← Адаб

Адаб · id 5446

أنوار الربيع في أنواع البديع

ابن معصوم الحسني

Полный текст (514 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال ابن البارزي: سور حماة بربها محروس. وقول الصفي الحلي: كن كما أمكنك. وقول آخر: كبرت آيات ربك. وقوله: مودتي يحيى تدوم. وقوله: حوت فمه مفتوح. وقوله: عقرب تحت برقع. وقول مؤلفه: أمحمد دم حما. وأما وقوعه في النظم فقد يكون في شطر البيت كقوله (أرانا الإله هلالا أنارا) , وقد يكون في البيت بتمامه. كقول الأرجاني: مودتي تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم وقول الآخر: أراهن نادمنه ليل لهو ... وهل ليلهن مدان نهار وقول الآخر: عج تنم قربك دعد آمنا ... إنما دعد كبرق منتجع وقول البحتري: أس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا وبيت بديعية صفي الدين الحلي قوله: هل من ينم بحب من ينم له ... إذا رموه بمن لم يدر كيف رمي ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: لم يستحل بانعكاس في سجيته ... مدن أخا طعم معط أخا ندم وبيت بديعية ابن حجة قوله: بحر وذو أدب بدا وذو رحب ... لم يستحل بانعكاس ثابت القدم وبيت بديعية المقري قوله: معط أخا كرم مرض أخا ندم ... مدن أخا ضرم مرك اخا طعم تبجح الشيخ بهذا البيت فقال: إن تكلف هذا البيت وركة ألفاظه ومعناه مما لا تسيغه الأسماع, ولا تقبله الطباع, ولاسيما الشطر الأخير, فإن الحرس عن مثله أفضل من النطق بكثير. وبيت بديعية العلوي قوله: أنلتنا موئلا واليوم أنت لنا ... حصن منيع به ننجو من السقم وبيت بديعية الطبري قوله: لم يستحل بانعكاس في مودته ... مسر أخا دهم مهد أخا رسم الذي أراه أن الطبري إنما لاحظ في هذا البيت عكس الألفاظ فقط, ولم يلتفت إلى أنه يفيد معنى أم لا. وبيت بديعيتي قولي: ألم يفد اجر بر في ملأ ... لم يستحل بانعكاس عن عطائهم أشرت في هذا البيت إلى ما صنعه ﵌ مع هوزان لما أسرهم, وأصاب من أموالهم وهم أظآره ﵇, لأن هوزان جد سعد بن بكر الذين هم قبيلة حليمة السعدية ظئره صلوات الله عليه, وهو سعد بن بكر بن هوزان. روى ابن فارس في كتابه في أسماء النبي ﷺ : أن في يوم حنين جاءته امرأة فأنشدته شعرا تذكره أيام رضاعته في هوزان, فرد عليهم ما أخذ, وأعطاهم عطاء كثيرا, حتى قوم ما أعطاهم ذلك اليوم فكأن خمسمائة ألف أوقية, وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله. وروي عن زهير بن صرد الجشمي أنه قال: لما أسرنا رسول الله ﵌ يوم حنين ويوم هوزان, وذهب يفرق السبي, قمت بين يديه وقلت: يا رسول الله, إنما في الحظائر خالاتك, وحواضنك اللاتي كفلنك, ولو أنا صافحنا ابن أبي شمر, أو النعمان بن المنذر, ثم أصابنا منهما مثل ما أصابنا منك, رجونا عفوهما وعطفهما, ثم أنشدته أبياتا منها: أمنن علينا رسول الله عن كرم ... فانك المرء نرجوه وننتظر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملؤه من محضها الدرر إذ أنت طفل كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر وألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر فقال رسول الله ﵌: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم, وقالت قريش كذلك, وقالت الأنصار كذلك. وأطلقهم جميعهم. إذا عرفت ذلك, فقولي: ألم يفد, استفهام إنكار, معناه: أفاد, أي أعطى, لأن الإنكار نفي وقد دخل على النفي, ونفي النفي إثبات. ومثل ذلك قوله تعالى "ألم نشرح لك صدرك" أي شرحنا. وقولي: أجر بر, أي جزاء بر, فإن الأجر معناه الجزاء على العمل, والبر: الصلة. وقولي: جاد, أي مطر, من قولهم: جادت السماء جودا بالفتح, أي أمطرت, والضمير فيه راجع إلى الأجر أفاده. وقولي: في ملأ, أي في قوم, والمراد بهم أظآره المذكورون الذين أعطاهم أجر برهم له صلوات الله وسلامه عليه, والله أعلم. التقسيم إن مد كفا لتقسيم النوال فهم ... ما بين معطى ومستجد ومستلم التقسيم في اللغة: التجزئة والتفريق, وفي الاصطلاح على نوعين: أحدهما: أن يذكر قسمة ذات جزئين أو أكثر, ثم يضيف إلى كل واحد من الأقسام ما يليق به. كقول المتلمس:

стр. 422

ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان غير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد ذكر العير والوتد, ثم أضاف إلى الأول الربط مع الخسف, وإلى الثاني الشج. وقول ربيعة الرقي: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم وقول أبي الفتيان ابن حيوس: ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر يقينك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وسيفك والنصر الثاني: أن يتقصى تفصيل ما ابتدأ به, ويستوفي جميع الأقسام الذي يقتضيها ذلك المعنى, كقوله تعالى "هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا" إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الغيث ولا ثالث لهذين القسمين, وقوله تعالى "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم" استوفى جميع هيئات الذاكر, وقوله تعالى "يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكوراً, ويزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما" استوفى جميع أحوال المشروحين ولا خامس لها. وكان الحسن البصري يقول: لا توبة لقاتل المؤمن متعمدا, فدس إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال: قل له: لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا (أو فاسقا) . فإن كان مؤمنا, فإن الله سبحانه يقول "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا", ويقول "توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون", وإن كان كافرا فانه تعالى يقول "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف", وإن كان منافقا فانه تعالى يقول "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا", وإن كان فاسقا فانه يقول "أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابو". فقال الحسن للرجل: من أين لك هذا؟ قال: شيء اختلج في صدري, قال: محال: أصدقني, فقال: عمرو بن عبيد, فقال عمرو وما عمرو, إذا قام بأمر قعد به, وإذا قعد بأمر قام به. ورجع عن قوله. وحكي أنه قدم وفد من العراق على هشام بن عبد الملك وفيهم رجل من بني أسد, فقال: يا أمير المؤمنين, أصابتنا سنون ثلاث. أما الأولى فأذابت الشحم, وأما الثانية فنخست اللحم, وأما الثالثة, فهاضت العظم, وفي أيديكم فضول أموال, فإن كانت لله فبثوها في عباد الله, وإن كانت لهم فلا تمنعوهم إياها, وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. فقال هاشم: ما ترك لنا في واحدة عذرا, ثم قال له: قد قلت في حاجة العامة فقل في حاجة نفسك, فقال: ما لي حاجة في خاصة دون عامة. ولما ورد قتيبة من مسلم خراسان قال: بلغني أن لعبد الله بن حازم بهذه البلدة مالا فمن كان في يده شيء منه فلينبذه, ومن كان في فمه فليلفظه, ومن كان في صدره فلينفثه, فتعجبوا من حسن تفصيله. ومثاله في الشعر قول نصيب: فقال فريق الحي لا وفريقهم ... نعم وفريق قال ويحك لا ندري وقول زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم وقوله: فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو شهود أو جلاء وروي أن عمر لما سمع هذا البيت قال: لو أدركت زهيراً لوليته القضاء. وقول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار: متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج فليس في أقسام ما وطي الوطي الشديد إلا أن يوجد إما رخوا فيرفض, أو صلبا فيتدحرج. وقول عمرو بن الأهتم: اشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل أو هارب أو أسير وقول أبي تمام في مجوسي أحرق بالنار: صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار وقول الآخر: ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع فان المشكو إليه إما أن يواسي الشاكي وهي الرتبة العليا, وإما أن يسليه وهي الرتبة الوسطى, وإما أن يتوجع وهي الرتبة السفلى. وفساد التقسيم يكون إما بالتكرار كقوله: فما برحت تومي إليك بطرفها ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل فتومي بطرفها وتومض متساويان في المعنى. أو بدخول أحد القسمين في الآخر كقول عدي:

стр. 423

غير ما أن أكون نلت نوالا ... من نداها عفوا ولا مهنيا فيجوز أن يكون العفو مهنيا وبالعكس. وقول البحتري: قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ... أو مغيثا أو عاذرا أو عذولا قال ابن الأثير في المثل السائر: وهذا من فساد التقسيم, فإن المشوق يكون حزينا, والمسعد يكون مغيثا, وكذلك قد يكون المسعد عاذرا. أو بترك بعض الأقسام كقول جرير: صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها وقال بواب المأمون يوما للوقوف على الباب: كم تقفون على الباب؟ اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تقفوا ناحية الباب, وإما أن تجلسوا في المسجد, ثم سكت, فقالوا: فالخصلة الثالثة؟ فلم يحسن أن يثلث, فقال: جئتمونا بكلام الزنادقة؟. فحدث به المأمون فضحك وأمر له بألف درهم, وقال: لولا أنها نادرة جهل لاستحق بها أكثر. وبيت بديعية الصفي قوله: أفنى جيوش العدى غزوا فلست ترى ... سوى قتيل ومأسور ومنهزم وبيت بديعية ابن جابر قوله: عيثان أما الذي من فيض أنمله ... فدائم والذي للمزن لم يدم وبيت بديعية العز الموصلي قوله: تقسيمه الدهر يوما أمسه كغد ... في الحلم والجود والأيفاء للذمم وبيت بديعية ابن حجة قوله: هداه تقسيمه حالي به صلحت ... حيا وميتا ومبعوثا مع الأمم رأيت في شرح بديعية ابن حجة مكتوبا على الهامش بإزاء هذا البيت ما نصه: شكر الله فضل أبي تمام, وجزاه عن المصنف خيرا. انتهى. يشير إلى أن التقسيم فيه مأخوذ من بيت أبي تمام المقدم ذكره, وهو: صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار وبيت بديعية المقري قوله: في الله أعطى وهل أبقت يد سمحت ... بالنفس والمال والأهلين والحشم هذا البيت فيه فساد التقسيم, فإن الأهل يدخلون في الحشم. قال في القاموس: حشم الرجل: خاصته الذين يغضبون له من أهل, وعبيد, وجيرة, وهو عيالة والقرابة أيضاً. انتهى. وبيت بديعية السيوطي قوله: تقسيمه الخزي في الكفار يوم وغى ... قتلا وسبيا وتشريدا لمنهزم وبيت بديعية العلوي قوله: مرآه كالبرق ترجوه وترهبه ... والقبض في كفه والبسط للاضم وبيت بديعية الطبري قوله: تقسيم آياته كالضب كلمه ... والجذع حن ونبع الما لريهم قال الشيخ صفي الدين في شرح بديعيته: اشترط البديعيون في التقسيم أن يستوفي أقسام القسمة, فلا يغادر منها قسما. انتهى. وعلى هذا فبيت الطبري خارج عن شرط البديعيين, لأنه لم يستوف أقسام الآيات. وبيت بديعيتي قولي: إن مد كفا لتقسيم النوال فهم ... ما بين معطى ومستجد ومستلم هذه الأقسام الثلاثة لا رابع لها, لأن العفاة عند مد الكف للعطاء, إما معطى, أو سائل, أو مستلم. لا يقال: قد يكون كل من هذه الأقسام داخلا في الآخر, لانا نقول: المراد في تلك الحالة الراهنة, فلا تداخل, والله أعلم. الإشارة درى إشارة من وافاه مجتديا ... فجاد ما جاد مرتاحا بلا سأم هذا النوع من مستخرجات قدامة. وهو عبارة عن أن يشير المتكلم إلى معان كثيرة بكلام قليل يشبه الإشارة باليد. فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء لو عبر عنها لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة. ومن شواهدها في الكتاب العزيز قوله تعالى "وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين". قال بعضهم: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه. وقوله تعالى "أخرج منها ماءها ومرعيها" دل بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض, قوتا ومتاعا للأنام, من العشب والشجر والحب والثمر, والعصف والحطب واللباس, والنار والملح. لأن النار من العيدان, والملح من الماء. وقوله تعالى "فأصدع بما تؤمر". قال ابن أبي الأصبع: المعنى: صرح بجميع ما أوحي إليك, وبلغ كل ما أمرت ببيانه وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت كالزجاجة. والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب, فيظهر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط, ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة. فانظر إلى جليل هذه الاستعارة وعظم أيجازها, وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة.

стр. 424

وقد حكي: إن بعض الأعراب لما سمع هذه الآية سجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. انتهى. وقوله تعالى "فغشيهم من اليم ما غشيهم" أي غشي آل فرعون وجنوده من البحر ما لا يدخل تحت العبارة, ولا يحيط به إلا علم الله تعالى من العذاب, والهلاك, والغضب والانتقام, والاستئصال إلى غير ذلك. دل على ذلك كله كلمة (ما) في قوله (ما غشيهم) . ومثل ذلك قوله تعالى "فأوحى إلى عبده ما أوحى". ومن الشعر قول امرئ القيس: على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان فانه أشار بقوله: أفانين جري, إلى جميع صنوف عدو الخيل المحمودة التي لو عبر عنها لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة, واحترز بنفي الكزوزة والونى من الحران, والجمام والعثور. وقوله: تظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في مقيل نحسه متغيب فدل باليوم اللذيذ على جميع ما احتوى عليه من المآكل والمشارب اللذيذة, والملاذ السماعية, وسرور النفس والارتياح, إلى غير ذلك مما لا يتسع له الحصر. وكذا في قوله: تحسه متغيب, من ذهاب الغموم والهموم, والمكاره والمخاوف ونحو ذلك. وبيت بديعية الصفي قوله: يولي الموالين من جدوى شفاعته ... ملكا كبيرا عدا ما في نفوسهم قال في شرحه: الإشارة فيه قوله: ملكا كبيرا. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: ما تشتهي النفس يهدى في إشارته ... تعطى فنونا بلا من ولا سأم وبيت بديعية المقري قوله: محرم قعدة لا في ربيع ندى ... أصب ما فيه لم يخطر على الهمم قال في شرحه: الإشارة فيه قوله: ما فيه لم يخطر على الهمم. وبيت بديعية السيوطي قوله: يا أكرم الرسل يا من في إشارته ... حوز المنى وبلوغ القصد من أمم وبيت بديعية العلوي قوله: يفيد بعض نوال أمته ... عزاً وذاماً عظيماً غير منصرم وبيت بديعية الطبري قوله: حوى فصائل لا حد يشار لها ... به فيفصح عنه واصف بفم وبيت بديعيتي قولي: درى إشارة من وافاه مجتدياً ... فجاد ما جاد مرتاحا بلا سأم الإشارة فيه قولي: فجاد ما جاد, على حد قوله تعالى "فأوحى إلى عبده ما أوحى" و"فغشيهم من أليم ما غشيهم" والله أعلم. تشبيه شيئين بشيئين شيئان شبههما شيئان منه لنا ... نداه في المحل مثل البرء في السقم هذا النوع عبارة عن أن يأتي المتكلم بشيئين, ويقابلهما بشيئين لأجل التشبيه, وهو على نوعين: أحدهما, أن يكون المقصود تشبيه كل جزء من جزء أحد طرفي التشبيه بما يقابله من الطرف الآخر. كقول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي شبه الرطب والطري من قلوب الطير بالعناب, واليابس بالحشف البالي. وليس تحت هذا أمر كبير, إذ ليس لاجتماعهما هيئة مخصوصة يعتد بها ويقصد تشبيهها, ولذا قال الشيخ في أسرار البلاغة: إنه إنما يستحق الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه, لا لأن للجمع فائدة في عين التشبيه. الثاني, أن يكون المقصود تشبيه هيئة حاصلة من مجموع جزئي أحد الطرفين بالهيئة الحاصلة من مجموع الطرف الآخر وإن كان الظاهر فيه تشبيه شيئين بشيئين, وهذا النوع هو الذي تعقد عليه الخناصر, ويعز وقوعه, لا مطلق تشبيه شيئين بشيئين, كما يقتضيه إطلاق شراح البديعيات, وهو على قسمين: أحدهما, ما يكون بحيث يحسن تشبيه كل جزء من جزئي أحد طرفيه بما يقابله من الطرف الآخر كقوله: وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق فانك لو قلت: كأن النجوم درر, وكأن السماء بساط أزرق, كان تشبيها مقبولا حسنا, ولكن أين هو من المقصود من التشبيه وهو الهيئة التي تملأ القلوب سرورا وعجبا من طلوع النجوم صغارها وكبارها, مؤتلفة ومفترقة في أديم السماء وهي زرقاء رزقتها الصافية. الثاني, ما لا يكون بهذه الحيثية. كقول القاضي: أنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه

стр. 425

فانك لو قلت: كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة, وكأن المشتري شمعة, لم يكن شيئا, إذ المقصود تشبيه الهيئة الحاصلة من المريخ حال كون المشتري أمامه بالهيئة الحاصلة من المنصرف عن الدعوة مسرجا الشمعة قدامه. وإلى هذا أشار صاحب الكشاف حيث قال: أن العرب تأخذ شيئاً فرادى معزولا بعضها عن بعض وتشبهها بنظائرها, وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاءمت وتلاصقت, حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها. وهذا النوع يسميه أرباب البيان: تشبيه المركب بالمركب, وإنما أطلق عليه البديعيون: تشبيه شيئين بشيئين, باعتبار تعدد طرفيه. حكي عن بشار أنه قال: ما زلت منذ سمعت قول امرئ القيس يصف العقاب: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي لا يأخذني الهجوع حسدا له, إلى أن نظمت في وصف الحرب قولي: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وقد تقدم الكلام على هذا البيت في نوع التشبيهن ومرت لهذا النوع شواهد كثيرة هناك. وبيت بديعية الصفي قوله: تلاعبوا تحت ظل السمر من مرح ... كما تلاعبت الأشبال في الأجم ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: شيئان تشبيه شيئين أتنبه لهما ... حلم وجهل هما كالبرء والسقم الشيخ عز الدين جهل في هذا التشبيه جهلا لا يسعه حلم, فانه وقع في القصيدة من جملة المديح النبوي, وفيه الإيهام القبيح ما لا يخفى. نعوذ بالله من آفة الغفلة. وبيت بديعية ابن حجة: شيئان قد أشبها شيئين فيه لنا ... تبسم وعطا كالبرق في الديم وبيت بديعية المقري قوله: تراه في جيشه كالبدر في شهب ... بالبلق قد جال في الهيجاء بالدهم وبيت بديعية السيوطي قوله: شيئان قد أشبها شيئين منه على ... وجه وشعر كمثل البدر في الظلم وبيت بديعية العلوي قوله: فحوصه ولواه شافيان كما ... قدما شفى كفه والنفث من ألم وبيت بديعية الطبري قوله: تشبيه شيئين بالشيئين فيه هما ... النور والفيض مثل البدر والديم وبيت بديعيتي قولي: شيئان شبههما شيئان منه لنا ... نداه في المحل مثل البرء في السقم الكناية سامي الكناية مهزول الفصيل إذا ... ما جاءه الضيف أبدى بشر مبتسم الكناية في اللغة: مصدر قولك: كنبت بكذا عن كذا, وكنوت: إذا تركت التصريح. وفي الاصطلاح: ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر لازمه المساوي, لينتقل الذهن منه إلى اللزوم المطوي ذكره, كما يقال: فلان طويل النجاد, أي طويل القامة, فترك التصريح بطول القامة إلى ذكر لازمه المساوي وهو طول النجاد, لينتقل الذهي منه إلى طول القامة. وقولهم: فلان كثير الرماد, كناية عن أنه كثير القرى, لأن القرى إذا كثر كثر الرماد, وهي أبلغ من التصريح أجماعا, لأنك إذا أثبت كثرة القرى مثلا بإثبات شاهدها ودليلها, وما هو علم على وجودها, فهو كالدعوى التي معها شاهد ودليل, وذلك أبلغ من إثباتها بنفسها وأن كان لا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم. ألا ترى أنك تقول: فلان طويل النجاد, وإن لم يكن له نجاد قط, ولكن تجد اطمئنان النفس حينئذ أكثر. ومن أمثلتها في الشعر قول عمر بن أبي ربيعة: بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم كني عن طول جيدها ببعد مهوى القرط. وقول امرئ القيس: ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل أي أنها مرفهة مخدومة, غير محتاجة إلى السعي بنفسها في أصلاح المهمات. وذلك أن وقت الضحى وقت سعي نساء العرب في أمر المعاش, وكفاية أسبابه, وتحصيل ما يحتاج أليه من تهيئة المتناولات وتدبير إصلاحها, فلا ينام فيه من نسائهم إلا من يكون لها خدم ينوبون عنها في السعي لذلك. وإنها في بيتها متفضلة لا تشد نطاقها للخدمة. وقول ليلى الأخيلية: ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحيا سقيما كنت عن الجود بخرق القميص لجذب العفاة له عند ازدحامهم عليه لأخذ العطاء. وقول الحضرمي: قد كاد بعجب بعضهن براعتي ... حتى سمعن تنحنحي وسعالي كنى عن كبر السن بالتنحنح والسعال. وقول زهير:

стр. 426

ومن يعص أطراف الزجاج فانه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم أراد أن يقول: من لم يرض بأحكام الصلح, فكنى عنه بقوله: ومن يعص أطراف الزجاج, وذلك أنهم كانوا إذا طلبوا الصلح قلبوا زجاج الرماح وجعلوها قدامها مكان الأسنة, وإذا أرادوا الحرب أشرعوا الأسنة وأخروا الزجاج. وقد تجمع في البيت كنايتان الغرض منهما واحد, ولكن لا تكون إحداهما كالنظير للأخرى, بل كل واحدة منهما أصل بنفسه كقوله: وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل فقوله: جبان الكلب مهزول الفصيل, كنايتان, الغرض منهما واحد, وهو كونه كثير الأضياف, لأن كثرة ترددهم على داره تجبن الكلب عن الهرير في وجوههم, وكثرتهم لديه تقتضي أن لا يبقى في ضرع المتلية إذا حلبها ما يغتذي به فصيلها. قال بعضهم: ولا يعدل عن التصريح إلى الكناية إلا لسبب, ولها أسباب: أحدها: قصد المدح, كأكثر الأمثلة المذكورة. الثاني: قصد الذم, كقولهم كناية عن الأبله: عريض القفا, فإن عرض القفا وعظم الرأس مما يستدل به على بلاهة الرجل. الثالث: ترك اللفظ إلى ما هو أجمل كقوله تعالى "إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة" فكنى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك, لأن ترك التصريح بذكر النساء أجمل, ولهذا لم يذكر في القرآن امرأة باسمها إلا مريم ﵍. قال السهيلي: وإنما ذكرت مريم باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة وهي: أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ, ولا يبتذلون أسمائهن, بل يكتفون عن الزوجة بالعرس, والعيال ونحو ذلك, فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسمائهن عن الذكر. فلما قالت النصارى في مريم ما قالوا صرح الله باسمها ولم يكن تأكيدا للعبودية التي هي صفة لها, وتأكيدا لأن عيسى لا أب له وإلا لنسب إليه. ومن ذلك قول الشاعر: ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام كنى بالنخلة عن المرآة. الرابع: أن يكون التصريح مما يستهجن ذكره, كما كنى الله سبحانه عن الجماع بالملامسة, والمباشرة, والإفضاء, والسر, والدخول, والغشيان. وكنى عنه أو عن المعانقة باللباس في قوله "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن". وكنى عن البول ونحوه بالغائط في قوله "أو جاء أحد منكم من الغائط" وأصله المطمئن من الأرض. وكنى عن قضاء الحاجة بأكل الطعام في قوله في مريم وابنها "كانا يأكلان الطعام" وكنى عن الاستاه بالأدبار في قوله "يضربون وجوههم وأدبارهم". أخرج ابن أبي حاتم في هذه الآية عن مجاهد قال: يعني أستاهم, ولكن الله يكني. حكي أن عبد الله بن الزبير قال لامرأة عبد الله بن حازم: أخرجي المال الخفي الذي وضعته تحت أستك, فقالت: ما ظننت أن أحدا يلي شيئا من أمور المسلمين يتكلم بهذا. فقال بعض الحاضرين: أما ترون الخلع الخفي الذي أشارت إليه. ومن الحجاج أنه لام عبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال الله فوضعته تحت ذيلك. فكنى لئلا يعاب بما عيب به ابن الزبير. ومنه قول امرئ القيس: فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال كنى بالذلة عن إسعافها وتمكينها إياه من قضاء وطره. لخامس: قصد المبالغة كقوله تعالى "ولما سقط في أيديهم" كناية عن اشتداد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل, لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها, لأن فاه قد وقع فيها. السادس: قصد الاختصار, كالكناية عن ألفاظ متعددة بلفظ فعل نحو "لبئس ما كانوا يفعلون" "فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا" "فأتوا بسورة من مثله", إلى غير ذلك من الأسباب التي لا يكاد يضبطها الحصر. ثم الكناية أن لم يكن الانتقال منها إلى المطلوب بواسطة فقريبة, كقولهم كناية عن طول القامة: طويل النجاد, وإن كان بواسطة فبعيدة, كقولهم كناية عن المضياف: كثير الرماد, فانه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدر, ومنها إلى كثرة الطبائخ, ومنها إلى كثرة الأكلة, ومنها إلى كثرة الضيفان, ومنها إلى المقصود. وبحسب قلة الوسائط وكثرتها تختلف الدلالة على المقصود وضوحا وخفاء. وبيت بديعية الصفي قوله: كل طويل نجاد السيف يطربه ... وقع الصوارم كالأوتار والنغم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

стр. 427

داع كثير رماد القدر إن وصفت ... كناية بطنها والظهر بالدسم وبيت بديعية ابن حجة قوله: قالوا طويل نجاد السيف قلت لهم ... لناره السن تكني عن الكرم تبجح ابن حجة على جاري عادته بهذا البيت وقال: إن الناس كنوا بطول النجاد عن طول القامة, ولكن الكناية بألسن النيران عن كثرة الكرم والقرى لا يخفى استعارتها التي كادت تقوم مقام الحقيقة من المحاسن الظاهرة. انتهى. وأنا أقول: كلامه يفهم أن هذه الكتابة والاستعارة هو أبو عذرها, وليس كذلك, فانه سرقهما من قول صردر الشاعر وأخل بكثير من محاسنه, حيث يقول: قوم إذا حيا الضيوف جفانهم ... ردت عليهم ألسن النيران فما زاد ابن حجة على أن نقص محاسن هذه الاستعارة, ونظمها في بيته, ثم جعل يتبجح المخترع المبتكر, وما أشبه حاله بما حكي أن رجلا كان واقفا بين الناس ينظر إلى خيل تتسابق, فسبق منها جواد, فصفق بيديه وكاد يطير فرحا, فقيل له: أهذا الجواد لك؟ فقال ولكن اللجام لي. وبيت بديعية المقري قوله: بيض تركن وجوه الضاربين بها ... كمثلها وقنا أجرت قناة دم قال في شرحه: الكناية فيه قولها: كمثلها, أي تركن وجوههم بيضا, كنى بذلك عن كونها قاطعة, لأن الضارب إذا قطع سيفه أبيض وجهه, وإذا خانه سيفه أخجله. وبيت بديعية العلوي قوله: إذ شاهد الآية الكبرى بمقلته ... خصيصة دون خلق الله كلهم وبيت بديعيتي قولي: سامي الكناية مهزول الفصيل إذا ... ما جاءه الضيف أبدى بشر مبتسم الكناية في قولي: مهزول الفصيل, وهو كناية عن المضياف, وفسرت على وجهين: أحدهما ما تقدم من أنه يستفرغ للضيفان جميع ما في ضروع أبله من اللبن, بحيث لا يبقى لفصالها ما تغتذي به, فلا تزال مهزولة. والثاني أنه ينجز المتليات من الإبل للضيفان, فتفقد الفصال أمهاتها فتهزل بسبب ذلك, وهذا الوجه أحسن من الأول لما فيه من المبالغة في المدح, فإن العرب لكمال عنايتها بالنوق قلما تنحر المتليات منها, والله أعلم. الترتيب شمس وبدر ونجم يستضاء به ... ترتيبه ازدان من فرع إلى قدم هذا النوع استخرجه شرف الدين التيفاشي, وسماه بهذا الاسم وقال: هو إيراد أوصاف شتى لموصوف واحد, في بيت أو أكثر, على ترتيبها في الخلقة الطبيعية, من غير إدخال وصف زائد عما يوجد علمه في الذهن, أو في العيان. كقول مسلم بن الوليد: هيفاء في فرعها ليل على قمر ... على قضيب على حقف النقا الدهس فان الأوصاف الأربعة فيه على ترتيب خلق الإنسان من الأعلى إلى الأسفل. وبيت بديعية صفي الدين الحلي: كالنار منه رياح الموت قد عصفت ... روى صرى مائه أرض الوغى بدم قال في شرحه: هو على ترتيب العناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: له الملائك والإنسان أجمعهم ... والجن والوحش في الترتيب كالخدم قال في شرحه: على ترتيب المخلوقات: الملائك والأنس والجن والوحش. وبيت بديعية ابن حجة قوله: ترتب الحيوانات السلام له=والنبت جماد الصخر في الأكم قال في شرحه: هو على ترتيب الموجودات, وهي الحيوان والنبات والجماد. وبيت بديعية المقري قوله: في وجهه قمر في درعه زأر ... في كفه قدر فيه ضرى الضرم قال في شرحه: الترتيب فيه ظاهر, فإن ما في الوجه مقدم على ما فيه من الضرم, لأن الصفة تابعة للموصوف. هذا نصه, ولا أعجب من دعوى الظهور مع هذا الخفاء. وبيت بديعية العلوي قوله: فالرأس مغمدها والحلق موردها ... والقلب مسلكها والترب في القدم ولم ينظم السيوطي ولا الطبري هذا النوع. وبيت بديعيتي قولي: شمس وبدر ونجم يستضاء له ... ترتيبه ازدان من فرع إلى قدم الترتيب فيه ظاهر, فانه شبهه ﵌ بالنيرات الثلاث, ورتبها في الذكر على ترتيبها في الخلقة الطبيعية, فإن الشمس أعظم من البدر وصفا وجرما, والبدر أعظم من النجم كذلك, والله أعلم. المشاركة جلت معاليه قدرا عن مشاركة ... وهو الزعيم زعيم القادة البهم.

стр. 428

هذا النوع -ويسمى الاشتراك أيضاً- عبارة عن أن يأتي الشاعر بلفظة مشتركة بين معنيين اشتراكا أصليا وعرفيا, فيسبق ذهن السامع إلى المعنى الذي لم يقصده الشاعر, فيأتي بما يبين قصده. كقول كثير عزة: فأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم تعلم بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحاتر فان قوله في البيت الأول: قصيرة, مشترك بين قصيرة القامة, وبين المقصورة بمعنى المحبوسة, ومنه قوله تعالى "حور مقصورات في الخيام" وهو المعنى الذي قصده, فلولا بيانه بقوله في البيت الثاني: عنيت قصيرات الحجال, أي المقصورات في الحجال, لتوهم السامع أنه أراد القصار بالمعنى الأول. والبحاتر جمع بحترة, وهي القصيرة المجتمعة الخلق. والفرق بين هذا النوع وبين التوهيم, أن هذا النوع يكون باللفظة المشتركة فقط, والتوهيم يكون بها وبغيرها, كتصحيف أو تحريف, أو تبديل, أو سبق الذهن لغير المطلوب. والفرق بينه وبين الإيضاح, إن الإيضاح في المعاني لا الألفاظ وهذا بالعكس. وبيت بديعية الصفي قوله: شيب المفارق يروي الضرب من دمهم ... ذوائب البيض بيض الهند لا اللمم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: وللغزالة تسليم به اشتركت ... مع التي هي ترعى نرجس الظلم هذا البيت غير منطبق على حد هذا النوع كما لا يخفى, وقد أطال الكلام عليه ابن حجة بما لا طائل تحته. وبيت بديعية ابن حجة قوله: بالحجر ساد فلا ند يشاركه ... حجر الكتاب المبين الواضح اللقم وبيت بديعية المقري قوله: كم سد بالفتح من ثغر وأضحكه ... فتح المدائن أعني لا ثغورهم وبيت بديعية السيوطي قوله: والصهر من شارك الصديق في قدم ... في سبق الإسلام لا في الفضل من قدم وبيت بديعية العلوي قوله: صدر المجلس يخشى الصدر سطوته ... صدر الكتائب ماضي السيف والقلم وبيت بديعية الطبري قوله: له الوسيلة أعني في الجنان بما ... قد خص نفيا لإبهام اشتراكهم قال في شرحه: الاشتراك في الوسيلة, لأنها اسم لما يتوسل به, واسم لأعلى درجة في الجنة مخصوصة بنبينا ﵌. وبيت بديعيتي قولي: جلت معاليه قدرا عن مشاركة ... وهو الزعيم زعيم القادة البهم الاشتراك فيه في لفظة (زعيم) فإنها مشتركة بين معنيين, أحدهما بمعنى الكفيل, ومنه قوله [تعالى] "ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم" أي كفيل, والثاني بمعنى سيد القوم ورئيسهم وهو المعنى المقصود الذي بينه بقوله: زعيم القادة البهم, لئلا يسبق ذهن السامع إلى أنه أراد المعنى الأول. والقادة جمع قائد وهو أمير الجيش الذي يقوده, والبهم جمع بهمة بالضم, وهو الشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى لشدة بأسه, والله أعلم. التوليد للواصفين علاه كل آونة ... توليد معنى به الألفاظ لم تقم التوليد في اللغة: مصدر ولدت القابلة المرأة, إذا تولت ولادتها, وولدت الشيء عن غيره: أنشأته عنه, وهو المنقول عنه إلى الاصطلاح. وفي الاصطلاح على ضربين: أحدهما لفظي, وهو التوليد من الألفاظ ولا يعد من المحاسن, بل هو إلى السرقة أقرب, لأنه عبارة عن أن يستحسن الشاعر ألفاظا من شعر غيره فيسلبها منه, ويضمنها معنى غير معناها الأول, ويوردها في شعره. كقول امرئ القيس في وصف الفرس: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قبد الأوابد هيكل فاستحسن أبو تمام استعارته في قوله: قيد الأوابد, فنقله إلى الغزل فقال: لها منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب والأوابد في بيت امرئ القيس: الوحوش, من أبدت: إذا نفرت من الأنس, وجعل الفرس قيدها, لأنه يدركها ويمنعها المضي والخلاص من الطالب, كما يمنعها القيد. الثاني معنوي, وهو التوليد من المعاني, وهذا يعد من المحاسن, وهو الغرض هنا, وذلك بأن ينظر الشاعر إلى معنى لمتقدم ويكون محتاجا إلى استعماله, لكونه آخذا في ذلك الغرض فيورده ويزيد فيه. كقول القطامي: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل أخذه السالم الشاعر ونقص في الألفاظ وزاده تذييلا وتمثيلا وتأكيدا فقال:

стр. 429

عليك بالقصد فيما أنت طالبه ... أن التخلق يأتي بعده الخلق فمعنى صدر هذا البيت معنى بيت القطامي بكماله, ومعنى عجزه زائد عليه لأنه تذييل, حيث أتى بعد تمام الكلام بجملة تشتمل على معناه تجري مجرى المثل السائر لتوليد المتقدم وتحقيقه. وكقول ابن المعتز (فالشمس نمامة والليل قواد) أخذه أبو الطيب وكساه من شرف الألفاظ وبراعة النسج مالا مزيد عليه, وزاد فيه من حسن الطباق وملاحة التقسيم ما لم يسبق إلى مثله فقال: أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي قال ابن جني: حدثني المتنبي وقت القراءة عليه قال: قال لي ابن خنزابة وزير كافور: أعلمت أني أحضرت كتبي كلها, وجماعة من الأدباء, يطلبون لي من أين أخذت هذا المعنى فلم يظفروا بذلك -وكان أكثر من رأيت كتبا-. قال ابن جني ثم إني عثرت على الموضوع الذي أخذه منه وهو قول ابن المعتز المذكور. وكقول أبي تمام: يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع أخذه أبو الطيب أيضاً وزاده مبالغة بتجاهل العارف فقال: همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل وقول النابغة الذبياني: وعيرني بنو ذبيان خشيته ... وهل علي بأن أخشاه من عار أخذه الأخطل وزاده تشبيها وتذييلا فقال: وأن أمير المؤمنين وفعله ... لكا لدهر لا عار بما صنع الدهر وأمثلة هذا النوع أكثر من أن تحصى. وبيت بديعية الصفي قوله: من سبق لا يرى سوط لها سملا ... ولا جديد من الأرسان واللجم قال في شرحه: أنه مولد من قول ابن الحجاج: خرقت صفوفهم بأقب نهد ... مراح السوط متعوب العنان ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: مالي بتوليد مدحي في سواه هدى ... لمعشر شبهوا الهندي بالجلم قال في شرحه: انه ولده من قول أبي الطيب: فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا ثم قال في شرحه: ما شبه السيف بالمقص إلا أعمى. انتهى. وهو نوع من التعمية غريب, فإن بيت أبي الطيب بمعزل عن معنى بيته كما هو ظاهر. وبيت بديعية ابن حجة قوله: توليد نصرتهم يبدو بلطعته ... ما السبعة الشهب ما توليد رملهم قال في شرحه: هذا المعنى ولدته من قول أبي تمام: والنصر من شهب الأرماح طالعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب أقول: إن ابن حجة لم يستحسن نوع التوليد من البديع, وقال في شرح بديعيته: هذا النوع ليس تحته كبير أمر, وهو على ضربين من الألفاظ والمعاني, فالذي من الألفاظ تركه أولى من استعماله, لأنه سرقة ظاهرة. انتهى. ومع ذلك فقد استعمل في بيت بديعيته قسمي التوليد, فأخذ من ألفاظ بيت أبي تمام النصر, والطلوع, والسبعة الشهب. وهذا هو التوليد اللفظي الذي ذكر أن تركة أولى من استعماله. وأخذ من معناه ما هو شاهد لنوع المقصود, وهذا هو التوليد المعنوي. وغيره من أصحاب البديعيات إنما استعمل التوليد المعنوي الذي هو من محاسن البديع. وبيت بديعية المقري قوله: فما يجار على مولاه في طلب ... لكن يجير ولا يكمو عليه كمي قال في شرحه: هو مولد من قول صاحب البردة: ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقه الأسد في آجامها تجم وبيت بديعية العلوي قوله: لو مر في قلبه أن لا يضر فتى ... من الجحيم لما بالى من الضرم قال في شرحه: هو مولد من قول كذا. ولم ينظم السيوطي والطبري هذا النوع. وبيت بديعيتي قولي: للواصفين علاه كل آونة ... توليد معنى به الألفاظ لم تقم هذا المعنى ولدته من قول أبي الطيب: وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فان وجدت لسانا قائلا فقل والزيادة في معنى بيتي ظاهرة وهي في قولي: كل آونة, وفي قولي: به الألفاظ لم تقم. والله أعلم. الإبداع إبداع مدحي لمن لم يبق من بدع ... أفاد ربحي فإن أطنبت لم ألم

стр. 430

الإبداع, بالباء الموحدة, هو أن يكون البيت من الشعر, أو الفصل من النثر, أو الجملة المفيدة مشتملا على عدة ضروب من البديع, ولم يوجد في هذا النوع من الكلام مثل قوله تعالى "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين" فإنها اشتملت على ثلاثة وعشرين نوعا من البديع وهي سبعة عشر لفظة: ١- المناسبة التامة: بين (ابلعي) و (اقلعي) . ٢- الاستعارة فيهما. ٣- الطباق: بين (الأرض) و (السماء) . ٤- المجاز: في قوله (يا سماء) فإن الحقيقة: يا مطر السماء. ٥- الإشارة: في (وغيض الماء) فانه عبر به عن معان كثيرة, لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء, وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء, فيغيض الحاصل على وجه الأرض من الماء. ٦- الأرداف: في قوله (واستوت على الجودي) فانه عبر عن استقرارها في المكان بلفظ قريب من لفظ المعنى. ٧- التمثيل: في قوله (وقضي الأمر) فانه عبر عن هلاك الهالكين, ونجاة الناجين بلفظ بعيد عن المعنى الموضوع. ٨- التعليل: فإن غيض الماء علة الاستواء. ٩- صحة التقسيم: فانه استوعب أقسام الماء حالة نقصه, إذ ليس إلا احتباس ماء السماء, والماء النابع من الأرض, وغيض الماء الذي على ظهرها. ١٠- الاحتراس: في قوله (وقيل بعدا للقوم الظالمين) إذ الدعاء يشعر بأنهم استحقوا الهلاك احتراسا من ضعيف يتوهم أن الهلاك لعمومه ربما شمل غير مستحق. ١١- المساواة: لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها. ١٢- حسن النسق: فإنه تعالى قص القصة, وعطف بعضها على بعض بحسن الترتيب. ١٣- ائتلاف اللفظ مع المعنى: لأن كل لفظة لا يصلح معها غيرها. ١٤- الإيجاز: فانه تعالى أمر فيها ونهى, وأخبر ونادى, ونعت وسمى, وأهلك وأبقى, وأسعد وأشقى, وقص من الأنباء ما لو شرح لجفت الأقلام. ١٥- التسهيم: لأن أول الآية يدل على آخرها. ١٦- لأن مفردتها موصوفة بصفات الحسن, كل لفظة سهلة مخارج الحروف, عليها رونق الفصاحة, سليمة عن التنافر, بعيدة عن البشاعة وعقادة التركيب. ١٧- حسن البيان: لأن السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام, ولا يشكل عليه شيء منه. ١٨- الاعتراض: وهو قوله (وغيض الماء واستوت على الجودي) . ١٩- الكناية: فانه لم يصرح بمن غاض الماء, ولا بمن قضي الأمر وسوى السفينة, ولا بمن قال: وقيل بعدا, كما لم يصرح بقائل: يا أرض أبعلي ويا سماء اقلعي في صدر الآية, سلوكا في كل واحد من ذلك سبيل الكناية, إن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلا من ذي قدرة قهار لا يغالب فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلت عظمته قائل: يا أرض أبلعي ويا سماء, ولا أن يكون غايض ما غاض, ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل غيره. ٢٠- التعريض: فانه تعالى عرض بسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما, وإن الطوفان وتلك الهمور الهائلة ما كانت إلا لظلمهم. ٢١- التمكين: لان الفاصلة مستقر في محلها, مطمئنة في مكانها. ٢٢- الانسجام: لأن الآية بجملتها منسجمة كالماء الجاري في السلاسة. ٢٣- الإبداع: الذي هو شاهد هذا النوع: وفي هذه الآية الكريمة تفريعات أخر مثل: أن الاستعارة منها في موضعين, والمجاز في موضعين, وأمثال ذلك مما يستنبط بقوة النظر والاستقراء بمعرفة الناقد البصير, وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف. وفي العجائب للكرماني: أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية, بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها, وحسن نظمها, وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال. وبيت بديعية الصفي الحلي قوله: ذل النضار كما عز النظير لهم ... بالبذل والفضل في علم وفي كرم قال في شرحه: فيه من البديع: المطابقة, والتجنيس, والتمثيل, والتسجيع, واللف والنشر, والاحتراس, والتمكين, والكناية, والمبالغة؛ والإيغال؛ والاستنباع, والتسهيم, وائتلاف اللفظ مع المعنى, وائتلاف اللفظ مع الوزن. فهذه أربعة عشر نوعا من البديع زائدة على عدد لفظات البيت. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع, ولا السيوطي, ولا الطبري. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: كم أبدعوا روض عدل بعد طولهم ... وأترعوا حوض فضل قبل قولهم

стр. 431

ذكر في شرحه أن فيه ثلاثة عشر نوعا من البديع. وبيت بديعية المقري قوله: بالغيث والليث أزرى في عطا وسطى ... فالغيث يبكي حيا والليث في أجم ذكر في شرحه أن فيه خمسة وعشرين نوعا من البديع, وقد شرحها في شرحه. وبيت بديعية العلوي قوله: وذلل الشرك إذ عز الشريك له ... بالفصل والفضل في حكم وفي حكم وبيت بديعيتي قولي: إبداع مدحي لمن ل يبق من بدع ... أفاد ربحي فإن أطنبت لم ألم فيه من البديع: ١- الجناس المطلق, بين إبداع وبدع. ٢- والجناس المطرف, في لم ألم. ٣- والمناسبة التامة. بين مدحي وبحي. ٤- والتشريع, فانه يخرج منه بيت وهو (إبداع مدحي أفاد ربحي) . ٥- والاستعارة, في أفاد ربحي. ٦- والتعليل, فإن إفادة الربح علة لإطناب المدح. ٧- والتسجيع, في مدحي وبحي. ٨- و الإيغال , فإن الكلام تم بقوله: أفاد ربحي, لكنه أتى بما بعده إيغالا للتعليل. ٩- والمساواة, فإن ألفاظه مساوية لمعناه. ١٠- وائتلاف اللفظ مع المعنى, فإن كل لفظة لا يصلح تبديلها بغيرها. ١١- والتورية باسم النوع. ١٢- وائتلاف اللفظ مع الوزن, إذ ليس فيه تقديم وتأخير يفسد تصور المعنى ويذهب رونق اللفظ. ١٣- والانسجام, وهو ظاهر. ١٤- والتهذيب, فإن ألفاظه غير متنافرة ولا فيها بشاعة, ولا عقادة تركيب. ١٥- والإبداع الذي هو المقصود, فهذه خمسة عشر نوعا زائدة على عدد ألفاظ البيت والله أعلم. الإيغال ما أوغل الفكر في قول لمدحته ... إلا وجاء بعقد غير منفصم الإيغال في اللغة, مصدر وغل في البلاد, إذا ذهب وبالغ وأبعد فيها, وفي الاصطلاح, هو ختم الكلام نثرا كان أو نظما بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها, كقوله تعالى "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين", فقوله: وما كانوا مهتدين, إيغال تم المعنى بدونه أفاد به زيادة المبالغة في ضلالتهم, لأن مطلوب التجار في متصرفاتهم سلامة رأس المال, وحصول الربح, وربما تضيع الطلبات ويبقى لهم معرفة التصرف في طريق التجارة, فيهتدون بطرق المعاش, وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لاشتراكهم الضلالة بالهدى, وعدم حصول الربح, وضلوا الطرق أيضاً فدمروا تدميرا, وقوله تعالى "قال يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون" فإن قوله: وهم مهتدون, مما يتم المعنى بدونه, لأن الرسول مهتد لا محالة, لكنه إيغال أفاد زيادة حث على الإتباع وترغيب في الرسل, لا تخسرون معهم شيئا في دنياكم, وتربحون صحة دينكم, فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة. وبهذا يظهر بطلان قول من زعم أن هذا النوع خاص بالشعر, فلذا عرفه بأنه ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها. كزيادة المبالغة في قول الخنساء: وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فإن قولها: كأنه علم واف بالمقصود, وهو تشبيه بما هو معروف بالهداية, لكنها أتت بقولها: في رأسه نار, إيغالا لزيادة المبالغة, كتحقيق التشبيه. في قول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب شبه عيون الوحش حول خبائهم وأرحلهم بالجزع -وهو بالفتح-: الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض تشبه به العيون, وهو واف بالغرض من التشبيه, لكنه أتى بقوله: لم يثقب, إيغالا وتحقيقا للتشبيه, لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون. قال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيين فعوينهما كلها سواد, وإذا ماتا بدا بياضها, وإنما شبهها بالجزع وفيه بياض وسواد بعدما موتت. والمراد كثرة الصيد, يعني لكثرة ما أكلنا منه كثرت العيون عندنا. كذا في شرح ديوان امرئ القيس, وبه تبين بطلان ما قيل: أن المراد به. قد طالت مسايرتهم في المفاوز حتى ألفت الوحوش رحالهم وأخبيتهم. ومثله قول زهير: كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم فقوله لم يحطم إيغال حقق به التشبيه, لأن حب الفنا -وهو حب أحمر تنبته الأرض- تتخذ منه القلائد, إذا كسر كان داخله أبيض, فلا يشبه العهن -وهو الصوف الأحمر- وقد تكون في الإيغال دفع توهم غير المقصود. كقول أبي العلاء المعري: فسقيا من فم مثل خاتم ... من الدور لم يهمهم بتقبيله خال

стр. 432

فانه لما جعل الفم كأٍسا ضيقا مثل خاتم من الدر, وكان الكأس غالبا مما يكرع فيه كل واحد من أهل المجلس, حتى كأنه يقبله, دفع ذلك بأنه لم يحدث الملك المختال المتكبر نفسه بتقبيله, فكيف غيره؟. فالفرق بين الإيغال والتتميم: أن التتميم يجعل المعنى الناقص تاما, والإيغال يفيد المعنى التام نكتة لا يتوقف تمامه عليها. قال ابن حجة: وبين الإيغال والتكميل تجاذب يكاد أن ينتظم كل منهما في سلك الآخر. ومفهومه أنه لا فرق بينهما, وليس كذلك. فإن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما, إن التكميل يؤتى به لإفادته معنى آخر يكمل المعنى الأول كما مر في بابه, والإيغال يؤتى به لإفادته نكتة في ذلك المعنى بعينه, كما رأيت في الأمثلة المذكورة. الثاني, أن التكميل قد يكون في أثناء الكلام, وقد يكون في آخره, والإيغال لا يكون إلا ختما للكلام كما هو صريح حده, فظهر الفرق بينهما ظهورا لا يخفى إلا على ابن حجة. وبيت بديعية الصفي الحلي قوله: كأن مرآه بدر غير مستتر ... وطيب رياه مسك غير مكتتم الإيغال فيه في موضعين وهما غير مستتر, وغير مكتتم. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: أضحت أعاديه في الأقطار طائرة ... وأوغلت في الهوى خوفا مع العصم قال في شرحه: الإيغال في قوله: خوفا من العصم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: للجو في السير إيغال إليه وكم ... حبا الأنام بود غير منصرم الإيغال في قوله: غير منصرم, ولكن استعارة السير والإيغال للجود لا وجه لها, لأن الجود من الغرائز, والغريزة طبيعة لا تنفك عن الإنسان حتى تسير إليه, أو توغل في سيرها إليه, وهذا من الغلط في الكلام. وبيت بديعية المقري قوله: كأن الشمس الضحى من حسنه كسبت ... ورونق الحسن منه صيغ القدم وبيت بديعية الطبري قوله: هو الكريم بإيغال فلست ترى ... أمد منه عطاء غير منحسم وبيت بديعيتي قولي: ما أوغل الفكر في قولي بمدحته ... إلا وجاء بعقد غير منفصم الإيغال فيه قولي: غير منفصم, والله أعلم. النوادر فهل نوادر قولي إذ أتت علمت ... بأنها مدح خير العرب والعجم النوادر, جمع نادرة. قال الجوهري: ندر الشيء يندر ندرا: إذا شذ, ومنه النوادر. وفي القاموس: نوادر الكلام: ما شذ وخرج من الجمهور. وسماه قدامة ومن تبعه: الإغراب بالغين المعجمة, والطرافة. قال قدامه: هو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لقلته في الكلام, لأنه لم يسمع مثله, كالورد, وغيره إذا جاء في غير وقته سمي طريفا نادرا, لأنه لم ير مثله. كقول المتنبي: يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على هاماتهم تقع وقال ابن أبي الأصبع: هو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور مبتذل فيتصرف فيه تصرفا يخرجه إلى الغرابة بعد شهرته وابتذاله. كقول القاضي الفاضل: تراءى ومرآة السماء صقيلة ... فأثر فيها وجهه صفحة البدر فان تشبيه الوجه الحسن بالبدر معنى مشهور مبتذل, لكنه تصرف فيه التصرف الذي جعله غريبا نادرا. ومثل ذلك قول أبي الفتح البستني: أرأيت ما قد قال لي بدر الدجى ... لما رأى طرفي يديم سهودا حتام ترمقني بطرف ساهر ... أقصر فلست حبيبك المفقودا وقول الآخر: نظر الصباح إلى صفاء جبينه ... فتعلقت أنفاسه الصعداء والليل فكر في سواد فروعه ... فتشبثت بمزاجه السوداء وقول الآخر: عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا وتفو ... ضت خيم الشباب فقوضوا وقد سمعت ما سمعت بمثلها ... بين غراب البين فيه أبيض وقول مؤلفه عفا الله عنه: سقى صوب الغمام عريش كرم ... جنينا من جناه العذب أنا وأمسى عاصر العنقود فيه ... يكسر أنجما ويصوغ شمسا وقوله أيضاً: يا سحب نيسان روي الكرم عن كرم ... ففي الحباب غنى عن لؤلؤ الصدف وبيت بديعية الصفي الحلي قوله: كأنما قلب معن ملء فيه فلم ... يقل لسائله يوما سوى نعم قال في شرحه: النادر في البيت (قلب معن) بنعم. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: نوادر من جناني كالجنان زهت ... أم هل بدت واضحة الحسن من إرم وبيت بديعية ابن حجة قوله:

стр. 433

نوادر المدح في أوصافه نشقت ... منها الصبا وأتتنا وهي في شمم قال في شرحه: الشمم للنسيم نادرة, بل نكتة لم أسبق إليها. وبيت المقري قوله: فصدره البحر بر القلب من كرم ... وقبله البر صدر البحر في عظم ولم ينظم السيوطي هذا النوع. وبيت بديعية العلوي قوله: بحر له ساحل يغني الأنام إذا ... جاءوه قبل دخول البحر من عدم وبيت بديعية الطبري قوله: نوادر المدح فاحت غير آونة ... ريح الصبا شممت أكرم بذي الشمم قال في شرحه: النادرة فيه نسبة الشمم إلى الريح. انتهى. وهي نادرة بيت ابن حجة بعينها. وبيت بديعيتي قولي: فهل نوادر قولي إذ أتت علمت ... بأنها مدح خير العرب والعجم النادرة فيه التعجب الذي أفهمه الاستفهام من مجيء نوادر الكلام حتى كأنها علمت أنها مدح أشرف الأنام ﵊. التطريز تطريز مدحي في علياه منتظم ... في خير منتظم في خير منتظم التطريز في اللغة: مصدر طرزت الثوب إذا جعلت له طرازا أي علما, وهو معرب, وثوب مطرز بالذهب وغيره, أي معلم. وفي الاصطلاح يطلق علي معنيين: أحدهما: أن يؤتى في الكلام بمواضع متقابلة كأنها طراز. هكذا عرفه الطيبي في البيان, ومثله بقول أبي تمام: أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... بأسى فخلنا أنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام الثاني: أن يبتدي المتكلم من ذوات غير مفصلة, ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قدره في تلك الجمل الأول, فتكون الذوات في كل جملة متعددة تقديرا, والجمل متعددة لفظا, وعدد الجمل التي وصفت بها الذوات (لا عدد الذوات) عدد تكرار واتحاد لا تعداد تغاير, هكذا قرره الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته. ومثله بقول ابن الرومي: أموركم بني خاقان عندي ... عجاب في عجاب في عجاب قرون في رؤوس في وجوه ... صلاب في صلاب في صلاب ومنه قول عضد الدولة: طربت إلى الصبوح مع الصباح ... وشرب الكأس والغرور الملاح وقد حبس الدجي عنا براح ... تسل نفوسها فوق الجسوم شموعك والكؤوس مع الندامى ... نجوم في نجوم في نجوم وبيت بديعية الصفي قوله: فالجيش والنقع تحت الجو مرتكم ... في ظل مرتكم في ظل مرتكم قال ابن حجة: هذا البيت لا يخلو من أن يكون للعقادة فيه بعض تركم. انتهى. والعقادة في لفظه لا في معناه. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الموصلي قوله: للدين والنقع تطريز لمحترم ... في نظم محترم في نظم محترم قال ابن حجة في وصف هذا البيت: لم أفهم منه غير لفظة التطريز. وبيت بديعية ابن حجة قوله: شملي بتطريز مدحي فيه منتظم ... يا طيب منتظم يا طيب منتظم وبيت بديعية المقري قوله: شعري ونائله والخلق منسجم ... في أي منسجم في أي منسجم ولم ينظم السيوطي, ولا الطبري هذا النوع. وبيت بديعية العلوي قوله: فالوصل والقرب في التمكين منتظم ... في ضمن منتظم في خير منتظم وبيت بديعيتي قولي: تطريز مدحي في علياه منتظم ... في خير منتظم في خير منتظم التكرار تكرار قولي حلا في الباذخ العلم اب ... ن الباذخ العلم ابن الباذخ العلم التكرار, وقد يقال: التكرير, فالأول اسم, والثاني مصدر من كررت الشيء: إذا أعدته مرارا, وهو عبارة من تكرير كلمة فأكثر باللفظ والمعنى لنكتة, ونكتة كثيرة:

стр. 434

منها التوكيد, كقوله تعالى "كلا سوف تعلمون, ثم كلا سوف تعلمون". فالتكرير تأكيد للردع والإنذار, فقوله: كلا: ردع وتنبيه, على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن يكون الدنيا جميع همه, وأن لا يهتم بدينه. وسوف تعلمون: إنذار, ليخافوا فينتبهوا من غفلتهم, أي سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه, إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله. وفي الإتيان بلفظ (ثم) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول, كما تقول لمن تنصحه, أقول لك: لا تفعل ثم لا تفعل, وذلك لأن أصل ثم للدلالة على تراخي الزمان, لكنها قد تجيء لمجرد التدرج في درج الارتقاء, من غير اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج, ولا لأن الثاني بعد الأول في الزمان, وذلك إذا تكرر الأول بلفظ الأول نحو والله ثم والله. وكقوله تعالى "وما أدريك ما يوم الدين, ثم ما أدريك ما يوم الدين". وقول كثير عزة: فو الله ثم الله ما حل قبلها ... ولا بعدها مخلوقة حيث حلت ومنها زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة والإيقاظ من سنة الغفلة, ليكمل تلقي الكلام بالقبول, كما في قوله تعالى "وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد, يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع" فانه كرر فيه النداء لذلك. ومنها تذكر ما قد بعد بسبب طول الكلام, وهذا التكرير قد يكون مجردا عن رابط كما في قوله تعالى "ثم أن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا أن ربك من بعدها لغفور رحيم". وكما في قول الشاعر: لقد علم الحي اليماني أنني ... إذا قلت أما بعد إني خطيبها وقد يكون مع رابط كما في قوله تعالى "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبهم بمفازة من العذاب", فقول: فلا تحسبهم, تكرير لقوله: لا تحسبن الذين يفرحون, لبعده من المفعول الثاني. ومنها زيادة التوجع والتحسر كما في قول الحسين بن مطير: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا ومنها التهويل نحو "الحافة ما الحافة" و"القارعة ما القارعة". ومنها زيادة الاستبعاد كما في قوله تعالى "هيهات هيهات لما توعدون". وقول الشاعر: وهيهات هيهات العقيق وأهله ... وهيهات خل بالعقيق نواصله ومنها زيادة المدح كقول أبي تمام: بالصريح الصريح والأروع الأر ... وع منهم وباللباب اللباب ومنها التعظيم كقوله تعالى "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين". ومنها التلذذ بذكر المكرر كما في قوله: سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على النأي والبعد نظرت إلى نجد وبغداد دونه ... لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد فكرر لفظة نجد خمس مرات لتلذذه بذكرها, كما قيل: أعد ذكر نعمان لنا أن ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع ومنها التنويه بشأن المذكور, كقول أبي الطيب: العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن الفارض الهتن ابن الفارض الهتن وقول ابن النبيه: الطاهر النسب ابن الطاهر النسب اب_ن الطاهر النسب ابن الطاهر النسب وقد عاب قوم علي أبي الطيب هذا التكرار وقالوا: انه من العي تكرار اللفظ. قال العكبري في شرحه: سمعت شيخي أبا الفتح يقول: إن كان هذا من العي, فحديث رسول الله ﵌ أصله, فقد قال ﵇: الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وأما ابن الأثير فانه عاب ألفاظ البيت من حيث هي, واستثقل لفظ العارض والهتن وقال: لو قال بدل العارض, السحاب, لم يكن هجنا. وليس كما زعم, فإن لفظ العارض والهتن فصيح عذب. وقال ابن وكيعك لولا انتهاء القافية لمضى في العارض الهتن إلى آدم ﵇. وبانتهاء الغاية أعلمنا أن نهاية عدد آبائه المستحقين للمدح ثلاثة ثم يقف هناك. وأحسن من هذا قول البحتري: الفاعلون إذا لدينا بجودهم ... ما يفعل الغيث في شؤبوبه الهتن فجاء بالمعنى عاما من غير عدد ولا لفظ مستبرد, فهو أرجح كلاما وأحسن لفظا. وما أشبه برد بيت أبي الطيب ببيت قاله امرؤ القيس وهو: ألا أنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال

стр. 435

انتهى كلام ابن وكيع. قال الصفدي: وقد أخطأ في هذا الكلام من عدة وجوه: أولها, أنه قال: لولا انتهاء القافية لمضى إلى آدم ﵇, ولو قال: لولا انتهاء الوزن لكان أكثر تحقيقا, لأن القافية حصلت في ربع البيت من أول ذكر الهتن. الثاني, أنه قال: أعلمنا أن عدد آبائه الممدوحين ثلاثة, ولا يلزم في المديح أن يؤتى بجميع الآباء في الذكر, ويكفي من ممدوح أصلان, تقول: أنت كريم ووالدك, ووالده ووالده. وقد مدح الشعراء بالنسب القصير. قال أبو العلاء المعري يرثي الشريف الطاهر: أنتم ذوو النسب القصير وطولكم ... باد على الكبراء والأشراف كالراح إن قيل ابنة العنب أكتف ... بأب عن الأسماء والأوصاف أراد بهذا ما حكاه الفرزدق قال: خرجت من البصرة أريد العمرة, فرأيت عسكرا في البرية, فقلت: عسكر من هذا؟ فقالوا: عسكر حسين بن علي ﵉, فقلت: لأقضين حق رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم, فأتيته فسلمت عليه, فقال: من الرجل؟ فقلت: الفرزدق بن غالب, فقال: هذا نسب قصير, فقلت: أنت أقصر مني نسبا, أنت ابن بنت رسول الله ﵌. لا تمدحنه بآباء له كرموا ... وأحرزوا الأمد الأقصى أبا فأبا فالراح قد أكثر المداح وصفهم ... لها ولم يذكروا مع وصفه العنبا الثالث, انه مثله ببيت البحتري, وليس من الباب الذي حاوله, ولفظا (الفاعلون وشؤبوبه) ثقيلان على السمع. الرابع, شبهه ببرد بيت امرئ القيس, وليس منه, وإنما الجامع بينهما التكرار, ولم يكن بيت أبي الطيب ببرد ذلك. انتهى كلام الصفدي. ولا ريب في قبح التكرار إذا خلا من نكتة, كما في قول عون بن.... وكتبه إلى محمد بن عبد الملك: قد بعثنا بتحفة البستان ... بكر ما قد جنى من الريحان ياسمينا ونرجسا قد بعثنا ... وبعثنا شقائق النعمان فأجابه بقوله: عون فض إلا له فاك وأدما ... هـ وأقصاك يا عيي اللسان حشو بيتيك قد وقد فالى كم ... قدك الله بالحسام اليماني وبعث إلى الوليد بن عبد الملك عمه عبد الله [بن] مروان قطيفة, وكتب إليه: بعثت إليك بقطيفة خز حمراء حمراء. فكتب إليه الوليد: وصلت القطيفة يا عم, وأنت أحمق أحمق أحمق. وقالت جارية ابن السماك له: ما أحسن كلامك لولا أنك تكثر تكراره. فقال: أكرره حتى يفهمه من لا يفهمه. فقالت: فالي أن يفهمه من لم يفهمه فقد مله من فهمه. وأرباب البديعيات نسجوا على منوال بيت أبي الطيب المذكور. فبيت بديعية الصفي الحلي قوله: الطاهر الشيم ابن الطاهر الشيم اب ... ن الطاهر الشيم ابن الطاهر الشيم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: تكرير مدحي في الشامل النعم اب ... ن الشامل النعم ابن الشامل النعم وبيت بديعية ابن حجة قوله: تكرير مدحي في الزائد الكرم اب ... ن الزائد الكرم ابن الزائد الكرم وبيت بديعية المقري قوله: المفرد العلم ابن المفرد العلم اب ... ن المفرد العلم ابن المفرد العلم وبيت بديعية السيوطي قوله: كرر أحاديث مدح السابغ النعم اب_ن السابغ النعم ابن السابغ النعم وبيت بديعية العلوي قوله: السيد العلم ابن السيد العلم اب ... ن السيد العلم ابن السيد العلم وبيت بديعية الطبري قوله: كرر أحاديث نشر الناشر العلم اب ... ن الناشر العلم ابن الناشر العلم وبيت بديعيتي قولي: تكرار قولي حلا في الباذخ العلم اب ... ن الباذخ العلم ابن الباذخ العلم التنكيت وآله الطاهرون المجبتون أتى ... في هل أتى ظاهرا تنكيت فضلهم التنكيت في اللغة, مصدر نكت, إذا أتى بنكتة, وأصله من النكت, وهو أن تضرب في الأرض بقضيب ونحوه فتؤثر فيها, لأن المتكلم إذا أتى في كلامه بدقيقة احتاج السامع في استخراجها إلى فضل تأمل وتفكر ينكت معه الأرض, كما هو شأن المتأمل.

стр. 436

وفي الاصطلاح: هو أن يقصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسد مسده لأجل نكتة في المذكور, ترجح اختصاصه بالذكر على غيره, ولولاها لكان ذكره دون ما يسد مسده خطأ طاهرا عند أهل النقد, كقوله تعالى "وأنه هو رب الشعرى", خص الشعرى بالذكر دون غيرهما من النجوم وهو تعالى رب كل شيء, لأن قوما من العرب في الجاهلية كانوا عبدوا الشعرى العبور, وكان رجل يعرف بابن أبي كبشة أول من عبدها ودعا إلى عبادتها وقال: قطعت السماء عرضا, ولم يقطع السماء عرضا نجم غيرها نعبدها. فأنزل الله تعالى: وأنه هو رب الشعرى, التي ادعيت فيها الربوبية. وهذا ابن أبي كبشة هو الذي كان المشركون ينسبون إليه رسول الله ﵌, لأنه خالف قريشا في عبادة الأوثان, فلما بعث رسول الله ﵌ ودعا إلى الله , وترك الأوثان قالوا: هذا ابن أبي كبشة, أي شبهه ومثله في الخلاف, كما قال بنوا إسرائيل لمريم: يا أخت هارون, أي شبه هارون في الصلاح. وقيل: أبو كبشة كنية وهب بن عبد مناف جده ﵌ من قبل أمه, لأنه كان نزع إليه في الشبه. وقيل: كنية زوج حليمة السعدية, أو كنية عم ولدها. ومثال هذا النوع من الشعر قول الخنساء: يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس خصت هذين الوقتين بالذكر دون سائر الأوقات لما فيها من النكتة المتضمنة للمبالغة في وصفه بصفتي الشجاعة والكرم, لأن طلوع الشمس وقت شن الغارات على العدى, وغروبها وقت إيقاد النيران للقرى. وقول أبي تمام في القصيدة التي يهني بها المعتصم بفتح عمورية (بتشديد الميم والياء) وهي بلد بالروم: تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... جلودهم قبل نضج التين والعنب خص التين والعنب بالذكر دون سائر الثمار, لأن التخمين كانوا قد زعموا أنها لا تفتح إلا بعد أن ينضج التين والعنب. ومن لم يقف على هذا الخبر عاب عليه تخصيصها بالذكر, وأول من انتقد عليه ذلك أبو الطيب المتنبي في مناظرته لأبي علي الحاتمي, حتى قال له الحاتمي: لهذا البيت خبر لو استقريته وتصفحته لأقصرت عن تناوله بالطعن فيه, ثم قص عليه الخبر. وبيت بديعية الحلي قوله: وآله أمناء الله من شهدت ... لقدرهم سورة الأحزاب بالعظم قال في شرحه: النكتة المخصصة فيه: ذكر سورة الأحزاب, هي أن فيها دون غيرها تصريحا يمدح أهل البيت في قوله تعالى "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" ولولا هذا الاختصاص لكانت كغيرها من السور. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية الموصلي قوله: في براءة تنكيت بمدحته ... معناه في الشرح يشفي ذي البكم قال في شرحه: النكتة في ذكر سورة براءة قوله تعالى "ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا". وبيت بديعية ابن حجة قوله: وآلة البحر آل أن يقس بندى ... كفوفهم فافهموا تنكيت مدحهم قال في شرحه: خصصت الندى بالذكر لنكتة, وهي الغلو في أن البحر يصير عند هذا الندى سرابا, وهو كما تراه. وبيت بديعية المقري قوله: إن شئت تعجب من حب الإله له ... فاقر الضحى ثم فاقرأ سورة القلم قال في شرحه: النكتة في سورة الضحى وسورة القلم ما فيهما من ذكره ﵌, وخطاب الله تعالى إياه باللطف به ما هو ظاهر. ولم أقف على بيت بديعية السيوطي في هذا النوع. وبيت بديعية العلوي قوله: قد خصصت خلق منه سمت شرفا ... بالذكر إذ وصفت في نون والقلم النكتة فيه كالذي قبله من خطاب الله تعالى له ﵇ باللطف في سورة القلم. وبيت بديعيتي قولي: وآله الطاهرون المجتبون أتى ... في هل أتى ظاهرا تنكيت فضلهم التنكيب فيه تخصيصه سورة هل أتى بالذكر, لما اشتملت عليه من مدح أهل البيت ﵈, وذلك قوله تعالى "عينا يشرب عباد الله يفجرونها تفجيرا. يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا. ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" _ الآيات.

стр. 437

روي عن ابن عباس ﵁ أن الحسن والحسين ﵉ مرضا فعادهما رسول الله ﵌ فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك. فنذر علي وفاطمة ﵉ وفضة جارية لهما صوم ثلاثة أيام إن برئا. فشفيا, وما معهم شيء, فاستقرض علي ﵇ من شمعون الخيبري ثلاثة أصوع من شعير, فطحنت فاطمة ﵍ صاعا, واختبزت خمسة أقراص, فوضعوها بين أيديهم ليفطروا, فوقف مسكين, فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء. وأصبحوا صياما, فلما أمسوا ووضعوا الطعام وقف عليهم يتيم, فآثروه, ثم وقف عليهم في الليلة الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك. فنزل جبرئيل بهذه السورة وقال: خذها يا محمد, هناك الله في أهل بيتك. ذكر ذلك القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيره, وإجماع المفسرين على ذلك والله أعلم. @أنوار الربيع في أنواع البديع حسن الإتباع هم عصمة للورى ترجى النجاة بهم ... يا فوز من زانه حسن إتباعهم. هذا النوع عبارة عن أن يأتي المتكلم إلى معنى لغيره فيحسن إتباعه فيه، بحيث يستحقه بوجه من الوجوه التي توجب استحقاقه له، إما بحسن سبك، أو قصر وزن، أو تمكين قافية، أو زيادة وصف، أو تتميم نقص، أو تحلية بحلية من البديع يحسن بمثلها النظم، وتوجب الاستحقاق. كحسن إتباع أبي نواس جريرا في قوله: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا. فإنه نقله من الفخر إلى المدح: ليس من الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد. فزاد على جرير بقصر الوزن، وحسن السبك، وإخراج كلامه من مخرج الظن، وذكره العالم وهو أعم من الناس في بيت جرير، وغير ذلك. ومن شواهده المستحسنة: حسن إتباع ابن الرومي لمحمد بن عبد الله النميري قي قوله يتغزل بزينب أخت الحجاج وأترابها، وهو يقول: فهن اللواتي إن برزن قتلنني ... وإن غبن قطعن الحشا زفرات. فقال ابن الرومي وأحسن الإتباع: ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعن أليم. فزاد عليه بزيادات أو حببت استحقاقه، ولم تبق للسمع معه على سماع بيت النميري طاقة. وقال بشار: من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج. فأحسن إتباعه سلم الخاسر فقال: من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور. فيقال عن بشار لقي بعد ذلك سلما فقال له: أولى لك يا ابن الفاعلة، تذهب ببيتي؟ والله لأسلخن جلدك هجاء، فوقع سلم على قدميه يقبلهما ويسأله العفو، حتى قال له: على أن لا تعود لمثل ذلك، فحلف، فكف عنه. وقال مسلم بن الوليد: تجري محبتها في قلب وامقها ... مجرى السلامة في أعضاء منتكس. فأحسن إتباعه أبو نواس فقال: فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم. حكى الأصمعي قال: حضرت مجلس الرشيد وعنده مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال له الرشيد: ما أحدثت بعدنا يا أبو نواس؟ فقال: يا أمير المؤمنين ولو في الخمر، فأنشده: يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم. حتى أتى على آخرها فقال: أحسنت، يا غلام فأعطه عشرة ألاف درهم وعشر خلع، فأخذها وخرج، فلما خرجنا من عنده قال لي مسلم بن الوليد: ألم ترى يا ابن سعيد أبا الحسن كيف سرق لي شعري وأخذ به مالا وخلعا؟ قلت: وأي معنى سرق؟ قال: قوله: فتشمت في مفاصلهم.... الخ البيت، فقلت: وأي شيء قلت؟ قال: قلت: غراء في فرعها ليل على قمر ... على قضيب دعص النقا الدهس. أذكى من المسك أنفاسا وبهجتها ... أرق ديباجة من سرقة النفس. كأن قلبي وشاحاها إذا خطرت ... وقلبها قلبها في الصمت والخرس. تجري محبتها في قلب وامقها ... مجرى السلامة في أعضاء منتكس. فقلت: ممن سرقت أنت هذا المعنى؟ فقال: لا أعلم أنني أخذته من أحد، فقلت: بلى، من عمر بن أبي ربيعة حيث يقول: أما والراقصات بذات عرق ... ورب البيت والركن العتيق. وزمزم والمطاف ومشعريها ... ومشتاق يحن إلى مشوق. لقد دب الهوى لك في فؤادي ... دبيب دم الحياة إلى عروقي. فقال: ممن سرق عمر بن أبي ربيعة هذا المعنى؟ فقلت: من بعض العذريين حيث يقول:

стр. 438

منع البقاء تقلب الشمس ... وخروجها من حيث لا تمسي. وطلوعها حمراء صافية ... وغروبها صفراء كالورس. تجري على كف السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس. وأخذ أبو الشيبص قول عمر بن أبي ربيعة فقال: أما وحرمة كأس ... من المدام العتيق. وعقد نحر بنحر ... ومزج ريق بريق. فقد جرى الحب مني ... مجرى دمي في عروقي. وأخذه أبو الطيب أيضاً فقال: جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي ... فأصبح لي عن كل شغل بها شغل. وقال بشار بن برد: يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك. وأحسن إتباعه التهامي فقال: ولم أشهد لهن جنى ولكن ... شهدن بذاك أعواد البشام. وزاد عليه ابن الساعاتي فقال: يخبر عن لثم السلاف لثامه ... وتشهد أطراف الأراك بشهده. وقال مؤلفه وهو أحسن من الكل سبكا: وبثغر ماء الحياة لأنفس ... أودى بهن من الصدود هلاك. ما ذقت مورده ولكن هكذا ... نقل الأراك وحدث المسواك. وقال أبو تمام: كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر. حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري. فأحسن أبو الطيب إتباعه فقال: وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صدق الخبر الخبر. فبالغ وأوجز، وجاء بالطباق والجناس. حكى ابن الأنباري قال: لما قدم العلامة السري جار الله الزمخشري بغداد قاصا للحج، قصده الشريف أبو السعادات بن الشجري نقيب السادات الأشراف، فلما اجتمع به أنشده (كانت مساءلة الركبان تخبرني ... الخ البيتين) فقال الزمخشري: روينا من طريق صحيحة الإسناد: أنه لما وفد زيد الخيل على النبي ﷺ قال له: يا زيد ما وصف لي أحد من الجاهلية فوجدته في الإسلام فوق ما وصف غيرك. قال ابن الأنباري: فخرجنا ونحن نتعجب كيف يستشهد الشريف بالشعر، والزمخشري بالحديث وهو رجل أعمى. وقال أبو تمام أيضاً يرثي طفلين: لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا. نجمان شاء الله أن لا يطلعا ... ألا ارتداد الطرف حتى يأفلا. فأحسن أبو الطيب أيضاً إتباعه فقال يرثي عبد الله بن سيف الدولة: بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل. بداوله وعد السحابة بالروى ... وصد فينا غلة البلد المحل. فأجاد السبك وزاد بمراعاة النظير بين السحابة والروي، والغلة والمحل، وأربى عليه في المعنى بقوله (وصد فينا غلة البلد المحل) لأن مقدار حاجتهم إلى وجوده. وقال البحتري: أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء. صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجبا وبر راح وهو جفاء. فأحسن إتباعه أبو العلاء المعري فقال: لو اختصر تم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر. فاستوعب معنى البيتين في صدر بيته، وزاد عليه في التمثيل في العجز، وأخرجه مخرج المثل السائر مع حسن السبك والإيجاز، والإيضاح وحسن البيان. وقال أبو الطيب: ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل. وأحسن سبط ابن التعاويذي أتباعه فقال: بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان. فإنه أخذ المعنى من قطعة خشب وأودعه في سبيكة ذهب. وقال أبو الطيب أيضاً: لو قلت للدنف الحزين فديته ... مما به لأغرنه بفدائه. فأحسن إتباعه ابن الخياط فقال: أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذاراً وخوفاً أن تكون لحبه. وقال ابن المعتز: وتحت زنانير شددن عقودها ... زنانير أعكان معاقدها السرر. فأحسن التهامي أتباعه فقال: لولاه لم يقض في أعدائه قلم ... ومخلب الليث لولا الليث كالظفر. ما صر إلا وصلت بيض أنصله ... في الهام أوطأت الأرماح في الثغر. وغادرت في العدى طعنا يحف به ... ضرب كما حفت الأعكان بالسرر.

стр. 439

الشاهد في البيت الثالث. قال الباخرزي في دمية القصر: هذا والله المعنى البديع والربيع المريع، والتشبيه اللائق، والغرض الموافق، وقد كان يملكني الإعجاب بقول ابن المعتز، فزاد التهامي عليه، وفي المثل: من زاد ركب. وقال النابغة: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... فكيف بحصن والجبال جنوح. وأحسن ابن بسام أتباعه فقال: قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر أين الرجال. هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال. وقال عمر بن كلثومك فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا. فأحسن أبو تمام أتباعه فقال: إن الأسود إسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب. وقال منصور النمري: فكأنما وقع الحسام بهامه=خدر الأسنة أو نعاس الهاجع. فأحسن أبو الطيب أتباعه فقال: كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد. وقال بكر بن النطاح: يتلقى الندى بوجه حيي ... وصدور القنا بوجه وقاح. فأحسن السري الرفاء أتباعه فقال: يلقى الندى برقيق وجه مسفر ... فإذا التقى الجمعان عاد صفيقا. وما أحسن ما قال بعده: رحب المنازل ما أقام فإن سرى ... في جحفل ترك الفضاء مضيقا. وقال الأول: خلقنا لهم في كل عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عينا وحاجبا. فأحسن ابن نباتة السعدي أتباعه فقال: خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم=عيونا لها وقع السيوف حواجب. وماى أحسن قوله بعده: لقوا نبلنا مرد العوارض وانثنوا ... بأوجههم منها لحي وشوارب. وشواهد هذا النوع أكثر من أن يحيط بها نطاق الحصر، فلنكتف منها بهذا القدر والله أعلم. وبيت بديعية الصفي قوله: ينازع السمع فيها الطرف حين جرت ... فيرجعان إلى الآثار في الأكم. قال في شرحه: موضع حسن الأتباع منه، إني سمعت بيتا مجهولا قائله، ومعناه يحتمل الزيادة وهو: وطرف يفوت الطرف في حركاته ... ولكن للأسماع فيه نصيب. فلما احتجت أن لا أخلى القصيدة من هذا النوع، زدت فيه استعارة المنازعة بين السمع والطرف والمحاكمة في الرجوع إلى الآثار، وزيادة أن الآثار في الأكم مما يدل على صلابة الحوافر والسنابك، وهو مما يمدح به الخيل، وفيه زيادة الإيغال وتمكين القافية. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية الموصلي قوله: والجذع حن عليه بعد فرقته ... حسن إتباع لتلك الأربع الحرم. قال في شرحه: إنه اتبع الفرزدق في قوله يمدح علي بن الحسين ﵇: يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: ذكراه تطربهم والسيف ينهل من ... أجسامهم لم يشن حسن إتباعهم. قال في شرحه: غنه اتبع فيه قول ابن العارض: ولي ذكرها يحلو على كل صيغة ... ولو مزجزه عذلي بملام. وبيت بديعية المقري قوله: قد مس راحته من مس راحته ... فكم من المس أبرى كل ذي لمم. قال في شرحه أنه اتبع فيه قول صاحب البردة: كم أبرأت وصبا باللمس راحته ... وأبرأت أربا من ربقة اللمم. ولم ينظم السيوطي ولا الطبري هذا النوع. قل ما أردت سوى الإشراك فهو إذن ... من فوق ما قلت من عز ومن عظم. قال في شرحه أنه اتبع فيه قول البوصيري في البردة: دع ما أدعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم. وبيت بديعيتي قولي: هم عصمة للورى ترجى النجاة بهم ... يا فوز من زانه حسن إتباعهم. هذا البيت أتبعت فيه قول الفرزدق من قصيدته في علي بن الحسين ﵇: من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم. ووجه حسن الإتباع فيه إني استوفيت معنى البيت كله في الشطر الأول، فإن من كان عصمة للورى وبه ترجى النجاة، كان من المعلوم أن حبه دين وبغضه كفر. وزدت عليه بالحض على حسن إتباعهم والترغيب في موالاتهم في الشطر الثاني صريحا مع حسن البيان وتمكين القافية، والله أعلم. الطاعة والعصيان أطعمهم وأحذر العصيان تنج إذا ... بيض الوجوه غدت في النار كالفحم.

стр. 440

قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: هذا النوع استخرجه أبو العلاء المعري عند شرحه شعر أبي الطيب المتنبي بالكتاب الذي سماه معجز أحمد، لما وقف على قوله: يريد يداً عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوا في طيفها وهو راقد. قال إنما أراد أبو الطيب: يرد يدا عن ثوبها وهو مستيقظ، بحيث تطيعه المطابقة في قافية البيت بقوله: راقد، فلما لم يطعه الوزن عدل عن لفظة راقد وهو من صنف التجنيس المقلوب، حيث لم يؤثر إخلاء البيت من إحدى صنا يع البديع، فقد عصته المطابقة، وأطاعه التجنيس. وهذا النوع لم يسمع له مثال بعد أبي العلاء المعري في سائر كتب البديع لقلة وقوعه، وتعذر اتفاقه، وإنما وقع للمتنبي نادرا. انتهى كلام الشيخ صفي الدين، وهو مأخوذ من كتاب تحرير التحبير لأبن أبي الإصبع. واستشهد الأستاذ أبو بكر الخوارزمي على هذا النوع بقول المتنبي: أرأيت همة ناقتي في ناقة ... نقلت يدا سرحا وخفا مجمرا. قال: أراد أن يقول: خفا خفيفا ليتفق له جناس الاشتقاق، فلما لم يطعه الوزن ولا القافية عدل عن لفظة خفيف، إلى لفظة مجمر، لما فيها من معنى السرعة والخفة، فكان تجنيسا معنويا، فقد عصاه الجناس اللفظي، وأطاعه الجناس المعنوي. والمجمر اسم فاعل من أجمر البعير: إذا أسرع. والسرح بضمتين: السهلة السير. قال ابن أبي الأصبع: تقريرهم هذا النوع، وجهه أن القوم أضربوا عن النظر فيه، أما لحسن ظنهم بالمعري وموضعه من الأدب، واعتقادهم فيه من العصمة من الخطأ والسهو وإما يكون مر عليهم ما مر عليه في بيت أبي الطيب المذكور أولا، وليس فيه شيء أطاع الشاعر، ولا شيء عصاه، ودليل ذلك قول المعري: إن المتنبي أراد (مستيقظا) ليحصل بينه وبين لفظه (راقد) طباق، فعصته لفظة (مستيقظ) لامتناعها من الدخول في هذا الوزن، وهذا محال، لأنه لو أراد ذلك لقال: يرد يدا عن ثوبها وهو ساهر، فكان يحصل له غرضه من الطباق ولم يعصه الوزن، وإنما أراد أن يكون في بيته جناس وطباق، فعدل عن لفظه (ساهر) إلى (قادر) لأن القادر (ساهر) وزيادة، وحصل بين (قادر وراقد) الطباق المعنوي، وجناس العكس. ومذهب المتنبي ترجيح المعاني على الألفاظ، ولاسيما بالعدول عن الطباق اللفظي حصل في البيت الطباق والجناس معا. وما كان فيه الطباق والجناس معا أفضل مما ليس فيه سوى الطباق. ولو عدل المتنبي إلى ما قاله المعري لفاته هذا الفضل. انتهى كلام ابن أبي الأصبع. وتقريره هذا لا يجري في البيت الثاني لأبي الطيب الذي خرجه الخوارزمي على هذا كما لا يخفى. وبيت بديعية الصفي الحلي قوله: لهم تهلل وجه بالحياء كما ... مقصورة مستهل من أكفهم. قال في شرحه: أراد أن يقول: لهم تهلل وجه بالحياء، وأكفهم مستهلة، ليحصل التجانس بين الحياء والحيا، فلما عصاه التجنيس، ولم يؤثر أخلاء البيت من صنعة البديع عدل إلى لفظة (مقصورة) التي هي ردف (الحيا) فأطاعه الأرداف والتوجيه والجناس المعنوي. انتهى ملخصا. وتعقبه ابن حجة بأنه لو قال: لهم تهلل وجه بالحيا كما ... لنا الحيا مستهل من أكفخم. لحصل له ما أراد من الجناس. فدعوى العصيان هنا محال. انتهى. وأنا أقول: يكفي الشاعر في دعوى العصيان أنه حاول ذلك في وقت النظم فلم يطعه، وإن أطاعه وأطاع غيره في وقت آخر. ألا ترى أن الشاعر قد يحاول نظم معنى من المعاني في وقت من الأوقات فلا يتسهل له، ويتسهل له في وقت آخر، وكفاك شاهدا على ذلك قول النابغة: أنه ليمضي علي وقت ولقلع ضرس من أضراسي أسهل علي من نظم بيت واحد. وبيت بديعية الموصلي قوله: أطاعه وعصاه المؤمنون ومن ... ناوى لدى الفرق بين الإنس والنعم. قال في شرحه: أراد الطباق بين المؤمنين والكافرين، فعصاه الوزن وتعذرت المطابقة، فأتى بلفظ (ناوى) فأطاعته المطابقة وعصاه الوزن. وتعقبه ابن حجة أيضاً بأنه لو قال: أطاعه وعصاه المؤمنون وجم ... ع الكافرين ولم يحفل بجمعهم. لحصل له ما أراد من المطابقة بين المؤمنين والكافرين. والجواب عنه ما تقدم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: طاعاتهم تقهر العصيان قدرهم ... له العلو فجانسه بمدحهم.

стр. 441

قال في شرحه: أردت أن أجانس فيه بين العلو والغلو فلم يطع فيها الوزن، فعدلت إلى لفظة (جانسه) فحصل الجناس المعنوي بإشارة ردفه إليه. فهذا البيت مشتمل على الطاعة والعصيان حقيقة. انتهى. وأنا أقول: لو أردنا أن نورد عليه مثل ما "أورده هو على بيتي الصفي والموصلي أمكننا أن نقول: أنه لو قال: طاعاتهم تقهر العصيان قدرهم ... له غلو علة بارتفاعهم. لحصل له ما أراد من جناس التصحيف بين العلو والغلو، فلم يكن بيته مشتملا على الطاعة والعصيان حقيقة كما ادعاه. وبيت بديعية المقري قوله: مكرم الأب سامي الجد عم ندى ... يوفي العقود وكم قد حلها وكم. قال في شرحه: أراد أن يقول: يوفي العقود، وكم قد حل العقود، ليحصل له التجنيس التام فعصاه ولم يقم الوزن، فعدل إلى قوله: وكم قد حلها، فأطاعه الاستخدام. انتهى. وإذا أوردنا عليه إيراد ابن حجة قلنا أنه لو قال (يوفي العقود وكم حل العقود كم) لحصل له ما أراد فلم يعصه تجنيس ولا وزن. وبيت بديعية العلوي قوله: تلقاه مبتسما في موقف ضنك ... وكل قرن له وجه من الظلم. أراد أن يقول: وكل قرن له عابس، ليقابل بينه وبين المبتسم فلم يطعه الوزن، فعدل عنه إلى قوله: له وجه من الظلم، فحصل له الكناية. وبيت بديعيتي قولي: أطعهم واحذر العصيان تنج إذا ... بيض الوجوه غدت في النار كالفحم. أراد أن يقول بيض الوجوه غدت في النار سودا، ليحصل له المطابقة بين البيض والسود فلم يطعه فعدل إلى قوله: كالفحم، فحصل له التشبيه ومراعاة النظير بين النار والفحم. فقد عصاه نوع من البديع وهو الطباق، وأطاعه نوعان وهما التشبيه ومراعاة النظير، والله أعلم. البسط . بسط الكف يرون الجود مغنمة ... لا يعرفون لهم لفظا سوى نعم. البسط هو الإطناب، وهو خلاف الإيجاز، ومنهم من خصه بالإطناب بتكثير الجمل، فقسم الإطناب إلى قسمين: بسط، وزيادة. فالأول الإطناب بالجمل، والثاني الإطناب بغيرها والبديعيون لا يعرفون ذلك. وأعلم أن الإيجاز والإطناب من أعظم أنواع البلاغة، حتى نقل صاحب سر الفصاحة عن بعضهم، أنه قال: البلاغة هي الإيجاز والإطناب. قال الزمخشري: كما أنه يجب على البليغ قي مظان الإجمال أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل أن يفصل ويشبع. أنشد الجاحظ: يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء. واختلفوا في تفسير الإيجاز والإطناب، فقال السكاكي وجماعة: الإيجاز هو أداة المقصود من الكلام بأقل من عبارة المتعارف من الأوساط الذين ليس لهم فصاحة وبلاغة، ولاعي وفهاهة، أي كلامهم في مجرى عرفهم في تأدية المعاني عند المعاملات والمحاورات. والإطناب أداؤه بأكثر منها، لكون المقام خليقا بذلك. وعلى هذا التفسير فيكون بين الإيجاز والإطناب واسطة وهي المساواة، وسيأتي الكلام عليها في بابها مبسوطا إن شاء الله تعالى. وتعقب الخطيب القزويني تفسير السكاكي المذكور للنوعين، بأنه رد إلى الجهالة، لأنه لا يعرف كمية متعارف الأوساط وكيفيتها لاختلاف طبقاتهم حتى يقاس عليه ويحكم بأن المذكور أقل منه أو أكثر. وأجيب بأن الألفاظ قوالب المعاني، والقدرة على تأدية المعاني بعبارات مختلفة في الطول والقصر والتصرف في ذلك بحسب مناسبة المقام، إنما هي من أدب البلغاء. وأما المتوسطون بين الجهال والبلغاء، فلهم في تفهيم المعاني حد معلوم من الكلام يجري فيما بينهم في الحوادث اليومية، يدل بحسب الوضع على المعاني المقصودة، وهذا معلوم للبلغاء وغيرهم، فالبناء على المتعارف واضح بالنسبة إليهما جميعا، فلا رد إلى الجهالة. ولما لم يرفض القزويني تفسير السكاكي قال: الأقرب أن يقال: إن المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية أصل المراد، وهو إما بلفظ مساوٍ له، أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة. الأول: المساواة، الثاني: الإيجاز، والثالث: الإطناب. واحترز بقوله: واف، عن الإخلال، وبقوله: لفائدة، عن الحشو والتطويل، فأثبت المساواة التي هي الواسطة أيضاً. وقال ابن الأثير وجماعة: الإيجاز: التعبير عن المراد بلفظ غير زائد، والإطناب بلفظ أزيد لفائدة، فلم يثبتوا واسطة.

стр. 442

والإطناب، قيل: بمعنى الإسهاب وألحق أنه اخص منه. فإن الإسهاب التطويل لفائدة، أو لا لفائدة، كما ذكره التنوخي وغيره. وإذا عرفت ذلك، فالبسط عند البديعين هو الإطناب بالجمل وغيرها، نحو قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي يجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون. أطنب فيها أبلغ إطناب، وزاد على المتعارف، وهو أن يقول: عن في وقوع كل ممكن على نظام مخصوص لآيات للعقلاء، لكون الخطاب مع الثقلين، وفي كل عصر وحين، للعالم منهم والجاهل، والموافق والمنافق. وقول نبيه ﵊ (الدين النصيحة) ، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله وكتابه ونبيه وللأئمة المسلمين وعامتهم، فبسط الكلام وزاد على المتعارف، وهو أن يقول: لله وكتابه ونبيه والمسلمين، فإنها لفظة جامعة للأئمة والعامة، لأجل التخصيص وأفراد الأئمة بالذكر. ومثاله من الشعر قول ابن المعتز يصف الخير: قد نفض العاشقون ما صنع ال ... الدهر بألوانهم على ورقه. فإن حاصل هذا الكلام: الإخبار بصفرة الخيري، بأن يقول: الخير أصفر، فبسط هذا اللفظ الذي لو اقتصر عليه حصل الغرض لما فيه من حسن إدماج الغزل في الوصف بغير لفظة تشبيه ولا قرينة، إذ مفهوم اللفظ: إن صفة الخيري تشبه ألوان العاشقين. وقول أبي العلاء المعري: والحمد والكبر ضدان اتفاقهما ... مثل اتفاق فتاء السن والكبر. يجنى تزايد هذا من تناقص ذا ... والليل إن طال غال اليوم بالقصر. وحاصل ذلك: ذم الكبر، وكان أصله أن يقول: الكبر ممقوت ابلغ مقت، فأطنب بوضعه موضعه قوله: ضدان، وأردفه التشبيه التمثيلي وهو قوله: اتفاقهما مثل اتفاق فتاء السن والكبر، ثم بين الوجه على سبيل الاستيناف يقوله: يجنى تزايد هذا من تناقض ذا، ثم ذيله بالاستعارة التمثيلية وهي قوله: والليل إن طال غال اليوم بالقصر. كل ذلك لأجل المبالغة في ذم الكبر، وتصوير عدم اجتماعه والحمد في الوجود ليعلم أنه من أقبح الأخلاق. وقول الطغرائي: والحب حيث العدى والأسد رابضة ... حول الكناس لها غاب من الأسل. فإن الغرض من جميع البيت: ما قاله ابن هاني المغربي في شطر بيت وهو (الحب حيث المعشر الأعداء. ولكنه بسط الكلام للمبالغة في وصف محبوبه بأنه مصون محتجب لا سبيل إلى الوصول إليه والحال هذه. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي: سهل الخلائق سمح الكف باسطها ... منزه لفظه عن ل ولن ولم. وبيت بديعية الموصلي قوله: ذو بسط كف وخلق زانه خلق ... أثنى عليه إله العرش بالعظم. وبيت بديعية ابن حجة: هم معشر بسطوا جودا سقاه حيا ... فأخضر العيش في أكناف أرضهم. وبيت بديعية المقري قوله: ما ذاك عم عدد جم ولا عدد ... وهل يقال لفضل الله ذا بكم. وبيت بديعية السيوطي: عن كنه معناه كل المطنبون وقد ... أوتى البلاغة والإيجاز في الكلم. وبيت بديعية العلوي قوله: منه الندى والعطا والجود منبعه ... يزري عطاه عطاء الوابل الرزم. وبيت بديعيتي قوله: بسط الأكف يرون الجود مغنمة ... لا يعرفون لهم لفظا سوى نعم. الحاصل من جميع البيت: وصفهم بالكرم، وبسط الكلام لتأكيد مدحهم بذلك والله أعلم. المدح في معرض الذم . إن شئت في معرض الذم المديح فقل ... لا عيب فيهم سوى إكثار نيلهم. هذا النوع من مستخرجات ابن المعتز، وسماه قوم: تأكيد المدح بما يشبه الذم، وآخرون: النفي والجحود. وهو ضربان: أحدهما، وهو أفضلهما، أن يستثنى من صفة ذم منفية صفة مدح يتعذر دخولها فيه. كقول النابغة الذبياني: لا عيب فيهم غير إن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب.

стр. 443

فالعيب صفة ذم منفية استثنى منها صفة مدح، وهي أن سيوفهم ذات فلول، أي لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهذه الصفة، إن كان فلول السيف من قراع الكتائب عيبا. فأثبت شيئا من العيب على تقدير كون فلول السيوف منه، وهو محال، لأنه كناية عن كملل الشجاعة، فهو بالمعنى تعليق بالمحلل كقولهم: حتى يبيض القار، فتأكيد المدح ونفي الذم في هذا الضرب من جهتين، إحداهما: انه كدعوى الشيء بينية، لأنه علق نقيض المطلوب وهو إثبات شيء من العيب بالمحال محال، فعدم العيب ثابت، والثانية: الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا، وهو دخول المستثنى في المستثنى منه، على تقدير السكوت على الاستثناء، ليكون ذكر المستثنى إخراجا له عن الحكم الثابت للمستثنى منه، وذلك لأن الاستثناء المنقطع مجاز على ما تقرر في محله. وإذا كان الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا فذكر ما بعدها يوهم السامع أن ما يأتي بعدها مخرج مما قبلها، فيظن إن غرض المتكلم إخراج من أفراد ما نفاه من العيب، وإرادة أثباته، حتى يحصل فيهم شيء من العيب، فإذا أتت بعدها صفة مدح وتحول الاستثناء من الاتصال إلى الانقطاع تأكد المدح، لكونه مدحا على مدح، وللإشعار بأنه لم يجد فيهم صفة ذم حتى يثبتها، فاضطر إلى استثناء صفة مدح، مع ما فيه من نوع خلابة وتأخيذ للقلوب. الضرب الثاني: أن يثبت لشيء صفة مدح، ويعقب بأداة استثناء يليها صفة مدح أخرى، كقوله ﵇: أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، أي غير أني من قريش، وهذا الضرب لا يفيد التأكيد إلا من الجهة الثانية من الجهتين المذكورتين في الضرب الأول، وهو أن الأصل في مطلق الاستثناء أن يكون متصلا، فذكر أداته قبل ذكر المستثنى يوهم إخراج شيء مما قبلها، من حيث أنه استثناء، فإذا ذكر بعد الأداة صفة مدح أخرى تأكد المدح، ولا يتأتى فيه التأكيد إلا من الجهة الأولى، وهي أنه كدعوى الشيء بينية، لأنها مبنية على التعليق بالمحال المبني على تقدير الاستثناء متصلا، ولهذا كان الضرب الأول أفضل. ومن هذا الضرب قول النابغة الجعدي: فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا. وقول بديع الزمان الهمذاني: هو البدر إلا انه البحر زاخرا ... سوى انه الضرغام لكنه الوبل. والاستدارك في هذا البيت يجري مجرى الاستثناء. ومما وقع في هذا النوع في التنزيل قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما.) وهو يحتما أن يكون من الضرب الأول، بأن يقدر السلام داخلا في اللغو والتأثيم فيفيد التأكيد من جهتين، وأن يكون من الضرب الثاني بأن لا يقدر ذلك ويجعل الاستثناء من أصله منقطعا. وأصحاب البديعيات بنوا أبياتهم على الضرب الأول لكونه أفضل عما علمت. وبيت بديعية الصفي الحلي قوله: لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلوا عن الأهل والأوطان والحشم. وبيت بديعية ابن جابر قوله: لا عيب فيهم سوى أن لا يرى لهم ... ضيف بجوع ولاجار بمهتضم. وبيت بديعية الموصلي قوله: في معرض الذم أن قيل المديح فهم ... لا عيب فيهم سوى الإعدام للنقم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: في معرض الذم إن رمت المديح فهم ... لا عيب فيهم سوى إكرام وفدهم. وبيت بديعية المقري قوله: لا عيب فيه سوى أن العصاة به ... يلقون عفو كبير الإثم واللمم. وبيت بديعيتي قولي: إن شئت في معرض الذم المديح فقل ... لا عيب فيهم سوى إكثار نيلهم. ولم ينظم الطبري هذا النوع في بديعيته، والله أعلم. الإيضاح وضنهم زاد إيضاحا وبخلهم ... بعرضهم ونداهم فاض كالديم.

стр. 444

قال أهل البيان: إذا أردت أن تبهم ثم توضح، فأنك تطنب، وفائدته غما رؤية المعنى في صورتين مختلفتين، الإبهام والإيضاح، أو ليتمكن المعنى في النفس تمكنا زائدا، لما طبع الله النفوس عليه من ظان الشيء إذا ذكر مبهما ثم بين كان أوقع فيها من أن يبين أولا، أو لتكمل لذة العلم فإن الشيء إذا علم من وجه دون وجه تشوقت النفوس على العلم بالمجهول، فيحصل لها بسبب العلم لذة، وبسبب حرمانها من الباقي ألم، فإذا حصل العلم من بقية الوجوه حصلت بها لذة أخرى، واللذة عقيب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم، كقوله تعالى (قال رب اشرح لي صدري) ، فإن قوله: اشرح لي، يفيد طلب شرح شيء لشيء ما له، وقوله: صدري، يفيد إيضاحه، وقد يكون لتفخيم الأمر وتعظيمه، كقوله تعالى (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) ففي إبهامه وإيضاحه تفخيم للأمر وتعظيم. قال البديعيون: الإيضاح أن يذكر المتكلم في كلامه مفردا لا يفهم معناه لغرابته حتى يوضحه في بقية كلامه، أو جملة في ظاهرها لبس وخفاء لا يستقل الفهم بالمراد منها حتى يوضحها في آخر الكلام. فالأول كقوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا. وقد سأل عبد بن طاهر أحم بن يحيى: ما الهلع؟ فما زاد على التلاوة. وسئل الأصمعي عن معنى الألمعي فأنشد: قول أوس بن حجر: الألمعي الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا. وقال أبو العالية: القيوم: لا تأخذه سنة ولا نوم. وقال القرظي: الصمد: لم يلد ولم يولد. وهو في القرآن كثير. والثاني كقوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. فقوله: خلقه وما بعده، إيضاح للجملة الأولى. قال المفسرون: قوله: خلقه من تراب جملة مفسرة للتمثيل، مبينة لما له الشبه، وهو انه خلق بلا أب كما خلق آدم من التراب بلا أب وأم، شبه حاله بما هو أغرب إفحاما للخصم وقطعا لمواد التشبيه. ومثاله من الشعر قول أبي الطيب: وكم لظلال الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب. وقال ردى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب. قال أبو العلاء: المانوية منسوبة إلى ماني، وهو رجل يعظمه أهل مذهبه، ويقال: أن طائفة من الترك عظيمة يرون مذهبه، وإن أهل الصين على مذهبه، وإن لأصحابه كتبا ومناظرات، ويزعمون باثنين: رب يفعل الخير لا غير، وهو في بعض الألسنة الذي يسمى يزدان، وضده يفعل الشر ويسمونه أهرمن. ويذكر عنهم أنهم يقولون: الخير من النهار، والشر من الليل، وأنهما أصلان للعالم حيان حساسان دراكان، فرد عليهم أبو الطيب بالبيت الأول فقال: كم نعمة لظلام الليل تكذب قولهم. ثم أوضح ذلك في البيثاني. ومنه قول الآخر: يذكر نيك الخير والشر كله ... وقيل الخنا والحلم والعلم والجهل. فألقاك عن مكروهها متنزها ... وألقاك كن محبوبها ولك الفضل. فإن البيت الأول معناه ملتبس لكونه يقتضي المدح والذم، فأوضحه في البيت الثاني بما أزال اللبس. وقول أبي الحسن الباخرزي: ألا لا سقى صوب العوارض قبره ... ففي قبره من فيض كفيه أبحر. ولا غفر الرحمن ذنبا أتى به ... إذا لم يكن ذنب فمن أن يغفر والفرق بين الإيضاح والتفسير إصطلاحي، وقد تقدم بيانه في نوع التفسير فليرجع إليه. وبيت بديعية الصفي قوله: قادوا الشوازب كالأجيال حاملة ... أمثالها ثبتة في كل مصطدم. قال في شرحه: قوله: ثبتة في كل مصطدم، يوضح قوله أمثالها. وبيت الموصلي قوله: هذا وتزداد إيضاحا مخافتهم ... في كل معترك من بطش ربهم. وبيت بديعية المقري قوله: مثبت الجأش يحمي الجيش إذا فرقوا ... وباذل العفو إذ يردي لكل كمي. وبيت بديعيتي قولي: وضنهم زاد إيضاحا وبخلهم ... بعرضهم ونداهم فاض كالديم. فقولي: بعرضهم إيضاح للضن والبخل الذي أضافه إليهم في صدر البيت والله أعلم. التوهيم . محققون لتوهيم العدى أبدا ... كأنهم يعشقون البيض في القمم.

стр. 445

هذا النوع عبارة عن أن يأتي المتكلم بكلمة يوهم ما قبلها أو بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها أو تحريفها باختلاف بعض إعرابها، أو اختلاف معناها، أو اشتراك لغتها بأخرى، وغير ذلك من وجوه الاختلاف، والأمر بضد ذلك. فمثال التصحيف قوله تعالى: (أصيب به من أشاء) ، فإن إصابة العذاب أوهمت السامع أن لفظة (أشاء) بالسين المهملة من الإساءة، ولذلك قرأها حماد الراوية كذلك، وكان لا يحسن القرآن. وقوا أبي الطيب: وأن الفيام التي حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس. فأن لفظة الأرجل أوهمت السامع أنه أراد (القيام) بالقاف، ومراده بالفاء- كما وردت به الرواية- وهي الجماعات، وهو الذي تقتضيه المبالغة، لأن القيام بالقاف يصدق على أقل الجمع. ومثال اختلاف الأعراب قوله تعالى (وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) فإن القياس يقتضي أن يقول: ثم لا ينصروا، بالجزم، عطفا على ما قبله، لكن لما كان الغرض الإخبار بأنهم لا ينصرون أبدا ألغى العطف، وأبقى صيغة الفعل على حالها لتدل على الحال والاستقبال. وقول الشاعر: إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وضباء. فإن لفظة (إن) في البيت توهم السامع أن (من) اسمها، وليس كذلك، بل اسمها ضمير شأن محذوف، والجملة خبرها، أي (أنه من يدخل الكنيسة. وإنما لم يجعل (من) اسمها لأنها شرطية بدليل جزمها الفعلين، والشرط له الصدر فلا يعمل فيما قبله. ومثال اختلاف المعنى قوله تعالى: (ومن يكرههن فإن الله من بع إكراههن غفور رحيم) ، فإنه يوهم السامع أنه غفور للمكره، وإنما هو لهن. ومنه قول الشاعر: يلقاك مرتديا بأحمر من دم ... هبت بخضرته الطلى والأكبد. فإن قوله: بأحمر من دم، يوهم السامع أن معناه: بأشد حمرة من الدم، وهذا يقتضي كونه اسم تفضيل وهو ممتنع في الألوان وإنما قوله: من دم، تعليل، أي أحم من اجل التباسه بالدم أو صفة، كأن السيف لكثرة التباسه بالدم صار دما. ومثاله قول المتنبي: إبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم. أي أسود كائن من جملة الظلم، لا أشد سوادا من الظلم. ومثال توهمه بالاشتراك قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان) ، فإن ذكر الشمس والقمر يوهم السامع أن النجم احد النجوم السماوية، وإنما المراد به النبت الذي لا ساق له وبالشجر الذي له ساق. وقول الصفي الحلي: وساق من بني الأتراك طفل ... آتيه به على جمع الرفاق. أملكه قيادي وهو رقي ... وأفديه بعيني وهو ساقي. فإن ذكر العين يوهم أنه أراد بقوله (ساقي) العضو المعروف الذي هو ما بين الركبة والقدم، وإنما أراد الساقي. وتوهم ابن حجة انه قصد بذلك التورية، فأورد لبيتين في باب التورية وقال: لا شك أن مراده بالمعنى الواحد من التورية ساقي الراح وهو ظاهر صحيح. وبالمعنى الثاني أن يكون هذا الساقي ساقيا للشيخ صفي الدين وهو غير ممكن. انتهى. وهذا عمى بصيرة من ابن حجة عن المقصود، ولم يقصد الشيخ صفي الدين التورية، وإنما قصد التوهيم. وهذا أحد وجوه الفرق بين التورية والتوهيم، فإن الفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها، إن التورية توهم وجهين صحيحين قريبا وبعيدا، والمراد البعيد منهما، والتوهيم يوهم صحيحا وفاسدا والمراد الصحيح منهما. وكذلك هو في البيتين المذكورين. الثاني: أن التورية لا تكون إلا باللفظة المشتركة، والتوهيم بها وبغيرها. الثالث: أن إيهام التورية مما يتعمده الناظم، والتوهيم مما يتوهمه القارئ أو السامع. إذا عرفت ذلك فقول ابن حجة: هذا النوع أعني التوهيم كان لا يليق به أن ينتظم في سلك التورية، ليس بصحيح. وبيت بديعية الصفي قوله: حتى إذا صدروا والخيل صائمة ... من بعد ما صلت الأسياف في القمم. قال في شرحه قوله: صائمة، يوهم أن مراده بقوله صلت الأسياف من الصلاة، مراده الصليل، وهو صوت الحديد. وبيت بديعية الصفي قوله: يا سائرا مفردا أعربت لحنك في ... توهيم منع رضاع الشاء من حلم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: والبعض ماتوا من التوهيم وأطرحوا ... والسمر قد قبلتهم عند موتهم. وبيت بديعية المقري قوله:

стр. 446

واري الزناد ولا قدح ينال به ... بر يقصر عنه البحر في الكرم. وبيت بديعية العلي قوله: وكم نجا لصلاة منه ذو خطأ ... وصام في الحشر كي ينجي أولي الوضم. وبيت بديعتي قولي: محققون لتوهيم العدى أبدا ... كأنهم يعشقون البيض في القمم. بيان التوهيم فيه أن قوله: يعشقون، يوهم السامع أن مراده بالبيض، الحسان، وإنما المراد بها السيوف، والله أعلم. الألغاز . من كل كاسر جفن لا هدو له ... من الغرار فخذ ألغاز وصفهم. الألغاز مصدر الغزت الكلام، وفيه: أتيت بها مشتبها. قال ابن فارس: اللغز: ميلك بالشيء عن وجهه. وفي الإصطلاح: أن يأتي المتكلم بكلام يعمي به المقصود، بحيث يخفى على السامع فلا يدركه إلا بفضل تأمل ومزيد نظر. ألقى يحيى بن أكثم على المتوكل قوله: وباسطة بلا نصب جناحا ... وتسبق ما يطير ولا تطير. إذا ألقمتها الحجر اطمأنت ... وتجزع أن يباشرها الحرير. وقال أبو العلاء المعري في الآبر: سعت ذا سم في قميصي فغادرت دبه أثرا والله يشفي من السقم. كست قيصرا ثوب الجمال وتبعا ... وكسرى وجاءت وهي عارية الجسم. وقال آخر في القلم: وذي خضوع راكع ساجد ... ودمعه من جفنه جار. مواظب الخمس لأوقاتها ... منقطع في خدمة الباري. وقال موفق الدين علي بن الجزار في قرية السباحة: وذات فم طورا تسبح ربها ... ولم تكتسب أجرا بتسبيحها قط. معانقة الصبيان مضمرة الهوى ... كأن بقايا قوم لوط لها رهط. وقال في قصب السكر: وذي هيف كالغصن قدا إذا بدا ... يفوق القنا حسنا بغير سنان. وأعجب ما فيه يرى الناس أكله ... مباحا قبيل العصر في رمضان. وقال في خلخال: ومضروب بلا ذنب ... مليح القد ممشوق. حكى شكل الهلال على ... رشيق القد معشوق. وأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط في السوق. قيل: أن بعض الناس لما سمع هذه الأبيات قال: دخلت السوق فلم أجد على الأمشاط شيئا. ولما غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار ﵁ على أصبهان في آخر أيام بني أمية، واجتمع عليه الناس، كتب إلى عمران بن هند يخبره بذلك، فأجابه عمران: أتاني كتاب منك بالله سرني ... تخبرني فيه بإحدى العجائب. تخبرني إن العجوز تزوجت ... على كبر منها كريم الضرائب. فهناكم الله الكريم نكاحها ... وراش بها كل ابن عم وصاحب. أراد بالعجوز الخلافة. وحكي أن الشيخ نجم الدين الفقير سأل جماعة من الطلبة المشتغلين عليه عن قول الشاعر: يا أيها الحبر الذي ... علم العروض به امتزج. أبن لنا دائرة ... فيها بسيط وهزج. ففكر بعضهم ساعة طويلة ثم قال: هذا في الدولاب، لأنه أراد بالبسيط: الماء، وبالهزج: صوته حال دورانه. فقال الشيخ: صدقت، إلا أنك أدرت الدولاب زمانا حتى ظهر لك المقصود. وكتب شرف الدين شيخ الشيوخ بحماة إلى والده ملغزا في باب بقوله: وواقف بالمخرج ... يذهب طورا ويجري. لست تخاف شره ... ما لم يكن بمرتج. فكتب إليه والده: ذهاب ومجيء، وخوف وشر، هذا باب خصومة السلام. ويحكى عن أبي عطاء السندي الشاعر المشهور، أنه كانت في لسانه عجمة أهل السند، فاجتمع حماد الراوية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان النحوي، وبكر بن مصعب المزني في بعض الليالي ليتذاكروا، فقالوا: ما بقي شيء ألا تهيا لنا في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي ليحضر عندنا ويكمل به المجلس. فأرسلوا إليه، فقال حماد بن الزبرقان: أيكم يحتال لأبي عطاء حتى يقول: جرادة، وزوج، وشيطان- وإنما اختار له هذه الألفاظ لأنه كان يبدل الجيم زالا، والشين سينا- فقال حماد الراوية: أنا أحتال له في ذلك. فلم يلبثوا أن جاءهم أبو عطاء، فقال: هياكم الله، فقالوا له مرهبا مرهبا- يريدون مرحبا مرحبا على لغته- فقالوا: ألا تتعشى؟ فقال: تعسيت- بالسين- فهل عندكم نبيذ؟ فقالوا: نعم، فأتي بنبيذ فشرب حتى استرخى، فقال له حماد الراوية: يا أبا عطاء، كيف معرفتك باللغز؟ فقال: هسن- يريد حسن- فقال: له ملغزا في جرادة:

стр. 447

فما صفراء تكنى أم عوف ... كأن رجليتيها منجلان. فقال: زرادة، فقال: صدقت. ثم قال ملغزا في زج: فما اسم حديدة في الرمح ترسى ... دوين الصدر ليست بالرماح. فقال: زز، فقال: أصبت. ثم قال ملغزا في مسجد بجوار بني شيطان، وهو بالبصرة. أتعرف مسجدا لبني تميم ... فويق الميل دون بني أبان. فقال: هو بني سيطان، فقال: أحسنت. ثم تنادموا وتفاكهوا إلى سحرة في أرغد عيش. وهذا أبو عطاء من الشعراء الجيدين، واسمه مرزوق، وكان عبداً أحزب- والأحزب المشقوق الأذن- وله في كتاب الحماسة مقاطيع نادرة. وقال ابن منقذ ملغزا في الضرس: وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد. لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت=عيني عليه تفارقتا إلى الأبد. وكتب النصير الحمامي إلى السراج الوراق ملغزا في سيل: قصدت سراج الدين في ليل فكرة ... فكاد جواد الفكر في سبله يكبو. ليرشدني شيئا به يدرك المنى ... له قلب صب كم فؤاد له يصبو. إذا ركب البيداء يخشى ويتقى ... ولم يفنه طعن ول م يفنه ضرب. بقلب يهد الصخر عند لقائه ... ومن عجب الأشياء ليس له قلب. فأجابه السراج الوراق: أراك نصير الدين هذبت خاطري ... وقد لذ لي من لغزك السلسل العذب. وأثبت قلبا منه ثم نفيته ... وأعرفه صبا وهام له قلب. وأعرف منه أعينا لا تحفها ... جفون كعادات العيون ولا هدب. فدونك ما ألغزته لي مبينا ... وذلك ما يحتاجه العجم والعرب. وأنشد ابن الأعرابي في أيام الجمعة: يا سبعة كلهم إخوان ... ليسوا يموتون وهم شبان. لم يرهم في موضع إنسان. وقال بعضهم في فتيلة المصباح: وحية في رأسها درة ... تسبح في بحر قصير المدى. إذا تناءت فالعمى حاضر ... وإن دنت بأن سبيل الهدى. ومن الألغاز النحوية قول الشاعر: إن هند المليحة الحسناء ... وأي من أضمرت لخل وفاء. برفع هند والمليحة، ونصب الحسناء، فيقال: كيف رفع اسم إن وصفته الأولى؟ والجواب: أن الهمزة فعل أمر، وأي- كوفي ويفي- بمعنى وعد، والنون للتوكيد، والأصل (أين) بهمزة مكسورة، وياء ساكنة للمخاطبة، ونون مشددة ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع النون المدغمة، وهند منادى مثل (يوسف أعرض عن هذا) ، والمليحة: نعت لها على اللفظ، والحسناء: إما نعت لها على الموضع، إما تقدير أمدح، وإما نعت لمفعول به محذوف، أي عدي يا هند المرآة الحسناء. وعلى الوجهين الأولين فإنما يكون أمرها بإيقاع الوعد الوفي من غير أن يعين لها الموعود، وقوله (وأي) من مصدر نوعي منصوب بفعله، والأصل (وأيا مثل وأيا من) فحذف أولا (وأيا) ثم (مثل) وأنيب (وأي) منابه. ومثله (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر. وقوله: (أضمرت) بالتأنيث ومحمول على المعنى مثل: من كانت أمك؟. وقول أخر: أقول لعبد الله لما سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم. ويقال: أين فعلا (لما) ؟ والجواب: إن (سقاؤنا) فاعل لفعل محذوف يفسره (وها) بمعنى سقط، والجواب محذوف تقديره (قلت) بدليل قوله (أقول) ، وقوله (شم) آمر، من قولك (شمت البرق) إذ نظرت إليه، والمعنى: لما سقط سقاؤنا قلت لعبد شمسه. ومن الألغاز العربية قول الشاعر: عافت الماء في الشتاء فقلنا ... برديه تصادفيه سخينا. فيقال: كيف يكون التبريد سببا لمصادفته سخينا، وجوابه: إن الأصل (بل برديه) ثم كتب على لفظه للألغاز. وبيت بديعية الصفي قوله: حران ينقع حر الكر غلته ... حتى إذا ضمه برد المقيل ظمي. وبيت بديعية الموصلي قوله: إن المنافق لغز قلبه زغل ... وهو المعمى كمثل الأرزة الرزم. قال ابن حجة: لم يأت الشيخ عز الدين في بيته بغير الجناس المقلوب في (لغز وزغل) وأما التعمية ب (الأرزة الرزم) فما علمت مار المراد منها حتى نظرت في شرحه فوجدته قد قال: الرزم: القائم. والأرزة: شجرة الصنوبر. فما ازددت في التعمية غير تعمية. وبيت بديعية ابن حجة ملغزا في الرمح قوله: وكلما ألغزوه حله لسن ... مذ طال تعقيده أزرى بفهمهم. وبيت بديعية المقري قوله:

стр. 448

أقيم ضربا عليه الحد حال تقى ... وحين أسرف لم يضرب ولم يضم وهذا أيضاً لغز في السيف. وبيت بديعيتي قولي ملغزا في السيف: من كل كاسر جفن لا هدو له ... من الغرار فخذ الغاز وصفهم. الجفن: غطاء العين، وغمد السيف، والهدو: السكون، والغرار: القليل من النوم، وحد السيف. فهذه ألفاظ تدل بظاهرها على غير المقصود وهو وصف السيف، بأنه يكسر غمده من ذلاقة حده، فلا قرار له في غمده، والله أعلم. الإرداف . هم أردفوا عذب الخطي جائلة ... حيث الوشاح بضرب الصارم الخذم. الإرداف في اللغة، مصدر أردفه: إذا حمله خلفه على ظهر الدابة، فهو رديف، وردف. وفي الإصطلاح، هو والكناية شيء واحد عند علماء البيان، وفرق بينهما أئمة البديع، كقدامة، والحاتمي، والرماني، وغيرهم. قالوا: هو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له، بل بلفظ هو ردفه وتابعه، كقوله تعالى (وقضي الأمر) والأصل: وهله من قضى الله هلاكه، ونجى من قضى الله نجاته. وعدل عن ذلك إلى لفظ الإرداف لما فيه من الإيجاز، والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي بأمر آمر مطاع، وقضاء من لا يرد قضاؤه، والأمر يستلزم آمرا، فقضاؤه يدل على قدرة الآمر به وقهره، وأن الخوف من عقابه والرجاء من ثوابه يحضان على طاعة الآمر، ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص. وكذا قوله (واستوت على الجودي) حقيقة ذلك (جلست) فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى مرادفه، لما في الإستواء من الإشعار بجلوس متمكن لازيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ الجلوس. ومثاله من الشعر قول الشاعر: الضارين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان. الضغن بالضاد والغين المعجمتين: الحقد، ومراده القلوب، فذكرها بلفظة الإرداف. ومثله قول البحتري في قصيدته التي يذكر فيها قتله للذئب ويصف طعنه له: فأتبعته أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد. ومراده القلب أيضاً. وعند علماء البيان، أن فيه ثلاث كنايات لا كناية واحدة، لاستقلال كل واحدة منها بإفادة المقصود. وقول ابن أبي الحديد: كأن ضباة المشرفية من كرى ... فما تبتغي إلا مقر المحاجر. أراد بمقر المحاجر: الرؤوس، والمحاجر جمع محجر كمسجد، وهو ما حول العين. قال بعضهم: والفرق بين الكناية والإرداف، أن الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم، والإرداف مذكور إلى متروك. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: بفتية أسكنوا أطراف سمرهم ... من الكماة محل الضغن والأضم. وبيت بديعية الموصلي قوله: للطعن والضرب أرداف يحل به ... في موضع العقل يحكيه ذوو الحكم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: وفي الوغى أردفوا لسن القنا سكنا ... من العدى في محل النطق بالكلم. وبيت بديعية المقري قوله: مازال يضرب في الأفاق معترضا ... بالبيض ما فيه عينا كل مجترم. وبيت بديعية العلوي قوله: مثبت سيد الكونين لا صعق ... يحل منه محل اللب والحكم. فقوله: محا اللب والحكم هو الإرداف. وبيت بديعيتي قولي: هم أردفوا عذب الخطي جائلة ... حيث الوشاح بضرب الصارم الخذم. فقولي: حيث الوشاح هو الإرداف، والمراد به الكشح الذي يجري عليه الوشاح، والله أعلم. الاتساع . قل في علي أمير النحل غرتهم=ما شئت وفق اتساع المدح واحتكم. هذا النوع عبارة عن أن يأتي المتكلم في كلامه نثرا كان أو نظما بلفظ أو فأكثر يتسع فيه التأويل في هاتين اللفظين على ثلاثة وعشرين قولا: أ- هما الزوج والفرد من العدد. قال أبو مسام: وهو تذكير بالحساب لعظم نفعه، وما يضبط به من المقادير، وهو قول الحسن. ب- هما كما خلقه الله، لأن الأشياء إما زوج أو فرد، وهو قول ابن أبي زيد والجبائي. ج- الشفع، هو الخلق لكونه أزواجا، كما قال تعالى (وخلقناكم أزواجا) كالكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والضلالة والهدى، والليل والنهار، والسماء والأرض، والظلمة والنور، والجن والإنس. والوتر هو الله تعالى وحده، وهو في حديث الخدري عنه ﵇.

стр. 449

د- إن الشفع صفات الخلق لتبديلها بأضدادها كالقدرة والعجز، والوتر صفات الله تعالى، لأنه سبحانه دون خلقه فهو عز بلا ذل، وغنى بلا فقر، وقوة بلا ضعف، وحياة بلا موت، ونحو ذلك. هـ- إنهما الصلاة، لأن فيها شفعا ووترا، فهو في حديث ابن حصين عنه ﵇. و إن الشفع، النحر، لأنه عاشر أيام الليالي العشرة المذكورة من قبل في قوله (وليال عشر) والوتر يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها. ز- إن الشفع، يوم التروية، والوتر، يوم عرفة، روي عن أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق ﵉. ح- إن الشفع شفع العشر الآخر من شهر رمضان، والوتر وترها. ط- إن الشفع، الليالي والأيام، والوتر يوم القيامة. ي- إن الشفع شفع العشر التي أتم الله بها ليالي موسى ﵇، والوتر وترها. يا- إن الشفع، الصفا والمروة، والوتر البيت الحرام. يب- إن الشفع، قوله تعالى (فمن تعجل في يومين) والوتر من تأخر إلى اليوم الثالث. يج- إن الشفع، آدم وحواء، والوتر هو الله تعالى. يد- إن الوتر، آدم، والشفع، شفع بحواء. يه- إن الشفع، الركعتان من صلاة المغرب، والوتر الركعة الثالثة. يو- إن الشفع، درجات الجنان، لأنها كلها شفع، والوتر، دركات النار؛ لأنها وتر؛ كأنه تعالى أقسم بالجنة والنار. يز- إن الشفع هو الله ، وهو الوتر أيضاً لقوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إل هو رابعهم) الآية (سورة لمجادلة. يح- إن الشفع، مسجدا مكة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس. يط- إن الشفع، القرآن في الحج والتمتع فيه، والوتر الإفراد فيه. ك- إن الشفع، الفرائض، والوتر السنن. كا- إن الشفع الأعمال، والوتر النية، وهو الإخلاص. كب- إن الشفع، العبادة التي تتكرر كالصوم والصلاة والزكاة، والوتر العبادة التي لا تتكرر كالحج. كج- إن الشفع، الروح والجسد إذا كانا معا، والوتر الروح بلا جسد، فكأنه تعالى اقسم بها في حالتي الاجتماع والافتراق. ومن هذا الباب فواتح السور المشتملة على حروف التهجي، فإن التأويل فيها متسع أيضاً. ومثاله من الشعر قول الجماسي: بيض مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيدينا. فالتأويل من الشرائح اتسع في قوله: بيض مفارقنا، فقيل: أراد بذلك الطهارة والعفاف كقولهم: أبيض العرض والشيم والحسب. وقيل: أراد أنهم كهول ومشايخ قد حنكتهم التجارب وليسوا بالإغمار. وقيل: أراد أنهم ليسوا بعبيد، لأن فرق الإنسان إذا كان أبيض كان جميع جسده أبيض. وقيل: أراد انحسار الشعر عن مقدم رؤوسهم لمداومتهم لبس البيض والمغافر. وقيل: معناه نحن كبار نكثر استعمال الطيب أسرع الشيب له. وقيل: معناه نحن مكشوفوا الرؤوس، لا عيب فينا، فعبر عن النقاء بالبياض، والعرب تقول في مدح الرجل، الأبيض. قال الأعشى: أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إلا. وقيل: معناه نحن كبار فشابت مفارقنا دون القفا، لأنه قيل: شيب الكرام يبدو في المفارق. قال الشاعر: فشيب لئام الناس في نقرة القفا ... وشيب كرام الناس تعلوا المفارقا. وقيل: المفارق هنا: الطرق، يقول: قد ابيضت مفارق الطرق التي تؤدي إلى رحالنا، لكثرة ما يأتينا من العفاة، فهي بيض لائحة لم تعف لكثرة سالكيها، وهذا الوجه أولى لمشاكلته ما بعده، وهو قوله: تغلي مراجلنا، والمراجل: القدور الكبار من نحاس، ذكر ذلك أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب في شرح كتاب الحماسة. وقال الصغاني في كتاب الجملة والذيل والصلة: قد قيل في البيت المذكور مائتي قول. وقد أفرد لتفسره كتاب. والبيت يروى لمسكين الدرامي وليس له، ولبشامة النهشلي، ولبعض بني قيس بن ثعلبة. والشيخ صفي الدين الحلي نسج في بديعيته على هذا المثال ليسوغ له اتساع الأقوال فقال: بأن اتساع المعالي في الصحابة كال ... فاروق ثم شهيد الدار في الحرم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: نور القبائل ذو النورين ثالثهم ... وللمعالي اتساع في عليهم. وبيت بديعية المقري قوله: يلقى المسيء بصدر حقده طلل ... يسر عاف نداه غير منصرم. قال في شرحه: الاتساع في لفظة عاف. وبيت بديعية العلوي قوله:

стр. 450

وأبيض الوجه بيض الشم تخدمه ... وكل أروع زاكي الأصل والشيم. وبيت بديعيتي قولي: قل في علي أمير النحل غرتهم ... ما شئت وفوق اتساع القول واحتكم. الاتساع في موضعين: أحدهما، قولي: أمير النحل، لقب بذلك لتقدمه وسبقه إلى الإسلام، كما يتقدم النحل أميرها فتتبعه. وقيل: لأن المؤمنون يلوذون به كما تلوذ النحل بأميرها، ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وآله: أنت يعسوب الدين، والمال يعسوب الكفار، أي يلوذ بك المؤمنون، ويلوذ الكفار بالمال، كما تلوذ النحل بيعسوبها. وقيل لأنه سيد المؤمنين ورئيسهم الذي لا يتم لهم أمرا إلا به، كما لا يتم للنحل إلا بأميرها. قال الشيخ كمال الدين الدميري: قيل لأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: أمير النحل، وأمير النحل: يعسوبها، وهو ملكها الذي لا يتم لها رواح وإياب ولا عمل إلا به، فهي مؤتمرة بأمره، سامعة لرأيه، يدبرها كما يدبر الملك أمر رعيته، حتى إنها إذا آوت إلى بيوتها يقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى، ولا تتقدم عليها، بل تعبر واحدة بعد واحدة بغير تزاحم وتصادم ولا تراكم كما يفعل الأمير إذا انتهى بعسكره إلى مضيق انتهى. وفي هذا اللقب تشبيه للمؤمنين بالنحل. قال ﵇: المؤمن كالنحلة لا تدخل إلا طيبا ولا تخرج إلا طيبا. الثاني، قوله: غرتهم، فإنه يحتمل أن يراد به سيدهم، يقال: فلان غرة قومه، أي سيده. ويحتمل أن يراد بهم أكرمهم، وغرة كل شيء أكرمه. ويحتما أن يراد أولهم، وغرة كل شيء أوله، ومنه الغرر لثلاث ليال من أول الشهر. قال ﵇ لمحلم الليثي لما قتل عامر بن الأضبط الأشجعي: قتلته في غرة الإسلام، أراد في أوله. ويحتمل أن يراد بهم شريفهم، يقال: فلان غرة في قومه، أي شريف فيهم، ويحتمل أن يراد به خيارهم، وغرة المال خياره، كالفرس النجيب، والعبد، والأمة فارهين. ويحتمل أن يراد به أحسنهم وأجملهم، يقال: فلان غرة قومه، أي أحسنهم وأجملهم. ويحتمل أن يراد به العين المنظور إليه، يقال: فلان غرة في قومه، إذا كان المنظور إليه منهم، والمشار إليه، والله أعلم. التعريض . لا تعرضن لتعريضي بمدحته ... فأنني في ولادي غير متهم. التعريض، هو الإتيان بكلام مشار به إلى جانب هو مطلوب، وإبهام أن الغرض جانب أخر وسمي تعريضا لما فيه من الميل عن المطلوب إلى عرض- بالضم، أي جانب- ويقال: نظر إليه بعرض وجهه- بالضم أي- بجانبه، ومنه المعارض في الكلام وهي التورية بالشيء عن الشيء، وفي المثل: إن في المعارض لمندوحة عن الكذب، أي سعة وفسحة، وهو إما لتنويه جانب الموصوف ما يقال: أمر المجلس السامي نفذ، والستر الرفيع قاصدا لكذا، تعريضا بأن المعبر عنه أرفع قدرا وشأنا من أن يسع الذاكر له التصريح باسمه وترك تعظيمه بالسكينة. وق أشار إلى هذا المعنى زهير حيث قال: فعرض إذا ما جزت بالبان والحمى ... وإياك أن تنسى فتذكر زينبا. ستكفيك من ذاك المسمى إشارة ... فدعه مصونا بالجلال محجبا. ولما سئل الحطيئة عن أشعر الناس ذكر زهيراً والنابغة، ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، يعرض بنفسه، ولو صرح لم يفخم هذا التفخيم البليغ، كأنه قال الذي تعورف واشتهر، وعليه قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات) أراد به محمدا ﵌ فلم يصرح بذكره بل عرض إعلاء لقدره، أي أن العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، وأما لملاطفة، كما يقول المخاطب لمن يريد خطبتها: إنك لجميلة صالحة، وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة، عملا بقوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبه النساء. وأما فاستعطافه واستماحته، كما يقول المحتاج: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم. قال الشاعر: أروح لتسليم عليك وأغتدي ... وحسبك مني بالسلام تقاضيا. وسئل عطاء عن معنى قوله ﵇: خير الدعاء دعائي، ودعاء الأنبياء من قبلي وهو (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير) وليس هذا دعاء إنما تقديس وتمجيد. فقال: قال أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان: إذا أثنى المرء عليك يوما ... كفاه من تعرضه الثناء.

стр. 451

أفيعلم ابن جدعان ما يراد منه بالثناء عليه، ولا يعلم الله تعلى ما يراد منه بالثناء عليه؟. ومن أحسن التعريض من هذا الضرب ما كتبه عمرو بن مسعدة للمأمون في أمر بعض من استشفع به من أصحابه: أما بعد فإن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائي به في حق فلان تعدى طاعته. فوقع المأمون في جوابه: قد عرفنا تصريحك لفلان، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما. وأما للملامة والتوبيخ كقوله تعالى: (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) والذب للوائد، دون المؤودة، ولكن جعل السؤال لها إهانة للوائد، وتوبيخا على ما ارتبكه، فأخرجه عن إستئهال أن يخاطب ويسئل عما فعله. وقوله تعالى لعيسى: (أنت قلت للناس اتخذوني وأمي ألهين من دون الله) ولا ذنب لعيسى ﵇، وإنما هو تعريض بمن عبدهما من النصارى، لكنه عدل من خطابهم إهانة لهم وتوبيخا. وإما للإستدراج، وهو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته وإفحامه، وهو من مخادعات الأقوال والتصرفات الحسنة التي هي السحر الحلال، حيث يسمعه الحق على وجه لا يغضبه كقوله تعالى: (لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعلمون) لم يقل عما تجرمون احترازا عن التصريح بنسبة الجرم إليهم وإكتفاء بالتعريض في قوله تعالى: عما أجرمنا، لئلا يلبسوا جلد النمر، وليتفكروا في حالهم وحال مخالفيهم، فيدركوا بالتأمل ما هو الحق منهما. وأما للاحتراز عن المخاشنة والمفاحشة، كما تقول معرضا بمن يؤذي المسلمين: المسلم من سلم المسلمون من لسان ويده، تتوسل بذلك إلى نفي الإسلام عنه، وكما تقول معرضا بمن يشرب الخمر ويعتقد حليتها وأنت تريد تفكيره: أنا لا أعتقد حل الخمر، تريد إثبات صفة الكفر. وهذا الضرب من التعريض هو أشهر ضروبه. حكى الزمخشري في ربيع الأبرار قال: سمع إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يحيى بن أكثم يغض من جده فقال: ما هذا جزاؤه منك، قال: حين فعل ماذا؟ قال: حين أباح النبيذ ودرء الحد عن اللوطي. وحكى القاضي شمس الدين بن خلكان عن يحيى بن أكثم المذكور أيضاً: أنه كان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يحفظ النحو سأله عن الكلام، ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من خراسان ذكر أنه حافظ، فناظره فرآه مفننا فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم، قال: ما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليا ﵁ رجم لوطيا، فأمسك يحيا ولم يكلمه. وكان يحيى قاضيا على عهد المأمون، وفيه يقول أحم بن نعيم: ط قاض يرى الحد في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس. وذكر أبو العباس المبرد في كتاب الكامل: أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وآلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يري الناس عظم ما فتح الله عليه ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدرا ففرشت وفي صحنها قدور يرتقى إليها بالسلام، فإذا بالحضين بن المنذر قد أقبل والناس جلوس على مراتبهم- والحضين شيخ كبير- فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة: أتئذن لي في معابثته، قال: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يؤذن له- وكان عبد الله يضعف، وكان قد تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحضين فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسن عمك عن تسور الحيطان، قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من ألا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها، قال: أجل، ولا عيلان، ولو رآها سمي شبعان ولم يسم عيلان. فقال عبد الله: أتعرف يا أبا ساسان الذي يقول: عز لنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغي من تحالف. قال: أعرفه وأعرف الذي يقول: فأذى العزم من نادى منيرا ... ومن كانت له أسرى كلا. وخيبة من يخيب عل غني ... وباهلة بن أعصر والرباب. قال: أتعرف الذي يقول: كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... وقد عرقت أفواه بكر بن وائل. قال: نعم أعرفه واعرف الذي يقول: قوم قتيبة أمهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل.

стр. 452

قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل [تقرأ من] القرآن شيئا؟ قال: أقرا الأكثر الأطيب (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) فأغضبه فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره. قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى، بل قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاماً على فراشي فيقال: فلان بن الحضين، كما يقال عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله وقال: لا يبعد الله غيرك. التعريض في هذه الحكاية المستحسنة في موضعين: أحدهما قوله: أجل أسن عمك عن تسور الحيطان، يعرض بفاحشة عبد الله. والثاني: في تلاوة الآية يعرض بأنهم ليس لهم قديم ذكر، وغنما هم حديثو عهد بالرياسة. ومن أمثلته في الشعر قول الحماسي: أنا ابن زيابة أن تلفني ... لا تلف ني في النعم العازب. ومراده أني لست راعيا وأنك راعي. وقول الحجاج بن يوسف يعرض بمن تقدمه من الأمراء: لست براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم. وقول أبي فراس بن حمدان من قصيدة يمدح العلويين، ويعرض ببني عباس: ما في ديارهم للخمر معصر ... ولا بيوتهم للسوء معتصم. ولا تبيت لهم خنثى تنادمهم ... ولا يرى لهم قرد له حشم. أراد بالخنثى: عبادة نديم المتوكل، وبالقرد، قردا كان لزبيدة طالبت الناس بالسلام عليه، وجعلت له حشما وأتباعا، حتى قتله يزيد بن مزيد الشيباني. وأجمع العلماء على أن التعريض أرجح من التصريح لوجوه: أحدها، أن النفس الفاضلة لميلها إلى استنباط المعاني تميل إلى التعريض شفعا باستخراج معناه بالفكر. ثانيها: أن التعريض لا ينتهك معه سجف الهيبة، ولا يرتفع به ستر الحشمة. ثالثهما: أنه ليس للتصريح الأوجه واحدة، وللتعريض وجوه وطرق عديدة. رابعها: أن النهي صريحا يدعو إلى الإغراء، بخلاف التعريض كما يشهد به الوجدان. والفرق بين الكناية والتعريض، أن الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن تذكر شيئا يدل به على شيء لم تذكره، قاله الزمخشري. وبيت بديعية الصفي قوله: ومن أتى ساجدا لله ساعته ... ولم يكن سا جدا في العمر للصنم. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: تطويل تعريض شانيهم يعظمه ... والرفض أقبح شيء موجب الأضم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: تعريض مدح أبي بكر يقدمني ... في سبق حليهم مع موصليهم. وبيت بديعية المقري قوله: أوحى إليه بما أوحى وثبتته ... عند الخطاب فلم يصعق ولم يهم. وبيت بديعية العلوي قوله: وقد تسلسل من صلب إلى رحم ... بكل عقد صحيح الحكم منتظم. وبيت بديعيتي قولي: لا تعرضن لتعريضي بمدحه ... فإنني في ولادي غير متهم. بقال: لا تعرضن له- بكسر الراء وفتحها- أي لا تعترض فتمنعه باعتراضك أن يبلغ مراده، لأنه يقال: سرت فعرض لي في الطريق عارض، من جبل ونحوه أي مانع من المضي. والولاد مصدر بمعنى ولادة، والتعريض في البيت ظاهر والله اعلم. جمع المؤتلف والمختلف . هم هم ائتلفوا جمعا وما اختلفوا ... لولا الأبوة قلنا لاستوائهم. هذا النوع اختلف فيه أقوال المؤلفين، وعبروا عنه بعبارات غير سديدة، ومثلوا له بأمثلة غير مطابقة، والذي استقر عليه رأي المحققين أنه عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين، فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما، ويروم بعد ذلك ترجيح احدهما على الأخر بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الأخر، فيأتي لأجل الترجيح بمعان تخالف معنى التسوية، كقوله تعالى: (وداود وسليمان غذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) سوى بينهما في الحكم والعلم وزاد فضل سليمان بالفهم. وكقول زهير يصف أبوي ممدوحه: هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا. أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا. وقول الخنساء في أخيها وقد أرادت أن تساوي بينه وبين أبيه مع مراعاة حق الوالد: جارى أباه فاقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الفخر. وهما وقد برزا كأتهما ... صقران قد حطا إلى وكر.

стр. 453

حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر. وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك لا أدري. برزت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري. أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر. وقال الكميت بن زيد في مخلد بن يزيد بن المهلب وأبيه: ما أن أرى كأبيك أدرك شأوه ... أحد ومثلك طالبا لم يلحق. تتجاريان له فضيلة سنة ... [وتلوت بعد مصليا لم يسبق] . [أن تنزعا وله فضيلة سبقه] ... من بعد غايته فأحج وأخلق. وقول الشريف الرضي يخاطب الخليفة القادر بالله العباسي: مهلا أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا تتفرق. ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبدا كلانا في المعالي معرق. إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوق. روي أنه لما بلغت هذه الأبيات القادر بالله قال: على رغم أنف الرضي. وبيت بديعية الصفي قوله: هم هم في جميع الفضل ما عدموا ... سوا الإخاء ونص الذكر والرحم. هذا البيت غير مطابق لحد هذا النوع عند التأمل لما عرفت في حده أن الزيادة التي يؤتى بها للترجيح ينبغي أن لا ينقص بها مدح الآخر، والشيخ صفي الدين سلب بزيادته جميع الفضل عن الصحابة رضوان الله عليهم كما ترى، فلا يصلح شاهدا لهذا النوع. وبيت بديعية الموصلي: جمع لمؤتلف فيهم ومختلف ... في العلم والحلم مع تقديم ذي قدم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: جمعت مؤتلفا فيهم ومختلفا ... مدحا وقصرت عن أوصاف شيخهم. هذا البيت ليس فيه من هذا النوع إلا الاسم، وإما مسماه فهو عنه بمعزل كما لا يخفى. وبيت بديعية المقري قوله: وكلهم خيرة الله اصطفاه فما ... فضل النبي عليهم ضائرا بهم. وبيت بديعية العلوي قوله: وبالشفاعة في الدنيا وآخرة ... وباللواء وحوض للورى شبم. وبيت بديعيتي قولي: هم هم ائتلفوا أجمعا وما اختلفوا=لولا الأبوة قلنا باستوائهم. الإيداع . إيداع قلبي هواهم شادلي بهم ... من العناية ركنا غير منهدم. الإيداع في اللغة مصدر أودعته مالا، إذا دفعته إليه ليكون عنده وديعة، وأودعته أيضاً إذا أخذت منه وديعة، فيكون من الأضداد، لكنه بمعنى الأول أشهر، والثاني بالمعنى الإصطلاحي أنسب. وفي الاصطلاح هو أن يودع الشاعر شعره بيتا فأكثر، أو مصارعا فما دونه من شعر غيره، بعد أن يوطئ له في شعره توطئة تناسبه وتلائمه. ويسمى التضمين، والرفو أيضاً. ومن قال: إن التضمين معدود من العيوب، وهو أن لا يقوم معنى البيت بنفسه حتى يؤتى بما بعده. كقول الشاعر: لا صلح بيني فأعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقي. سيفي وما أن مريض وما ... غرد قمري الواد بالشاهق. فقد أخطأ، كابن حجة، لأن التضمين بهذا المعنى اصطلاح العروضيين، لا البديعيين، والخلط بين الاصطلاحين خطأ محض. ألا ترى أن العرضين يسمون التضمين بهذا المعنى، التتميم أيضاً، والتتميم عند البديعيين بمعنى أخر- كما عرفته- ويسمون كون بعض الكلمة في أخر البيت إدماجا، وهو أن عيوب القوافي أيضاً. كقول بشر بن أبي خازم: فسعدا فسائلهم والرباب ... وسائل هوازن عنا أذاما. لقيناهم كيف تفريهم ... بوانر يفرين بيضا وهاما. والإيداع عند البديعيين من المحاسن كما ستعرفه في بابه، وإنكار كون التضمين بمعنى الإيداع- بعد أن اصطلح عن ذلك كثير من أرباب هذا الفن، بل هو أشهر من الإيداع في هذا المعنى- لا وجه له. ومنهم من خص إيداع البيت وما فوقه باسم الاستعانة، والمصراع وما دونه باسم الإيداع، وعلى ذلك جرى الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته. وشرط قوم في الإيداع مطلقا أن ينبه الشاعر في شعره على ما أودعه من شعر غيره. إن لم يكن مشهورا عند البلغاء، وعاب ذلك قوم منهم ابن رشيق وقال: إنه من سوء ظن الشاعر بنفسه، ووافقه ابن أبي الإصبع وجماعة، قال الشيخ صفي الدين: وهو الصحيح. تنبيهات . الأول، أحسن التضمين ما صرف عن معنى غرض الشاعر الأول، وما زاد على الأصل بنكتة كالتورية والتشبيه ونحو ذلك. كقول ابن أبي الإصبع:

стр. 454

إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق. وتذكرني من قدها ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى السوابق. الثاني: يجوز في التضمين أن يجعل صدر البيت عجزا وبالعكس. كقول الحريري: على أني سأنشد عند بيعي ... أضاعوني وأي فتى أضاعوا. المصراع الثاني صدر البيت للعرجي وتمامه (ليوم كريهة وسداد ثغر. الثالث: لا يضره التغيير اليسير لما قصد تضمينه ليدخل في معنى الكلام. كقول بعضهم في يهودي به داء الثعلب: أقول لمعشر غلطوا وغضوا ... من الشيخ الرشيد وأنكروه. هو ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه. البيت لسحيم بن وثيلة، وأصله قوله: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني. فغيره إلى طريق الغيبة ليدخل في المقصود. ومن بديع التضمين قول بعضهم في طبيب يسمى النعمان ويكنى ابن المنذر: أقول لنعمان وقد ساق طبه ... نفوسا نفيسات إلى باطن الأرض. أبا منذر أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض. وقول أبي الحسن اللحام مضمنا بيتا للنابغة في وصف الأقحوان: يا سائلي عن جعفر علمي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد. كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ند. وقول أبي عبد الله الحسين بن الحجاج: صاح أيرى ورمحه فوق خصييه ولا رمح ضمرة بن هلال. قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال. ثم أهوى بطعنة بات منها ... سرم ستي ذاك الشقاء بحالي. فتولى يقول وهو طعين ... دمعه مع خراه مثل البزال. لم أكن من جناتها علم الل ... هـ وإني بحرها اليوم صال. وما أحسن ما ضمن هذا البيت شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني في قوله: وعيون أمرضن جسمي وأضرم ... ن بقلبي لواعج البلبال. وخدود مثل الرياض زواره ... ما الأيام حسنها من زوال. لم أكن من جناتها علم الل ... هـ وإني بحرها اليوم صال. فإنه صرف فيه لفظة جناتها من الجناية إلى معنى الجنة. ومن محاسن التضمين أيضاً ما حكاه القاضي شمس الدين بن خلكان في تاريخه: إن الحيص بيص الشاعر خرج ليلة من دار الوزير شرف الدين بن طراد الزينبي، فنبح عليه جرو، وكان متقلدا سيفا فوكزه بعقب السيف فمات. فبلغ ذلك أبي القاسم هبة الله بن الفضل المعروف بابن القطان الشاعر فنظم أبياتا وضمنها بيتين لبعض العرب قتل أخوه ابنا له فقدم إليه ليقتاد منه، فألقى السيف فأنشدهما (البيتين المذكوران يوجدان في الباب الأول من كتاب الحماسة) ثم إن الفضل المذكور جعل الأبيات في ورقة وعلقها في عنق كلبة لها جرو، ورتب معها من يطردها مع أولادها إلى باب الوزير المذكور كالمستغيثة، فأخذت الورقة من عنقها وعرضت على الوزير فإذا فيها: يا أهل بغداد فإن الحيص بيص أتى ... بفعلة أكسبته الخزي في البلد. هو الجبان الذي أبدى تشاجعه ... على جري ضعيف البطش والجلد. وليس في يديه مال يديه به ... ولم يكن ببواء عنه في القود. فأنشدت جعدة من بعد ما احتسبت ... دم الأبيلق عند الواحد الصمد. أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد. كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي. قال القاضي شمس الدين: وهذا التضمين في نهاية الحسن، ولم أسمع مثله مكثرة استعمال الشعراء التضمين في أشعارهم ألا ما أنشدني الشيخ مهذب الدين أبو طالب المعروف بابن الخيمي لنفسه، وأخبرني أنه كان بدمشق وقد أمر السلطان بحلق لحية شخص له وجاهة بين الناس، فحلقت بعضها وحصلت فيه شفاعة فعفا عنه في الباقي، ولم يصرح باسمه بل رمزه وستره وهو: زرت ابن آدم لما قيل قد حلقوا ... جميع لحيته من بعد ما ضرب. فلم أرى النصف محلوقا فعدت له ... مهنيا بالذي منهما له وهبا. فقام ينشدني والدمع يخنقه ... بيتين ما نظما مينا ولا كذبا. إذا أتتك لحلق الذقن طائفة ... فأخلع ثيابك منها ممعنا هربا. وإن أتوك وقالوا إنها نصف ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا.

стр. 455

والبيتان الأخيران منها في كتاب الحماسة أيضاً في باب مذمة النساء، لكن الأول منهما فيه تغيير، فأن بيت الحماسة هكذا: لا تنكحن عجوزا إن أتيت بها=وأخلع ثيابك منها ممعنا هربا. وتلطف الحريري في تضمين البيت (من) (٨) أبيات للفارابي في وصف الدنيا، فنقله إلى معنى آخر فقال: أنبات عانتها وفتح مبالها ... وليان ملمسها من الجثمان. مرأى كخضراء الديار ومبسم ال ... ليث الهصور وملمس الثعبان. ومما جاد في التضمين وبلغ فيه الغاية الشيخ مجير الدين محمد بن تميم وهو القائل: أطالع كل ديوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيري. أضمن كل بيت في معنى ... فشعري نصفه من شعر غيري. ومن محاسنه في هذا الباب قوله: أزهر اللوز أنت لكل زهر ... من الأزهار يأتينا أمام. لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام. وقوله: إذا هجرتني الصهباء يوما ... ألاقي النار في كبدي اشتعالا. كأن الهم مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا. وقوله في مليح ينظر في مرآة: سقيا لمرآة الحبيب فإنها=جليت بكف مثل غصن أينعا. واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين بوقت معا. وقوله: عاينت في الحمام أسود واثبا ... من فوق أبيض كالهلال المسفر. فكأنما هو زورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر. وقوله: إن تاه ثغر الأقاحي إذا تشبهه ... بثغر حبك واستولى به الطرب. فقل له عندما يحكيه مبتسما ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب. وقوله: أفدي الذي أهوى بفيه شاربا ... من بركة راقت وطابت مشرعا. أبدت لعيني وجهه وخياله ... فأرتني القمرين في وقت معا. ومن محاسن الشيخ صلاح الدين الصفدي قوله: أرى فضل المشيب على شباب ... يخالف في بعضه الأغبياء. وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء. وقوله وقد عاد مليحا أرمد: أيقظته منكراه بعدما رمدت ... عيناه لامسه م بعدها الألم. قد زرته وسيوف الهند مغمدة ... وقد نظرت إليه والسيوف دم. وقوله مضمنا قول أبي العلاء المعري في السيف: ما كنت أحسب لولا نبت عارضه ... أن ينبت الآس وسط الجمر في النهر. ولا ظننت صغار النمل يمكنها ... مشيا على اللج أو سعيا على السعر. ومن مليح التضمين قول الشيخ زكي الدين بن أبي الإصبع وقد نقل المعنى من الحماسة إلى الغزل: له من ودادي ملء كفيه صافيا ... ولي منه ما ضمت عليه الأنامل. ومن قده الزاهي ونبت عذاره ... صدور رماح أشرعت وسلاسل. وقول الشيخ شهاب الدين بن (أبي) حجلة: قل للهلال وغيم الأفق يستره ... حكيت طلعه من أهواه بالبلج. لك البشارة فأخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج. وقول الشيخ عز الدين الموصلي: نادمت قوما لا خلاق لهم ولا=ميل إلى طرب ولا سمار. يستيقظون إلى نهيق حمارهم=وتنام أعينهم عن الأوتار. وقول الشيخ عبد الرحمن المرشدي: إذا الحبشي راوده مريد ... أجاب ولو تسمط بالعذار. فلا تمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار. وقد ضمن الشيخ جمال الدين بن نباتة، والشيخ زين الدين بن الوردي كثيرا من أشطار الملحة للحريري، وأورد أبن حجة نبذة من ذلك في شرح بديعيته. أما تضمين شيء من ألفية ابن مالك المسماة بالخلاصة فلم أقف عليه إلا الشيخ محمد بن يوسف المراكشي التاولي من علماء هذا القرن فإنه نظم أرجوزة مدح به بلدية الشيخ أحمد بن محمد المقري، وضمن فيها أشطارا من الألفية المذكورة وأجاد في ذلك ما شاء، فمنها قوله: ذاك الإمام ذو العلاء والهمم ... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم. فلن ترى في علمه مثيلا ... مستوجبا ثنائي الجميلا. ومدحه عندي لازم أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا. أوصاف سيدي بهذا الرجز ... تقرب الأقصى بلفظ موجز. فهو الذي له المعالي تعتزي ... وتبسط البذل بوعد منجز. رتبته في العلم يا من قد فهم ... كلامنا لفظ مفيد فاستقم.

стр. 456

وكم أفاد دهره من تحف ... مبدي تأول بلا تكلف. لقد رقى على المقام الباهر ... كطاهر القلب جميل الظاهر. وفضله للطالبين وجدا ... على الذي في رفعه قد عهدا. وقد حصل العلم وحرر السير ... وما بالا أو بأنما انحصر. في كل فن باهر صفة ولا ... يكون إلا غاية الذي تلا. سيرته سارت على نهج الهدى ... ولا يلي إلا اختيارا أبدا. وعلمه وفضله لا ينكر ... مما به عنه مبينا يخبر. يقول دائما بصدر انشرح ... أعرف بنا فإننا نلنا المنح. يقول مرحبا لقاصديه من ... يصل إلينا يستعن بنا يعن. والزم جنابه وإياك الملل ... إن يستطل وصل وإن لم يستطل. واقصد جنابه ترى مآثره ... والله يقضي بهبات وافره. وانسب له فإنه ابن معط ... ويقتضي رضا بغير سخط. وأجعله نصب العين والقلب ولا ... تعدل به فهو يضاهي المثلا. وبيت بديعية صفي الدين الحلي قوله: إذا رأته الأعادي قال حازمهم ... حتام نحن نساري النجم في الظلم. ضمن صدر المطل قصيدة للمتنبي وعجزه (وما سراه على خف ولا قدم. وبيت ابن جابر قوله: اسمح بنفسك وأبذل في زيارته ... كرائم المال من خيل ومن نعم. ضمن المصراع الثاني من بيت الشريف الرضي، وصدره (ماض من العيش لو يفدى بذلت له. وبيت بديعية العز الموصلي قوله: إيداعه الفضل في الأصحاب شرفهم ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم. ضمنه من قول المتنبي: ولم تزل قلة الأنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: وأودعوا للثرى أجسامهم فشكت ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم. ضمنه من قول المتنبي أيضاً: ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم. وبيت بديعية المقري قوله: بيض يقول الأعادي حين تطرفه ... لانت أسود في عيني من الظلم. ضمنه من قول المتنبي أيضاً: ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لانت أسود في عيني من الظلم. وبيت بديعية العلوي قوله: فهو الذي تم معناه وصورته ... حتى غدا مفردا كالنار في العلم. ضمن المصراع الأول من قول البوصيري في البردة، وتمامه فيها قوله: (ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم. وبيت بديعيتي قولي: إيداع قلبي هواهم شادلي بهم ... من العناية ركنا غير منهدم. هذا التضمين من قول البوصيري في البردة أيضاً هو: بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا ... من العناية ركنا غير منهدم. المواردة . الحمد لله حمدا دائما أبدا ... على مواردتي قومي بحبهم. هذا النوع عبارة عن أن يتفق الشاعر إن على معنى، من غير أخذ إحداهما من الآخر، كالشخصين اجتمع ورود أحدهما [على الآخر اتفاقا] ويسمى الحافر على الحافر. وسئل أبو عمرو بن العلاء: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها. وهو نوعان [الأول] ما اتفقا فيه لفظا ومعنى من غير تغيير، أو مع تغيير لا يعتد به. كما روي عن ابن ميادة أنه أنشد لنفسه: مفيد ومتلاف إذا ما أتيتيه ... تهلل واهتز اهتزاز المهند. فقيل له: أين يذهب بك؟ هذا للحطيئة، قال: كذلك هو؟ قيل: نعم، فقال: الآن علمت أني شاعر حين وافقته على قوله، وما سمعت به إلا الساعة. وكما اتفق لامرئ القيس وطرفة بن العبد في بيتين في معلقتهما، فقال: امرؤ القيس: وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل. وقال طرفة البيت في داليته بحاله، غير أنه جعل القافية (وتجلد) فلما تنافسا أحضر طرفة خطوط أهل بلده، أي يوم نظم البيت، فكان اليوم الذي نظما فيه واحدا. وقال النابغة الذبياني: لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة المتعبد. لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله راشدا وإن لم يرشد. وقال ربيعة بن مقرم الضبي: لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متبتل. لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهم من تاموره بتنزل. وقال الآقيشر: جريت مع الهوى طلق العتيق ... وهان علي مأثور الفسوق.

стр. 457

وجدت ألذ عارية الليالي ... قران النغم بالوتر الخفوق. ومسمعة إذا ما شئت غنت ... متى نزل الأحبة بالعقيق. تمتع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الصبوح عرى الغبوق. وقال أبو نواس: جريت مع الهوى طلق الجموع ... وهان علي مأثور القبيح. وجدت ألذ عارية الليالي ... قران النغم بالوتر الفصيح. ومسمعة إذا ما شئت غنت ... متى كان الخيام بذي طلوح. تمتع منة شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الغبوق عرى الصبوح. وحكى الثعالبي في يتيمة الدهر قال: من عجيب ما يحكى عن أبي الطيب طاهر بن محمد بن طاهر الطيب بن طاهر بكرة يوم رام بهذين البيتين: وإني والمؤذن يوم رام ... لمختلفان في هذا الصباح. أنادي بالصبوح له كيادا ... إذا نادى بحي على الفلاح. وإذا برسول أبي طاهر جاءه قبل وصوله رقعته إليه برقعة فيها: وإني والمؤذن يوم رام ... لمختلفان في هذه الغداة. أنادي بالصبوح له كيادا=وإذا نادى بحي على الصلاة. وكان التقاء رسولهما بالرقعتين على منتصف الطريق. الثاني: ما اتفقا فيه على المعنى دون اللفظ. قال الثعالبي: اتفق لي في أيام الصبا معنى بديع لم أقدر أي سبقت إليه، ولا ظننت أني شوركت فيه، وهو قولي في آخر هذه الأبيات الأربعة: قلبي وجدا مشتعل ... على الهموم مشتمل. وقد كستني في الهوى ... ملابس الصب الغزل. إنسانة فنانة ... بدر الدجل منها خجل. إذا رنت عيني بها=فبالدموع تغتسل. فأنشدني أبو حفص عمر بن علي المطوعي لأبي الفرج علي بن الحسين بن هندو وهو: يقولون لي ما بال عينك إذا رأت ... محاسن هذا الظبي أدمعها هطل. فقلت عيني بطلعة وجهه ... فكان له من صوب أدمعها غسل. فصح عندي توارد الخواطر وتشاركها في المعاني، إذا لم يكن مجال للظن في سرقة أحدنا من الآخر والله أعلم بحقيقة الحال. وإذا كان احد المتواردين أقدم من الآخر وأرفع منه طبقة حكم له بالسبق، وإلا فلكل منهما ما سبقه. ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادعى البحتري أنه سرق منه: الشعر ظهر طريق أنت راكبه ... فمنه منشعب أو غير منشعب. وربما ضم بين الركب منهجه ... وألصق الطنب العالي إلى الطنب. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: تهوى الرقاب مواضيهم فتحسبها ... حديدها كان أغلالا من القدم. حكى في شرحه: أنه كان نظم بيتا قديما من أبيات وهو: تهوى الرقاب مواضيك كأنها ... من قبل كان حديدها أغلالا. ثم سمع بيتا لا يعلم قائله وهو: تهوى الرقاب مواضيه فتحسبها ... تود. لو أصبحت أغلال من أسرا. فأسقط ذلك البيت خوفا من القدح بالسرقة، ثم احتاج إلى ذكره هنا شاهد لهذا النوع فذكره كيلا تخلو القصيدة منه. وبيت بديعية الموصلي قوله: ليت المدائح تستوفي علاه ولو ... تواردت في مديح غير منصرم. زعم في شرحه: أنه توارد هو وأبو الطيب المتنبي عليه. وأبو الطيب يقول: ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فمن زهير وأهل الأعصر الأول. وبيت بديعية ابن حجة قوله: كأنما الهام أحداق مسهدة ... ونومها واردته في سيوفهم. ذكر في شرحه: أنه وارد المتنبي على هذا المعنى، وقوله: ولم يكن يسمع به حتى نبه عليه وهو: كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد. وبيت بديعيتي قولي: الحمد لله حمدا دائما أبدا ... على مواردتي قومي بحبهم. المواردة في صدر هذا البيت وقعت بيني وبين الصاحب بن عباد، فإني لما دخلت الهند واجتمعت بالوالد قدس روحه في سنة ثمان وستين وألف، ولي من العمر حينئذ خمسة عشر سنة، ولم أكن أتعلق على شيء من النظم، ولا طالعت شيئا من الكتب الأدبية ما عدا ديوان ابن الفارض، عن لي نظم شيء في الاجتماع بالوالد. فقلت: الحمد لله حمدا دائما أبدا ... على اجتماع به صبح الرجاء بدا.

стр. 458

فاتفق أن جاء إلى زيارتي ذلك اليوم الذي نظمت فيه هذا البيت شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي وذلك قبل الاشتغال عليه، فأنشدته البيت فقال: هذا الصدر صدر بيت للصاحب بن عباد، قاله لما ولد سبطه أبو الحسن عباد بن علي الحسني وهو: الحمد لله حمدا دائما أبدا ... إذا صار سبط رسول الله لي ولدا. فحلفت له أني لم أسمع به فقال: اعلم ذلك، وهذا من نوع المواردة. ثم لما وصلت غلى هذا النوع من البديعية احتجت إلى إيراده شاهدا عليه فأوردته والله أعلم. ولم ينظم سوى من ذكرناه من أصحاب البديعيات هذا النوع، ولعله لم يتفق لهم والله أعلم. الالتزام . إن التزامي في ديني بجدهم ... ما زال يفعم قلبي صدق ودهم. هذا النوع كما يسمى الالتزام يسمى لزوم ما لا يلزم، وسماه قوم الأعنات من العنت وهو المشقة، وآخرون التضييق، وبعضهم التشديد، وهو عبارة عن أن يلتزم المتكلم في النثر أو الشعر حرفا أو حرفين فصاعدا قبل الروي، بشرط عدم الكفلة، كقوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر) ، وقوله: (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) ، وقوله: (في سدر مخضود وطلح منضود) ، وقوله: (والطور وكتاب مسطور) ، وقوله: (بلغت التراقي وقيل من راق) وهو في الكتاب العزيز كثير. ومثاله من الشعر قول امرئ القيس وقد نظر إلى قبر امرأة من بنات الروم بأنقرة وهو يجود بنفسه فقال: أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب. أجارتنا أنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب. وقول العباس بن الأحنف: الله يعلم ما تركي زيارتكم ... إلا مخافة أعدائي وحراسي. لو قدرت على الإتيان جئتكم ... سحبا على الوجه أو مشيا على الرأس. قال ابن جريح: ما ظننت أن الله ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشدا ينشد قوله: بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن. إن كنت حاولت دنيا أو رضيا بها ... فما أصبت من ترك الحج من ثمن. فحركني ذلك على الخروج إلى مكة، فخرجت مع الحجاج، وحججت. وقال اسحق الموصلي: أنشدت الأصمعي- على أنه لشاعر قديم: هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروى الصدى ويشفى الغليل. غن ما قل منه يكثر عندي=وكثير من الخليل القليل. فقال: هذا والله الديباج الخزرواني، فقلت: هو ابن ليلة، فقال: لا جرم أثر التوليد فيه، فقلت: لا جرم أثر الحسد فيك. قال الصولي: كان اسحق يظن أن لم يسبق إلى هذا المعنى، حتى أنشد الأعرابي: أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل. فحلفت أنه ما كان سمعه. ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي: ومن يطلب المعروف من غير أهله ... يجد مطلب المعروف غير يسير. إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة=من الذم سار الذم كل مسير. وقول السيد البطليوسي: ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شبت أم في الجو روض بهار. كأن الليالي السبع في الليل جمعت ... ولا فصل فيما بينها لنهار. وقول بعضهم: بدا فكأنما قمر ... على أزراره طلعا. بفت المسك عن طرر ال ... جبين بنانه ولعا. وقد خلعت عليه الرا ... ح من أصوابها خلعا. وقول الوأواء الدمشقي: وزائر راع كل الناس منظره ... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل. ألقى على الليل جنحا من ذوائبه ... فهابه الصبح أن يبدو من الخجل أراد بالهجر قتلي فاستجرت به ... فاستل بالوصل روحي من يدي أجلي. وقول الحسن بن علي الواسطي: براني الهوى بري المدى وأذابني ... صدودك حتى صرت أنحل من أمس. فلست أرى حتى أراك وإنما ... يبين هباء الذر في أفق الشمس. وقول أبي إسحاق الصابي: ولما تعذر أن نلتقي ... وطال النزاع وزاد الألم. مشيت إليكم برجل الرسول ... وخاطبتكم بلسان القلم. وألف الشيخ أبو العلاء المعري كتابا سماه لزوم ما لا يلزم، ولكن جمع فيه بين الغث والسمين وقرن بين الرخيص والثمين، فمنه قوله: دنياك غانية إذا عاهدتها ... غدرت فكيف تروم حسن وفائها. لم تصف قط لعاقل فكأنما ... عبرت عن فقد النهى بصفائها.

стр. 459

المين من أترابه والدين من ... أضدادها والهم من حلفائها. لا تأسفن لها فإن نعيمها ... كشقائها وسقامه كشفائها. تلقى مناياها النفوس بقوة ... حتى تكون الأسد من ضعفائها. ومنه قوله أيضاً: وعند الليالي عادة مستمرة ... من الجور في بعد من الأرض أو أقرب. تصد عليا عن تراث محمد ... وتدعوا زيادا في ملوك بني حرب. ومنه قوله أيضاً: لا تطلبن بآلة لك رفعة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل. سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل. ومنه قوله أيضاً: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة=وحق لسكان البسيطة أن يبكوا. يحطمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك. قيل: هذا البيت يشهد بأنه كان دهريا، ولعله رجع عن ذلك بقوله في مرثية: ضل الذي قال البلاد قديمة ... بالطبع زعما والأنام كنبتها. وللأبيوردي في بعض أهل عصره من كان يستعمل هذا النوع كثيرا: شعر المراغي وحوشيتهم ... كعقله أسلمه أسقمه. يلزم ما ليس له لازما ... لكنه يترك ما يلزمه. ولمؤلفه عفا الله عنه في نحو ذلك: وشاعر قريضة ... من كل حسن معدم. لم يلتزم شيئا سوى ... لزوم ما لا يلزم. وبيت بديعية الصفي قوله: من كل مبتدر للموت مقتحم ... في مأزق بغبار الخيل ملتحم. وبيت بديعية ابن جابر قوله: وميل سمعي لنيل القرب من شيمي ... وسيل دمعي بذيل الترب كالديم. وبيت بديعية الموصلي قوله: لي التزام بمدحي خير معتصم ... بربه وارتباط غير منفصم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: لأن مدح رسول الله ملتزمي ... فيه ومدحي سواه ليس من لزمي. وبيت بديعية المقري قوله: تطول إن عرضت في كل منهزم ... بها الموالي وينجو كل ملتزم. وبيت بديعية العلوي قوله: ونال عزا وفضلا غير منفصم ... وخصه الله بالنعماء والعصم. وبيت بديعيتي قولي: إن التزامي في ديني بجدهم ... مازال يفعم قلبي صدق ودهم. ولم أقف على بيت السيوطي في هذا النوع. وأما الطبري فلم ينظمه، والله أعلم. المزاوجة . إذا تزاوج إثمي فاقتضى نقمي ... حققت فيهم رجائي فاقتضى نعمي. المزاوجة: ويقال: التزاوج، هو أن يتزوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزء، أي يجعل معنيين واقعين في الشرط والجزاء مزدوجين في أن يرتب على كل منهما معنى رتب على الآخر. كقول البحتري: إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر. زواج بين نهي الناهي، وأصاختها إلى الواشي، الواقعين في الشرط والجزاء، في أن رتب عليهما لجاج لشيء. ومثله قوله أيضاً: إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها. زواج بين الاحتراب وتذكر القربى الواقعين في الشرط والجزاء، في ترتيب فيضان شيء عليهما. قال السع التفتازاني في شرح التلخيص: ومن تتبع الأمثلة المذكورة للمزاوجة علم أن معناها ما ذكر، لا ما يسبق إلى الوهم من أن معناها من أن يجمع بين معنيين في الشرط ومعنيين في الجزاء، كما جمع بين الشرط بين نهي الناهي ولجاج الهوى، وفي الجزاء بين أصاختها إلى الواشي ولجاج الهجر، إذ لا يعرف أحد يقول بالمزاوجة في مثل قولنا: إذا جاءني زيد فسلم علي أجلسته فأنعمت عليه. انتهى. وقال في شرح المفتاح: وقيل: معنى المزاوجة أن يجعل معنى لازما للشرط، ثم يجعل معنى مقارنا له في الجزاء، كما جعل لجاج الهوى به لازما للشرط الذي هو نهي الناهي، ثم جعل لجاج الهجر مارنا له في الجزاء الذي هو الإصاخة إلى الواشي. انتهى. وبيت بديعة الصفي قوله: ومن إذا خفت من الحشري وكان له ... مدحي نجوت فكان المدح معتصمي. وبيت بديعية ابن جابر قوله: إذا تبسم في حرب وصاح بهم ... يبكي الأسود ويرمي اللسن بالبكم. وبيت بديعية الموصلي قوله: [إذا تزاوج خوف الذنب في خلدي ... ذكرت أن نجاتي في مديحهم] وبيت بديعية ابن حجة قوله: إذا تزاوج ذنبي وانفردت له ... بالمدح من ونجاني من النقم. وبيت بديعية المقري قوله:

стр. 460

إذا سعوا فاشتروا مدح النفوس سعى ... فابتاع مدحك بالغالي من القيم. وبيت بديعية العلوي قوله: ومن إذا رمت أحصي مدحه وبقى ... عمري عجزت وعشر العشر لم أقم. وبيت بديعيتي قولي: إذا تزوج إثمي فاقتضى نقمي ... حققت فيهم رجائي فاقتضى نعمي. زاوج بين تزاوج الإثم وتحقيق الرجاء الواقعين في الشرط والجزاء، في أن رتب عليهما اقتضاء شيء على حده في بيتي البحتري المقدم ذكرهما، وتأمل سائر أبيات البديعيات المذكورة فإن أكثرها لا ينطبق على تعريفهم المذكور للمزاوجة والله أعلم. المجاز . هم المجاز إلى باب الجنان غدا ... فلست أخشى وهم لي زلة القدم. المجاز خلاف الحقيقة، وهو في اللغة مفعل من جاز المكان يجوز إذا تعداه، نقل إلى اللفظ الجائز أي المتعدي مكانه الأصلي، واللفظ المجوز به، على معنى أنهم جازوا به مكانه الأصلي. وفي الاصطلاح، وهو اللفظ المستعمل في غيرها وضع له بالوضع الشخصي أو النوعي، لعلاقة بين المعنيين، مع قرينة عدم إرادة ما وضع له، فخرج الغلط لعدم العلاقة كقولك خذ هذا الفرس، تشير إلى كتاب، وخرجت الكناية لأنها مستعملة فيما وضعت له مع جواز إرادته، ثم العلاقة إن كانت المشابهة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي فه استعارة، وإلا فغير استعارة، ويسمى مجازا مرسلا. وشمل هذا الحد المجاز بنوعيه، أعني المفرد سواء كان استعارة أيضاً كقولك للمتردد: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى. أو مرسلا كقوله: هواي مع الراكب اليماني مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق. فإن هذا المركب موضوع بالوضع النوعي للأخبار، والغرض منها إظهار التحزن والتحسر، والعلاقة فيه استعمال ما وضع للازم في الملزوم، لأن إظهار التحزن والتحسر ملزوم للأخبار غالبا، فظهر أن حصر المجاز المركب في الاستعارة- كما وقع لأكثرهم- عدول عن الصواب، كما حققه السعد التفتازاني في شرح التلخيص، وهذا التعريف للمجاز هو رأي أهل المعاني والبيان. وقال البديعيون: المجاز هو تجوز الحقيقة، بحيث يأتي المتكلم إلى اسم موضوع لمعنى فيحتضره إما بأن يجعله مفردا بعد أن كان مركبا، أو غير ذلك من وجوه الاختصار. مثال الأول قول جرير: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا. يريد بالسماء مطر السماء، فجعله مفردا، ويريد بالضمير في رعيناه ما ينبته مطر السماء. ومثال غير ذلك قول العتابي: يا ليلة لي بحوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير. فقوله: ساهرة مجاز، قاله الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته. وإنما كان قوله: ساهرة من الاختصار، لأن الأصل: أنا ساهر فيها، فاختصر ذلك بأن أسند السهر إلى الليلة، وهو عند أهل البيان مجاز إسنادي، ويسمى المجاز الحكمي، والعقلي. وهو عندي داخل في باب الاستعارة كما حقق في محله. تنبيهات: الأول المجاز المرسل، يقع على وجوه كثيرة. أحدها إطلاق السبب على المسبب، كاليد على النعمة لصدورها عنها، وعلى القدرة لظهور سلطانها بها، ومنه قولهم: رعينا غيثا أي نباتا، لأن الغيث سبب للنبات. الثاني إطلاق المسبب على السبب، وهو عكس الأول كقولهم: أمطرت السماء نباتا، أي غوثا لكون النبات مسببا عنه. الثالث تسمية الشيء باسم ما كان عليه، كقوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) أي الذين كانوا يتامى، إذ لا يتم بعد البلوغ. الرابع تسميته باسم ما يؤل إليه كقوله تعالى: (أني أرآني أعصر خمرا) أي عنباً يؤل إلى الخمرية (لا يلدوا إلا فاجرا كفارا) أي صائرا إلى الفجور والكفر. الخامس إطلاق اسم الكل على الجزء، ويشترط فيه أن يكون أصلا فيما وقع المجاز بسببه، كقوله تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) أي ذاته لأن معدن كتمان الشهادة القلب، ومنهم قولهم للربيئة عين، لأنها المقصود من كون الرجل ربيئة دون سائر ما عداها. السادس إطلاق الجزء على الكل، وهو عكس ما قبله، والشرط ما سبق كقوله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم) أي أناملهم. السابع إطلاق الحال على المحل، كقوله تعالى: (في رحمة الله هم خالدون) أي في الجنة، لأنها محل الرحمة.
следующие страницы →