← Адаб

Адаб · id 5446

أنوار الربيع في أنواع البديع

ابن معصوم الحسني

Полный текст (514 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

نشوان من خمر الصبا فكأنه ... غصن يميل مع الصبا مرتاحا الشاهد في البيت الأخير, فإنك إذا أسقطت من كل شطر من البيت جزء صار البيت هكذا: نشوان من خمر الصبا ... غصن يميل مع الصبا وقوله من أخرى وأولها: يا برق نجد هل حكيت فؤادي ... في ذا التلهب والخفوق البادي لولا اشتراك هواكما لم تسفحا ... دمعيكما في سفح ذاك الوادي أترى سويكنة الحمى بجمالها ... سلبت رقادك في الهوى ورقادي فإذا سقط من كل شطر من البيت الأخير جزء صار هكذا: أترى سويكنة الحمى ... سلبت رقادك في الهوى وقوله أيضاً من جملة قصيدة: مهما انثنى فأنا الطعين بقامة ... هيفاء تهزء بالقنا المياد وإذا رنا فأنا القتيل بمقلة ... نجلاء أمضى من حدود حداد فإنك إذا أسقطت من البيت الأول قوله (تهزء بالقنا المياد) ومن الثاني قوله (أمضى من حدود حداد) صار البيتان هكذا: مهما انثنى فأنا الطعين ... بقامة هيفاء وإذا رنا فأنا القتي ... ل بمقلة نجلاء وقوله أيضاً في مطلع قصيدة: بالله بلغ سلامي أيها الحادي ... إلى غزال الصريم الرائح الغادي فإنه يخرج منه بيت من منخرق المجتث وهو: بالله بلغ سلامي ... إلى غزال الصريم ومنه قول التلعفري: نهاري كله قلق وفكر ... وليلي كله أرق وذكر فإنه يخرج منه بعد إسقاط جزء من كل من الشطرين بيت وهو: نهاري كله قلق ... وليلي كله أرق وقول ابن النبيه: خذ من حديث شؤونه وشجونه ... خبرا تسلسله رواة جفونه لولا فضيحة خده بدموعه ... مازال شك رقيبه بيقينه فإن البيت الثاني يخرج منه بيت وهو. لولا فضيحة خده ... مازال شك رقيبه ومن ألطف ما وقع من هذا النوع عن قصد قول ابن جابر صاحب البديعية: يرنوا بطرف فاتر مهما رنا ... فهو المنى لا أنتهي عن حبه يهفو بغصن ناضر حلو الجنى ... يشفي الضنى لا صبر لي عن قربه لو كان يوما زائري زال العنا ... يحلو لنا في الحب أن نسمى به أنزلته في خاطري لما دنا ... قد سرنا إذ لم يحل عن صبه وهذه الأبيات من الرجز التام, وهو الضرب الأول منه, فإن تركتها كانت على حالتها من التام, وإذا أسقطت من البيت الأول (لا انتهي عن حبه) , ومن الثاني (لا صبر لي عن قربه) , ومن الثالث (في الحب أن نسمى به) , ومن الرابع (إذ لم يحل عن صبه) , صارت من الرجز المجزو. وإن أسقطت من البيت الأول (فهو المنى) إلى آخره, ومن الثاني (يشفي الضنا) إلى آخره, ومن الثالث (يحلو لنا) إلى آخره, ومن الرابع (قد سرنا) إلى آخره, صارت من الرجز المشطور. وأن أسقطت من الأول قوله (مهما رنا) ومن الثاني) (حلو الجنى) ومن الثالث (زال العنا) ومن الرابع (لما دنا) إلى آخره صار الرجز المنهوك. ومثل ذلك قول بعضهم: جمر غرامي واقد يحكي لظى ... شراره في القلب ليس ينطفي ودمع عيني شاهد على الهوى ... مدراره والوجد ما لا يختفي والنوم مني شارد لا يرتجى ... غراره فيا لطب مدنف هل في الهوى مساعد ما قد عنى ... اعذاره في حب ظبي أهيف مائل قد مائد إذا انثنى ... خطاره كالغصن المهفهف فلحظه لي صائد أن ينتضى ... بتاره هل في الجفون مشرفي قلبي عليه واجد لما نأى ... قراره بين الأسى والأسف أرغب وهو زاهد وهو المنى ... أختاره من لي به فأشتفي أسهر وهو راقد لما جفا ... نفاره عرضني للتلف وجدي عليه زائد من الجوى ... أسعاره بين الدموع الذرف ولأبي جعفر الغرناطي على أسلوب أبيات الحريري: يا راحلا يبغي زيارة طيبة ... نلت المنى بزيارة الأخيار حي العقيق إذا وصلت وصف لنا ... وادي منى يا طيب الأخبار وإذا وقفت لدى المعرف داعيا ... زال العنا وظفرت بالأوطار ولابن جابر الأندلسي: من لي بآنسة تنام لحظها ... من غير نوم بل تتيه وتفتن قالت ألست تخاف حين تزورني ... سطوات قومي كم تبوح وتعلن فأجبتها في نيل وصلك لم أكن ... لأخاف لومي فهو عندي هين ومنه قولي:

стр. 352

من مستهل دموعي يوم فرقته ... أمطرت سحبا غزارا فهي تنهمر ومن لهيب ضلوعي في محبته ... أوقدت في الحي نارا فهي تستعر وكم كتمت ولوعي خوف شهرته ... فزاد فيه اشتهارا والهوى عبر فإنه يخرج من كل بيت بيت من مجزو المجتث هكذا: من مستهل دموعي ... أمطرت سحبا غزارا ومن لهيب ضلوعي ... أوقدت في الحي نارا وكم كتمت ولوعي ... فزاد فيه اشتهارا وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: فلو رأيت مصابي عندما رحلوا ... رثيت لي من عذابي يوم بينهم فإنك إذا أسقطت من كل شطر من البيت جزء صار البيت هكذا: فلو رأيت مصابي ... رثيت لي من عذابي وابن جابر نظم هذا النوع في بيتين فقال وتكلف ما شاء: واف كريم رحيم قد وفى ووقى ... وعم نفعا فكم ضر شفى وكم فقم بنا فلكم فقر كفى كرما ... وجود تلك الأيادي قد صفا فقم قال ابن حجة - ونعم ما قال - أقول: لو اختصر العميان هذين البيتين, وأضافوهما إلى ما اختصروه من البديع لكان أجمل بهم, فإنهم أسقطوا من أنواع البديع نحو السبعين. وقصد الناظم فيهما - أعني البيتين - أنك إذا أسقطت من البيت الكلمة الموازنة (فعلن) من آخر كل نصف وهما قوله (ووقى) وقوله (وكم) صار الوزن من الضرب الأول من البسيط وهو التام, إلى الضرب الثالث منه وهو المجزو. لأنه قد حذف منه جزء من آخر كل نصف فصار: واف كريم رحيم قد وفى ... وعم نفعا فكم ضر شفى فقم بنا فلكم فقر كفى ... وجود تلك الأيادي قد صفا وهذا مع ركية وثقالة نظمه, غير المشهور من البسيط, فإنه لم يشتهر منه غير العروض الأولى المخبونة, ووزنها (فعلن) ولها ضربان, المشهور منها الأول وهو مخبون مثلها. وبيت بديعة الشيخ عز الدين الموصلي قوله: وفي الهوى ضل تشريع العذول لنا ... وكم هوى في مقال ذل من حكم هذا البيت يخرج منه بيتان أحدهما من منهوك الرجز وهو: وفي الهوى ... وكم هوى والثاني من العروض الثالثة المحذوفة المخبونة من المديد وهو: ضل تشريع العذول لنا ... في مقال ذل من حكم ولقد برز الشيخ عز الدين على من تقدمه في هذا البيت, فإن الصفي وابن جابر لم يتحصل لهما بيتان من بيت ولهذا قال في شرحه: إن هذا النمط ما وقع للمتقدمين وهو معجز ليس لأديب عليه قدرة. وقد نسج ابن حجة على منواله فقال: طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا ... عل التقا فنعمنا في ظلالهم فإنه يخرج منه بيتان أيضاً أحدهما: طاب اللقا ... على النقا والثاني: لذ تشريع الشعور لنا ... فنعمنا في ظلالهم وزاد على الشيخ عز الدين بتمام معنى البيت الأول الذي هو من منهوك الرجز, فإن بيته لا تتم به الفائدة, ولا يحسن السكوت عليه. والطبري حاك على منوال الشيخ صفي الدين فقال: تسرعوا بولائي إذ وثقت بهم ... لأن فيهم رجائي وفق شرعهم وبيت بديعيتي محوك على منوال بيتي الموصلي وابن حجة وهو: لاح الهدى فهدى تشريع ملته ... لما بدا لسلوك المنهج الأمم فإنه يخرج منه بيتان أيضاً أحدهما: لاح الهدى ... لما بدا والثاني: فهدى تشريع ملته ... لسلوك المنهج الأمم والبيت الأول أعني الذي من منهوك الرجز تام المعنى, مستقل بنفسه, يحسن السكوت عليه كبيت ابن حجة, لا بيت الموصلي. وبيت الشيخ إسماعيل المقري قوله: فلو ترى ما أقاسي لأبليت به ... هوى يهد الرواسي غير منصرم وهو كبيت الشيخ صفي الدين أيضاً يخرج منه: فلو ترى ما أقاسي ... هوى يهد الرواسي المذهب الكلامي والله لولا هداه ما اهتدى أحد ... لمذهب من كلام الله ذي الحكم هذا النوع أول من ذكره الجاحظ, وهو عبارة عن أن يأتي البليغ بحجة على ما يدعيه على طريقة المتكلمين, وهي أن تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمدعى. قال بعضهم: وإنما نسبت طريقة الاستدلال إلى المتكلمين والمتكفل ببيانها أهل الميزان, لكمال اجتهادهم في استعمال قواعد الاستدلال في المطالب الكلامية, حتى صاروا علما يضرب بهم المثل في البحث وإلزام الخصوم بأنواع الدليل.

стр. 353

وزعم الجاحظ أن هذا النوع - أعني المذهب الكلامي - لا يوجد منه شيء في القرآن, ورد بأنه مشحون به. قال العلماء: قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة. ما من برهان, ولا دلالة وتقسيم وتحديد ينهي من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطب به, لكن أورده على عادة العرب دون دقائق طرق المتكلمين, لأمرين: أحدهما, بسبب ما قاله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) . والثاني, أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلي من الكلام, فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون, لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا, فاخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة لتفهم العامة من جليها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة, ويفهم الخواص من أثنائها ما يربي على ما أدركه فهم الخطباء. ومن بديع ما ورد من هذا النوع في القرآن المجيد قوله تعالى (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد وتفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) . فإنه تعالى ذكر الدليل على فساد قول من يضيف هذه الحوادث إلى الطبع, وحرره على وجه أسقط كثيرا من الأسئلة, بأن بين أن في الأرض قطعا متجاورات يقرب بعضها من بعض, ليسقط قوله من قال: إن الأرض إذا تباعدت أطرافها اختلفت التربة, وكان منها الطيب والخبيث, لأن ذلك يبعد في المتقارب منها. وكذلك الهواء لا يمكن أن يدعى أن تغيره هو المؤثر لأن الأراضي ما لم يتباعد بعضها من بعض لا يظهر في أهويتها التغير, وكذلك الماء إذا كان واحدا لا يمكن لأحد أن يدعي أن اختلاف الأكل راجع إلى اختلاف الماء. فدل بذلك كله أنه بفعل القادر الحكيم, ﵎. فينبغي للمتأمل أن يتأمل هذا الكلام, ويتصفح كلام المتكلمين, هل لشيء منه هذا الحسن الرائع؟ فإنه تعالى جمع فيه بين حسن المعنى وشرف الموضوع, وجزالة اللفظ وعذوبته, مع جمع المقاصد الكثيرة في ألفاظ يسيرة, ربط بعضها ببعض بحيث حسم عنها مطاعن المعترض, فسبحانه من صانع عليم. ومنه قوله تعالى أيضا: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) أي الإعادة أهون وأسهل عليه من البدء, وكل ما هو أهون فهو أدخل في الإمكان. فالإعادة أدخل في الإمكان وهو المطلوب. وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ (فلما أفل قال لا أحب الآفلين) أي القمر آفل وربي ليس بآفل, فالقمر ليس بربي. وقوله تعالى: (قل فلم يعذبكم بذنوبكم) أي أنتم تعذبون والبنون لا يعذبون, فلستم ببنين له. ومما ورد منه في الحديث, ما روي عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزل قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الأقربين) صعد ﵌ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر, يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا, فجعل الرجل منهم إذا لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو. فجاء أبو لهب وقريش, فقال ﵌: يا معشر قريش, أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم, ما جربنا عليك إلا صدقا, قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فألزمهم الاعتراف أولا بأنه مخبر صادق, ليلزمهم تصديقه فيما يخبر به, ثم إذا أخبرهم حملهم اللجاج والعناد على أن لم يصدقوه. فقال أبو لهب - تبت يداه -: تبا لك لهذا جمعتنا؟ فنزلت سورة تبت. ومنه قول أمير المؤمنين علي ﵇ لما انتهت إليه أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله ﵌, قال: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير, قال ﵇: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله ﵌ أوصى بأن يحسن إلى محسنهم, ويتجاوز عن مسيئهم قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال ﵇: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم, ثم قال: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول ﵌ فقال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.

стр. 354

تقرير الاحتجاج: - لو كانت الإمارة حقا لهم لما كانت الوصية بهم, لكنها بهم فليست الإمارة لهم. بيان الملازمة أن العرف قاض بأن الوصية والشفاعة ونحوهما إنما يكون إلى الرئيس في حق المرؤوس من غير عكس. وإما بطلان الثاني فللخبر المذكور. وأما قوله ﵇: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة, فهو كلام في قوة احتجاج له على قريش بمثل ما احتجوا به على الأنصار, وتقريره: إنهم إن كانوا أولى من الأنصار لكونهم شجرة رسول الله ﵌ فنحن أولى لكوننا ثمرته, وللثمرة اختصاص بالشجرة من وجهين: أحدهما القرب وميزته ظاهرة. والثاني أن الثمرة هي المطلوبة بالذات من الشجرة وغرسها, فإن كانت الشجرة معتبرة, فبالأولى اعتبار الثمرة. وإن لم يلتفت إلى الثمرة فبالأولى لا التفات إلى الشجرة. ويلزم من هذا الاحتجاج أحد أمرين: إما بقاء الأنصار على حجتهم لقيام هذه المعارضة, أو كونه ﵇ أحق بهذا الأمر وهو المطلوب. ومنه ما حكي أن الوليد قال لأبي الأقرع: أنشدني قولك في الخمر فأنشده: كميت إذا شجت ففي الكاس وردها ... لها في عظام الشاربين دبيب تريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوب فقال الوليد: شربتها ورب الكعبة, فقال: لئن كان وصفي لها رابك لقد رابني معرفتك بها. وقصد شاعر أبا دلف العجلي فقال: ممن أنت؟ قال: من تميم, فقال: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت قال: نعم بتلك الهداية جئتك, فخجل أبو دلف, واستكتمه وأجازه. ومنه قول النابغة من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر وقد كان مدح آل جفنة بالشام فتنكر النعمان من ذلك: حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب ولكنني كنت امرءاً لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب ملوك وأخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم تر هم في مدحهم لك أذنبوا يعني لا تلمني, ولا تعاتبني على مدح آل جفنة وقد أحسنوا إلي, كما لا تلوم قوما مدحوك وقد أحسنت إليهم, فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا, كذلك مدحي لمن أحسن إلي. وهذه الحجة على صورة التمثيل الذي يسميه الفقهاء قياسا. ويمكن رده إلى صورة قياس استثنائي بأن يقال: لو كان مدحي لآل جفنة ذنبا, لكان مدح أولئك القوم لك أيضاً ذنبا, لكن اللازم باطل, وكذا الملزوم. وقول مالك بن المرحل الأندلسي: لو يكون الحب وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالعلل البيتان الأولان قياس شرطي, والثالث قياس فقهي, فإنه قاس الوصل على الماء, فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش, فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد الهجر. وقال الآخر: دع النجوم لطرفي يعيش بها ... وبالعزائم فانهض أيها الملك إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا يعني لو كان الظفر والفوز بالمطالب بالنجوم لم يظفروا بشيء مما ظفروا به, لأنهم نهوا عنها, لكنهم مع ذلك ظفروا, فلم يكن الظفر بها. ومنه قولي: تريك إذا بدت ليلا محيا ... يضيق لوصفه وسع العباره ولولا أنه قمر تجلى ... لما دار الخمار عليه داره وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: كم بين من أقسم الله العلي به ... وبين من جاء باسم الله في القسم مدعاه تفضيله ﵌ على غيره من الأنبياء, واحتج على ذلك بقسم الله سبحانه به في قوله تعالى (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) ولم يقسم بغيره منهم, بل هم أقسموا به سبحانه؛ وشتان بين المنزلتين. والعمر بالفتح بمعنى العمر بالضم, إلا أنهم خصوا القسم بالفتح لإيثار الأخف. قال المفسرون: خاطب سبحانه رسول الله ﵌, وأقسم بحياته كرامة له, وما أقسم بحياة أحد قط, وذلك يدلك على أنه أكرم الخلق على الله سبحانه. وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:

стр. 355

لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت ... كل الأنام وأروت قلب كل ظمى احتج على ما تقدم من الحكم بأن كفه ﵌ محيطة بالبحر, بأنها لو لم تكن كذلك لما شملت كل إنسان, وأروت كل ظمئ لكنها شملت وأروت, فثبت أنها محيطة به. وبيت بديعية ابن حجة قوله: ومذهب في كلامي أن بعثته ... لو لم تكن ما تميزنا على الأمم وبيت بديعية الطبري قوله: أليس لولاه ما كنا الخيار ولا ... بمذهب من كلام لاحق ملتزم وبيت بديعيتي هو قولي: والله لولا هداه ما اهتدى أحد ... لمذهب من كلام الله ذي الحكم تقرير الاحتجاج فيه: - أنه لو لم يثبت هداه لما اهتدى أحد لمذهب من كلام الله, لكن اهتدى كثير له ثبت هداه ﵌, لأنه هو الذي جاء بكلام الله سبحانه. وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: هل من ينادي غدا رب النجاة كمن ... به ينادى اشفعن للعرب والعجم نفي الشيء بإيجابه نفى بإيجابه عنا بسنته ... جهلا نضل به عن وأضح اللقم لأهل البديع في تفسير هذا النوع عبارتان إحداهما ما فسره به ابن رشيق في العمدة, وهو أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء, وباطنه نفيه, بأني نفي ما هو من سببه كوصفه وهو المنفي في الباطن. والثانية ما فسره به غيره, وهو أن ينفى الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا مبالغة في النفي وتأكيدا له. وسماه بعضهم: نفي الشيء بنفي لازمه. ومنه قوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) أي ليس لهم سؤال فيكونوا ملحفين, فإذن لا سؤال لهم أصلا, أو ليس لهم سؤال في حالة الاضطرار, بناء على أن المضطر من شأنه الإلحاف في السؤال, فانتفاؤه في غيرها بالطريق الأولى, أي لو وجد منهم سؤال لم يكن إلا على ذلك التقدير فأفاد أنهم يشرفون على الهلاك ولا يسألون. وقوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) الغرض نفي الشفيع رأسا, وإنما ضمت إليه الصفة ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر لا نزاع فيه, وبالغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة. ومثله قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم ... ومنه قول أمير المؤمنين علي ﵇ في صفة مجلس رسول الله ﵌: لا تنثني فلتانه, أي لا فلتات ولا انثناء. وقول الشاعر: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر أي لا أرنب يفزعها هول, ولا ضب ولا انجحار. وقول امرئ القيس (على لاحب لا يهتدي بمناره) أي لا منار ولا اهتداء. وقول سويد بن أبي كاهل: من أناس ليس في أخلاقهم ... عاجل الفحش ولا سوء الجزع أي لا فحش ولا جزع أصلا. وقول مسلم بن الوليد بن يزيد بن مزيد: لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يسمح عينيه من الكحل وقصده نفي الطيب والكحل مطلقا, ولذلك قال الممدوح لما أنشده الشاعر هذا البيت لقد حرمتني الطيب والكحل ما بقيت. حكى مسلم المذكور قال: خلت على الأمير يزيد بن مزيد وهو جالس على كرسي, وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة وبيده هو مرآة ومشط يسرح لحيته, فقال لي: يا مسلم ما الذي أبطأك عنا؟ قلت: قلة ذات اليد أيها الأمير, قال: فأنشدني. فأنشدته قصيدتي التي أولها: أجررت حبل خليع في الصبا غزل ... وشمرت همم العذال في عذلي رد البكاء على العين الطموح هوى ... مفرق بين توديع ومرتحل أما كفى البين أن أرمى بأسهمه ... حتى رماني بسهم الأعين النجل فلما صرت إلى قولي منها في مدحه: لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل وضع المرآة في غلافها وقال للجارية: انصرفي, فقد حرم علينا مسلم الطيب والكحل. ومنه قول أبي الطيب المتنبي: أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب مراده أنهن لا يدخلن الحمام مطلقا, لأنهن بدويات لا يعرفن الحمام, وإن كان ظاهر الكلام أنهن لا يبرزن من الحمام على تلك الهيئات, والغرض أن حسنهن مستغن عن التصنع والتطرية. كما قال قبله: ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب

стр. 356

حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: لا يهدم المن منه عمر مكرمة ... ولا يسوء أذاه نفس متهم فمراده نفي المن والإساءة, وإن قديهما بالمكرمة والمتهم. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: لم ينف ذما بإيجاب المديح فتى ... إلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم هذا البيت ليس فيه من نفي الشيء بإيجابه إلا لفظا النفي والإيجاب, وأما المعنى الذي تقرر في تفسير هذا النوع فليس فيه بوجه. وقال ناظمه في شرحه: معناه أنه ما نفى الذم بإيجاب المديح كريم إلا وكان النبي ﵌ قد عاقد الدهر بالسلم على ذلك المعنى, قبل الذي فعل هذا الفعل المحمود, فإنه هو الأصل في الأسباب الخيرية. هذا كلامه بنصه, فلم يزد إلا بعدا عن الغرض من هذا النوع. وبيت بديعية ابن حجة قوله: لا ينتفي الخير من إيجابه أبدا ... ولا يشين العطا بالمن والسأم ظاهره نفي انتفاء الخير في إيجابه ﵌, والمن والسأم في العطاء, والمراد نفي ذلك مطلقا. وبيت بديعية الطبري قوله: لم ينف إيجاب ما أعطاه آمله ... بالمن مستكثرا حاشاه من وصم مراده عدم نفي إيجاب ما أعطاه مطلقا, وإن قيده بالمن والاستكثار. وبيت بديعيتي هو: نفى بإيجابه عنا بسنته ... جهلا نضل به عن وأضح اللقم ظاهره نفي الجهل الموصوف بالضلال به عن واضح سواء الصراط, والغرض نفي الجهل مطلقا. واللقم بالتحريك: وسط الطريق. وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: ما راع جارا رعاه وجه حادثة ... ولا انثنى مازجا دمعا جرى بدم قال ناظمه في شرحه: إنه نفى ارتياع جاره من وجود الحادثات فقط, فكأنها تطرقه ولا تروعه. ومراده نفي الحوادث من أصلها, والزيادة قوله: رعاه, فكأنه نفى ارتياع جار رعاه فقط, والمراد نفيه عنه مطلقا. وكذلك قوله: ولا انثنى مازجا, ظاهره نفي مزج الدمع بالدم, والمراد نفي البكاء من أصله. الرجوع ولا رجوع لغاوي نهج ملته ... بلى بإرشاده الكشاف للغمم هذا النوع جعله بعضهم من نوع الاستدراك وليس كذلك, بل الصحيح أن كلا منهما نوع برأسه. أما الاستدراك فقد سبق ذكره. وأما الرجوع فهو العود على الكلام السابق بنقضه وإيطاله لنكتة, وليس المراد أن المتكلم غلط ثم عاد, لأن ذلك يكون غلطا لا بديع فيه, بل المراد أنه أوهم الغلط وإن كان قاله عن عند إشارة إلى تأكد الإخبار بالثاني, لأن الشيء المرجوع إليه يكون تحققه أشد. كقول زهير: قف بالديار التي لم تعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم فإن أول الكلام دل على أن تطاول الزمان, وتقادم العهد لم يعف الديار, ثم عاد إليه ونقضه لنكتة, وهي إظهار الكآبة والحزن, والحيرة والدهش. كأنه لما وقف على الديار تسلط عليه كآبة أذهلته, فأخبر بما لم يتحقق, ثم ثاب إليه عقله, وأفاق بعض الإفاقة فتدارك كلامه السابق قائلا: بلى عفاها القدم, وغيرها الأرواح والديم. ومثله قول الآخر: فأف لهذا الدهر لا بل لأهله ... وإن كنت منهم ما أمل وأعذرا وقول أبي البيداء: ومالي انتصار إن عدا الدهر جائرا ... علي بلى إن كان من عندك النصر وعد كثير منه قول ابن الطثرية: أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل وتعقبه بعض المحققين: بأن القليل الأول المثبت هو باعتبار القلة الحقيقية, والقليل الثاني النفي باعتبار المعنى والشرف فلم يتواردا على معنى واحد فلا رجوع. ومنه قول المتنبي: لجنية أم غادة رفع السجف ... لوحشية لا ما لوحشية شنف وما أحسن قول أبي بكر الخوارزمي مع حسن التخلص: لم يبق في الأرض من شيء أهاب له ... فلم أهاب انكسار الجفن ذي السقم أستغفر الله من قولي غلطت بلى ... أهاب شمس المعالي أمة الأمم وقول ابن اللبانة: بكت عند توديعي فما علم المركب ... أذاك سقيط الطل أم لؤلؤ رطب وتابعها سرب وإني لمخطئ ... نجوم الدياجي لا يقال لها سرب وقول المتنبي أيضاً:

стр. 357

أقاضينا هذا الذي أنت أهله ... غلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف يقول: هذا الذي أثنيت به عليك أنت أهله, ثم قال: غلطت ليس هذا ثلثي ما أنت أهله ولا نصفه. وقوله أيضا: دمعي جرى فقضى في الربع ما وجبا ... لأهله وشفى أنى ولا كربا يعني أنه بكى في أطلال الأحبة ما وجب لهم, وشفاه من وجده بهم, ثم رجع عن ذلك وقال: أنى أي كيف قضى ذلك ولا كرب, أي ولا قارب ذلك, يعني أنه لم يقض الحق, ولا شفى الوجد, وذلك أنه لما أكثر البكاء غلب على ظنه أنه بلغ قضاء حقهم وشفى وجده, ثم أنه عرف قصوره فرجع عما قال. وعد منه الشيخ صفي الدين الحلي قول بشار: نبت فاضح قومه يغتابني ... عند الأمير وهل علي أمير ومثله قولي من قصيدة: ما على من حملوها قمرا ... يهتدي الركب به إن جن جنح لو أصاخوا للمعنى ساعة ... يشرح الوجد وهل للوجد شرح قال ابن حجة: الذي أقول: إن هذا النوع لا فرق بينه وبين السلب والإيجاب. فإن السلب والإيجاب هو أن يبني المتكلم كلامه على نفي شيء من جهة, وإثبات من جهة أخرى, والرجوع هو العود على الكلام السابق بالنقض, وكل من التقريرين لائق بالنوعين. انتهى. قلت: إني لا عجب من غباوة ابن حجة في هذا المقال, فإنه جعل ما هو حجة عليه حجة له, والفرق بين النوعين ظاهر من الحدين المذكورين للنوعين ظهور فلق الصباح, وأين نفي شيء من جهة وإثباته من أخرى, من العود على الكلام السابق بالنقض, فإن مفاد حد الرجوع: أن النفي والإيجاب يتواردان على معنى واحد, وحد السلب والإيجاب: أن النفي يكون باعتبار, والإيجاب باعتبار آخر, وبين الحالتين بون بائن فاعلم. وبيت بديعية الصفي الحلي قوله: أطلتها ضمن تقصيري فقام بها ... عذري وهيهات أن العذر لم يقم وبيت بديعية ابن جابر قوله: قلوا ببدر ففلوا غرب شانئهم ... به وما قل جمع بالرسول حمي وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: رمت الرجوع عن الأمداح أنظمها ... سوى مديح سديد القول محترم ليس في هذا البيت - كما قال ابن حجة - سوى الرجوع عن حشمة الألفاظ في مديح الرسول ﵌, فإن قوله: سديد القول دون مقدار من أنزل القرآن في صفاته, وأقسم الرحمن بحياته. وبيت بديعية ابن حجة قوله: وما لنا من رجوع عن حماه بلى ... لنا رجوع عن الأوطان والحشم لا يخفى أنه قد تقدم في حد هذا النوع أنه العود على الكلام السابق بنقضه وإبطاله, وابن حجة لم يبطل ما تقدم, بل نفى رجوعه عن حماه, وأثبت رجوعا آخر, وهذا من نوع السلب والإيجاب, لا من هذا النوع. لكن قد علمت أنه لم يفرق بين هذين النوعين فبنى بيته على حسب اعتقاده, وقد مر البحث معه آنفا. وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله: بلا رجوع فمدحي فيك قام بما ... يليق هيهات ذاك المدح لم يقم لا يخفى ما في هذا البيت من قلة الأدب مع سيد العجم والعرب, ولعمري أنه قام بما لا يليق, لا بما يليق وإن كان قد رجع, إلا أنه ما رجع حتى اشمأزت النفوس, وملت الظنون, وبلغت القلوب الحناجر. ولا ريب أنه أراد أن يحوك على منوال بيت الشيخ صفي الدين, وهيهات أين حشمة بيت الشيخ صفي الدين من هذا. وبيت بديعيتي هو قولي: ولا رجوع لغاوي نهج ملته ... بلى بإرشاده الكشاف للغمم دل أول البيت على أن من ضل طريق ملته صلّى الله عليه وآله لا رجوع له بوجه - فإن النكرة في سياق النفي تعم - ثم رجع إليه ونقضه لنكتة, وهي إظهار استعظام رجوع من ضل سبيل دينه ﵌ حتى كأنه أخبر أولا بما لم يتأمل فيه, ثم تأمل فتدارك الكلام السابق فقال: بلى له رجوع بإرشاده الكشاف للغمم. وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: قد كرر العبد مدحا كافيا وثنا ... هيهات لا مدحي تكفي ولا كلمي ١ @التورية ردت بمعجزه من غير تورية ... له الغزالة تعدو نحو أفقهم التورية أقرب اسم سمي به هذا النوع لمطابقته المسمى, لأنه مصدر وريت الحديث: إذا أخفيته وأظهرت غيره. قال أبو عبيد: لا أراه إلا مأخوذاً من وراء الإنسان, فإذا قال: وريته فكأنه جعله وراءه بحيث لا يظهر. ويسمى الأبهام, والتوجيه, والتخييل.

стр. 358

وهي في الاصطلاح أن يذكر لفظ له معنيان, أما بالاشتراك, أو التواطيء, أو الحقيقة والمجاز. أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة, والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية, فيقصد المتكلم المعنى البعيد, ويوري عنه بالقريب, فيتوهم السامع أنه يريد القريب من أول وهلة, ولهذا سمي أبهاما. قال العلامة الزمخشري: لا ترى بابا في البيان أدق ولا ألطف من التورية, ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات من كلام الله تعالى وكلام الأنبياء ﵈. قال شيخ الأدب صلاح الدين الصفدي في ديباجة كتابه المسمى بفض الختام عن التورية والاستخدام: ومن البديع ما هو نادر الوقوع, ملحق بالمستحيل الممنوع, وهو نوع التورية والاستخدام, فإنه نوع تقف الأفهام حسرى دون غايته عن مرامي المرام. نوع يشق على الغبي وجوده ... من أي باب جاء يعدو مقفلا لا يفرع هضبته فارع, ولا يقرع بابه قارع, إلا من تنحو البلاغة نحوه في الخطاب, ويجري ريحها بأمره رخاء حيث أصاب. انتهى. وإذا عرفت معنى التورية فاعلم أنها تنقسم إلى أربعة أنواع: مجردة, ومرشحة, ومبينة, ومهيأة. فالنوع الأول وهي المجرد. هي التي تنجرد عما يلائم كلا من المعنيين, أعني المورى به والمورى عنه. قالوا: فأعظم أمثلة هذا النوع قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" فإن الاستواء يطلق على معنيين, فالتورية لم يجامع شيئا مما يلائم المورى به ولا المورى عنه. واعترض بعض المحققين: بان فيه ما يلائم المورى به وهو العرش, لأنه ملائم للاستقرار, فهي إذن مرشحة لا مجردة. ومنه قوله صلى الله عليه وآله سلم في خروجه إلى بدر, وقد قيل له: من أنتم؟ فلم يرد أن يعلم السائل فقال: من ماء, أراد أنا مخلوق من ماء فورى عنه بقبيلته من العرب. وقول صاحبه في خروجهما إلى المدينة من الغار وقد سئل عنه ﵌, فقيل له: يا أبا بكر من هذا؟ فقال: هاد يهديني السبيل. أراد سبيل الخير فورى عنه بهادي الطريق. وفي النهاية لابن الأثير: لقيهما في الهجرة رجل بكراع الغميم فقال من أنتم؟ فقال أبو بكر: باغ وهاد. عرض ببغاء الإبل, أي طلبها, وهداية الطريق, وهو يريد الطلب, والهداية من الضلالة. وعد الصلاح الصفدي من هذا النوع _وتبعه ابن حجة_ قول القاضي عياض: كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعا من الحلل أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل يعني كأن الشمس من كبرها وطول مدتها صارت خرفة قليلة العقل فنزلت في برج الجدي في أوان الحلول ببرج الحمل. والشاهد في الغزالة, فإنه لم يذكر معها شيء من لوازم الغزالة الوحشية, وهو المورى به كطول العنق, وحسن الالتفات, وسرعة النفور, وسواد العين. ولا شيء من لوازم الغزالة الشمسية, كالإشراق؛ والطلوع, والأفول. قال: وليس القائل أن يقول: إن الغزالة قد ترشحت بالجدي والحمل, وهي مرشحة لهما, لأنا نشترط في لوازم التورية أن لا يكون لفظا مشتركا, والغزالة هنا مشتركة, وكذا الجدي والحمل فإنهما يطلقان على الحيوان المعروف, وعلى بعض البروج. انتهى بالمعنى. والذي مشى عليه الخطيب في الإيضاح, والعلامة التفتازاني في المطول أنها من المرشحة. قال في المطول: أراد بالغزالة معناها البعيد, أعني الشمس, وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذي ليس بمراد, أعني الرشأ, حيث ذكر الخرافة وكذا ذكر الجدي والحمل. انتهى. وقد يقال: أنه فسر الخرافة بقلة العقل وهي لا تناسب الرشأ, لأنه لا عقل له, ويجاب بأن المراد به قلة الإدراك. لا يقال: الغزالة بالتاء مخصوصة بالشمس, ولا يقال لأنثى الغزال: غزالة, بل ظبية, كما نص عليه اللغويون فلا تصح التورية فيها. لأنا نقول: لم يثبت إجماع اللغويين على ذلك, بل حكى بعض الثقات منهم أنه يقال لأنثى الغزال: غزالة. قال أبو حاتم وهو أعلم اللغويين وأضبطهم بلا خلف: ولد الظبية أو ما يولد فهو طلا, ثم هو غزال والأنثى غزالة. وقال ابن السيد: الغزال: ابن الظبي إلى أن يقوى ويطلع قرناه, والجمع غزلة وغزلان, مثل غلمة وغلمان, والأنثى غزالة.

стр. 359

تنبيه, قال بعض علماء هذا الفن: إذا أتيت في التورية بلازم لكل من المعنيين فتكافئا ولم يترجح أحدهما على الآخر فكأنك لم تذكر شيئاً من اللازمين, وصار المعنى القريب والمعنى البعيد بذلك في درجة واحدة فتلحق هذه التورية بالمجردة, وتعد منها قسما ثانيا وتصير مجردة بهذا الاعتبار. كقول ابن الوردي: قالت إذا كنت تهوى ... وصلي وتخشى نفوري صف ورد خدي وإلا ... أجور ناديت جوري فقوله: ورد خدي, يلائم أن يراد بقوله: جوري, اسم نوع من الورد, وهو المعنى المورى وهو المقصود. وقوله: وإلا أجور يلائم لأن يراد به فعل الأمر المستند إلى ضمير الواحدة, وهو المعنى القريب المورى به. والنوع الثاني وهي المرشحة. هي التي تجامع ملائما للمعنى المورى به إما قبل التورية أو بعده فهي قسمان: الأول ما جامع قبل التورية, كقوله تعالى "والسماء بنيناها بأيد" فإنه أراد (بأيد) معناها البعيد, أعنى القدرة, وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب, أعنى الجارحة, وهو قوله (بنيناها) هكذا قاله غير واحد, لكن قال السبكي في عروس الأفراح: وفيه نظر, لأن قوله تعالى (بأيد) له معنيان ... إلى آخره من الحواشي. انتهى. وألطف تورية وقعت من هذا النوع المتقدم, قول يحيى بن منصور من شعراء الحماسة: وجدنا أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر فلما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر فإن لفظ (أغضينا) قبل (الجفون) رشحه للتورية, ورجحه في الظاهر لإرادة إغماض جفون العيون على إغماض السيوف, بمعنى إغمادها, لأن السيف إذا أغمد انطبق عليه, وإذا جرد انفتح للخلاء الحاصل بين الدفتين, لكن دل سياق كلامه على إرادة أنهم لا يغمدون سيوفهم ولهم وتر عند أحد. وقول الآخر: حملناهم طرا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا الشاهد في الدهم, فإنه يحتمل الخيل الدهم وهو المعنى القريب المورى به, وقد تقدم لازمه المرشح له وهو لفظ الحمل, لأنه من لوازم الخيل, ويحتمل القيود وهو المعنى البعدي المورى عنه وهو المراد, لأنه أراد تقييد العدى, الثاني ما جامع ملائما بعد التورية. كقول الصاحب عطاء الملك في امرأة اسمها شجر: يا حبذا شجر وطيب نسيمها ... لو أنها تسقى بماء واحد الشاهد في شجر, فإنه يحتمل ماله ساق من النبات وهو المعنى المورى به, وقد رشحه بعد التورية بما يلائمه وهو طيب النسيم والسقي بماء واحد ويحتمل اسم المرأة وهو المعنى المورى عنه وهو المقصود. النوع الثالث وهي المبينة. هي التي تجامع ملائما للمعنى البعيد المورى عنه إما قبلها أو بعدها, فهي أيضاً قسمان. الأول, ما جامع ملائما قبل التورية. كقول شيخ الشيوخ بحماة: قالوا أما في جلق نزهة ... تنسيك من أنت به مغرى يا عاذلي دونك من لحظة ... سهما ومن عارضه سطرا (ى) الشاهد هنا في السهم وسطرى, فإن المعنى المورى عنه هما الموضعان المشهوران من منتزهات دمشق, وقد جامعا ما يلائمهما قبلهما وهو ذكر النزهة, وإما المعنى القريب فسهم اللحظ, وسطر العارض. الثاني, ما جامع ملائما بعد التورية. كقول ابن سناء الملك: أما والله لولا خوف سخطك ... لهان علي ما ألقى برهطك ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك فإنه أراد بالخافقين قلبه وقرط محبوبته, وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه, وقد بينه بالنص عليه في المصراع الأخير. ويحتمل أن يريد المشرق والمغرب, وهذا هو المعنى القريب المورى به. والنوع الرابع وهي المهيأة. هي التي تفتقر إلى ذكر شيء يهيئها لاحتمال المعنيين, أما قبلها, أو بعدها, وإلا لم تتهيأ التورية, أو تكون بلفظين أو أكثر لولا كل منها لم تتهيأ التورية في الآخر. فهي بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام. الأول, ما تهيأت بلفظ قبلها. كقول الشيخ أحمد ابن عيسى المرشدي في شداد ناقة لشريف مكة المشرفة. والشداد في عرف أهل الحجاز: الرحل. أفق الشداد بدت به ... شمس الخلافة والهلال ومن العجائب جمعه ... ليث الشرافة والغزال

стр. 360

الشاهد في الهلال والغزال, فإنهما يحتملان أن يكونا بمعنى القمر وولد الظبي, وهذا هو المعنى القريب المورى به, ويحتمل أن يراد به جزآن من الرحل. فإن الهلال في اصطلاحهم منفرج مقدم الرحل, والغزال للرحل كالقربوس للسرج, وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه. ولولا ذكر الشداد قبلهما لما تهيأت التورية فيهما. وأما ما استشهد به ابن حجة وغيره على هذا القسم من قول ابن سناء الملك يمدح الملك المظفر صاحب حماة: وسيرك فينا سيرة عمرية ... فروحت عن قلب وأفرجت عن كرب وأظهرت فينا من سميك سنة ... فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب وقولهم: لولا ذكر السنة لما تهيأت التورية في الفرض والندب, ولا فهم منهما الحكمان الشرعيان اللذان صحت بهما التورية, فليس بصحيح. فإن كلا من الفرض والندب يهيئ الآخر للتورية ولو لم يذكر السنة -كما هو ظاهر- فهو القسم الثالث من أقسام التورية المهيأة, لا من هذا القسم. الثاني _ ما تهيأت بلفظ بعدها. قال ابن حجة: ومن أمثلته نثرا قول علي ﵇ في الأشعث بن قيس: انه كان يحوك الشمال باليمين. فالشمال يحتمل أن تكون جمع شملة, وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه, ويحتمل أن يراد به الشمال التي هي إحدى اليدين, وهذا هو المعنى القريب المورى به. ولولا ذكر اليمين بعد الشمال ما تنبه السامع لمعنى اليد. انتهى. قال بعض المحققين: توارى وجه التورية عن هذا المثال, وليس فيه غير إبهام الطباق بين اليمين والشمال, لما قالوه: من أن التورية إطلاق لفظ له معنيان يمكن حمله على كل منهما. ووصف الشمال بالحياكة نفى أن يراد بها مقابل اليمين, فانحصر لفظ الشمال في معنى الجمع كما لا يخفى. انتهى, وهو في محله. والمثال الصحيح لهذا القسم قول ابن الربيع: لولا التطير بالخلاف وإنهم ... قالوا مريض لا يعود مريضا لقضيت نحبي في جنابك خدمة ... لأكون مندوبا قضى مفروضا فإن المندوب يحتمل أن يكون اسم مفعول من ندب الميت: إذا بكاه, وهو المعنى البعيد الذي قصده الناظم وورى عنه, ويحتمل أن يكون خلاف المفروض, وهذا هو المعنى القريب المورى به, وذكر المفروض بعده هو الذي هيأه للتورية, ولو لم يكن لما كان فيه تورية البتة. الثالث - ما وقعت فيه التورية بلفظين أو أكثر, لولا كل منهما لم تتهيأ التورية في الآخر. كقول عمر ابن أبي ربيعة في محبوبته الثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر, وقد تزوجها بن عبد الرحمن بن عوف: أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني فإن كلا من الثريا وسهيل هيأ صاحبه للتورية, فلفظ الثريا هيأ سهيلا لاحتمال أن يراد به الكوكب المعروف, ولفظ سهيل هيأ الثريا لاحتمال أن يراد بها المنزلة المعروفة, لكون أحدهما شماليا والآخر جنوبيا, وهذا هو المعنى القريب المورى به. ومراد الشاعر إنما هو صاحبته الشامية الدار والقبيلة, لأنها من بني أمية الأصغر بن عبد شمس, وسهيل اليماني الدار لا القبيلة, وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه, فتم له ما أراد من الإنكار على من جمع بينهما بألطف وجه. ومنه قول المعري: إذا صدق الجد افترى العم للفتى ... مكارم لا تكري وإن كذب الخال فإن كلا من الجد والعم والخال يهيئ صاحبه للتورية بظاهر معناه, ومراده بالجد: الحظ, وبالعم: الجماعة, وبالخال: المخيلة. تنبيهات الأول - الفرق بين اللفظ الذي تتهيأ به التورية, واللفظ الذي تترشح به, واللفظ الذي تتبين به: أن الأول لو لم يذكر لما تهيأت التورية أصلا, والثاني والثالث إنما هما مقويان للتورية, ولو لم يذكرا لكانت التورية موجودة. غير أن الثاني يكون من لوازم المعنى القريب المورى به, والثالث يكون من لوازم المعنى البعيد المورى عنه. الثاني - ليس كل لفظ مشترك يتصور فيه التورية, بل لا بد من اشتهار معانيه وتداولها على الألسنة بخلاف اللغات الغريبة, إلا أن يختص قوم باشتهار لغة غريبة بينهم, فينبغي اعتبار حال المخاطب بها.

стр. 361

وإذ قد كشفنا اللثام عن عرائس أنواع التورية بأسرها, وفككنا رقاب أقسامها من وثاقها وأسرها, فها نحن نورد شيئاً من أمثلتها لتتميم الفائدة وتكملتها, ولم نرتبها حسب ترتيب الأنواع والأقسام, تشحيذا للأذهان, وتهذيبا للأفهام. فمنها قول الشيخ تقي الدين السروجي: في الجانب الأيمن من خدها ... نقطة مسك أشتهي شمها حسبته لما بدا خالها ... وجدته من حسنه عمها ومنه أخذ الشيخ عز الدين الموصلي فقال وأجاد: لحظت في وجنتها شامة ... فابتسمت تعجب من حالي قالت قفوا واستمعوا ما جرى ... قد هام عمي الشيخ في خالي وقال آخر: مذ همت من وجدي في خالها ... ولم أصل منه إلى اللثم قالت تعالوا واسمعوا ما جرى ... خالي قد هام به عمي والأصل في ذلك كله ما أنشده القاضي شمس الدين بن خلكان في تاريخه لبعضهم: ومورد الوجنات أغيد خاله ... بالحسن من فرط الملاحة عمه كحل الجفون وكان في أجفانه ... كحل فقلت سقى الحسام وسمه قلت: وقد صدرت وعجزت أنا هذين البيتين ولم أخرج الأول عن التورية فقلت: ومورد الوجنات أغيد خاله ... قد كاد يفتن بالوسامة عمه إن خص قلبي بالغرام فربه ... بالحسن من فرط الملاحة عمه كحل الجفون وكان في أجفانه ... عضب حكى ناب الشجاع وسمه وبكى بطرف ذي أحورار زانه ... كحل فقلت سقى الحسام وسمه ومن مخترعات القاضي الفاضل في التورية قوله: وهذا الترب أم خد لثمنا ... فآثار الشفاه عليه شامة وهذي روضة تندى وسطري ... بها غصن وقافيتي حمامة ومثله قوله: أما الثريا فنعل تحت أخمصه ... وكل قافية قالت لذلك طا وقوله: وكنت وكنا والزمان مساعد ... فصرت وصرنا وهو غير مساعد وزاحمني في ورد ريقك شارب ... ونفسي تأبى شركة في المورد ومنه أخذ الشيخ عز الدين الموصلي فقال: لقد كنت لي وحدي ووجهك حضرتي ... وكنا وكانت للزمان مواهب فعارضني في ورد خدك عارض ... وزاحمني في ورد ثغرك شارب وأول شارب ورد منهل هذه التورية -فيما أظن- قول الأول: ليس في صحة لناظره ... حصة فهو دائم السقم صرت من ريقه وطلعته ... شارب الخمر عابد الصنم وله نسخة قد اختصرت ... من فؤادي ولقبت بفم فوه عين الحياة شاربها ... خضر لم يصل إلى الظلم ومن بديع التورية أيضاً قول القائل: وأعجب ما شاهدته فيه أنه ... يكلم قلبي لحظه وهو ساكت ومثله قولي من قصيدة: وما كلمتني يوم زمت رحالها ... ولكن قلبي راح وهو مكلم ومنه قول مجير الدين بن تميم: يا أيها الملك المنصور لا برحت ... أعوام عمرك لا يحصى له عدد تجر في جمعة ذيل الخميس فلا ... يبقى إلى السبت في أرض العدى أحد وقوله في رئيس اسمه الصدر: بودي أرى في خدمة الصدر دائما ... وأنفق ما تبقي من العمر واصحبه حتى الممات منعما ... كفى شرفا ادعى به صاحب الصدر وقوله في شكوى الزمان وذم أهله: تعبدت أصنام الزمان جهالة ... وضيعت عمري عند من لا له عند فما فيهم إلا يعوق فقدته ... ولا يرتجى منهم يغوث ولا ود وقوله في رئيس صرف واعتقل: لئن صرفت وحاشا ... ك فالدنانير تصرف وما اعتقلت كريما ... إلا وأنت مثقف وقوله: وكيف أخفي غراما ... أقام بين ضلوعي والمرسلات جفوني ... والذاريات دموعي ومنه قول ابن سيناء الملك: ومع المشيب فبعد عندي صبوة ... يبلي القميص وفيه عرف المندل أنا جد أنصار النبي لأنني ... يا أشهل العينين عبد الأشهل وقوله: ليس إلا دمعي الذي من رأى جف ... ني رآه كأن دمعي هدبي أنجم الدمع لا تغيب شروقا ... مع أني ريتها في الغرب وممن أولع بالتورية كثيرا الشيخ سراج الدين الوراق فإنه ممن جعلها له بضاعة, وساعده عليها اللقب والصناعة, حتى قيل له: لولا قلبك وصناعتك لذهب نصف شعرك. فمما ورى فيه بلقبه قوله: إلهي قد جاوزت سبعين حجة ... فشكرا لنعماك التي ليس تكفر

стр. 362

وعمرت في الإسلام فازددت بهجة ... ونورا كذا يبدو السراج المعمر وعمم نور الشيب رأسي فسرني ... وما ساءني أني سراج منور وقوله: بني اقتدى بالكتاب العزيز ... وراح لبري سعيا وراجا فما قال لي أف مذ كان لي ... لكوني أبا ولكوني سراجا وقوله: وكنت حبيبا إلى الغانيات ... فألبسني الشيب هجر الحبيب وكنت سراجا بليل الشباب ... فأطفأ نوري نهار المشيب وكتب لي بعض الرؤساء: بكتبك راج لي أملي وقصدي ... وفي يدك النجاح لكل راج ولولا أنت لم يرفع مناري ... ولا عرف الورى قدر السراج وقال وقد اجتمع برئيسين يلقب أحدهما شمس الدين, والآخر بدر الدين: لما رأيت الشمس والبدر معا ... قد انجلت دونهما الدياجي حقرت نفسي ومضيت هاربا ... وقلت ما ذي ساعة السراج وقال فيمن يلقب بضياء الدين: أمولانا ضياء الدين دم لي ... وعش فبقاء مولانا بقائي فلولا أنت ما أغنيت شيئا ... وما يغني السراج بلا ضياء ومما أجاد فيه قوله: كم قطع الجود من لسان ... قلَّد في نظمه النحورا وها أنا شاعر سراج ... فاقطع لساني أزدك نورا ومما ورّى فيه بصناعة الوراقة قوله: يا خجلتي وصحائفي مسودة ... وصحائف الأبرار في إشراق وموبخ لي في القيامة قائل ... أكذا تكون صحائف الوراق وكتب إلى أبي الحسين الجزار في عيد الأضحى: أجبت بعيد النحر من كان سائلي ... عن الحال في عيدي وقد مر ذكره إذا بطل الجزار والعيد عيده ... فلا تسأل الوراق فالعذر عذره وقوله: نصب الحشا غرضا فقرطس إذ رمى ... وهي القلوب سهامها الأحداق وسألته وصلا فقال يحجني ... يا ليت شعري أينا الوراق ومن لطائفه في غير لقبه وصناعته: رفضوا الشعر جهدهم ورموه ... بينهم بالهوان والازدراء فلو أن الكتاب كان بأيديه ... م محوا منه سورة الشعراء وقوله في المعنى: وأحمق أضافنا ببقله ... لنسبة بينهما ووصله فمن أقل أدبا من سفله ... قد مد في وجه الضيوف رجله وقوله وهو في غاية الحسن: ومهفهف عني يميل ولم يمل ... يوما إلي فقلت من ألم الجوى لما لا تميل إلي يا غصن النقا ... فأجاب كيف وأنت من جهة الهوى ومنه قوله: وقفت بأطلال الأحبة سائلا ... ودمعي يسقي ثم عهدا ومعهدا ومن عجب أني أروي ديارهم ... وحظي منها حين أسألها الصدا ومنه قوله: وبي من البدو كحلاء الجفون بدت ... في قومها كمهاة بين آساد بنت عليها المعالي من ذوائبها ... بيتا من الشعر لم يمدد بأوتاد وأوقدت وجنتاها النار لا لقرى ... لكن لأفئدة منا وأكباد فلو بدت لحسان الحضر قمن لها ... على الرؤوس وقلن الفضل للبادي وممن رفعت له راية التورية فكان عرابتها, وأهل في مانوس مقطوعاته غرابتها, الشيخ أبو الحسين الجزار فمن مقاطيعه قوله موريا في صناعته: أني لمن معشر سفك الدماء لهم ... دأب وسل عنهم إن رمت تصديقي تضيء بالدم إشراقا عراصهم ... وكل أيامهم أيام تشريق وكتب إليه الشيخ نصير الدين الحمامي موريا عن صناعته: ومذ لزمت الحمام صرت بها ... خلا يداري من لا يداريه أعرف حر الأشيا وباردها ... وآخذ الماء من مجاريه فأجابه أبو الحسين الجزار بقوله: حسن التأني مما يعين على ... رزق الفتى والخطوب تختلف والعبد مذ صارت في جزراته ... يعرف من أين تؤكل الكتف ومن لطائفه البديعة ما كتب إلى بعض الرؤساء, وقد منع من الدخول إلى بيته في يوم فرح: أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعملته من خمولي أتيت لبابك أرجو الغنى ... فأخرجني الضرب عند الدخول وكتب إلى بعض الرؤساء يستهديه قطرا: أيا علم الدين الذي جود كفه ... براحته قد أخجل الغيث والبحرا لئن أمحلت أرض الكنافة إنني ... لأرجو لها من سحب راحتك القطرا هذا القطر تحلى به الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة بقوله:

стр. 363

لجود قاضي القضاة أشكو ... عجزي عن الحلو في صيامي والقطر أرجو ولا عجيب ... للقطر يرجى من الغمام ومن لطائف مجون أبي الحسين الجزار قوله: تزوج الشيخ أبي شيخة ... ليس لها عقل ولا ذهن لو برزت صورتها في الدجى ... ما جسرت تبصرها الجن كأنها في فرشها رمة ... وشعرها من حولها قطن وقائل قل لي ما سنها ... فقلت ما في فمها من سن وقوله يمدح رئيسا اسمه علي: أقول لفقري مرحبا لتيقني ... بأن عليا بالمكارم قاتله وقوله في مطلع قصيدة: يمضي الزمان وأنت هاجر ... أو ما لهذا الهجر آخر يا من تحكم في القلوب ... بحاجب منه وناظر مولاي لا تنس المحب فإن ... هـ لهواك ذاكر وإذا رقدت منعما ... فاذكر شقيا فيك ساهر شتان ما بيني وبينك ... في الهوى لو كنت عاذر النار في كبدي وظلم ... ك بارد والجفن فاتر وممن علا في التورية مقامه, وتحلى بدررها نظامه, ناصر الدين حسن بن النقيب فمن بدايع تغزلاته قوله: وما لي سوى عين نظرت لحسنها ... وذاك لجهلي بالعيون وغرتي وقالوا به في الحب عين ونظرة ... لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي ومن لطائفه قوله: أنت طوقتني صنيعا وأسمع ... تك شكرا كلاهما ما يضيع فإذا ما شجاك سجعي فإني ... أنا ذاك المطوق المسموع وقوله: أبيات شعرك كالقصور ... ولا قصور بها يعوق ومن العجائب لفظها ... حر ومعناها رقيق وقوله: جودوا لنسجع بالمدي ... ح على علاكم سرمدا فالطير أحسن ما يغر ... د عندما يقع الندا ومن لطائف الحكيم شمس الدين بن دانيال قوله: يا سائلي عن حرفتي في الورى ... وضيعتي فيهم وإفلاسي ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس وقوله: ما عاينت عيناي في عطلتي ... أقل من حظي ومن بختي قد بعت عبدي وحماري معا ... وصرت لا فوقي ولا تحتي ومن بدائع القاضي محي الدين بن عبد الظاهر قوله: لقد قال كعب في النبي قصيدة ... وقلنا عسى في فضلها نتشارك فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك وقوله: شكرا لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحية لا غرو إن حفظت أحا ... ديث الهوى فهي الذكية وهذه النكتة أخذها الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال: يا طيب نشر هب لي من نحوكم ... فأثار كامن لوعتي وتهتكي أهدى تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا نشر ذكي وأشار إلى هذه السرقة الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة بقوله: -ولم يخرج عما نحن فيه من التورية- إن ابن أبيك لم تزل سرقاته ... تأتي بكل قبيحة وقبيح نسب المعاني في النسيب لنفسه ... جهلا فراح كلامه في الريح لا تسلني عن أول العشق أني ... أنا فيه قديم هجر وهجره من دموعي ومن جبينك أرخ ... ت غراما بمستهل وغره لكن تعقبه بعضهم, بان المستهل في البيت بكسر الهاء, لأنه يناسب الدموع, والمستهل الذي يؤرخ به إنما هو بفتح الهاء, من قولهم: استهل الهلال, ببناء الفعل لما لم يسم فاعله, فقولهم, كتب لمستهل شهر كذا؛ أي لوقت استهلاله, فلا تصح التورية في مستهل. وقال البدر الدماميني في شرح التسهيل: فإن قلت: فهل له من وجه؟ قلت: يمكن أن يجعل المستهل اسم فاعل من قولهم: استهل الهلال, بمعنى تبين -ذكره في الصحاح- فيكون المراد بالمستهل بكسر الهاء, الهلال المتبين, ويصير حاصل قولهم: كتب لمستهل شهر كذا, بمثابة قولك: كتب لهلال كذا, أي وقت هلاله على حذف المضاف, وإقامة المضاف إليه مقامه والمراد بوقت الهلال وقت ظهوره, وهذا غاية ما يظهر فيه. وقد زاحمه الشيخ جمال الدين بن نباتة على هذه التورية فقال: أخط سؤالي بالرقاع ولا أرى ... جفاءك يا هذا بوصلك ينسخ ويذبح جفني بالدموع وماله ... سوى الشهر بعد الشهر في البعد يسلخ ترى هل لعامي من جبينك غرة ... بها لا بدمعي المستهل يؤرخ لئن أشبهت منك الغصون معاطفا ... لقد أصبحت أيضاً تنبيه وتشمخ

стр. 364

ومن بديع اقتباس القاضي المذكور بالتورية قوله: بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين كم قد دفعت عواذلي من وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن وألم به الشيخ عز الدين الموصلي وما خرج عن إيضاحه بقوله رحمه الله تعالى: قد سلونا عن المليح بخود ... ذات وجه به الجمال تفنن ورجعنا عن التهتك فيه ... ودفعناه بالتي هي أحسن ومنه قوله: يا سيدي إن جرى من مدمعي ودمي ... للعين والقلب مسفوح ومسفوك لا تخش من قود يقتص منك به ... فالعين جارية والقلب مملوك ومنه قوله: ذو قوام يجور منه اعتدال ... كم طعين به من العشاق سلب القضيب لينها فهي غيظا ... واقفات تشكوه بالأوراق ومنه قوله: يا رب كأس صرت من شربها ... من بعد رشفي ريق معشوقي ملتهب الأحشاء نارا لأن ... شربتها منه على الريق ومن لطائف الشيخ عبد العزيز الأنصاري شيخ الشيوخ بحماة قوله: أفدي حبيبا رزقت منه ... عطف محب على حبيب بوجنة ما أتم ربحي ... وقد غدا وردها نصيبي ومنه قوله: ولا تنس وجدي بك يا شادنا ... بحبه أنسيت أحبابي ما لي على هجرك من طاقة ... فهل إلى وصلك من باب ومنه قوله: مرضت ولي جيرة كلهم ... عن الرشد في صحبتي حائد فأصبحت في النقص مثل الذي ... ولا صلة لي ولا عائد ومن لطائفه قوله: أكملت ستا وأربعين بها ... أخلت همومي من راحتي ربعي وجزت في السبع خائفا وجلا ... لأنني جائز على سبع ومن لطائف مجونه قوله: سألته من ريقه شربة ... أطفئ بها من كبدي حره فقال أخشى يا شديد الظما ... أن تتبع الشربة بالجر ومن بدائع الأمير مجير الدين بن تميم قوله: لما لبست لبعده ثوب الضنى ... وغدوت من ثوب اصطباري عاريا أجريت واقف أدمعي من بعده ... وجعلته وقفا عليه جاريا ومن نكتة الغريبة قوله في سجادة: أيا حسنها سجادة سندسية ... يرى للتقى والزهد فيها توشم إذا ما رآها الناسكون ذووا الحجى ... أمامهم صلوا عليها وسلموا ومن لطائفه قوله: وعيرني بالشيب قوم أحبهم ... فقلت وشأن العاشقين التجمل بعثتم إلى رأسي المشيب بهجركم ... ومهما أتى منكم على الرأس يحمل ومن بدائع نكتة قوله: وليلة بت أسقى في غيابها ... راحا تسل شبابي من يد الهرم ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم ومن لطائف نكتة في أغزاله قوله: خليلي قد صاد الفؤاد بحسنه ... غزال به عذر المحبين واضح ولا غرو أن صاد الفؤاد بلحظة ... ألم تعلما أن العيون جوارح ومن لطائف نكته قوله: قالوا رأيناك كل وقت ... تهيم بالشرب والغناء فقلت أني فتى قنوع ... أعيش بالماء والهواء وقال في إهداء مهرة حمراء وهي من مخترعاته: هنيتها يا مالكي مهرة ... جميلة الخلق بوجه جميل مؤخرها والعنق قد أوقعا ... قلب الأعادي في العريض الطويل قد لبست من شفق حلة ... تخبرنا أن أباها أصيل ومن محاسن بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي قوله: عرج على الزهر يا نديمي ... ومل إلى ظله الظليل فالروض يلقاك بابتسام ... والريح تلقاك بالقبول ومنه قوله: وحديقة مطلولة باكرتها ... والشمس ترشف ريق أزهار الربا يتكسر الماء الزلال على الحصى ... فإذا جرى بين الرياض تشعبا ومن هنا أخذ الشيخ برهان الدين إبراهيم القيراطي فقال من قصيدة: وكأن ذاك النهر فيه معصم ... بيد النسيم منقش ومكتب وإذا تكسر ماؤه أبصرته ... في الحال بين رياضه يتشعب ومنه قوله: أدر كؤوس الراح في روضة ... قد نمقت أزهارها السحب الطير فيها شبق مغرم ... وجدول الماء بها صب ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباته قوله: دمعي عليك مجانس قلبي ... فارث على الحالين للصب ومنه قوله: البرد قد ولى فمالك راقدا ... يا أيها المدثر المزمل

стр. 365

أو ما ترى وجه الربيع وحسنه ... والروض يضحك والحيا يتهلل ومن لطائف تغزلاته قوله: حلا نبات الشعر يا عاذلي ... لما بدا في خده الأحمر فشافني ذاك العذار الذي ... نباته أحلى من السكر ومثله في اللطف قوله: شوقي إليك على البعاد تقاصرت ... عنه خطاي وفصرت أقلامي واعتلت النسمات فيما بيننا ... مما أحملها إليك سلامي ومنه قوله أيضاً: تعشقته لدن القوام مهفهفا ... شهي اللما أحوى المراشف أشنبا وقالوا بدا حب الشباب بوجهه ... فيا حسنه وجها إلينا محببا ومن نكته اللطيفة الغريبة البديعة قوله: وذى قوام أهيف ... بين الندامى قد نشط قام يقط شمعة ... فهل رأيت البدر قط ومنه قوله: وبمهجتي المتحملون عشية ... والركب بين ملازم وعناق وحداتهم أخذت حجازا بعدما ... غنت وراء الركب في عشاق ومن لطائفه الغريبة قوله: رفقا بصب مغرم ... أبليته صدا وهجرا وافاك سائل أدمعي ... فرددته في الحال نهرا ومن لطائف قوله: يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو يمر بي كل وقت ... وكل ما مر يحلو ومن لطائف القاضي محي الدين بن قرناص الحموي قوله: مذ أتينا نبغي زيارة دوح ... قد حبانا بالجود والأكرام ناولتنا أيدي الغصون ثمارا ... أخرجتها لنا من الأكمام وقوله في مليح معذر: ووجنة قد غدت كالورد حمرتها ... وأشبه الآس ذاك العارض النضر كأن موسى كليم الله أقبسها ... نارا وجر عليها ذيله الخضر وهذا المعنى استعمله في شجرة نارنج فقال: نارنجة برزت في منظر عجب ... زبرجد ونضار صاغه المطر كأن موسى كليم الله أقبسها ... نارا وجر عليها ذيله الخضر ومن لطائفه في أغزاله قوله: هويت في مكتب غلاما ... قلبي بهجرانه جريح أهيف أضحى ضعيف خط ... وإنما شكله مليح ومنه قوله: قبلت خط عذراه لما بدا ... وهصرت لين قوامه المياس وطلبت لي من خده المحمر ما ... يشفي الجوى فجاءني بآلاس ومن لطائفه في أغزاله قوله: إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ناضرة أنزلتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهرة ومن طرائف الشاب الظريف شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني قوله فيما يكتب على كأس: -وأجاد: - أدور لتقبيل الندامى ولم أزل ... أجود بنفسي للندامى وأنفاسي وأكسو أكف الشرب ثوبا مذهبا ... فمن أجل هذا لقبوني بالكاس ومن هنا أخذ الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة فقال مضمنا: يا صاح قد حضر الشراب ومنيتي ... وحظيت بعد الهجر بالإيناس وكسى العذار الخد حسنا فاسقني ... واجعل حديثك كله في الكاس وقوله وقد أهدى مجموعا: يا أيها الصدر الذي وجه العلا ... منه يزان بمنظر مطبوع لا يعتقد قلبي يحبك وحده ... ها قد بعثت لسيدي مجموعي ومن نكته البديعة التي لم يسبق إليها قوله: كان ما كان وزالا ... فاطرح قيلا وقالا أيها المعرض عنا ... حسبك الله تعالى أخذه القاضي مجد الدين فقال: يا غصنا في الرياض مالا ... حملتني في هواك مالا يا رائحا بعدما سباني ... حسبك رب السما تعالى ومن لطائفه أيضاً قوله: يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواء ثاني لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان وقد أورد على البيتين إيراد حسن, وهو أن الساكنين إذا اجتمعا كسر أحدهما وهو الأول, وكلامه يؤدي إلى أن المكسور غيرهما. قال بعضهم: يمكن توجيه ما في البيتين بجعل في للسببية, أي لأي سبب كسرت قلبي والحال انه ما التقى فيه ساكنان, بسبب سكونه وإخلاده إلى حضيض الاطمئنان, وعدم تحركه واضطرابه خوفا من طروق نار الهجر, فيكون القلب إذا أحد الساكنين. ويحسن توجه السؤال عن كسره بلامين فتدبر. انتهى كلامه. ونظم بعضهم جوابا للبيتين وهما: سكنته وهو ذو سكون ... لم يثنه عن هواي ثاني فكان كسري له قياسا ... لما التقى فيه ساكنان وقال في مليح بدوي:

стр. 366

بدوي كم جدلت مقلتاه ... عاشقا في مقاتل الفرسان ذو محيا يصيح يا لهلال ... ولحاظ تقول يا لسنان وقال في مليح جرح بسكين: لم تجرح السكين كف معذبي ... إلا لمعنى للغرام يحقق هي مثل ما قد قيل جارحة له ... ولكل جارحة إليه تشوق وقال يصف بساطا: بساط يملأ الأحداق حسنا ... ويهدي للقلوب به سرورا ويشرح حين يبسط كل صدر ... وخير البسط ما شرح الصدورا وقوله وقد احتجب بعض أصحابه عنه: ولقد أتيت إلى جنابك قاضيا ... باللثم للعتبات بعض الواجب وأتيت أقصد زورة أحيا بها ... فرددت يا عيني هناك بحاحب ومنه قوله: أيسعدني يا طلعة البد طالع ... ومن شقوتي خط بخدك نازل ولو أن قسا واصف منك وجنة ... لأعجزه نبت بها وهو باقل أخذه الشيخ جمال الدين فقال: تطاولت الأغصان تحكي قوامه ... وعند التناهي يقصر المتطاول وأعيا فصيح الوقت نبت عذاره ... وعير قسا بالفهامة باقل ومن لطائف نكت ابن العفيف قوله: وافى بوجه كالهلال مركب ... في قامة غصنية هيفاء وبمقلة خفق الفؤاد وقد رنت ... وكذا الجنون يكون عن سوداء ومن لطائف اختراعاته قوله: بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من ليل الذوائب في جنح فقلت عجيب كيف لم يذهب الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح ومنه قوله والنكتة بديعية غريبة: أسكرني باللفظ والمقلة ال ... كحلاء والوجنة والكاس ساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاسي ومنه قوله مع حسن التضمين: جلا ثغرا وأطلع لي ثنايا ... يسوق بها المحب إلى المنايا وانشد ثغره يبغي افتخاراً ... أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ومن لطائفه قوله: بأبي شادن غدا الوجه منه ... يخجل النيرين في الإشراق سلب القضب لينها فهي غيظا ... واقفات تشكوه بالأوراق ومن نكته البديعة الغريبة قوله: ومستتر من سنا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في كوى القلب منى بلام العذار ... فعرفني أنها لام كي ومن نكته التي تطفل الناس بعده عليها قوله: بأبي أفدي حبيبا ... تيم القلب غراما عذر العازل فيه ... مذ رأى العارض لاما ومن محاسن سيف الدين بن المشد في التورية قوله: ومجلس راق من واش يكدره ... ومن رقيب له باللوم إلمام ما فيه ساع سوى الساقي وليس به ... على الندامى سوى الريحان نمام ومن لطائفه قوله: لئن صرفت وحاشا ... ك فالدنانير تصرف وما اعتقلت كريما ... إلا وأنت مثقف ومن لطائفه أيضاً قوله: لعبت بالشطرنج مع شادن ... رشاقة الأغصان من قده أحل عقد البند من خصره ... والثم الشامات من خده ومن بدايع الشيخ علاء الدين الوادعي قوله: أثخنت عينها الجراح ولا إث ... م عليها لأنها نعساء زاد في عشقها جنوني فقالوا ... ما بهذا فقلت بي سوداء وقوله: والروض يهدي مع نسيم الصبا ... نشر خزاماه وريحانه وراسل القمري ورقاءه ... يشدو على أوتار عيدانه وقوله: لي مع الطرف كاتب يكتب الشو ... ق إليه إذا الفؤاد أمله سلسل الدمع في صحيفة خدي ... هل رأيتم مسلسلات ابن مقلة وقوله: قلبي مطيع في هواك وأنت لي ... من بين دوح الحسن غصن خلاف وقوله: كيف أقوى لحمل سخط وبعد ... بعد ما كان عن رضى وتداني فتكرم بعطفة والتفاف ... مثلها في الأغصان والغزلان وقوله: قال لي العاذل المفند فيها ... يوم وافت وسلمت مختاله قم بنا ندعي النبوة في العش ... ق فقد سلمت علينا الغزالة وقوله: وليلة خلت مجلسنا سماء ... وصحبي كالثريا في اجتماع فبات الطرف يرعى البدر منهم ... إلى أن حل منزلة الذراع وقوله: يا عز والله العزيز الذي ... قضى على نفسي بإذلالها ما خطرت من نحوكم نسمة ... إلا تمسكت بأذيالها وقوله: رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي

стр. 367

وما في ذاك من بدع ... سهام الليل لا تخطي وقوله: أهل نجد هل تنجدون محبا ... صاده بالغوير ظبي ملول كم دماء مطلولة في هواه ... وبها روض خده مطلول وحديث عن السقام صحيح ... قد رواه عن طرفه مكحول ومن بدايع الشيخ جمال الدين بن نباتة قوله: ومولع بفخاخ ... يمدها وشباك فقالت العين ماذا ... يصيد قلت كراك وقوله: أسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب صرعت طيرا وسكنت الحشا ... فما تعديت عن الواجب وقوله: وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنني نشوان من شفتيه شغف العذار بخده وأراه قد ... نعست لواحظه فدب عليه وقوله: بروحي عاطر الأنفاس ألمى ... ملي الحسن حالي الوجنتين له خالان في دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال: بروحي عاطر الأنفاس أضحت ... عليه شامة شرط المحبة كأن الحسن يعشقه قديما ... فنقطة بدينار وحبه فلما وقف الشيخ جمال الدين على هذين البيتين قال: لا إله إلا الله, سرق الشيخ صلاح الدين _كما يقال_ من الحبتين حبة. قال الشيخ جمال الدين: قلت: يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال فاتنتي ألذ وأزين فانظر إلى حسنيهما متأملا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن (فأخذه الشيخ صلاح الدين مع البحر, بل أخذ الكل مع القافية وقال: بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين كم قد دفعت عواذلي عن وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن) وقوله: فديتك أيها الرامي بقوس ... وطرفك يا ضنا جسدي عليه لقوسك نحو حاجبك انجذاب ... وشبه الشيء منجذب إليه وقوله: أشكوا إلى الله ما أكابد من ... دمامل مسني بها الضر فالليل عندي من حالها سنة ... فما لليلي ولا لها فجر وقوله: بروحي فاتر الأجفان ساج ... كأن الحسن لفظ وهو معنى تفرد وهو فتان التثني ... فيا الله من فرد تثنى أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال: وأهيف حاز قدا ... قد حار فيه المعنى تراه في الحسن فردا ... لكنه يتثنى وقوله: بروحي جيرة أبقوا دموعي ... وقد رحلوا بقلبي واصطباري كأنا للمجاورة اقتسما ... فقلبي جارهم والدمع جاري وقوله: لك يا أزرق اللواحظ مرأى ... قمري أضحى على الخلق ينهى يا لها من سوالف وخدود ... ليس تحت الزرقاء أحسن منها وقوله: يا مجريا دمعي وموقف لوعتي ... من جسمي المضني على الأطلال يا من إذا سألوه عن بدر الدجى ... والمسك قال أخي الشقيق وخالي وقوله: هنيتم آل الشهيد بنجمكم ... وبوجه مولود لكم ما أزهره من قبل ما عملت لديه عقيقة ... عملت له المدح الجواري جوهره أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال: أيا أندى الورى كفا ووجها ... وأقومهم إلى العليا طريقة لقد جاءتك جوهرة المعاني ... فلا تبخل علينا بالعقيقة وقوله: يا غائبين تعللنا لغيبتهم ... بطيب عيش ولا والله لم يطب ذكرت والكاس في كفي لياليكم ... فالكأس في راحة والقلب في تعب وقوله: بقلت وجنة المليح وقد ولى ... زمان الصبا الذي كنت أملك يا عذار الحبيب دعني فإني ... لست في ذا الزمان من خل بقلك وقوله: إني إذ آنست هما طارقا ... عجلت باللذات قطع طريقه ودعوت ألفاظ المليح وكاسه ... فنعمت بين حديثه وعتيقه وقوله: لله خال على خد الحبيب له ... والعاشقين كما شاء الهوى عبث أورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عهدي أن الخال لا يرث وقوله: وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنا أجل نظرا في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى وقوله: بروحي مشروط على الخد أسمر ... دنا ووفى بعد التجنب والسخط وقال على اللثم اشترطنا فلا تزد ... فقبلته ألفا على ذلك الشرط وقوله:

стр. 368

وا حربا من هوى رشيق ... معتدل كالقضيب مائل عذراه لا يجيب دمعي ... وسائل لا يجيب سائل وقوله: وضعت سلاح الصبر عنه فما له ... يقاتل بالألحاظ من لا يقاتله وسال عذار فوق خديه جائر ... على مهجتي فليتق الله سائله وقوله: أفديه لدن القوام منعطفا ... يسل من مقلتيه سيفين وهبت قلبي له فقال عسى ... نومك أيضاً فقلت من عيني وقوله: مبقل الخد أدار الطلا ... وقال لي في حبها عاتبي عن أحمر المشروب ما تنتهي ... قلت ولا عن أخضر الشارب وقوله: يا واصف الخيل بالكميت وبال ... نهد أرحني من طول وسواس لا نهد إلا من صدر غانية ... ولا كميت إلا من الكاس ومن هنا أخذ الشيخ فخر الدين ابن مكانس وقال: ان ذكرت الخيل في الميدان ... فاشرب كميتا واعل فوق نهد وقوله: إذا سألوني عن هوى قد كتمته ... سكت أراعي واشيا ورقيا وجاوب عني سائل من مدامعي ... فيا لك دمعي سائلا ومجيبا ومن اختراعاته الغريبة مع بديع التضمين قوله: لما رأيت نهودها قد أقبلت ... ورأت لقلبي عشقه يتجدد قالت وقد رأت اصفراري من به ... وتنهدت فأجبتها المتنهد وقوله: وتاجر قلت له اذرنا ... رفقا بقلب صبره خاسر ومقلة ينهب طيب الكرى ... منها على عينيك يا تاجر وهذه النكتة زاحمه فيها الشيخ زين الدين بن الوردي وزنا وقافية ومعنى وقال: وتاجر شاهدت عشاقه ... والحرب فيما بينهم دائر قال علام اقتتلوا هكذا ... قلت على عينيك يا تاجر وقوله: يا حبذا خد الحبيب ... وقد أضاء شريقه إن لم يكن في الحسن نف ... س الروض فهو شقيقه أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال: فديت حبيبا ضرج الحسن وجهه ... وصب على خديه ذوب عقيق إذا أبصر الروض المدبج خده ... يقول لنا هذا أخي وشقيقي وقوله: نسبوه حسنا للهلال وعينه ... للظبي تنسب لا رميت ببينه فإذا بدا فإلى هلال أصله ... وإذا رنا فهو الغزل بعينه وقوله: يرنو فيشرق حسنه ... في ناظري ولهانه فهو الغزالة والغزا ... ل بعينه وعيانه وقوله: دعوني في حلي من العيش ما شيا ... ومرتقبا من بعده عفو راحم أمد إلى ذات الأساور مقلتي ... وأسأل للأعمال حسن الخواتم وقوله: سلت مهجة قد كان صدعها الأسى ... فلا آخذ الله الأسى بصدوعها وعين على حالي بعاد وجفوة ... عفا الله عما قد جرى من دموعها ومن نكتة البديعة في المدائح قوله: لنا ملك قد قاسمتنا هباته ... فنشر العطا ونظم الثنا منا يذكرنا أخبار معن بجوده ... فننشي له لفظا وينشي لنا معنا وقوله: لا عدمنا لابن الأثير يراعا ... جاريا للعفاة بالأرزاق كلما ماس في المهارق كالغص ... ن رأيت الندى على الأوراق وقال وقد كتب إليه الملك المؤيد صاحب حماة: فديتك من ملك يكاتب عبده ... بأحرفه اللاتي حكتها الكواكب ملكت بها رقي وأنحلني الأسى ... فها أنا ذا عبد رقيق مكاتب وقال يهنئ الصاحب شمس الدين بخلعة: تهن مدى الأيام بالخلع التي ... وجدنا بها الأيام واضحة الأنس أضاء بها وجه الزمان وأهله ... ولم لا ومن أطواقها مطلع الشمس وقوله: قصدت معاليك أرجو الندى ... وأزجي من العسر داء فينا فما كان بيني وبين اليسار ... سوى أن مددت إليك اليمينا وقوله يهني محتسبا: تهن بها حسبة أدركت ... بأيام فضلك ما ترتقب فإنك من أسرة تصطفي ... وترزق من حيث لا تحتسب ومنه بقوله يهني بعيد النحر: تهن بعيد النحر وابق ممتعا ... بأمثاله سامي العلي نافذ الأمر تقلدنا فيه قلائد أنعم ... وأحسن ما تبدو القلائد في النحر ومنه قوله _وقد أرسل إليه شرف الدين خالد القيسراني هدية جليلة في وقتها: لك الله ما أزكى وأشرف همة ... وأحمد صنعا حيث تبلى المحامد فأنت الذي قرت برؤيته العلى ... وهنئت الدنيا بأنك خالد وقوله:

стр. 369

فديناك يا بن المحسنين مجودا ... بأقلامه أو جائدا بمكارمه فحاتم عند الجود في بطن كفه ... وياقوت عند الخط في فص خاتمه وقال يداعب صديقا له يروم ولاية القضاء: رب إن ابن عامر مولع الفك ... ر معنى في صبحه والمساء يتمنى عند الجود في بطن كفه ... وياقوت عند الخط في فص خاتمه ومن لطائفه في هذا الباب قوله: لقد عدناكم لما ضعفتم ... فلا والله ما جاز يتمونا أقيموا في ضناكم أو أفيقوا ... فإن عدنا فإنا ظالمونا ومن لطائفه قوله: فقد لقبوا الراح بالعجوز وما ... تخرج ألقابهم عن العاد ألانت الغادة التي امتنعت ... فصح إن العجوز قواده وقال يداعب صديقاً له طلق زوجة تسمى دنيا: قل لابن بغلان الذي أصبحت ... كرته بين الورى خاسره ظلمت دنياك وفارقتها ... ورحت لا دنيا ولا آخره وقوله: تبسم الشيب بذقن الفتى ... يوجب سح الدمع من جفنه حسب الفتى بعد الصبا ذلة ... أن يضحك الشيب على ذقنه وقوله: لله تصنيف له رونق ... كرونق الحبات في عقدها كادته تصانيف الورى عنده ... تمت للهيبة في جلدها وقوله وقد توفي له ولد لم يبلغ حولا: يا راحلا من بعدها بعدما أقبلت ... مخائل للخير مرجوة لم تكتمل حولا وأورثتني ... ضعفا فلا حول ولا قوة ومثله قوله في ولده عبد الرحيم: يا لهف قلبي على عبد الرحيم ويا ... شوقي إليه ويا شجوتي ويا دائي في شهر كانون وافاه الحمام لقد ... أحرقت بالنار يا كانون أحشائي ومنه قوله فيه: آه لشمل قد وهي سلكه ... وكان ذا در بعبد الرحيم فليتني لاقيت عنه الردى ... وعاش ذاك الدر درا يتيم وقال في رثاء طفل: بدا وفي خاله توار ... فيا لها طلعة شريقه جوهرة ما عملت إلا ... دموع عيني لها عقيقه وقال في رثاء ولده أيضاً: قالوا فلان قد جفت أفكاره ... نظم القريض فلا يكاد يجيبه هيهات نظم الشعر منه بعدما ... سكن التراب وليده وحبيبه ومن محاسن الشيخ صلاح الدين الصفدي في باب التورية قوله: أفديه ساجي العيون حين رنا ... أصاب مني الحشا بسهمين أعدمني الرشد في هواه ولا ... أفلح شيء يصاب بالعين وقوله: لقد شب جمر القلب من فيض عبرتي ... كما أن رأسي شاب من موقف البين فإن كنت ترضى لي مشيبي والبكا ... تلقيت ما ترضاه بالرأس والعين وقوله: ان عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها وقوله: ان لم تصدقني تصدق بالكرى ... ليزورني فيه الخيال الزائل وانظر إلى فقري لوصلك واغتنم ... أجري وقل للدمع قف يا سائل وقوله: كن كيف شئت فإن قد ... رك قد علا عندي وعزا مات السلو تعيش أن ... ت أما رأيت الصبر عزا وقوله: قالوا حكى بدر الدجى وجه الذي ... تهوى فقلت لهم قفوا وتربصوا أنا ما أصدق من عليه كلفة ... فإذا حكى شيئاً يزيد وينقص وقوله: يقولون حاكاه الهلال فلا تزغ ... عن الحق واعرف ذاك إن كنت تنصف فقلت إذا ما صار بدرا مكملا ... حكاه ومع هذا عليه تكلف وقوله: أقول وحر الرمل قد زاد وقده ... ومالي إلى شم النسيم سبيل أظن نسيم الجو قد مات وانقضى ... فعهدي به في الشام وهو عليل وقوله: قل للعذول يسترح من عذلي ... ما أصبح المعشوق عندي مشتهى وارتد قلبي عن سيوف لحظه ... وكل شيء بلغ الحد انتهى وقوله: أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه كل معنى شارد وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فأبى وراح تغز لي في البارد وقوله: سكن البدو من أحب فقالوا ... زاد أهل الغرام في البعد بعدا قلت بالله هل سمعتم ببدر ... غاب عن عاشقيه لما تبدا وقوله: أملت أن تتعطفوا بوصالكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا يرى وعلمت أن بعادكم لا بد أن ... يجري له دمعي وكذا جرى وقوله:

стр. 370

تناءى الذي أهوى فمت صبابة ... فقال عجيب كل أمرك في الهوى صبرت لطرفي إذ رمتك سهامه ... ولم تتصبر إذ رمتك يد النوى وقوله: بأسياف الجفون قتلت نفسا ... مبرأة عن الشكوى زكية فما أقوى جفونك وهي مرضى ... وأقدرها على قتل البرية وقوله: جاء بقد قد ثنته الصبا ... ورنحت أعطافه السامية ومذ غدا في لينه واحدا ... كانت له ريح الصبا ثانية وقوله: يا قلب صبرا على الفراق ولو ... روعت ممن تحب بالبين وأنت يا دمع أن أبحت بما ... أخفيت وجدا سقطت من عيني وقوله: لولا شفاعة شعره في صبه ... ما كان زار ولا أزال سقاما لكن تطاول في الشفاعة عنده ... وغدا على أقدامه يتراما وقوله: قالوا علا نيل مصر في زيادته ... لقد بلغ الأهرام حين طما فقلت هذا عجيب في بلادكم ... إن ابن ستة عشر يبلغ الهرما وقوله: لجود قاضي القضاة أشكو ... عجزي عن الحلو في صيامي والقطر أرجو ولا عجيب=فالقطر يرجى من الغمام وقوله: قلت له إذ هز لي ذقنه ... ولام فيمن همت في عشقها تذكر إذ غنت فنادى نعم=فقلت وا شوقي إلى حلقها وقوله: مللت كتابا أخلق الدهر جلده ... وما أحد في دهره بمخلد إذا عاينت كتبي الجديدة حاله ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد ومن محاسن الشيخ زين الدين بن الوردي: يا سائلي تصبرا ... عن لثم فيه لا تسل ما تستحي تبدلني ... بالصبر عن ذاك العسل وقوله: ومليح إذا النحاة رأوه ... فضلوه على بديع الزمان برضاب عن المبرد يروي ... ونهود تروي عن الرماني وقوله: قالت إذا كنت تهوى ... أنسي وتخشى نفوري صف ورد خدي وإلا ... أجور ناديت جوري وقوله: ضممتها عند اللقا ضمة ... منعشة للكلف الهالك قالت تمسكت وإلا فما ... هذا الشذا قلت بأذيالك وقوله: وأغيد يسألني ... ما المبتدأ والخبر مثلهما لي مسرعا ... فقلت أنت القمر وقوله: مهفهف القد إذا ما انثنى ... يقول لا تخش من الرد ما أنت حملي يا كثيب النقا ... ولست يا غضن النقا قدي لو نلت من خديه تقبيلة ... تزين الريحان بالورد وقوله: هويت أعرابية ريقها ... عذب ولي فيها عذاب مذاب رأسي من شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب وقوله: تقويم قدك مال يا من يغره ... در يقصر دونه التقويم إني لأبكي من جفاك ولي أب ... وثغر يضحك منه وهو يتيم وقوله: قلت لفرا فرى أديمي ... وزاد صدأ وزاد هجرا قد فر صبري وفر نومي ... قال نعم مذ عشقت فرا وقوله: ووعدت أمس بأن تزور فلم تزر ... فغدوت مسلوب الفؤاد مشتتا ي مهجة في النازعات وعبرة ... في المرسلات وفكرة في هل أتى ومن أغراضه اللطيفة قوله في صديق له بالمعرة يقال له شمس: لي بالمعرة شمس ... رضاه غير مرادي فلا تذموه اني ... أدري بشمس بلادي وقوله: يا شمس أشعلت شمعا ... عليك عشر الأصابع رغما لمن قال قبلي ... الشمع في الشمس ضائع ومنه قوله في آل النصيبي بحلب: فؤادي إلى آل النصيبي مائل ... وودي لهم في محضري ومغيبي فبيني وبين القوم تجانس ... إذا طاب أصل الورد كان نصيبي وقوله: لي صاحب واسمه سراج ... ما قر لي عنده قرار لسانه محرق لقلبي ... إن لسان السراج نار وقوله: مرض الفؤاد وصح ودي فيهم ... وأقام تذكاري وصبري نازح إنسان عيني كم سهادا كم بكا ... يا أيها الإنسان إنك كادح وقوله: يا آل بيت النبي بذلت ... في حبكم روحه فما غبنا من جاء عن بيته يحدثكم ... قولوا له البيت والحديث لنا وقوله: من ولي الحسبة يصبر على ... تعرض الواقف والسائر فليس يحظى بالمنى والغنى ... فيهم سوى المحتسب الصابر زوجة مجد الدين والداها ... في أخذ عرض المجد أشبهاها

стр. 371

أن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها ومن تحريرات القيراطي قوله: لما تبدا قوام قامته ... وحاجباه لناظر العين رأيت موتي بسيف ناظره ... من قيد رمح وقاب قوسين وقوله: تنفس الصبح فجاءت لنا ... من نحوه الأنفاس مسكيه وأطربت في العود قمرية ... وكيف لا تطرب عوديه وقوله: أرتاح للأقمار وهي طوالع ... وشموس راح للمغارب تجنح ويهزني زجل الطيور بلحنها ... والروض بالزهر النظيم موشح وقوله: شبه السيف والسنان بعيني ... من لقتلي بين الأنام استحلا فأبي السيف والسنان وقالا=حدنا دون ذاك حاشا وكلا وقوله: أهيم بأعطاف القدود صبابة ... وإن هي زادتني جفا وتباعدا ويعجبني بين الأنام تطفلي ... عليها إذا شاهدتهن موائدا وقوله: عبدك يا من جفا وصد وما ... درى بصب يموت بالكمد جرى على الخد من مدامعه ... في الحب ما لا جرى على أحد وقوله: جزت النقا فحويت لين غصونه ... وكثيب واديه وجيد غزاله وأخذت حسن البدر منه وقد بدا ... في أفقه بتمامه وكماله وقوله: يا هاجرا أوقعني هجره ... وصده في حالة صعبه أخذت قلبي بالتجني وما ... تركت لي منه ولا حبه ومن لطائف ابن المعمار: لما تبدا عذار الحب قلت له ... رفقا ومهلا عليه أيها الجاني ولا تخشن فما في الخد محتمل ... بأن تخط عليه عرق ريحان وقوله: تملك قلبي خادم قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد أقول لصحبي حين يرنو بلحظه ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي ومن لطائفه قوله مع التضمين: عزمت على رقيا محاسن وجهه ... بأنوار آيات الضحى حين أقبلا فلما بدا يفتر عن نظم ثغره ... بدأت ببسم الله في النظم أولا وقوله: أيا بدر المحاسن حزت جودا ... وفضلا شاع بين العالمينا وكنت من الكرام فحزت خطا ... فصرت من الكرام الكاتبينا وقوله: قسما بما أوليت من أحسانه ... وجميله ما عشت طول زماني هذا وإن كنتم على سفر به ... فتيمموا منه صعيدا طيبا وقوله: قد ذبت من كربي لفقد النسا ... أفور كالتنور من ناريه وقد طغى الماء فمن لي بأن ... أحمل بالجود على جارية ومن لطائف العلامة شمس الدين بن الصائغ الحنفي رحمه الله تعالى في باب التورية قوله: من هجر سلمى ما سلمت ومن ترى ... يقوى لحمل الشوق والهجران لا تغترر يوما بحلو رضابها ... فلقد بدا من قدها مران وقوله: ثنى غصنا ومد عليه فرعا ... كحظي حين أطلب منه وصلا وأسبله على الأرداف منه ... ولم أرى مثل ذاك الفرع أصلا وقوله: هجرت فأحشائي توقد جمرها ... هذا وليست في المحبة فاتره وتظل تحرقني بنيران الجفا ... ومن الذي يقوى لنار الهاجره وقوله: يا مليحا رووا لنا عنه حسنا ... وقبيح إن لم يكن ثم حسنى طبت لفظا مع الرواة ولكن ... ينبغي أن تكون في الدهر معنى وقوله: بروحي أفدي خاله فوق خده ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخالي وقوله في الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: لتقي الدين ذقن ... تملأ الكف وتفضل فاعمل المنخل منها ... لدقيق العيد وانخل وقوله: جفني عليك ساهر ... بحرقة قد ذقتها ودمعتي جارية ... إن زرتني أعتقتها وقوله في قيم حمام: وقيم قيم في حسن صنعته ... حاز الجمال على حسن من الترف لو يخدم البدر أنقى من البدر من كلف ... لكنه لم يزل ما بي من الكلف ومن أغراضه البديعة في الشطرنج قوله: تأمل ترى الشطرنج كالدهر دولة ... نهارا وليلا ثم بؤسا وأنعما محركها باق وتفنى جميعها ... وبعد الفنا تحيا وتبعث أعظما وقوله: فاخرت الأقلام سمر القنا ... والسعد في الأقسام مكتوب فقلت للخطي لا تستطل ... كلاكما للخط منسوب وقوله:

стр. 372

ولائم زاد لوما ... في أسود أشتهيه وقال أسود تهوى ... فقلت عينك فيه ومن مختارات الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة قوله: قل للهلال وغيم الأفق يستره ... حكيت طلعة من أهواه بالبلج لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج وقوله في غلام يدعى مقبلا: يا من تحجب عن محب صادق ... ما زال عنه كل حين يسأل من لي بيوم فيه تقبل باللقا ... ويقال لي هذا حبيبك مقبل وقوله في فانوس مع حسن التضمين: وكأنما الفانوس نجم نير ... منع الظلام من الهجوم طلوعه أو عاشق أجرى الدموع بحرقة ... من حر نار تحتويه ضلوعه وقوله: يحكي سنا الفانوس من بعد لنا ... برقا تألق موهنا لمعانه فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه ومن نكته الغريبة في باب التورية قوله -وكتب به إلى ابن الزين المعروف بلبيكم-: يا شاعرا قد حاز حسن بديهة ... وتطيعه درر النجوم إذا نظم وتجيبه قبل السؤال لنقده ... وتقول يا ابن الزين لبيكم نعم ومن بدائع الشيخ بدر الدين الزغاري قوله: قالت وقد أنكرت سقامي ... لم أر ذا السقم يوم بينك لكن أصابتك عين غيري ... فقلت لا عين بعد عينك وقوله: قيل لي إذا رأيت أقمار تم ... عن بدور السماء للطرف تلهي أي وجه أضناك قلت دعوني ... فسقامي قد صح من كل وجه وقوله مضمنا وأجاد: يقول العاذلون نرى رمادا ... على خديه من شعر العذار فقلت لهم صدقتم غير إني ... أرى خلل الرماد وميض النار وقوله: وافى كتابك يا خليلي بعدما ... حكمت علي ببعدك الأيام لكن أرى نار اشتياقي لم تكن ... بردا علي وفيه منك سلام وقوله: سرت من بعيد الدار لي نفحة الصبا ... وقد أصبحت حسرى من السير ظالعه فمن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعب أنفاسها متتابعه ومن لطائف الشيخ شهاب الدين الحاجبي قوله: لها عين لها غزل وغزو ... مكحلة ولي عين تباكت وحاكت في فعايلها المواضي ... فيا لك مقلة غزلت وحاكت وقوله: وصفت خصره الذي ... أخفاه ردف راجح قالوا وصف جبينه ... فقلت ذاك واضح وقوله: عودوا لصب بكى عليكم ... يا جيرة ودعوا وساروا فدمع عينه عاد بحرا ... وقلبه ماله قرار وقوله: لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها حفظت أحاديث الهوى وتضوعت ... نشرا فيا لله ما أذكاها وقوله: وخذوا حديثا قد ألم بمهجتي ... وازداد حتى أهملته العذل ثاني المعاطف كنت أول عاشق ... في حبه ولكل ثان أول يرنوا فيحلوا للمتيم لحظه ... إذ ذاك لحظ بالنعاس معسل وتميل منه شمائل لم أدر من ... مشموله أو حركتها الشمال متلون الأوصاف سيف لحاظه ... ماض ولكن هجره مستقبل منها قوله: أيجود لي دهر بطيف خياله ... وأظنه برجوع ذلك يبخل أم كيف يأتي الطيف جفنا بابه ... بالفتح من أرق الصبابة مقفل وقوله: لم أنس أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح ذاك زمان مر حلو الجنى ... ظفرت فيه بحبيب وراح ومن محاسن الشيخ زين الدين بن العجمي: وافى وفي كميه ورد أحمر ... حيا به مذ شب تحت لثامه فرشفت حلو الراح من خرطومه ... وجنيت ورد الخد من أكمامه وقوله: أنظر إلى الغدران كيف تجمدت ... أمواجها فزهت وراقت منظرا وحكت سطورا في طروس خطها ... قلم النسيم بلطفه لما انبرا وقوله: أفدي الذي ساقت حروب الهوى ... بحسن ساقيها لمشتاقها جادلت عذالي على حسنها ... فقامت الحرب على ساقها وقوله: قاسوا حماة بجلق فأجبتهم ... هذا قياس باطل وحياتكم فعروس جامع جلق ما مثلها ... شتان بين عروسنا وحماتكم وقوله: غنى على القانون حتى غدا ... من طرب يهتز عطف الجليس داوى قلوبا من غليل الأسى ... وكان فيها من هواها رسيس

стр. 373

وصاحت الجلاس عجبا به ... يا صاحب القانون أنت الرئيس ومن لطائف الشيخ عز الدين الموصلي في باب التورية قوله: يقول وقد بدا قمرا وغصنا ... حباه حسنه هيفا بلين تنشق مسك أصداغي حلالا ... فهذا الطيب من عرق الجبين وقوله: حديث عذار الحب باد وساقه ... له أوجه تبدي لقلبي اشتياقه درى إننا نسعى إلى الحسن كلنا ... فأبدى لنا ذاك الحديث وساقه وقوله: حديث عذار الحب في خده جرى ... كمسك على الورد الجني مسطرا فقبلته حتى محوت رسومه ... كأن لم يكن ذاك الحديث ولا جرى وقوله: ذو حور أصابني ... بعينه لما نظر فليس قتل صبه ... إلا كلمح بالبصر وقوله: وبي ناتف للعارضين يقول صف ... نبات عذار زان في الحسن منظري فناديت يا حلو الشمائل ما الذي ... يقول لساني في النبات المكرر ومن محاسن الشيخ جمال الدين عبد السوسي في باب التورية قوله: أهوى غزالا عليه صبري ... قد بان في الحب وهو عذري قد أسرت مقلتاه قلبي ... فرحت مملوكه بأسري وقوله: تهاون بي شمس الندى وهو صاحب ... وأظهر لي أضعاف ما تظهر العدى نزلت به أبغي الندى وهو طالع ... وعند طلوع الشمس يرتفع الندى وقوله: زجرت النفس عن نذل لئيم ... أقر بموعدي غلطا وأنكر وقد ذكرته عنه مرارا ... وهيهات المؤنث لا يذكره ومن محاسن الصاحب فخر الدين بن مكانس قوله: يقول مفندي إذا همت وجدا ... بخد خلت فيه الشعر نملا أتعرف خده للعشق أهلا ... فقلت له نعم أهلا وسهلا وقوله: زارت معطرة الشذا ملفوفة ... كي تختفي فأبى شذا العطر يا معشر الأدباء هذا وقتكم ... فتناظموا في اللف والنشر وقوله: علقتها معشوقة خالها ... إذ عمها بالحسن قد خصصا يا وصلها الغالي ويا حبسها ... لله ما أغلى وما أرخصا وقوله: ومقلة ظبي يرشق القلب سهمها ... ولكنه رشق يزال به الهم على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولا سهم ومن أغراضه الغريبة (قوله في ولده) مجد الدين: أرى ولدي قد زاده الله بهجة ... وكمله في الخلق والخلق مذ نشا سأشكر ربي حيث أوتيت مثله ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا وقال يمدح الإمام علي بن أبي طالب ﵇: يا بن عم النبي إن أناسا ... قد توالوك بالسعادة فازوا أنت للعمل في الحقيقة باب ... يا إماما وما سواك مجاز وقوله: وا سوأتاه إذا وقفت بموقف ... ما مخلصي فيه سوى الاقرار وسواد وجهي عند أخذ صحيفتي ... وتطلعي فيها شبيه القار ومن محاسن (ولده) مجد الدين فضل الله بن (عبد الرحمن) قوله: وأغيد بت منه ... في نار خديه أقلى رمى من اللحظ سهما ... به نموت ونبلى وقوله: قالوا وقد هزوا لنا ... قاماتهم والأعينا إن رمت تلقانا فلج ... بين السيوف والقنا وقوله: يقولون هل من الحبيب بزورة ... ومناكم المطلوب قلت لهم منا فقالوا لنا غوصوا على قده وما ... يحاكي إذا ما اهتز قلت لهم غصنا وقوله: بحق الله دع ظلم المعنى ... ومتعه كما يهوى بأنسك وكف الصد يا مولاي عمن ... بيومك رحت تهجره وأمسك وقوله: قال خلي لحبيبي صل فتى ... بك قد أضحى معنى مغرما قال هل يولم إن واصلته ... قال إن فاز بثغر أولما وقوله: يا لائمي إن فقدت الصبر في قمر ... أصداغه سلبت أهل الهوى وسبت كلت سيوف اصطباري عنه حين بدا ... آس العذار على وجناته ونبت ومن مدائحه يهني والده بعوده من السفر: هنيت يا أبتي بعودك سالما ... وبقيت ما طرد الظلام نهار ملئت بطون الكتب فيك مدائحا ... حتى لقد عظمت بك الأسفار وقال فيه أيضاً وقد أهدى له هدية حسنة: تناهيت في بري إلى أن هديتني ... ولولاك كنت الدهر في الغي ساديا وأهديت لي ما حير العقل حسنه ... فلا زلت في الحالين للعبد هاديا

стр. 374

ومن لطائف الشيخ أبي الفضل بن أبي الوفاء: عبدك الصب المعنى ... عرف الفقر وذاقه فلكم فاخر محتا ... جا شكا فقرا وفاقه ومن مخترعاته في باب التورية مع بديع التضمين: ما خادم واسمه في در مبسمه ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول وريقه مع ثناياه التي انتظمت ... كأنه منهل بالراح معلول وقوله: سألتها رشف ريق ... مستعذب الطعم حلو قالت فصفني ارتجالا ... فقلت بعد التروي وقوله: ذكرك لي في اللوم مستحسن ... واللوم عندي غير مستحسن كم قلت للمعرب في لومه ... إن جئت نحوي قط لا تلحني وقوله: تعنت دهر لج فينا بخطبه ... وذللنا من بعد عز وأنكانا قسا وانثنى يختال في جبروته ... وجرر أذيالا علينا وأردانا ومن محاسن الشيخ بدر الدين الدماميني: قلت له والدجى مول ... ونحن في مجلس التلاق قد عطس الصبح يا حبيبي ... فلا تشمته بالفراق وقوله: يا عذولي في مغن مطرب ... حرك الأوتار لما سفرا كم تهز العطف به طربا ... عندما تسمع منه وترا وقوله: بدا وقد كان اختفى ... وخاف من مراقبه فقلت هذا قاتلي ... بعينه وحاجبه وقوله: أمنيتي أنت يا مليحا ... ما مثله في الزمان ثان فكيف يبدي جفاك خوفا ... وأنت لي غاية الأمام وقوله: وعزيز الجمال أوجب ذلي ... وهواه علي أصبح فرضا فهو في الحسن والجمال سماء ... صرت يا صاح منه بالذل أرضا وقوله: تناسبت أوصاف من وصله ... ينفي عن القلب جميع الكرب في الخد تسهيل ومن ثغره ... يطيب للصب ارتشاف الضرب وقوله: لا ما عذاريك هما أوقعا ... قلب المحب الصب في الحين فجد له بالوصل واسمح به ... ففيك قد هام بلامين وقوله: في ليلة البدر أتى ... حبي فقرت مقلتي وقال لي يا بدر قم ... فقلت هذي ليلتي وقوله: قم بنا نركب طرف الل ... هو سبقا للمدام واثن يا صاح عناني ... لكميت ولجام ومن مختارات الشيخ الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني: سألوا عن عاشق في ... قمر باد سناه أسقته مقلتاه=قلت لا بل شفتاه وقوله: أتى من أحبائي رسول فقال لي ... ترفق وهن واخضع تفز برضانا فكم عاشق قاسى الهوى إن يحبنا ... فصار عزيزا حين ذاق هوانا وقوله: خاض العواذل في حديث مدامعي ... لما رأو كالبحر سرعة سيره فحبسته لأصون سر هواكم ... حتى يخوضوا في حديث غيره وقوله: يا عاذلي وسهام اللحظ ترشقني ... عن قوس حاجب بدر خده قبسي أن تستطع لنجاتي في الهوى سببا ... فاستنبط العلم لي من أسهم وقس وقوله: ولم أنس إذ زار الحبيب بروضة ... فغارت من المحبوب أعينها المرضى ولاحت بخد الورد حمرة خجلة ... حياء رأينا طرف نرجسها غضا وقوله: نحن أهل الهوى بلوناه قدما ... بين خوف من أهله وأمان وشربنا خمر الهوى كل حين ... بكؤوس قد أترعت وأوان وقوله: سرت وخلفتني غريبا ... في الربع أصلي جوى بنازك أغث حشا أحرقت غراما ... في ربعك المعتلي ودارك وقوله: وبدر تم جميل ... محجب بالدلال إذا همست بأني ... أسلو هواه بدالي وقوله: نهاني حبيبي أن أطيع عواذلي ... لكي أتهنا بالوصال الذي سرا فقلت فدتك النفس سمعا وطاعة ... فلم أر نهيا منه أهنأ ولا أمرا وقوله: وأهيف حياني بطيب وصاله ... ومن ريقه الخمر الحرام حلالي أدار لي الكأسين خمرا وريقة ... ونزهني عن جفوة وملال (لي) وقوله: تجرد من أحب فقال لي من ... يلوم وأظهر الحسد المكتم أجاد لك الحبيب بلمس جسم ... له كالخز قلت نعم وأنعم وقوله: تيه فلان الدين مع فقره ... أقوى دليل أنه جاهل لثوبه بالصقل من فوقه ... قعاقع ما تحتها طائل وقوله: يا أيها الشيخ المطيع هواه دع ... هذي الدعابة قد أتى داعي الردى

стр. 375

وخيوط هذا الشيب لا تنسج بها ... ثوب التصابي فهي ما خلقت سدا وقوله: خليلي ولي العمر منا ولم تنب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا في وصفها ألسن الأقلام قد نطقت ... وطال شرحي في لامية العجم وقوله: أرخت لنا ذوائبا من شعرها ... عشرا وفرق الفجر فيها يسري فصرت بالفجر لها معوذا ... لما بدا بين ليال عشر وقوله: أرشفني ريقه وعانقني ... وخصره يلتوي من الدقه فصرت من خصره وريقته ... أهيم بين الفرات والرقه وقوله: قال أراك الحمى تعوض ... بغصن قدي إذا جفاكا فقلت من بعد قد حبي ... والله ما أشتهي أراكا وقوله: برامة لي ظبي ... تخشى الأسود مرامه كم هام قلبي فيه ... بين العذيب ورامه وقوله: هويت غصنا لأطيار القلوب على ... قوامه في رياض الوجه تغريد قالت لواحظه إنا نسود على ... بيض الظبا قلت أنتم أعين سود وقوله: جاد النسيم على الربا ... بندى يديه وقال لي أنا ما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي ومن التواري التي وقعت لناظمها عفوا بل سحرا من غير كد قول القائل: قاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف فذاك غصن الخلاف يدعي ... وأنت غصن بلا خلاف ومن ذلك قول جلال الدين شاعر ماردين قديما: ويوم يرد يد أنفاسه ... تخمش الأوجه من قرصها يوم تود الشمس من برده ... لو جرت النار إلى قرصها ومثله قول شرف الدين بن منقذ: ولرب ليل تاه فيه نجمه ... وقطعته سهرا فطال وعسعسا وسألته عن صبحه فأجابني ... لو كان في قيد الحياة تنفسا ومثله قول أمين الدين السليماني: أضيف الدجى معنى إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خص بالجر وحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر ومنه قول محاسن الشواء: ولما أتاني العاذلون عدمتهم ... وما فيهم إلا للحمى قارض وقد بهتوا لما رأوني ساهيا ... وقالوا به عين فقلت وعارض ومثله قول إبراهيم بن عبد الله الغرناطي: يا رب كأس لم تشج شمولها ... فأعجب لها جسما بغير مزاج لما رأينا السحر من أشكالها ... جملا نسبناها إلى الزجاجي ومنه قول فخر الدين بن الجنان الشاطبي: تؤمون الحجاز وما علمتم ... بأن القلب بيتكم العتيق وألفاظي العذيب وأضلعى المنحن ... ى ودموع مقلتي العقيق ومثله قول الشريف محمد قاضي الجماعة بغرناطة وهو: حدائق أنبتت فيها الغوادي ... ضروب النور رائقة البهاء فما يبدو بها النعمان إلا ... نسبناه إلى ماء السماء ومنه قول الشيخ شمس الدين الأدفوي: كم للنسيم على الربا من نعمة ... وفضيلة بين الورى لن تجحدا ما زارها وشكت إليه فاقة ... إلا وهز لها الشمائل بالندى ومثله في الحسن واللطافة قول الشيخ موفق الدين الحكيم: لله أيامنا والشمل مجتمع ... نظما به خاطر التفريق ما شعرا وا لهف قلبي على عيش ظفرت به ... قطعت مجموعة المختار مختصرا وقول علاء الدين بن البطريق ناظر الجيش ببغداد: دار السراج بديعة ... فيها تصاوير بمكنه تحكي كتاب كليلة ... فمتى أراها وهي دمنة ويعجبني في هذا الباب قول القائل في حمام: إن حمامك التي نحن فيها ... أي ماء لها وأية نار قد نزلنا فيها على ابن معين ... وروينا عنه صحيح البخار ويعجبني من نظم المواليا في هذا الباب قول القائل: حبي ومحبوبتي مذ بان يوم البين ... رأوا عشا ليلة الاثنين قبل الحين فصرت أنظر إلى زينة وألمح زين ... وأقول يا قلب ما أحلى ليلة الاثنين ويعجبني قول الشيخ حامد الحكاك: ثار الغرام الذي في مهجتي خامد ... وسال دمعي الذي كنت أعهدو جامد وأنا ببغداد والمحبوب في آمد ... مصيبتي عظمت وأنا لها حامد قال المؤلف عفا الله عنه:

стр. 376

هذا الذي أوردته من شواهد التورية هو عيون ما أورده ابن حجة في شرح بديعيته, فإنه جاء بالطم والرم, ولم يميز بين الروح والجرم, أورد الغث والسمين, وجمع بين الرخيص والثمين. وهذا حين أورد ما للمتأخرين والمعاصرين في هذا الباب, مما يرق ويروق لأولي الألباب: فمن محاسن الشيخ الأديب يحيى بن محمد بن حامد الصفدي المعروف بابن مليك الحموي قوله: ومذ تاه الليل وقد ضللنا ... بليل ليس يهدي سالكوه فأشرق وجه من أهوى ونادى ... أنا ابن جلا ألا لا تنكروه ووجه الصبح وافانا سريعا ... وقال وقد حكاه أنا أخوه فقلت لصاحبي أنعم صباحا ... لعمرك قد تعارفت الوجوه وقوله: قلت مذ سل فؤادي ... وانثنى عني وولى يا رشيق القد رفقا ... بمحب مات ملا وقوله: بأبي من رنت وماست دلالا ... ربة الحسن والحياء البديع لا تقل كالغزال والغصن قدا ... لا ولا البدر فهي ست الجميع وقوله: قد كان لي فرو جديد طالما ... قد كنت أقلبه بغير تكلف واليوم لي قد قال حين قلبته ... قلبي يحدثني بأنك متلفي وقوله: ووالله إني ما تركتك سلوة ... ولم يحل لي هجر ولا مر في بالي ولكن أرى القالين زادوا وإنني ... عليك الذي يخشى من القيل والقال وقوله: بي سكري قد تلج ثغره ... وحلا ممازجة بماء الكوثر بالله حلو حديثه كرر على ... سمعي فما أحلى حديث السكري وقوله: وعدت أصيلا بالزيارة بكرة ... لما رأتني بالصدود بخيلا فعليك يا طرفي الرقاد محرم ... حتى تشاهد بكرة وأصيلا وقوله: بأبي رشا قد دق منه خصره ... عذب اللمى حلو القوام رشيق مالي جعلت تغزلي في خصره ... إلا لعلمي فيه وهو دقيق وقوله: يا جارة لصدودها لي ألبست ... ثوب السقام ولم تخف من عار دمعي لطول جفاك أضحى جاريا ... فعلام لا ترعي حقوق الجار وقوله: وقالوا هلال الأفق في الوضع قد حكى ... لحسن الذي تهواه واتضح الحق فقلت نعم حاكى الهلال جبينه ... ولكن غدا في الحسن بينهما الفرق وقوله: تهنيك تاج الدين من خلعة ... في حسنك الباهي عليها خفر من فلك الأزرار قد أطلعت ... شمسا وبدر التم منها ظهر وقد غدا السعد لها ناظرا ... لما بدا الطالع فيها القمر وقوله: يا عاذلي عاد لي مفتاح وانتعشت ... روحي فكن عاذري ان رمت اصلاحا أما ترى لي أبواب الهنا فتحت ... لما اتخذت لها في الحب مفتاحا وقوله: إن عيني مذ غاب مثقال عنها ... أورثتني البكا وعز اصطباري وعلى مثل مثقال عيني تبكي ... لا على درهم ولا دينار وقوله: أتيتك أعرج يا ذا العلا ... وغير نوالك لا أرتجي عساك تحدث عن جابر ... حديث صحيح عن الأعرج وقوله: رب بدر بات يجلي ليلة ... شمس راح من لماه معتصر وعجيب تحت أذيال الدجى ... اجتماع الشمس عندي والقمر وقوله: فرطت في ذا الخريق حتى ... مني قد استملك الخطاما وصحت إذ لم أجد سبيلا ... إليه يا حسرتي على ما وقوله: تهن بشكل مولود سعيد ... بديع الوصف زاد على السماع أتى والشمل مجتمع فأكرم ... بشمل قد تولد في اجتماع وقوله: سهام عينيك دائي ... وأصل ما بي وسقمي وقد أخذت نصيبي ... منها ورحت بسهمي وقوله: لقد طال بي وجدي ولازمني الأسى ... وضاقت على المشتاق في حبك السبل وقد أصبح القلب الكئيب كما ترى ... معنى بوراق وما عنده وصل وقوله: عذار حبي لام ... والثغر كالميم أضحى وعذلي فيه ولوا ... مذ عاينوا الصدغ كالحا وقوله: كتبت إليك أشكوا شجو حالي ... وما ألقاه من ألم افتقاري لعل إذا قرأت اليوم خطي ... ترق لحالتي يا خير قاري وقوله: أمولاي إن الفقر قد صال وقد طغى ... ومال على ضعفي وبالغ في جرحي لعل إذا ضاقت وسدت مذاهبي ... أتوب ونصر الله يؤذن بالفتح وقوله:

стр. 377

أنا قاصم الأعداء في يوم الوغى ... ومجدل الفرسان عند طعان وإذا تكنَّت في الحروب أنالها ... وتطاولت ناديت يال سنان وقوله: أهديتموا لي لبنا طيبا ... في طاسة عن فضلكم تعرب أمسكها والله عيبا أرى ... وردها فارغة أعيب وإنما أطعمني فيكم ... أصلكم واللبن الطيب وقوله: ألا يا بني الروم القتال فدونكم ... فأنا تدرعنا الحديد إلى الحشر وما برحت للفتح تتلو رماحنا ... وأسيافنا تتلو بها آية النصر وقوله: علقتها خودا لها مقلة ... تزري بالحاظ الظبا السارحة يا فتية العشق خذوا حذركم ... فإنما مقلتها جارحة وقوله: رجوتك عونا فخاب الرجا ... وقل الوفاء وعز الطلب لذا انقطع الحبل ما بيننا ... وقد زاد قبضي بهذا السبب ومن بدائع العلامة ابن الحجاج الغرناطي قوله في الحافظ علم الدين أبي القاسم بن محمد بن يوسف البزالي: نوى النوى علم الدين الرضى فأنا ... من بعد فرقته بالشام ذو ألم فلا تلمني على حبي دمشق فقد ... أصبحت فيها زمانا صاحب العلم وقال في الحافظ شمس الدين الذهبي: رحلت نحو دمشق الشام متبعا ... رواية عن ذوي الأحلام والأدب ففزت في كتب الآثار حين غدت ... تروى بسلسلة عظمى من الذهب وقال في قاضي القضاة العالم الشهير صاحب التفسير عماد الدين الكندي: ولما اختبرت ذوات الورى ... تعجبت من حسن ذات العماد فتلك التي لم أكن مبصرا ... مدى عمري مثلها في البلاد وقال: بكيت شجا ففاض الدمع يحكي ... يتامى الدر إذ يهوي تواما وسلت من محاجرها سيوفا ... فخفت على المحاجر واليتاما وقال: لعمرك ما ثغره باسم ... ولكنه حبب لاعب ولو لم يكن ريقه مسكرا ... لما دار من حوله الشارب وقال وقد وقف حاجب السلطان على عين ماء ببعض الثغور وشرب منها: تعجبت من ثغر هذي البلاد ... ومولاي من عينها شارب فلله ثغر أرى شاربا ... وعين بدا فوقها حاجب وقال: وحمراء في الكأس مشمولة ... تحث على العود في كل بيت فلا غزو أن جائني سابقا ... إلى الأنس خل بحث الكميت وقال: أتوني فعابوا من أحب جماله ... وذاك على سمع المحب خفيف فما فيه عيب غير أن جفونه ... مراض وإن الخصر منه ضعيف وقال: أيا عجبا كيف تهوى الملوك ... محلي وموطن أهلي وناسي وتحسدني وهي مخدومة ... وما أنا إلا خديم بفاس وقال: لي المدح يروى حيث كنت كأنما ... تصورت مدحا للورى وثناء ومالي هجاء فأعجبن لشاعر ... وكاتب سر لا يقيم هجاء وقال: ومهاة تقول أن هي كلت ... ودعا للمزاج خل ممازج دار ذا الردف إن في الأزر مني ... رمل يبرين يا طبيب وعالج وقال: أيا ضوء الصباح ارفق بصب ... تسيل دموعه في الخد سيلا وكنت بليلة ليلاء طالت=فها أنا في الورى مجنون ليلى وقال يخاطب شيخه سيف الدين: لمولاي سيف الدين في الفقه بيننا ... مقام اجتهاد ليس يلحقه الحيف فتقليده فرض على أهل عصرنا ... ولا عجب عندي إذا قلد السيف وقال: رعى الله معطار النسيم فإنه ... رأى من غصون البان ما شاء من عطف وأيدي من حديث الغيث وهو مسلسل ... لذاك لعمري ليس يخلو من الضعف وترشحت التورية بكون المحدثين يقولون الحديث المسلسل لا يخلو من الضعف, ولو في التزام التسلسل, مع كون متن الحديث صحيحا, كما قرر في محله. وقال: نظرت إلى روض الجمال بخده ... وسقيته دمعا به العين تكلف فصح حديث الحسن عن ورد خده ... وإن كان أضحى وهو راو مضعف ويعجبني قول الشيخ علاء الدين المارديني: أنظر صحاح المبسم السكري ... رواية صحت عن الجوهري وصحح النظام في ثغره ... ما قد رواه خاله العنبري معتزلي أصبح لما بدا ... في خده عارضه الأشعري قد كتب الحسن على خده ... يا أعين الناس قفي وانظري أمطر دمعي عارض قد بدا ... يا مرحبا بالعارض الممطر

стр. 378

وجه لأزهار إليها جامع ... من لي بذاك الجامع الأزهر أشهرت لحظا يا فقيها به ... قد راحت الروح على الأشهر وللأستاذ الشيخ محمد البكري: أنا المعشوقة السمرا ... وأجلى في الفناجين وعود الهند لي طيب ... وذكري شاع في الصين وللشيخ أحمد المدني المعروف باليتيم: أرسلت رسلي لقهوة سحرا ... فما أتوا سرعة من الكسل فقيل صفها فقلت مقتبسا ... جاءت على فترة من الرسل وله أيضاً: ما الحال قالوا صف لنا ... فلعل ما بك أن يزاح فأجيب ما يخفاكم ... حال السراج مع الرياح وقد سبقه لمثله في كثير من شعره السراج الوراق. وللشيخ عبد الرحمن بن كثير المكي: كبار زماننا أضحوا صغارا ... وقد غضب الزمان على الكبار كان زماننا من قوم لوط ... له ولع بتقديم الصغار وللعلامة محمد بن حجر المكي: يا ذا الذي من خاله حبة ... سوداء في الخد الشديد الصفا دعني أقبلها تزيل الضنى ... فالحبة السوداء فيها الشفا وله في مليح اسمه علي: لعلي محاسن ... ما لها قط مشبه وبشامات خده ... كرم الله وجهه ولمحمد الخياط المحلي: لنا صاحب ما زال يتبع بره ... بمن وذاك البر بالمن لا يسوى سلوناه لا بغضا ولا عن ملالة ... ولكن لأجل المن تستعمل السلوى ومثله قول التلمساني: هواكم هو المن الذي ماله سلوى=وحبكم عندي هو الغاية القصوى ومن محاسن الأردبيلي قوله في غلام يهودي: من آل إسرائيل علقته ... أوقعني بالصد في التيه قد أنزل السلوى على قلبه ... وأنزل المن على فيه وللشيخ يوسف المغربي في رجل يعرف بالعاملي: إن اليهودي غدا عاملا ... في الناس بالجور وبالباطل يعمل في الدين كما يشتهي=فلعنه الله على العامل وله من قصيدة أخرى: اشرب ولا تعيب على عاذل ... فشله في الناس لم يعتب وإن تسكن يا سيدي طالبا ... درا وياقوتا من المطلب فالكأس والصهباء فيها المعنى ... فخذ حديث الكنز عن مغربي وله يمدح أستاذه يحيى الأصيلي: مدحت البحر إذ أضحى يحاكي ... علوم البر ذي الفخر الجليل وإني إن مدحت يوما ... فمدحي فيه للبر الأصيلي وللشيخ يحيى الأصيلي: من منصفي من ظالم ... بيت المظالم بيته أخفيه خشية بأسه ... وأود لو سميته وهذا كقول السراج الوراق: رزقت بنتا ليتها لم تكن ... في ليلة كالدهر قضيتها فقيل ما سميتها قلت لو ... مكنت فيها كنت سميتها وقد قيل أن التورية لم تعقد له, لأنه إنما قال: سممتها, وقيل: مثله يسمى إبهام التورية, والصحيح أنه من باب (تقضى البازي) بمعنى تقضض وفي كلام بعضهم ما يقتضي اطراده. وله أيضاً: إلا أن لي يا آل صديق أحمد ... لشمس الهدى منكم به الكرب ينجلي فلي منه أستاذ ولي منه مرشد ... ولي منه قطب ذو اتصال ولي ولي ومثله قول ابن مكانس: نعم نعم محضتهم ... صدق الولا تطولا وما رعوا عهدا ولا ... مودة ولا ولا وله أيضاً: لي صاحب متمرض ... متقلق في ذاته يا رب صبرني عسى ... أقوى على مرضاته وهذا مأخوذ من قول جارية المعتمد بن عباد لمولاها: يا مولاي لا نقوى على مرضاتك في مرضاتك. وله: أتيت جنينة أستاذنا ... وقد جمعت كل معنى كمل بها آي ورد وآس به ... تفرق شمل عداه وفل والفل نوع من الياسمين بلغة أهل اليمن, ذكي الرائحة, ولم يذكره أهل اللغة, فهو لغة مولدة, وسماه البيطار في مفرداته: النمارق. وكتب لخالة بالإسكندرية: لخالي في الإسكندرية رغبة ... ومن بعده قد حال لي في الهوى حال فإن يك أضحى ثغرها موطنا له ... فيا حبذا في ذلك الثغر لي خال وله: مذ بان من أهوى همت ... عيني بماء منهمر فقلت للقلب إذا ... لم تلق صبرا فاستعر وللشيخ عبد الواحد الرشيدي: قلت للنائب الذي ... قد رأينا معائبه لست عندي بنائب ... إنما أنت نائبه وهو كقول آخر:

стр. 379

وقاض لنا حكمه باطل ... وأحكام زوجته ماضيه فيا ليته لم يكن قاضيا ... ويا ليتها كانت القاضية وللشيخ محمد بن بدر الدين الزيات في الفاضل العزي: إلى الفاضل العزي وجهت مطلبي ... لأظفر منه بالذخيرة والكنز وقالوا تذلل تبلغ المجد والعلى ... فقلت لهم قد نلت ذلك بالعز ولصفي الدين بن محمد العزي في مليح متجانس: علي رفقا بمن ذابت حشاشته ... صب أزل الكرى عن مقلتيه وصب حديد قلبك يا نحاس يمنعه ... لجين جسمك والنوم المصون ذهب وله في صديقه الصحافي: يا عاذلي في هواه ... تلاف قبل تلافي وهات لي الدن واجمع ... بيني وبين الصحافي وللشيخ أحمد بن عواد في بعض الحبوش: حبشية حسنية أبصرتها ... تهتز كالغصن الرطيب المثمر فسألتها عن جنسها ما خفي ... قالت فما تبغيه جنسي أم حري وهذا كقول آخر: بي أمحري ناعم الخدين ذو ... شرطين فعلهما كفعل الخنجر لم أدر مذ صافحت صفحة خده ... ورد زها هو أم خديد أم حر وها هو هنا أمر لا كما قال فيه: من كل معنى بديع لو يمر على ... فهم السقيم ولو في نومه شفيا وقلما أبصرته عين ذي أدب ... إلا وراح بذاك البرء مكتفيا ويعجبني قول بعض المتأخرين: أسرفت في الصد فخف خالقا ... لا يرتضي إسراف مخلوق يا هاجرا من لم يذق وصله ... جرعته الصبر على الريق وللشيخ شهاب الدين أحمد المعروف بقعود: لي حبيب من هجره زاد سكري ... وسلوي هواه أقبح ذنب جاءني داعيا وقال أنت إني ... أولم اليوم قلب المحب ومثله لابن مكانس: قال خلي لحبيبي صل فتى ... فيك قد أضحى معنى مغرما قال هل يولم إن واصلته ... قال إن فاز بثغر أو لما وله: وحقك لو أتلفت مالي جميعه=لما رضي الواشون فيك مكارمي ولو أنني أولمت ألف وليمة ... لأجلك لم يشكر عذولي ولا يمي وللشيخ سري الدين بن الصايغ الحنفي: قلت لتاج الدين في خلوة ... وقد علاه عبده الأكبر التاج يعلو فوقه غيره ... قال نعم ياقوت أو جوهر وللشيخ محي الدين الغزي (أحمد الدين الغزي ابنه) : يا راكب البغلة الشموص ... وقائد المهر والقلوص بساحل المرج لا تعرج ... وانزل على ساحل الخصوصي بساحل المرج لا تعرج ... وانزل على ساحل الخصوصي أحب مصر التي تسامت ... ففضلها جاء بالنصوص لأن مقت الإله ربي ... قد حل في الروم بالخصوص وللشيخ نور الدين بن الجزار الشافعي في (الوجه) وهو منهل معروف بطريق مكة شرفها الله تعالى: ولما رأيت الوجه سال من الحيا ... وقد طاب فيه للحجيج مقام وعاينت ركب الحج حل بسفحه ... وقد ضربت في جانبيه خيام ومدوا إلى الغيث الهطول أكفهم ... فجاد عليهم بالعطاء غمام فقلت على الوجه المليح تحية ... مباركة من ربنا وسلام وللقيراطي فيه أيضاً: أتيت إلى الحجاز فقلت لما ... تبدى وجهه لي وارتويت وكم في الأرض من وجه مليح ... ولكن مثل وجهك ما رأيت وللحافظ ابن حجر العسقلاني وقد مر به فوجده مسننا: أتينا إلى الوجه المرجى نواله ... فشح ولم يسمح بطيب نداه وأسفر عن وجه وما فيه من حيا ... فقلت دعوه ما أقل حياة ولما عاد إليه وجده ممطرا قد صفت مشاربه واخضرت جوانبه, وطاب به القيل فقال: أرانا الجميل الوجه معتذرا لنا ... فأوليته شكرا وما زلت مثنيا وأطرقت نحو الأرض رأسي خجلة ... وما أسطعت رفع الرأس من كثر الحيا وللأديب أبي عبد الله الفيومي فيه: ولما وجدنا الوجه عند وروده ... خليا من الماء القراح فناؤه زممت مطي ثم قلت ترحلوا ... فلا خير في وجه إذا قل ماؤه وللشهاب المنصوري في مليح اسمه يونس: لست لأغصان النقا مادحا ... لأن حبي قده أميس ولست بالأقمار مستأنسا ... لأن عندي قمري يونس وللشيخ نور الدين علي العسيلي: بكفك طوفان تروى به الورى ... وعهدي بالطوفان يأتي بتنكيد

стр. 380

ولا غرو أن أرست بنا سفن الرجا ... ببابك يا مولى النوال على الجودي وله في عيد يسمى فرجا: إني ابتليت بزنجي قبائحه ... ليست تعد على ما فيه من عوج كل الأمور إذا ضاقت لها فرج ... إلا أموري إذا ضاقت فمن فرج وللشيخ علي الحنائي: أرى من صدغك المعوج دالا ... ولكن تقطعت من مسك خالك فصارت داله بالنقط ذالا=فها أنا هائم من أجل ذلك وهو أحسن من قول الخوارزمي: وأراك خديه ولاح عليهما ... صدغان ذو خال وآخر خالي فكأن ذا ذال خلت من نقطة ... وكأن ذا دال ونقطة ذال ومن قول أبي بكر الزوزني: نقطت خدك ذالا ... فالويل من شكل ذلك لو أن ذلك ذالي ... سجدت من أجل ذلك وله: أسروه من ثغر العدو فأصبحوا ... أسرى بمبسمه الشهي وثغره أسروه كي يمسي أمير جماله ... فهو الذي ملك الفؤاد بأسره وله: وافي وأنفاسي تصعد من جوى ... فقال أمن كأس الصبابة تغتبق وهل تحت رق الحب قلبك في لظى ... فقلت أجل ان القلوب لتحترق ولابن المبلط نحوه: يا نائما وقنه ... من فوقه كفحل جن يحقنه بمائه ... مالي أراك تحت قن وللشهاب المنصوري: قلبي بحبك قد علق ... فامنن له وصلا ورق يا من يحمل مهجتي ... في حبه ما لم تطق ها قد ملكت جوا نحي ... فانظر تجدها تحترق عيناك تسترق الحشا=ولكل حر تسترق وللأديب ماميه الرومي: قال عواذلي بدعد في الهوى ... فتنت أم بزينب وسلما أم الرباب أم سعاد قل لنا ... أجبتهم إن هي إلا أسما وله: إذا شمت برق الأبرقين على النقا ... تذكرت ثغرا قد تبسم بالضيا ولو شاهدت سحب الغمام مدافعي ... وما قد جرى منها لأدركها الحيا وله: فديت من الهلال غدا نطاقه ... يصد وليس للهجران طاقه وكم أدنى فؤادا في هواه ... إلى الأشجان معصمه وساقه وله: لمرسل الدمع فوق الوجنتين نبا ... وأمر قلبي غدا بين الورى عجبا صبا إلى وصب يشكو تحكمه ... فيا له من فؤاد قد شكا وصبا وله: هل من جانب الحجاز هلال ... هام فيه قلبي الشجى ورامه ولقد لعلع المنى لمحب ... قد رأى بارق العذيب وشامه وله: ميز بني العسال تلقى منهم ... رشا يصول بلحظه الغزال لا غرو إن طعن الفؤاد قوامه ... فالطعن منسوب إلى العسال وله: بي غزال قد غزاني لحظه ... فاطر القلب بصاد وسبا جسمه الأبيض يحكي فضة ... وبه كنز اصطباري ذهبا وله: هذا زمان أصبحت فيه ... غني فضل فقير مال إن كنت أضحيت ذا افتقار ... فهل لأهل الغنى كمالي وله: يا تاج دين سما بين الأنام ومن ... غدا مدى الدهر كهف الخائف الراجي أهديت در نظامي بالمديح لكم=والدر أحسن ما يهدى إلى التاج وللقاضي تاج الدين المالكي في البرقع الشرقي المعروف بالحجاز وهو أول من ابتكر هذا المعنى: بدا البرقع الشرقي كالشفق الذي ... على فرقه لاح الهلال بلا فرق وأبدى عجيبا في عجيب لأنه ... أرانا هلال الأفق يبدو من الشرق وتلاه القاضي أحمد بن عيسى المرشدي فقال: وخود كبدر التم في جنح مضون ... حماها عن الأبصار برقعها الشرقي سوى طرة مثل الهلال بدت لنا ... على شفق والفرق كالفجر في الأفق فقلت لها لاح والفجر طالع ... من الغرب أم لاح الهلال من الشرق وللقاضي تاج الدين المالكي أيضاً: غنيت بحلية حسنها ... عن لبس أصناف الحلي وبدت بهيكلها البديع ... تقول شاهد واجتلى تجد المحاسن كلها ... قد جمعت في هيكلي وتلاه أيضاً القاضي أحمد المرشدي فقال: أنا ربة الحسن الجلي ... لمؤملي المتأمي صدري ووجهي منية ... للمجتني والمجتلي فالحظ بديع محاسني ... من تحت أنواع الحلي تجد المحاسن والحلي ... جمالها من هيكلي وللقاضي يحيى بن سيد عمر الحسيني المكي في ذلك: أفدي كعوبا ذات حسن ناهدا ... قد صاغها الباري بأجمل هيكل

стр. 381

خطرت بهيكل قدها وبهيكل ... في جيدها الباهي السني المنهل بين الغواني المبدعات بحسنها ... وجمالها مهدي الجمالة للحلي وتقول عجبا بينهن ورفة ... هل هيكل في الحسن يحكي هيكلي وأنشدني الوالد لنفسه في ذلك: خود جلا الأنوار نور جبينها ... والفرع منها كالبهيم الأليل تزهو بجيد الريم إلا انه ... هاد إلى الوجه المنير الأجمل قالت لصب قد تزايد وجده ... من صدها بتعزز وتدلل أنا نزهة الأبصار ذاتا فاجتلي ... مني محاسن قد هواها هيكلي وأنشدني لنفسه في المعنى أيضاً: خود جلالي وجهها ... بدرا منيرا معتلي قالت لمدنف هجرها ... بتعزز وتدلل أنا نزهة الأبصار ذا ... تا والبها بي يعتلي ومحاسن الدنيا جميعا ... قد هواها هيكلي وللشيخ أحمد الجوهري المكي: وأهيف كالسيف ألحاظه ... وقده المياس كالسمهري أخجلني ثغر له باسم ... فاعجب لثغر مخجل الجوهري وله: قال عذولي إذ رأى ... أخا الغزال الأعفر هذا الذي مبسمه ... فتت قلب الجوهري وله: جرح اللحظ خال خد غلام ... فضح البان قده باعتداله فإذا ثار طاعنا لفؤادي ... قال خذها من طالب ثار خاله ومما قلته أنا في هذا الباب قولي: رأيت قوما من بني هاشم ... دنوا من العليا وما أبعدوا قد وصفوا بالحمد آباءهم ... وأظهروا في المجد ما شيدوا حتى إذا ما سألوا عن أبي ... قلت لهم أن أبي أحمد وقلت: لما حنى الطرف ورد وجنته ... عذب قلبي بنار هجران فقلت قد جرت يا فديتك بي ... عذبت قلبي وطرفي الجاني وقلت: لما رأت عيني الذي ... عاد لقربي بعد أبعادي قالت لقلبي لا تشك الصدى ... ما أقرب العين من الصادي وقلت: يا حسنها جارية أقبلت ... في الليل والليل بها كالنهار لما رأتني خفضت طرفها ... فقلت ما أحسن خفض الجوار وقلت: قال العواذل لما ... رأوا أخا البدر لاحا وعلني من لماه ... ما زاد قلبي ارتياحا أراح يسقيك شهدا ... من ثغره قلت راحا وقلت من قصيدة: بدا بدرا ولاح لنا هلالا ... وأشرق كوكبا واهتز غصنا وثنى قده الحسن ارتياحا ... فهام القلب بالحسن المثنى وقلت من أخرى: لها خد تسعر جل ناري ... به لما أراني جلناره توق أخا الغرام رضاب فيها ... فكم شقت حلاوته مراره وقلت: ورب ساق قلبه قلبه ... أفديه من قاس ومن ساق تحارب العشاق في حبه ... فقامت الحرب على ساق وقلت: لله روض بات نرجسه به ... ساهي الجفون ملاحظا نمامه والورد رومي الملابس والحلى ... أو ما تراه مزررا أكمامه وبيت بديعية والبرهان صفي الدين الحلي قوله: خير النبيين والبرهان متضح ... في الحجر نقلا وعقلا واضح اللقم وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله: لا يرفع العين للراجين يمنحهم ... بل يخفض الرأس قولا هاك فاحتكم ربيت بديعية عز الدين الموصلي قوله: يمشى الورى خلفه رسل وغيرهم ... يتلون آثار ما أوتي من الحكم وبيت بديعية ابن حجة قوله: أوصافه الغر قد حلت بتورية ... جيدي وعقد لساني بعد ذا وفمي وبيت بديعية الطبري قوله: خير الخلائق ذو جد يناصره ... وعمه للعدى ورى بغزوهم وبيت بديعيتي هو قولي: ردت بمعجزه من غير تورية ... له الغزالة تعدو نحو أفقهم وبيت بديعية المقري قوله: لا تطعني هند فالأنساب واحدة ... ونحن أن نفترق نرجع إلى حكم أراد: حكم بن سعد العشيرة. تجاهل العارف تجاهل العارف الباغي فقال له ... أمعجز ما نرى أم سحر مجترم تجاهل العارف هو كما سماه السكاكي: سوق المعلوم مساق غيره لنكتة. قال: ولا أحب تسميته بالتجاهل, لوروده في كلام الله تعالى. والتسمية الأولى لابن المعتز, وخصه بعضهم بأن يكون على طريق التشبيه, ليوهم أن شدة التشبيه بين المشبه والمشبه به أحدثت التباس أحدهما بالآخر, وفائدته المبالغة كقول البحتري:

стр. 382

ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي فإنه يعلم أن الابتسام غير لمع البرق وضوء المصباح, لكنه لما قصد المبالغة في وصفه باللمعان والضياء, استفهم استفهام من لا يعلم, حتى كأنه من شدة الشبه بينهما التبس عليه أحدهما بالآخر, والمشهور الأول, أعني سوق المعلوم مساق المجهول, سواء كان على طريق التشبيه أو غيره, لكن لا بد له من نكتة, كالمبالغة في المدح, أو الذم, أو التعظيم, أو التحقير؛ أو التوبيخ؛ أو التقرير؛ أو التدله؛ أو التعريض, أو غير ذلك. قال التفتازاني: ونكت التجاهل أكثر من أن يضبطها العالم. فمما ورد منه للمبالغة في المدح قول حسان بن ثابت: أنسيم ريقك أخت آل العنبر ... هذا أم استنشأته من مجمر وبديد ثغرك ما أرى أم لمحة ... من بارق أم معدن من جوهر وقول مهيار الديلمي ﵀ وفيه التعظيم والتدله: أمن بابل أم من نواظرك السحر ... أمن حانة أم من مراشفك الخمر وهل ما أراه أم حادث النوى ... وهل هو شوق بين جنبي أم جمر سلوا بعدكم وادي الحمى ما أساله ... دمي أم دموع العاشقين أم القطر وقول ظافر بن القاسم الحداد: يا أيها الرشأ الذي من طرفه ... سهم إلى حب القلوب نفاذه در يلوح بفيك من نظامه ... خمر يجول عليه من نباذه وقناة ذاك القد كيف تقومت=وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه وقول مهذب الدين الطرابلسي: من ركب البدر في صدر الرديني ... وموه السحر في حد اليماني وأنزل القمر الأعلى إلى فلك ... مداره في القباء الخسرواني وقول عمر بن أبي ربيعة: نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظر لولا التحرج عارم فقلت أشمس أم مصابيح راهب ... بدت لك خلف السجف أم أنت حالم بعيدة مهوى القرط أما لنوفل ... أبوها وأما عبد شمس وهاشم ومما ورد من هذا النوع للمبالغة في التعجب, وقد نص الشاعر عليه قول نصر بين سيار: أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون لها ضرام فإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاض أمية أم نيام ومنه للمبالغة في المدح قول ابن مليك الحموي: أوميض برق بالحمى يتوهم ... أم ثغر صبح نواله يتبسم وسحاب مزن أم غمام ماطر ... أم بحر جود بالمكارم مفعم وأخو حروب عند مشتبك القنا ... أم فيلق قد سار وهو عرمرم ومحله حرم غدا أم ملجأ ... أم كعبة الراجين حين تيمموا وقوله: طراز ذاك العذار من رقمه ... ودر دمعي بفيه من نظمه وخاله فوق كنز مبسمه ... بالمسك قفلا عليه من ختمه وقول التلعفري: أتلك قدود أم غصون موائد ... ونور نضيد فوقها أم قلائد وهاتيك غيد آنسات نواعم ... بدت أم ظباء نافرات شوارد وقولي: معاطف أم رماح سمهريات ... وأعين أم مواض مشرفيات يا قاتل الله ألحاظا سفكن دمي ... أكان عندي لها في الحب ثارات وقلت بعده: سل عن دمي عندما تلقاك مسفرة ... تخبرك عنه الخدود العندميات ما بلبل القلب من وجد ومن وله ... هواي لولا العيون البابليات وما أبرئ نفسي إنها حكمت ... بالحب فاحتكمت فيها الصبابات وليس بدعا فكم بالعشق قد بليت ... قبلي نفوس عن البلوى أبيات يا عاذلي في الهوى أسرفت في عذلي ... وكأن يكفيك لو أجدت إشارات كيف السلو وأشواقي في مضاعفة ... وبين حبي وسلواني منافات هيهات قلبي عصاني في محبتهم ... لما غدا وله في الحب طاعات وما ربوع الهوى يوما بدارسة ... وقد وفت لي الحسان العامريات لي من سعاد سعادات أفوز بها ... يوم اللقاء ومن لبنى لبانات وفي غرامي سر لا أبوح به ... وللمحبين أسرار خفيات لا أنكرن الهوى من بعدما تليت ... علي من سور الأحباب آيات فخذ صحيح الهوى عني ومسنده ... فكم بإسناده عندي روايات ومن يناظرني فيه وقد نشرت ... على مفارق لهوي منه رايات واستفرغته صباباتي فما بقيت ... بعدي لأهل الهوى إلا صبابات

стр. 383

ومن البديع في هذا الباب قول ابن هاني المغربي من قصيدة يمدح جعفر بن علي أمير الزاب: أبني العوالي السمهرية والموا ... ضي المشرفية والعديد الأكثر من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير يحكى أنه لما أنشدها ترجل العسكر كله, ولم يبق أحد راكبا سوى المعز, فلا يعلم بيت شعر كان جوابه نزول عسكر جرار غيره. وقول القاضي الفاضل, يمدح الملك العادل: أهذه سير في المجد أم سور ... وهذه أنجم في السعد أم غرر وأنمل أم بحار والسيوف لها ... موج وافر ندها في لجها درر وأنت في الأرض أم فوق السماء وفي ... يمينك البحر أم في وجهك القمر وقول ابن نباتة السعدي: والله لا أدري أكانت مدامة ... من الكرم تجنى أم من الشمس تعصر إذا صبها جنح الظلام وعبها ... رأيت ظلام الليل يطوى وينشر وقول الآخر: والله ما أدري بأي صفاته ... ملك القلوب فأوثقت في أسره أبوجهه أم شعره أم نحره ... أم ثغره أم ردفه أم خصره ومما ورد للتقرير قول مهيار الديلمي: طرفك والمسحور يقسم بالسحر ... أعمدا رماني أم أصاب ولا يدري وما أحسن ما قال بعده, ولم يخرج بالاستطراد عما نحن فيه: تعرض لي في القانصين مسدد ... الإشارة مدلول السهام على النحر رنا اللحظة الأولى فقلت مجرب ... فكررها أخرى فأحسست بالشر فهل ظن ما قد حرم الله من دمي ... مباحا له أم نام قومي على الوتر ومن بديع هذا النوع في المبالغة في النحول, قول أبي العباس أحمد بن محمد النامي: حقا أن قاتلت زرود ... وإن عهودها تلك العهود وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد وشكت في عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد ومنه قول الثعالبي: لي فاتن سيد يعلمني ... بحسنه كيف يعبد الصنم لما رآني وفي يدي قلم ... لم يدر مولاي أينا القلم وقول السري الرفاء: إذا ما الراح والأترج لاحا ... لعينك قلت أيهما الشراب هتف الصبح بالدجى فاسقنيها ... خمرة تترك الحليم سفيها لست أدري لرقة وصفاء ... هي في كأسها أم الكأس فيها وقول أبي إسحاق الصابي: تورد دمعي إذ جرى ومدامتي=فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب فو الله ما أدري أبالخمر أسبلت ... جفوني أم من عبرتي كنت أشرب وقول أحمد بن المغلس: أبروق تلألأت أم ثغور ... وليال دجت أم شعور وغصون تأودت أم قدود ... حاملات رمانهن الصدور وقول القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز: من أين للعارض الناري تلهبه ... وكيف طبق وجه الأرض صيبه هل استعان جفوني فهي تنجده ... أم استعار فؤادي فهو يلهيه وقول أبي الفتح المحسر بن علي البديع من أهل حمص: بالذي ألهم تعذي ... بي ثناياك العذابا ما الذي قالته عينا_ك لقلبي فأجابا ومنه في المدح قول البديع الهمذاني: تعالى الله ما شاء ... وزاد الله إيماني أأفريدون في التاج ... أم الإسكندر الثاني أم الرجعة قد عادت ... إلينا بسليمان وقول مهيار الديلمي: أتراها يوم صدت أن أراها ... علمت أني من قتلى هواها أم رمت جاهلة ألحاظها ... لم تميز عمدها لي من خطاها وما أحسن ما قال بعده: لا ومن أرسلها مفتنة ... تجرح النسك بجمع وقضاها ما رمى نفسي إلا واثق ... أنه يقضي عليها من رماها وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي: ليت شعري أمليك في الورى ... أنت يا إنسان عيني أم ملك وقولي في مطلع قصيدة: من عم طلعتك الغراء بالبلج ... وخص مبسمك الدري بالفلج وموه السحر في جفنيك فاتفقا ... على استلاب النهى بالغنج والدعج وضاعف الورد في خديك حين بدا ... ريحان عارضك السبكي بالضرج وقول مهيار الديلمي: سألت طيبة ما هذا النحول ... أسقام باح أم هم طويل أهلالا بعد أن أقمر لي ... أم قضيبا ومشى فيه الذبول أنت والأيام ما أنكرته ... وبلاء المرء يوم أو خليل

стр. 384

قتلتني وانبرت تسأل بي ... أيها الناس لمن هذا القتيل وقول الآخر: إنسانة الحي أن أدمانة السمر ... بالنهي رقصها لحن من الوتر ياما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال السمر تالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر وقول شيخنا محمد الشامي: بالله قولا لنسيم الصبا ... لا تعجلن إني كسير الجناح وناشدا عني عيون المها ... أكان جدا كسرها أم مزاح وقوله: بيني وبينك يا ظباء الأجرع ... عهد أضيع وحق دين مارعي لي عندكن وديعة وأظنها ... قلبي فإني لا أرى قلبي معي قالت وقد خطرت بعطفيها الصبا ... هيل الكثيب على كواعب أربع أي القلوب فإنهن كثيرة ... عندي فقلت أخفهن إذ دعي وقول أبي فراس: تسائلني من أنت وهي عليمة ... وهل بفتى مثلي على حاله نكر فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ... قتيلك قالت أيهم فهم كثر فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق ... وإن يدي مما علقت به صفر وما أحسن قول أبي الحسن علي بن محمد التهامي: وموقف لولا التقى لالتقى ... فيه نجادي ونظام الوشاح قلت لخلي وثغور الربى ... مبتسمات وثغور الملاح أيهما أبهى ترى منظرا ... فقال لا أعلم كل أقاح أبان لنا من درة ودعا ... عقودا وألفاظا وثغرا وأدمعا وأبدى لنا من دله وجبينه ... ومنطقة ملهى ومرأى ومسمعا فقلت أوجه لاح من تحت برقع ... أم البدر بالغيم الرقيق تبرقعا وقوله: أرأيت طرفك نابل أم سائف ... أم نافث للسحر أم خمار وقوله: لعينك وخزة في كل قلب ... أأشفار جفونك أم شفار وقوله: أتاني منك ذكر لو ينادي ... به الأموات كان لهم معادا ثناء أم ثنايا أقحوان ... تبسم عن مباسمها فرادى ومن التحقير قوله يمدح أبا نصر الكاتب: من حاتم جودا إذا ذكر الندى ... من سيف ذي يزن من الأقوام من قسهم نظما ومن فصحاؤهم ... نثرا ومن لقمان في الأحكام من يوسف في عفة وصباحة ... من مثله علما من الأعلام ولا يخفى ما في البيت الأخير من المبالغة القبيحة. ومنه قول الآخر: أسائل عن ثمالة كل حي ... وكلهم يقول وما ثمالة فقلت محمد بن سعيد منهم ... فقالوا الآن زدت بهم جهالة ومنه في المديح قول ابن قلاقس: أكوكب بشر من جبينك لائح ... وصيب يسر من يمينك سافح وإلا فماذا البرق والغيم مقنع ... وماذا النوال السكب والجو واضح ومما هو للتوبيخ قول حسان بن ثابت: أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء ومما هو للتقرير قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح ومما هو للذم قول زهير: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء وفيه دلالة على أن (القوم) للرجال خاصة. قال تعالى "لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء". ومما هو للتحقير قول الآخر: يقولون هذا عندنا ليس ثابتا ... ومن أنتم حتى يكون لكم عند وقول الباخرزي: قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو باد أنا في فؤادك فارم لحظك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي وقول العميد أبي سهل محمد بن الحسن: يا دهرنا أينا أشجى ببينهم ... أأنت أم أنا أم ريا أم الدار وقول أبي الطيب المتنبي: من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب وما أحسن ما قال بعده منكرا على نفسه هذا التجاهل: إن كنت تسأل شكا في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب ومما ورد منه للتوبيخ قول الخارجية: أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف وقوله تعالى "فهل عسيتم إن توليتم أن تفيدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم". فلو عدل عن الاستخبار المتضمن للتوبيخ إلى تصريح الأخبار, بأنكم إذا توليتم أمر الناس أفسدتم, وقطعتم الأرحام, للبسوا له جلد النمر, ولكن إذا تأملوا في الاستخبار أنصفوا وأذعنوا.

стр. 385

ومما ورد للتدله, ما وقع كثيرا في خطابهم للأطلال والرسوم والمنازل والأيام وغيرها, والاستفهام عنها كقول مهيار: نشدتك يا بانة الأجرع ... متى رفع الحي من لعلع وهل مر قلبي بالتابعين ... أم خار ضعفا فلم يتبع وقول ذي الرمة: أمنزلتي مي سلام عليكما ... هل الأزمن اللاتي مضين رواجع وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والديار البلاقع ومما ورد للتحقير قوله تعالى حكاية عن الكفار"هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد" يعنون محمدا صلى الله وآله وسلم, كأن لم يكونوا يعرفون منه إلا أنه رجل ما, وهو عندهم أظهر من الشمس. قال بعضهم: وينبغي أن يسمى هذا تجهيل العارف, لأنهم جهلوهم مع كونهم عارفين به ﵌ لغرض فاسد لهم لعنهم الله. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين قوله: يا ليت شعري أسحر كان حبكم ... أزال عقلي أم ضرب من اللمم وبيت بديعية ابن جابر قوله: إذا بدا البدر تحت الليل قلت له ... أأنت يا بدر أم مرأى وجوههم وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: وعارف مذ بدا بدري تجاهل لي ... وقال حبك أم ذا البدر في الظلم وبيت بديعية ابن حجة قوله: وافتر عجبا تجاهلنا بمعرفة ... قلنا أبرق بدا أم ثغر مبتسم وبيت بديعية الطبري قوله: سراة حسن بدوا قلنا سنا قمر ... تجاهلا أم سنا برق على أضم وبيت بديعيتي هو: تجاهل المعارف الباغي فقال له ... أمعجز ما نرى أم سحر مجترم لا يقال ما في هذا البيت من المدح شيء سوى أنه حكاية حال لتجاهل الكفار. لانا نقول المدح في مفهومه, وهو بيان أن من شك في معجزه ﵌ إنما شك عنادا, وأظهر شكه تجاهلا, فهو من باب تجاهل العارف المعاند, وإلا فمعجزه صلى الله عليه وآله قد تحقق إعجازه لكل ذي بصر, آمن من آمن, وكفر من كفر. وبيت بديعية المقري قوله: هل بين بدري وبين الأفق من نسب ... فالكل للجد سام قد عزي ونمي الاعتراض وما عليه اعتراض في نبوته ... وهو الصدق فثق بالحق والتزم الاعتراض, هو أن يؤتى في أثناء الكلام, أو بين كلامين متصلين معنى, بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب -لنكتة- سوى دفع الإبهام, فخرج الاحتراس. وسماه قدامة -لالتفات الصاحب بن عباد - حشو اللوزينج. ومتى خلا عن نكتة سمي حشوا, فلا يعد حينئذ من البديع, بل هو من المستهجن. والنكتة في الاعتراض كثيرة: - منها التنزيه. كما في قوله تعالى "ويجعلون لله البنات -سبحانه- ولهم ما يشتهون" فإن قوله (سبحانه) جملة لكونه بتقدير الفعل وقعت في أثناء الكلام, لأن قوله (ولهم ما يشتهون) عطف على قوله (لله البنات) , والنكتة فيه تنزيه الله وتقديسه عما ينسبون إليه. ومنها الدعاء كما في قول الشاعر: إن الثمانين وبلغتها ... وقد أحوجت سمعي إلى ترجمان فقوله (وبلغتها) يفيد الدعاء, وهو جملة معترضة بين اسم إن وخبرها, والواو فيه اعتراضية ليست عاطفة ولا حالية. ومثله قول عبد الرحيم بن عبد المالك يخاطب أخاه وهو في حبس الرشيد: فلو بك ما بي لا يكن بك لا أغتدي ... إليك وراح البر بي والتقرب ومنها التنبيه كما في قوله: وأعلم فعل المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا وقول الشاعر: لو أن الباخلين وأنت فيهم ... رأوك تعلموا منك المطالا و (منها) تخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد في أمر علق بهما: كقوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك" فقوله (أن أشكر لي ولوالديك) وقوله (حملته) إلى آخره, اعتراض بينهما, إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا, وتذكيرا لحقها العظيم مفردا. ولذلك قيل: حق الوالد أعظم وحق الوالدة ألزم. ومنها المطابقة والاستعطاف كما في قول أبي الطيب: وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما فقوله (يا جنتي) اعتراض للمطابقة مع جهنم وللاستعطاف. ومنها بيان السبب لأمر فيه غرابة كما في قول الشاعر: فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصلة يصفو لنا فنكارمه

стр. 386

فإن كون هجر الحبيب مطلوبا للمحب أمر غريب, فبين سببه: بأن في اليأس راحة. ومنها المدح كما في قول أبي محمد الخازن: فأية طربة للعفو أن ال ... كريم وأنت معناه طروب ومما جاء بين كلامين متصلين معنى وهو أكثر من جملة أيضاً, قوله تعالى "قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم" فإن قوله تعالى (والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) ليس من قول (أم) مريم وإنما هو اعتراض من كلام الله سبحانه, والنكتة فيه تعظيم الموضوع وتجهيلها بقدر ما وهب لها منه, ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت, وما علق به من عظائم الأمور, وجعلها وولدها آية للعالمين, وهي جاهلة بذلك لا علم لها به, ولذلك تحيرت وتحزنت. ثم زاده بيانا وإيضاحا بالجملة الثانية من الاعتراض فقال: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها. قال السعد التفتازاني: ومثل هذا الاعتراض كثيرا يلتبس بالحال, والفرق دقيق أشار إليه صاحب الكشاف, حيث ذكر في قوله تعالى "ثم اتخذ تم العجل من بعده وأنتم ظالمون". إن قوله (وأنتم ظالمون) حال, أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها, واعتراض, أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. انتهى. وحاصله أن الحال مقيد, فيراد بالظلم اتخاذ العجل, وعلى تقدير الاعتراض, لا يختص الظلم به بل يراد المطلق, وأيضا يراد الدوام على تقدير الاعتراض دون الحال, وبينهما فروق أخر تطلب من مظانها. ولنذكر جملة من محاسن أمثلة هذا النوع على جاري عادتنا في هذا الكتاب, من غير تنبيه على النكت, اعتمادا على فهم الناظر. فمن المستحسن منها قول العباس بن الأحنف: قد كنت أبكي وكنت راضية ... حذار هذا الصدود والغضب إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا ... ثم فمالي في العيش من أرب وقول أبي الفتح البستي: أراح الله قلبي من زمان ... محت يده سروري بالإساءة فإن حمد الكريم صباح يوم ... وأنى ذاك لم يحمد مساءه وقول الفقيه عمارة اليمني: له راحة ينهل جود بنانها ... ووجه إذا قابلته يتهلل ترى الحق للزوار حتى كأنه ... عليهم وحاشا قدره يتطفل على أنه أخذه من قول أبي الطيب: وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا وأخذه أبو الحسين الجزار أيضاً فقال: ويهتز للجدوى إذا ما مدحته ... كما اهتز حاشا وصفه شارب الخمر وأخذه ابن الساعاتي أيضاً فقال: يهزه المدح هز الجود سائله ... أولا وحاشاه هز الشارب الثمل وقول ابن اللبانة في ناصر الدولة صاحب ميورقة: وغمرت بالإحسان أفق ميورقة ... وبنيت فيها ما بنى الإسكندر فكأنها بغداد أنت رشيدها ... ووزيرها وله السلامة جعفر فقوله (وله السلامة) من مليح الاعتراض, مع ما فيه من التلميح إلى قصة جعفر البرمكي. وقول أبي الوليد محمد بن يحيى بن حزم: أتجزع من دمعي وأنت أسلته ... ومن نار أحشائي ومنك لهيبها وتزعم أن النفس غيرك علقت ... وأنت ولا من عليك حبيبها وقول القاسم صاحب أذربيجان: سعاد تسبني ذكرت بخير ... وتزعم أنني ملق خبيث وإن مودتي كرب ومين ... واني بالذي أهوى بثوت وليس كذا ولا رد عليها ... ولكن الملول هو النكوث رأت شغفي بها ونحول جسمي ... فصدت هكذا كان الحديث وقول السراج الوراق: إن عيني وهو عضو دنف ... ما على ما كابدته جلد ما كفاها بعدها منك إلى ... أن دهاها وكفيت الرمد ومثله قوله: وما بي إلى ماء النيل حاجة ... ولو أنه أستغفر الله زمزم وقول ابن النبيه: سقيا لأيامنا التي سلفت ... كانت بطيب الحياة مقترنة لو بيع يوم منها وكيف به ... كنت بعمري مسترخصا ثمنه وقول الشريف الرضي ﵁: لا تحسبيه وإن أسأت به ... يرضى الوشاة ويقبل العذلا لو كنت أنت وأنت مهجته ... واشي هواك إليه ما قبلا ويعجبني قول السيد عز الدين المرتضى: أفي الحق أن يمضي ثلاث وأربع ... وخمس وسبع بعدهن ثماني وما أن أرى شمس الضحى قمر الدجى ... ولا هو حاشاه الخسوف يراني

стр. 387

نأى لا نأى لما دنا الهجر لا دنا ... فيا ليت ذا ناء وذلك داني ومنه قولي: لاموا على كثر البكا ناظري ... ولم يروا منظره الناضرا ولو رأى العاذل لي لا أرى ... أصبح لا أصبح لي عاذرا وبيت الشيخ صفي الدين الحلي قوله: فإن من أنفذ الرحمن دعوته ... وأنت ذاك لديه الجار لم يضم وابن جابر لم ينظم ذلك النوع. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله: فلا اعتراض علينا في السؤال به ... أعني الرسول لكي أنجو من الضرم وبيت ابن حجة قوله: فلا اعتراض علينا في محبته ... وهو الشفيع ومن يرجوه يعتصم وبيت بديعية الطبري قوله: لي منك عهد عسى أني أكون به ... أرعى بدون اعتراض من ذوي الخدم وبيت بديعيتي هو: وما عليه اعتراض في نبوته ... وهو الصدوق فثق بالحق والتزم وبيت المقري قوله: صلى الإله ووالاها عليك كما ... صلت ظباك على القتلى ولم تضم حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي هو العوالم عن حصر بأجمعها ... وملحق الجزء بالكلي في العظم هذا النوع من مستخرجات ابن الأصبع, وعرفه بان يأتي المتكلم إلى نوع ما فيجعله له جنسا بعد حصر أقسام الأنواع فيه والأجناس, كقوله تعالى "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر" فإنه تمدح بأنه يعلم ما في البر والبحر من أصناف الحيوان والنبات والجماد, لاحتمال أن يظن ضعيف, أنه ﷻ يعلم الكليات دون الجزئيات, فإن المولدات وإن كانت جزئيات بالنسبة إلى جملة العالم, فكل واحد منها كلي بالنسبة على ما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف, فقال لكمال التمدح "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" وعلم أن علم ذلك يشاركه فيه كل ذي إدراك, فتمدح بما لا يشاركه فيه أحد ففال "ولا حبة في ظلمات الأرض" ثم ألحق هذه الجزئيات بالكليات حيث قال "ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين". ومثاله من النظم قول السلامي: إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشياء كما اجتمع النسر فبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر فإنه قصد تعظيم الممدوح, وداره التي قصده فيها, ويومه الذي لقيه فيه, فجعل الممدوح جميع الورى وهو جزء منه, وداره الدنيا وهي جزء منها, ويومه الدهر وهو جزء منه, فجعل الجزئي كليا وحصر أقسام الجزئي. لأن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان ومكان, فقد حصر ذلك. قال الصفي وفي هذا الحصر نظر. وقد أخذ هذا المعنى القاضي الأرجاني فقال من قصيدة: يا سائلي عنه لما جئت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار رأيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار وكرر السلامي هذا المعنى في شعره لكنه لم يكمله, فأتى ببعضه في بيت من قصيدة وهو: أنت الأنام فمن أدعو وحضرتك ال ... دنيا فأين أقضي بعض أوطاري واستعمله المتنبي أيضاً فقال: هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق وقوله أيضاً: هديه ما رأيت مهديها ... إلا رأيت العباد في رجل وقوله: ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا والسابق إلى هذا المعنى أبو نواس في قوله يمدح الأمين والخطاب لناقته: متى تحطي إليه الرحل سالمة ... تستجمعي الخلق في تمثال إنسان وقوله في الفضل بن الربيع: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وقال آخر في مرثية: فيا قبره كيف احتويت على الورى ... ويا لحده كيف اشتملت على البحر والأصل في هذا كله قوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" قال المفسرون في أحد الوجوه: أي أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير. وبيت بديعية الصفي قوله: شخص هو العالم الكلي في شرف ... ونفسه الجوهر القدسي في عظم قال في شرحه: هذا من جعل الجزئي كليا فقط, لكون البيت الواحد لا يسع جميع تلك القيود. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

стр. 388

فألحق الجزء بالكلي منحصرا ... إذ دينه الجنس للأديان كلهم هذا البيت ليس فيه من هذا النوع إلا الإشارة إلى اسمه في صدر البيت, وأما المعنى الذي تقرر له فلم يسلم به. ولا يخفى ما في النصف الأخير من المحذور معنى ولفظا. وبيت البديعية ابن حجة قوله: ألحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يلحق بالكلي للعظم أطنب ابن حجة على جاري عادته في الإعجاب بكلام نفسه في وصف هذا البيت, حتى قال: وما أعلم له في هذا الباب نظيرا لتحرير هذا النوع الذي يدق عن أفهام كثيرة إيضاحه. ومن تأمل تعريف هذا النوع الذي قرره له مخترعه زكي الدين بن أبي الأصبع, علم أن بيت ابن حجة ليس فيه جعل الجزئي كليا بوجه, فضلا عن حصر أقسام الجزئي, نعم لو قال مثلا: نبي هو الأنبياء, كما قال السلامي: ملك هو الورى, وكما قال الصفي: شخص هو العالم, كان قد جعل الجزئي كليا بالمعنى المذكور. وأما قوله (ألحق بحصر جميع الأنبياء به) فلا يدل على هذا المعنى, بل مدلوله: انك اجعل جميع الأنبياء مثله, أو أتبعهم إياه ليلحقوا به, من قولك: ألحقت هذا بهذا, أي جعلته مثله وفي رتبته. ومنه إلحاق الجزئي بالكلي أي جعله كليا, أو من ألحقت زيدا بعمرو أي أتبعته إياه فلحق, وليس في هذا ما يدل على المقصود من هذا النوع والله أعلم. وبيت الطبري قوله: جزئي هو العالم الكلي في رتب ... عليا فما فوقها مرقى لمستنم وصفه ﵌ بالجزئي لا يخفى قبحه, وإن كان قد جعله كليا, على أنه قد فاته نصف الاسم من هذا النوع. وبيت بديعيتي هو: هو العوالم عن حصر بأجمعها ... وملحق الجزء بالكلي في العظم وبيت المقري قوله: فرد أتى سابقا وهو الورى معه ... آي هي الدين والدنيا لمعتصم قال ناظمه في شرحه: وصف الممدوح بأنه فرد, ثم قال: وهو الورى معه آي, ثم قال: هي الدين والدنيا, فالحق الجزئي بالكلي بوصفين, بعد أن حصرهما. انتهى. وأقول: أما إلحاق الجزئي بالكلي فمسلم, وأما حصرهما فممنوع, إذ المراد بحصر الجزئي في هذا النوع حصر الأقسام والأنواع فيه, وأين هذا المعنى في البيت؟. التهذيب والتأديب تهذيب فطرته أغناه عن أدب ... في القول والفعل والأخلاق والشيم هذا النوع ليس له شاهد يخصه وإن كان من مستحسنات البديع, لأنه وصف يعم كل كلام مهذب محرر لفظيا كان أو نثرا, وهو عبارة عن تهذيب المتكلم كلامه, وتنقيحه ومراجعته بالنظر والفكر فيه, فيسقط ما يجب إسقاطه, ويصلح ما يتعين إصلاحه, ويحرر مقاصده ومباينه, ويبين أغراضه ومعانيه, بحيث لا يمكن أن يقال فيه: لو كان غير هذا لكان أحسن, ولو زيد هذا لكان يستحسن, ولو قدم هذا لكان أجمل, ولو ترك هذا لكان أفضل. وقلما راجع الإنسان كلاما قاله إلا وعنت له هذه المقالة, كما قيل: ما خط كف امرء شيئاً وراجعه ... إلا وعن له تبديل ما فيه وقال ذاك كذا أولى وذاك كذا ... وهكذا إن يكن تسمو قوافيه فإذا سلم البيت من لو, وليت, عد من مستحسنات البديع, وشمله حد التهذيب والتأديب, وإلا فهو خارج عما نحن فيه, مردود على من خرج من فيه. وكان زهير بن أبي سلمى يضرب به المثل في تنقيح الشعر وتهذيبه, فيقال: حوليات زهير, لأنه كان يعمل القصيدة في ليلة, ثم تبقى حولا ينقحها. وقيل: بل كان ينظمها في شهر وينقحها في أحد عشر شهرا. وقيل: بل كان ينظمها في أربعة أشهر وينقحها في أربعة أشهر, ويعرضها على علماء أصحابه أربعة أشهر, ولهذا كان عمر بن الخطاب يعتقد أنه شاعر الشعراء. روي عن ابن عباس أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب سنة ست عشرة إذ خرج إلى الشام, وهي أول خرجة, حتى إذا كنا باشراف الشام -ولم يكن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه خرج معه- فصلى المغرب, ثم بيت حتى صلى العشاء الآخرة, ثم وثب حتى ركبت, وأخذ كل إنسان زميله ومحدثه, وأخذت معه, فسار شيئا لا يتكلم, ثم رفع سوطه وقرع به وبسط رجله, ثم رفع صوته يتغنى بشعر أنس بن زنيم الدئلي يمدح النبي ﷺ . وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد حتى أتى على الشعر, ثم قال: استغفر الله, وسكت هينهة لا يتكلم, ثم قرع وبسط رجله واندفع يتغنى بشعر أبي طالب:

стр. 389

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل حتى أتى على الأبيات, ثم قال: استغفر الله, هيه يا بن عباس, ما منع عليا أن يخرج في هذه الغزاة؟ قلت: أو لم تبعث إليه فجاءك وذكر عذره لك؟ قال: بلى, قلت: فهو ما أعتذر به, فقال: يا بن عباس, أبوك عم رسول الله ﵌؟ قلت: بخ بخ, ما منع قومكم منكم؟ قلت: لا أدري, قال: إنهم يكرهون ولايتكم, قلت: ولم يكرهون ذلك؟ فوا لله ما زلنا لهم كالخير, قال: اللهم غفرا, يكرهون أن تكون النبوة والخلافة فيكم فتكونون خفجا خفجا. لعلكم تقولون: إن أبا بكر فعل بنا ذلك, والله ما قصده, ولكنه حضره أمر لم يكن بحضرته أحزم منه, ولو جعل لكم من الأمر نصيبا لما هناكم مع قومكم. يابن عباس أنشدني لشاعر الشعراء, قلت: من هو؟ قال: ألا تعرفه؟ قلت لا, قال: هو ابن أبي سلمى, قلت: يا أمير المؤمنين, فكيف صار شاعر الشعراء؟ قال لأنه لا يتبع حوشي الكلام, ولا يعاظل بين المنطق, ولا يقول إلا ما يعرف, ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال, أو ليس الذي يقول: إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... إلى المجد من يسبق إليها يسود سبقت إليها كل طلق مبرز ... سبوق إلى الغايات غير مجلد كفضل جواد الخيل يسبق عفوه الس ... راع وإن يجهد ويجهدن يبعد أنشدني له, فأنشدته حتى برق النور, ثم قال: حسبكن اقرأ علي, قلت: ما أقرأ؟ قال: اقرأ إذا وقعت الواقعة, فقرأتها. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكك, اقتداء بمذهب زهير. وروى الحطيئة أن أبا العتاهية لقي يوما أبا نواس فقال له: كم تعمل في اليوم من الشعر؟ قال: البيت والبيتين, فقال أبو العتاهية: لكني أعمل المائة والمائتين, فقال أبو نواس: لأنك تعمل مثل قولك: يا عتب مالي ولك ... يا ليتني لم أرك مللكتني فانتهك ... ما شئت أن تنتهك ولو أردت مثل هذا لعملت الألف والألفين, ولكني أعمل مثل قولي: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو منها مسها حجر مسته سراء من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لوطي وزناء ولو أردت مثل هذا لأعجزك الدهر ومثل هذا الحكاية, ما يحكى أنه اجتمع مع مسلم بن الوليد, فجرى بينهما كلام, فقال مسلم, لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك: الحمد والنعمة لك ... والملك لا شريك لك لبيك إن الملك لك لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت, لكني أقول: موف على رهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الروس تيجان القنا الذبل وقال عدي بن الرفاع في تهذيبه لشعره: وقصيدة قد بت أجمع بيتها ... حتى أقوم ميلها وسنادها نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها وتبيت حتى ما أسائل عالما ... عن حرف واحدة لكي أزدادها وقال أبو تمام: خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب وقال ابن عنين: معنى بديع وألفاظ منقحة ... عن نية وقواف كلها نخب وما أحسن ما قال أبو محمد يحيى بن علي المنجم: رب شعر نقدته مثلما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا ثم أرسلته فكانت معاني ... هـ وألفاظه معا أبكارا لو تأنى لقالة الشعر ما أس ... قط منه حلوا به الأشعارا إن خير الكلام ما يستعير ال ... ناس منه ولم يكن مستعارا ولله الآخر حيث يقول: لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها فإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها قيل لبشار بن برد: بم فقت أهل عصرك, وسبقت أهل أندادك في دهرك, في حسن معاني الشعر, وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي, وتناجيني به طبيعتي, وتبعثه فكرتي. ونظرت إلى مغارس الفطن ومعادن الحقائق, ولطائف التشبيهات فصرت إليها بفهم جيد, وغريزة قوية فأبحت سرها, وانتقيت حرها, وكشفت عن حقائقها, واحترزت عن متكلفها, لا والله ما ملك قيادي قط الإعجاب بشيء مما آتي به.

стр. 390

وقال أبو عبادة البحتري الشاعر ﵀: كنت في حداثتي أروم الشعر, وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم (ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب) حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه, واتكلت في تعريفه عليه, فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة, تخير الأوقات وأنت قليل الهموم, صفر من الغموم, واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان (تأليف بيت أو حفظه أن يختار وقت السحر) , وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة, وقسطها من النوم, وخف عنها ثقل الغذاء, وصفا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء, وسكنت الغماغم, ورقت النسائم, وتغنت الحمائم (وإذا شرعت في التأليف) تغن بالشعر فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه. واجتهد في إيضاح معانيه, فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقا, والمعنى رشيقا, وأكثر فيه من بيان الصبابة, وتوجع الكآبة, وقلق الأشواق والفراق, والتعلل باستنشاق النسائم وغناء الحمائم, والبروق اللامعة, والنجوم الطالعة, والتبرم (من العذال والوقوف على الأطلال) , وإذا أخذت في مدح (سيد) فأشهر مناقبه, (وأظهر مناسبه, وأرهف من عزائمه) , ورغب في مكارمه, واحذر المجهول من المعاني, وإياك أن تشين شعرك بالعبارة (الردية) والألفاظ الحوشية, وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام, وكن كأنك خياط يقدر الثياب على مقادير الأجسام. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك, ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب (ولا تنظم إلا بشهوة) فإن الشهوة نعم المعين (على حسن النظم) , وجملة الحال أن تعتبر شعرك بم سلف من أشعار الماضيين, فما استحسن العلماء فاقصده, وما استقبحوه فاجتنبه. وقال أبو الفتح نصر الله بن الأثير: جيد الشعر ما كانت ألفاظه حلوة, ومخارجه سهلة, وقوافيه مألوفة, ووزنه حسنا تقبله النفس, سالما من الزحاف. واعلم أن اللفظ كالصورة والمعنى كالروح, فإن اتفقا وقع الكمال, وإن اختلفا وقع النقص. وأحسن الألفاظ ثلاثة: التطبيق, والتجنيس, والمقابلة. وأحسن المعاني ثلاثة: الاستعارة, والتشبيه, والمثل. فعليك بها على سبيل الاقتصاد. وينبغي أن يرغب الشاعر في الحلاوة واللطافة, والجزالة والفخامة, ويتجنب السوقي القريب, والحوشي الغريب, كما قال بعضهم: عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وينبغي أن يحصل المعنى قبل اللفظ, والقوافي قبل الأبيات, ويكتب كل لفظ يسنح, وكل معنى يلمح, ويترنم بالشعر وهو يصنعه, ويقصد علمه وقت السحر وهو خال من الهم, لأن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة, ويجعل شهوته لقول الشعر التوصل إلى من نظمه فإنها نعم المعين, ويعرف أغراض المخاطب كأئناً من كان, لأن لكل مقام مقالا, فيخاطب الناس على قدر طبقاتهم وتعلقاتهم. فإن نسب ذل وخضع, وإن مدح أطرى وأسمع, وإن هجا أقل وأوجع, وإن فخر خب ووضع, وإن عاتب خفض ورفع, وإن استعطف حن ورجع. ويحسن الفواتح والخواتم والمطالع, ويلطف الخروج إلى المدح والهجاء, لأن حسن الافتتاح داعية الانشراح, وخاتمة الكلام أبقى في السمع, وألصق بالنفس لقرب العهد بها, فتقع من الأسماع والألقاب على حسبها, ولطافة الخروج أشد ارتياحا للممدوح, ويتفقد خاطره بالمذاكرة, فإنها زناده, وتشب أيقاده. وتفجر عيون المعاني, وتثبت قواعد المباني بمطالعة الأشعار وترنم جيدها, فإنهما يولدان الشهوة. وقيل: ما استدعي شارد الشعر بمثل الماء الجاري, والشرف العالي, والمكان الخالي, وتملي الحالي (يراد الحالي من الروض) . وقال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع في وصية له: لا ينبغي للشاعر أن يكره الخاطر على وزن مخصوص, وروي مقصود (بل ينبغي أن يتوخى الكلام الجزل) دون الرذل, والسهل دون الصعب, والعذب دون المستكره, والمستحسن دون المستهجن. ولا تعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل, والنفيس معه خسيس. والخواطر ينابيع, إذا رفق بها جمعت, وإذا كثر استعمالها نزحت. واكتب كل معنى يسنح, وقيد كل فائدة تعرض, فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق, ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت, وإن لم يستعطف عليها بالتكرار صدت, والترنم بالشعر مما يعين عليه, فقد قال الشاعر: تغن بالشعر أما كنت قائله ... إن الغناء لقول الشعر مضمار
следующие страницы →