لاح الهدى ... لما بدا والثاني: فهدى تشريع ملته ... لسلوك المنهج الأمم والبيت الأول أعني الذي من منهوك الرجز تام المعنى, مستقل بنفسه, يحسن السكوت عليه كبيت ابن حجة, لا بيت الموصلي. وبيت الشيخ إسماعيل المقري قوله: فلو ترى ما أقاسي لأبليت به ... هوى يهد الرواسي غير منصرم وهو كبيت الشيخ صفي الدين أيضاً يخرج منه: فلو ترى ما أقاسي ... هوى يهد الرواسي المذهب الكلامي والله لولا هداه ما اهتدى أحد ... لمذهب من كلام الله ذي الحكم هذا النوع أول من ذكره الجاحظ, وهو عبارة عن أن يأتي البليغ بحجة على ما يدعيه على طريقة المتكلمين, وهي أن تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمدعى. قال بعضهم: وإنما نسبت طريقة الاستدلال إلى المتكلمين والمتكفل ببيانها أهل الميزان, لكمال اجتهادهم في استعمال قواعد الاستدلال في المطالب الكلامية, حتى صاروا علما يضرب بهم المثل في البحث وإلزام الخصوم بأنواع الدليل.

стр. 353

وزعم الجاحظ أن هذا النوع - أعني المذهب الكلامي - لا يوجد منه شيء في القرآن, ورد بأنه مشحون به. قال العلماء: قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة. ما من برهان, ولا دلالة وتقسيم وتحديد ينهي من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطب به, لكن أورده على عادة العرب دون دقائق طرق المتكلمين, لأمرين: أحدهما, بسبب ما قاله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) . والثاني, أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلي من الكلام, فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون, لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا, فاخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة لتفهم العامة من جليها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة, ويفهم الخواص من أثنائها ما يربي على ما أدركه فهم الخطباء. ومن بديع ما ورد من هذا النوع في القرآن المجيد قوله تعالى (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد وتفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) . فإنه تعالى ذكر الدليل على فساد قول من يضيف هذه الحوادث إلى الطبع, وحرره على وجه أسقط كثيرا من الأسئلة, بأن بين أن في الأرض قطعا متجاورات يقرب بعضها من بعض, ليسقط قوله من قال: إن الأرض إذا تباعدت أطرافها اختلفت التربة, وكان منها الطيب والخبيث, لأن ذلك يبعد في المتقارب منها. وكذلك الهواء لا يمكن أن يدعى أن تغيره هو المؤثر لأن الأراضي ما لم يتباعد بعضها من بعض لا يظهر في أهويتها التغير, وكذلك الماء إذا كان واحدا لا يمكن لأحد أن يدعي أن اختلاف الأكل راجع إلى اختلاف الماء. فدل بذلك كله أنه بفعل القادر الحكيم, ﵎. فينبغي للمتأمل أن يتأمل هذا الكلام, ويتصفح كلام المتكلمين, هل لشيء منه هذا الحسن الرائع؟ فإنه تعالى جمع فيه بين حسن المعنى وشرف الموضوع, وجزالة اللفظ وعذوبته, مع جمع المقاصد الكثيرة في ألفاظ يسيرة, ربط بعضها ببعض بحيث حسم عنها مطاعن المعترض, فسبحانه من صانع عليم. ومنه قوله تعالى أيضا: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) أي الإعادة أهون وأسهل عليه من البدء, وكل ما هو أهون فهو أدخل في الإمكان. فالإعادة أدخل في الإمكان وهو المطلوب. وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ (فلما أفل قال لا أحب الآفلين) أي القمر آفل وربي ليس بآفل, فالقمر ليس بربي. وقوله تعالى: (قل فلم يعذبكم بذنوبكم) أي أنتم تعذبون والبنون لا يعذبون, فلستم ببنين له. ومما ورد منه في الحديث, ما روي عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزل قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الأقربين) صعد ﵌ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر, يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا, فجعل الرجل منهم إذا لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو. فجاء أبو لهب وقريش, فقال ﵌: يا معشر قريش, أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم, ما جربنا عليك إلا صدقا, قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فألزمهم الاعتراف أولا بأنه مخبر صادق, ليلزمهم تصديقه فيما يخبر به, ثم إذا أخبرهم حملهم اللجاج والعناد على أن لم يصدقوه. فقال أبو لهب - تبت يداه -: تبا لك لهذا جمعتنا؟ فنزلت سورة تبت. ومنه قول أمير المؤمنين علي ﵇ لما انتهت إليه أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله ﵌, قال: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير, قال ﵇: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله ﵌ أوصى بأن يحسن إلى محسنهم, ويتجاوز عن مسيئهم قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال ﵇: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم, ثم قال: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول ﵌ فقال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.

стр. 354

تقرير الاحتجاج: - لو كانت الإمارة حقا لهم لما كانت الوصية بهم, لكنها بهم فليست الإمارة لهم. بيان الملازمة أن العرف قاض بأن الوصية والشفاعة ونحوهما إنما يكون إلى الرئيس في حق المرؤوس من غير عكس. وإما بطلان الثاني فللخبر المذكور. وأما قوله ﵇: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة, فهو كلام في قوة احتجاج له على قريش بمثل ما احتجوا به على الأنصار, وتقريره: إنهم إن كانوا أولى من الأنصار لكونهم شجرة رسول الله ﵌ فنحن أولى لكوننا ثمرته, وللثمرة اختصاص بالشجرة من وجهين: أحدهما القرب وميزته ظاهرة. والثاني أن الثمرة هي المطلوبة بالذات من الشجرة وغرسها, فإن كانت الشجرة معتبرة, فبالأولى اعتبار الثمرة. وإن لم يلتفت إلى الثمرة فبالأولى لا التفات إلى الشجرة. ويلزم من هذا الاحتجاج أحد أمرين: إما بقاء الأنصار على حجتهم لقيام هذه المعارضة, أو كونه ﵇ أحق بهذا الأمر وهو المطلوب. ومنه ما حكي أن الوليد قال لأبي الأقرع: أنشدني قولك في الخمر فأنشده: كميت إذا شجت ففي الكاس وردها ... لها في عظام الشاربين دبيب تريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوب فقال الوليد: شربتها ورب الكعبة, فقال: لئن كان وصفي لها رابك لقد رابني معرفتك بها. وقصد شاعر أبا دلف العجلي فقال: ممن أنت؟ قال: من تميم, فقال: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت قال: نعم بتلك الهداية جئتك, فخجل أبو دلف, واستكتمه وأجازه. ومنه قول النابغة من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر وقد كان مدح آل جفنة بالشام فتنكر النعمان من ذلك: حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب ولكنني كنت امرءاً لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب ملوك وأخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم تر هم في مدحهم لك أذنبوا يعني لا تلمني, ولا تعاتبني على مدح آل جفنة وقد أحسنوا إلي, كما لا تلوم قوما مدحوك وقد أحسنت إليهم, فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا, كذلك مدحي لمن أحسن إلي. وهذه الحجة على صورة التمثيل الذي يسميه الفقهاء قياسا. ويمكن رده إلى صورة قياس استثنائي بأن يقال: لو كان مدحي لآل جفنة ذنبا, لكان مدح أولئك القوم لك أيضاً ذنبا, لكن اللازم باطل, وكذا الملزوم. وقول مالك بن المرحل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالعلل البيتان الأولان قياس شرطي, والثالث قياس فقهي, فإنه قاس الوصل على الماء, فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش, فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد الهجر. وقال الآخر: دع النجوم لطرفي يعيش بها ... وبالعزائم فانهض أيها الملك إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا يعني لو كان الظفر والفوز بالمطالب بالنجوم لم يظفروا بشيء مما ظفروا به, لأنهم نهوا عنها, لكنهم مع ذلك ظفروا, فلم يكن الظفر بها. ومنه قولي: تريك إذا بدت ليلا محيا ... يضيق لوصفه وسع العباره ولولا أنه قمر تجلى ... لما دار الخمار عليه داره وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: كم بين من أقسم الله العلي به ... وبين من جاء باسم الله في القسم مدعاه تفضيله ﵌ على غيره من الأنبياء, واحتج على ذلك بقسم الله سبحانه به في قوله تعالى (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) ولم يقسم بغيره منهم, بل هم أقسموا به سبحانه؛ وشتان بين المنزلتين. والعمر بالفتح بمعنى العمر بالضم, إلا أنهم خصوا القسم بالفتح لإيثار الأخف. قال المفسرون: خاطب سبحانه رسول الله ﵌, وأقسم بحياته كرامة له, وما أقسم بحياة أحد قط, وذلك يدلك على أنه أكرم الخلق على الله سبحانه. وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:

стр. 355

لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت ... كل الأنام وأروت قلب كل ظمى احتج على ما تقدم من الحكم بأن كفه ﵌ محيطة بالبحر, بأنها لو لم تكن كذلك لما شملت كل إنسان, وأروت كل ظمئ لكنها شملت وأروت, فثبت أنها محيطة به. وبيت بديعية ابن حجة قوله: ومذهب في كلامي أن بعثته ... لو لم تكن ما تميزنا على الأمم وبيت بديعية الطبري قوله: أليس لولاه ما كنا الخيار ولا ... بمذهب من كلام لاحق ملتزم وبيت بديعيتي هو قولي: والله لولا هداه ما اهتدى أحد ... لمذهب من كلام الله ذي الحكم تقرير الاحتجاج فيه: - أنه لو لم يثبت هداه لما اهتدى أحد لمذهب من كلام الله, لكن اهتدى كثير له ثبت هداه ﵌, لأنه هو الذي جاء بكلام الله سبحانه. وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: هل من ينادي غدا رب النجاة كمن ... به ينادى اشفعن للعرب والعجم نفي الشيء بإيجابه نفى بإيجابه عنا بسنته ... جهلا نضل به عن وأضح اللقم لأهل البديع في تفسير هذا النوع عبارتان إحداهما ما فسره به ابن رشيق في العمدة, وهو أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء, وباطنه نفيه, بأني نفي ما هو من سببه كوصفه وهو المنفي في الباطن. والثانية ما فسره به غيره, وهو أن ينفى الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا مبالغة في النفي وتأكيدا له. وسماه بعضهم: نفي الشيء بنفي لازمه. ومنه قوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) أي ليس لهم سؤال فيكونوا ملحفين, فإذن لا سؤال لهم أصلا, أو ليس لهم سؤال في حالة الاضطرار, بناء على أن المضطر من شأنه الإلحاف في السؤال, فانتفاؤه في غيرها بالطريق الأولى, أي لو وجد منهم سؤال لم يكن إلا على ذلك التقدير فأفاد أنهم يشرفون على الهلاك ولا يسألون. وقوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) الغرض نفي الشفيع رأسا, وإنما ضمت إليه الصفة ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر لا نزاع فيه, وبالغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة. ومثله قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم ... ومنه قول أمير المؤمنين علي ﵇ في صفة مجلس رسول الله ﵌: لا تنثني فلتانه, أي لا فلتات ولا انثناء. وقول الشاعر: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر أي لا أرنب يفزعها هول, ولا ضب ولا انجحار. وقول امرئ القيس (على لاحب لا يهتدي بمناره) أي لا منار ولا اهتداء. وقول سويد بن أبي كاهل: من أناس ليس في أخلاقهم ... عاجل الفحش ولا سوء الجزع أي لا فحش ولا جزع أصلا. وقول مسلم بن الوليد بن يزيد بن مزيد: لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يسمح عينيه من الكحل وقصده نفي الطيب والكحل مطلقا, ولذلك قال الممدوح لما أنشده الشاعر هذا البيت لقد حرمتني الطيب والكحل ما بقيت. حكى مسلم المذكور قال: خلت على الأمير يزيد بن مزيد وهو جالس على كرسي, وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة وبيده هو مرآة ومشط يسرح لحيته, فقال لي: يا مسلم ما الذي أبطأك عنا؟ قلت: قلة ذات اليد أيها الأمير, قال: فأنشدني. فأنشدته قصيدتي التي أولها: أجررت حبل خليع في الصبا غزل ... وشمرت همم العذال في عذلي رد البكاء على العين الطموح هوى ... مفرق بين توديع ومرتحل أما كفى البين أن أرمى بأسهمه ... حتى رماني بسهم الأعين النجل فلما صرت إلى قولي منها في مدحه: لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل وضع المرآة في غلافها وقال للجارية: انصرفي, فقد حرم علينا مسلم الطيب والكحل. ومنه قول أبي الطيب المتنبي: أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب مراده أنهن لا يدخلن الحمام مطلقا, لأنهن بدويات لا يعرفن الحمام, وإن كان ظاهر الكلام أنهن لا يبرزن من الحمام على تلك الهيئات, والغرض أن حسنهن مستغن عن التصنع والتطرية. كما قال قبله: ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب
следующие страницы →