← Адаб

Адаб · id 5446

أنوار الربيع في أنواع البديع

ابن معصوم الحسني

Полный текст (514 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فإن كون هجر الحبيب مطلوبا للمحب أمر غريب, فبين سببه: بأن في اليأس راحة. ومنها المدح كما في قول أبي محمد الخازن: فأية طربة للعفو أن ال ... كريم وأنت معناه طروب ومما جاء بين كلامين متصلين معنى وهو أكثر من جملة أيضاً, قوله تعالى "قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم" فإن قوله تعالى (والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) ليس من قول (أم) مريم وإنما هو اعتراض من كلام الله سبحانه, والنكتة فيه تعظيم الموضوع وتجهيلها بقدر ما وهب لها منه, ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت, وما علق به من عظائم الأمور, وجعلها وولدها آية للعالمين, وهي جاهلة بذلك لا علم لها به, ولذلك تحيرت وتحزنت. ثم زاده بيانا وإيضاحا بالجملة الثانية من الاعتراض فقال: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها. قال السعد التفتازاني: ومثل هذا الاعتراض كثيرا يلتبس بالحال, والفرق دقيق أشار إليه صاحب الكشاف, حيث ذكر في قوله تعالى "ثم اتخذ تم العجل من بعده وأنتم ظالمون". إن قوله (وأنتم ظالمون) حال, أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها, واعتراض, أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. انتهى. وحاصله أن الحال مقيد, فيراد بالظلم اتخاذ العجل, وعلى تقدير الاعتراض, لا يختص الظلم به بل يراد المطلق, وأيضا يراد الدوام على تقدير الاعتراض دون الحال, وبينهما فروق أخر تطلب من مظانها. ولنذكر جملة من محاسن أمثلة هذا النوع على جاري عادتنا في هذا الكتاب, من غير تنبيه على النكت, اعتمادا على فهم الناظر. فمن المستحسن منها قول العباس بن الأحنف: قد كنت أبكي وكنت راضية ... حذار هذا الصدود والغضب إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا ... ثم فمالي في العيش من أرب وقول أبي الفتح البستي: أراح الله قلبي من زمان ... محت يده سروري بالإساءة فإن حمد الكريم صباح يوم ... وأنى ذاك لم يحمد مساءه وقول الفقيه عمارة اليمني: له راحة ينهل جود بنانها ... ووجه إذا قابلته يتهلل ترى الحق للزوار حتى كأنه ... عليهم وحاشا قدره يتطفل على أنه أخذه من قول أبي الطيب: وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا وأخذه أبو الحسين الجزار أيضاً فقال: ويهتز للجدوى إذا ما مدحته ... كما اهتز حاشا وصفه شارب الخمر وأخذه ابن الساعاتي أيضاً فقال: يهزه المدح هز الجود سائله ... أولا وحاشاه هز الشارب الثمل وقول ابن اللبانة في ناصر الدولة صاحب ميورقة: وغمرت بالإحسان أفق ميورقة ... وبنيت فيها ما بنى الإسكندر فكأنها بغداد أنت رشيدها ... ووزيرها وله السلامة جعفر فقوله (وله السلامة) من مليح الاعتراض, مع ما فيه من التلميح إلى قصة جعفر البرمكي. وقول أبي الوليد محمد بن يحيى بن حزم: أتجزع من دمعي وأنت أسلته ... ومن نار أحشائي ومنك لهيبها وتزعم أن النفس غيرك علقت ... وأنت ولا من عليك حبيبها وقول القاسم صاحب أذربيجان: سعاد تسبني ذكرت بخير ... وتزعم أنني ملق خبيث وإن مودتي كرب ومين ... واني بالذي أهوى بثوت وليس كذا ولا رد عليها ... ولكن الملول هو النكوث رأت شغفي بها ونحول جسمي ... فصدت هكذا كان الحديث وقول السراج الوراق: إن عيني وهو عضو دنف ... ما على ما كابدته جلد ما كفاها بعدها منك إلى ... أن دهاها وكفيت الرمد ومثله قوله: وما بي إلى ماء النيل حاجة ... ولو أنه أستغفر الله زمزم وقول ابن النبيه: سقيا لأيامنا التي سلفت ... كانت بطيب الحياة مقترنة لو بيع يوم منها وكيف به ... كنت بعمري مسترخصا ثمنه وقول الشريف الرضي ﵁: لا تحسبيه وإن أسأت به ... يرضى الوشاة ويقبل العذلا لو كنت أنت وأنت مهجته ... واشي هواك إليه ما قبلا ويعجبني قول السيد عز الدين المرتضى: أفي الحق أن يمضي ثلاث وأربع ... وخمس وسبع بعدهن ثماني وما أن أرى شمس الضحى قمر الدجى ... ولا هو حاشاه الخسوف يراني

стр. 387

نأى لا نأى لما دنا الهجر لا دنا ... فيا ليت ذا ناء وذلك داني ومنه قولي: لاموا على كثر البكا ناظري ... ولم يروا منظره الناضرا ولو رأى العاذل لي لا أرى ... أصبح لا أصبح لي عاذرا وبيت الشيخ صفي الدين الحلي قوله: فإن من أنفذ الرحمن دعوته ... وأنت ذاك لديه الجار لم يضم وابن جابر لم ينظم ذلك النوع. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله: فلا اعتراض علينا في السؤال به ... أعني الرسول لكي أنجو من الضرم وبيت ابن حجة قوله: فلا اعتراض علينا في محبته ... وهو الشفيع ومن يرجوه يعتصم وبيت بديعية الطبري قوله: لي منك عهد عسى أني أكون به ... أرعى بدون اعتراض من ذوي الخدم وبيت بديعيتي هو: وما عليه اعتراض في نبوته ... وهو الصدوق فثق بالحق والتزم وبيت المقري قوله: صلى الإله ووالاها عليك كما ... صلت ظباك على القتلى ولم تضم حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي هو العوالم عن حصر بأجمعها ... وملحق الجزء بالكلي في العظم هذا النوع من مستخرجات ابن الأصبع, وعرفه بان يأتي المتكلم إلى نوع ما فيجعله له جنسا بعد حصر أقسام الأنواع فيه والأجناس, كقوله تعالى "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر" فإنه تمدح بأنه يعلم ما في البر والبحر من أصناف الحيوان والنبات والجماد, لاحتمال أن يظن ضعيف, أنه ﷻ يعلم الكليات دون الجزئيات, فإن المولدات وإن كانت جزئيات بالنسبة إلى جملة العالم, فكل واحد منها كلي بالنسبة على ما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف, فقال لكمال التمدح "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" وعلم أن علم ذلك يشاركه فيه كل ذي إدراك, فتمدح بما لا يشاركه فيه أحد ففال "ولا حبة في ظلمات الأرض" ثم ألحق هذه الجزئيات بالكليات حيث قال "ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين". ومثاله من النظم قول السلامي: إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشياء كما اجتمع النسر فبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر فإنه قصد تعظيم الممدوح, وداره التي قصده فيها, ويومه الذي لقيه فيه, فجعل الممدوح جميع الورى وهو جزء منه, وداره الدنيا وهي جزء منها, ويومه الدهر وهو جزء منه, فجعل الجزئي كليا وحصر أقسام الجزئي. لأن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان ومكان, فقد حصر ذلك. قال الصفي وفي هذا الحصر نظر. وقد أخذ هذا المعنى القاضي الأرجاني فقال من قصيدة: يا سائلي عنه لما جئت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار رأيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار وكرر السلامي هذا المعنى في شعره لكنه لم يكمله, فأتى ببعضه في بيت من قصيدة وهو: أنت الأنام فمن أدعو وحضرتك ال ... دنيا فأين أقضي بعض أوطاري واستعمله المتنبي أيضاً فقال: هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق وقوله أيضاً: هديه ما رأيت مهديها ... إلا رأيت العباد في رجل وقوله: ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا والسابق إلى هذا المعنى أبو نواس في قوله يمدح الأمين والخطاب لناقته: متى تحطي إليه الرحل سالمة ... تستجمعي الخلق في تمثال إنسان وقوله في الفضل بن الربيع: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وقال آخر في مرثية: فيا قبره كيف احتويت على الورى ... ويا لحده كيف اشتملت على البحر والأصل في هذا كله قوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" قال المفسرون في أحد الوجوه: أي أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير. وبيت بديعية الصفي قوله: شخص هو العالم الكلي في شرف ... ونفسه الجوهر القدسي في عظم قال في شرحه: هذا من جعل الجزئي كليا فقط, لكون البيت الواحد لا يسع جميع تلك القيود. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

стр. 388

فألحق الجزء بالكلي منحصرا ... إذ دينه الجنس للأديان كلهم هذا البيت ليس فيه من هذا النوع إلا الإشارة إلى اسمه في صدر البيت, وأما المعنى الذي تقرر له فلم يسلم به. ولا يخفى ما في النصف الأخير من المحذور معنى ولفظا. وبيت البديعية ابن حجة قوله: ألحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يلحق بالكلي للعظم أطنب ابن حجة على جاري عادته في الإعجاب بكلام نفسه في وصف هذا البيت, حتى قال: وما أعلم له في هذا الباب نظيرا لتحرير هذا النوع الذي يدق عن أفهام كثيرة إيضاحه. ومن تأمل تعريف هذا النوع الذي قرره له مخترعه زكي الدين بن أبي الأصبع, علم أن بيت ابن حجة ليس فيه جعل الجزئي كليا بوجه, فضلا عن حصر أقسام الجزئي, نعم لو قال مثلا: نبي هو الأنبياء, كما قال السلامي: ملك هو الورى, وكما قال الصفي: شخص هو العالم, كان قد جعل الجزئي كليا بالمعنى المذكور. وأما قوله (ألحق بحصر جميع الأنبياء به) فلا يدل على هذا المعنى, بل مدلوله: انك اجعل جميع الأنبياء مثله, أو أتبعهم إياه ليلحقوا به, من قولك: ألحقت هذا بهذا, أي جعلته مثله وفي رتبته. ومنه إلحاق الجزئي بالكلي أي جعله كليا, أو من ألحقت زيدا بعمرو أي أتبعته إياه فلحق, وليس في هذا ما يدل على المقصود من هذا النوع والله أعلم. وبيت الطبري قوله: جزئي هو العالم الكلي في رتب ... عليا فما فوقها مرقى لمستنم وصفه ﵌ بالجزئي لا يخفى قبحه, وإن كان قد جعله كليا, على أنه قد فاته نصف الاسم من هذا النوع. وبيت بديعيتي هو: هو العوالم عن حصر بأجمعها ... وملحق الجزء بالكلي في العظم وبيت المقري قوله: فرد أتى سابقا وهو الورى معه ... آي هي الدين والدنيا لمعتصم قال ناظمه في شرحه: وصف الممدوح بأنه فرد, ثم قال: وهو الورى معه آي, ثم قال: هي الدين والدنيا, فالحق الجزئي بالكلي بوصفين, بعد أن حصرهما. انتهى. وأقول: أما إلحاق الجزئي بالكلي فمسلم, وأما حصرهما فممنوع, إذ المراد بحصر الجزئي في هذا النوع حصر الأقسام والأنواع فيه, وأين هذا المعنى في البيت؟. التهذيب والتأديب تهذيب فطرته أغناه عن أدب ... في القول والفعل والأخلاق والشيم هذا النوع ليس له شاهد يخصه وإن كان من مستحسنات البديع, لأنه وصف يعم كل كلام مهذب محرر لفظيا كان أو نثرا, وهو عبارة عن تهذيب المتكلم كلامه, وتنقيحه ومراجعته بالنظر والفكر فيه, فيسقط ما يجب إسقاطه, ويصلح ما يتعين إصلاحه, ويحرر مقاصده ومباينه, ويبين أغراضه ومعانيه, بحيث لا يمكن أن يقال فيه: لو كان غير هذا لكان أحسن, ولو زيد هذا لكان يستحسن, ولو قدم هذا لكان أجمل, ولو ترك هذا لكان أفضل. وقلما راجع الإنسان كلاما قاله إلا وعنت له هذه المقالة, كما قيل: ما خط كف امرء شيئاً وراجعه ... إلا وعن له تبديل ما فيه وقال ذاك كذا أولى وذاك كذا ... وهكذا إن يكن تسمو قوافيه فإذا سلم البيت من لو, وليت, عد من مستحسنات البديع, وشمله حد التهذيب والتأديب, وإلا فهو خارج عما نحن فيه, مردود على من خرج من فيه. وكان زهير بن أبي سلمى يضرب به المثل في تنقيح الشعر وتهذيبه, فيقال: حوليات زهير, لأنه كان يعمل القصيدة في ليلة, ثم تبقى حولا ينقحها. وقيل: بل كان ينظمها في شهر وينقحها في أحد عشر شهرا. وقيل: بل كان ينظمها في أربعة أشهر وينقحها في أربعة أشهر, ويعرضها على علماء أصحابه أربعة أشهر, ولهذا كان عمر بن الخطاب يعتقد أنه شاعر الشعراء. روي عن ابن عباس أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب سنة ست عشرة إذ خرج إلى الشام, وهي أول خرجة, حتى إذا كنا باشراف الشام -ولم يكن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه خرج معه- فصلى المغرب, ثم بيت حتى صلى العشاء الآخرة, ثم وثب حتى ركبت, وأخذ كل إنسان زميله ومحدثه, وأخذت معه, فسار شيئا لا يتكلم, ثم رفع سوطه وقرع به وبسط رجله, ثم رفع صوته يتغنى بشعر أنس بن زنيم الدئلي يمدح النبي ﷺ . وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد حتى أتى على الشعر, ثم قال: استغفر الله, وسكت هينهة لا يتكلم, ثم قرع وبسط رجله واندفع يتغنى بشعر أبي طالب:

стр. 389

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل حتى أتى على الأبيات, ثم قال: استغفر الله, هيه يا بن عباس, ما منع عليا أن يخرج في هذه الغزاة؟ قلت: أو لم تبعث إليه فجاءك وذكر عذره لك؟ قال: بلى, قلت: فهو ما أعتذر به, فقال: يا بن عباس, أبوك عم رسول الله ﵌؟ قلت: بخ بخ, ما منع قومكم منكم؟ قلت: لا أدري, قال: إنهم يكرهون ولايتكم, قلت: ولم يكرهون ذلك؟ فوا لله ما زلنا لهم كالخير, قال: اللهم غفرا, يكرهون أن تكون النبوة والخلافة فيكم فتكونون خفجا خفجا. لعلكم تقولون: إن أبا بكر فعل بنا ذلك, والله ما قصده, ولكنه حضره أمر لم يكن بحضرته أحزم منه, ولو جعل لكم من الأمر نصيبا لما هناكم مع قومكم. يابن عباس أنشدني لشاعر الشعراء, قلت: من هو؟ قال: ألا تعرفه؟ قلت لا, قال: هو ابن أبي سلمى, قلت: يا أمير المؤمنين, فكيف صار شاعر الشعراء؟ قال لأنه لا يتبع حوشي الكلام, ولا يعاظل بين المنطق, ولا يقول إلا ما يعرف, ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال, أو ليس الذي يقول: إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... إلى المجد من يسبق إليها يسود سبقت إليها كل طلق مبرز ... سبوق إلى الغايات غير مجلد كفضل جواد الخيل يسبق عفوه الس ... راع وإن يجهد ويجهدن يبعد أنشدني له, فأنشدته حتى برق النور, ثم قال: حسبكن اقرأ علي, قلت: ما أقرأ؟ قال: اقرأ إذا وقعت الواقعة, فقرأتها. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكك, اقتداء بمذهب زهير. وروى الحطيئة أن أبا العتاهية لقي يوما أبا نواس فقال له: كم تعمل في اليوم من الشعر؟ قال: البيت والبيتين, فقال أبو العتاهية: لكني أعمل المائة والمائتين, فقال أبو نواس: لأنك تعمل مثل قولك: يا عتب مالي ولك ... يا ليتني لم أرك مللكتني فانتهك ... ما شئت أن تنتهك ولو أردت مثل هذا لعملت الألف والألفين, ولكني أعمل مثل قولي: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو منها مسها حجر مسته سراء من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لوطي وزناء ولو أردت مثل هذا لأعجزك الدهر ومثل هذا الحكاية, ما يحكى أنه اجتمع مع مسلم بن الوليد, فجرى بينهما كلام, فقال مسلم, لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك: الحمد والنعمة لك ... والملك لا شريك لك لبيك إن الملك لك لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت, لكني أقول: موف على رهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الروس تيجان القنا الذبل وقال عدي بن الرفاع في تهذيبه لشعره: وقصيدة قد بت أجمع بيتها ... حتى أقوم ميلها وسنادها نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها وتبيت حتى ما أسائل عالما ... عن حرف واحدة لكي أزدادها وقال أبو تمام: خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب وقال ابن عنين: معنى بديع وألفاظ منقحة ... عن نية وقواف كلها نخب وما أحسن ما قال أبو محمد يحيى بن علي المنجم: رب شعر نقدته مثلما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا ثم أرسلته فكانت معاني ... هـ وألفاظه معا أبكارا لو تأنى لقالة الشعر ما أس ... قط منه حلوا به الأشعارا إن خير الكلام ما يستعير ال ... ناس منه ولم يكن مستعارا ولله الآخر حيث يقول: لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها فإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها قيل لبشار بن برد: بم فقت أهل عصرك, وسبقت أهل أندادك في دهرك, في حسن معاني الشعر, وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي, وتناجيني به طبيعتي, وتبعثه فكرتي. ونظرت إلى مغارس الفطن ومعادن الحقائق, ولطائف التشبيهات فصرت إليها بفهم جيد, وغريزة قوية فأبحت سرها, وانتقيت حرها, وكشفت عن حقائقها, واحترزت عن متكلفها, لا والله ما ملك قيادي قط الإعجاب بشيء مما آتي به.

стр. 390

وقال أبو عبادة البحتري الشاعر ﵀: كنت في حداثتي أروم الشعر, وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم (ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب) حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه, واتكلت في تعريفه عليه, فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة, تخير الأوقات وأنت قليل الهموم, صفر من الغموم, واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان (تأليف بيت أو حفظه أن يختار وقت السحر) , وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة, وقسطها من النوم, وخف عنها ثقل الغذاء, وصفا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء, وسكنت الغماغم, ورقت النسائم, وتغنت الحمائم (وإذا شرعت في التأليف) تغن بالشعر فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه. واجتهد في إيضاح معانيه, فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقا, والمعنى رشيقا, وأكثر فيه من بيان الصبابة, وتوجع الكآبة, وقلق الأشواق والفراق, والتعلل باستنشاق النسائم وغناء الحمائم, والبروق اللامعة, والنجوم الطالعة, والتبرم (من العذال والوقوف على الأطلال) , وإذا أخذت في مدح (سيد) فأشهر مناقبه, (وأظهر مناسبه, وأرهف من عزائمه) , ورغب في مكارمه, واحذر المجهول من المعاني, وإياك أن تشين شعرك بالعبارة (الردية) والألفاظ الحوشية, وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام, وكن كأنك خياط يقدر الثياب على مقادير الأجسام. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك, ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب (ولا تنظم إلا بشهوة) فإن الشهوة نعم المعين (على حسن النظم) , وجملة الحال أن تعتبر شعرك بم سلف من أشعار الماضيين, فما استحسن العلماء فاقصده, وما استقبحوه فاجتنبه. وقال أبو الفتح نصر الله بن الأثير: جيد الشعر ما كانت ألفاظه حلوة, ومخارجه سهلة, وقوافيه مألوفة, ووزنه حسنا تقبله النفس, سالما من الزحاف. واعلم أن اللفظ كالصورة والمعنى كالروح, فإن اتفقا وقع الكمال, وإن اختلفا وقع النقص. وأحسن الألفاظ ثلاثة: التطبيق, والتجنيس, والمقابلة. وأحسن المعاني ثلاثة: الاستعارة, والتشبيه, والمثل. فعليك بها على سبيل الاقتصاد. وينبغي أن يرغب الشاعر في الحلاوة واللطافة, والجزالة والفخامة, ويتجنب السوقي القريب, والحوشي الغريب, كما قال بعضهم: عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وينبغي أن يحصل المعنى قبل اللفظ, والقوافي قبل الأبيات, ويكتب كل لفظ يسنح, وكل معنى يلمح, ويترنم بالشعر وهو يصنعه, ويقصد علمه وقت السحر وهو خال من الهم, لأن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة, ويجعل شهوته لقول الشعر التوصل إلى من نظمه فإنها نعم المعين, ويعرف أغراض المخاطب كأئناً من كان, لأن لكل مقام مقالا, فيخاطب الناس على قدر طبقاتهم وتعلقاتهم. فإن نسب ذل وخضع, وإن مدح أطرى وأسمع, وإن هجا أقل وأوجع, وإن فخر خب ووضع, وإن عاتب خفض ورفع, وإن استعطف حن ورجع. ويحسن الفواتح والخواتم والمطالع, ويلطف الخروج إلى المدح والهجاء, لأن حسن الافتتاح داعية الانشراح, وخاتمة الكلام أبقى في السمع, وألصق بالنفس لقرب العهد بها, فتقع من الأسماع والألقاب على حسبها, ولطافة الخروج أشد ارتياحا للممدوح, ويتفقد خاطره بالمذاكرة, فإنها زناده, وتشب أيقاده. وتفجر عيون المعاني, وتثبت قواعد المباني بمطالعة الأشعار وترنم جيدها, فإنهما يولدان الشهوة. وقيل: ما استدعي شارد الشعر بمثل الماء الجاري, والشرف العالي, والمكان الخالي, وتملي الحالي (يراد الحالي من الروض) . وقال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع في وصية له: لا ينبغي للشاعر أن يكره الخاطر على وزن مخصوص, وروي مقصود (بل ينبغي أن يتوخى الكلام الجزل) دون الرذل, والسهل دون الصعب, والعذب دون المستكره, والمستحسن دون المستهجن. ولا تعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل, والنفيس معه خسيس. والخواطر ينابيع, إذا رفق بها جمعت, وإذا كثر استعمالها نزحت. واكتب كل معنى يسنح, وقيد كل فائدة تعرض, فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق, ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت, وإن لم يستعطف عليها بالتكرار صدت, والترنم بالشعر مما يعين عليه, فقد قال الشاعر: تغن بالشعر أما كنت قائله ... إن الغناء لقول الشعر مضمار

стр. 391

(وقد يكل خاطر الشاعر ويعصي) عليه الشعراء زمانا. كما روي عن الفرزدق أنه قال: لقد يمر علي (زمان وقلع) ضرس من أضراسي أهون علي من أقول بيتا واحدا. فإذا كان كذلك فاتركه حتى يأتيك عفوا, وينقاد إليك طوعا. وإياك وتعفيد المعاني (وتقعير) الألفاظ, وتوخ حسن النسق عند التهذيب, ليكون كلامك بعضه آخذا بأعناق بعض. وكرر التنقيح وعاود التهذيب, ولا تخرج عنك ما نظمته إلا بعد تدقيق النقد, وإمعان النظر. انتهى. وما أحسن ما قال أبو محمد الخازن: لا يحسن الشعر ما لم يسترق له ... حر الكلام وتستخدم له الفكر انظر تجد صور الأشعار واحدة ... وإنما لمعان تعشق الصور وإذ قد ذكرنا تهذيب بن الأثير: يستحب للشاعر أن يكون حسن الأخلاق, حلو الشمائل, مأمون الجانب, طلق الوجه, طلق اليدين, وإلا هو كما قال ابن أبي فنن: وإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل قان اتصف بذلك كان أملأ في العيون, وألوط بالقلوب. ويستحب له أن يكثر من حفظ شعر العرب لاشتماله على ذكر أخبارهم وآثارهم, وأنسابهم وأحسابهم, وفي ذلك تقوية لطبعه, وبه يعرف المقاصد, ويسهل عليه اللفظ, ويتسع المذهب, فإنه إذا كان له طبع وأخل بذلك فربما طلب معنى فلا يصل إليه, وهو ماثل بين يديه لضعف آلته, كالمقعد يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعنيه آلته. وسئل رؤبة عن الفحل من الشعراء فقال: هو الراوية, انه إذا روى استفحل, قال ابن حبيب: لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيد شعر غيره, فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة. وقال رؤبة في صفة شاعر: لقد خشيت أن يكون ساحرا ... راوية مرا ومرا شاعرا فاستعظم حاله حتى قرنها بالسحر. وكان امرأ القيس راوية أبي داود الأيادي, مع فضل نخيرته, وقوة غريزته. وكان زهير راوية أوس بن حجر, وطفيل الغنوي. وكان الحطيئة راوية زهير. وكان الفرزدق على فضله يروي للحطيئة كثيرا. وكان كثير راوية جميل, ولم يكن بدون الفرزدق وجرير, بل كان يقدم عليهما عند أهل الحجاز, ولا يستغني عن تصفح أشعار المحدثين المجيدين لما فيها من حلاوة اللفظ, وقرب المأخذ, وإشارات الملح, ووجوه البديع, وأن يكون متصرفا في أنواع الشعر, من جد وهزل, وحلو وجزل, ومدح وهجاء, ورثاء وافتخار واعتذار, فإن كان كذلك لم يمل شعره, فيحكم له بالتصرف والتقدم. وقد ادعى ذلك حبيب في القصيدة الواحدة فقال: الجد والهزل في توشيع لحمتها ... إلا التصرف والسخف والأشجان والطرب وقال إسماعيل بن القاسم أبو عتاهية: لا يصلح النفس إذا كانت مركبة ... إلا التصرف من حال إلى حال ويكره للشاعر أن يكون معجبا بنفسه, مثنيا على شعره وإن كان مجيدا, إلا أن يريد ترغيب ممدوح أو ترهيبه, وقد جوز له ذلك مسامحة. انتهى. وقد تقدم أن هذا النوع ليس إلا شاهد يخصه, فلنكتف من شواهده على أبيات البديعيات: فبيت بديعية الشيخ صفي الدين قوله: هو النبي الذي آياته ظهرت ... من قبل مظهره للناس في القدم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله: والله هذبه طفلا وأدبه ... فلم يحل هديه الزاكي ولم يرم وبيت بديعية ابن حجة قوله: تهذيب تأديبه قد زاده عظما ... في مهده وهو طفل غير منفطم وبيت بديعية الطبري قوله: ما ذاك باليمن محفوظ العناية من ... تهذيب تأديبه المرعي في اليتم وبيت بديعيتي هو: تهذيب فطرته أغناه عن أدب ... في القول والفعل والأخلاق والشيم وبيت بديعية المقري قوله: كلتا يديه يمين بالندى انبسطت ... فاقبض يسارك يا أخا الندم الاتفاق ما زال آباؤه بالحمد مذ عرفوا ... فكان أحمدهم وفق اتفاقهم هذا النوع وإن سمي بالاتفاق إلا أنه قليل الاتفاق لعزة وقوعه, وهو عبارة عن أن يتفق للمتكلم واقعة وأسماء يطابقها, إما مشاهدة أو سماعا, كما اتفق للرضي بن أبي حصينة المصري في حسام الدين لؤلؤ حاجب الملك الناصر صلاح الدين, حين أرسله غازيا للإفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم, فظفر بهم, فقال الشاعر المذكور يخاطب الإفرنج: عدوكم لؤلؤ والبحر مسكنه ... والدر في البحر لا يخشى من الغير

стр. 392

وأحسن اتفاق وقع في هذا النوع, ما اتفق للشيخ شمس الدين بن الكوفي الواعظ في الوزير مؤيد الدين بن العلقمي حيث قال: يا عصبية الإسلام نوحي والطمي ... حزنا على ما حل بالمستعصم دست الوزارة كان قبل أوانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي فاتفق له أن المذكورين وزيران, وأن المورى نهران معروفان, مع المطابقة بين الفرات العذب والعلقم المر. ومنه قول الملك الأفضل علي بن السلطان صلاح الدين يوسف لما تعصب عليه عمه أبو بكر وأخوه عثمان, فكتب إلى الإمام الناصر صاحب بغداد: مولاي إن أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غضبا بالسيف حق علي وهو الذي كان قد ولاه والده ... عليهما فاستقام الأمر حين ولي فخالفاه وحلا عقد بيعته ... والأمر بينهما والنص فيه جلي فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول فاتفق له قضية طابقتها أسماء من كانت قضيتهم كقضيته حسب اعتقاده, ولما وصل كتابه إلى الإمام الناصر كتب إليه: وافى كتابك يا بن يوسف معلنا ... بالحق يخبر أن أصلك طاهر غصبوا عليا حقه إذ لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ناصر فاصبر فإن غدا عليه حسابهم ... وابشر فناصرك الإمام الناصر وكتب إليه ابن عنين من الهند قصيدة يقول فيها (وفيه شاهد لما نحن فيه أيضاً) : هيهات أن آتي دمشق وملكها ... يعزي إلى غير المليك الأفضل ومن العجائب أن يقوم بها أبو ... بكر وقد علم الوصية في علي مهلا أبا حسن فتلك سحابة ... صيفية عما قليل تنجلي وبيت بديعية الصفي قوله: محمد واسمه بالاتفاق له ... وصف يشاكله في اسمه العلم وبيت بديعية ابن حجة قوله: ووصفه لابنه قد جاء تسمية=فانه حسن حسب اتفاقهم قال في شرحه: اتفاق هذا البيت في لفظي (حسن وحسن) وهو أن النبي ﵌ أشار إلى ولده الحسن ﵇ وقال: إن ابني هذا سيد, وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين عظمتين. وبيت بديعية الطبري قوله: من اسم جد أبيه وصف ساعده ... وذاك هاشم الأعدا باتفاقهم (كذا) وبيت بديعيتي هو: ما زال آباؤه بالحمد مذ عرفوا ... فكان أحمدهم وفق اتفاقهم الاتفاق فيه اشتراك لفظي أحمد, الذي هو علم له صلى الله عليه وآله وأحمد هو اسم تفضيل. فإن قلت: العلم لا يضاف لأن شرط الإضافة الحقيقية تنكير المضاف, قلت قد يضاف العلم إذا جرد عن التعريف, بان يجعل واحدا من جملة من سمي بذلك اللفظ كقوله: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض ماضي الشفرتين يماني وبيت المقري قوله: الرسل أحمد أوصافا وأحمدهم ... في الوصف أحمدنا فاشكر يد النعم ومن الاتفاق أني اتفقت والشيخ في هذا الاتفاق من قبل أن أقف على بيته هذا. الجمع مع التفريق ضياؤه الشمس في تفريق جمع دجى ... وقدره الشمس لم تدرك ولم ترم هذا النوع عبارة عن أن يدخل المتكلم شيئين في معنى واحد, ثم يفرق جهتي الإدخال كقوله تعالى "يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى" أدخل النفسين في حكم التوفي, ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك والإرسال, أي الله يتوفى الأنفس التي تقبض, والنفس التي لا تقبض, فيمسك الأولى ويرسل الأخرى. ومن أمثلته في الشعر قول مروان بن أبي حفصة: تشابه يوماه علينا فأشكلا ... فما نحن ندري أي يوميه أفضل أيوم نداه الغمر أم يوم بأسه ... وما منهما إلا أغر محجل فإنه أدخل يوميه في التشابه والإشكال, ثم فرق بينهما, فجعل أحدهما للبذل والسماحة, والثاني للنجدة والشجاعة. وقول البحتري: ولما التقيا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدر حسنا ولاقطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه فجمع المرئي من الدر والملقوط منه في كونهما متعجبا منهما, ثم فرق بينهما, فجعل الأول مجلوا عند الابتسام وهو ثغره, وجعل الثاني مسقطا عند المحادثة وهو حديثه. وقول الفخر عيسى: تشابه دمعانا غداة فراقنا ... مشابهة في قصة دون قصة

стр. 393

فوجنتها تكسو المدامع حمرة ... ودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي وما ألطف قول مهيار الديلمي في هذا الباب: جاءت تثنى بين ريحانة ... تعبق مسكا وكثيب يهال فلا وعينيها وأردافها ... وشقوة الدعص بها والغزال ما قدها هز نسيم الصبا ... وإنما ميل غصنا فمال حتى إذا الليل قضى ما قضى ... خفت مع الفجر خطاها الثقال أبكي وتبكي غيران الأسى ... دموعه غير دموع الدلال أخذه السيد أحمد الصفوي فقال: صه يا حمام فلست المشوق ... ولا بات حالك فيها كحالي فما من تباكي كما من بكى ... ودمع الأسى غير دمع الدلال ومنه قول التهامي: قالوا تأس بجفنها في سقمه ... شتان بين سقامه وسقامي سقم الجفون وإن تزايد صحة ... أبدا وسقمي قد أذاب عظامي وحدث يعقوب بن بشر, قال: كنت مع إسحاق الموصلي في نزهة, فمر بنا إعرابي فوجه إسحاق خلفه فوافانا, فلما شرب وسمع حنين الدواليب قال: بكرت تحن وما بها وجدي ... وأحن من وجد إلى نجد فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني قرحت خدي وبساكني نجد كلفت وما ... يغني لهم كلفي ولا وجدي لو قيس وجد العاشقين إلى ... وجدي لزاد عليه ما عندي قال فما انصرف إسحاق إلا محمولا سكرا, وما شرب إلا على هذه الأبيات. ومنه قول العفيف التلمساني: بين فؤادي وخدها نسب ... كلاهما بالجحيم يلتهب هما سواء والفرق بينهما ... أنهما ساكن ومضطرب وقول الوطواط: فوجهك كالنار في ضوئها=وقلبي كالنار في حرها وقول الآخر: وسهيل كوجنة الحب في اللو_ن وقلب المحب في الخفقان وقولي في مطلع القصيدة: ما بين قلبي وبرق المنحنى نسب ... كلاهما من سعير الوجد يلتب قلبي لما فاته من وصل ساكنه ... والبرق إذ فاته من ثغره الشنب وبيت بديعية الصفي قوله: سناه كالنار يجلو كل مظلمة ... والبأس كالنار يفني كل مجترم أدخل السناء والبأس في كونهما كالنار, ثم فرق بينهما, بأن وجه إدخال السنا فيه أنه يجلو الظلام, وإدخال البأس فيه أنه يفني المجرمين, كما تفني النار الحطب. وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله: فلذ بمن كفه والبحر ما افترقا ... إلا بكف وبحر في كلامهم وبيت بديعية عز الدين الموصلي, شن فيه الغارة على بيت الشيخ صفي الدين فقال: وعزمه النار في جمع يفرقه ... ووجهه النور يجلو ظلمة الغشم وبيت بديعية ابن حجة قوله: سناه كالبرق أن أبدوا ظلام وغى ... والعزم كالبرق في تفريق جمعهم وبيت بديعية الطبري قوله: كالشمس في الجمع والتفريق ملته ... وفي الضيا وجهه يا حسرة الظلم وبيت بديعيتي هو: ضياؤه الشمس في تفريق جمع دجى ... وقدره الشمس لم تدرك ولم ترم وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: إن أنكروا الشمس منه فهي مقل=تعشي وفي مقل تجلو دجى الظلم قال ناظمه في شرحه: جعل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله كالشمس, ثم فرق ما جمع فقال: إنها في عيون جلاء, وفي عيون عشاء, انتهى بنصه. الجمع مع التقسيم وكم غزا للعدى جمعا فقسمه ... فالزوج للأيم والمولود لليتم هذا النوع عبارة عن جمع متعدد تحت حكم, ثم تقسيمه أو بالعكس, أي تقسيم متعدد ثم جمعه. فالأول كقوله تعالى "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات". وكقول أبي الطيب في سيف الدولة: قاد المقانب أقصى شربها نهل ... على الشكيم وأدنى سيرها سرع لا يعتقي بلد مسراه عن بلد ... كالموت ليس له ري ولا شبع حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشفى به الروم والصلبان والبيع للسبي ما أنكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا فجمع أولاء شقاء الروم بالممدوح, الشامل للسبي والقتل والنهب والإحراق, ثم قسم ثانيا وفصله, وذكر صاحب المقتاح (وتبعه ابن حجة) قبل البيت الأخير من هذه الأبيات قوله: والدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع

стр. 394

وقال: انه جمع فيه أرض العدو وما فيها في كونها خالصة للممدوح, وقسم في الثاني. والمذكور فيما رأيناه من نسخ ديوان أبي الطيب ما ذكرناه وأما البيت الذي ذكره صاحب المفتاح وهو قوله (والدهر معتذر) إلى آخره فهو بعد بيت التقسيم بأبيات كثيرة. والثاني كقول حسان: قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع فقسم في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء, ونفع الأولياء, ثم جمعهما في البيت الثاني في قوله (سجية) . ومن لطيف هذا النوع قول بعضهم: لو كان ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث أو ساء مطردا فقد سكنت إلى أني وإنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا فقوله سنستجد جمع لطيف, ولما كان الأول أحلى في الأسماع وأعلق بالطباع, لم يعول أرباب البديعيات إلا عليه, ولا جنحوا في أبياتهم إلا إليه. وبيت صفي الدين قوله: أبادهم فلبيت المال ما جمعوا ... والروح للسيف والأجساد للرخم وبيت بديعية ابن جابر قوله: والمال والماء في كفيه قد جريا ... هذا لراج وذا للجيش حين ظمي وبيت عز الدين الموصلي قوله: علم ومال على جمع تقسمه ... هذا لغمر وهذا نفع مغترم وبيت بديعية ابن حجة قوله: أثرت كرايمه جمعا فقسمها ... كالحوض للورد والعظمى لهولهم وبيت بديعيتي هو: وكم غزا للعدى جمعا فقسمه ... فالزوج للأيم والمولود لليتم وبيت بديعية المقري قوله: حوى الفضائل فالعليا لهمته ... والحسن للوجه والإحسان للشيم الجمع مع التفريق والتقسيم لم ينظم الشيخ صفي الدين ولا غيره من أرباب البديعيات الجمع مع التفريق والتقسيم, إما اكتفاء بالجمع مع التفريق, والجمع مع التقسيم, أو لأن البيت الواحد لا يتسع لنظمه. وقد ذكره السكاكي في المفتاح, والقزويني في التلخيص والإيضاح, والطيبي في التبيان, والسيوطي في الاتقان وجماعة آخرون. وهو عبارة عن أن يجمع المتكلم متعددا تحت أمره, ثم يفرق, ثم يضيف إلى كل ما يناسبه, كقوله تعالى في سورة هود "يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق, خالدين فيها ما دامت السنوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد, وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ". فجمع الأنفس في عدم التكلم بقوله (لا تكلم نفس) لأن النكرة في سياق النفي تعم, ثم فرق بأن أوقع التباين بينها بأن بعضها شقي, وبعضها سعيد, لقوله (فمنهم شقي وسعيد) إذ الأنفس وأهل الموقف واحد, ثم قسم وأضاف إلى السعداء ما لهم من نعيم الجنة, وإلى الأشقياء ما لهم من عذاب النار. فان قلت: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى (إلا ما شاء ربك) قلت: هو استثناء من الخلود في عذاب النار والخلود في نعيم الجنة. فالاستثناء الأول محمول على أن فساق المؤمنين لا يخلدون في النار, والثاني محمول على أن أهل الجنة لهم سوى نعيمها ما هو أكبر وأجل وهو رضوان الله ولقاؤه . وللمفسرين أقوال أخر في هذا الاستثناء هذا أصوبها. وأما قوله (ما دامت السماوات الأرض) فهو كناية عن التأييد ونفي الانقطاع, كقول العرب: لا أفعله ما أقام ثبير, وما لاح كوكب. ومن أمثلة هذا النوع من الشعر قول إبراهيم بن العباس: لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستباح دماؤها حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها وقول ابن شرف القيرواني: لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن فللمخامل العليا وللمعدم الغني= وللمذنب العتبي وللخائف الأمن وقول ابن نباتة السعدي: وكم لليل عندي من نجوم ... جمعت النثر منها في نظام عتابا أو نسيبا أو مديحا ... لخل أو حبيب أو همام المماثلة فمن يماثله أو من يجانسه ... أو من يقاربه في العلم والعلم

стр. 395

المماثلة هي أن تتماثل الألفاظ أو بعضها في الرنة من غير تقفية, كقوله تعالى "وما أدريك ما الطارق, النجم الثاقب, إن كل نفس لما عليها حافظ" فالطارق والثاقب والحافظ متماثلات في الزنة بدون تقفية. ومثله قوله تعالى "فاصبر جميلا, إنهم يروونه بعيدا, ونراه قريبا". ومن أمثلته في الشعر قول التهامي: أهوى الحجاز وطلحه وسياله ... وأراكه وبشامة وغضاه فسقى الإله سهوله وحزونه ... ومروجه ووهاده ورباه وقوله أيضاً: أهدى لنا في النوم نجدا كله ... ببدوره وغصونه وظبائه وقول ابن الحديد يمدح عليا ﵇: الصافح الفتاك والمتطول ... المناع والآخاذ والتراك وقول أبي حصين علي عبد الملك في أبي فراس بن حمدان: من ذا يطاوله أم من يماجده ... أم من يساجله أم من يكاثره أم من يقاربه في كل مكرمة ... أم من يناضله أم من يساوره أم من يبارزه أم من يوافقه ... في كل معركة أم من يصابره وقول ابن هاني: وكفاك من حب السماحة أنها ... منه بموضع مقلة من محجر فغمامه من رحمة وعراصه ... من جنة ويمينه من كوثر والفرق بين المماثلة والمناسبة اللفظية: توالي الألفاظ المتزنة في المماثلة دون المناسبة. ولا يخفى أن هذا النوع -أعني المماثلة- ليس تحته كبير أمر, لما كان أمرا زائدا على ما خلا عنه من الكلام عد من البديع. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: سهل خلائقه صعب عرائكه ... جم عجائبه في الحكم والحكم وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: يبدي مماثلة يعطي مناسبة ... يجزي مجانسة في الكلم والكلم وبيت بديعية ابن حجة قوله: فالخير رافقه والعفو جاوره ... والعدل جانسه في الحكم والحكم وبيت بديعية الطبري قوله: من ذا يماثله جلت فضائله ... والله مادحه في النون والقلم ليس هذا البيت من المماثلة في شيء لما علمت من أنها تماثل الكلمات في الزنة دون التقفية, فقوله: يماثله, وفضائله, تماثلا وزنا وتقفية. وقوله: مادحه, لا يماثل ما قبله في الزنة. وبيت بديعيتي قولي: فمن يماثله أو من يجانسه ... أو من يشاكله في العلم والعلم وبيت المقري قوله: فامدح عوارفه واعرف مدائحه ... وانظم محاسنه يا حسن منتظم التوشيع لقد تقمص بردا وشعته له=فخرا يد الأعظمين البأس والكرم التوشيع هو أن يؤتى في عجز الكلام -نظما كان أم نثراً- بمثنى مفسر باسمين, ثانيهما معطوف على الأول نحو, يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل. قال الصفي في شرح بديعيته: هو مأخوذ من الوشيعة, وهي الطريقة الواحدة في البرد المطلق, فكأن الشاعر أهمل البيت كله إلا آخره فإنه أتى فيه بطريقة تعد من المحاسن. وقال السعد التفتازاني: سمي توشيعا لأن التوشيع لف القطن المندوف فكأنه يجعل التعبير عن المعنى الواحد بالمثنى المفسر باسمين بمنزلة اللف, وتفسيره باسمين متعاطفين بمنزلة اللف, وتفسيره باسمين متعاطفين بمنزلة الندف فكان الأظهر أن يقول: بمنزلة ندف القطن بعد لفه. وأجيب: بأن اللف المقصود في القطن يتأخر عن ندفه, فيكون المثنى بعمومه بحسب مفهومه وشيوعه بمنزلة المندوف, وتفسير المراد منه بالاسمين المتعاطفين بمنزلة اللف, فيكون التوشيع من قبل اللف بعد الندف, ولا حاجة إلى اعتبار القلب وغيره. ومن أمثلته في الشعر قول الأديب (أبي) محمد بن سارة: يا من يصيخ إلى داعي السفاه وقد ... نادى به الناعيان الشيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ثوى ... في رأسك الواعيان السمع والبصر ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل ... لم يهده الهاذيان العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الأع ... لى ولا النيران الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا وإن كرها ... فراقها الثاويان البدو والحضر وقول الفقيه عمارة يمدح صاحب مصر الفائز بن الظافر: حيث الخلافة مضروب سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن نقم وللخلافة أنوار مقدسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم وللنبوة آيات تنص لنا ... على الخفيين من حكم ومن حكم

стр. 396

وللمكارم أعلام تعلمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلا ألسن تثني محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم وراية الشرف البذاخ ترفعها ... يد الرفيعين من مجد ومن همم وقول الآخر: أمسي وأصبح من تذكاركم قلقا ... يرثي لي المشفقان الأهل والولد وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم ... وخانني المسعدان الصبر والجلد لا غرو للدمع أن تجري غواربه ... وتحته المظلمان القلب والكبد كأنما مهجتي شلو بمسبعه ... ينتابه الضاربان الذئب والأسد لم يبق غير خفي الروح في جسدي ... فدى لك الباقيان الروح والجسد وانتقد أهل الأدب قول هذا الشاعر في أول أبياته (يرثي لي المشفقان الأهل والولد) وقالوا: ان شفقة الأهل والولد, ليست أمرا عجيبا, فكان ينبغي أن يقول (يرثي لي المبغضان الضد والحسد) , كما قال الآخر: يرثي له الشامت مما به ... يا ويح من يرثي له الشامت وما أحسن قول الشريف ابن الهبارية في أول الصادح والباغم: الحمد لله الذي حباني ... بالأصغرين القلب واللسان وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي من قصيدة: إني منيت وما الأقدار واحدة ... بجائر طرفه أمضى من القدر بواحد الحسن ثاني الريم في الحور ... وثالث النيرين الشمس والقمر وبيت بديعية صفي الدين قوله: أمي خط أبان الله معجزه ... بطاعة الماضيين السيف والقلم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله: ومن عطاياه روض وشعته يد ... تغني عن الأجودين البحر والديم وبيت بديعية ابن حجة قوله: ووشع العدل منه الروض فاتشحت ... بحلة الأمجدين العهد والذمم وبيت بديعية الطبري قوله: عمت مواهبه ما وشعت يده ... أثرى ذوي المتعبين الهم والألم هذا البيت سكيت هذه الحلبة وبيت بديعيتي هو: لقد تقمص بردا وشعته له ... فخرا يد الأعظمين البأس والكرم وبيت بديعية المقري قوله: لم يقر في كتب مقرى كتابته ... فوائد الزاخرين العلم والكرم التكميل تكميل قدرته بالحلم متصف ... مع المهابة في بشر وفي أضم التكميل عبارة عن أن يأتي المتكلم بمعنى تام في فن من الفنون, فيرى الاقتصار عليه ناقصا فيكمله بمعنى آخر في غير ذلك الفصل الذي أتى به أولا, كمن مدح إنسانا بالحلم فيرى الاقتصار عليه بدون مدحه بالبأس ناقصا فيكمله بذكره. كقول كعب بن سعد الغنوي: حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب فان المدح بالحلم تم في المصراع الأول, ولكن أراد تكميله بالهيبة, فانه إذا لم يعرف منه إلا الحلم لم يهبه العدو, فقال (مع الحلم في عين العدو مهيب) . وتكلف من جعله احتراسا. نعم قوله: إذا ما الحلم زين أهله, احتراس. وقول الفرزدق: لعن الإله بني كليب أنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار وقد تقدم بيان التكميل فيه في باب الطباق. واعلم أن أكثر علماء المعاني جعلوا التكميل والاحتراس شيئا واحدا, والمحققون من المتأخرين وأصحاب البديعيات على أن كلا منهما نوع برأسه. فإن التكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه, والاحتراس يرد على المعنى الموهم خلاف المقصود, فيدفع ذلك الوهم, كما ستعرفه في بابه إنشاء الله تعالى. ومن العجيب أن ابن حجة فرق بين الاحتراس والتكميل تبعا للصفي, ثم قال في البيت المذكور: قوله (إذا ما الحلم زين أهله) احتراس لولاه لكان المعنى في المدح مدخولا, إذ بعض التغاضي قد يكون عن عجز يوهم أنه حلم, فإن التجاوز لا يكون حلما محققا إلا عن قدرة, وهو الذي قصده الشاعر بقوله (إذا ما الحلم زين أهله) فإن الحلم ما يزين أهله إلا إذا كان عن قدرة, وهذا القدر غاية في باب التكميل. انتهى.

стр. 397

وهل هذا إلا تهافت؟ وقد أورد الصفي وابن حجة لنوع التكميل أمثلة هي بنوع الاحتراس أولى, منها قوله تعالى "فسوف يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين". قال الصفي وتبعه ابن حجة: انه لو اقتصر سبحانه على قوله (أذلة على المؤمنين) كان مدحا تاما بالرياضة والانقياد لإخوانهم, فوصفهم أيضاً بالعز والمنعة والغلب بقوله (أعزة على الكافرين) انتهى. والحق أن قوله (أعزة على الكافرين) احتراس, لأنه لو اقتصر على قوله (أذلة على المؤمنين) لأوهم أن الذلة لضعفهم فدفعه بقوله (أعزة على الكافرين) تنبيها على أن ذلك تواضع منهم للمؤمنين, ولهذا عدى الذل (بعلى) لتضمنه معنى العطف. قال التفتازاني: ويجوز أن يقصد بالتعدية (بعلى) الدلالة على أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضين لهم أجنحتهم. انتهى. ومنها قول السموأل: وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل قال الصفي: فانه لما وصف قومه بأنهم لا يموتون موت الأذلاء والجبناء كمل مدحهم بأنهم مع ذلك لا يضيع لهم دم. انتهى. والصحيح انه من الاحتراس أيضاً, فانه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم, لا وهم إن ذلك لضعفهم وقلتهم, فأزل الوهم بوصفهم بالانتصار. قال ابن حجة ومن التكميل الحسن قول كثير عزة: لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها قال: فقوله (عند موفق) تكميل حسن, فانه لو قال: عند محكم لتم المعنى, لكن في قوله (عند موفق) زيادة تكميل بها حسن البيت, والسامع بجد لهذه اللفظة من الموقع في النفس ما ليس في الأولى, إذ ليس كل محكم موفق, فإن الموفق من الحكام من قضى بالحق لأهله. انتهى. واعترض بان الشاعر لم يقل: عند محكم حتى يكون قوله: موفق, تكميلا لذكر محكم لما تم المعنى بدونه فلا يكون من هذا النوع. قال ابن حجة أيضاً: وقد غلط غالب المؤلفين في هذا الباب, وخلطوا التتميم بالتكميل, وساقوا في باب التتميم شواهد التكميل, فمن ذلك قول عوف الخزاعي: إن الثمانين وبلِّغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان هذا البيت ساقوه من شواهد التتميم, وهو أبلغ شواهد التكميل, فإن معنى البيت تام بدون لفظة (وبلغتها) وإذا لم يكن المعنى ناقصا فكيف يسمى هذا تتميما؟ وإنما هو تكميل حسن. انتهى كلامه. قلت: لئن غلط من خلط التتميم بالتكميل, فقد غلط ابن حجة فخلط التكميل بالاعتراض. والبيت المذكور أبلغ شواهد الاعتراض, وقد أنشده هو أيضاً شاهدا عليه. وليس كل زيادة جيء بها مع تمام المعنى تسمى تكميلا وإلا لم يبق بين الاعتراض والتكميل فرق. بل التكميل الزيادة التي جيء بها تكميلا للمعنى الأول الذي ذكره المتكلم, والاعتراض هو الزيادة التي جيء بها لنكتة ليس الغرض بها تكميل المعنى السابق. وكذلك قوله في البيت (وبلغتها) فإنها زيادة جاء بها الشاعر للدعاء لا لتكميل غرضه من الاعتذار الذي قصده. على ما يحكى: أن عوف بن محلم الخزاعي صاحب البيت سلم عليه عبد الله بن طاهر, فلم يسمع, فأعلم بذلك, فدنا منه وأنشده قصيدة منها البيت المذكور. وبذلك يتضح الفرق بين الاعتراض والتكميل والتتميم. وأما الفرق بين التكميل والتتميم, فهو أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتم, والتكميل -كما علمت- يرد على المعنى التام فيكمله, إذ الكمال أمر زائد على التمام. وأنشد ابن حجة ممثلا للتكميل قول الشيخ جمال الدين بن نباتة: نفس عن الحب ما حادت ولا غفلت ... بأي ذنب وقاك الله قد قتلت قال: معنى البيت تام بدون قوله (وقاك الله) ولكن التكميل بوقاك الله قبل قوله (قد قتلت) لا يصدر إلا من مثل الشيخ جمال الدين. انتهى. وقد علمت أن هذا من باب الاعتراض لا التكميل. وأنشد أيضاً لنفسه أبياتا أكثرها من هذا القبيل. ومن الشواهد الصحيحة للتكميل قول أبي تمام: فتى عند خير الثواب وشره ... ومنه الإباء المر والكرم العذب وقوله: يتلو رضاه الغنى بأجمعه ... وتحذر الحادثات من غضبه تزل عن عرضه العيوب وقد ... تنشب كف المغني في نشبه وقول البحتري: هل العيش إلا أن تساعفنا النوى ... بوصل سعاد أو يساعدنا الدهر على أنها ما عندها لمواصل ... وصال ولا عنها لمصطبر صبر

стр. 398

فقوله (ولا عنها لمصطبر) من أحسن التكميل. وبيت بديعية صفي الدين قوله: نفس مؤيدة بالحق تعضدها ... عناية صدرت عن بارئ النسم فقوله: تعضدها وما بعده تكميل. وبيت عز الدين الموصلي قوله: تمت محاسنه والله كمله ... فقدره في الورى في غاية العظم وبيت بديعية ابن حجة قوله: آدابه تممت لا نقص يدخلها ... والوجه تكميله في غاية العظم وبيت بديعية الطبري قوله: حاز المكارم تكميلا وفاز بما ... لم يؤت ذو شرف من خير مستلم وبيت بديعيتي هو: تكميل قدرته بالحلم متصف ... مع المهابة في بشر وفي أضم فقولي (مع المهابة) تكميل. وقولي (في بشر وفي أضم) تكميل آخره. والأضم بالتحريك: الغضب. وبيت بديعية المقري قوله: نجب الرجال بحبل المصطفى اعتصموا ... من الشقاء ونالوا الفوز بالنعم التكميل فيه قوله (ونالوا الفوز بالنعم) . شجاعة الفصاحة ساوت شجاعته فيهم فصاحته ... فردهم معجزا بالكلم والكلم هذا النوع لم يذكره أحد من علماء البديع, ولا نظمه أحد من أصحاب البديعيات. وهو من مستخرجات الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني. قال: هو عبارة عن حذف شيء من لوازم الكلام وثوقا بمعرفة السامع به. قال الشريف الرضي في كتاب المجازات: كان شيخنا أبو الفتح يسمي هذا الجنس شجاعة الفصاحة, لأن الفصيح لا يكاد يستعمله إلا وفصاحته جريئة الجنان غزيرة المواد. ومثاله قوله تعالى "حتى توارت بالحجاب" أي الشمس ولم يجر لها ذكر. وقوله "ولو دخلت عليهم من أقطارها" أي المدينة, ولم يجر لها ذكر. وقوله "إذا بلغت التراقي" أي الروح, ولم يجر فها ذكر. وقوله "إننا أنزلناه في ليلة القدر" أي القرآن, ولم يجر له ذكر. وقول نبيه ﵇ وقد تذاكر الناس عنده الطاعون وانتشاره في الأمصار والأرياف (أرجو أن لا يطلع علينا نقابها) والنقاب جمع نقب, وهو الطريق في الجبل, يريد نقاب المدينة ولم يجر لها ذكر. لكنه أقام علم المخاطبين بها مقام تصريحه بذكرها. وقول حاتم الطائي: لعمرك يا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر يريد النفس وقول العباس بن عبد المطلب يمدح النبي ﵌: من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق أي في ظلال الجنة. أراد أنه كان طيبا في صلب آدم ﵇. وقوله: من قبلها, أي من قبل الأرض, ومثل ذلك في كلامهم كثير. وأكثر الأمثلة المذكورة عند علماء المعاني من وضع المضمر موضع المظهر, إما لاشتهاره ووضوح أمره, أو لأن الذهن لا يلتفت إلى غيره, أو لغير ذلك من الاعتبارات. وليس من الحذف في شيء كما لا يخفى, لكن أبن جني مثل لهذا النوع بالحديث السابق, فكأنه لاحظ أن المتكلم حذف من الكلام مرجع الضمير لعلم السامع به. إذا عرفت ذلك فالشاهد في بيت البديعية في قوله (ردهم) يريد العرب الذين لم يؤمنوا به, ولم يجر لهم ذكر, لكنه أقام معرفة السامع مقام التصريح بذكرهم والله أعلم. التشبيه ماضيه كالبرق والتشبيه متضح ... ينهل في أثره ما لاح صوب دم التشبيه ركن من أركان البلاغة. قال أبو العباس المبرد: لو قال قائل: هو أكثر كلام العرب لم يبعد. ولهم في تعريفه عبارات, فعرفه جماعة: بأنه الدلالة على مشاركة أمر لأمر آخر في معنى. وقال الزنجاني: هو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف, هو من أوصاف الشيء في نفسه, كالشجاعة في الأسد, والنور في الشمس. وقال الطيبي: هو وصف الشيء بمشاركة الآخر في معنى. وقال ابن أبي الأصبع: هو إخراج الأغمض إلى الأظهر. وقال بعضهم: هو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه. وقال آخر: هو أن يثبت للمشبه حكما من أحكام المشبه به. إذا عرفت ذلك فاعلم أن التشبيه مما اتفق العقلاء على شرف قدره, وفخامة أمره في فن البلاغة, وأنه إذا جاء في أعقاب المعاني أفادها جمالا, وزادها كمالا, وضاعف قواها في تحريك النفوس إلى المقصود بها على اختلاف فنونها, وإن أردت تحقيق ذلك, فانظر إلى. قول البحتري: دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب كالبدر أفرط في العلو وضؤه ... للعصبة السارين جد قريب وقول السري وفاء:

стр. 399

أصبحت أظهر شكرا عن صنايعه ... وأضمر الود فيه إضمار كيانع النخل يبدي للعيون ضحى ... طلعا نضيدا ويخفي غض جمار وقال ابن لنكك: إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا ... رأيت صورته من أقبح الصور وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفر منها إذا مالت إلى الضرر وقول ابن الرومي: بذل الوعد للأخاء سمحا ... وأبى بعد ذاك بذل العطاء فغدا كالخلاف يورق للعي ... ن ويأبى الاثمار كل الإباء وقول أبي تمام: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود وقس حالك وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني, على حالك وأنت قد انتهيت إليه ووقفت عليه, تعلم بعد ما بين حالتيك في تمكن المعنى لديك. وشاهد بعد الفرق بين أن تقول: الدنيا لا تدوم وتقتصر على ذلك, وبين أن تذكر عقيبه ما روي عنه ﵇: من في الدنيا ضيف وما في يديه عارية والضيف مرتحل, والعارية مردودة. أو تنشد قول لبيد: وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بد يوما أن ترد الودائع وبين أن تقول: أرى قوما لهم منظر وليس لهم مخبر وتسكت, وأن تتبعه. وقول ابن لنكك: في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وماله ثمر وانظر في جميع ذلك في الحالة الثانية كيف يتزايد شرفه عليه في الحالة الأولى, وسببه أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي وتأتيها بصريح بعد مكني, وأن تردها فيما تعلمه إلى ما هي بشأنه أعلم ولهذا كان التمثيل بالمشاهد أوقع, ولمادة الشبه أقطع. واعلم أن التشبيه يستدعي خمسة أشياء: أحدها: الطرفين, أعني المشبه والمشبه به ليحصل التشبيه, لأنه من الأمور النسبية المفتقرة إلى المنتسبين. الثاني: الوجه المشترك, ليجمع الطرفين. الثالث: الغرض, ليصح العدول إليه من أصل المعنى, فلا يعد عيبا. الرابع: الأحوال, ليحسن التشبيه برعاية مقبولها, والاحتراز عن مردودها. الخامس: الأداة, لتوصل أحد الطرفين بالآخر لفظا, كما يوصله الوجه معنى, ولنبين ذلك في خمسة فصول. الفصل الأول في الطرفين وهما إما حسيان كما في تشبيه الخد بالورد, والقد بالغصن, والفيل بالجبل في المبصرات, والصوت الضعيف بالهمس, وأطيط الرجل بأصوات الفراريج في المسموعات, والنكهة بالعنبر والمسك في المشمومات, والريق بالعسل والخمر في المذوقات, والجلد الناعم بالحرير, والخشن بالمسح في الملموسات. وإما عقليا, كتشبيه العلم بالحياة, والجهل بالموت. وإلى هذا أشار الشاعر بقوله: أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم وقال آخر: رب حي كميت ليس فيه ... أمل يرتجى لنفع وضر وعظام تحت التراب وفوق الأ ... رض منها آثار حمد وشكر وإما مختلفان بأن يكون المشبه عقليا, والمشبه به حسيا, أو بالعكس, فالأول كتشبيه المنية بالسبع, فإن المنية وهو الموت, عقلي, لأنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة والسبع حسي. والثاني كما في تشبيه العطر بخلق كريم, فإن العطر -وهو الطيب- محسوس بالشم, والخلق وهو كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة, عقلي. قال الزنجاني في المعيار: وهذا القسم -أعني تشبيه المحسوس بالمعقول- غير جائر, لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها, ولذلك قيل: من فقد حسا فقد علما. وإذا كان المحسوس أصلا للمعقول, فتشبيهه به يكون جعلا للفرع أصلا, والأصل فرعا, وهو غير جائز. ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس في الظهور, والمسك في الطيب, فقال: الشمس كالحجة في الظهور, والمسك كخلق فلان في الطيب, كان سخيفا من القول. وأما ما جاء في الأشعار من تشبيه المحسوس بالمعقول, فوجهه أن يقدر المعقول محسوسا, فيجعل كالأصل في ذلك المحسوس على طريق المبالغة, فيصح التشبيه حينئذ. انتهى. واعلم أن المراد بالحسي المدرك -هو أو مادته- بإحدى الحواس الخمس الظاهرة, وهي البصر, والسمع, والشم, والذوق؛ واللمس. فدخل فيه الخيالي, وهو الذي فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها مدرك بالحس. كما في قوله:

стр. 400

كأن محمر الشقيق ... إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد فان الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لم يدركه الحس, لأن الحس إنما يدرك ما هو موجود في المادة, حاضر عند المدرك, على هيئات محسوسة مخصوصة به لكن مادته التي تركب هو منها كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد, كل واحد منها محسوس بالبصر. والمراد بالعقلي, ما لا يكون -هو ولا مادته- مدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة. فدخل فيه الوهمي, أي ما هو غير مدرك بها, ولكنه بحيث لو أدرك لكان مدركا بها. كما في امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال فان الأنياب الأغوال مما لا يدركه الحس لعدم تحققها, مع أنها لو أدركت لم تدرك إلا بحس البصر. وعليه قولع تعالى "طلعها كأنه رؤوس الشياطين". ودخل فيه أيضاً ما يدرك بالوجدان كالشبع والجوع واللذة والألم الحسيين. الفصل الثاني في الوجه أعني وجه التشبيه, وهو المعنى الذي قصد اشتراك الطرفين فيه تحقيقا كالشجاعة في الأسد, إذا قلت: زيد كالأسد, أو تخيلا, والمراد به أن لا يوجد ذلك في أحد الطرفين أو كلاهما إلا على سبيل التخييل, والتأويل. كقول القاضي التنوحي: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع فان وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض في جوانب شيء مظلم أسود, فهي غير موجودة في المشبه به إلا على سبيل التخييل, وذلك أنه لما كانت البدعة وكل ما هو جهل تجعل صاحبها كمن يمشي في الظلمة, فلا يهتدي الطريق, ولا يأمن أن ينال مكروها شبهت بها. ولزم بطريق العكس إذا أريد التشبيه أن تشبه السنة وكل ما هو علم بالنور, وشاع ذلك حتى تخيل أن الثاني مما له بياض وإشراق, نحو: أيتتكم بالحنيفية البيضاء, والأول مما له سواد وظلمة, كقولك: شاهدت سواد الكفر من ناصية فلان, فصار تشبيه النجوم بين دجاها, بسنن بين الابتداع كتشبيهها ببياض الشيب في سواد الشباب. فظهر اشتراك النجوم بين الدجى والسنن بين الابتداع, في كون كل منهما شيئا ذا بياض بين شيء ذي سواد على طريق التأويل, وهو تخييل ما ليس يتلون, متلونا. وعلم أن قوله (لاح بينهم ابتداع) على سبيل القلب, والمعنى: سنن لاحت بين الابتداع. قيل: وكانت النكتة بيان كثرة السنن, حتى كأن البدعة هي التي تلمع من بينها. ومن التشبه التخييلي قول أبي طالب الرقي: لقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق فإنه لما كانت أيام المكاره توصف بالسواد توسعا فيقال: من لم يعشق في عيني, وأظلمت الدنيا علي, وكان الغزل يدعي القسوة على من لم يعشق, والقلب القاسي يوصف بالسواد توسعا. تخيل يوم النوى, وفؤاد من لم يعشق شيئين لهما سواد, وجعلهما أعرف به وأشهر من الظلام فشبهه بهما. ومثله قول الآخر: رب ليل كأنه أملي في ... ك وقد رحت منك بالحرمان وقول أبي العلاء المعري: خبرني ماذا كرهت من الشي ... ب فلا علم لي بذنب المشيب أضياء النهار أم وضح اللؤ ... لؤ أم كونه كثغر الحبيب واذكري لي فضل الشباب وما ... يجمع من منظر يروق وطيب غدره بالخليل أم حبه لل ... غي أم أنه كدهر الأديب وقول الشيخ محمد باقشير المكي يصف سوداء: زنجية من بنات الزنج تحسبها ... حظي تجسم جثمانا من البشر وقول ابن طباطبا: زاهرات كأنها زمن الجا ... هل في حندس كدهر الأديب ومنه قول القاضي التنوخي: أما ترى البرد قد وافت عساكره ... وعسكر الحر كيف انصاع منطلقا فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا فانه لما كان يقال في الحق: أنه منير واضح فيستعار له صفة الأجسام المنيرة, وفي الظلم خلاف ذلك تخيلهما شيئين لهما إنارة وإظلام, فشبه النار والفحم بهما مجتمعين. وقول ابن بابك: وأرض كأخلاق الكرام قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا فان الأخلاق لما كانت توصف بالسعة والضيق تشبيها لها بالأماكن الواسعة والضيقة, تخيل أخلاق الكرام شيئا له سعة, وجعله أصلا فيها فشبه الأرض الواسعة بها. ثم وجه التشبيه إما واحد حقيقة, أو حكماً, وإما متعدد.

стр. 401

فالأول وهو الواحد حقيقة, إما حسي وطرفاه حسيان كالحمرة, والخفاء وطيب الرائحة, والحلاوة, ولين الملمس؛ في تشبيه الخد بالورد, والصوت الضعيف بالهمس, والنكهة بالعنبر, والريق بالعسل, والجلد الناعم بالحرير, كما سبق. وإما عقلي وطرفاه حسيان, كمطلق حصول النجاة في تشبيه أهل البيت ﵈ بسفينة نوح ﵇ في حديث أبي ذر, مثل (أهل بيتي مثل سفينة نوح, من ركبها نجا, ومن تخلف عنها هلك) . ومطلق الاهتداء في قول الحماسي: هينون لينون أيسار ذوو يسر ... سواس مكرمة أبناء أيسار من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري شبههم بالنجوم في مطلق حصول الاهتداء. وأما عقلي وطرفاه عقليان كالعراء عن الفائدة في تشبيه الشيء العديم النفع بعدمه, وجهة الإدراك في تشبيه العلم بالحياة. ومنه قول الأرجاني: أخلاقه نكت في المجد أيسرها ... لطف يؤلف بين الماء والنار وإما عقلي والمشبه عقلي, والمشبه محسوس, كالهداية في تشبيه العلم بالنور, وتحصيل الزيادة والنقصان في تشبيه العدل بالقسطاس. ومنه قول أبي الفراس: كأن ثباته للقلب قلب ... وهيبته جناح للجناح وإما عقلي والمشبه حسي, والمشبه به عقلي, كاستطابة النفس في تشبيه العطر بخلق كريم. ومنه قول الصاحب بن عباد وقد أهدى إلى القاضي أبي الحسين عطرا: يا أيها القاضي الذي نفسي له ... مع قرب عهد لقائه مشتاقه أهديت عطرا مثل طيب ثنائه ... فكأننا أهدي له أخلاقه وقول ابن المعتز: معتقة صاغ المزاج لرأسها ... أكاليل در ما لمنظومها سلك وقد خفيت من لطفها فكأنها ... بقايا يقين كاد يذهبها الشك تنبيه: اعلم أن الوجه الحسي يرجع إلى العقلي لأنه مشترك بين الطرفين, والمشترك كلي, فوجه الشبه كلي والكلي لا يدرك بالحس بل بالعقل, فوجه الشبه لا يكون محسوسا البتة, وإنما سمي في نحو تشبيه الخد بالورد حسيا لأنه منتزع من أمرين محسوسين, وفي التسمية تسامح, وقول صاحب الإيضاح: إن المراد بكون وجه حسيا, كون أفراده مدركة بالحس لا يدفع التسامح. الثاني وهو كون وجه الشبه واحدا حكما, والمراد به أن يكون غير واحد, لكنه بمنزلة الواحد لكونه مركبا من أمرين أو أمور, بمعنى أن يقصد إلى عدة أشياء مختلفة أو عدة أوصاف لشيء واحد, فتنتزع منها هيئة تجعل وجه تشبيه, وهو إما حسي. كقول أبي بركات: ترى أنجم الجوزاء والنجم فوقها ... كباسط كفيه ليقطف عنقودا شبه الهيئة الحاصلة من النجوم المجتمعة على هيئة الباسط كفه لقبض نجوم كهيئة العنقود. فوجه الشبه وهو الهيئة المخصوصة منتزع في المشبه من هيئة الجوزاء, وهيئة النجوم التي هي يدها, وهيئة الثريا, وكونها فوق الجوزاء قريبة من يدها. وفي المشبه به من هيئة القاطف وبسط يده, وهيئة العنقود. وكونه القاطف قريبا من يده. فهو أمر منتزع من عدة أمور. وقول الآخر: كأن شعاع الشمس في كل غدوة ... على ورق الأشجار أول طالع دنانير في كف الأشل يضمها ... لقبض فتهوى من فروج الأصابع شبه الهيئة الحاصلة من شعاع الشمس في أول طلوعها عند هبوب النسيم الذي قلما يفقد في الغدوات, لأنها حينئذ تثقب بإشراقها الكوى والفرج, بخلاف ما إذا أخذت في الاستواء على ورق الأشجار المضطربة بسبب تموج الهواء, بالهيئة الحاصلة من الدنانير المجلوة في كف الأشل, حين يهم بالقبض عليها, فتمنعه حركته الغير الإرادية, فتهوي الدنانير من فروج الأصابع متناثرة على غير نظام. فوجه الشبه -وهو أصول أشياء مستديرة لها صفرة ولمعان, تتناثر لا على نظام عقيب حركة مضطربة, هيئة مدركة بالحس- من عدة أمور كما ترى. وقول الآخر, وهو من بديع هذا النوع: كانت سراج أناس يهتدون بها ... في سالف الدهر قبل النار والنور تهتز في الكف من ضعف ومن هرم ... كأنها قبس في كف مقرور شبه الهيئة الحاصلة من حركة الخمر وانعدامها, ومنع الكأس إياها عنه من شروق أشعتها, بالهيئة الحاصلة من حركة النار الضعيفة في كف من أصابه البرد الشديد, وهو يريد أن يصونها من الإطفاء. ويحتمل أن يؤخذ مجرد الحركة فيهما مع الإشراق, فلا يكون فيه دقة. ومنه قول الوزير المهلبي:

стр. 402

والشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب شبه الهيئة الحاصلة من استدارة الشمس مع الإشراق, والحركة السريعة المتصلة, وما يحصل في الإشراق بسبب تلك الحركة من التموج والاضطراب, حتى يرى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة, ثم يبدو له فيرجع من الانبساط إلى الانقباض, كأنه يجمع من الجوانب إلى الوسط, بالهيئة الحاصلة من البوتقة إذا حميت, وذاب فيها الذهب, وتشكل بشكلها في الاستدارة, وأخذ يتحرك فيها بجملته تلك الحركة العجيبة, كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها, لما في طبعه من النوم, ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض, لما بين أجزائه من شدة الاتصال والتلاحق. ولذلك لا يقع فيه غليان على الضفة التي تكون في الماء ونحوه مما يتخلله الهواء. ومن لطيف هذا النوع قول سعيد بن حميد: حفت بسرو كالقيان تحلفت ... خضر الحرير على قوام معتدل فكأنها والريح جاء يميلها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل فان فيه تفصيلا دقيقا, وذلك انه راعى حركة التهيؤ للدنو والعناق, وحركة الرجوع إلى أصل الافتراق. وأدى ما يكون في الحركة الثانية من سرعة زائدة تأدية لطيفة, لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع لا محالة من حركة من يهم بالدنو, لأن إزعاج الخوف أقوى أبدا من إزعاج الرجاء. وما أحسن قول الجدلي: لدى اقحوانات حففن بناصع ... من الورد مخضل الغصون نضيد تميلها أيدي الصبا فكأنها ... ثغور هوت شوقا لعض خدود وإما عقلي كما في قوله تعالى "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها" أي لم يعملوا بها "كمثل الحمار يحمل أسفارا" فإن وجه الشبه وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه, أمر عقلي منتزع من عدة أمور, لأنه روعي من الحمار فعل مخصوص هو الحمل, وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا وهو الأسفار التي هي أوعية العلوم, وإن الحمار جاهل بما فيها, وكذا في جانب المشبه. تنبيه: -قد يقع بعد أداة التشبيه أمور يظن أن المقصود أمر منتزع من بعضها, فيقع الخطأ لكونه أمرا منتزعا من جميعها. كقوله: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت فانه ربما يظن أن الشطر الأول منه تشبيه مستقل بنفسه لا حاجة إليه ولكن التأمل بظهر أن غرض الشاعر في تشبيهه أن يثبت ابتداء مطمعا متصلا بانتهاء مؤيس, وذلك يتوقف على البيت كله. فان قيل: هذا يقتضي أن يكون بعض التشبيهات المجتمعة كقولنا: زيد يصفو ويكدر, تشبيها واحدا, لأن الاقتصار على أحد الخبرين يبطل الغرض من الكلام, لأن الغرض منه وصف المخبر عنه بأنه يجمع بين الصفتين, وإن إحداهما لا تدوم. قلت: الفرق بينهما أن الغرض في البيت أن يثبت ابتداء مطمعا متصلا بانتهاء مؤيس كما مر, وكون الشيء ابتداء الآخر زائد على الجمع بينهما, وليس في قولنا: يصفو ويكدر, أكثر من الجمع بين الصفتين, ونظير البيت قولنا: يصفو ثم يكدر, لإفادة ثم, الترتيب المقتضي ربط الوضعين بالآخر. وقد ظهر بما ذكرنا أن التشبيهات المجتمعة تفارق التشبيه المركب في مثل ما ذكرنا بأمرين: أحدهما لا يجب فيها ترتيب, والثاني: إنه إذا حذف بعضها لا يتغير حال الباقي في إفادة ما كان يفيد قبل الحذف, فإذا قلنا: زيد كالأسد بأسا, والبحر جودا, والسيف مضاء, لا يجب لهذه التشبيهات نسق مخصوص, بل لو قدم التشبيه بالسيف جاز, ولو أسقط واحد من الثلاثة لم يتغير حال غيره في إفادة معناه. قاله الخطيب في الإيضاح. الثالث -وهو أن يكون وجه الشبه أمورا متعددة, إما حسي كلها كاللون والطعم والرائحة في تشبيه فاكهة بأخرى. ومنه قول المطراني: مهفهفة لها نصف قضيب ... كخوط البان في نصف رداح حكت لونا ولينا واعتدالا ... ولحظا قاتلا سمر الرماح وإما عقلي كله, كحدة النظر, وكمال الحذر, وإخفاء السفاد في تشبيه طائر بالغراب. ومنه قول المعري: والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر وإنما جعلناه في هذا النوع ولم نجعله من الواحد حكما, لأن كلا من الأمرين العقليين المذكورين يستقل وجها للشبه.

стр. 403

وإما مركب منهما, كحسن الطلعة, ونباهة الشأن في تشبيه إنسان بالشمس. ومنه قول ابن الفارض: لها البدر كأس وهي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم شبه الكأس بالبدر في الاستدارة, وهي حسية, وفي اقتباس النور واستفادة التسمية عند الكمال, وهما عقليان, وشبه المدامة بالشمس في الإشراق؛ وهو حسي؛ وفي إفاضة النور, وهو عقلي, وشبه الساقي بالهلال في سرعة الدوران, وهو حسي؛ وفي استجلاب النواظر, وهو عقلي, وشبه الحبب بالنجم في الهيئة المخصوصة من الاستعارة, والبياض والمقدار المخصوص, وذلك أمر محسوسن وفي أنه يحدث بواسطة المزج بالماء الكاسر سورتها, كما أن ضوء النجم إنما يبدو إذا حجب سلطان الشمس, وهذا الوجه العقلي. تنبيهات الأول: الوجه الحسي لا يكون طرفاه -أعني المشبه والمشبه به- إلا حسيين, سواه كان بتمامه حسيا أو متعددا مختلفا, لامتناع أن يدرك بالحس من غير الحسي شيء. والعقلي أعم, فيجوز أن يكون طرفاه حسيين, وإن يكون عقليين, وأن يكون أحدهما حسيا والآخر عقليا, لجواز أن يدرك بالعقل من الحسي شيء, إذ لا امتناع في قيام المعقول بالمحسوس, بل كل محسوس, فلها أوصاف بعضها حسي وبعضها عقلي, ولذلك يقال: التشبيه بالوجه الحسي بمعنى أن كلما يصح فيه التشبيه أن يكون بالوجه الحسي يصح بالوجه العقلي دون العكس. الثاني: من حق وجه التشبيه أن يكون شاملا للطرفين, كما إذا جعل وجه الشبه في قولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام, كون استعمالها مصلحا, وإهمالها مفسدا, دون كون القليل مصلحا, والكثير مفسدا, لأن النحو لا يحتمل القلة والكثرة بخلاف الملح. ومما يتصل بهذا, ما حكي أن ابن شرف القيرواني أنشد ابن رشيق قوله: غير جني وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم وقال له: هل سمعت بهذا المعنى؟ فقال ابن رشيق: نعم سمعته, وأخذته أنت وأفسدته. أما الأخذ فمن النابغة الذبياني حيث يقول: لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو رائع وأما الإفساد, فلأن سبابة المتندم أول شيء يتألم منه, فلا يكون المعاقب غير الجاني, وهذا بخلاف بين النابغة, فإن المكوي يتألم وما به عر وصاحب العر لا يتألم جملة. الثالث: قد يعتبر في القسم الثاني من أقسام وجه التشبيه -وهو المتعدد حقيقة- الواحد حكما مجرد الهيئة الحاصلة وقت التشبيه دون سائر الأوصاف, من اللون والشكل وغيرهما. كما في قول ابن المعتز: وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا فانه يشبه حركة البرق بحركة المصحف حين يتم القاري قراءة صفحته فيضم دفتي المصحف ليفتح من الورقة الأخرى, ولم ينظر فيه إلى شيء من أوصاف المشبه والمشبه به, سوى الهيئة الحاصلة من حركة انبساطية عقيب حركة انقباضية. كما اعتبر مجرد الصفة دون المقدار أيضاً في قوله: والليل كالحلة السوداء لاح به ... من الصباح طراز غير مرقوم شبه الليل بالحلة, والصباح بطراز الثوب, ووجه الشبه ظهور شيء أبيض مستطيل خلال سواد شامل, من غير نظر إلى مقدار السواد والبياض, فإن تفاوت المقدار بين الليل والحلة والصبح والطراز شديد. ومنه قوله تعالى "والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم" فانه شبه الهلال في هيئة نحوله وتقوسه بالعرجون لا في المقدار, لان في مقدار الهلال عظما في الحقيقة, والعرجون في مرأى النظر أعظم منه. ومن هذا الباب قوله تعالى "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب" من وجه, فإن تشبيه عيسى بآدم ﵉ في كونهما وجدا بغير أب, من غير نظر إلى أن آدم ﵇ وجد بغير أم أيضاً بخلاف عيسى ﵇. وهذا القدر من المخالفة لا يمنع من إيراد التشبيه. فإن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف. الرابع: قد يتسامح في وجه, فيسمى ملزوم الوجه وجها, تسهيلا للتناولن كما في تشبيه فصيح الكلام بالعسل في الحلاوة, وبالماء في السلاسة وبالنسيم في الرقة, وتشبيه الحجة البينة التأليف بالشمس في الظهور. فإن الوجه فيها ميل الطبع اللازم للسلاسة, والرقة, وإزالة الحجاب اللازم للظهور, فأقيمت الملزومات مقام اللوازم. الفصل الثالث في الغرض

стр. 404

وهو ما يقصده المتكلم من إيراد التشبيه, وهو يعود في الأغلب إلى التشبيه, وقد يعود إلى المشبه به. فالأول على وجوه: أحدها, بيان حاله, كما في تشبيه ثوب بثوب آخر في السواد, إذا علم لون المشبه به دون المشبه. وهذا الوجه يقتضي كون المشبه أعرف بوجه الشبه. الثاني: بيان مقدار حاله في القوة والضعف, والزيادة والنقصان. كما إذا شبهت أسود بخافية الغراب, قال: مداد مثل خافية الغراب ... وأقلام كمرهفة الحراب وعليه قول الآخر: فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع أي بلغت في بوار سعيي في الوصول إليها, وأن أمنع عنها, أقصى الغايات, حتى لم أحظ بما قل ولا كثر, وهذا الوجه يقتضي كون المشبه به أخص من المشبه بوجه الشبه, مساويا له في المقدار حقيقة أو ادعاء. الثالث: بيان وجوده, كما إذا شبه معقول في الذهن بأحد أفراده في الخارج, دلالة على وجوده, نحو الكلمة, كزيد, ويسمى مثلا. الرابع: بيان إمكان وجوده, وذلك عند ادعاء ما لا يكون إمكانه بينا, فيمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه, فيؤتى بالتشبيه لبيان إمكانه. كقول ابن الرومي: كم من أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان وقول أبي الطيب: فإن نفق الأنام وأنت منهم ... فان المسك بعض دم الغزال فانه أراد أن يقول: إن الممدوح قد فاق الناس, بحيث لم يبق بينهم وبينه مشابهة, بل صار أصلا برأسه, وجنسا بنفسه. وهذا في الظاهر كالممتنع, لاستبعاد أن يتناهى بعض آحاد النوع في الفضائل الخاصة بذلك النوع, إلى أن يصير كأنه ليس منها, فاحتج لهذه الدعوى وبين إمكانها, بان شبه حاله بحال المسك الذي هو من الدماء, ثم أنه لا يعد من الدماء, لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا توجد في الدم. فان قلت: أين التشبيه في هذا البيت؟. قلت: يدل البيت عليه ضمنا, لأن المعنى: إن نفق الأنام مع أنك واحد منهم, فلا استبعاد في ذلك, لأن المسك بعض دم الغزال وقد فاته حتى لا يعد منه, فحالك شبيه بحال المسك. وليسم مثل هذا تشبيها ضمنيا, أو تشبيها مكنيا عنه. قاله التفتازاني في شرح التلخيص. وهذا الوجه كالذي قبله يقتضي كون المشبه به مسلم الحكم, فيكون أعرف به لا محالة. الخامس: تقدير حاله عند السامع, وتقوية شأنه, كما إذا شبهت من لا يحصل من سعيه على طائل, بمن يرقم على الماء, فانك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة, وتقوية شأنه ما لا تجد في غيره, وما ذلك إلا لان إلف النفس بالحسيات أتم من إلفها بالعقليات, لتقدم الحسيات على العقليات بالزمان. ألا ترى انك إذا أردت الإشارة إلى تنافي شيئين فأشرت إلى ماء ونار, وقلت: هذا وذاك هل يجتمعان؟ كان تأثير ذلك زائدا على قولك: هل يجتمع الماء والنار؟ وكذلك لو قلت في وصف طول يوم: يوم كأطول ما يتوهم, أو كأنه لا آخر له. أو أنشدت قول الشاعر: في ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول لم يجد فيه السامع من الأنس ما يجده في قول الآخر: ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطكاك المزاهر وما ذاك إلا للتشبيه المحسوس, وإلا فالأول أبلغ, لأن طول الرمح متناه, وفي الأول حكمت بان الليل موصول. وكذلك إذا قلت في قصر اليوم: يوم أقصر ما يكون, وكأنه ساعة أو لمحة بصر. لم تجد فيه ما تجده في قول القائل: ظللنا عند دار أبي أنيس ... بيوم مثل سالفه الذباب وقوله: ويوم كإبهام القطاة مزين ... إلي صباه غالب لي باطله وهذا الوجه يقتضي كون وجه الشبه في المشبه به أتم, وهو به أشهر. السادس: تقرير تحقيقه كيلا يستبعد وقوعه كقوله تعالى "وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة" قرر ما لم تجربه العادة من نتق الجبل فوق رؤوسهم, بالتشبيه بما جرت به العادة من الظلة المحسوسة, وهي كل ما أظلك, وهذا الوجه يقتضي كون وجه الشبه في المشبه به أشهر. والفرق بينه وبين قول المتنبي (وإن تفق الأنام) البيت, إن ذاك مستبعد عقلا, وهذا لا يستبعده العقل أصلا, لجزمه بان مثله سهل على الله جلت قدرته, لكنه خارق للعادة, وللنفس بالعادة إلف عظيم, فشبه بما هو معتاد. السابع: إظهار التزيين للترغيب فيه, كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبي.

стр. 405

وعليه قول القائل: رب سواد وهي بيضاء معنى ... يحسد المسك عندها الكافور مثل حب العيون تحسبه النا ... س سوادا وإنما ونور الثامن: إظهار التشويه للتنفير عنه, كما في تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نقرتها الديكة, وهذا الوجه والذي قبله يقتضيان كون الاستحسان والاستقباح, في المشبه به أتم. قال بعضهم: والتشبيه في طرفي الترغيب والتنفير أبلغ من سائر الصفات. كقول البحتري في الورد: أما ترى الورد يحكي خجله ظهرت ... في صحن خد من المعشوق منعوت كأنه فوق ساق من زبرجدة ... نثر من التبر في محمر ياقوت حيث شبهه بصورة خد المعشوق, ومثله بالتبر والياقوت والزبرجد وبضده فعل ابن الرومي لا شكر سعيه فيه حيث قال: وقائل لم هجوت الورد مقتبلا ... فقلت من شؤمه عندي ومن سخطه كأنه سرم بغل حين أخرجه ... عند البراز وباقي الروث في وسطه التاسع: قصد استطرافه, وذلك أن يكون المشبه به أمرا غريبا نادر الحضور في الذهن مطلقا, فيكتسي المشبه غرابة منه, فيستطرف كما في تشبيه فحم فيه جمر متوقد, ببحر من المسك موجه الذهب لإبرازه في صورة الممتنع عادة. وقط نظمت ذلك فقلت: انظر إلى الفحم فيه الجمر متقد ... كأنه بحر مسك موجه الذهب أو يكون نادر الحضور عند ذكر المشبه, كما في قول ابن المعتز في البنفسج: ولازوردية تزهو برزقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت فان صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة حضور بحر من المسك موجه الذهب, وإنما النادر حضورها عند حضور البنفسج, فإذا حضر مع صحة الشبه استطرف لمشاهدة عناق بين صورتين لا تتراءى ناراهما. ووجه آخر: وهو أنه أثبت التماثل بين أوراق رطبة غضة ناضرة يجري فيها ماء الحسن, وجسم ذابل يابس استولى عليه لهب النار, مع أنهما لا يتعانقان في خيال أبدا, ولذلك بلغ من الاستطراف حدا يتنافس فيه. يحكى أن جريرا قال لما أنشد عدي بن الرقاع قوله: عرف الديار توهما فاعتادها ... من بعد ما لبس أبلادها إلى قوله: (تزجي أغن كان إبرة روقه) رحمته, وقلت: قد وقع, ما عساه أن يقول وهو أعرابي جلف جاف. فلما قال: (قلم أصاب من الدواة مدادها) استحالت الرحمة حسدا وما كنت رحمته أولاً, وحسده ثانياً, إلا لأنه رآه حين افتتح التشبيه بذكر ما لا يحضر له في بدء الفكر شبه, وهو أعرابي جلف ليس ممن يتعمق في الفكر, ويمعن النظر, حتى يفوز بما هو مناسب, رحمه, وحين رآه ظفر بأقرب صفة لا يجتمع معه في أبدى ذهن حسده. ومن النادر الحضور, لتباعد الطرفين وندرة اجتماع أحدهما مع الآخر ما يحكى أن أبا تمام لما انتهى في قصيدته البائية إلى قوله: يرى أقبح الأشياء خيبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب وأحسن من نور تفتحه الصبا ... ............................. وقف يردده ويطلب مشبها به, فإذا سائل بالباب يقول: من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا, فقال (بياض العطايا في سواد المطالب) . والثاني, وهو كون الغرض عائدا إلى مشبه به على نوعين. أحدهما: إيهام أن المشبه به أتم في وجه التشبيه للمبالغة, لان المشابه حقه أن يكون أعرف بوجه التشبيه وأقوى, فإذا عكس كان مبالغة. كقول محمد بن وهيب: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح فانه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم من الصباح في الوضوح والإنارة, وفي قوله: حين يمتدح, دلالة على إنصاف الممدوح بمعرفة حق المادح, وتعظيم شأنه عند الحاضرين بالإصغاء إليه والارتياح له, وعلى كونه كاملا في الكرم, يتصف بالبشر والطلاقة عند استماع المديح. ويسمى هذا النوع: التشبيه المقلوب, وقد يسمى بالطرد والعكس, لأن عود الفائدة إلى ما هو مشبه حقيقة مطرد وإن عكس التشبيه. وتقرير ذلك أن الغرض العائد إلى المشبه لا يتفاوت إذا كان منعكسا إلا في بيان المبالغة, لأنك إذا قلت: الأسد كزيد, كان الغرض يعود إلى وصف زيد, لكن أبلغ من الأول, ففي كلا الحالتين الغرض عائد إلى المشبه, ومطرد في حقه.

стр. 406

ومنه قوله تعالى حكاية عن مستحلي الربا "إنما البيع مثل الربا" فإن مقتضى الظاهر هو أن يقال: إنما الربا مثل البيع, لان الكلام في الربا لا في البيع, فخالفوا بجعلهم الربا في الحل أقوى من البيع وأعرف به. الثاني: بيان الاهتمام بالمشبه به, كتشبيه الجائع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة, بالرغيف, إظهارا للاهتمام بشأن الرغيف لا غير, وهذا يسمى: إظهار المطلوب, ولا يحسن المصير إليه إلا في مقام الطمع في تسني المطلوب. كما يحكى عن الصاحب بن عباد, أن قاضي سجستان دخل عليه فوجده الصاحب متفننا فأخذ يمدحه, حتى قال (وعالم يعرف بالسجزي) وأشار إلى الندماء أن ينظموا على أسلوبه, ففعلوا واحدا بعد واحد, إلى أن انتهت النوبة إلى شريف في البين فقال (أشهى إلى النفس من الخبز) فأمر الصاحب أن تقدم له مائدة. هذا كله -أعنى ما ذكرناه- من جعل أحد الشيئين مشبها, والآخر مشبها به, إنما يكون إذا أريد إلحاق الناقص بالزائد حقيقة أو دعاء. فإن أريد الجمع بين شيئين في أمر من الأمور من غير قصد إلى كون أحدهما زائدا والآخر ناقصا, سواء وجدت الزيادة والنقصان أو لم توجد, فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه, ليكون كل واحد من الشيئين مشبها ومشبها به, احترازا من ترجيح المتشابهين في وجه الشبه. كقول ابن نباتة السعدي: فو الله ما أدري أتلك مدامة ... من الكرم تجنى أم من الشمس تعصر إذا صبها جنح الظلام وعبها ... رأيت رداء الشمس يطوى وينشر وقول الصاحب: رق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وقول أبي إسحاق الصابي: جرت الدموع دما وكأسي في يدي ... شوقا إلى من لج في هجراني فتخالف الفعلان شارب قهوة ... يبكي دما وتشابه اللونان فكأن ما في الجفن من كأسي جرى ... وكأن ما في الكأس من أجفاني ويجوز التشبيه أيضاً كتشبيه غرة الفرس بالصبح, والصبح بغرة الفرس, متى أريد إظهار منير في مظلم أكثر منه, وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوة, والدينار الخارج من السكة, وبالعكس, متى أريد استدارة متلالي متضمن لخصوص من اللون, وإن عظم التفاوت بين بياض الصبح وبياض الغرة, ولون المرآة والدينار, وبين الجرمين, فانه ليس شيء من ذلك بمنظور إليه في التشبيه. الفصل الرابع في الأحوال وهي كيفيات يحصل بها حسن التشبيه وقبحه, وقبوله ورده. أما أحوال الحسن فعلى وجوه: أحدها: أن يكون سليما من الابتذال لا تستعمله العامة. كقولهم في السواد كالفحم, وفي البياض كالثلج, لان تجدد صورة عند النفس أحب من مشاهدة معاد, ألا ترى أن الثمرة البالغة حد الكمال في النضج لا يرغب فيها رغبة الباكورة, والبدر التام لا يلتفت إليه التفات الهلال, والشمس في الشتاء أعز منها في الصيف, ولا يتجشم للأهل والأقارب ما يتجشم للضيف. الثاني: أن يكون أدراك وجه الشبه فيه مرتفعا عن أذهان العامة, كقول فاطمة الأنمارية في بنيها الكملة, وهم, ربيع الكامل, وعمارة الوهاب, وقيس الحفاظ, وأنس الفوارس أولا زياد العبسي -وقد سئلت أيهم أفضل- فقالت: عمارة؛ لا؛ بل أنس؛ لا؛ ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل؛ وهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؛ أي هم متناسبون في الفضل, يمتنع تعيين بعضهم فاضلا, وبعضهم أفضل منه. كما أن الحلقة المفرغة متناسبة الأجزاء في الصورة؛ يمتنع تعيين بعضها طرفا وبعضها وسطا؛ لكونها مفرغة مصمتة الجوانب. فوجه الشبه في هذا التشبيه (وهو التناسب) لا يدركه إلا الخاصة الذين ارفعوا عن طبقة العامة. الثالث: أن يكون التشبيه بعيدا غريبا لا يدرك في بدء الفكر. أما لندور حضور المشبه به عند حضور المشبه كما مر من تشبيه البنفسج بنار الكبريت, أو مطلقا لكونه وهميا كتشبيه نصال السهام بأنياب الأغوال, أو مركبا عقليا كتشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا, أو لقلة تكرره على الحس كقوله (والشمس كالمرآة في كف الأشل) فإن المرآة في كف الأشل قليل التكرار على الحس, بل ربما يقضي الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآة في يد الأشل. ولهذا كان قول الصنوبري: وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق أفضل من قول ذي الرمة:

стр. 407

كحلاء في برج صفراء في دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب لأن الأول مما يندر وجوده, دون الثاني فإن الناس أبدا يرون في الصياغات فضة قد موهت بذهب, ولا يكاد يتفق أن يوجد درر قد نثرن على بساط أرزق. وإما لكونه كثير التفصيل, كتشبيه المرآة بالشمس في كف الأشل, فإن وجه التشبيه فيه هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة, مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة, مع تموج الإشراق واضطرابه, حتى يرى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة, ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض وهذه الهيئة لا تقع في نفس الرائي للمرآة الدائمة الانقباض إلا بعد أن يستأنف تأملا, ويكون في نظره متمهلا, فالغرابة في هذا التشبيه من وجهين: أحدهما: قلة تكرار المشبه به على الحس. والثاني: كثرة التفصيل في وجه الشبه. والمراد بالتفصيل أني يعتبر في الأوصاف وجودها أو عدمها, أو وجود بعضها وعدم بعضها, كل من ذلك من أمر واحد, أو أمرين أو ثلاثة أو أكثر. ويقع على وجوه كثيرة أعرفها وأبلغها وجهان: أحدهما: أن تأخذ بعضا من الأوصاف وتدع بعضا. كما في قول امرئ القيس: حملت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان ففصل السنا عن الدخان وأثبته مجردا. والثاني: أن يعتبر الجميع. كما في قول الآخر: وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا فانه اعتبر من الأنجم الشكل والمقدار, واجتماعها على المسافة المخصوصة في القرب, ثم اعتبر مثل ذلك في العنقود المنورة من الملاحية -وهي بضم الميم- وهي عنب أبيض في حبه طول. وكلما كان التركيب من أمور أكثر كان التشبيه أبعد وأبلغ, كقوله تعالى "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس" فإنها عشر جمل فصلت. وهي وإن دخل بعضها في بعض حتى صارت كلها كأنها جملة واحدة, فإن ذلك لا يمنع من أن تشير أليها واحدة واحدة, ثم إن التشبيه منتزع من مجموعها من غير أن يكون فصل بعضها عن بعض, حتى لو أخذت منها جملة أخل ذلك بالمغزى من التشبيه. ومن أبلغ الاستقصاء في التفصيل وعجيبه قول ابن المعتز: كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون شبه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصبح بأشخاص الغربان, ثم شرط أن يكون قوادم ريشها أيضاً, لأن تلك الفرق من الظلمة تقع حواشيها من حيث يلي معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض. وتمام التدقيق في هذا التشبيه, أن جعل ضوء الصبح لقوة ظهوره ورفعه ظلام الليل, كأنه يحفز الدجى ويتسعجلها, ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها, ثم لما راعى ذلك في التشبيه ابتداء راعاه آخرا, حيث قال (نطير غرابا) ولم يقلك غراب يطير نحوه, لأن الطائر إذا كان واقعا في مكان فازعج وأطير منه, أو كان قد حبس في يد أو قفص فارسل كان لا محالة أسرع لطيرانه, وأدعى له أن يستمر على الطيران حتى يصير إلى حيث لا تراه العيون, بخلاف ما إذا طار عن اختيار, فانه يجوز أن لا يسرع في طيرانه وإن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول. وإذا قد تحققت ما ذكرنا في التفصيل علمت أن قول امرئ القيس في وصف السنان أعلى طبقة من قول الآخر: يتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب لخلو هذا من التفصيل الذي تضمنه قول امرئ القيس, وهو قصر التشبيه على مجرد السنا, وتصويره مقصورا عن الدخان, ومعلوم أن هذا لا يقع في الخاطر أول وهلة, بل لا بد فيه من أن يثبت وينظر في حال كل من الفرع والأصل حتى يقع في النفس أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة التشبيه, وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة. وكذا قول بشار: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه أعلى طبقة من قول أبي الطيب: يزور الأعادي في سماء عجاجة ... أسنته في جانبيها الكواكب وقول الآخر: تبني سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير

стр. 408

لأن كل واحد منهما وإن راعى التفصيل في التشبيه فانه اقتصر على أن أراك لمعان السيوف في أثناء العجاجة, بخلاف بشار, فانه لم يقتصر على ذلك بل عبر عن هيئة السيوف وقد سلت من أغمادها وهي تعلو وترسب وتجئ وتذهب, وهذه الزيادة زادت التفصيل تفصيلا, لأنها لا تقع في النفس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة, وذلك أن للسيوف في حال احتدام الحرب, واختلاف الأيدي فيها للضرب اضطرابا شديدا, وحركات سريعة ثم لتلك الحركات جهات مختلفة وأحوال تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض, ثم هي باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل ويصدم بعضها بعضا, ثم أشكالها مستطيلة, فنبه على هذه الدقائق بكلمة واحدة هي قوله (تهاوى) فإن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها, وكان لها في تهاويها تدافع وتداخل, ثم إنها بالتهاوي تستطيل أشكالها. وأبلغ التشبيه ما كان من هذا النوع لغرابته, ولان نيل الشيء بعد طلبه والاشتياق إليه ألذ, وموقعه من النفس ألطف, وبالمسرة أولى, ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف ببرد الماء على الظماء. كما قال: وهن ينبذن من قول يصير به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي لا يقال عدم الظهور ضرب من التعقيد, والتعقيد مذموم, لانا نقول التعقيد له سببان: سوء ترتيب الألفاظ, واختلال الانتقال من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو المراد باللفظ, وهذا هو المذموم المردود. والمراد بعدم الظهور في التشبيه ما كان سببه لطف المعنى, ودقته, أو ترتيب بعض المعاني على بعض, كما يشعر بذلك قولنا في بدء الفكر, فإن المعاني الشريفة قلما تنفك عن بناء ثان على أول, ورد تال إلى سابق. ألا ترى إلى قوله ﵌ (إن من الشعر لحكمة, وإن من البيان لسحرا) فمن الذي بأول وهلة ينفذ السحر, ويهجم على حكمة الشعر؟ ثم هل شيء أحلى من الفكر إذا صار فيه نهجا قويما وطريقا مستقيما يوصل إلى المطلوب ويظفر بالمقصود؟. الرابع: من وجود الحسن, أن يكون المشبه به معقولا, والمشبه محسوسا, لما تقدم من أن وجهه أن يقدر المعقول محسوسا, ويجعل كالأصل في ذلك المحسوس على طريقة المبالغة, وذلك لا يخلو من غرابة وبعد تناول. وما أحسن قول أبي نواس في هذا النوع: وندمان سقيت الراح صرفا ... وسر الليل منسدل السجوف صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دق في ذهن لطيف ولمؤلفه عفا الله عنه من أبيات: رقت فلولا الكأس لم تبصر لها ... جسما ولم تلمس براحة لامس فكأنها عند المزاج لطافة ... وهم يخيله توهم هاجس وقال الآخر: كأن القلب والسلوان ذهن ... يلوح عليه معنى مستحيل وقال جحظة البرمكي: ورق الجو حتى قيل هذا ... عتاب بين جحظة والزمان وإلى هذا البيت أشار من قال: بيننا عتاب لحظة, كعتاب جحظة. وقال ابن الهبارية: كم ليلة بت مطويا على شجن ... أشكوا إلى النجم حتى كاد يشكوني والصبح قد مطل الشرق العيون به ... كأنه حاجة في نفس مسكين وقال أبو القاسم أسعد بن إبراهيم: تنفس الصهباء في لهواته ... كتنفس الريحان في الآصال كأنما الخيلان في وجناته ... ساعات هجر في زمان وصال وهو من قول الآخر: أسفر ضوء الصبح في وجهه ... فقام خال الخد فيه بلال كأنما الخال على خده ... ساعة هجر في زمان الوصال والأصل في هذا المعنى قول المعتمد بن عباد: أكثرت هجرك غير أنك ربما ... عطفتك أحيانا علي أمور فكأنما زمن التهاجر بيننا ... ليل وساعات الوصال بدور وقال ابن طباطبا: كأن انتصار البدر من تحت غيمة ... نجاة من البأساء بعد وقوع وزعم بعضهم ان هذا أعلى مراتب التشبيه طبقة, لأنه يفتقر إلى لطف ذوق, وسلامة فطرة, وصحة تخيل, فهو صعب على من يرومه, متقاعس عمن جذب إليه زمامه. الخامس: أن يكون مستحلى عند الذوق, تهش النفس عند سماعه, ويميل الطبع إليه. كقول القائل في الورد: كأنه وجنة الحبيب وقد ... نقطه عاشق بدينار وقول ابن المعتز: على عقار صفراء تحسبها ... شيبت بمسك في الدن مفتوت للماء فيها كتابة عجب ... كمثل نقش في فص ياقوت وقوله في الهلال:

стр. 409

أنظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وقول بان طباطبا: أما والثريا والهلال جلتهما ... لي الشمس إذ ودعت كرها نهارها كأسماء إذ زارت عشاء وغادرت ... دلالا لدينا قرطها وسوارها وإذا علم أحوال الحسن, علم أحوال خلافه بالتقابل, فيقابل السليم عن الابتذال المبتذل العامي كما مر من تشبيه السواد بالفحم والبياض بالثلج ويقابل ما ارتفع عن أذهان العامة إدراك وجهه ما هو ظاهر يدركه كل أحد نحو زيد كالأسد, ويقابل البعيد القريب المبتذل, كتشبيه العنبة الكبيرة السوداء بالإجاصة في الشكل والمقدار, والجرة الصغيرة بالكوز كذلك. وهذا يقابل الخامس أيضاً وهو تشبيه المحسوس بالمعقول, لأن وجه الحسن فيه غرابته وبعد تناوله, لا تشبيه المعقول بالمحسوس, ويقابل المستحلى عند الذوق المكروه الذي ينفر عنه الطباع. كقول النابغة: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر المريض إلى وجوه العواد فان الأصمعي عاب عليه هذا التشبيه بين يدي الرشيد فقال: يكره تشبيه المحبوب بالمريض. وقول أبي محجن الثقفي: ترجع العود أحيانا وتخفضه ... كما يظن ذباب الروضة الغرد فانه ما زاد على أن شبه هذه المطربة بالذبابة. وقول جعفر المصحفي: صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم دبت مثل صل لاذع قال الثعالبي: لم يحسن في تشبيه دبيب الخمر في جسم شاربها بدبيب الحية اللاذعة, بل تباغض, ومن يعجبه دبيب الحية في جسمه؟. قلت: وأين هو عن قول أبي نواس: وتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم ومثله قول ابن عون في الخمرة الممزوجة: وتزيد من تيه عليه كأنها ... عزيزة خدر قد يحبطها المس فان بشاعة هذا التشبيه مما تنفر عنه الطباع, ومن الذي يطيب له أن يشرب شيئا يشبه زبد المصروع. قالوا: ومن التشبيه المستبشع قول الآخر: أن شقائق النعمان فيه ... ثياب قد روين من الدماء فإن الثياب المضرجة بالدماء مما تعاف الأنفس رؤيتها. وانتقدوا على الحاجري قوله: وما اخضر ذاك الخد نبتا وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائر فان شق المرائر على خد المحبوب مما تشمئز منه القلوب. قالوا: ما زاد على أن جعل خد محبوبه مسلخا. وما اكتفى الآخر بشق المرائر على خد محبوبه حتى سفك عليها الدماء فقال: وما احمر ذاك الخد واخضر فوقه ... عذارك إلا من دم ومرائر وما أحسن قول الصنوبري في شق المرارة: أتت في لباس لها أخضر ... كما لبس الورق الجلناره فقلت لها ما اسم هذا اللبا ... س فأدت جوابا لطيف العبارة شققنا مرارة قوم به ... فنحن نسميه شق المراره هذا إذا لم يكن الغرض من التشبيه التشويه والتنفير. أما إذا كان غرض المتكلم التنفير فلا يستهجن ذلك, وكذلك إذا كان الغرض الهجو فانه لا يستهجن فيه ما يستهجن في الغزل. كما قال الثعالبي في قول الرقي: لقد جل حظي في التي رق خصرها ... وأسهر جفني جفنها وهو نائم إذا كان أصداغ الخدود عقاربا ... فإن ذوابات الرؤوس أراقم هذا البيت صعب عندي إذ جمع بين العقارب والحيات في الغزل, والطبع يأنف منها, ولو كان في الهجاء كان جيدا. كما قال ابن الرومي في هجاء قينة: فقرطها بعقرب شهرزور ... إذا غنت وطوقها بأفعى وأما أحوال القبول فهي أن يكون التشبيه وافيا بأداء الأغراض المتقدم ذكرها, بان يكون المشبه به أعرف بالوجه إذا قصد بيان حال المشبه, ومع العلم به مساويا له إذا قصد بيان مقداره, ومسلم الحكم إذا قصد بيان إمكان وجوده, وأتم معنى فيه إذا أريد زيادة التقرير, أو إلحاق الناقص بالكامل, أو قصد الترغيب أو التعبير, ونادر الحضور إذا قصد غرابته واستطرافه كما مر. والمردود بخلافه. قال الزنجاني: ومن فساد التشبيه أن يكون منكوسا كقول الفرزدق: والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار فذكر أن الشيب يبدو في الشباب, ثم ترك ما ابتدأ به, ووصف الشباب بأنه كالليل والذي تقتضيه المقابلة الصحيحة أن يقول: كمنا ينهض نهار في جانبي الليل. انتهى. قلت: وقريب من ذلك قول الصلاح الصفدي في تشبيه إشراق القمر من خلال الأغصان:

стр. 410

كأنما الأغصان لما انثنت ... أمام بدر التم في غيهبه بنت مليك خلف شباكها ... تفرجت منه على موكبه قال البدر الدماميني: ظاهر عبارته تشبيه الأغصان في حالة انثنائها أمام البدر في الدجى ببنت مليك تطل من شباكها للنظر في موكب أبيها, وذلك عن مظان التشبيه بمعزل, ومقصوده أن البدر في حالة ظهوره من خلال الأغصان المنثنية على الصفة المذكورة, يشبه بنت مليك على تلك الحالة تمثيلا للهيئة الاجتماعية, لكن اللفظ لا يساعده على ذلك المطلوب, فانه جعل الأغصان مبتدأ وأخبر عنه بقوله: بنت مليك, فلم يتم له المراد. على انه مع ما فيه مأخوذ من قول ابن قرناص الحموي: وحديقة عناء ينتظم الندى ... بفروعها كالدر في الأسلاك والبدر يشرق من خلال غصونها ... مثل المليح يطل من شباك ومما عابوه من التشبيه قول ابن وزير في تشبيه الماء الجاري على الرخام: لله يوم بحمام نعمت به ... والماء ما بيننا من حوضه جار كأنه فوق شفاف الرخام ضحى ... ماء يسيل على أثواب قصار وإياه عنى ابن الذروي بقوله: لشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط الذكاء أقام يجهد أياما قريحته ... فشبه الماء بعد الجهد بالماء وبلغ الآخر من السخافة أقصى غاياتها حيث قال: كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء وقد يتصرف في التشبيه القريب المبتذل بما يجعله غريبا, ويخرجه من الابتذال, كقول أبي الطيب: لم تلق هذا الوجه شمس نهارها ... إلا بوجه ليس فيه حياء فان تشبيه الوجه الحسن بالشمس قريب مبتذل, لكن حديث الحياء أخرجه نم الابتذال إلى الغرابة, لاشتماله على زيادة دقة وخفاء. ومثله قول الآخر: إن السحاب لتستحي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها وكقول رشيد الدين الوطواط: عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول وقول البديع الهمذاني: وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر ذهبا والبدر لو لم يغب والشمس لو انطلقت ... والأسد لو لم تصد والبحر لو عذبا فان الشروط المذكورة أخرجت التشبيهات المبتذلة إلى الغرابة. وهذا يسمى التشبيه المشروط, وقد يتصرف في القريب الإجمالي بما يخرجه إلى الغريب التفصيلي. كقول ابن بابك: ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى ... نسيمك مسروق ووصفك منتحل حكيت أبا سعد فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى ولك الملل فان تشبيه نشر الرياض بنشر الممدوح قريب إجمالي, ولكن ادعاء كونه مسروقا من نشر الممدوح, والاستدراك المذكور, أخرجه إلى الغرابة والتفصيل. ومثله قول الآخر: فو الله ما أدري أزهر خميلة ... بطرسك أم در يلوح على نحر فإذا كان زهرا فهو صنع سحابة ... وإن كان درا فهو من لجة البحر فإذا نظرت إلى تشبيه الخط الحسن بالزهر والدر, كان قريبا إجماليا, وإذا قيد بقوله: خميلة, المفيدة لنضارة الزهر الموجبة لزيادة الحسن, وقوله: على نحر, المفيد لملاحظة بياض الطرس خرج إلى الغرابة والتفصيل, لكن يقرب تعاطيها, فإذا أخذ معهما معنى حسن التحليل الذي يلوح من قوله: صنع سحابة, ولج البحر, بعدا وزاده في الحسن. وقد يعتبر الحسن بالجمع بين عدة تشبيهات, وإن كان كل واحد منها منفردا غير مستحق للتحسين, لأن الواحد منها قد يسبق إليه كل ذهن, وأما الجمع بينها فيتوقف على فكر وهو على نوعين: أحدهما, أن يؤتى لمشبه واحد بتشبيهات كثيرة كقول البحتري: كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح الثاني, أن تؤخذ أعضاء أو أحوال الشخص, فيشبه كل منها بشيء على الترتيب كقول ابن سكرة: أنا من خده وعينيه والثغ ... ر ومن ريقه البعيد المرام بين ورد ونرجس وتلالي ... أقحوان وبابلي المدام الفصل الخامس في الأداة .

стр. 411

وهي ما يتوصل به إلى وصف المشبه بمشاركته للمشبه به في الوجه وهي (الكاف) نحو قولك: زيد كالأسد, و (كأن) نحو زيد كأنه أسد, و (مثل) نحو قولك: هو مثل الأسد, وما في معنى (مثل) كلفظة (نحو) وما يشتق من لفظة (مثل) و (شبه) من المسائلة والمشابهة وما يؤدي معنى ذلك: كالمضاهاة, والمحاكاة, والمساواة, والمناظرة. والأصل في الكاف ونحوها أن يليها المشبه به, وقد يليها مفرد لا يتأتى التشبيه به, وذلك إذا كان المشبه به مركبا, كقوله تعالى "مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح" إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء, بل المراد تشبيه حالها في نضرتها وبهجتها, وما يتعقبها من الهلاك والفناء, بحال النبات الحاصل من الماء, يكون أخضر ناضرا شديد الخضرة ثم ييبس فتطيره الرياح كأن لم يكن. وأما قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله" فليس من هذا القبيل, أعنى مالا يلي المشبه به (الكاف) لأن التقدير: كونوا كالحواريين أنصارا لله وقت قول عيسى: من أنصاري إلى الله, على أن (ما) مصدرية, والزمان مقدر, كقولهم: آتيك خفوق النجم؛ أي زمان خفوقه, فالمشبه به وهو كون الحواريين أنصارا لله مقدر يلي الكاف, حذف لدلالة ما أقيم مقامه عليه, إذ لا يخفى أن ليس المراد تشبيه كون المؤمنين أنصارا بقول عيسى للحواريين: من أنصاري إلى الله. وقد يذكر فعل ينبئ عن حال التشبيه من القرب والبعد, كما في (علمت زيدا أسدا) , إن قرب التشبيه أو أريد أنه مشابه للأسد مشابهة قوية لما في العلم من التحقيق, وكما في (حسبت) أو (خلت زيدا أسدا) أن بعد التشبيه أدنى بعد, لما في الحسبان من الدلالة على الظن دون التحقيق. وهذا تمام الكلام في الأشياء الخمسة التي يستدعيها التشبيه. وبقى الكلام في أقسامه, فإن له تقسيما باعتبار طرفيه, وآخر باعتبار الغرض, وآخر باعتبار الأداة. وأما تقسيمه باعتبار طرفيه فهو أربعة أقسام: الأول - تشبيه المفرد بالمفرد. وهما غير مقيدين, كتشبيه الخد بالورد, أو مقيدان كقولهم: هو الراقم على الماء, فإن المشبه هو الساعي المقيد بان لا يحصل من سعيه على شيء, والمشبه به هو الراقم المقيد بكون رقمه على الماء, لان وجه الشبه فيه هو التسوية بين الفعل وعدمه, وهو موقوف على اعتبار هذين القيدين. أو مختلفان, أي أحدهما غير مقيد والآخر مقيد, كقوله: والشمس كالمرآة في كف الأشل, فإن المشبه وهو الشمس غير مقيد, والمشبه به وهو المرآة مقيد بكونه في كف الأشل, وعكسه كتشبيه المرآة في كف الأشل بالشمس. الثاني -تشبيه المركب بالمركب. وهو ما طرفاه كثرتان مجتمعان, كما في قول البحتري: ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام لا يريد به تشبيه بياض الحجول على الانفراد بالبرق, بل مقصوده الهيئة الخاصة الحاصلة من مخالفة أحد اللونين بالآخر, ومنه بيت بشار السابق ذكره. الثالث -تشبيه المفرد بالمركب. كما مر من تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت منشورة على رماح من زبرجد. الرابع -تشبيه المركب بالمفرد. كقول أبي تمام: يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربى فكأنما هو مقمر شبه النهار المشمس الذي اختلط به أزهار الربوات, فنقصت باخضرارها من ضوء الشمس حتى صارت تضرب إلى السواد, بالليل المقمر, فالمشبه مركب, والمشبه به مفرد. وأيضا أن تعدد طرفاه فهو إما ملفوف أو مفروق فالملفوف أن يؤتى على طريق العطف أو غيره بالمشبهات أولا, ثم بالمشبه به. كقول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي والمفروق أن يؤتى بمشبه ومشبه به, ثم آخر وآخر. كقول ابن سكرة: الخد ورد والصدغ غالية=والريق خمر والثغر من برد وإن تعدد طرفه الأول (أعني المشبه) دون الثاني سمي تشبيه التسوية. كقول الآخر: صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كاليالي وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلي وإن تعدد طرفه الثاني -أعني المشبه به- دون الأول, سمي تشبيه الجمع. كقول الصاحب بن عباد:

стр. 412

أتتني بالأمس أبياته ... تعلل روحي بروح الجنان كبرد الشباب وبرد الشراب ... وظل الأمان ونيل الأماني وعهد الصبا ونسيم الصبا ... وصفو الدنان ورجع القيان وأما تقسيمه باعتبار وجهه فهو: إما تمثيل, وإما مجمل أو مفصل, وإما قريب أو بعيد. فالتمثيل: ما وجهه وصف منتزع من متعدد أمرين, أو أمور, كما مر من تشبيه الثريا, والتشبيه في بيت بشار, وتشبيه الشمس بالبوتقة المحماة, وتشبيهها بالمرآة في كف الأشل, إلى غير ذلك, وغير التمثيل ما كان بخلاف ذلك كما سبق في الأمثلة المذكورة. كقول أبي بكر الخالدي: يا شبيه البدر حسنا ... وضياء ومنالا وشبه الغصن لينا ... وقواما واعتدالا أنت مثل الورد لونا ... ونسيما وملالا زارنا حتى إذا ما ... سرنا بالقرب زالا والقريب: هو الذي ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر لظهور وجهه. والبعيد بخلافه, وقد سبق بيانهما في الفصل الرابع. وأما تقسيمه باعتبار الغرض فهو: إما مقبول أو مردود, وقد مر بيان ذلك في الأحوال. وأما (تقسيمه) باعتبار الأداة فهو: إما مؤكد أو مرسل. فالمؤكد: ما حذفت أداته كقوله تعالى "وهي تمر مر السحاب". وقول الحماسي: هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقاهم بهم والمرسل: ما ذكرت أداته كقوله تعالى "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا" وقوله تعالى "عرضها كعرض السماء والأرض" إلى غير ذلك. واعلم أن المشبه قد ينتزع من نفس التضاد, لاشتراك الضدين فيه, ثم ينزل منزلة بواسطة تمليح أو تهكم, فيقال للجبان: ما أشبهه بالأسد, وللبخيل: هو حاتم. ولنقتصر من الكلام على التشبيه على هذا المقدار, فقد طال بنا السرح وخرجنا عن شرط الاختصار, على أننا قد جاوزنا مخدراته في منصات الظهور, وأوردنا ما لا يسعى الأديب عن معرفته في المنظوم والمنثور, ولم نقتد بشراح البديعيات في طي الكلام على عزته في هذا الباب, فإن مقام التشبيه أشرف قدرا من أن يطوى عنه كشحا, ويضرب صفحا عند أولي الألباب. ولنذكر الآن جملة من محاسن التشبيهات على جاري عادتنا في هذا الكتاب. فمنها قول محمد بن عبد الله الكاتب: كأن الثريا صدر باز محلق ... سما حيث لا يبدو له غير جؤجؤ حكت طبقا فيروزجيا أديمه ... نثرن عليه سبع حبات لؤلؤ وقول ابن المعتز: كأن الثريا في أواخر ليلها=تفتح نور أو لجام مفضفض وقوله: وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدت من ثياب حداد وقوله: كأن الثريا فيه در تقاربت ... جمان وهي من سلكه فتبددا وقول التهامي: وللثريا ركود فوق أحلنا ... كأنها قطعة من فروة النمر (وقال) آخر: كأن الثريا والصباح يكدها ... قناديل رهبان دنت لخمود وقول ابن هاني الأندلسي من قصيدة: كأن رقيب النجم أجدل مرقب ... يقلب تحت الليل في ريشه طرفا كأن بني نعش ونعشا مطافل ... بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا كأن سهيلا في مطالع أفقه ... مفارق ألف لم يجد بعده ألفا كأن سهاها عاشق بين عواد ... فآونة يبدو وأونة يخفى كأن معلى قطبها فارس له ... لواءان مركوزان قد ذكره الزحفا كأن قدامى النسر والنسر واقع ... قصصن فلم تسمو الخوافي به ضعفا كأن أخاه حين دوم طائرا ... أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا كأن الهزيع الآبنوسي لونه ... سرى بالنسيج الخسرواني ملتفا كأن ظلام الليل إذ مال ميلة=صريع مدام بات يشربها صرفا كأن عمود الصبح خاقان معشر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى كأن لواء الشمس غرة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا أبو الحسن حازم بن محمد القرطاجني من قصيدة عارض بها قصيدة ابن هاني: كأن الدجى لما تولت نجومه ... مدبر حرب قد هزمنا له صفا أن عليه للمجرة روضة ... مفتحة الأنوار أو نثرة زغفا كأنا وقد ألقى إلينا هلاله ... سلبناه جاما أوب قصمنا له وقفا كان السها إنسان عين غريقة ... من الدمع يبدو كلما ذرفت ذرفا كأن سهيلا فارس عاين الوغى ... ففر ولم يشهد طرادا ولا زحفا

стр. 413

كأن سنا المريخ شعلة قابس ... تخطفها عجلان يقذفها قذفا كأن أفول النسر طرف تعلقت ... به سنة ما هب منها ولا أغفى وقول مؤلفه عفا الله عنه من قصيدة أولها: سرت سحرا والنجم للغرب مائل ... ولون الدجى من رهبة الصبح حائل وقد همت الظلماء بالأفق بالسرى ... كماهم بالسير الخليط المزائل كأن النجوم الزهر عيس نوافر ... كأن الدجى ركب من الزنج قافل كأن الثريا إذ تجلت خواتم ... تحدثت بها من كف خود أنامل كأن سهيلا للنجوم مراقب ... كأن السها صب من العشق ناحل كأن عري الأفق بيداء سملق ... كأن مبادي الصبح فيه مناهل فوافت يباريها الصباح مماثلا ... وهل يستوي مثلان حال وعاطل وله أيضاً من أخرى أولها: أحباي من الود مني فراسخ ... وإن حال دوني عن لقاكم فراسخ كأن نهاري بعدكم ناب حية ... وليلي إذا ما جن أسود سالخ نأيتم فما حر الفراق مفارق ... فؤادي ولا جمر الصبابة بايخ وكيف وأنفاسي من الشوق والجوى ... لنار الأسى بين الضلوع نواقح لئن نسخ البين المشت وصالنا ... فما هو للحب المبرح ناسخ وليل كيوم الحشر طولا أرقته ... وبين جفوني والمنام برازخ وكم ليلة مدت دجاها كأنما ... كواكبها فيها رواس رواسخ أرقت بها والصبح قد حالف الدجى ... فما نسرها سار ولا الديك صارخ كأن نجوم الأفق غاصة لجة ... توحلن فالأقدام منها سوائخ كأن حناديس الظلام أداهم ... لها غرر ملء الجباه شوادخ كأن سهيلا راح قابس جذوة ... فوافى وأنضاء النجوم روابخ كأن صغار الشهب في غسق الدجى ... فراخ نسور والبروج مفارخ كأن معلى القطب فارس حومة ... على قرنه في ملتقى الكر شامخ كأن رقيق الجو برد مفوف ... له موهن الظلماء بالمسك ضامخ كأن ذكا باعت من المشتري ابنها ... فلم تستقل بيعا ولا هو فاسخ ابن نباتة السعدي: وخطه ضيم قد أبيت وليلة ... سريت فكان المجد ما أنا صانع هتكت دجاها والنجوم كأنها ... عيون لها ثوب السماء براقع ابن طبا طبا: وقد لاحت الشعرى العبور كأنها ... تقلب طرف بالدموع هموع أبو نواس: ويمين الجوزاء تبسط باعا ... لعناق الدجى بغير بنان وكأن النجوم أحداق روم ... ركبت في محاجر السودان هارون العلمي دليل بن المهلب حين هرب من سجن عمر بن عبد العزيز: وقوم هم كانوا الملوك هديتهم ... بظلماء لم يؤنس بها المعين كوكب ولا قمر إلا ضئيل كأنه ... سوار حناه صائغ السور مذهب ابن المعتز: انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الحندسا كمنجل قد صيغ من عسجد ... يحصد زهر الدجى نرجسا وله: قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد قال آخر: يتلو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود السري الرفاء: ولاح لنا الهلال كشطر طوق ... على لبات زرقاء اللباس وله: أما رأيت الهلال يرمقه ... قوم أن رأوه أهلال كأنه قيد فضة حرج ... فض عن الصائمين فاختالوا علاء الدين النابلسي: هلال شوال ما زالت مطالعه ... يرنو إليه الورى من شدة الفرح كأصبعي كف ندمان أشار إلى ... ساق لطيف يروم الأخذ للقدح وقد جمع بعض الأفاضل في تشبيه الهلال ما يقارب السبعين. بديع الزمان الهمذاني: سماء الدجى ما هذه الحدق النجل ... أصدر الدجى حال وجيد الفصحى عطل لك الله من حزم أجوب جيوبه ... كأني في أجفان عين الردى كحل كأن الدجى نقع وفي الجو حومة ... كواكبها جند طوائرها رسل كأن القرى سكرى ولا سكر بالقرى ... كأن الثرى ثكلى وما بالثرى ثكل كأن مطايانا سماء كأننا ... نجوم على أقتابها برجها الرحل كأن السرى ساق كأن الكرى طلى ... كأنها لها شرب كأن المنى نقل كأنا جياع والمطي لنا فم ... كأن الفلا زاد كأن السرى أكل كأن ينابيع الثرى ثدي مرضع ... وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل

стр. 414

كأن فمي قوس لساني لها يد ... مديحي له نزع به أملي نبل كأن دوائي مطفل حبشية ... كأني لها بعل ونقشس لها نسل كأن يدي في الطرس غواص لجة ... له كلمي در به قيمي تغلو السكب المازني: كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل الصاحب بن عباد في الثلج: وكأن السماء صاهرت الأر_ض فكان النثار من كافور بعض شعراء المغرب في كوكب منقض: وكوكب أبصر العفريت مسترقا ... للسمع فانقض يذكي أثره لهبه كفارس حل أعصار عمامته ... فجرها كلها من خلفه عذبه سيف الدولة بن حمدان في قوس قزح: وساق صبيح للصبوح دعوته ... فقام في أجفانه سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فما بين منفض علينا ومنقض وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا ... على الجو دكناء الحواشي على الأرض يطرزها قوس السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر أثر مبيض كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض قال الثعالبي: هذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها السوقة. والبيت الأخير أخذ معناه أبو علي المؤدب البغدادي فقال في فرس أدهم محجل: لبس الصبح والدجنة بردي ... ن فأرخى بردا وقلص بردا الأديب أبو بكر بن بقي المغربي: وفتية لبسوا الأدراع تحسبها ... سلخ الأراقم إلا أنها رسب إذا الغدير كسا أعطافهم حلقا ... طفا من البيض في هاماتهم حبب المعتمد بن عباد: ولما اقتحمت الوغى دارعا ... وقنعت وجهك بالمغفر حسبنا محياك شمس الضحى ... عليها سحاب من العنبر بعضهم: وفحم كأيام الوصال فعاله ... ومنظره في العين يوم صدود كأن لهيب النار بين خلاله ... بوارق لاحت في غمائم سود الصنوبري في الشمعة: مجدولة في قدها ... حاكية قد الاسل كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل غيره فيها: كأنها نخلة بلا سعف ... تحمل جمارة من النار وقول الآخر: كأن دخان الند من فوق جمرها ... بقايا ضباب في رياض شقيق أبو علي الصنعي في المجمرة: هذي الشقائق قد أبصرت حمرتها ... مع السواد على قضبانها الذلل كأنها دمعة قد غسلت كحلا ... حارت بها وقفة في وجنتي خجل بعضهم في باكورة الورد: كم وردة تحكي بسبق الورد ... طليعة تسرعت من جند قد ضمتها في الغصن قرص البرد ... ضم فم لقبلة من بعد مجير الدين بن تميم: سيقت إليك من الحدائق وردة ... وأتتك قبل أوانها تطفيلا طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعت ... فمها إليك كطالب تقبيلا أيدمر المحيوي في النرجس: وكأن نرجسه المضاعف خائض ... في المياه لف ثيابه في رأسه القاضي التنوخي: ورياض حاكت لهن الثريا ... حللا كان غزلها للرعود نثر الغيث در دمع عليها ... فتحلت بمثل در العقود أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود وعيون من نرجس تتراءى ... كعيون موصولة التسهيد وكأن الشقيق حين تبدى ... ظلمة الصدغ في خدود الغيد وكأن الندى عليها دموع ... في جفون مفجوعة بفقيد السري الرفاء: وبكر شربناها على الورد بكرة ... فكانت لنا وردا إلى ضحوة الغد إذا قام مبيض اللباس يديرها ... توهمته يسعى بكم مورد أبو بكر الخالدي وهو نهاية في الخلاعة والظرف: كأنما من ثناياها ومبسمها ... أيدي الغمام سرقن البرق والبردا وقوله: ومدامة صفراء في قارورة ... زرقاء تحملها يد بيضاء فالراح شمس والحباب كواكب ... والكف قطب والأناء سماء أخوه أبو عثمان الخالدي: إن شهر الصيام إذ جاء في فص ... ل ربيع أودى بحسن وطيب فكأن الورد المضعف في الصو ... م حبيب يمشي بجنب رقيب بعضهم في (تشبيه) النار: انظر إلى النار وهي مضرمة ... وجمرها بالرماد مستور شبه دم من فواخت ذبحت ... وفوقه ريشهن منثور ابن نباتة السعدي في فرس محجل: تختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه

стр. 415

وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه ابن القيرواني: وأسرى نعاس يمموا كعبة الندى ... فهم سجد فوق المذاكي وركع على كل نشوان العنان كأنما ... جرى في وريديه الرحيق المشعشع شكائمها معقودة بسياطها ... تخال بأيدينا أراقم تلسع والبيت الآخر مأخوذ من قول أبي الطيب: تجاذب فرسان الصباح أعنة ... كأن على الأعناق منها أفاعيا ظافر الحداد: أنظر لقرن الشمس بازغة ... في الشرق تبدو ثم ترتفع كسبيكة الزجاج ذائبة ... حمراء ينفخها فتتسع ابن المعتز في الشمس والغيم: تظل الشمس ترمقنا بلحظ ... مريض مدنف من خلف ستر تحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنين يريد نكاح بكر ابن خفاجة الأندلسي: والنقع يكسر من سنا شمس الضحى ... فكأنه صدأ على دينار ابن النبيه: والظل يسبح في الغدير كأنه ... صدأ يلوح على حسام مرهف بعضهم: صل الراح بالراحات واغنم مسرة ... بأقداحها واعكف على لذة الشرب ولا تخش أوزارا فأوراق كرمها ... أكف غدت تستغفر الله للذنب آخر في مصلوب, وهو من الغايات: كأنه عاشق قد مد ساعده ... يوم الفراق إلى توديع مرتحل أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكسل وأما أحسن قول ابن حمديس فيه أيضاً: ومرتفع في الجذع إذ حط قدره ... أساء إليه ظالم وهو محسن كذي غرق مد الذراعين سابحا ... من الجو بحرا عومه ليس يمكن وتحسبه من جنة الخلد دانيا ... يعانق حورا لا تراهن أعين ولعمر الخياط فيه أيضاً: انظر إليه كأنه متظلم ... في جذعه لحظ السماء بطرفه بسط اليدين كأنه يدعو على ... من قد أشار على الأمير بحتفه ابن خفاجة: وأسود يسبح في لجة ... لا تكتم الحصباء غدرانها كأنها في شكلها مقلة ... زرقاء والأسود إنسانها الماموني في كوز أخضر: وبديعة للريم منها جيدها ... تتحير الأبصار في إبداعها كخريدة في مرط خز أخضر ... رفعت يدا لترد فضل قناعها بعضهم: بأبي حبيب زارني متنكرا ... فبدأ الوشاة له فولى معرضا فكأنني وكأنه وكأنها ... أمل ونيل حال بينهما القضا العناياتي: قلبي على قدك الممشوق بالهيف ... طير على الغصن أو همز على الألف الشيخ جمال الدين العصامي: فنجان قهوة ذا المليح وعينه ال ... كحلاء حارت فيهما الألباب فسوادها كسوادها وبياضها ... كبياضها ودخانها الأهداب ابن المعتز: كأنه وكأن الكأس في فمه ... هلال أول شهر غاب في الشفق ابن المنير الطرابلسي في النواعير: لنواعيرها على الماء ألحان ... تهيج الشجى لقلب المشوق فهي مثل الأفلاك شكلا وفعلا ... قسمت قسم جاهل بالحقوق بين عال خال ينكسه الده ... ر ويعلو بسافل مرزوق المفجع البصري في مغن جميل جدر فازداد حسنا: يا قمرا جدر حين استوى ... فزاده وزادت هموم كأنما غنى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم أبو جعفر الأعمى المغربي: هل استمالك جسم ابن الأمير وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء كالغصن باشر حر النار من كتب ... فظل من أعطافه الماء وقول الأبيوردي: بأبي ريم تبلج لي ... عن رضى في طية غضب وسعى بالكأس مترعة ... كضرام النار تلتهب فهي شمس في يدي قمر ... وكلا عقديهما الشنب وما أحسن قوله بعده: ولها من ذاتها طرب ... فلهذا يرقص الحبب آخر: وكأنه والكأس في يده ... فلهذا يرقص الحبب ابن المعتز في إبريق في فمه قطرة: كأن أبريقها والراح في فمه ... ديك تناول ياقوتا بمنقار ابن مكنسة: إبريقنا عاكف على قدح ... كأنه الأم ترضع الولدا أو عابد من بني المجوس إذا ... توهم الكأس شعلة سجدا أبو منصور البغوي: تراءت لنا من خدرها بسوالف ... كما لاح بدر من خلال سحاب وهز الصبا صدغا لها فوق خدها ... كما روحت نار بريش غراب أبو الفرج الببغاء:

стр. 416

والتهب نارها فمنظرها ... يغنيك عن كل منظر إذا رمت بالشرار واضطرمت ... على ذراها مطارف اللهب رأيت ياقوتة مشبكة ... تطير منها قراضة الذهب أبو الفضل الميكالي: تصوغ لنا كف الربيع حدائقا ... كقعد عقيق بين سمط لآلي وفيهن أنوار الشقائق قد حكت ... خدود عذارى نقطت بغوالي ابن المعتز: زارني والدجى أحم الحواشي ... والثريا في الغرب كالعنقود وهلال السماء طوق عروس ... بات يجلى على غلائل سود الصابي: قبلت منه فما مجاجته ... تجمع معنى المدام والشهد كأن مجرى سوكه برد ... وريقه ذوب ذلك البرد وتشبيه الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله: كأنما حلق السعدي منتثر ... على الثرى بين منفض ومنفصم حروف خط على طرس مقطعة ... جاءت بها يد غمر غير مفتهم ومن الغريب أن ابن جابر لم ينظم نوع التشبيه في بديعيته. وبيت بديعيتي العز الموصلي قوله: وقيل للبدر تشبيه إليه نعم ... نجم الثريا له كالنعل في القدم وبيت بديعية ابن حجا قوله: والبدر في التم كالعرجون صار له ... فقل لهم يتركوا تشبيه بدرهم الذي أراه أن هذا التشبيه غير صحيح, فإن القمر لا يطلق عليه اسم البدر إلا ليلة كماله, فتشبيهه بالعرجون لا وجه له. نعم لو قال: والقمر, كان صحيحا, كما قال تعالى "والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم". ثم قوله: في التم, حشو قبيح, لما علمت أن البدر اسم القمر ليلة تمامه. وبيت بديعية المقري قوله: أذكى مصابيح أنوار الهدى فمشت ... في ظلمة الشرك مشي النار في الظلم وبيت بديعية السيوطي قوله: وكم له معجزات لم يشن كسف ... شموسها لا كتشبيه بسحرهم وبيت بديعية العلوي: كأنه الموت أو كالشهد مطعمه ... في الحرب والسلم للأعداء والحشم وبيت بديعية الطبري: فاق الأنام فلا تشبيه بينهما ... صغرى عزائمه تزكو على الهمم هذا البيت ليس من التشبيه في شيء كما هو في الظاهر, ولا أعلم كيف خفي عليه ذلك مع ظهوره. وبيت بديعيتي هو قولي: ماضيه كالبرق والتشبيه متضح ... يلوح في أثره ما لاح صوب دم الفرائد إذا فرائد جيش عنده اتسقت ... مشى العرضنة والشعواء في ضرم هذا النوع يختص بالفصاحة دون البلاغة, لأنه عبارة عن الإتيان بلفظة فصيحة, تتنزل منزلة الفريدة من القصيدة, وهي الجوهرة التي لا نظير لها, تدل على عظم فصاحة المتكلم وقوة عارضته, وجزالة غريبته, بحيث لو أسقطت من الكلام عري من الفصاحة, كقوله تعالى "الآن حصحص الحق" فلفظة (حصحص) فريدة, يعسر على الفصحاء الإتيان بمثلها في مكانها. ومثلها لفظة (الرفث) في قوله تعالى "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم". ولفظة (فزع) في قوله تعالى "حتى إذا فزع عن قلوبهم". و"خائنة" في قوله تعالى "خائنة الأعين". ومثاله في الشعر قول أبي بكر الهدلي: ومبرء من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل فقوله: غبر, بضم الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعدها راء مهملة, بمعنى بقايا الحيض, أنصح لفظ لمثل هذا المكان, وقوله: مغيل, اسم فاعل من أغيلت المرأة ولدها, إذا أرضعته وهي حامل, ويقال: أغالته أيضاً فهي مغيل, كمفيد, والولد مغال ومغيل. وفي حديث (لقد هممت أن أنهي عن الغيلة, ثم ذكرت أن فارس والروم يفعلون ذلك فلا يضرهم) . وقول حسان: كم قد ولدنا من نجيب قسور ... دامي الأظافر أو ربيع ممطر سدكت أنامله بمرهف باتر ... وتثير فائدة وذروة منبر الشاهد, في قوله: سدكت أنامله, فإن لفظة (سدكت) فريدة لا يقوم مقامها غيرها. يقال: سدك به كف, أي لزمة. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: ومن له حاور الجذع اليبيس ومن ... بكفه أورقت عجراء من سلم الشاهد في قوله: عجراء وهي العصا المعقدة. قال في شرحه: ولا يعبر عن صلابة العصا وتعقدها بمثلها. ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: وشم وميض بروق من فرائده ... وانظم حنانيك عقدا غير منفصم

стр. 417

قال في شرحه الفرائد في هذا البيت ثلاثة, هي, شم وحنانيك ومنفصم. وأنا أقول: أما قوله: شم, فمسلم على أنها لفظة فصيحة في نفسها, إلا أنها وقعت في غير موقعها, لأن معناها -على ما في القاموس- تحنن علي مرة بعد مرة, وهذا المعنى لا يناسب المقام كما لا يخفى. وأما قوله: منفصم, فليس بتلك المثابة من الفصاحة, والفصم -على ما في الصحاح- كسر الشيء من غير أن يبين, فجعله صفة للعقد إنما هو على طريق التوسع, فلو لم تكن القافية ميمية إذا أسقطت عري الكلام عن الفصاحة. والفرائد في بيت ابن حجة جرى على العكس من ذلك في اللفظين المذكورين والله أعلم. وبيت بديعية المقري قوله: لقد سما في تضاعيف السما رتبا ... حديثها كان قبل الكون في القدم قال في شرحه: الفريدة فيه: تضاعيف. وبيت بديعية العلوي قوله: فالقبض والبسط للأكوان قد جمعا ... في كفه ونمير مقنع لظمي الفريدة فيه: نمير مقنع. وبيت بديعيتي قولي: إذا فرائد جيش عنده اتسقت ... مشى العرضنة والشعواء في ضرم الفرائد فيه: اتسقت, والعرضنة, والشعواء. يقال: هو يمشي العرضنة: إذا مشى مشية في شق من نشاطه, وهي بكسر العين وفتح الراء المهملتين وبعدها ضاد معجمة ساكنة ثم نون مفتوحة, والشعواء: الغارة الغاشية المتفرقة. ولم ينظم السيوطي, ولا الطبري, هذا النوع والله أعلم. التصريع كفاه نصرا على تصريع جيشهم ... رعب تراع له الآساد في الأجم التصريع عبارة عن استواء آخر جزء في صدر البيت وعجزه, في الوزن والروي والإعراب, ولا يعتبر فيه قاعدة العروضيين في الفرق بين المصرع والمقفى باصطلاحهم. قال قدامه: الفحول والمجيدون من الشعراء, من القدماء والمحدثين, يجعلون قافية المصراع الأول من القصيدة مثل قافيتها, وربما صرعوا أبياتا أخر من القصيدة بعد البيت الأول, وذلك يكون من اقتداء الشاعر, وسعة تبحره. كقول أوس بن حجر في قصيدة أولها: ودع لميس وداع الصارم اللاحي ... قد فنكت في فساد بعد إصلاح ثم أتى بأبيات أخر وقال: إني أرقت ولم تأرق معي صاحي ... لمستكف بعيد النوم نواح وقال ابن الأثير: التصريع ينقسم إلى سبع مراتب: الأولى: أن يكون كل مصراع مستقلا بنفسه في فهم معناه, ويسمى التصريع الكامل. كقول امرئ القيس: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرما فأجملي الثانية: أن يكون الأول غير محتاج إلى الثاني, فإذا جاء, جاء مرتبطا به. كقوله أيضاً: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل الثالثة: أن يكون المصراعان بحيث يصح وضع كل واحد منهما موضع الآخر. كقول ابن الحجاج: من شروط الصبوح في المهرجان ... خفة الشرب مع خلو المكان الرابعة: أن لا يفهم معنى الأول إلا بالثاني. كقول أبي الطيب: مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان الخامسة: أن يكون التصريع بلفظة واحدة في المصراعين, ويسمى التصريع المكرر, وهو ضربان, لأن اللفظة إما متحدة المعنى في المصراعين. كقول عبيد بن الأبرص: فكل ذي غيبة يؤب ... وغائب الموت لا يؤب وإما مختلفة المعنى لكونه مجازا كقول أبي تمام: فتى كان شربا للعفاة ومرتعا ... فأصبح للهندية البيض مرتعا السادسة: أن يكون المصراع الأول معلقا على صفة يأتي ذكرها في أول الثاني, ويسمى التعليق. كقول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل إلا انجلي ... بصبح وما الاصباح منك بأمثل وهذا معيب جدا. السابعة: أن يكون التصريع في أول البيت مخالفا لقافيته (ويسمى التصريع) المشطور. كقول أبي النواس: أقلني قد ندمت الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود فصرع بالباء, ثم قفاه بالدال. انتهى. ولا يخفى أن هذه خارجة عما نحن فيه. وبيت بديعية الصفي قوله: لاقاهم بكماة عند كرهم ... على الجسوم دروع من قلوبهم ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع وبيت بديعية العز الموصلي قوله: لا زال بالعزمات الغر والهمم ... يصرع الضد بالتشطير للقمم وبيت بديعية ابن حجة قوله:

стр. 418

تصريع أبواب عدن يوم بعثهم ... يلقاه بالفتح قبل الناس كلهم وبيت بديعية المقري: يسطو بكف يد كفت يد العدم ... تجلو الخطوب وتمحو البؤس بالنعم وسيأتي بيتا بديعيتي السيوطي والطبري في نوع التصريع, فإنهما جمعا بين النوعين في بيت واحد. وبيت بديعية العلوي قوله: فاق النبيين في فضل وفي كرم ... وفي فخار وفي عز وفي شيم وبيت بديعيتي قولي: كفاه نصرا على تصريع جيشهم ... رعب تراع له الآساد في الاجم مثل ضربة في الاستعمال, فجعل لها قافية مثل قافيته, ولوازم كلوازمه من الحروف والحركات, سمي البيت مقفى, وإن كان عروضه مخالفا لضربه في الاستعمال, فجعلت في البيت كالضرب, فيلزمها ما يلزم الضرب, سمي البيت مصرعا. وكل بيت مصرع فعروضه على زنة ضربه, أو على ما يجوز أن يكون ضربه عليه, وإذا لم يكن مقفى ولا مصرعا سمي مصمتا. والعروض آخر المصراع الأول من البيت, والضرب آخر المصراع الثاني منه, والله أعلم. الاشتقاق لم تبق بدر لهم بدرا وفي أحد ... لم يبق من أحد عند اشتقاقهم هذا النوع استخرجه أبو هلال العسكري في كتابه المعروف بالصناعتين, وذكره في آخر أبواب البديع منه, وعرفه بأن قال: هو أن يشتق من الاسم العلم معنى في غرض يقصده المتكلم من مدح, أو هجاء, أو غير ذلك. كقول ابن زيد في نفطويه النحوي: لو أوحي إلى نفطويه ... ما كان هذا النحو يعزى إليه أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقي صراخا عليه ومنه قول ابن الرومي: كأن أباه حين سماه صاعدا ... رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد وقول أبي العلاء المعري: وقد سماه سيده عليا ... وذلك من علو القدر فال وهو مأخوذ من قول أبي الطيب: في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجبا واستأذن الحاجب يوما على الصاحب لإنسان يعرف بالطرسوسي, فقال: الطرفي لحيته والسوس في حنطته. وكتب ابن سكرة إلى ابن العصب الملحي: يا صديقا أفادنيه زمان ... فيه ضن بالأصدقاء بين شخص وبين شخصك بعد ... غير أن الخيال بالوصل سمح إنما باعد التآلف منا ... إنني سكر وانك ملح فأجابه بأبيات منها: هل يقول الأخوان يوما لخل ... شاب منه محض المودة قدح بيننا سكر فلا تفسدنه ... أو يقولون بيننا وبينك ملح ومنه قول أبي الحسن الباخرزي: غيداء أغوى وأودى حبها وكذا ال ... غيداء غي وداء لفقا لقبا وبيت صفي الدين قوله: لم يلق مرحب منه مرحبا ورأى ... ضد اسمه عند هد الحصن والأطم ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع وبيت بديعية العز الموصلي قوله: ميم وحا في اشتياق الاسم محو عدى ... والميم والدال مد الخير للأمم وبيت بديعية ابن حجة قوله: محمد أحمد المحمود مبعثه ... كل من الحمد تبيين اشتقاقهم وبيت السيوطي قوله: وأحمد الناس والمحمود شق له ... من وصفه الحمد وصفا غير منهضم وبيت العلوي قوله: بالوضع كسرى التقى كسرا بدولته ... وقيصر قصرت عنه علا الهمم وبيت الطبري قوله: محمد المصطفى المحمود في خلق ... أكرم بمشتق حمد مفرد علم وبيت بديعيتي قولي: لم تبق بدر لهم بدرا وفي أحد ... لم يبق من أحد عند اشتقاقهم الاشتقاق في هذا البيت ظاهر, وهو في موضعين, أحدهما: اشتقاق بدر, بمعنى القمر ليلة كماله من بدر بمعنى الموضع الذي كان فيه الوقعة المشهورة, التي نصر الله فيها رسوله ﵌. والثاني: اشتقاق أحد, بمعنى واحد من أحد بضمتين: اسم جبل بقرب المدينة المنورة, وكانت به الوقعة المشهورة أيضاً في أوائل شوال سنة ثلاث من الهجرة.

стр. 419

فان قلت: إن وقعة أحد لم ينتصر فيها المسلمون, بل انكسر فيها عسكر الإسلام, فكيف قلت: وفي أحد لم يبق من أحد؟ قلت: قال الواقدي: قالوا: ما ظفر الله نبيه في موطن قط ما ظفره وأصحابه يوم أحد, حتى عصوا الرسول, وتنازعوا الأمر. لقد قتل أصحاب لواء المشركين, وانكشف المشركون لا يلوون, ونساؤهم يدعون بالويل والثبور, بعد ضرب الدفاف والفرح. وقد روى كثير من الصحابة ممن شهد أحدا قال كل واحد: إني لأنظر إلى هند وصواحبها ينهزمن ما دون أخذهن شيئا لمن أراده, ولكن لا مرد لقضاء الله. والواقعة مشهورة مسطورة في كتب السير, والله أعلم. السلب والإيجاب لا يسلب القرن إيجابا لرفعته ... ويسلب النقص من أفضاله العمم هذا النوع, زعم ابن أبي الأصبع انه من مستخرجاته, وهو موجود في كتب القدماء الذين نقل عنهم ككتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري, وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي, وبديع شرف الدين التيفاشي, وذكره عز الدين الزنجاني في معيار النظار. قال العسكري: هو أن يتبنى الكلام على نفي الشيء من جهة, وإثباته من جهة أخرى, أو الأمر به من جهة, والنهي من جهة أخرى, وما أشبه ذلك, كقوله تعالى "فلا تخشوا الناس واخشون". ومن النظم قول امرئ القيس: هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... وتملأ منها كل حجل ودملج وقول الحماسي: لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن وقوله: وننكر أن شيئاً على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حيث نقول وقال ابن أبي الاصبع في تقرير هذا النوع: هو أن يقصد المادح أفراد ممدوح بصفة لا يشركه فيها غيره, فينفيها في أول كلامه عن جميع الناس, ويثبتها لممدوحه بعد ذلك. كقول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناول ... من المجد إلا والذي نلت أطول ولا بلغ المهدون للناس مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل وهذا التقرير داخل في حد العسكري لهذا النوع. ومن أمثلته قول الآخر: خلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا وقول ابن عياش الأندلسي: ولله سيف ليس يكهم حده ... على أنه إن لم تقلده يكهم وبيت بديعية الصفي قوله: أغر لا يمنع الراجين ما طلبوا ... ويمنع الجار من ضيم ومن حرم ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع. وأما الشيخ عز الدين الموصلي, فرأيت ابن حجة أورد له في هذا النوع بيت نفي الشيء بإيجابه بعينه, وهو: لم ينف ذما بإيجاب المديح فتى ... إلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم وقد مر الكلام على هذا البيت في النوع المذكور, وأسلفنا أنه ليس فيه معنى غير لفظتي النفي والإيجاب. وإما كونه يصلح شاهدا لهذا النوع -أعني السلب والإيجاب- كما تقتضيه إعادته في هذا النوع, فمنعه أظهر. وبيت بديعية ابن حجة قوله: إيجابه بالعطايا ليس يسلبه ... ويسلب المن منه سلب مخترم وبيت بديعية المقري قوله: ما مل حرب أعادي الله صارمه ... ومل أحشاءهم في كل مضطرم قال في شرحه: الإيجاب فيه بلفظة مشتركة حملها لمعنى آخر, فإن قوله (ما مل حرب أعادي الله) من الملالة, وقوله (ومل أحشاءهم) يعني, أحرقها بالنار, ولا يخفى أنه خرج بهذا الحمل عما نحن فيه. ولم ينظم السيوطي, ولا الطبري هذا النوع. وبيت بديعية العلوي قوله: ولا يمن ولو أعطى الوجود فتى ... لكن يمن على الأسرى بفكهم وبيت بديعيتي قولي: لم يسلب القرن إيجابا لرفعته ... ويسلب النقص من أفضاله العمم المشاكلة يجزي العداة بعدوان مشاكلة ... والفضل بالفضل ضعفا في جزائهم المشاكلة في اللغة: المشابهة والموافقة, وفي الاصطلاح: ذكر الشيء بلفظ غيره, لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا. فالأول: كقوله تعالى "وجزاء سيئة سيئة مثلها" فإن الثانية لكونها حقة لا تكون سيئة, لكن لوقوعها في صحبة الأولى عبر عنها بالسيئة. وقوله تعالى "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك" أي تعلم ما أخفيه من معلوماتك فلما عبر عن الأول بما في نفسي, عبر عن الثاني بما في نفسك مشاكلة, لأن الحق تعالى وتقدس لا يستعمل في حقه لفظة النفس. وقول الشاعر:

стр. 420

قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخة ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا ذكر خياطة الجبة بلفظ الطبخ لوقوعها في صحبة الطعام, ولا يلزم تقديم الصاحب لمجيئه متأخرا, كقوله ﵇ (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ فعليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا) فعبر عن قطع الثواب بالملل لوقوعه في صحبته وهو متأخر عنه. وقول أبي تمام: من مبلغ أفناء يعرب كلها ... إني بنيت الجار قبل المنزل فبناء الجار إنما سوغه بناء المنزل وهو متأخر عنه. وأحسن ما اعتذر به عن قول أبي تمام: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي انه من هذا الباب, وإن إثبات الماء للملام بمشاكلة ماء البكاء المتأخر عنه. واستشهد كثير لهذا النوع بقول ابن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا قالوا: سمى جزاء الجهل جهلا مشاكلة. واعترض بأنه إنما كان جهلا للزيادة على جهل الأول, فهو أيضاً جاهل متعد كالأول, وغاية ما يمكن أن يقال في جوابه: إن الزيادة على جهل الظالم في مكافأة ظلمه ليس ظلما في اعتقاد الشاعر, لأن الجهل عنده ما لا يكون له سبب يحال عليه عادة, والأول كذلك, وأما الثاني وإن زاد فيصح أن يحال على الأول. والثاني: وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تقديرا, كقوله تعالى "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون" فقوله: صبغة الله, مصدر مؤكد منتصب عن قوله: آمنا بالله, لأن الإيمان يطهر النفوس, فعبر عن الإيمان بالصبغة وإن لم يقع في الصبغ. لأن سبب النزول دال عليه, وذلك أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم, فعبر عن مقابله من تطهير القلوب بالإيمان بصبغة الله مشاكلة, لوقوعه في صحبة صبغة النصارى تقديرا وإن لم يذكر ذلك لفظا, وهذا كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان, تريد رجلا يصطنع الكرام ويحسن إليهم, فتعبر عن الاصطناع بلفظ الغرس للمشاكلة, وقرينة الحال, حيث كان مشغولا بالغرس وإن لم يكن له ذكر في المقال. حكي أن فقيراً وقف على بعض الولاة وهو يغرس فسيلا فأنشده: إن الولاية لا تدوم لواحد ... إن كنت تنكره فأين الأول فاغرس من الفعل الجميل غرائسا ... فإذا عزلت فإنها لا تعزل وأرباب البديعيات إنما بنوا أبياتهم على النوع الأول, وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تحقيقا لأنه الأشهر والأكثر في الاستعمال. وبيت بديعية الصفي قوله: يجزي إساءة باغيهم بسيئة ... ولم يكن عاديا منهم على ارم وبيت بديعية ابن جابر قوله: سقاهم الغيث واستسقى لهم ذهبا ... فغير كفيه إن أمحلت لا تشم وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله: يجزي بسيئة للضد سيئة ... معنى مشاكلة من خير منتقم وبيت بديعية ابن حجة قوله: من اعتدى فبعدوان يشاكله ... لحكمة هو فيها خير منتقم وبيت بديعية المقري قوله: يضاعف الأجر والحسنى ويردع عن ... ظلم بظلم ويعفو عن كثيرهم وبيت بديعية العلوي قوله: إن الرحيم جزى بالسوء سيئة ... قطيعة العفو للأصحاب والرحم وبيت بديعية الطبري قوله: جازى بالإحسان إحسانا مشاكلة ... وألف اللفظ بالمعنى لملتئم وبيت بديعيتي قولي: يجزى العداة بعدوان مشاكلة ... والفضل بالفضل ضعفا في جزائهم ما لا يستحيل بالانعكاس ألم يفد أجر بر جاد في ملأ ... لم يستحل بانعكاس عن عطائهم هذا النوع سماه السكاكي مقلوب الكل, وبعضهم المقلوب المستوي, وعرفه الحريري في مقاماته بما لا يستحيل بالانعكاس, وهو أن يكون الكلام بحيث إذا قلبته أي ابتدأت به من حرفه الأخير إلى حرفه الأول كان إياه, وهو قد يقع في النثر وقد يقع في النظم. أما وقوعه في النثر فكقوله تعالى "كل في فلك" وقوله "ربك فكبر" وقول النبي ﵌ (يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارقا) . وقول الحريري: كبر أجر ربك. وقول القاضي الفاضل: أبدا لا تدوم إلا مودة الأدباء. وقال العماد الكاتب للقاضي الفاضل وقد مر عليه راكبا فرسا: سر فلا كبابك الفرس, فقال له القاضي الفاضل: دام علا العماد.

стр. 421

وقال ابن البارزي: سور حماة بربها محروس. وقول الصفي الحلي: كن كما أمكنك. وقول آخر: كبرت آيات ربك. وقوله: مودتي يحيى تدوم. وقوله: حوت فمه مفتوح. وقوله: عقرب تحت برقع. وقول مؤلفه: أمحمد دم حما. وأما وقوعه في النظم فقد يكون في شطر البيت كقوله (أرانا الإله هلالا أنارا) , وقد يكون في البيت بتمامه. كقول الأرجاني: مودتي تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم وقول الآخر: أراهن نادمنه ليل لهو ... وهل ليلهن مدان نهار وقول الآخر: عج تنم قربك دعد آمنا ... إنما دعد كبرق منتجع وقول البحتري: أس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا وبيت بديعية صفي الدين الحلي قوله: هل من ينم بحب من ينم له ... إذا رموه بمن لم يدر كيف رمي ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: لم يستحل بانعكاس في سجيته ... مدن أخا طعم معط أخا ندم وبيت بديعية ابن حجة قوله: بحر وذو أدب بدا وذو رحب ... لم يستحل بانعكاس ثابت القدم وبيت بديعية المقري قوله: معط أخا كرم مرض أخا ندم ... مدن أخا ضرم مرك اخا طعم تبجح الشيخ بهذا البيت فقال: إن تكلف هذا البيت وركة ألفاظه ومعناه مما لا تسيغه الأسماع, ولا تقبله الطباع, ولاسيما الشطر الأخير, فإن الحرس عن مثله أفضل من النطق بكثير. وبيت بديعية العلوي قوله: أنلتنا موئلا واليوم أنت لنا ... حصن منيع به ننجو من السقم وبيت بديعية الطبري قوله: لم يستحل بانعكاس في مودته ... مسر أخا دهم مهد أخا رسم الذي أراه أن الطبري إنما لاحظ في هذا البيت عكس الألفاظ فقط, ولم يلتفت إلى أنه يفيد معنى أم لا. وبيت بديعيتي قولي: ألم يفد اجر بر في ملأ ... لم يستحل بانعكاس عن عطائهم أشرت في هذا البيت إلى ما صنعه ﵌ مع هوزان لما أسرهم, وأصاب من أموالهم وهم أظآره ﵇, لأن هوزان جد سعد بن بكر الذين هم قبيلة حليمة السعدية ظئره صلوات الله عليه, وهو سعد بن بكر بن هوزان. روى ابن فارس في كتابه في أسماء النبي ﷺ : أن في يوم حنين جاءته امرأة فأنشدته شعرا تذكره أيام رضاعته في هوزان, فرد عليهم ما أخذ, وأعطاهم عطاء كثيرا, حتى قوم ما أعطاهم ذلك اليوم فكأن خمسمائة ألف أوقية, وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله. وروي عن زهير بن صرد الجشمي أنه قال: لما أسرنا رسول الله ﵌ يوم حنين ويوم هوزان, وذهب يفرق السبي, قمت بين يديه وقلت: يا رسول الله, إنما في الحظائر خالاتك, وحواضنك اللاتي كفلنك, ولو أنا صافحنا ابن أبي شمر, أو النعمان بن المنذر, ثم أصابنا منهما مثل ما أصابنا منك, رجونا عفوهما وعطفهما, ثم أنشدته أبياتا منها: أمنن علينا رسول الله عن كرم ... فانك المرء نرجوه وننتظر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملؤه من محضها الدرر إذ أنت طفل كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر وألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر فقال رسول الله ﵌: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم, وقالت قريش كذلك, وقالت الأنصار كذلك. وأطلقهم جميعهم. إذا عرفت ذلك, فقولي: ألم يفد, استفهام إنكار, معناه: أفاد, أي أعطى, لأن الإنكار نفي وقد دخل على النفي, ونفي النفي إثبات. ومثل ذلك قوله تعالى "ألم نشرح لك صدرك" أي شرحنا. وقولي: أجر بر, أي جزاء بر, فإن الأجر معناه الجزاء على العمل, والبر: الصلة. وقولي: جاد, أي مطر, من قولهم: جادت السماء جودا بالفتح, أي أمطرت, والضمير فيه راجع إلى الأجر أفاده. وقولي: في ملأ, أي في قوم, والمراد بهم أظآره المذكورون الذين أعطاهم أجر برهم له صلوات الله وسلامه عليه, والله أعلم. التقسيم إن مد كفا لتقسيم النوال فهم ... ما بين معطى ومستجد ومستلم التقسيم في اللغة: التجزئة والتفريق, وفي الاصطلاح على نوعين: أحدهما: أن يذكر قسمة ذات جزئين أو أكثر, ثم يضيف إلى كل واحد من الأقسام ما يليق به. كقول المتلمس:

стр. 422

ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان غير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد ذكر العير والوتد, ثم أضاف إلى الأول الربط مع الخسف, وإلى الثاني الشج. وقول ربيعة الرقي: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم وقول أبي الفتيان ابن حيوس: ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر يقينك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وسيفك والنصر الثاني: أن يتقصى تفصيل ما ابتدأ به, ويستوفي جميع الأقسام الذي يقتضيها ذلك المعنى, كقوله تعالى "هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا" إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الغيث ولا ثالث لهذين القسمين, وقوله تعالى "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم" استوفى جميع هيئات الذاكر, وقوله تعالى "يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكوراً, ويزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما" استوفى جميع أحوال المشروحين ولا خامس لها. وكان الحسن البصري يقول: لا توبة لقاتل المؤمن متعمدا, فدس إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال: قل له: لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا (أو فاسقا) . فإن كان مؤمنا, فإن الله سبحانه يقول "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا", ويقول "توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون", وإن كان كافرا فانه تعالى يقول "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف", وإن كان منافقا فانه تعالى يقول "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا", وإن كان فاسقا فانه يقول "أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابو". فقال الحسن للرجل: من أين لك هذا؟ قال: شيء اختلج في صدري, قال: محال: أصدقني, فقال: عمرو بن عبيد, فقال عمرو وما عمرو, إذا قام بأمر قعد به, وإذا قعد بأمر قام به. ورجع عن قوله. وحكي أنه قدم وفد من العراق على هشام بن عبد الملك وفيهم رجل من بني أسد, فقال: يا أمير المؤمنين, أصابتنا سنون ثلاث. أما الأولى فأذابت الشحم, وأما الثانية فنخست اللحم, وأما الثالثة, فهاضت العظم, وفي أيديكم فضول أموال, فإن كانت لله فبثوها في عباد الله, وإن كانت لهم فلا تمنعوهم إياها, وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. فقال هاشم: ما ترك لنا في واحدة عذرا, ثم قال له: قد قلت في حاجة العامة فقل في حاجة نفسك, فقال: ما لي حاجة في خاصة دون عامة. ولما ورد قتيبة من مسلم خراسان قال: بلغني أن لعبد الله بن حازم بهذه البلدة مالا فمن كان في يده شيء منه فلينبذه, ومن كان في فمه فليلفظه, ومن كان في صدره فلينفثه, فتعجبوا من حسن تفصيله. ومثاله في الشعر قول نصيب: فقال فريق الحي لا وفريقهم ... نعم وفريق قال ويحك لا ندري وقول زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم وقوله: فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو شهود أو جلاء وروي أن عمر لما سمع هذا البيت قال: لو أدركت زهيراً لوليته القضاء. وقول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار: متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج فليس في أقسام ما وطي الوطي الشديد إلا أن يوجد إما رخوا فيرفض, أو صلبا فيتدحرج. وقول عمرو بن الأهتم: اشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل أو هارب أو أسير وقول أبي تمام في مجوسي أحرق بالنار: صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار وقول الآخر: ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع فان المشكو إليه إما أن يواسي الشاكي وهي الرتبة العليا, وإما أن يسليه وهي الرتبة الوسطى, وإما أن يتوجع وهي الرتبة السفلى. وفساد التقسيم يكون إما بالتكرار كقوله: فما برحت تومي إليك بطرفها ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل فتومي بطرفها وتومض متساويان في المعنى. أو بدخول أحد القسمين في الآخر كقول عدي:

стр. 423

غير ما أن أكون نلت نوالا ... من نداها عفوا ولا مهنيا فيجوز أن يكون العفو مهنيا وبالعكس. وقول البحتري: قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ... أو مغيثا أو عاذرا أو عذولا قال ابن الأثير في المثل السائر: وهذا من فساد التقسيم, فإن المشوق يكون حزينا, والمسعد يكون مغيثا, وكذلك قد يكون المسعد عاذرا. أو بترك بعض الأقسام كقول جرير: صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها وقال بواب المأمون يوما للوقوف على الباب: كم تقفون على الباب؟ اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تقفوا ناحية الباب, وإما أن تجلسوا في المسجد, ثم سكت, فقالوا: فالخصلة الثالثة؟ فلم يحسن أن يثلث, فقال: جئتمونا بكلام الزنادقة؟. فحدث به المأمون فضحك وأمر له بألف درهم, وقال: لولا أنها نادرة جهل لاستحق بها أكثر. وبيت بديعية الصفي قوله: أفنى جيوش العدى غزوا فلست ترى ... سوى قتيل ومأسور ومنهزم وبيت بديعية ابن جابر قوله: عيثان أما الذي من فيض أنمله ... فدائم والذي للمزن لم يدم وبيت بديعية العز الموصلي قوله: تقسيمه الدهر يوما أمسه كغد ... في الحلم والجود والأيفاء للذمم وبيت بديعية ابن حجة قوله: هداه تقسيمه حالي به صلحت ... حيا وميتا ومبعوثا مع الأمم رأيت في شرح بديعية ابن حجة مكتوبا على الهامش بإزاء هذا البيت ما نصه: شكر الله فضل أبي تمام, وجزاه عن المصنف خيرا. انتهى. يشير إلى أن التقسيم فيه مأخوذ من بيت أبي تمام المقدم ذكره, وهو: صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار وبيت بديعية المقري قوله: في الله أعطى وهل أبقت يد سمحت ... بالنفس والمال والأهلين والحشم هذا البيت فيه فساد التقسيم, فإن الأهل يدخلون في الحشم. قال في القاموس: حشم الرجل: خاصته الذين يغضبون له من أهل, وعبيد, وجيرة, وهو عيالة والقرابة أيضاً. انتهى. وبيت بديعية السيوطي قوله: تقسيمه الخزي في الكفار يوم وغى ... قتلا وسبيا وتشريدا لمنهزم وبيت بديعية العلوي قوله: مرآه كالبرق ترجوه وترهبه ... والقبض في كفه والبسط للاضم وبيت بديعية الطبري قوله: تقسيم آياته كالضب كلمه ... والجذع حن ونبع الما لريهم قال الشيخ صفي الدين في شرح بديعيته: اشترط البديعيون في التقسيم أن يستوفي أقسام القسمة, فلا يغادر منها قسما. انتهى. وعلى هذا فبيت الطبري خارج عن شرط البديعيين, لأنه لم يستوف أقسام الآيات. وبيت بديعيتي قولي: إن مد كفا لتقسيم النوال فهم ... ما بين معطى ومستجد ومستلم هذه الأقسام الثلاثة لا رابع لها, لأن العفاة عند مد الكف للعطاء, إما معطى, أو سائل, أو مستلم. لا يقال: قد يكون كل من هذه الأقسام داخلا في الآخر, لانا نقول: المراد في تلك الحالة الراهنة, فلا تداخل, والله أعلم. الإشارة درى إشارة من وافاه مجتديا ... فجاد ما جاد مرتاحا بلا سأم هذا النوع من مستخرجات قدامة. وهو عبارة عن أن يشير المتكلم إلى معان كثيرة بكلام قليل يشبه الإشارة باليد. فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء لو عبر عنها لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة. ومن شواهدها في الكتاب العزيز قوله تعالى "وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين". قال بعضهم: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه. وقوله تعالى "أخرج منها ماءها ومرعيها" دل بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض, قوتا ومتاعا للأنام, من العشب والشجر والحب والثمر, والعصف والحطب واللباس, والنار والملح. لأن النار من العيدان, والملح من الماء. وقوله تعالى "فأصدع بما تؤمر". قال ابن أبي الأصبع: المعنى: صرح بجميع ما أوحي إليك, وبلغ كل ما أمرت ببيانه وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت كالزجاجة. والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب, فيظهر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط, ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة. فانظر إلى جليل هذه الاستعارة وعظم أيجازها, وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة.

стр. 424

وقد حكي: إن بعض الأعراب لما سمع هذه الآية سجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. انتهى. وقوله تعالى "فغشيهم من اليم ما غشيهم" أي غشي آل فرعون وجنوده من البحر ما لا يدخل تحت العبارة, ولا يحيط به إلا علم الله تعالى من العذاب, والهلاك, والغضب والانتقام, والاستئصال إلى غير ذلك. دل على ذلك كله كلمة (ما) في قوله (ما غشيهم) . ومثل ذلك قوله تعالى "فأوحى إلى عبده ما أوحى". ومن الشعر قول امرئ القيس: على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان فانه أشار بقوله: أفانين جري, إلى جميع صنوف عدو الخيل المحمودة التي لو عبر عنها لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة, واحترز بنفي الكزوزة والونى من الحران, والجمام والعثور. وقوله: تظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في مقيل نحسه متغيب فدل باليوم اللذيذ على جميع ما احتوى عليه من المآكل والمشارب اللذيذة, والملاذ السماعية, وسرور النفس والارتياح, إلى غير ذلك مما لا يتسع له الحصر. وكذا في قوله: تحسه متغيب, من ذهاب الغموم والهموم, والمكاره والمخاوف ونحو ذلك. وبيت بديعية الصفي قوله: يولي الموالين من جدوى شفاعته ... ملكا كبيرا عدا ما في نفوسهم قال في شرحه: الإشارة فيه قوله: ملكا كبيرا. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: ما تشتهي النفس يهدى في إشارته ... تعطى فنونا بلا من ولا سأم وبيت بديعية المقري قوله: محرم قعدة لا في ربيع ندى ... أصب ما فيه لم يخطر على الهمم قال في شرحه: الإشارة فيه قوله: ما فيه لم يخطر على الهمم. وبيت بديعية السيوطي قوله: يا أكرم الرسل يا من في إشارته ... حوز المنى وبلوغ القصد من أمم وبيت بديعية العلوي قوله: يفيد بعض نوال أمته ... عزاً وذاماً عظيماً غير منصرم وبيت بديعية الطبري قوله: حوى فصائل لا حد يشار لها ... به فيفصح عنه واصف بفم وبيت بديعيتي قولي: درى إشارة من وافاه مجتدياً ... فجاد ما جاد مرتاحا بلا سأم الإشارة فيه قولي: فجاد ما جاد, على حد قوله تعالى "فأوحى إلى عبده ما أوحى" و"فغشيهم من أليم ما غشيهم" والله أعلم. تشبيه شيئين بشيئين شيئان شبههما شيئان منه لنا ... نداه في المحل مثل البرء في السقم هذا النوع عبارة عن أن يأتي المتكلم بشيئين, ويقابلهما بشيئين لأجل التشبيه, وهو على نوعين: أحدهما, أن يكون المقصود تشبيه كل جزء من جزء أحد طرفي التشبيه بما يقابله من الطرف الآخر. كقول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي شبه الرطب والطري من قلوب الطير بالعناب, واليابس بالحشف البالي. وليس تحت هذا أمر كبير, إذ ليس لاجتماعهما هيئة مخصوصة يعتد بها ويقصد تشبيهها, ولذا قال الشيخ في أسرار البلاغة: إنه إنما يستحق الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه, لا لأن للجمع فائدة في عين التشبيه. الثاني, أن يكون المقصود تشبيه هيئة حاصلة من مجموع جزئي أحد الطرفين بالهيئة الحاصلة من مجموع الطرف الآخر وإن كان الظاهر فيه تشبيه شيئين بشيئين, وهذا النوع هو الذي تعقد عليه الخناصر, ويعز وقوعه, لا مطلق تشبيه شيئين بشيئين, كما يقتضيه إطلاق شراح البديعيات, وهو على قسمين: أحدهما, ما يكون بحيث يحسن تشبيه كل جزء من جزئي أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الآخر كقوله: وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق فانك لو قلت: كأن النجوم درر, وكأن السماء بساط أزرق, كان تشبيها مقبولا حسنا, ولكن أين هو من المقصود من التشبيه وهو الهيئة التي تملأ القلوب سرورا وعجبا من طلوع النجوم صغارها وكبارها, مؤتلفة ومفترقة في أديم السماء وهي زرقاء رزقتها الصافية. الثاني, ما لا يكون بهذه الحيثية. كقول القاضي: أنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه

стр. 425

فانك لو قلت: كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة, وكأن المشتري شمعة, لم يكن شيئا, إذ المقصود تشبيه الهيئة الحاصلة من المريخ حال كون المشتري أمامه بالهيئة الحاصلة من المنصرف عن الدعوة مسرجا الشمعة قدامه. وإلى هذا أشار صاحب الكشاف حيث قال: أن العرب تأخذ شيئاً فرادى معزولا بعضها عن بعض وتشبهها بنظائرها, وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاءمت وتلاصقت, حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها. وهذا النوع يسميه أرباب البيان: تشبيه المركب بالمركب, وإنما أطلق عليه البديعيون: تشبيه شيئين بشيئين, باعتبار تعدد طرفيه. حكي عن بشار أنه قال: ما زلت منذ سمعت قول امرئ القيس يصف العقاب: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي لا يأخذني الهجوع حسدا له, إلى أن نظمت في وصف الحرب قولي: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وقد تقدم الكلام على هذا البيت في نوع التشبيهن ومرت لهذا النوع شواهد كثيرة هناك. وبيت بديعية الصفي قوله: تلاعبوا تحت ظل السمر من مرح ... كما تلاعبت الأشبال في الأجم ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: شيئان تشبيه شيئين أتنبه لهما ... حلم وجهل هما كالبرء والسقم الشيخ عز الدين جهل في هذا التشبيه جهلا لا يسعه حلم, فانه وقع في القصيدة من جملة المديح النبوي, وفيه الإيهام القبيح ما لا يخفى. نعوذ بالله من آفة الغفلة. وبيت بديعية ابن حجة: شيئان قد أشبها شيئين فيه لنا ... تبسم وعطا كالبرق في الديم وبيت بديعية المقري قوله: تراه في جيشه كالبدر في شهب ... بالبلق قد جال في الهيجاء بالدهم وبيت بديعية السيوطي قوله: شيئان قد أشبها شيئين منه على ... وجه وشعر كمثل البدر في الظلم وبيت بديعية العلوي قوله: فحوصه ولواه شافيان كما ... قدما شفى كفه والنفث من ألم وبيت بديعية الطبري قوله: تشبيه شيئين بالشيئين فيه هما ... النور والفيض مثل البدر والديم وبيت بديعيتي قولي: شيئان شبههما شيئان منه لنا ... نداه في المحل مثل البرء في السقم الكناية سامي الكناية مهزول الفصيل إذا ... ما جاءه الضيف أبدى بشر مبتسم الكناية في اللغة: مصدر قولك: كنبت بكذا عن كذا, وكنوت: إذا تركت التصريح. وفي الاصطلاح: ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر لازمه المساوي, لينتقل الذهن منه إلى اللزوم المطوي ذكره, كما يقال: فلان طويل النجاد, أي طويل القامة, فترك التصريح بطول القامة إلى ذكر لازمه المساوي وهو طول النجاد, لينتقل الذهي منه إلى طول القامة. وقولهم: فلان كثير الرماد, كناية عن أنه كثير القرى, لأن القرى إذا كثر كثر الرماد, وهي أبلغ من التصريح أجماعا, لأنك إذا أثبت كثرة القرى مثلا بإثبات شاهدها ودليلها, وما هو علم على وجودها, فهو كالدعوى التي معها شاهد ودليل, وذلك أبلغ من إثباتها بنفسها وأن كان لا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم. ألا ترى أنك تقول: فلان طويل النجاد, وإن لم يكن له نجاد قط, ولكن تجد اطمئنان النفس حينئذ أكثر. ومن أمثلتها في الشعر قول عمر بن أبي ربيعة: بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم كني عن طول جيدها ببعد مهوى القرط. وقول امرئ القيس: ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل أي أنها مرفهة مخدومة, غير محتاجة إلى السعي بنفسها في أصلاح المهمات. وذلك أن وقت الضحى وقت سعي نساء العرب في أمر المعاش, وكفاية أسبابه, وتحصيل ما يحتاج أليه من تهيئة المتناولات وتدبير إصلاحها, فلا ينام فيه من نسائهم إلا من يكون لها خدم ينوبون عنها في السعي لذلك. وإنها في بيتها متفضلة لا تشد نطاقها للخدمة. وقول ليلى الأخيلية: ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحيا سقيما كنت عن الجود بخرق القميص لجذب العفاة له عند ازدحامهم عليه لأخذ العطاء. وقول الحضرمي: قد كاد بعجب بعضهن براعتي ... حتى سمعن تنحنحي وسعالي كنى عن كبر السن بالتنحنح والسعال. وقول زهير:
следующие страницы →