Полный текст (234 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فقال له أبو جعفر ﵇: قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أم جاهلاً؟ قتله عمداً أم خطأ؟ حرّاً كان المحرم أم عبداً؟ صغيراً كان أم كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أم نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النّهار؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أم الحج كان محرماً؟ فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والإنقطاع ولجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فلمّا تفرّق الناس وبقي الخاصة قال المأمون لأبي جعفر ﵇: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر ما فصّلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ونستفيده؟ فقال أبو جعفر: نعم، إذا قتل صيداً في الحلّ وكان من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحل فعليه جمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الجمل وقيمة الفرخ، فإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، وإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه للعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه الإثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة.
فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر! أحسن الله إليك! فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك؟ قال: ذاك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلاّ استفدته منك. فقال له أبو جعفر: أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النّهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا كان غروب الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحرمت عليه؟ فقال له يحيى والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه فإن رأيت أن تفيدنا؟ فقال له أبو جعفر ﵇: هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أوّل النّهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهرها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان من نصف الليل طلّقها طلقة واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.
فقول تمامة: إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم قتل صيداً تعريض له بذلك، معناه أنّك مع ما تسمّيت به من الفقه ولا تعرف الجواب عن مسائله، فكذلك أنت من أهل العشق ولا تحسن وصفه.
وذكر ابن خلّكان عن بعض المؤرّخين أنّه لم يكن في يحيى بن أكثم ما يعاب به سوى ما كان يتّهم به من الهناة الشائعة عنه المنسوبة إليه.
قال: ونقلت من أمالي أبي بكر محمّد بن القاسم الأنباري أنّ القاضي يحيى بن أكثم قال لرجل يأنس به ويمازحه: ما تسمع الناس يقولون فيّ؟ قال: ما أسمع إلاّ خيراً. قال: ما أسألك لتزكّيني، قال: أسمعهم يرمون القاضي بالأُبنة، قال: اللهمّ غفراً، المشهور عنّا غير هذا.
وذكر عنه أنّه كان يحسد حسداً شديداً وكان متفنّناً، فإذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكيٌّ حافظ، فناظره فرآه متفنّناً، فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم، قال: تحفظ من الأُصول؟ قال: نعم أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أنّ عليّاً ﵇ رجم لوطيّاً، فأمسك يحيى عنه ولم يكلّمه.
قال الخطيب: ودخل على يحيى بن أكثم ابنا مسعدة وكانا على نهاية الجمال، فلمّا رآهما يمشيان في صحن الدار أنشد:
стр. 107
يا زائرينا من الخيام ... حيّاكما الله بالسلام
لم تأتياني وبي نهوض ... إلى حلال ولا حرام
يحزنني إن وقفتما بي ... وليس عندي سوى الكلام
ثمّ أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتّى انصرفا.
ويقال: إنّه عزل عن الحكم بسبب هذه الأبيات.
قال: ورايت في بعض المجاميع أنّ يحيى بن أكثم مازح الحسن بن وهب وهو يومئذ صبيّ فلاعبه ثمّ جمشه، فغضب الحسن، فأنشد يحيى:
أيا قمراً جمشته فتغضّبا ... وأصبح لي من تيهه متجنّبا
إذا كنت للتجميش والعضّ كارهاً ... فكن أبداً يا سيّدي متنقّبا
ولا تظهر الأصداغ للنّاس فتنة ... ولا تجعل منها فوق خدّيك عقربا
فتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاً ... وتترك قاضي المسلمين معذّبا
وقال أحمد بن يونس الضبي: كان زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى بن أكثم، وكان غلاماً جميلاً، متناهي الجمال، فقرص القاضي خدّه، فخجل الغلام واستحيى وطرح القلم من يده، فقال له يحيى: خذ القلم واكتب ما أملي عليك، ثمّ أملى الأبيات المذكورة.
وقال إسماعيل الصفّار: سمعت أبا العينا في مجلس أبي العبّاس المبرّد يقول: كنت في مجلس أبي عاصم النبيل وكان أبوبكر بن يحيى بن أكثم ينازع غلاماً، فقال: إن يسرق فقد سرق أب له من قبل.
وذكر الخطيب في تاريخه: أنّ المأمون قال ليحيى بن أكثم: من الذي يقول:
قاض يرى الحدَّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من بأس
قال: أوما يعرف أميرالمؤمنين قائله؟ قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ... الأُمّة وال من آل عبّاس
قال: فأفحم المأمون خجلاً وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند.
وهذان البيتان من جملة أبيات أوّلها:
أنطقني الدهر بعد أخراس ... لنائبات أطلن وسواسي
يا بؤس للدهر لا يزال كما ... يرفع ناساً يحطُّ من ناس
لا أفلحت أُمّةٌ وحقَّ لها ... بطول نكس وطول أتعاس
ترضى بيحيى يكون سائسها ... ولى يحيى لها بسوّاس
قاض يرى الحدَّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من بأس
يحكم للأمرد الغرير على ... مثل جرير ومثل عبّاس
فالحمد لله كيف قد ذهب ال ... عدل وقلَّ الوفاء في النّاس
أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرأسُ شرُّ ما راس
لو صلح الدين واستقام لقد ... قام على النّاس كلّ مقياس
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ... الأُمّةِ وال من آل عبّاس
قال: وحكى أبوالفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ليحيى المذكور وقائع في هذا الباب كثيرة، وأنّ المأمون لمّا تواتر النقل على يحيى بهذا اراد امتحانه، فأخلى له مجلساً واستدعاه وأوصى مملوكاً خزريّاً أن يقف عندهما وحده، وإذا خرج المأمون يقف المملوك عند يحيى فلا ينصرف، وكان المملوك في غاية الحسن، فلمّا اجتمعا بالمجلس وتحادثا وانصرف المأمون كأنّه يقضي حاجته فوقف المملوك، فتجسّس المأمون عليهما، وكان قرّر معه أن يعبث بيحيى علماً منه أنّ يحيى لا يتجاسر عليه خوفاً من المأمون، فلمّا عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول: لولا أنتم لكنّا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد:
وكنّا نرجي أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط
إنتهى.
رَجْعٌ إلى ما قيل في وصف العشق: قال الأصمعي: سألت أعرابيّة عن العشق، فقالت: جلَّ والله أن يرى، وخفي عن أعين الورى، فهو في الصدور كامن، كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى.
وقيل لأبي زهير المدني: ما العشق؟ فقال: الجنون داء أهل الذلّ، وهو داء أهل الظرف.
وقال بعض الأطبّاء في صفة الحب: الحب امتزاج الروح بالروح، ولو امتزج الماء بالماء لامتنع تخليص بعضه من بعض، فكيف والروح ألطف امتزاجاً وأرقّ مسلكاً.
وسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو أغمض مسلكاً في القلب من الروح والجسد، وأملك من النفس بالنفس، بطن وظهر، ولطف وكشف، فامتنع عن وصفه اللسان، وعمي عنه البيان، فهو بين السحر والجنون، ولطف المسلك والكمون.
стр. 108
وروى أهل السير أنّ الذين علق الحب قلوبهم وماتوا أو جنّوا هم الذين عشقوا بنات العمّ والجيران في الحداثة، وإنّ ذلك هو العشق الذي لا يزايل صاحبه أبداً حتّى يموت أو يهيم على وجهه، ويشهد بذلك قول المجنون:
وعلقت ليلى وهي ذات موصد ... ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرى البهم يا ليت أنّنا ... صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم
ومنه قول جميل:
علقت الهوى منها وليداً ولم يزل ... إلى الآن ينمو حبّها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظار نوالها ... وأفنت بذاك العمر وهو جديد
وكان أوّل ما علق جميلٌ بثينة أنّه أقبل يوماً في إبله فاستقبل وداياً يقال له وادي بغيض فاضطجع وأرسل إبله مصعدة وأهل بثينة في ذنب الوادي، فأقبلت بثينة وجارية لها واردتين الماء فمرّتا على فصال له برّك ففرّقتهنّ بثينة وهي إذ ذاك جويرية صغيرة فسبّها جميل فأقترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:
وأوّل ما قاد المودّة بيننا ... بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلت لها قولاً فجائت بمثله ... لكلّ كلام يا بثين جواب
وعن رجل من جهينة أنّه قال: صادفت في الحمّام جميل بثينة وأنا لا أعرفه فقلت: من أنت؟ قال: جميل، فقلت له: أنت الذي تقول:
لها النظرة الاُولى عليهنّ بسطة ... فإن كرّت الأبصار كان لها العقب
فقال: نعم أنا الذي أقول:
ترى البزل بكرهنّ الرياح إذا جرت ... وبثنة إن هبّت بها الريح تفرح
قال: فقلت: إنّي والله لأظنّ أنّ عرقوفيها يذكيان إذا كلّت شفرة الحي، فضحك وقال: يابن أخي! لو رأيتها لوددت أن تلقى الله بهنة منها مصرّاً عليها أبداً.
وممّا ورد من الأخبار التي تشهد بعفّة أهل العشق المتقدّمين ما رواه سهل بن سعد قال: كنت بمصر وخرجت لحاجة فلقيني صديق لي في بعض الطريق فقال لي: هل لك أن تعدل لعيادة جميل فقد ثقل مرضه؟ قلت: نعم، فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إليّ وقال: يابن سعد! ما نقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب مداماً ولم يسفط دماً حراماً قد أتت عليه خمسون سنة يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله؟ فقلت: من هذا، فإنّي أظنّه ناج من عذاب النّار؟ فقال: أنا ذاك، قلت: يا سبحان الله! ما رأيت كاليوم أعجب من هذا، وما أحسبك تسلم وأنت تسبّب ببثينة منذ عشرين سنةً؟ فقال: إنّي في آخر يوم من أيّام الدنيا وأوّل يوم من أيّام الآخرة فلا نالتني شفاعة محمّد إن وضعت يدي يوماً عليها لريبة، وإنّما أكثر ما يكون منّي إليها أنّي آخذ يديها فأضعهما على قلبي فأستريح إليها، ثمّ أُغمي عليه فأفاق وأنشأ يقول:
صرخ النعيُّ وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجرُّ الذّيل في وادي القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل
قومي بثينة واندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كلّ خليل
ثمّ أُغمي عليه فمات.
وعن الحافظ أبي محمّد الأموي أنّه قال: كانت عنده امرأة تخدمه، وإنّ فتىً علقها وعلقته، فذاع سراهما وشاع أمرهما، فاجتمعا يوماً فقال لها: هلمّ نحقّق ما قاله فينا الناس، فقالت: لا والله لا كان ذلك أبداً وأنا أقرأ: (الأخلاّءُ يَوْمَئِذ بَعضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إلاّ المُتّقين) .
وروي عن جميل أنّه قال لبثينة ليرى ما عندها: هل لك يا بثينة أن نحقّق ما قاله فينا النّاس؟ فقالت: مه، إنّ الحبّ إذا نكح فسد، ونظم هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
ماالحبّ إلاّ نظرةٌ ... وغمز كفٍّ وعضد
ماالحبّ إلاّ هكذا ... إن نكح الحبّ فسد
وروي عن الأصمعي أنّه قال: قلت لأعرابيّة: ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: العناق والضمّة والمحادثة والغمزة، ثمّ قالت: يا حضري! كيف هو عندكم؟ قلت: يقعد المحب بين رجلي من يحب ثمّ يجهدها. قالت: يابن أخي! ما هذا عاشق، هذا طالب ولد.
وسأل رجل أعرابياً عن العشق فقال: هو اللحظة والنظرة ومصّ الريقة ولثم الثغر والأخذ من لطائف الحديث بنصيب، فكيف هو عندكم يا حضري؟ فقال: العضّ الشديد، والجمع بين الركبة والوريد، وهو يوقض النيام، ويوجب الآثام. فقال: تالله ما يفعل هذا العدوّ فكيف الحبيب.
стр. 109
وقيل لآخر: ما كنت صانعاً بمن أحببت لو ظفرت به؟ قال: أُحلّ الخمار وأُحرّم ما وراء الإزار، وأُطهّر الحب ما يرضى الرب.
وقيل لآخر: ما كنت صانعاً بمحبوبتك لو ظفرت بها؟ قال: أضمّها وألثمها وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق عشرين سنة بلذّة ساعة تفنى لذّتها ويبقى عقابها، إنّي إن فعلت ذلك للئيم ولم يلدني كريم.
وما ألطف وأظرف قول بعضهم:
وباض الحب في قلبي ... فياويلي إذا فرّخ
وما أصنع في الحبّ ... إذا لم أنزح البربخ
وكان العشق أكثر وقوعاً في بني عذرة، ولقد اشتهروا فيه بين القبائل، وصاروا يُضرَب بهم المثل في العشق لكثرة من قتل منهم.
روي عن محمّد بن جعفر ما هذا ملخّصه أنّه قال: سمعت رجلاً من عذرة يتحدّث عند عروة، فقال له عروة: يا هذا بحقٍّ إنّكم أرقّ النّاس قلوباً؟ قال: نعم، والله لقد تركت في الحي ثلاثين شابّاً خامرهم الموت ما لهم داء إلاّ الحب.
وروي ما هذا مضمونه عن سعد بن عتبة أنّه حضر في مجلسه رجل فاستغربه، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. فقال: عذريٌّ وربّ الكعبة، ثمّ قال له: ولِمَ كان بكم هذا الداء الذي أهلككم؟ قال: لأنّ في رجالنا صباحة وفي نسائنا عفّة.
وعنهم ما هذا ملخّصه أنّه قال رجل من فزارة لرجل من عذرة: إنّكم لتعدّون موتكم في الحبّ فضيلةً لكم ومزيّة، وإنّما ذاك من ضعف البنية ووهن العقيدة وسوء الرويّة. فقال العذريّ: أمّا إنّكم لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالأعين الدعج من فوقها الحواجب الزج من تحتها المباسم الفلج تفترّ عن الثنايا الغرّ كأنّها البرد والدر لجعلتموها اللاّت والعزّى.
واعلم أنّ من المعلوم عند العرب أنّ الشيء إذا عظم كالسيف والرمح والأسد والداهية والخمر عظمت فيه عنايتهم ووضعوا له أسماء وصفاتاً كثيرة، ولمّا كان لا شيء عندهم أعظم من الحب كانت عنايتهم فيه أعظم فوضعوا له صفاتاً وأسماء لا تكاد تحصى وأيسرها ما نقله عنهم الحصيري في بعض مصنّفاته فقال: الحب، والعشق، والهوى، والمقة، والعلاقة، والرقّة، والكئابة، والصبابة، والكرب، والصبوة، والشغف، والتوق، والوله، والكلف، والأسف، والدنف، والجوى، والخلّة، والودّ، والكمد، والسهد، والخبل، والجنون، والتدلية، والنبل، والشجون، والحرق، والرسيس، والأرق، والوجل، والحزن، والتلدد، والبلابل، والوهل، والنبالة، والتبالد، والتنيم، والجزع، والخوف، والوصب، والإكتئاب، والشجن، والهلع، والهيام، والنصب، والغرام، والحسرات، والخلاعة، والتباريح، والغمرات، واللعج، والحنين، والتلهّف، والأنين، واللذع، والندم، والإستكانة، واللوعة، والسقم، والفتون، والتفجّع، والمسُّ، واللمم، والداء المخامر، والضنى المسامر، والعقل المختلس، والنفس المحتبس، واللبّ المسلوب، والدمع المسكوب.
إنتهى كلامنا على العشق.
وظماء الوشح وغراثها: الظماء هي العطشانة، والغراث هي الجائعة، ووصف الأوشحة بالعطش والجوع كناية عن دقّة الخصر لأنّ ذلك من الصفات المحمودة في النساء، ويقال: هي مخطفة الحشا ومهضومة الحشا ومرهفة الخصر وعظيمة الكشح، ويقابلون ذلك بارتواء الأرداف والمخلخل، والمراد به الساق. قال امرؤ القيس:
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... عَلَيّ هظيم الكشح ريّا المخلخل
وقال أبو تمام:
فتأبّدت من كلّ مخطفة الحشا ... غيداء تكسى بارقاً ورعاثا
وقال البحتري:
أظالمة العينين مظلومة الحشا ... ضعيفة كفّي الخيال المؤرّقا
وقال أيضاً:
ويقلُّ انتصار من هظمته ... ذات كشح مهفهف مهظوم
وقال أيضاً:
أوانس ظمآنةٌ وشحها ... ريّانة خرسٌ خلاخيلها
وقال الآخر:
ونشوان من خمر الدلال سقيته ... شمولاً فنمت عن هواه الشمائل
شكى ظمأً منه الموشّح وارتوت ... بماء الصبا أردافه والخلاخل
وهذا الباب واسع جدّاً.
والرعاث هو القرط. قال الأرجاني وقد شبّه القرط بالثريّا:
تذكر كم ليل لهونا به ... قرطك قد كان ثريّاه
وقال الأموي:
بدا والثريّا في مغاربها قرط ... بريق شجاني والدجى لم شمّط
وإنّما يشبّه القرط بالثريّا لأنّه مثله في الهيئة.
стр. 110
وقولي: حمت بذكور المرهفات إناثها، اشتمل على الطباق، والطباق هو من المحسّنات المعنوية ويُسمّى المطابقة، والتطبيق، والتكافؤ، والتضاد.
قال ابن الأثير في المثل السائر: وهو؛ يعني الطباق، في المعاني ضدّ التجنيس في الألفاظ لأنّ التجنيس هو اتّحاد اللفظ مع الختلاف المعنى، الطباق هو أن يكون المعنيان ضدّين، وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أنّ المطابقة هي الجمع بين الشيء وضدّه كالسواد والبياض والليل والنهار، والظاهر أنّ المقابلة أعمّ من الطباق؛ فإنّ كلّ طباق مقابلة ولا عكس، لأنّه الجمع بين متضادّين مع مراعاة التقابل فلا يجيء باسم مع فعل ولا العكس وذلك غير ملحوظ في المقابلة، ولأنّ المطابقة هي الجمع بين ضدّين، والمقابلة هي الجمع بين ضدّين فصاعداً، ومن أمثلة مجيئه من إسمين قوله تعالى: (وَتَحْسبُهُم أيقاظاً وهُمْ رُقُود) ، ومن فعلين قوله تعالى: (يُحيي ويُميت) ، وقوله: (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بما آتاكُمْ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمللأنصار: إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع. ومن حرفين قوله تعالى: (لهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ) فإنّ في اللاّم معنى الإنتفاع وفي على معنى التضرّر أي لها ما كسبت من خير وعليها مااكتسبت من شرّ، إنتهى.
وممّا اتّفق لي من الشعر الأجنبي ما قلته مقرضاً على المنظومات الموسومة ب "الباقيات الصالحات" نظم عبد الباقي أفندي العمري في مدح أئمّة العصمة ﵌ وقد مدحته فيها، فقلت:
أربّ القوافي قد غدا لك مذعناً ... بها محرز الفضل اكتساباً ووارثه
لو المتنبّي شاهد الحكم التي ... نطقت بها ما شكَّ أنّك باعثه
هي "الباقيات الصالحات" أطائب ال ... قريض ولكن ما سواها خبائثه
فحسبك منها معجزاً بمديح من ... معاجز كلّ الأنبياء موارثه
غدت كعصا موسى ولكنّما بها ... قد التقفا سحر القريض ونافثه
كفى أنّها في أُمّة الشعر قبلةٌ ... إليها قديم النظم صلّى وحادثه
الفصل الثاني في الإستغاثة
قلت مخاطباً لأميرالمؤمنين ﵇:
أميرالمؤمنين أغث صريخاً ... ألمَّ بجنب قبرك مستغيثا
أتاك يحثُّ ناجية المطايا ... وصرف الدهر يطلبه حثيثا
الباب الخامس في قافية الجيم
وفيها فصل واحد في المديح
قلت فيه:
فيك العلاء مضيئة أبراجها ... فلأنت بدر سمائها وسراجها
وبك ابتهاج أسرّة الشرف التي ... لولاك بعد أخيك عطّل تاجها
أقبلتما تتجاريان لغاية ... لم يستقم لسواكما منهاجها
سبق الأنام لها وجئت مصلّياً ... ومعاً ملطّمةً أتت أفواجها
حتّى استوت قدماكما في ذروة ... للمجد عزَّ على الورى معراجها
هو مصطفى الشرف الذي من بعده ... وجدتك أكرم من عليه معاجها
أنت الذي ارتشف الورى من خلقه ... راحاً ألذَّ من الرحيق مزاجها
مااعتلّت الدنيا بداء جدوبها ... إلاّ وجودك طبّها وعلاجها
ولقد حميت وئيدة الكرم التي ... لولاك ما سلمت لها أوداجها
نسجت لك العليا ملابس فخرها ... فزها عليك مطرّزاً ديباجها
لم تحد مدلجة الركائب رغبة ... إلاّ وكان لربعكم أدلاجها
ما طرَّقتْ أُمُّ الرّجاء لآمل ... إلاّ وأصبح من نداك نتاجها
أقول: أمّا قولي: سبق الأنام لها الخ، فالسابق أوّل خيل الحلبة، والمصلّي تلو السابق، والملطم تاسع خيل الحلبة. ومن أحسن ما جاء في الإستباق والمساواة قول الخنساء:
جارى لباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملائة الحضر
حتّى إذا نزت القلوب وقد ... لزّت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف النّاس أيّهما ... قال المجيب هناك لا أدري
برزت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر
وهما كأنّهما وقد برزا ... صقران قد حطّا على وكر
ويقال: إنّها قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجنت أباك؟ فقالت هذه الأبيات.
стр. 111
ويقال: أنّه قيل لأبي عبيدة: ليس هذه الأبيات في مجموع شعر الخنساء؟! فقال أبو عبيدة: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل ذلك، ولعمريى إنّها قد بلغت في مدح أخيها من غير إزراء بأبيها النهاية لأنّها جعلت تقدّم أبيها له عن قدرة منه على المساواة وعن غير تقصير منه، وإنّه أفرج له عن السبق معرفةً له بحقّه وتسليماً لكبر سنّه، ومنها أخذ الشريف الرضي قوله:
ولولا مراعاة الأُبوّة جزته ... ولكن لغير العجز ما أتوقّف
وقال السيّد المرتضى: وكأنّ الخنسا نظرت في هذا المعنى إلى قول زهير:
فشجَّ بها الأماعز وهي تهوي ... هويّ الدلو أسلمها الرشاء
فليس لحاقه كلحاق ألف ... ولا كنجائها منه نجاء
يقدّمه إذا اختلفت عليها ... تمام السن منه والذكاء
ويشبه أن يكون الكميت أخذ من الخنساء قوله في مخلّد بن يزيد بن المهلّب وهو:
ما إن أرى كأبيك أدرك شأوه ... أحدٌ ومثلك طالباً لم يلحق
تتجاريان له فضيلةُ سنّه ... وتلوت بعدُ مصلّياً لم يسبق
إن تنزعا فله فضيلة سبقه ... فبمثل شأو أبيك لم تتعلّق
ولئن لحقت به على ما قد مضى ... من بعد غايته فأحج وأخلق
ويشبه هذا المعنى قول المؤمّل بن أميل الكوفي المحاربي يمدح المهدي في حياة المنصور:
لئن فتَّ الملوك وقد توافوا ... إليك من السهولة والوعور
فقد فات الملوك أبوك حتّى ... بقوا مابين كاب أو حسير
وجئت ورائه تجري حثيثا ... وما بك حيث تجري من فتور
فقال الناس ما من ذين إلاّ ... بمنزلة الخليق من الجدير
فإن سبق الكبير فأهلُ سبق ... له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير
وهذا مأخوذ من قول الشاعر:
جياد جرت في حلبة فتفاضلت ... على قدر الأسنان والعرق واحد
قال السيّد المرتضى: ممّا له بهذا المعنى بعض الشبه وإن لم يذكر فيه السن والتفضيل والكبر قول زهير:
وهو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدّما من صالح سبقا
ويروى أنّه عرضت على جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي جارية شاعرة فأراد أن يبلوها، فقال لها: قولي على معنى بيتي زهير الذين ذكرناهما، فقالت:
بلغت أو كدت يحيى أو لحقت به ... فنلتما خالداً في شأو مستبق
لكن مضى وتلا يحيى فأنت له ... تال تعلّلت دون الركض بالعنق
العنق دون الركض أي إنّك تعلّل بالعنق اتّقاء وحشمةً لأبيك وجدّك، ولو سرت ركضاً لسبقتهما.
قال السيّد: ومن أحسن ما قيل في المساواة والمقاربة وهو داخل بهذا المعنى مناسب له قول عبّاد بن شبل:
إذا اخترت من قوم خيار خيارهم ... فكلُّ بني عبد المدان خيار
جروا بعنان واحد فضل بينهم ... بأن قيل قد فات العذار عذار
وقول الكميت:
مصلٍّ أبوه له سابق ... بأن قيل فات العذار العذارا
ومثله قول العتابي وهو مليح جدّاً:
كما تقاذف جردٌ في أعنّتها ... سبقاً بآذانها مرّاً وبالعذر
وأوّل من سبق إلى هذا المعنى زهير في قوله يصف مطايرة البازي القطاة ومقاربته لها:
دون السماء وفوق الأرض قدرهما ... عند الذنابي فلا فوت ولا درك
وقد لحظ أبو نؤاس هذا المعنى في قوله يمدح الفضل بن الربيع ويذكر مقارنته لأبيه في الفضل والسؤدد:
ثمّ جرى الفضل فانثنى قدماً ... دون مداه من غير ترهيق
فقيل راشا سهماً يراد به ... الغاية والنصل سابق الفوق
ويشاكل ذلك قول البحتري في ابن أبي سعيد:
جدٌّ كجدّ أبي سعيد إنّه ... ترك السماك كأنّه لم يشرف
قاسمته أخلاقه وهي الردى ... للمعتدي وهي الندى للمعتفي
فإذا جرى من غاية وجريت من ... أخرى التقى شأواكما في المنصف
ويشبهه أيضاً قوله:
وإذا رأيت شمائل ابني صاعد ... أدّت إليك شمائل ابني مخلد
كالفرقدين إذا تأمّل ناظرٌ ... لم يعلُ موضع فرقد عن فرقد
وأمّا قول الخنساء: يتعاوران ملائة الحضر؛ وهي تعني بالملائة الغبار، فإنّ عدي بن الرقاع نظر إليها في قوله يصف حماراً وأتاناً:
стр. 112
يتعاوران من الغبار ملائةً ... بيضاء محدثة هما نسجاهما
تطوى إذا وطئا مكاناً جاسياً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
وقولها: أسلمت أي بلغت السهل، كأكدي إذا بلغ الكدية. قال السيّد المرتضى: وهذا المعنى وإن كان هو معنى بيت الخنساء بعينه، فقد زاد في استبقائه عليها زيادة ظاهره صار من أجلها بالمعنى أحقّ منها، وقد ابتدأ بهذا المعنى رجل من بني عقيل، فقال من قصيدة:
يثيران من نهج الغبار عليهما ... قميصين أسمالاً ويرتديان
أقول: ويعجبني قول القاضي الأرجاني في مدح من تأخّر في زمانه ووصفه بالسبق على أقرانه:
والدهر مضمار الكرام وهم ... أشباه خيل فيه تستبق
ما إن لحقتهم وقد سبقوا ... حتّى سبقتهم فما لحقوا
ولي في هذا المعنى تخميس بيت من قصيدة لعبد الباقي أفندي العمري في مدح النبي ﵌:
لحقت وإن كنت لم تعنق ... لشأو به الرسل لم تعلق
وأحرزت قدماً مدى الأسبق ... فيا لاحقاً قطُّ لم يسبق
ويا سابقاً قطّ لم يلحقوما أبرع قول القاضي الأرجاني في تفضيل ممدوحه على من تقدّمه من الكرام وهو على ما هو عليه من تأخّر زمانه، وهذا بالسحر أشبه منه بالشعر:
ختمت به الوزراء ختم جلالة ... من كلّ ذي سبق بذكر شائع
ولئن تأخّر وارداً وتقدّموا ... فرطاً له من مبطىء ومسارع
فالفجر يطلع كاذباً أو صادقاً ... ما زال قدام النهار الساطع
هو لجّة الكرم التي من قبلها ... كانوا أوائل موجها المتتابع
ما أسلس هذا النظم وأرقّه، وأشرف معناه وأدقّه، فلعمري إنّه ليشهد لناسج برده، أنّه في حوك هذه الحلل الفاخرة نسيج وحده.
وأمّا قولي:
ولقد منعت وئيدة الكرم التي ... لولاك ما سلمت لها أوداجها
استعارة الوئيدة للكرم مشعرة بأنّ الكرم لا يوجد إلاّ عنده، فالوئيدة فعيلة، يقال: وأد بنته يئدها وأَداً دفنها في القبر وهي حيّة فهي موؤودة، قال الله تعالى: (وإذا المَوْؤودَةُ سُئِلَتْ، بأيِّ ذَنْب قُتِلَتْ) ، وكانت كندة تئد البنات.
وقد اشتمل هذا البيت على التلميح - وهو بتقديم اللام على الميم - أن يشار في فحوى الكلام إلى قصّة أو شعر أو مثل سائر من غير ذكر تلك القصّة والشعر والمثل، وسمّاه ابن المعتزّ - وهو مخترعه الأوّل - حسن التضمين، ووافقه قدامة وابن جعفر ومن تبعهما، وقال: هو أن يضمن المتكلّم كلامه كلمة أو كلمتين من آية أو بيت من الشعر أو فقرة من خبر أو مثل سائر أو معنىً مجرّد من حكمة أو كلام. وسمّاه المطرزي وصاحب التلخيص بالتمليح - بتقديم الميم على اللام - كأنّ الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة. وسمّاه الإمام فخرالدين الرازي التلويح، وقالوا جميعاً: هو أن يشار في فحوى الكلام إلى مثل سائر أو شعر نادر أو قصّة مشهورة من غير أن يذكر جميعها، ولم يختلفوا بالشواهد. قال أبو تمام من قصيدة يمدح بها أبا سعيد محمّد بن يوسف:
لحقنا بأُخراهم وقد حوَّم الهوى ... قلوباً عهدنا طيرها وهي وقع
فردّت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضى ضوئها صبغ الدجنة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزّع
فوالله ما أدري ءأحلام نائم ... ألمّت بنا أم كان في الركب يوشع
أشار إلى قصّة يوشع بن نون في ردّه الشمس. وقد ظرف الرصافي البلنسي في تلميحه هذه القصّة فقال يخاطب من إسمه موسى بأبيات أوّلها:
وما مثل موضعك ابن رزق موضع ... زهرٌ يروق وجدول يتدفّع
يقول فيها:
وعشيّة لبست رداء شجونها ... والجوّ بالغيم الرقيق مقنّع
بلغت بنا أمد السرور تألّفاً ... والليل نحو فراقنا يتقطّع
فابلل بها ريق الغبوق فقد أتى ... من دون قرص الشمس ما يتوقّع
سقطت ولم يملك نديمك ردّها ... فوددت يا موسى لو أنّك يوشع
وقد لمح هذه القصّة أبوالعلا المعرّي فقال:
فلو صحّ التناسخ كنت موسى ... وكان أبوك إسحاق الذبيحا
ويوشع ردّ يوحاً بعض يوم ... وأنت متى سفرت رددت يوحا
وقد لمح قلاقس إلى هذه القصّة أيضاً فقال:
ومنتصر في منع مقلوب عقرب ... بما تحته من لسع مقلوب برقع
стр. 113
أبنت شمسه إلاّ الغروب وقد سما ... لها كلّفي من كلّ عضو بيوشع
وابن مطروح في قوله:
وما أنس لا أنس المليحة إذ بدت ... دجىً فأضاء الأُفق من كلّ موضع
فحدّثت نفسي أنّها الشمس أشرقت ... وإنّي قد أوتيت آية يوشع
ومن جيّد التلميح قول ابن المعتز:
أترى الجيرة الذين تداعوا ... عند سير الحبيب وقت الزوال
علموا أنّني مقيم وقلبي ... راحل فيهم أمام الجمال
مثل صاع العزيز في أرحل القو ... م ولا يعلمون ما في الرحال
أشار إلى قصّة يوسف ﵇ حين جعل الصاع في رحل أخيه وإخوته لم يشعروا بذلك، وقول أبي نصر محمّد الأصفهاني في ذمّ الملوك:
بليت بمملوك إذا ما بعثته ... لأمر أعيرت رجله مشية النمل
بليدٌ كأنّ الله خالقنا عنى ... به المثل المضروب في سورة النحل
يشير إلى قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْر) .
ومنه ما ذكره أبوبكر في تحفة القادم أنّ أبابكر الشبلي جلس يوماً على نهر شبل بالجسر فتعرّض له بعض الجواري للجواز فلمّا أبصرته رجعت بوجهها وسترت ما قد ظهر له من محاسنها، فقال أبوبكر المذكور:
وعقيلة لاحت بشاطىء نهرها ... كالشمس طالعة لدى آفاتها
فكأنّما بلقيس وافت صرحها ... لو أنّها كشفت له عن ساقها
حوريّة قمريّة بدريّة ... ليس الجفا والصدُّ من أخلاقها
قال في تحفة العروس: ويمكن تغيير البيتين الأوّليّين بأن يقال:
وعقيلة لاحت بشاطىء نهرها ... كالشمس تتلو في المشارق صبحها
لو أنّها كشفت لنا عن ساقها ... لحسبتها بلقيس وافت صرحها
ومن مجون التلميح قول ابن الحجّاج:
غضبت صباح وقد رأتني قابضاً ... أيري فقلت لها مقالة فاجر
بالله إلاّ ما لطمت جبينه ... حتّى يحقّق فيك قول الشاعر
يريد قول ابن نباتة في وصف فرس أغرّ محجّل:
وكأنّما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه وخاض في أحشائه
وما أملح قول بعض شعراء المغرب في التلميح:
وعندي من لواحظها حديث ... يخبر أنّ ريقتها مدام
وفي أعطافها النشوى دليل ... وما ذقنا ولا زعم الهمام
يشير إلى قول النابغة في المتجرّدة امرأة النعمان بن المنذر:
زعم الهمام بأنّ فاها باردٌ ... عذبٌ مقبّله شهيّ المورد
زعم الهمام ولم أذقه أنّه ... عذبٌ إذا قبّلته قلت أزدد
ومن بديع التلميح قول الرئيس أبي العبّاس بن أبي طالب:
وكم ليلة نلت فيها المنى ... وبات لي الحبّ فيها نجيّا
إذا ضلّ لحظي في جنحها ... هدت وجنتاه الصراط السويّا
أراع فأسأل عن صبحها ... فيرجع لي جفنها نم هنيّا
إلى أن بدى لي سرحانها ... يحاول للجدي فيها رقيّا
فيالك من ليلة بتّها ... أنادم بدر دجاها البهيّا
حكت ليلة السفح في حسنها ... فأصبحت أحكي الشريف الرضيّا
يشير إلى قول الشريف الرضي في قصيدته البديعة المشهورة وهي:
يا ليلة السفح هلاّ عدت ثانية ... سقي زمانك هطّال من الديم
يقول فيها:
بتنا ضجيعين في ثوبَيْ هوى وتقى ... يلفّنا الشوق من فرع إلى قدم
وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا ... على الكثيب فضول الريط والكمم
يشي بنا الطيب أحياناً وآونةً ... يضيئنا البرق مجتازاً على أضم
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواضع اللّثم في داج من الظلم
وبيننا عفّة بايعتها بيدي ... على الوفاء بها والرعي للذمم
يولع الطلُّ بردينا وقد نسمت ... رويحة الفجر بين الضالّ والسلم
وأكتم الصبح عنها وهي غافلة ... حتّى تكلّم عصفورٌ على علم
فقمت أنفض برداً ما تعلّقه ... غير العفاف وراء الغيب والكرم
والمستني وقد جدّ الوداع بها ... كفّاً تشير بقضبان من العنم
وألثمتني ثغراً ما عدلت به ... أرى الجنى بنبات الوابل الرذم
ثمّ انثنينا وقد رابت ظواهرنا ... وفي بواطننا بعدٌ من التهم
стр. 114
ثمّ اعلم أنّ التلميح منه ما هو واضح الإشارة كما قدّمنا، ومنه ضرب يشبه اللغز، ومن لطائفه قصّة الهذلي مع المنصور فقد روي أنّه وعده بجائزة فنسي فحجّا معاً ثمّ مرّا في المدينة الشريفة ببيت عاتكة، فقال الهذي: يا أميرالمؤمنين! هذا بيت عاتكة التي يقول فيها الأخوص:
يا دار عاتكة التي أتغزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل
فأنكر عليه المنصور ابتدائه بالخبر من غير أن يسأله، ثمّ أمرّ القصيدة على باله ليعلم ما أراد، فإذا فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فعلم أنّه أشار إلى هذا البيت بتلميحه فتذكّر ما وعده به وأنجزه.
ومثله ما حكي أنّ اباالعلا المعرّي كان يتعصّب للمتنبّي وشرح ديوانه وسمّاه "معجز أحمد"، فحضر يوماً مجلس الشريف المرتضى، فجرى ذكر المتنبّي عن غير قصد، فهضم المرتضى من جانبه، فقال المعرّي: لو لم يكن إلاّ قوله: لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه، فغضب المرتضى وأمر بسحبه وإخراجه وقال للحاضرين: أتدرون ما عنى بذكر هذا البيت؟ قالوا: لا، قال: عنى قول المتنبّي فيها:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل
ومن هذا القبيل قصّة السري الرفاء مع سيف الدولة ابن حمدان بسبب المتنبّي، فإنّهما كانا من مدّاحه، فجرى ذكر المتنبّي يوماً في مجلس سيف الدولة، فبالغ في الثناء عليه، فقال له السري: أشتهي أنّ الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لأُعارضها ويتحقّق بذلك أنّه أركبه في غير سرجه، فقال له سيف الدولة على الفور: عارض لنا قصيدته القافيّة التي مطلعها:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحبّ ما لم يبق منّي وما بقي
قال السري: فكتبت القصيدة واعتبرتها فلم أجدها من مختاراته لكن رأيته يقول فيها عن ممدوحه:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثمّ قال له الحق
فعلمت أنّ سيف الدولة إنّما أشار إلى هذا البيت، فأحجمت عن معارضته.
ومن لطيف التلميح قول أبي نؤاس:
وقال أصحيابي الفرار أو الردى ... فقلت هما أمران أحلاهما مر
ولكنّني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
ولا خير في ردّ الردى بمذلّة ... كما ردَّه يوماً بسوءته عمرو
يريد عمرو بن العاص لمّا ضربه علي ﵇ يوم صفّين فرمى نفسه على الأرض وكشف عن سوئته فأعرض علي عنه وقال: عورة المرء حمى. وقد وقع ذلك لبسر بن أرطاة مع علي ﵇ كما وقع لعمرو، وذلك أنّ بسراً كان مع معاوية بصفّين، فأمره أن يلقى عليّاً ﵇ وقال له: سمعتك تتمنّى لقائه، فلو أظفرك الله به حصلت دنيا وآخرة، ولم يزل يشجّعه ويمنّيه حتّى رآه فقصده في الحرب والتقيا، فصرعه علي ﵇، فكشف بسرٌ عن سوئته فتركته عليّ، وفي ذلك يقول ابن نضر السهمي:
أفي كلّ يوم فارس ذو كريهة ... له عورةٌ وسط العجاجة باديه
يكفّ لها عنه عليٌّ سنانه ... ويضحك منها في الخلاء معاويه
فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا ... سبيليكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلاّ الحيا وخصاكما ... هما كانتا والله للنفس واقيه
في أبيات أُخر لا حاجة إلى ذكرها.
ومن بديع التلميح ما حُكي أنّ عبد الرحمن بن الحكم قدم على معاوية الشام وكان قد عزل أخاه مروان عن المدينة وولّى سعيد بن العاص، فوجّهه أخوه وقال له: ألقه أمامي فعاتبه لي واستصلحه، فلمّا قدم عليه دخل إليه وهو يعشّي الناس، فأنشأ يقول:
أتتك العيس تنفح في براها ... يكشّف عن مناقبها القطوع
بأبيض من أمّيّة مصرخيّ ... كأنّ جبينه سيف صنيع
فقال له معاوية: أزائراً جئت أم مفاخراً أم مكاثراً؟ فقال له: أيّ ذلك شئت. فقال: ما أشاء من ذلك شيئاً، وأراد معاوية أن يقطعه عن كلامه الذي عنّ له، فقال: على أيّ الظهر أتيتنا؟ قال: على فرس، قال: ما صفته؟ قال: أجشّ هزيم، يعرض بقول النجاشي له:
ونجي بن حرب سابح ذو غلالة ... أجشَّ هزيم والرماح دواني
إذا خلت أطراف الرماح تناله ... مرته له الساقان والقدمان
стр. 115
فغضب معاوية وقال: أمّا إنّه لا يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب، ولا هو ممّن يتسوّر على جارته، ولا يثب على كنانه بعد هجعة الناس، وكان عبد الرّحمن يتّهم بذلك في امرأة أخيه، فخجل عبد الرحمن وقال: يا أميرالمؤمنين! ما حملك على عزلك ابن عمّك الخيانة أوجبت سخطاً أو برأي رأيته وتدبير أصلحته؟ قال: لتدبير أصلحته، قال: فلا بأس بذلك، وخرج من عنده، فلقي أخاه مروان فأخبره بما جرى بينه وبين معاوية، فاستشاط غيظاً وقال لعبد الرحمن: قبّحك الله! ما أضعفك! عرضت للرجل بما أغضبته به حتّى إذا انتصر منك أحجمت عنه، ثمّ لبس حلّته وركب فرسه وتقلّد سيفه ودخل على معاوية، فقال له حين رآه وتبيّن الغضب في وجهه: مرحباً بأبي عبد الملك! لقد زرتنا عند اشتياق منّا إليك، قال: لا هاالله ما زرتك لذلك ولا قدمت عليك، فألفيتك إلاّ عاقاً قاطعاً، والله ما أنصفتنا ولا جزيتنا جزانا، لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص والصهر برسول الله لهم والخلافة فيهم فوصلوكم يا بني حرب وشرّفوكم وولّوكم فما عزلوكم ولا آثروا عليكم حتّى إذا ولّيتم وأفضى الأمر إليكم أبيتم إلاّ إثرة وسوء صنيعة وقبح قطيعة، فرويداً رويداً! فقد بلغ بنوا الحكم وبنو أميّة نيفاً وعشرين، وإنّما هي أيّام قلائل حتّى يكملوا أربعين ويعلم أمرواني يكون منهم حينئذ، ثمّ هم للحسن بالحسنى وللسوء بالمرصاد. فقال له معاوية: عزلتك لثلاث لو لم تكن منهنّ إلاّ واحدة لأوجبت عزلك: إحداهنّ: إنّي أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تستشفي منه. والثانية: كرهتك لأمر زياد. والثالثة: إنّ ابنتي رملة إستعدتك على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها.
قال له مروان: أمّا ابن عامر فإنّي لا أنتصر منه بسلطاني ولكن إذا تساوت الأقدام عليم أين موضعه، وأمّا كراهتي أمر زياد فإنّ سائر بني أميّة كرهوه وجعل الله لنا في ذلك الكره خيراً، وأمّا استعداء رملة على عمرو فوالله إنّه ليأتي عَلَيّ سنة أو أكثر وعندي بنت عثمان فما كشفت لها ثوباً، يعرض بأنّ رملة إنّما استعدت عليه طلباً للنّكاح. فقال له معاوية: يابن الوزغ! لست هناك. فقال له مروان: هو ذاك وإنّي الآن والله لأبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة وقد كاد ولدي أن يكملوا العدّة؛ يعني أربعين، ولو قد بلغوها علم أين تقع منّي، فانخزل معاوية ثمّ قال:
فإن أك في شراركم قليلاً ... فإنّي في خياركم كثير
بغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأُمّ الصقر مقلاة نزور
فلمّا فرغ مروان من كلامه خضع معاوية وقال له: لك العتبى وإنّي رادّك إلى عملك، فوثب مروان وقال: لا وعيشك لا رأيتني عائداً إليه أبداً، وخرج. فقال الأحنف لمعاوية: ما رأيت قطّ لك سقطة مثلها، ما هذا الخضوع لمروان؟ وأيّ شيء يكون منه ومن بني أبيه إذا بلغوا أربعين؟ وأيّ شيء حسبنا نخشاه منهم؟ فقال له: أُدن منّي أخبرك بذلك، فدنا منه، فقال له: إنّ الحكم بن أبي العاص كان أحد من قدم مع أُختي أُمّ حبيبة لمّا زفّت للنبي، وهو مولىً نقلها إليه، فجعل رسول الله ﵇ يحدّ النظر إليه، فلمّا خرج قيل له: يا رسول الله حدّدت النظر إليه؟ فقال: ابن المخزوميّة، ذاك رجل إذا بلغ ولده ثلاثين أو أربعين ملكوا الأمر بعدي، فوالله لقد تلقّاها من عين صافية. فقال الأحنف: لا يسمعنّ هذا منك أحد فإنّك تضع من قدرك وقدر ولدك بعدك، وإن قضى الله عزّوعلا أمراًيكون. فقال معاوية: فاكتمها عَلَيّ ياأبا عمرو إذاًفقد لعمري صدقت ونصحت.
ومن جيّد التلميح قول أبي تمام الطائي:
إذا افتخرت يوماً تميم بقوسها ... وزادت على ما وطّدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب
стр. 116
يشير إلى قصّة حاجب بن زرارة حين أتى كسرى في جدب أصلبهم بدعوة النبي ﵌ يستأذنه لقومه أن يصيروا في ناحية من بلاده حتّى يحيوا، فقال: إنّكم معاشر العرب أهل غدر وحرص، فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد وأغرتم على العباد. فقال حاجب: إنّي ضامن للملك أن لا يفعلوا. قال: فمن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي هذا، فضحك كسرى وقال: ما كان ليسلّمها أبداً، فقبلها منه ثمّ أذن لهم، فلمّا أحييي النّاس بدعوته ﵌ وقد مات حاجب، فارتحل عطاء بن حاجب إلى كسرى يطلب قوس أبيه، فردّها وكساه حلّة، فلمّا رجع أهداها إلى النبي ﵌ فلم يقبلها فباعها من يهودي بأربعة آلاف درهم.
ويشير إلى وقعة ذي قار المشهورة وكانت بين الفرس والعرب، وكانت بعد وقعة بدر بأشهر، ورسول الله ﵌ بالمدينة، ولمّا بلغه خبرها قال: هذا أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم. في بعض الأخبار: وبي نصروا. وعن ابن عبّاس قال: ذكرت وقعة ذي قار عند النبي ﵌ فقال: ذلك يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا. وقد لمح إلى ذلك المطراني بقوله:
تزهو علينا بقوس حاجبها ... زهو تميم بقوس حاجبها
ومن ظريف التلميح قول بعضهم:
رأى صاحبي عمروا فكلّف وصفه ... وحمّلني من ذاك ما ليس في الطوق
فقلت له عمروٌ كعمرو فقال لي ... صدقت ولكن ذاك شبّ عن الطوق
يشير إلى قصّة عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة الأبرش وكانت الجنّ قد استهوته صغيراً ثمّ قدم وقد التحى فأدخلته رقاش إلى الحمّام وألبسته من ثياب الملك ووضعت في عنقه طوقاً من ذهب كان له وأزارته خاله، فلمّا رأى لحيته والطوق في عنقه قال: شبَّ عمرو عن الطوق، فذهبت مثلاً.
ومن غريب التلميح ما يُحكى أنّ رجلاً قعد على جسر بغداد فأقبلت امرأة بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أباالعلا المعرّي، وما وقفا بل سارا مشرقاً ومغرباً. قال الرجل: فتبعت المرأة وقلت: لئن لم تخبريني بما أراد بابن الجهم وما أردت بأبي العلا فضحكتما؟ فضحكت وقالت: أراد به قوله:
عيون المهابين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري
وأردت بأبي العلا قوله:
فيا دارها بالخيف إنّ مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
ومن ظريف التلميح ما روي أنّ شريك بن عبد الله النميري ساير يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري يوماً فبززت بغلة شريك، فقال يزيد: غضّ من لجامها، فقال شريك: إنّها مكتوبة أصلح الله الأمير. فقال له يزيد: ما ذهبت حيث أردت، ويزيد أشار إلى قول جرير:
فغضّ الطرف إنّك من نميرِ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فعرض له شريك بقول ابن داره:
لا تأمننّ فزارياً نزلت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وكان بنوا فزارة يرمون بإتيان الإبل.
ومثله ما حكي أنّ تميميّاً نزل بفزاريٍّ فقال: قلوصك يا أخا تميم لا تنفر القطا، فقال: إنّها مكتوبة. أشار الفزاري إلى قول الطرمّاح:
تميم يطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت
وأشار التميمي إلى قول ابن دارة وهو البيت المارّ. وبيت الطرمّاح هذا بعده:
ولو أنّ برغوثاً على ظهر قملة ... يكرُّ على صفي تميم لولّت
وقد أخذ ابن لنكك البيت الأوّل فقال:
تعستم جميعاً من وجوه لبلدة ... تكنّفهم لؤمٌ وجهل فأفرطا
اراكم تعيبون اللئام وإنّني ... أراكم بطرق اللؤم أهدى من القطا
ومثله ما حكي أنّ تميميّاً قال لشريك النميري: ما في الجوارح أحبّ إليّ من البازي، فقال النميري: وخاصّة إذا يصيد القطا. فأشار التميمي إلى قول جرير:
أنا البازي المطل على نميرِ ... أتيح من السماء لها انصبابا
وأشار شريك إلى قول الطرمّاح وهو: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا.
ومن ذلك ما روي أنّ رجلاً من بني محارب دخل على عبد الله بن يزيد الهلالي، فقال عبد الله: ماذا لقينا البارحة من شيوخ بني محارب، ما تركونا ننام. فقال المحاربي: أصلحك الله! أضلّوا البارحة برقعاً فكانوا في طلبه. أراد الهلالي قول الأخطل:
стр. 117
تكشُّ بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
وأراد المحاربي قول الآخر:
لكلّ هلاليٍّ من اللؤم برقع ... ولابن هلال برقع وجلال
ومن ظريف التلميح ما حكي أنّ الحيص بيص حضر ليلة عند الوزير في شهر رمضان على السماط، فأخذ أبوالقاسم بن القطّان قطاة مشويّة وقدّمها إلى الحيص بيص، فقال الحيص بيص للوزير: يا مولانا! هذا يؤذيني. قال الوزير: كيف؟ قال: لأنّه يشير إلى قول الشاعر: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا، وذكر البيت، وكان الحيص بيص تميميّاً، إنتهى.
فأمّا التلميح في بيتي فهو إلى بيت الفرزدق وذلك حيث قال:
ومنّا الّذي منع الوائدات ... فأحيى الوئيد ولم يوئد
يعني بذلك جدّه صعصعة بن ناجية. ويقال: إنّه أحيى ألف موؤودة.
وأمّا قولي: ما طرقت أُمّ الرّجاء الخ، يقال: طرقت الناقة بولدها إذا نشب ولم يسهل خروجه، وكذلك المرأة. والنتاج كما في المجمع يقال: نتجت الناقة ولداً بمعنى ولدت أو حملت. قال: وفي الحديث: فما نتج فهو هدي، أي: فما ولد. ويوم ينتج يولد، فيكون معنى البيت ما عرض لآمل رجاء إلاّ وكان نجحه من نداك لا غير، إنتهى.
الباب السادس في قافية الحاء
وفيها ثلاثة فصول
الفصل الأوّل في المديح
قلت فيه هذه المقطوعة:
طمحت إليك فما ألذّ طماحها ... هيفاء راض لك الغرام جماحها
وحبتك للتقبيل منها وجنةً ... تحمي بعقرب صدغها تفّاحها
خوطية العطفين ذات موشّح ... منه على غصن تدير وشاحها
مجدولة بيضاء رائقة الصبا ... ملكت على أهل الهوى أرواحها
وبمسقط العلمين غازلت الدمى ... فعلقتها مرضى الجفون صحاحها
من كلّ صاحية الشمائل لم يزل ... سكر الدلال بها يطيل مراحها
زفّت إليّ كخدّها عنبيّة ... خضبت بلون الراح منها راحها
وتروّحت ذات الأراك بنفحة ... منها فشاق عبيرها مرتاحها
والى أبي الهادي بعثت بمثلها ... في الحسن ما استجلى سواه ملاحها
لاغرّ يبسط في المكارم راحةً ... بيضاء تمتاح الورى ممتاحها
بدجىً حوادثها وعند فسادها ... تلقاه مصباح الورى مصلاحها
ما استغلقت لبني المطالب حاجةً ... إلاّ وكان بنانه مفتاحها
وقد اشتمل قولي: خوطية العطفين الخ على التجريد، والتجريد هو أن ينتزع من أمرء ذي صفة أمراً آخراً مثله فيها مبالغة لها فيه، كأنّه بلغ من الإتّصاف بتلك الصفة إلى حيث يصحّ أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة، وهو على أقسام: منها: أن يكون ب "من" التجريديّة نحو قولهم: لي من فلان صديق حميم أي بلغ فلان من الصداقة حدّاً صحّ معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها. وكذلك قولي: منه على غصن تدير وشاحها أي بلغ موشحها وهو خصرها من الرقّة واللطافة حدّاً صحّ معه أن يستخلص منه غصن آخر مثله فيهما.
ومنها: أن يكون ب "الباء" التجريديّة، وذلك كقولهم: سألت به البحر ولقيت به الأسد.
ومنها: أن يكون ب "الباء" المعيّة والمصاحبة، كما قال الشاعر:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل
المستلئم: لابس اللاّمة وهي الدرع، والباء فيه للملابسة والمصاحبة. والفنيق: الفحل المكرم عند أهله. والمرحل: من رحل البعير أشخصه عن مكانه. والمعنى: تعدو بي ومعي من نفسي لابسٌ درعاً لكمال استعدادي للحرب بالغٌ باتّصافه في الإستعداد أن ينتزع منه مستعد آخر لابس درع.
ومنها: أن يكون بدخول في نحو قوله تعالى: (لَهُمْ فيها دارُ الخُلْد) أي في جهنّم؛ وهي دار الخلد لكنّه انتزع منها داراً أُخرى وجعلها معدّة في جهنّم لأجل الكفّار تهويلاً لأمرها ومبالغةً في اتّصافها.
ومنها: ما يكون بدون توسّط حرف كقول قتادة بن مسلمة الحنفي:
بكرت عَلَيّ من السفاه تلومني ... سفهاً تعجّز بعلها وتلوم
لمّا رأتني قد رزيت فوارسي ... وبدت بجسمي نهكة وكلوم
ما كنت أوّل من أصاب بنكبة ... دهر وحي باسلون صميم
إلى أن يقول فيها:
ومعي أسود من حنيفة في الوغى ... للبيض فوق رؤسهم توسيم
стр. 118
قوم إذا لبسوا الحديد كأنّهم ... في البيض والحلق الدلاص نجوم
ولئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم
يعني بالكريم نفسه، فكأنّه انتزع من نفسه كريماً مبالغةً في كرمه إذ لم يقل أو أموت.
ومنها: ما يكون بطريق الكناية كقول الأعشى:
يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأساً بكف من بخلا
إنتزع من الممدوح جواداً يشرب الكاس بكفّه على طريق الكناية، لأنّه إذا نفى عنه الشرب بكفّ البخيل فقد أثبت له الشرب بكفّ كريم ومعلوم أنّه يشرب بكفّه فهو ذلك الكريم.
ومنها: مخاطبة الإنسان لنفسه وهو أن ينتزع من نفسه شخصاً آخر مثله في الصفة التي سيق لها الكلام يخاطبه، قال أبوالطيب المتنبّي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
وممّا اتّفق لي من الشعر الأجنبي في هذا الباب ما سألني نظمه بعض الأعزّاء على في مدح الشهم الماجد صبحي بك وأسأله بفقرات نثريّة أن يكون واسطة في إيصال قصيدتي الرائيّة في إطراء الصدر الأعظم إليه لمودّة موكّدة بينهما، والفقرات هذه: بنان براعة الفصحاء، ولسان يراعة البلغاء لا ينبسطان للإحاطة بمزايا من أوضح لأهل الفخر نهجه، وهداهم صراطه.
شمس العلا بدر سماء الجلال ... إنسان روح الفضل عين الكمال
الأغرّ الذي إذا أسفر وجهه جائت الشمس تقول: هذا صبحي، والفصيل الذي إذا نطق لسان أقبل الملك يقول لها: هذا سيفي، فإليك عنه تنحّي.
ويدّعيه المجد من بينهما ... لنفسه فيعطيان ماادّعى
وكيف لا يكون كذلك من تستمدّ الشمس من نوره، ويعتضد الملك برأيه في مهمّات أُموره، شهدت معاني بيانه بباهر فضله، ودلّ بديع تبيانه على كمال ظرفه ونبله، وإنّي لمّا آنس فكري على البعد نار ذكائه، ونودي قلبي من جانب طور مجده وعليائه، عرفت أنّ الذي صار قلبي كلّه مستجمعاً لنداه، هو واحد الفضل الذي لا ربّ للكمال سواه، وحيث أنّه يجب في شرع الآداب مدح المتوحّد في الفضل الجامع لصفات الكمال عملت له هذه الحائيّة، ونسجتها حلّةً حليّة، وأهديتها إليه لكن كما تهدى إلى البحر قطرة، وإلى الطود ذرّة، ولا غرو فهي جهد المقلّ، إلى الجواد المكثر المفضل، على أنّي وإن سمّتني الفصاحة حيدر خيسها، ودعتني البلاغة بليث عرّيسها، وكان أبي سليمان عصره، يأتيه بعرض بلقيس المعاني آصف فكره، فيراه مستقرّاً لديه قبل ارتداد طرفه إليه، فأراني لو استخرجت الدراري من نهر المجرّة، ونظمت بكفّ الثريّا أنجم النثره، عقوداً أحلي بها نحور علياه، وأوشح بها حسان مزاياه، لما زدتها بذلك حسنا، ولا أفدت جميل معانيها جميل معنى، بل أكون كمن يقول لماء السحاب: ما أطهرك، ولنور الرياض ما أزهرك.
ولم يستفد بالمدح ماليس عنده ... وهل ينفع التحجيل من هو أشهب
هذا ورجائي من تلك الحضرة، زاده الله نظرة، إيصال هذه الرائيّة الغرّاء (وستأتي في حرف الراء) إلى حضرة صدر الوزراء، وهي وإن كانت حقيرة، في جنب معاليه الخطيرة، فأراها إن شملتها ألطافك بالعنايه، ولحظتها بعين الرعايه، وقعت موقعها لديه، أمّا الحائيّة فهي هذه:
لتلق ملوك الأرض طوعاً يد الصلح ... حذار حسام صاغه الله للفتح
وأجرى فرنداً فيه من جوهر العلى ... غدا بخطف الأبصار باللمع واللمح
فكم شقّ فجراً من دجى ليل حادث ... وأضحك للأيّام من أوجه كلح
لو الدولة الغرّاء يوماً تفاخرت ... مع الشمس قالت أين صبحك من صبحي
فتىً في صريح المجد ينمي لمعشر ... بيوتهم في المجد سامية الصرح
فتىً ولدت منه النجابة حازماً ... بعيد مجال يرفد الملك بالنصح
أغرّ لسيماء العلى في جبينه ... سناً في حشا الحسّاد يذكي جوى البرح
له طلعة غرّاء دائمة السنا ... هي الشمس لو تمسي هي البدر لو يضحي
هو البحر لا بل يشبه البحر جوده ... وهل يستوي العذب الفرات مع الملح
يزوّج آمال العفاة بجوده ... ويقرنه في الحال في مولد النجح
ويبسط كفّاً رطبةً من سماحة ... إذا قبض اليبس الأكفّ من الشحّ
أرى المدح للأشراف أفضل زينة ... ولكنّه في فضله شرف المدح
هو السيف لا بل يفعل السيف فعله ... بقوم على الأضغان مطويّة الكشح
стр. 119
فقاتل أهل الضغن بالبطش لم يكن ... كقاتل أهل الضغن بالبطش والصفح
هو الرمح سل عنه فؤاد حسوده ... بما بات يلقى من شبا ذلك الرمح
تجده كليما وهو أعدل شاهد ... فيا شاهداً أضحى يعدّل بالجرح
إليك ابن أُمّ المجد عذراء تجتلي ... كأنّ محيّا وجهها فلق الصبح
بها أرجٌ من طيب ذكرك نشره ... يعطّر أنفاس الصّبا لك بالنّفح
تودُّ بنات النظم أن لو حكينها ... ويا بعد مابين الملاحة والقبح
لقد فاز فيها قدحك اليوم مثلما ... غدت وهي فيك اليوم فائزة القدح
فليس لها كفوٌ سواك ولم يكن ... يليق سواها فيك من خرّد المدح
فصل في الرثاء
لمّا ورد من فارس إلى بغداد محمّد الجواد ومعه نعش كريمة محمّد الصالح التي تقدّم لها رثاء في قافية الألف، نظمت هذه القصيدة وأرسلتها للفاضل الصالح المذكور وهو في بغداد:
يا نعش ما يصنع الصفيح ... لم يدر ماذا به يبوح
وأيُّ لفظ إليه يغدو ... في وصف معناك أو يروح
هل فلكٌ أنت من علاه ... إليه طرف السهى طموح
أم أنت نعشٌ به مسجىً ... جسمٌ لجسم العفاف روح
سرى على الأرض حاملوه ... وهو بأُفْق السما يلوح
وخلفه والهٌ ثكولٌ ... أُمّ العلى دمعها سفوح
تطارح الورق وهي تدعو ... علىمَ ورق الحمى تنوح
ماهي والوجد تدعيه ... قلبي لا قلبها الجريح
تضمّ أضلاعها حشاها ... ولي حشاً ضمّها الضريح
في طلحها ألفها وألقي ... عن وطني شخصها طليح
لقد بكت بقعة تصلّي ... فيها وشهب السما جنوح
وانتحب الكاتبان لمّا ... فاتهما وردها الصحيح
قد غاض ماء الحياء يندي ... به ثرىً نشره يفوح
توسّدت والعفاف فيه ... يضمّه جيبها النصيح
شلّت أكفُّ الزمان ماذا ... من حرم المجد يستبيح
إليه دبَّ الضرّاء لمّا ... أبدى بأن جاء يستميح
واغتال محجوبةً بخدر ... يحوطه السؤدد الصريح
والعزُّ عنه يذبّ مالا ... يذبُّه الفارس المشيح
ومن أبو المصطفى حماه ... في منعة مالها مبيح
ذاك الذي راحتاه كلٌّ ... على الورى ديمة دلوح
بالطبح مستحلب نداها ... إنّ حلب الغاديات ريح
أغرُّ يلقى الوفود طلقا ... والعام في وجهه كلوح
إن ناظم الخصم ردّ فاه ... مع أنّه المصقع الفصيح
لسانه ميّت مسجىً ... والفم منه له ضريح
ماهو إلاّ خضم علم ... منه ذووا العلم تستميح
بل هو عنوان كلّ فضل ... وهم جميعاً له شروح
ونيّر في سما المعالي ... بنوه شهب بها تلوح
يا من غدا ربعهم وفيه ... أُمّ الندى منتج لقوح
تلك التي عنكم استقلّت ... عيس المنايا بها تسيح
طوبى لها جاورت ضريحاً ... عن جاره ربّه صفوح
واضطجعت في حمىً ضجيعا ... حميّه آدمٌ ونوح
وتوفي ولد لمحمّد الرضا اسمه جعفر قد سقط من سطح من سطوح الدار إلى الأرض فمات فرثيته وعزّيت أباه وجدّه بهذه القصيدة:
أجل منْ علىً ما خفت يرقاه فادح ... هلال المعالي طوّحته الطوائح
ومن حيث لا تعلو به الدهر أهبطت ... إلى اللحد نجم الفخر فالدهر كالح
تناوله من أُفق مجد لعزّه ... قد انحسرت عنه العيون الطوامح
فمطلعه في مشرق المجد مظلم ... ومغربه في موضع اللحد واضح
لحي الله يوماً قد أراني صباحه ... تباريح وجد للحشا لا تبارح
به صاح ناعية فأشغلت مسمعي ... وقد مضَّ في قعر الحشاشة صائح
وهمّت جفوني بالبكاء فملكتها ... على الدمع أرجو الكذب والصدق لائح
وقلت لمن ينعاه إذ جدّ باسمه ... ينوح تبيّنْ باسم مَنْ أنت نائح
بفيك الثرى لا تسم في النعي جعفراً ... فيوشك أن تجتاح نفسي الجوائح
فلمّا أبى إلاّ التي تشعب الحشا ... وإلاّ الّتي تبيضُّ منها المسائح
جمعت فؤادي وانطويت من الجوى ... على حرق ضاقت بهنّ الجوانح
أعاذلتا عنّي خذا اللوم جانبا ... فلا أدمعي ترقى ولا الوجد بارح
стр. 120
فلم ينسفح من جفني الدمع وحده ... ولكنَّ كلّي مدمعٌ منه سافح
أصبراً وذا إنسان عيني أطبقت ... على شخصه أجفانهنَّ الضرائح
بمن عن ضياء العين يعتاض طرفها ... فيغدو عليه وهو للجفن فاتح
لتجر الليالي كيف شائت بنحسها ... فما عندها فوق الذي أنا نائح
وماذا تريني بعدما في مدى الأسى ... بدا لفؤادي سعدها وهو ذابح
أقول لركب أجمعوا السير موهناً ... وقد نشطت للكرخ فيهم طلائح
أقيموا فواقي ناقة من صدورها ... لأودعكم مااستحفظته الجوانج
خذوا مهجتي ثمّ انضحوها عقيرةً ... على جدث دمع العلى فيه ناضح
وقولا لأيد أهبطت فيه جعفراً ... ولم تدر ماذا قد طوته الصفائح
لأحدرت من قلب المكارم فلذةً ... قد انتزعتها من حشاها الفوادح
فغير جميل بعده الصبر والعزا ... ولا العيش لي لولا محمّد صالح
فتى الحلم لا مستثقلاً لعظيمة ... تخفُّ بها الأحلام وهي رواجح
تدرّع من نسج البصيرة قلبه ... أضاة أسىً لم تدرعها الجحاجح
وصابرها دهياء في فقد جعفر ... يكافح منها قلبه ما يكافح
تسربلتها يا دهر شنعاء وسمها ... لوجهك ما عمّرت بالخزي فاضح
أفق أيّ وقت منك فيه لجعفر ... تفرغ كفٌّ ليته منك طائح
وقد شغلت في كلّ لمحة ناظر ... يديك جميعاً من أبيه المنائح
فتىً يجد الساري على نوره هدىً ... ولو شمّه فجٌّ من الأرض نازح
كأنّ المحيّا منه والليل جانحٌ ... سهيلٌ لأبصار المهبّين لامح
نمته إلى المجد الضريح معاشرٌ ... أكفّهم أنواءُ عرف دوالح
مضيئون ضوء الأنجم الشهب للورى ... فأوجههم والشهب كلٌّ مصابح
على أوّل الدهر استهلَّ نداهم ... فسالت به قبل الغيوث الأباطح
ومدَّ أبوالمهدي فيه أناملا ... رواضعها صيد الملوك الجحاجح
جرت بالنمير العذب عشر بحارها ... وكلُّ بحار الأرض عذبٌ ومالح
فما للندى في آخر الدهر خاتم ... سواه ولا في أوّل الدهر فاتح
فصل في الغزل
قلت فيه هذه الأبيات:
برزت تحمل بالراح راحا ... فكست بهجة نور براحا
غادةٌ مجدولة تتثنّى ... مرحاً ريّا الشباب رداحا
ومهاة أبت الوصل لمّا ... رأت الشيب برأسي لاحا
قلت أنت الشمس تغرب ليلاً ... ويراها العالمون صباحا
فأجابت أنّني أنا بدر ... يأفل الصبح ويبدو رواحا
ثمّ قالت ما ترى الشهب عقداً ... فوق نحري والثريا وشاحا
قلت فوق الكشح ما جال إلاّ ... وأعار الطير قلبي الجناحا
فصل في الإستغاثة
قلت هذين البيتين مستغيثاً بالإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي ﵉ وهما:
ألا يا أباالسجّاد إنّ بوارقاً ... لسحب نداك العذب شمت التماحها
مخائل صدق منك بالنّجح بشّرت ... أمانيَّ نفس جئت أرجو نجاحا
الباب السابع قافية الخاء
وفيها فصلان المديح والغزل
أمّا المديح
فقلت فيه:
حمد الركب في حماك مناخه ... حيث ربّى طير الرجا أفراخه
يا أخا المكرمات كم من صريخ ... لبني الدهر قد أغثت صراخه
وبكم العطاء كم مسحت كفُّ ... ك عيناً بدمعها نضاخه
ما دعاك الأنام للخطب إلاّ ... وبنعليك قد وطأت صماخه
كم حمدنا نقاء كفّك جوداً ... عند كفٍّ نجلا ذممنا اتّساخه
ونسخنا فضل الكرام ومن قر ... آن علياك قد عرفنا انتساخه
قمت في ريق الشبيبة حتّى ... سدت في الدهر بالنهى أشياخه
غاض ماء الندى عن الوفد إلاّ ... من يديكم فما تغبُّ نقاخه
إنّ بين الندي وبينك عقداً ... أمنت وفدُ راحتيك انفساخه
إنّما أنتم فروع فخار ... كان قدماً آباؤكم أسناخه
حيث ثوب الرجاء ما رثَّ إلاّ ... وإليكم منه أجدَّ انسلاخه
هاك يابن الكرام بنت قريض ... شمخت أن ينيلها شماخه
وأمّا الغزل
قلت فيه:
يا لائمي وشهاب وجدي ثاقبٌ ... كيف العزاء وطود صبري ساخا
стр. 121
وقف السهاد بمقلتي متوسّماً ... فرأى بها أثر الكرى فأناخا
الباب الثامن حرف الدال
وفيه فصول
فصل في المديح
قلت فيه هذه الغادة الحسناء:
عيشك غضٌّ والزمان أغيد ... وطرف حسّادك فيه أرمد
يا لابس النعماء هنّئت بها ... ملابساً كساكهنَّ أمجد
أقبح شيء أن تذمَّ زمناً ... حسبك فيه حسناً محمّد
يا أعين الوفّاد قرّي بفتىً ... في مطلع العلياء منه فرقد
ذاك الذي كلتا يديه لجّة ... قد طاب للعافين منها المورد
مبارك الطلعة مرهوب الحمى ... في بردتيه قمرٌ وأسد
موقّر المجلس ذو ركانة ... حسوته على شمام تعقد
بالفصل في صدر الندي ناطق ... كأنّما لسانه مهنّد
سقيط طلٍّ لك من بيانه ... أو لؤلؤٌ في سلكه منضد
روضة فضل يجتني رائدها ... زهراً بطيب النشر عنه يشهد
ينمي لقوم في الزمان خلقوا ... جواهراً يزان فيها الأبد
هم خير من رشحه لسؤدد ... مجدٌ وأزكى من نماه محتد
أقول: وقد اشتمل قولي: أقبح شيء أن تذمّ زمنا، على المقابلة وذلك أنّي قابلت اثنين باثنين؛ الذمّ والقبح بالحسن والحمد، وقال الصغرائي في لاميته:
حلو الفكاهة مرّ الجدَّ قد مزجت ... بقسوة البأس منه رقّة الغزل
فجمع بين ثمانية أشياء لم تجتمع لغيره بهذا الإنساجام والسلاسة، وهي: الحلاوة والمرارة والفكاهة أي المزاح، والجد والقسوة والرقّة والبأس والغزل. وقال أبوالطيب المتنبّي وأحسن غاية الإحسان:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
ومن النادر قول بعضهم وقد قابل ستّةً بستّة:
على رأس عبد تاج غرٍّ يزينه ... وفي رجل حرٍّ قيد ذلّ يشينه
فإنّه قابل لفظة على ب "في"، والرأس بالرجل، والعبد بالحرّ، والتاج بالقيد، والعزّ بالذلّ، والزين بالشين.
حكي أنّ شرف الدين مستوفي إربل أنشد هذا البيت لغيره، وكان أبوبكر محمّد بن إبراهيم الإربلي حاضراً فقال على البديهة وقابل أربعةً بأربعة:
تسر لئيماً مكرمات تعزّه ... وتبكي كريماً حادثات تهينه
وكلّما كثر عدد المقابلة كان أبلغ وأحسن.
وممّا نظمته في أبيه محمّد الصالح هذه القصيدة:
لا زلت يا ربع الشباب حميدا ... باق وإن خلق الزمان جديدا
ما أنت للعشّاق إلاّ جنّة ... صحبوا بها العيش القديم رغيدا
أيّام كان العيش غضّاً ناعماً ... والدهر مقتبل الشباب وليدا
والدار طيبة الثرى ممّا بها ... يسحبن ربّات الجمال برودا
يستاف زائرها ثراها عنبراً ... فيكذبن طرفاً يراه صعيدا
يعطو إلى عذبات فرع أراكها ... ظبيٌ تفيّأ ظلّها الممدودا
غنخٌ يسلُّ من اللواحظ مرهفاً ... يغدو عليه قتيله محسودا
هو منتضىً في الجفن إلاّ أنّه ... بين الجوانح يغتدي مغمودا
أضحت ضرائبه القلوب تعدُّ أد ... ماها به وهو الشقيُّ سعيدا
وشقيق خدّيه النديّ من الحيا ... أضحى بعقرب صدغه مرصودا
يمسي سليماً يشتفي بالريق مَنْ ... في الثم بات بقطفه معمودا
كم بتُّ معتنقاً له في ليلة ... بات العفاف بها عَلَيَّ شهيدا
وكأنّما في الأُفق هالة بدرها ... وبها الكواكب قد طلعن سعودا
ناد محمّد حلَّ فيه وولده ... بعلاه حفّت ناشئاً ووليدا
هو دارة الشرف التي قد مهّدت ... أبد الزمان بعزّهم تمهيدا
متعاقدين على المكارم أحرزوا ... شرفاً تماثل طارفاً وتليدا
وعليهم قطباً فقطباً دائرٌ ... فلك الفخار أبوةً وجدودا
كانوا قديماً والعلى صدفٌ لهم ... درّاً تناسق في الفخار نضيدا
وأبوهم البحر المحيط وقد بدوا ... منه على جيد الزمان عقودا
هو لجّة المعروف ما عرف الورى ... إلاّ نداه منهلاً مورودا
يمسي بنفس لا تميل مع الهوى ... لله يحيى ليله تهجيدا
وإذا تجلّى الليل أصبح باسطاً ... للوفد كفّاً ما تعبّ الجودا
نسكٌ كما شاء الإله وأنعمٌ ... لم يحصها إلاّ الإله عديدا
تنميه من سلف المعالي أُسرة ... غلبوا على الشرف الكرام الصيد
стр. 122
من كلّ معصوم البصيرة لم يزل ... منه الرداء على التقى معقودا
يا من تعذّر أن يحيط بوصفهم ... نظمٌ ولو ملأ الزمان قصيدا
والجامعين المكرمات بوفرهم ... مذ أكثروا في شمله التبديدا
ولهم بأندية العلاؤء إذا بدوا ... تهوي الأعاظم ركّعاً وسجودا
أهدت لجيد علاكم ابنة فكرتي ... درر الثناء قلائداً وعقودا
جليت محاسنها عليكم فاجتلوا ... منها لمجدكم كعاباً رودا
هي نشرة تضفو على أحسابكم ... زغف خلفت بنسجها داودا
قد خلّدت لكم الثناء وسؤلها ... أنّ الثناء لكم يدوم خلودا
فبقيتم في غبطة من ربّكم ... لكن بقاء لم يكن محدودا
قولي: هي نثرة، البيت وقعت فيه التورية لأنّ المعنى الظاهر من هذا اللفظ أنّي خلّفت بنسجها داود نبي الله من حيث أنّه كان ينسج الدروع، وأنا أُريد أنّي خلّفت جدّي السيّد داود بن السيّد سليمان بنسج زغف بدايع الشعر. وقد نظم عمّي المهدي قصيدة داليّة في الماجد الصالح وجارى بها قصيدة قالها الشريف أبو أحمد السيّد صالح القزويني فيه، ولها قصّة ذكرها عمّي في كتابه مصباح الأدب الأزهر، فسمطت قصيدة عمّي المشار إليه وقدّمت قبل التسميط هذه الفقرات: بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على أشرف أنبيائه محمّد وآله الطاهرين، وبعد؛ فيقول الراجي عفو ربّه الغني حيدر بن سليمان الحسيني: إنّي لمّا جارى عمّنا وسيّدنا المهدي السيّد صالح القزويني في قصيدة مدح بها زعيم الفضلاء الجحاجح الحاج محمّد صالح أحببت أن أشطر قصيدة سيّدنا السيّد مهدي كما شطر قصيدة السيّد صالح المذكور الشيخ إبراهيم صادق العاملي، فوجدتها في دقائق معانيها وسلاسة ألفاظها وقوافيها فوق ما قلته فيها:
ومعربة عن فضل من صاغ لفظا ... وأودع فيها من بدايعه اللحنا
بديعة حسن لو سواه يرومها ... لكان التقاط الشهب من نيلها أدنى
تودّ قلوب السامعين لو أنّها ... إذا أنشدت في محفل كانت الأُذنا
فما هي إلاّ وردة مااتّفقت ... كمائم حسن الشعر عن مثلها حسنا
ولا ولدت أُمُّ القريض نظيرها ... ولا فتحت يوماً على مثلها جفنا
فما روضة غنّاء راقت بزهرها ... وما برحت أزهارها ترضع المزنا
بألطف من مدح بها لمحمّد ... وإنّي وفيه فاقت الروضة الغنّا
مسدّدة الأقوال يمسي معيبها ... لخجلته بين الورى يقرع السنّا
يودُّ إذا ما أنشدوها بمحفل ... له منشىء الأجساد ما خلق الأُذنا
ولو رزق الله السكوت معيبها ... لكان له من نطق مذوده أهنى
فوا رحمتاه لحاسدها إذا تليت في نادي ذي القدر العلى، فما أراه إلاّ كما قال مهيار الديلمي:
يظهر منها السرور حاسدها ... ضرورة الحقّ وهو مكتئب
يطريه البيت وهو يحزنه ... ومن أنين الحمامة الطرب
وإنّها وحرمة الفصاحة في طولها وأعجازها وأحكام صدورها بأعجازها لمستحيلة التشطير على البارع في الفهم، الماهر في النظم، ولذلك عدلت عن تشطير إلى تخميسها فوجدته أيضاً في غاية الصعوبة لتجنيس كلماتها، وارتباط كلّ بيت بما بعده من أبياتها، كقوله فيها:
أُناس يرى في الكرخ من فيه طوّحت ... إليهم بنات الشدقميّات من بعد
جدباً على دارالسلام بيوتهم ... لكعبة جدواهم لمن أمّها تهدي
وكقوله منها:
تراه ولو قد كان يخفض نفسه ... لآمله عطفا ويبسم للوفد
ثبيراً على جنب الوثير قد اتّكى ... ودون لقاه هيبة الأسد الورد
стр. 123
على أنّ في هذين البيتين ما فيهما من التعليق والمقابلة المعنويّة التي لا تخفى على أولي التحقيق، وهي أنّه لمّا أتى بذكر الخفض في البيت الأوّل قابله بضدّه معنىً في البيت الثاني وذلك قوله: ثبير اتّكى على جنب الوثير، من حيث أنّ ثبير هو الجبل، والجبل من شأنه أن يكون مرتفعاً، فقابل الخفض لفظاً بالرفعة معنىً ليكون حسن نظامه مبتدعاً، وكذلك لمّا ذكر في البيت الأوّل أنّه يبسم للوفد، قابله بهيبة الأسد الورد، من حيث أنّ الإبتسام أمنٌ للقلب، والمهابة مخافة له ورعب، وهذا النوع عند علماء البديع يُسمّى: الملحق بالطباق وهو الراجع عند الجمهور إلى الضدّين كقوله تعالى: (أَشدّاءُ على الكفّار رُحماءُ بَيْنَهُمْ) فإنّه تعالى شأنه طابق الأشدّاء بالرحماء لأنّ الرحمة فيها معنى اللين، وكقول بعض شعراء الحماسة:
لهم جلُّ مالي أن تتابع لي غنىً ... وإن قلّ مالي لا أُكلّفهم رفدا
فقوله: تتابع مالي بمعنى كثر مالي، ويقابله قولي: قلّ مالي فهو مقابلة من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وكقول أُمّ سعد بن قرط وقد تزوّج امرأةً كانت نهته عنها فقالت أبياتاً تذمّها، وهي من شعراء الحماسة:
تربّص بها الأيّام علَّ صروفها ... سترمي لها في جاحم متسعّر
فكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الحر
فقولها: بمذمومة الأخلاق ليس مقابلاً لقولها: واسعة الحر من جهة اللفظ، بل من حيث المعنى لتأوّله بضيقة الأخلاق لتصحّ المقابلة، ونظائره كثيرة على أنّ في القصيدة من نظائر هذا التعليق الصعب التخميس ما يخرس الفصحاء، ويحير البلغاء، وقد أضربت صفحاً عن ذكره خوف الإطالة، واكتفيت عنه بما قدّمته في هذه المقالة ومع ذلك فقد أقدمت بتخميسها على مجاراته، ومقابلة بدايعه ومخترعاته، وقلت: ما يمنعني عنه وقد أنحلني أدبه، وشربت من نطاف هذا النظام مشربه، فكنت وإيّاه في إطرادنا فيها كما قالت الخنساء في مساواة أخيها لأبيها:
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملائه الحضر
حتّى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيّهما ... قال المجيب هناك لا أدري
برزت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر
وهما كأنّهما وقد برزا ... صقران قد حطّا إلى وكر
فجاء تسميطاً ترتاح له أهل الأدب والفضل، وتعجّب منّي إذ حذوت فيه حذو الأصل، فلو لم يكن تسميطاً لما فرق من نظامه، ولا من حسن لامه، ولقيل إنّهما نتيجة فكر واحد، لعدم التمييز بين تلك الفرائد، ولا غرو إن حذوت مثاله، وشابهت أقوالي أقواله، فإنّ من حياضه مشربي، ومن أدبه كان أدبي، فترانا حربين بقول المؤمّل بن أميل الكوفي:
وجئت ورائه تجري حثيثاً ... وما بك حيث تجري من فتور
وقال الناس ما من ذين إلاّ ... بمنزلة الخليق من الجدير
فإن سبق الكبير فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير
وهذا هو التخميس المذكور، فانظر في ألفاظه ومعانيه، فإنّها أعدل شاهد على ما أدّعيه، وصلّى الله على محمّد وآله.
إذا عنَّ لي برقٌ يُضيء على البعد ... نزت كبدي من شدّة الشوق والوجد
وناديت معتلَّ النسيم بلا رشد ... نسيم الصبا استنشقت منك شذى الندّ
أهل سرت مجتازاً على دمنتي هندي
وهل لسيم الحبّ أقبلت راقياً ... بنشر فتاة الحيّ إذ كان شافيا
فما كنت إلاّ للصبابة داعيا ... فذكرتني نجداً وما كنت ناسيا
ليال سرقناها من الدّهر في نجد
نواعم عيش مازج الأُنس زهرها ... رطاب أديم خالط المسك نشرها
رقاق حواش قرّب الوصل فجرها ... ليال قصيرات وياليت عمرها
يمدُّ بعمري فهو غاية ما عندي
رياح الهوى فيها تنشقت عرفها ... وفيها مدام اللهو عاقرت صرفها
لدى روضة لا يبلغ العقل وصفها ... بها طلعت شمس النهار فلفّها
ظلامان من ليل ومن فاحم جعد
سوادان يعمى الفجر عند دجاهما ... هما اثنان لكن واحد منتماهما
أتت تتخفّى خفية في ذراهما ... ولو لم تبرقع خدّها ظلمتاهما
стр. 124
لشقَّ عمود الصبح من وجنة الخدّ
فأبصرت منها إذ سهت عنه غرَّةً ... محيّاً هو الشمس المنيرة غرّةً
ولاح لها خدّ هو النّور نضرةً ... قد اختلست منه عيوني نظرةً
أرتني لهيب النّار في جنّة الخلد
تحيّرتُ في بدر من الوجه زاهر ... يلوح على غصن من القدّ ناظر
وأسياف لحظ في الجفون بواتر ... وفي وجنتيها حمرة شكَّ ناضري
أمن دم قلبي لونها أم من الورد
فبالشذر أيدي الحسن طرّزن صدرها ... وبالنجم لا بالدرّ وشّحن خصرها
لها مقلة هاروت ينفث سحرها ... وفي نحرها عقد توهّمت ثغرها
لئالؤه نظمن من ذلك العقد
بنفسي خمصاء الوشاح من الدمى ... سقتني حميا الراح صرفا من اللما
فأمسيت في وصف المدام متيّما ... وما كنت أدري ما المدام وإنّما
عرفت مذاق الراح من ريقها الشهد
وقبل ارتشاف الثغر ما لذّة الهنا ... وقبل سنا الخدّين ما لامع السنا
وقبل رنين الحلي ما رنّة الغنا ... وقبل اهتزاز القد ما هزّة القنا
وقبل حسام اللحظ ما الصارم الهند
لها كلُّ يوم عطفة ثمّ نبوة ... وما علقت عنها بقلبي سلوة
ومن بعدها زادت بقلبي صبوة ... ومن قربها مالت بقلبي نشوة
صحوت بها يا ميّ من سكرة البعد
ولا عجب إن يشف في عطف قلبها ... سقام جفاها يوم بتّ بجنبها
هي الداء طوراً والشفاء لصبّها ... وإن زال سكر البعد من سكر قربها
فلا طبَّ حتّى يدفع الضدُّ بالضد
فمذ كنت ذرّاً قد تعلّقت زينبا ... وفي عالم الأصلاب زدت تعذّبا
وكنت بها في ظلمة الرحم مطربا ... تعشّقتها طفلاً وكهلاً وأشيبا
وهما عرته رعشة الرأس والقد
أغار عليها إن يمرَّ بشعبها ... نسيم الصبا أو يكتسي طيب تربها
وأدري بحبّي كيف بات بقلبها ... ولم تدر ليلى أنّني كلف بها
وقلبي من نار الصبابة في وقد
وأخفيت عن نفسي هوىً سقمه شكت ... ولم تدر أحشائي بمن نارها ذكت
وكفّي لأسناني لمنْ أسفاً نكت ... وما علمت من كتم حبّي لمن بكت
جفوني ولا قلبي لمن ذاب في الوجد
إذا ما تذاكرنا الهوى بتشبّب ... أتيت بتشبيب عن الشوق معرب
وموهت في ضرب من اللحن مطرب ... فأذكر سعدي والغرام بزينب
وأدفع في هند ومية عن دعد
وإن قلت إنّي واجد في جاذر ... فوجدي بريّا لا بوحش نوافر
وإن قلت أروى فالمنى أُمّ عامر ... وإن قلت شوقي باللوى فبحاجر
أو المنحني فاعلم حننت على نجد
فيحسب طرفي في هوى تلك قد قذي ... وإنّ بهاتيك العذارى تلذّ ذي
وفي ذكر أوطان لها القلب يغتذي ... وما ولعت نفسي بشيء من الذي
ذكرتُ ولكن تعلم النفس ما قصدي
وأكرم أرباب الغرام الأولى خلوا ... أُناسٌ أسرّوا سرّه مذ به ابتلوا
وقالوا لقوم للإذاعة ما قلوا ... كذا من تصدّى للهوى فليكن ولو
تجرّع من أحبابه علقم الصدّ
فإنّ الفتى من يحكم الرأي فكره ... ويعجز أرباب البصيرة صبره
وذوالحزم من يخفي على النّاس أمره ... وليس الفتى ذوالحزم من راح سرّه
تناقله الأفواه للحرّ والعبد
إذا لم يصنه عن خليل وحسّد ... تحدّث فيه النّاس في كلّ مشهد
وغنّت به الركبان في كلّ فدفد ... فيسري إلى القاصي كما بمحمّد
سرت بنت فكري بالثناء وبالحمد
لقد جمدت دون القريض القرائح ... وماتت بموت الماجدين المدائح
فما لرتاج النظم الآي فاتح ... وما للثناء إلاّ محمّد صالح
لقد ضلَّ مهديه لغير أبي المهد
يظهور العلى في مثله ما استقلّت ... له رتبة عنها الكواكب حطّت
فتىً إن يرم إدراكه العقل يبهت ... همامٌ إلى علياه حدّة فكرتي
بعثت فلم تبصر لعلياه من حد
له خلق ما شاب سلساله القذا ... ولا هو في غير الفخار تلذّذا
وغى رالعلى منذ الولادة ما اغتذى ... تربّى بحجر المجد طفلاً وقبل ذا
براه إله العرش من عنصر المجد
فعلّم صوب الغيث أن يتهلّلا ... ووازن منه الحلم رضوى ويذبلا
стр. 125
وفات جميع السابقين إلى العلى ... ترقّى النهى قبل الفطام به إلى
نهاية إدراك الفطام إلى الرشد
تجمّع شمل الزهد لمّا تشتّتا ... وعاش التقى من بعد ما كان ميّتا
بذي نسك ما زال لله مخبتا ... ومعتصم ممّا يشان به الفتى
بعفّة نفس تربه وهو في المهد
فلا غرو لو عمّت نوافله الملا ... وطبقن ظهر الأرض سهلاً وأجبلا
وفاق الورى فخراً ومجداً مؤثّلا ... فذا واحد الدنيا انطوى برده على
جميع بني الدنيا فبورك من برد
عظيم محلّ كان للفضل جوهرا ... له رتبة طالت على الشمّ مفخرا
وكيف تضلّ النّاس عن ماجد ترى ... على شرفات المجد مغناه والورى
بحصبائه لا بالكواكب تستهدي
إذا هو بالإيحاش بدّل أنسه ... تبيت صروف الدهر تنكر مسّه
همام عليه يحسد الغد أمسه ... تراه ولو قد كان يخفض نفسه
لآمله عطفاً ويبسم للوفد
رفيعاً بحيث النجم لم يك ممسكاً ... بأذياله والفكر لم يك مسلكا
وتلفيه في القنادي ولست مشكّكا ... ثبيراً على جنب الوثير قد اتّكى
ودون لقاه هيبة الأسد الورد
عليم له نفس عن الله لم تمل ... ومن ذكر ما لم يرضه لم يزل وجل
ومنه وعنه العلم بين الورى نقل ... لقد ضاق صدر الدهر في بعض بثّه
العلوم وما يخفيه أضعاف ما يبدي
وعمياء سدّت عن ذوي الرشد سبلها ... تساوى بها علم الأنام وجهلها
جلاها فتى تدري العلوم وأهلها ... إذا انعقدت عوصاء أشكل حلّها
فليس لها إلاه للحلّ والعقد
وغامضة فهم الورى دونها انقطع ... وليس لهم في حلّ معقودها طمع
إذا اعوصت في كشف غامضها صدع ... فيوضحها بعد الغموض ولم يدع
لمعترض باباً بها غير منسد
ومن كلّ طخياء جلا كلّ غبرة ... بإيضاح قول من لسان كزبرة
ولم يك إلاّ مجدة فكرة ... رشيد بعين الحزم أوّل نظرة
يرى ما به ضلّت عقول ذوي الرشد
تردُّ أمور النّاس في كلّ مشكل ... إلى قلب إن أشكل الرأي حوّل
ومن كلّ أمر فاتح كلّ مقفل ... يسدّد سهم الرأي في كلّ مشكل
إذا طاشت الآراء فيه عن القصد
فتىً معه المعروف يرحل إن رحل ... وتنزل آمال الورى حيث ما نزل
ببرد التقى فوق العفاف قد اشتمل ... ترى نفسه من جها الله لم تزل
بطاعته لله في غاية الجهد
حليف التقى ماانفكّ الله شاكرا ... وللنوم من حبّ العبادة هاجرا
وفي ورده ما زال لليل عامرا ... يقوم إلى ما كان ندباً مبادرا
مبادرة الهيم العطاش إلى الورد
إذا لم يفض يوماً على الدهر عفوه ... أتاه منيباً يقبض الخوف خطوه
ونادى بصوة لى يرفع نحوه ... فيا سابقاً لا يدرك العقل شاوه
ولا تهتدي الأوهام منه إلى قصد
ألا إسق رياضي إنّها اصفرَّ زهرها ... وضوء لياليَّ التي حلن غرّها
أنر وجه أيّامي التي اسودّ فجرها ... فشمس سما العلياء أنت وبدرها
أخوك ربيع الخلق في الزمن الصلد
ونفسكما من كلّ إثم تقدّست ... وداركما قدماً على الجود أسّست
وجودكما بالنور منه الربا أكست ... وحلمكما منه الجبال لقد رست
وبطبع من عزميكما الصارم الهندي
وإنّكما عقدان للفضل حلّيا ... وبدران في أُفق المعالي تجلّيا
وصقران في جوّ المكارم جلّيا ... وغيثا عطاء أنتما يفضح الحيا
فيعول إعلاناً من الغيظ بالرعد
كرامٌ على كلّ الأنام لهم يد ... وبيت علاهم في الزمان مشيد
وليس عليهم زاد في الفضل سيّد ... لئن زاد في معنىً طريف محمّد
عليهم فذا فرع لمجدهم التلد
وإن هم ببطن الأرض من قبل أضمروا ... فإنّ لعلياهم معاليه مظهر
وطيُّ مساعيهم به عاد ينشر ... وإن درّجوا موتى بعلياه عمروا
بعمر لأقصى غاية الدهر ممتدّ
فمن جوهر العلياء كانوا فرنده ... وأوّل من أورى من الجود زنده
درى الحيّ فيهم والذي حلَّ لحده ... هم شرّعوا للجود في النّاس نجده
ولولاهم ما كان للجود من نجد
стр. 126
فهل لسواها الزاخرات قد اعتزت ... وهل غيرها سحت إذا السحب اعوزت
لقد أحرزت بالوفر حمداً فبرزت ... ولو لم تحزبا لوفر حمداً لأحرزت
حسان سجاياها لها أوفر الحمد
إذا في الشتاء الشول غبراء روّحت ... ومصّ الثرى ماء الرياض فصوحت
فإنّهم فيها سيول تبطّحت ... أُناس يرى في الكرخ من فيه طوّحت
إليهم بنات الشدّ قميات من بعد
سنا نارهم قد صيروه نعوتهم ... لمسترشد الظلماء كي لا يفوتهم
ويبصر من وافى لكي يستبيتهم ... جدباً على دارالسلام بيوتهم
لكعبة جدواهم لمن أُمّها تهدي
لهم أوجه يستصبحون بها الملا ... كأنّ بدور التم منهنّ تجتلى
فلو قابلوا فيها دجى الليل لانجلى ... ولو وزنت فيهم شيوخ بني العلى
لما عدلوا طفلاً لهم كان في المهد
فطفلهم حذو المسنّ قد احتذى ... وعزّتهم أضحت لعين العدى قذى
وكلٌّ من الحسّاد فيها تعوّذا ... وكلاًّ إذا أبصرت منهم تقول ذا
محمّد فيه شارة الأبّ والجد
رفيع علىً لا يطلع الفكر نجده ... حليف تقىً لا يعلق الإثم برده
أخو الحزم ما حلّت يد الدهر عقده ... إذا انعقد النادي تراه وولده
لناديه عقداً وهو واسطة العقد
كأنَّ عقاباً فيه بين قشاعم ... وليث عرين فيه بين ضراغم
وصلّ صفاة فيه بين أراقم ... على أنّهم فيه نجوم مكارم
تحفُّ ببدر المجد في مطلع السعد
وجودهم في المحل من جود كفّه ... وإن شمخت آنافهم فبأنفه
وعرف علاهم فاح من طيب عرفه ... تضوع من أعطافهم ما بعطفه
لطائم فخر ينتسبن إلى المجد
أعزُّ بني الدنيا وأطيب عنصراً ... بهم عاد عود الفضل فينان شمّرا
وفيهم غدا صبح المكارم مسفرا ... سلالة مجد هم مصابيح للورى
بكلٍّ إذا استهدت فذاك هو المهد
ييبيت على حفظ العلى غير جاهد ... ويبذل فيها من طريف وتالد
وتبصر منه عين كلّ مشاهد ... فتىً قد رقى العليا بهمّة ماجد
له أحرزت شأو العلى وهو في المهد
ومنّي ساعة الميلاد في حبّها صبا ... وكانت له أُمّاً وكان لها أبا
فإن تعتجب من ذا تجد منه أعجبا ... إذا ما ترآئى محتب شكّ في الحبا
على رجل معقودة أو على أحد
فإن قلت هذا مرهفاً كان أرهفا ... وأخلاقه هنّ الصبا كنّ ألطفا
وإن قلت ذا ماء السما لست منصفا ... لعمرك ما ماء السماء وإن صفا
بأطيب ممّا منه قد ضمّ في البرد
أولي الحمد في غالي الثناء شغفتموا ... وإن عنه في معروفكم قد غنيتمو
تهشّون شوقاً إن دعا من دعوتموا ... بني المجد من أبكار فكري خطبتم
فتاة عن الخطّاب تجنح للصد
بدايع أفكار لها الصيد أذعنت ... وفي حجب الأبصار عنهم تحصّنت
لها مارنت يوماً ولا لهم رنت ... ولكن رأتكم كفوها فتزيّنت
لكم وأتت تختال في حلل الحمد
فلو شامها الأعشى تحير وامتحن ... وإنّ زهيراً لو رآها بها افتتن
وأنّى لحسّان كمنظومها الحسن ... لها من بديع القول نظم إذا جرى الن
نوابغ من مضمار إعجازه تكدي
فينظم من ألفاظه الدرّ مقولي ... وفي النظم يبديه كعقد مفصّل
بديع معان إنْ فيه ينقل ... إذا ما تلوه في العراق بمحفل
سرت فيه أفواه الرواة إلى نجد
فكم قد تبدّت منه للنّاس درّةٌ ... وكم قد تجلّت منه لشمس ضرّةٌ
ومبصره قد قال هل هو زهرةٌ ... وسامعه قد شكّ هل فيه خمرةٌ
أو إنّ بنظم الشعر ضرب من الشهد
أرمّ لدى إنشاده المفصح اللسن ... وطاش حجى الفهّامة الحاذق الفطن
فما أنا في إنشائه قطّ مفتتن ... ولست بإطرائي له مزده وإن
غدا طرفة بن العبد من حسنه عبدي
ولا أنا من يعلي القريض محلّه ... ولا من يزيد النظم والنثر فضله
حويت بقومي المجد والفضل كلّه ... وما في نظام الشعر حمدٌ لمن له
سنامٌ على ينمي إلى شيبة الحمد
وقال عمّنا المذكور في مدح محمّد الصالح أيضاً وقد حلّ يناديه في بغداد ورأى ما فيه من أُبّهة العظمة:
стр. 127
حللت من الكرخ في معهد ... تسامى علاءً على الفرقد
فواجهت فيه من الماجدين ... وجوهاً بها يستضيء الندي
فقرَّت عيونك في ربعهم ... بكلّ فتىً منهم أصيد
حمىً زهرت من بني المصطفى ... به أنجم المجد والسؤدد
يقوم مقام ذكاً في الضحى ... أو البدر في الدامس الأسود
يضيء لمن بأقاصي البلاد ... كمن جاء من أُمم يجتدي
له الوفد من كلّ فجّ تسير ... على كلّ زيّافة جلعد
يسابق متّهمهم في السرى ... لقطع الهضاب خطا المنجد
فيزدحمون على باب از ... دحام الجمال على المورد
ومن وسع ساحته الوفد في ... هـ كخردلة هي في فدفد
وأوسع منه ببذل الجدى ... أكفّ محمّد للمجتدي
يرى كلّما كثر القاصدون ... كأنّ بعدُ نعماه لم تقصد
فتىً أقسم الغيث أن لا تقوم ... عزالاه منه مكان اليد
ومن يمطر الماء أنّى يكون ... كمن هي تمطر بالعسجد
يدٌ لا تملُّ العطاء الخطير ... إذا ملّه كفّ مسترفد
وذاالغيث من سئم إن همى ... حياه بصيبه يرعد
يميناً بأنعمها السابغات ... وما في الأنام لها من يد
وما طوّقت من مجيد مجيد ... بهنَّ ومن سيّد سيّد
وما هي أحيت من المجدبين ... ميتاً من البؤس في ملحد
قد اصطحبت هي والجود حتى ... إذا أعسرت عنه لم تفرد
ولو سألت وهي صفر لأعطت ... أناملها للذي يجتدي
ولولا مست جلمداً فجّرت ... ينابيع ماء من الجلمد
يودُّ لحبّ العطا أن تكون ... نقيبته جدّة المجتدي
يرى الوعد نقصاً ومن شأنه ... يجيد العطاء بلا موعد
وقبل السؤال لوفّاده ... بأسنى مواهبه يبتدي
فكحل مآقيه مرأى الغريب ... إذا اكتحل الناس بالأثمد
عظيم المهابة بين الملوك ... ومهما ترائى لها تسجد
وبالحلم تنظر منه الحبا ... على غير ثهلان لم تعقد
وآيات عليائه الباهرات ... تتلى بألسنة الحسّد
له الله من جامع للعلوم ... شمل عواز بها الشرّد
إذا أورد الفكر في مشكل ... له أعلم النّاس لا يهتدي
فقبل الصدور له فكرة ... تريه الغوامض في المورد
وفي صدر أمس يرى ماانطوى ... عليه مغيَّب ظهر الغد
وفي الإحتجاج بليل الخصال ... له منهجٌ واضح المقصد
فإن فاه بالقول لم تعرفنَّ ... الحسام الصقيل من المذود
ولم يبق للخصم غير السكوت ... لديه ونقش الثرى باليد
ووجهق علت صفرة الرعب فيه ... وقلب بحرقته مكمد
فيغدو لدى الناس أحدوثة ... تنقّل في مشهد مشهد
فياعجباً من جهول جرى ... بحلبة ذا الماجد الأوحد
أهل قد رأى تولباً في الرهان ... شأى عدوة الصافن الأجرد
بني المجد من بحر فكري لئالي ... الثناء تساقطن من مذودي
وقلّدت نحر علاكم بها ... فضائت على النحر كالفرقد
تظنّ الحواسد فيكم غلوت ... ومن لي بما ظنّه حسّدي
لقد ضلّ من ظنّ أعلا النظام ... يكون لكم غاية المحمد
ولكنّما هو في مدحكم ... متى أنشدته الورى يحمد
ومن الشعر الأجنبي في هذا الباب ما سألني نظمه إنسان حدقة الدهر، وواسطة عقد الفخر الشريف أبو موسى الميزا جعفر نجل علاّمة العلماء ورئيس المحقّقين الفضلاء أستاذ الكلّ في الكلّ الشريف أبو جعفر السيّد محمّد مهدي الحسيني القزويني الحلّي دام علاه في الثناء على الشهم الماجد حسام الدين وقد أرسله بعض الوزراء حاكماً في الحلّة الفيحاء، فنظمت امتثالاً لأمره هذه القصيدة:
أطلع شمس الراح ليلاً أغيد ... كأنّه من نورها مجسّد
وزفّة اتحت الدجى فأشبهت ... مدامه وخدّه المورد
فلست أدري أجلا لامعةً ... بكفّه به المدام عسجد
أُمّ كفّه البيضاء من رقّتها ... بها شعاع خدّه يتّقد
ساق من الجوزاء وهو المشتري ... نطاقه وعقده المنضّد
شمس الضحى تودُّ لو كان ابنها ... وهي لها بدر السماء ولد
إذا أدارت كفّه لثامه ... خلت الثريّا للهلال تعقد
стр. 128
من لي بقطف زهرة في خدّه ... وعقرب الصدغ عليها رصّد
مورّد الوجنة ما استخجلته ... إلاّ وماء الورد منها بدّد
مطرّدٌ في خدّه ماء الحيا ... ماء الحيا في خدّه مطرّد
علّقته نشوان من خمر الصبا ... سبط القوام فرعه مجعّد
أهيف كم تعطّفت قامته ... وهو لألحان الغنا يردّد
تعطّف البانة تثنيها الصبا ... وفوقها قمريّة تغرّد
بدر ولكن في الجمال يوسف ... لحسنه بدر السماء يسجد
وشوقي الكامل ليس حرّه ... يطفيه إلاّ ريقعه المبرّد
ماالحسن إلاّ جمرة بخدّه ... وجمرة في القلب منّي تقد
أبرد هاتيك بلثم هذه ... يا من رأى ناراً بنار تبرد
نارٌ ولكن هي عندي جنّة ... من لي لو فيها فمي يخلّد
كم ليلة بات بها منادمي ... إلى الصباح والوشاة رقّد
وسنان لم أجذب إليّ خصره ... إلاّ ثنى أعطافه التميّد
حتّى يرى وخصره من رقّة ... عليَّ في انعطافه منعقد
أعد عَلَيّ صاحبي ذكر الطلا ... وعدّ عمّا يزعم المفنّد
راحك يابن النشواة فاغتنم ... حظّك منها والعذار أسود
وعصر أطرابك في اقتباله ... والعيش غضٌّ لك فيه رغد
وعاقر الرح يحييك بها ... شريكها في اللب إذا يغرّد
ما ولدت أُمُّ الجمال مثله ... وأقسمت بأنّها ما تلد
ما استجمع اللذّات إلاّ مجلس ... على معاطاة الكؤس يعقد
ماهو إلاّ للندامى فلك ... به من الكأس يدور فرقد
أو روضة فيها الخدود مجتنىً ... من السقاة والشفاه مورد
وشادن وفّرته ريحانة ... بطيب ريّاها النسيم يشهد
يا طالب العدل هلمَّ ظافراً ... فالعدل شخصٌ قد حواه بلد
أما ترى الفيحاء كيف أصبحت ... والجور من ورائها مشرّد
هذا حسام الدين بين أهلها ... أصبح والملك بها مقلّد
سيف بكفّ الملك منه قائم ... مقام حدّيه الطلى والعضّد
وأنت حيث باسمه شاركته ... لا تفتخر يا أيّها المهنّد
فهو على هام العداة منتضى ... دأباً وأنت تنتضى وتغمد
إن أشعرتك رهبةً هيبته ... فمنه في صدر النّديّ أسد
أغلب لا يطمح في حضرته ... طرفٌ ولا ينطق فيها مذود
مصوّر في شخصه روح النهى ... عليه أبراد الفخار جدّد
وغيره يغريك حسن شكله ... ومنه ما في البرد إلاّ جسد
أبلج عنه وإليه في النّدى ... تروى أحاديث الندى وتسند
لهم نداه مشرك في وفره ... ومدحهم حقّاً له موحّد
يا خير من زار الثناء ربعه ... فزار أزكى من نماه محتد
إليكها سيّارة مع الصّبا ... تتّهم في نشر الثنا وتنجد
سحّارة الألفاظ بابليّة ... أُمّ الكلام مثلها ما تلد
بل كلّ معنىً جاهليّ قد غدا ... يودّ منها أنّه مولّد
لا تحمد العود على قافية ... ما كلُّ عود في الأُمور أحمد
أنت فدم سيّد أبناء العلى ... ونظمها للشعر فيك سيّد
ومنه أيضاً ما سألني نظمه من دون هذا الكتاب لأجله، وقد سبقت في أوائل الكتاب إشارة إلى قصّته وذلك أنّه ولد مولود لبعض الرؤساء من أهل الشام وكان علويّاً فهنّاه بمولده بعض شعرائها وفي المجلس جماعة من أهل بغداد فعابوا ذلك النظم وافتخروا عليهم بشعراء العراق فأدّى ذلك إلى أن أرسلوا إليه يطلبون مجاراة تلك القصيدة بقصيدة بديعة فريدة ليطولوا بها عليهم ولمّا وصلت إليه أرسلها إليّ وعزم في مجاراتها عليّ، فنظمت هذه العقود النفيسة وأرسلتها إلى حضرته الأنيسة وهي:
بشرى العلاء فذي مطالع سعده ... ولدت هلالاً زاهراً في مجده
وحديقة المعروف هاهي أنبتت ... غصناً سيثمر للعفاة برفده
ونشت بأُفق المكرمات سحابة ... من ذلك البحر المحيط لوفده
الآن ردّ على الزمان شبابه ... غضّاً فأصبح زاهياً في ردّه
وجلت لك الدنيا غضارة بشرها ... عن منظر شغل الحسود بوجده
وجلا اصطباح الراح من يد أغيد ... في خدّه تزهو شقائق ورده
تجلى بكفّ رقيق حاشية الصبا ... متمايل الأعطاف ناعم قدّه
стр. 129
يكسوا الزجاجة خدّه فيديرها ... حمراء تحسب أنّها من خدّه
رقص الحباب على غناء نديمها ... طرباً وودَّ يكون موضع عقده
شهد الضمير بأنّها من ريقه ... مزحت بأطيب لذّة من شهده
فاشرب فدا الساقي عذولك واسقني ... كأساً وفي فيها الزمان بوعده
وانهض كما اقترح السرور مهنياً ... بفتىً به الوهّاب جاد لعبده
ميلاده الميمون بورك مولداً ... قد أصبح الإقبال خادم سعده
تتوسّم العلياء وهو بحجرها ... فيه مخائل من أبيه وجدّه
جدٌّ له انتهت العلى من هاشم ... وعلاء هاشم لا انتهاء لحدّه
وكساه في عصر الشبيبة والصبا ... برد النهى والحمد شيبة حمده
فالبدر ودّ بأن يكون له أخاً ... والشهب تهوى أنّها من ولده
نضت الحميّة منه سيف حفيظة ... ماء الحيا الرقراق ماء فرنده
لمّا رأيت الشام يبعد قصده ... عن ركب فيحاء العراق ووخده
أودت تهنيتي إليه رسالةً ... تهدى على شحط المزار وبعده
ودعوت حاملها لأشرف منزل ... بالشام خذ عنّي السّلام فأدّه
حيي السعيد محمّداً فيه وقل ... بشرى بأشرف طالع في سعده
بأغرَّ ينميه إلى عمرو العلى ... حسب محمّده عليّ معدّه
حملته أُمّ الفخر سيّد قومه ... وأتت به والفضل ناسج برده
ولدٌ يرفع من علاك بولده ... ويشدّ أزرك في بلوغ أشدّه
لولم يكن فلك المجرّة مهده ... لم تطلع الشعرى العبور بمهده
قرّت به عين الفخار لأنّها ... لم تكتحل أبداً برؤية ندّه
فليهنينّ حمى السيادة أنّه ... قد أطلعت شبلاً عرينة أسده
وانشقّ مسك ثرى النبوّة فيه عن ... ريحانة الهادي ووردة مجده
فاليوم كفّ لويّ عاد بنانها ... فيها وسلّ حسامها من غمده
وتباشرت طير السماء كأنّما ... نشر ابن هاشم للقرى من لحده
وكأنّما الدنيا لتهنية العلى ... ناد تأنّقت السعود بعقده
وكأنّ كلّ النّاس منطق واحد ... يشدو ليهن الفخر مولد فرّه
وبديعة في الحسن قد أهديتها ... جهد المقل لمكثر من حمده
خطبت له بلسان أشرف من بنى ... في الكرخ بيتاً سقفه من مجده
بيت يظلّل بالنعيم إذا أوى ... ظيف إليه رآه جنّة خلده
وإليكها غرّاء يأرج عطفها ... بنسيم غالية الثناء وندّه
نطقت بنا ديك العليّ وأرّخت ... ولد الندى للفضل أسد ولده
ومنه ما هنّيت به علم الشريعة الغرّاء، وعليم المعروف والسخاء الشريف أبو جعفر سيّدنا السيّد محمّد مهدي الحسيني القزويني بزواج ولده السيّد حسين وهو هذا:
سقتك يا ربع العلى عهّادها ... وطفاء بشر أطلقت مزادها
تلمع للزهو بها بوارق ... تقدح في القلب العدى زنّادها
لاطفها فيك نسيم فرح ... إلى حماك ساقها وقادها
فألبستك زهرها وأنبتت ... مابين أجفان العدى فتّادها
وأبرزت منك لأحداق الورى ... حديقة نوءُ السرور جادها
يا رائد الأفراح في دار العلى ... قد صدّقتك نفسك ارتيادها
باكرْ مناك فارتشف رياضها ... كما اشتهيت واقتطف أورادها
وحيّ في الدست زعيم هاشم ... وخير من سادت به وسادها
القائم المهديّ أقضى من ثنت ... رياسة الدين له وسادها
وقلْ ولا تحفل بغيظ أنفس ... قد تركت لغيّها رشادها
ما علماء الأرض إلاّ رجلٌ ... قد جمع الله به آحادها
فاستلّها صوارماً فواعلاً ... فعل السيوف ثكلت أغمادها
الموقد النار عشيّاً للقرى ... وبشره يتّقد اتّقادها
والمرخص الزاد وكان جدّه ... لراكبي ظهر الفلاة زادها
قد فاخرت جفانه شهب السما ... بضوئها وكاثرت أعدادها
بشراك وضّاح الدجى بفرحة ... قد بلغت فيها العلى مرادها
حلّت نطاق الليل عن صبيحة ... قد نسجت أيدي الهنا أبرادها
أنت الذي قد عقد الله به ... عرى الهدى وأحكم انعقادها
منك أعدّت هاشم لمجدها ... من نشر الله به أمجادها
فقللت فيك مريدي فخرها ... وفي بنيك كثرت حسّادها
стр. 130
أبناء مجد نشأوا سحائباً ... سقى الإله خلقه عهّادها
بيض المساعي ومساعي غيرهم ... بيضٌ وصفرٌ أحسنوا انتقادها
عقدت أطناب العلى وابتدروا ... يرفع كلّ منهم عمادها
وغيرهم يهدم علياه التي ... سعى أبوه قبله فشادها
قومٌ إذا شبّ ابن مجد منهم ... ألقت لكفّيه العلى قيّادها
أو زوّجوه فبأخت شرف ... يحكي طريف مجدها تلادها
لولم تجد منه المعالي كفوها ... لم ترض إلاّ في الخبا انفرادها
يا من يروم بأبيه هضبهم ... ونفسه قد سكنت وهادها
خلفك والفخر بنار ذهبت ... بضوئها وخلّفت رمادها
بني العلى دونكموها غادةً ... عذراء قد أصفتكم ودادها
جلّت بكم قدراً فما أنشدتها ... إلاّ ازدهت جبريل فاستعادها
فصل في الرثاء
قلت في رثاء المهدي خلف الخلف الصالح وقد توفي في بلاد فارس وجيء بنعشه ليدفن في النجف:
أغارء دمعك أم منجد ... قد رحل الصبر ولا منجد
يا رابط الأحشاء في راحة ... قد نضجت بالجمر ما تقصد
لا تلتمس قلبك في جذوة ... ما بقيت منك عليها يد
أخلت يبقى لك قلب على ... فاغرة الوجد ولا يفقد
وإنّ قلباً تحت أنيابها ... طاح شظايا كيف لا يزرد
حسبك منها زفرة لو غدت ... في جلمد منها نزا الجلمد
كم هزَّ أظلاعك من فوقها ... حتّى تلاقين جوىً مكمد
فساقطت منك الحشا أدمعاً ... حمراً على ذوب الحشا تشهد
لو تعلم الأيّام ماذا جنت ... إذاً لودّت أنّها تنفد
لقد أحلت بكرّ رزء لها ... في كلّ قلب مأتم يعقد
إذ كوّرت شمساًبنوا المصطفى ... فيها ترجّوا أفقهم يسعد
الله يا دهر أبينا هم ... في زهو بشرى للعدى تكمد
إذ يرد الناهي إليهم بأن ... جاء ابن نعش ذلك الفرقد
فيغتدي ذاك الهنا حنّة ... فرائص الدنيا لها ترعد
نعشٌ أُتي يُحْمَلُ فيه النهى ... ميتاً عليه يندب السؤدد
وخلفه العلياء في صرخة ... تدعو إلى أين به يقصد
يا حاملي إنسان عيني قفوا ... نشدتكم بالله لا تبعدوا
دعوه لي حسبي لتجهيزه ... عيني عليه طرفها أرمد
دموعها الغسل وأكفانه ... البياض والجفن له ملحد
غدرت يا دهر ومنك الوفا ... لا العذر بالأمجاد مستبعد
فاذهب ذميماً إنّها غدرة ... وجهك ما عشت بها أسود
مالك بالسوء لأهل الحجى ... وردت لا طاب لك المورد
يا ناهداً بالشرّ من جهله ... تعلم بالشرّ لمن تنهد
وطارقاً بيت ندىً يتقي ... ببابه المتهم والمنجد
فمقعداه للتقى والندى ... وحاجباه العزّ والسؤدد
ألم تجده حرمناً آمناً ... يحجّه الأبيض والأسود
فكيف تسعى فيه لا محرماً ... كأنّما أنت به ملحد
ما هو إلاّ بيت فخر له ... قبيلة المعروف قد شيّدوا
بيت أبوالندب الرضى ربّه ... أكرم من تحت السما يقصد
مولىً درت أهل العلى أنّه ... دون الأنام العلم المفرد
وأنّه لولا ندى كفّه ... لم يرَ لا رفدٌ ولا مرفد
تلقاه طلق الوجه في هيبة ... يفرق منها الأسد الملبد
محبّب من حسن أخلاقه ... حتّى إلى من مجده يحسد
ما سهرت من خائف مقلةٌ ... إلاّ وبالأمن لها يرقد
يا أُسرة المعروف لا نابكم ... من بعد هذا الرزء ما يكمد
وهذه النكبة مع أنّها ... فيها ثواب الصبر لا ينفد
لا يحمد الصبر على مثلها ... لكنّه من مثلكم يحمد
وقال عمّنا المهدي يرثي الرضا نجل مصباح الشرف الواضح الماجد الصالح ويعزّيه به:
لا تلمني لم تجد ما أجد ... نابني ما عزَّ فيه الجلد
كفَّ عنّي إنّ منّي بغتةً ... حطم الظهر وشلَّ العضد
سلَّ من عينيَّ إنسانهما ... وانطوى في اللحد منّي الكبد
قد أراني الدهر مالم يره ... من عظيمات الرزايا أحد
ذهبت أيدي الليالي بالذي ... هو لي لو حارب الدهر يد
كنت أنشي للرضا مدحاً فيا ... حزني اليوم رثاه أنشد
عبجاً كيف لساني ناطق ... وهو في شطن الأسى منعقد
стр. 131
ولفكري وهو في إذهاله ... للئالي نظمه ينتقد
يالساني قل به ما شئته ... علّني أشفي به ما أجد
طارح الورقاء في النوح عسى ... هي إن طارحتها لي تسعد
عدمت نفسي ظلّي إن يكن ... كبدي عنه يزول الكمد
فلأعطي كمدي من كبدي ... حقّه حتّى يذوب الكبد
فالأسى آيست منه حيث ما ... للأسى إلاّ لقاه موعد
هو نفسي كيف أسلو بعده ... هل سلا حوباه قبلي أحد
هو من بيت رفيع في العلا ... أبداً ما لعلاه أمد
سكنته عترة المجد التي ... طاب منها في القديم المحتد
قد دهتها نكبة أحلمها ... ظلَّ من دهشته يرتعد
ولعمري رزءُ آل المصطفى ... ما خلا في الأرض منه بلد
تعس الدهر أهل مطروفةٌ ... عينه أم قد عراها رمد
فرمى من حيث لا يبصر من ... غرر الأيّام فيه تسعد
يا أبا المهدي إن ضلَّ الورى ... عن سبيل الصبر أنت المرشد
فقبيحٌ إنْ أقلْ صبراً لمنْ ... سنن الصبر إليه تسند
وعلى أطهر من ماء السما ... منه أطراف حباه تعقد
لا دهاكم بعد هذا فادح ... ما غدى في الأرض راس وتّد
وبقيتم سرمداً عيشكم ... هو في عزّ علاكم رغد
تمّ بعون الله وتوفيقه الجزء الأوّل من كتاب "العقد المفصّل" تأليف الشاعر الكبير المفلق الشهير أبي الحسين السيّد حيدر بن السيّد سليمان الحسيني الحلّي ويليه الجزء الثاني أوّله الباب التاسع: حرف الذال.
@الجزء الثاني الحمد لله الذي جعل محمّداً حسن السجايا، وفضّله على جميع البرايا، وخصّه من بين العرب بغاية الفصاحة ونهاية الأدب.
وبعد؛ فهذا هو الجزء الثاني من الكتاب المرسوم ب "العقد المفصل" في قبيلة المجد المؤثل، وهو كسابقه في فصوله وأبوابه ونكات أغرابه وإعجابه، قد جمع من فنون النظم والنثر ما يزري بعقود الدر، وحوى من الإستحسانات البديعية والإستظرافات الأدبيّة والنوادر الغريبة والحكايات العجيبة ما يرتاج إليه أهل الأدب، وتسكن إليه نفوس ذوي الفضل، والله أسأل أن يقع منهم موقع الإعجاب والإطراب.
الباب التاسع في قافية الذال
وفيها فصل واحد وهو في الثناء
قلت فيه هذه المقطوعة:
قل لأبي الهادي الذي ما أخذت ... بنوا الثنا من الثنا ما أخذا
لله في ثوب الزمان واحد ... منك بغير المدح ما تلذّذا
سموت فانحطَّ سواك قائلاً ... من طلب الرفعة فليسم كذا
يرقى ذرى العلياء من بحجرها ... نشى وفي لبانها المحض اغتذى
ذوفكرة لم ترم في شاكلة ... بسهمها إلاّ وفيها نفذا
وذولسان في الخصام لم يزل ... أقطع من حدّ حسام شحذا
يسكت لكن بجواب حاضر ... يترك أكباد الخصوم فلذا
فاردد أحاديث الصبا إن كنَّ لم ... يروين عن شمائل منه الشذا
لا حبّذا إن لم يذعن نشره ... وإن أذنَ نشره فحبّذا
كم قد أقام الدهر عن فريسة ... من برثن الخطب لها منتقذا
يطرد شيطان العنا عن نفسه ... من بسماح كفّه تعوّذا
حكى رجاء الوفد لولا جوده ... يونس لمّا بالعراء نبذا
قولي: يسكت لكن بجواب حاضر الخ لا بأس أن أذكر في هذا المقام من الأجوبة المستحسنة والمسكتة نبذة ممتعة: قال السيّد المرتضى في الدرر: أخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال: حدّثني عبد الواحد بن محمّد الخصيبي قال: حدّثني أبو علي أحمد بن إسماعيل قال: حدّثني أيّوب بن الحسين الهاشمي قال: قدم على الرشيد رجل من الأنصار وكان عريضاً يقال له نفيع، فحضر باب الرشيد يوماً ومعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر ﵉ على حمار له فتلقّاه الحاجب بالبشر والإكرام وأعظمه من كان هناك وعجّل له الإذن، فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ؟ قال: أوما تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا شيخ آل أبي طالب، هذا موسى بن جعفر ﵉. فقال: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير، أمّا لئن خرج لأسوئنّه. فقال له عبد العزيز: لا تفعل فإنّ هؤلاء أهل بيت قلّما تعرّض لهم أحد في خطاب إلاّ وسموه في الجواب سمةً يبقى عارها عليه مدى الدهر.
стр. 132
قال: وخرج موسى بن جعفر ﵉ فقام إليه نفيع الأنصاري فأخذ بلجام حماره ثمّ قال له: من أنت؟ فقال: يا هذا إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمّد حبيب الله بن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله على المسلمين وعليك إن كنت منهم الحجّ إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركوا قومي مسلمي قومك أكفّاء لهم حتّى قالوا: يا محمّد أخرج إلينا أكفّائنا من قريش، وإن كنت تريد الصيب والإسم فنحن الذين أمر الله بالصلاة علينا في الصلوات الفرائض في قوله: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ونحن آل محمّد، خلّ عن الحمار، فخلّ عنه ويده ويده ترتعد وانصرف بخزي. فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك.
وكان عقيل بن أبي طالب جيّد الجواب حاضره، قال له معاوية بن أبي سفيان يوماً: أنا خير لك من خيك. قال عقيل: إنّ أخي آثر دينه على دنياه وأنت آثرت دنياك على دينك، فأخي خير لنفسه منك وأنت خير لي منه.
وقال له يوماً: إنّ فيكم لشبقاً يا بني هاشم. فقال: هو فينا في الرجال وفيكم في النساء.
وقال معاوية يوماً: هذا عقيل عمّه أبو لهب. فقال عقيل: هذا معاوية عمّته حمّالة الحطب. وعمّة معاوية أُمّ جميل بنت جرب بن أُميّة وكانت امرأة أبي لهب.
وقال له يوماً: يا أبا يزيد - وكانت كنية عقيل - أين ترى عمّك أبا لهب؟ فقال عقيل: إذا دخلت النّار فانظر عن يسارك تجده مفترشاً عمّتك حمّالة الحطب، فانظر أيّهما أسوء حالاً الناكح أم المنكوح.
وقال له بصفّين: يا أبا يزيد! أنت معنا الليلة! قال: ويوم بدر كنت معكم.
ولمّا أتى معاوية نعي الحسن بن علي ﵉ بعث إلى ابن عبّاس وهو لا يعلم الخبر، فقال له: هل عندك خبر من المدينة؟ قال: لا، قال: أتانا نعي الحسن ﵇، وأظهر في قوله سروراً. فقال ابن عبّاس: إذن لا ينسىء الله في أجلك ولا يسدّ حفرتك. قال: أحسبه قد ترك صبيةً صغاراً؟ قال: كلّنا كان صغيراً فكبر. قال: وأحسبه قد كان بلغ سنّاً؟ قال: مثل مولده لا يجهل. قال معاوية: لو قال قائل إنّك أصبحت بعده سيّد قومك. قال: أمّا وأبو عبد الله الحسين ﵇ حيّ فلا. فلمّا كان من غد أتى يزيد بن معاوية ابن عبّاس وهو في المسجد يعزّى، فجلس بين يديه جلسة المعزّي وأظهر حزناً وغمّاً، فلمّا انصرف أتبعه ابن عبّاس بصره وقال: إذا ذهب آل حرب ذهب حلم قريش.
وتزوّج عبد الله بن الزبير أُمَّ عمرو ابنة منظور الفزاريّة، فلمّا دخل بها قال لها تلك الليلة: أتدرين من معك في حجلتك؟ قالت: نعم عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى. قال: ليس غير هذا؟ قالت: ماالذي تريد؟ قال: معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد، لا بل بمنزلة العينين من الرأس. قالت: أما والله لو أنّ بعض بني عبد مناف حضرك لقال خلاف قولك. فغضب وقال: الطعام والشراب عَلَيّ حرام حتّى أحضرك الهاشميين وغيرهم من بني عبد مناف فلا يستطيعون لذلك إنكاراً. قالت: إن أطعتني لم تفعل وأنت أعلم وشأنك، فخرج إلى المسجد فرأى حلقةً فيها قوم من قريش منهم عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن الحصين بن الحرث بن عبد مناف، فقال لهم ابن الزبير: أحبّ أن تنطلقوا معي إلى منزلي.
فقام القوم بأجمعهم حتّى وقفوا على باب بيته، فقال ابن الزبير: يا هذه! أطرحي عليك سترك، فلمّا أخذوا مجالسهم دعى بالمائدة، فتغذّى القوم، فلمّا فرغوا قال: إنّما جمعتكم لحديث ردّته عَلَيّ صاحبة الستر وزعمت أنّه لو كان بعض بني عبد مناف حضرني لما أقرّ لي بما قلت وقد حضرتم جميعاً، وأنت يا ابن عبّاس ما تقول؟ إنّي أخبرتها أنّ معها في خدرها من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد لا بل بمنزلة العينين من الرأس، فردّت عَلَيّ مقالتي. فقال ابن عبّاس: أراك قصدت قصدي فإن شئت أن أقول قلت وإن شئت أن أكفّ كففت. قال: بل قل، وما عسى أن تقول، ألست تعلم أنّي ابن الزبير حواري رسول الله ﵌ وإنّ أُمّي أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ذات النطاقين، وإنّ عمّتي خديجة سيّدة نساء العالمين، وإنّ صفيّة عمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمجدّتي، وإنّ عائشة أُمّ المؤمنين خالتي، فهل تستطيع لهذا إنكاراً؟
стр. 133
قال ابن عبّاس: لقد ذكرت شرفاً شريفاً وفخراً فاخراً غير أنّك تفاخر من بفخره فخرت وبفضله سموت. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنّك لا تذكر مفخراً إلاّ برسول الله ﵌ وأنا أولى بالفخر به منك. قال ابن الزبير: لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوّة. قال ابن عبّاس: قد أنصف القارة من راماها، نشدتكم بالله أيّها الحاضرون أعبد المطّلب أشرف أم خويلد في قريش؟ قالوا: عبد المطّلب. قال: أفهاشم كان أشرف فيها أم أسد؟ قالوا: بل هاشم. قال: أفعبد مناف كان أشرف أم عبد العزّى؟ قالوا: عبد مناف. فقال ابن عبّاس:
تنافرني يابن الزبير وقد قضى ... عليك رسول الله لا قول هازل
ولو غيرنا يابن الزبير فخرته ... ولكنّما ساميت شمس الأصائل
فقضى لنا رسول الله ﵌ بالفضل في قوله: ما افترقت فرقتان إلاّ كنت في خيرهما، فقد فارقناك من بعد قصي بن كلاب، أفنحن في فرقة الخير أم لا؟ فإن قلت نعم خصمت، وإن قلت لا كفرت. فضحك بعض القوم، فقال ابن الزبير: والله لولا تحرمك بطعامنا يابن عبّاس لأعرقت جبينك قبل أن تقوم من مجلسك. قال ابن عبّاس: ولِمَ؟ أبباطل فالبطال لا يغلب الحق؟ أم بحق فالحق لا يخشى من الباطل؟ فقالت المرأة من وراء الستر: إنّي والله لقد نهيته عن هذا المجلس فأبى إلاّ ما ترون. فقال ابن عبّاس: مه أيّتها الإمرأة أقنعي ببعلك فما أعظم الخطر وأكرم الخبر، فأخذ القوم بيد ابن عبّاس وكان قد عمي فقالوا: إنهض أيّها الرّجل فقد أفحمته غير مرّة، فنهض وهو يقول:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا لغفا وناما
فقال ابن الزبير: يا صاحب القطا أقبل عَلَيّ فما كنت لتدعني حتّى أقوم، وأيم الله لقد عرف الأقوام أنّي سابق غير مسبوق، وإنّ حواري وصديق متبجح في الشرف الأنيق خير من طليق. فقال ابن عبّاس: دسعت بجرتك فلم تبق شيئاً، هذا الكلام مردود من أمرء حسود، فإن كنت سابقاً فإلى من سبقت؟ وإن كنت فاخراً فبمن فخرت؟ فإن كنت أدركت هذا الفخر بأُسرتك دون أُسرتنا فالفخر لك علينا، وإن كنت إنّما أدركته بأُسرتنا فالفخر لنا عليك، والكثكث في فمك ويديك. وأمّا ما ذكرت من الطليق فوالله لقد ابتلي فصبر، وأنعم عليه فشكر، وإن كان والله لوفياً كريماً غير ناقض بيعةً بعد توكيها، ولا مُسلّم كتيبةً بعد التأمّر عليها. فقال ابن الزبير: أتعير الزبير بالجبن، والله إنّك لتعلم منه خلاف ذلك. قال ابن عبّاس: والله إنّي لا أعلم إلاّ أنّه فرّ وما كرّ، وحارب فما صبر، وبايع فما تمّم، وقطع الرحم وأنكر الفضل ورام ما ليس له بأهل.
وأدرك منها بعض ما كان يرتجي ... وقصّر عن جري الكرام وبلدا
وما كان إلاّ كالهجين أمامه ... عناق فجاراه العناق فأجهدا
فقال ابن الزبير: لم يبق يا بني هاشم غير المشاغبة والمضاربة. فقال عبد الله بن الحصين بن الحرث: أقمناه عنك يابن الزبير وتأبى إلاّ منازعته، والله لو نازعته من ساعتك إلى انقضاء عمرك ما كنت إلاّ كالسغب الظمآن يفتح فاه يستزيد من الريح فلا يشبع من سغب ولا يروى من عطش، فقل إن شئت أو فدع، وانصرف القوم.
قوله: دسعت بجرتك فلم تبق شيئاً، الجرّة بالكسر ما يخرجه البعير من جوفه عند الإجترار، يقال: دسع البعير بجرته، والدسع: إخراج الحرّة من الجوف.
وقوله: الكثكث في فمك ويديك، الكثكث والأثلب فتاة الحجارة في التراب، يخاطب بذلك الخائب.
وقوله: غير ناقض بيعة بعد توكيها ولا مُسلّم كتيبةً بعد التأمّر عليها، تلويح وتعريض بالزبير في نقضه لبيعة أمير المؤمنين وخروجه مع عائشة متأمّراً على كتيبتها يوم الجمل ثمّ أسلمها.
стр. 134
وذكر أبوالعبّاس المبرّد في كتاب الكامل ما يناسب هذا أنّ قتيبة بن مسلم لمّا فتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وآلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يرى الناس عظيم ما فتح الله عليهم، ويعرّفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت وفي صحنها قدور يرتقى إليها بالسلاليم، فإذا بالحضين بن المنذر بن وعلة الرقاشي قد أقبل والنّاس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير، فلمّا رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة: أذِّنْ لي في معاتبته! قال: لا تردّه فإنّه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلاّ أن يأذن له، وكان عبد الله يضعف، وكان قد تسوّر حائطاً قبل ذلك إلى امرأة. فأقبل على الحضين فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسنَّ عمّك عن تسوّر الحيطان. قال: رأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا تُرى. قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها؟ قال: أجل، ولا عيلان، ولو رآها سمّي شبعان ولم يسمّ عيلان. فقال عبد الله: أتعرف يا أبا ساسان الّذي يقول:
عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجرّ خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول:
فأدّى الغرم من نادى مشيراً ... ومن كانت له أسرى كلاب
وخيبة من يخيب على غني ... وباهلة بن يعصر والرباب
قال: أفتعرف الذي يقول:
كان فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل
قال: نعم أعرفه وأعرف الذي يقول:
قوم قتيبة أُمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
قال: أمّا الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، أقرأ الأكثر الأطيب (هَلْ أَتى عَلَى الإنسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئَاً مَذْكُوراً) ، فأغضبه فقال: والله لقد بلغني أنّ امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره. قال: فما تحرّك الشيخ عن هيئته الأُولى بل قال على رسله: وما يكون تلد غلاماً على فراشي فيقال فلان بن الحضين كما يقال عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله وقال له: لا يبعد الله غيرك.
ولمناسبة هذه القصّة لا بأس بذكر نبذة يسيرة من التعريضات والكنايات التي هي من الأجوبة المسكتة، فأقول: التعريض هو اللفظ الدالّ على الشيء من طريق المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وبهذا الحدّ يفرّق بينه وبين الكناية، فإنّ الكناية هي اللفظ الذي يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، ومتى أفرد جاز حمله على الجانبين معاً، ألا ترى أنّ اللمس في قوله تعالى: (أو لامَسْتُمُ النِّساء) يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكلّ منهما يصحّ به المعنى ولا يختل، فيجوز حمله على المعنى الحقيقي وهو اللمس المعلوم، وعلى المعنى المجازي وهو الجماع. والتعريض أخفى من الكناية، لأنّ دلالة الكناية وضعيّة وإنّما يسمّى التعريض تعريضاً لأنّه يفهم فيه المعنى من عرض اللفظ أي جانبه.
قال بعضهم: والكناية تشتمل على اللفظ المفرد واللفظ المركّب فتأتي على هذا مرّة وعلى هذا أخرى، وأمّا التعريض فإنّه يختصّ في اللفظ المركّب ولا يأتي في اللفظ المفرد ألبتة، لأنّه لا يفهم فيه المعنى من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز، بل من جهة التلويح والإشارة وهذا لا يستقل به اللفظ المفرد.
أقول: ولعلماء هذا الفن في الفرق بين التعريض والكناية وتحديدهما كلام طويل لا حاجة إلى ذكره.
ومن التعريضات اللطيفة ما روى أبوبكر بن دريد في كتاب الأمالي عن أبى حاتم عن العتبي عن ابيه أنّه عرض على معاوية فرس وعنده عبد الله بن الحكم بن أبي العاص، فقال: كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرف؟ قال: أراه أجشّ هزيماً. قال معاوية: لكنّه لا يطلع على الكنائن. قال: يا أمير المؤمنين! ما استوجبت هذا كلّه، قال: قد عوّضتك عنه عشرين ألفاً.
قال أبو بكر بن دريد: أراد عبد الرحمن التعريض بمعاوية بما قال النجاشي في أيّام صفّين:
ونجى ابن حرب سابح ذو غلالة ... أجشّ هزيم والرماح دواني
إذا قلت أطراف الرماح تنوشه ... مرته له الساقان والقدمان
وأراد معاوية بقوله: لا يطلع على الكنائن التعريض بعبد الرحمن أنّه كان يزني بنساء إخوته.
стр. 135
ومن لطيف التعريض ما ذكره عبد الله بن سوار قال: كنّا على مائدة إسحاق بن عيسى بن علي الهاشمي فأتينا بخزيرة - والخزيرة شبه عصيدة بلحم وبلا لحم عصيدة - فقال: إنّها قد عملت بالسكّر والسمن والدقيق. فقال المعدّ بن عيلان العبدي: يا حبّذا السخينة! ما أكلت أيّها الأمير سخينة ألذّ من هذه. فقال: إلاّ أنّها تولد الرياح في الجوف كثيراً. قال: ولا هكذا، إنّ المعائب لا تذكر على الخوان.
أراد المعدّ ما كانت العرب تعير به قريشاً في الجاهليّة من أكل السخينة، وأراد إسحاق بن عيسى ما تعير به عبد القيس من الفسو، قال الشاعر:
وعبد القيس مصفرٌّ لحاها ... كأنّ فسائها قطع الضباب
قال المبرّد: وقد يسير البيت في واحد ويرى أثره عليه أبداً كقول أبي العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:
فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتّالا
فكسّر حلية السيف ... وصغها لك خلخالا
وكان عبد الله إذا تقلّد سيفاً ورأى من يرمقه بان أثره عليه فظهر الخجل منه.
ومثل ذلك ما يحكى أنّ جريراً قال: والله لقد قلت في بني ثعلب بيتاً لو طعنوا بالرماح بعدها في أستاهم لما حكوا، وذلك قولي:
والثعلبي إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
وحكى أبو عبيدة عن يونس قال: قال عبد الملك بن مروان يوماً وعنده رجال: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعراً ودّوا أنّهم افتدوا منه بأموالهم؟ فقال أسماء بن خارجة الفزاري: نحن يا أمير المؤمنين. قال: وما هو؟ قال: قول الحارث بن ظالم المزني:
وما قومي بثعلبة ابن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا
فوالله يا أمير المؤمنين! إنّي لألبس العمامة الصفيقة فيخيّل لي أنّ شعر قفاي قد بدا منها.
وقال هاني بن قبيصة النميري: ونحن يا أمير المؤمنين. قال: ما هو؟ قال: قال جرير:
إذا الله عادى أهل لوم وقلّة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقتل
قبيلته لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون النّاس حبّة خردل
ولا يردون الماء إلاّ عشيّةً ... إذا صدر الوارد عن كلّ منهل
وما سمّي العجلان إلاّ لقوله ... خذا القعب واحلب أيّها العبد واعجل
فكان الرجل منهم إذا سُئل يقول: من بني كعب.
وكان عبد الملك بن عمير القاضي يقول: والله إنّ التنحنح والسعال يأخذاني وأنا في الخلا فأردّه حياءً من قول القائل:
إذا ذات دلّ كلّمته لحاجة ... فهمَّ بأن يقضى تنحنح أوسل
ولا غرو فلقد كان البيت من الشعر يضع الشريف ويرفع الوضيع، كما وضع من بني نمير قول جرير:
فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وكما رفع من بني أنف الناقة قول الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا
فأمّا قول جرير: فغضّ الطرف إنّك من نمير الخ فقد لقيت نمير من هذا البيت ما لقيت، وجعلهم الشاعر مثلاً فيمن وضعه الهجاء إذ قال وهو يهجو قوماً من العرب:
وسوف يزيدكم ضعةً هجاء ... كما وضع الهجاء بني نمير
ونمير قبيل شريف وقد ثلم شرفهم هذا البيت.
ومن التعريضات اللطيفة أيضاً ما روي أنّ المفضّل بن محمّد الضبي بعث بأضحية هزبلة إلى شاعر، فلمّا لقيه سأله عنها فقال: كانت قليلة الدم، فضحك المفضّل وقال: مهلاً يا أبا فلان، أراد الشاعر قول القائل:
ولو ذبح الضبي بالسيف لم تجد ... من اللؤم للضبي لحماً ولا دما
وكانت فزارة تعير بأكل جردان الحمار، لأنّ رجلاً منهم كان في سفر فجاع فاستطعم قوماً فدفعوا إليه جردان الحمار - والجردان بالضم قضيب الفرس وغيره، كذا في الصحاح - فشواه وأكله، فأكثرت الشعراء ذكرهم بذلك، قال الفرزدق:
جهّز إذا كنت مرتاداً ومنتجعا ... إلى فزارة عيراً تحمل الكمرا
إنّ الفزاري لو يعمي فيطعمه ... أير الحمار طبيب أبرأ البصر
وذكر أبو عبيدة أنّ إنساناً قال لأسماء بن خارجة الفزاري: إقض ديني أيّها الأمير فإنّ عَلَيّ ديناً. قال: مالك عندي إلاّ ما ضرب به الحمار بطنه. فقال عبيد بن أبي محجن: بارك الله لكم يا بني فزارة في أير الحمار؛ إن جعتم أكلتموه، وإن أصابكم غرم قضيتموه به.
стр. 136
ويحكى أنّ بني فزارة وبني هلال بن عامر بن صعصعة تنافروا إلى أنس بن مدرك الخثعمي وتراضوا به، فقالت بنوا هلال: يا بني فزارة أكلتم أير الحمار، فقالت بنوا فزارة: مدرتم الحوض بسلحكم، فقضى أنس لبني فزارة على بني هلال، فأخذ الفزاريّون منهم مائة بعير كانوا تخاطروا عليها. وفي مادر وهو الذي مدر الحوض بسلحه يقول الشاعر:
لقد جللت خزياً هلال ابن عامر ... بني عامر طرّاً بسلحة مادر
فأُفٍّ لكم لا تذكروا الفخر بعدها ... بني عامر أنتم شرار المعاشر
هذا آخر ما أردناه أن نذكره من التعريضات، ثمّ لنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر الأجوبة المسكتة.
يروى أنّ الفرزدق لقيه نبطي بيثرب فقال له: أنت الفرزدق؟ قال: نعم. قال: أنت الذي يخاف النّاس لسانك؟ قال: نعم. قال: فإذا هجوتني يموت فرسي؟ قال: لا. قال: فيموت ولدي؟ قال: لا. قال: فأموت أنا؟ قال: لا. قال: فأدخلني الله في حر أُمّ الفرزدق من رجلي إلى عنقي. فقال له: ولم تركت رأسك؟ قال: حتّى أرى ما تصنع الزانية.
ومرّ الفرزدق بزياد الأعجم وهو قائم ينشد، فقال له: تكلّمت يا أقلف؟ فقال له زياد: ما أسرع ما خبّرتك بها أُمّك. فقال الفرزدق: هذا وأبيك الجواب المسكت.
عن عوانة قال: جرى بين عروة بن الزبير وبين عبد الملك بن مروان كلام فأغلظ له عروة، وكان الحجّاج حاضراً فقال: يابن العميا! أتكلّم أمير المؤمنين بمثل هذا؟ فقال له: وما أنت وذاك يابن المتمنّية؟! فضحك عبد الملك وقال: قد كنت غنيّاً عن هذا. وإنّما اراد عروة أنّ أُمّ الحجّاج وهي الفارغة بنت همام قالت:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر ابن حجّاج
وكان نصر بن الحجّاج هذا من أجمل أهل المدينة.
وعن المدايني قال: جرى بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد منازعة، فأغلظ له عمرو، فقال له خالد بن يزيد: يا عمرو! أمير المؤمنين لا يُكلَّم بمثل هذا! فقال له عمرو: أسكت فوالله لقد سلبوك ملكك ونكحوا أُمّك فما هذا النصح الموشّح بغش، أنت كما قال الشاعر:
كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بينها فلم ترقع بذلك مرقعا
وهذا كما قيل:
كتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى حناها
ودخل مالك بن هبيرة السلولي على معاوية فأدناه وأجلسه، وكان شيخاً كبيراً، فخدرت رجله فمدّها، فقال له معاوية: يا أبا سعيد! ليت لنا جارية لها مثل ساقيك! قال: متّصلان بمثل عجيزتك يا أمير المؤمنين، فخجل معاوية وقال: واحدة بواحدة والبادي أظلم.
وقال معاوية لصحار العبدي: يا أزرق! قال: الباز أزرق. قال: يا أحمر! قال: الذهب أحمر. قال: ما هذه البلاغة التي فيكم يا عبد القيس؟ قال: شيء يختلج في صدورنا فتقذفه ألسنتنا كما يقذف البحر الجوهر.
وقدم الحجّاج على عبد الملك بن مروان، فمرّ بخالد بن يزيد بن معاوية ومعه رجل من أهل الشام، فقال الشامي لخالد: من هذا؟ فقال الخالد كالمستهزىء: هذا عمرو بن العاص، فعدل إليه الحجّاج فقال: إنّي والله ما أنا بعمرو بن العاص ولا ولدت عمرواً ولا ولدني ولكنّي ابن الغطاريف من ثقيف، والعقائل من قريش، ولقد ضربت بسيفي هذا أكثر من مائة ألف كلّهم يشهد أنّك وأباك وجدّك من أهل النّار، ثمّ لم أجد عندك لذلك جزاءً ولا شكراً، وانصرف عنه وهو يقول: عمرو بن العاص، عمرو بن العاص.
وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: والله إنّ فيكم لخصلة يا بني هاشم لا تعجبني؟ قال: ما هي؟ قال: لين فيكم. فقال له عقيل: إيّانا تعير يا معاوية؟! أجل، والله إنّ فينا لليناً من غير ضعف، وعزّاً من غير جبريّة، وأمّا أنتم يا بني أُميّة فإنّ وفائكم غدر، وعزّكم كفر. فقال معاوية: ما أردنا كلّ هذا منك يا أبا يزيد.
стр. 137
وقال معاوية يوماً على المنبر: أيّها النّاس إنّ الله تعالى فضّل قريشاً بثلاث: فقال لنبيّه ﵌: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتِكَ الأَقْرَبِين) ونحن عشيرته الأقربون، وقال: (وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) ونحن قومه، وقال: (لإيلافِ قُريش إيلافهم) ونحن قريش. فقال رجل من الأنصار: على رسلك يا معاوية فإنّ الله تعالى قال: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحقّ) وأنتم قومه، وقال: (ولمّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصدُّون) وأنتم قومه، وقال: (وقال الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هذا القُرْآنَ مَهْجُورا) وأنتم قومه، ثلاثة بثلاثة ولو زدتنا لزدناك، فأفحمه.
وقال قتيبة بن مسلم الباهلي لهبيرة بن مسروح: أيّ رجل أنت لو كانت أخوالك من غير سلول؟ فلو بادلت بهم، قال: أصلح الله الأمير! بادل بهم من شئت وجنّبني باهلة.
وقال جرير للفرزدق: يا أبا فراس! تحتمل مسألة؟ قال: نعم فسل عمّا بدا لك. قال: أيّما أحبّ إليك: أن يتقدّمك الخير أو تتقدّمه؟ قال: لا يتقدّمني ولا أتقدّمه بل نكون معاً، فاسمع مسألتي، قال جرير: هات، قال: أيّما أحبّ إليك: أن تدخل على امرأتك فتجد يدها على أير رجل أو تجد يد رجل على حرّها؟ فقال: قاتلك الله ما أقبلح لسانك.
وقيل: إنّ عمرو بن العاص رأى معاوية يضحك، فقال: ممّ تضحك يا أمير المؤمنين؟ قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوئتك يوم ابن أبي طالب، أما والله لقد وجدته كريماً ولو شاء لخرق رقعتك. فقال عمرو: أما والله إنّي لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فأرعدت فرائصك ومال شقّك واحولّت عيناك وربا سحرك وبدا من أسفلك ما أكره ذكره لك، فمن نفسك فاضحك أو دع.
وقال بلال بن أبي بردة للهيثم بن الأسود في مجلس خالد بن عبد الله القسري: أنا ابن أحد الحكمين، فقال الهيثم: أمّا أحدهما ففاسق وأمّا الآخر فمائق، فأبن أيّهما أنت؟ ودخل عبيد الله بن ظبيان على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: ما هذا الذي يقول الناس فيك؟ قال: وما يقولون يا أمير المؤمنين؟ قال: يقولون إنّك لا تشبه اباك! فقال: والله إنّي لأشبه به من الماء بالماء، ومن الغراب بالغراب، ولكن أدلّك على من لا يشبه أباه، قال: ومن هو؟ قال: من لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام. قال: ومن هو؟ قال: ابن عمّي سويد بن منجوف. وإنّما أراد عبد الملك وذلك أنّه ولد لسبعة أشهر.
قيل: لمّا ولي سليمان بن عبد الملك أُتي يزيد بن أبي مسلم مولى الحجّاج في جامعة وكان رجلاً ذميماً تقتحمه العين، فلمّا رآه سليمان قال: لعن الله من أجرّك رسنك وولي مثلك. فقال: يا أمير المؤمنين! رأيتني والأمر عنّي مدبر، ولو رأيتني وهو عَلَيّ مقبل لاستعظمت ما استصغرت، ولاستجللت ما استحقرت. فقال سليمان: أين ترى الحجاج: أيهوي في النّار أم قد استقرّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لا تقل كذا فإنّ الحجّاج قمع لكم الأعداء، ووطأ لكم المنابر، وزرع لكم الهيبة في صدور النّاس، وبعد فإنّه يأتي يوم القيامة يمين أبيك عبد الملك، وشمال أخيك الوليد، فضعه حيث شئت.
وروي عن المأمون أنّه قال: ما أعياني جواب أحد قط مثل جواب ثلاثة أحدهم: أُمّ الفضل بن سهل فإنّي عزّيتها عن ابنها وقلت: لئن جزعت على الفضل لأنّه ولدك فها أنا ذا إبنك مكانه، فقالت: وكيف لا أجزع على من جعل لي مثلك ولداً. والثاني: رجل حضرته يزعم أنّه نبيّ الله موسى ﵇، فقلت له: إنّ الله تعالى أخبرنا عن موسى أنّه يدخل يده في جيبه فيخرجها بيضاء من غير سوء، فقال لي: متى فعل ذلك موسى، أليس بعد أن لقي فرعون؟ فاعمل كما فعل فرعون حتّى أعمل كما عمل موسى. والثالث: إنّ جماعة من أهل الكوفة اجتمعوا إليّ يشكون من عاملها، فقلت: إرضوا بواحد منكم أسمع منه، فرضوا برجل منهم، فقال لي في العامل وأكثر، فقلت: كذبت، بل هو العفيف الورع العدل، فذهب أصحابه يتكلّمون، فسكّتهم ثمّ قال: صدقت يا أمير المؤمنين هو كما ذكرت فواسِ بين رعيّتك في العدل، فصرفته عنهم.
وكتب رجل إلى صديق له يقترض شيئاً، فأجابه يشكو ضيق حاله، فكتب إليه: إن كنت كاذباً جعلك الله صادقاً، وإن كنت صادقاً جعلك الله كاذباً، وإن كنت معذوراً فجعلك الله ملوماً، وإن كنت ملوماً فجعلك الله معذوراً.
стр. 138
وفي مثل هذا قول الشاعر وقد أراد أن يقترض شيئاً من صديق له فلم يعطه فقال:
ولقد أتيت لصاحبي وسألته ... في قرض دينار لأمر كانا
فأجابني والله داري ما حوت ... عيناً فقلت له ولا إنسانا
وسمع الأحنف رجلاً يقول: ما أحلم معاوية، فقال: لو كان حليماً ما سفه الحق.
وكان أبوالعينا من أحضر الناس جواباً، وأجودهم بديهة، وأملحهم نادرةً، ولنذكر طرفاً من أخباره، وهي إن لم تكن كلّها من هذا النمط وإلاّ فغالبها: قيل لأبي العينا: ما أحسن الجواب؟ قال: ما أسكت المبطل وحيّر المحق.
وقال له المتوكّل يوماً: ما أشدّ عليك في ذهاب بصرك؟ فقال: فقد رؤيتك مع إجماع النّاس على جمالك.
وقال له يوماً: أُريدك لمجالستي! فقال: لا أُطيق ذاك وما أقول هذا جهلاً بما لي في هذا المجلس من الشرف ولكنّي رجل محجوب والمحجوب تختلف إشاراته ويخفى عليه إيماؤه ويجوز عَلَيّ أن أتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أُميّز بين هاتين هلكت، قال: صدقت.
وروي أنّه قال له يوماً: لولا أنّك ضرير لنادمتك! فقال له: إن أعفيتني عن رؤية الهلال وقرائة نقش الخواتيم فإنّي أصلح للمنادمة.
وقال له المتوكّل: ما تقول في ابن مكرم والعبّاس بن رستم؟ قال: هما الخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للنّاس وإثمهما أكبر من نفعهما. فقال: بلغني أنّك تودّهما! فقال: لقد ابتعت الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة.
وقال له يوماً: بلغني أنّ سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: (إنَّ الّذينَ أجْرَموا كانَ مِنَ الّذينَ آمَنُوا يَضْحكُون) .
وقيل لأبي العينا: إنّ إبراهيم بن نوح النصراني عليك عاتب، فقال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ والنَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) .
ورآه زرقان وهو يضاحك نصرانيّاً، فقال: (يا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أولياء) ، فقال أبوالعينا: (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ في الدّين) .
قال المرتضى: أخبرنا أبوالحسن علي بن محمّد الكاتب قال: أخبرني محمّد بن يحيى الصولي قال: أخبرنا أبوالعيناء قال: كان سبب اتّصالي بأحمد بن أبي دؤاد أنّ قوماً من أهل البصرة عادوني وادّعوا عَلَيّ دعاوي كثيرة منها أنّي رافضي، فاحتجبت إلى أن خرجت عن البصرة إلى سرّ من رأى فألقيت نفسي على ابن أبي دؤاد وكنت نازلاً في داره أُجالسه في كلّ يوم، وبلغ القوم خبري فشخصوا نحوي إلى سرّ من رأى، فقلت له: إنّ القوم قد قدموا من البصرة يداً عَلَيّ. فقال: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ، فقلت: إنّ لهم مَكْراً، فقال: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرين) ، فقلت له: كثيرون، فقال: (كَمْ مِنْ فِئَة قَليلة غَلَبَتْ فئةً كَثيرة بإذنِ الله) فقلت: لله درّك أيّها القاضي، فأنت والله كما قال الصموت الكلابي - أو - الكهلاني:
لله درّك أيّ جنّة خائف ... ومتاع دنياً أنت للحدثان
متخمّط يطؤ الرّجال غلبةً ... وطأ الفنيق دوارج القردان
ويكبّهم حتّى كأنّ رؤسهم ... مأمومة تنحطّ للغربان
ويفرّج الباب الشديد رتاجه ... حتّى يصير كأنّه بابان
فقال لابنه أبي الوليد: أُكتب هذه الأبيات، فكتبها بين يديه.
قال الصولي: حفظي عن أبي العينا الصموت الكلابي على أنّه رجل، وقال لي وكيع: حفظي أنّها الصموت الكلابيّة على أنّها امرأة.
ودخل أبوالعينا على الحسن بن سهل فأثنى عليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فقال: والله ما أستكثر كثيرك أيّها الأمير، ولا أستقلّ قليلك. قال: وكيف ذاك؟ قال: لا أستكثر كثيرك لأنّك أكثر منه، ولا أتستقلّ قليلك لأنّه أكثر من كثير غيرك.
وقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان يوماً: أعذرني فإنّي عنك مشغول. فقال أبوالعينا: إذا فرغت لم أحتج إليك.
وقال له: قد تبيّنت فيك الغضب يا أبا عبد الله؟ فقال: قد أجلّ الله قدرك عن غضبي، إنّما يغضب الرجل على من هو دونه فأمّا على من هو فوقه فلا، ولكن أحزنني تقصيرك فسمّيت حزني عضباً.
стр. 139
ويقال: إنّ صاعد بن مخلد كان من أحسن من أسلم ديناً وأكثرهم صلاةً وصدقةً، فصار إلى بابه أبوالعيناء مرّات كثيرة بعقب إسلامه، فحجب وقيل: إنّه مشغول بصلاته. فقال أبوالعيناء: لكلّ جديدة لذّة.
ودخل أبوالعيناء على أبي الصقر يوماً فقال له: ما أخّرك عنّا يا أباالعيناء؟ قال: سرق حماري. قال: وكيف قد سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك. قال: فهلاّ أتيتنا على غيره؟ قال: قعد بي عن الشراء قلّة يساري، وكرهت ذلّة المكاري، ومنّة العواري.
وزحمه رجل بجسر بغداد على حمار فضرب بيده إلى أُذن الحمار وقال: يا فتى قل للحمار الذي فوقك يقول الطريق.
وقيل له: هل يلقى في دهرنا من يلقى في دهرنا من يلقى؟ قال: نعم في البئر.
ووقف عليه رجل من العامّة فقال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم. فقال أبوالعيناء: مرحباً بك أطال الله بقائك، ما كنت أظنّ هذا النسل إلاّ قد انقطع.
وقال له عبيد الله بن يحيى: كيف كنت بعدي يا أباالعيناء؟ قال: في أحوال مختلفة شرآها غيبت وخيرها أويتك.
ووعده ابن المدبّر بغلاً ولقيه بعد ذلك على حمار فقال له: كيف أصبحت يا أباالعينا؟ فقال: على حمار أعزّك الله. قال: العشيّة يجيئك البغل.
ومرّ بباب عبد الله بن منصور وكان قد اعتلّ ثمّ صلح فقال لغلامه: أيّ شيء خبره؟ قال: كا تحب، قال: فمالي لا أسمع الصراخ عليه.
وقال له ابن مكرم يوماً يعرض به: كم عدد المكذبين بالبصرة؟ قال: مثل عدد الباغين ببغداد.
سمع ابن مكرم رجلاً يقول: من ذهب بصره قلّت حيلته، فقال: ما أغفلك عن أبي العينا، ذهب بصره وعظمت حيلته.
وسمع ابن مكرم أباالعينا يقول في دعائه: يا رب سائلك، فقال: يابن الزانية ومن لست سائله.
وقال ابن مكرم يوماً: ما أحد أعقل من مغنيّة تأكل وتشرب وتتلذّذ وتأخذ الدراهم. قال أبوالعينا: فكيف عقل الوالدة؟ قال: هي أحمق من دغه.
وقيل له: كم تمدح الناس وتذمّهم؟ قال: ما أحسنوا وأساؤا.
وقال له المتوكّل يوماً: إنّي لأفرق من لسانك، فقال له: إنّ الشريف فروقة ذو أحجام، وإنّ اللئيم ذو أمنة وإقدام.
وقال له يوماً وقد دخل عليه: قد إشتقتك والله يا أباالعينا! فقال له: يا سيّدي إنّما يشتدّ على العبد لأنّه لا يصل إلى مولاه، فأمّا السيّد فمتى أراد عبده دعاه.
وروي أنّه قال له يوماً: ما بقي أحد في مجلسي إلاّ وقد اغتابك وذمّك عند ما جرى ذكرك غيري. فقال أبوالعينا:
إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً عَلَيّ لئامها
وذكر أبوالعينا قال: قال لي المتوكّل: كيف ترى داري هذه؟ فقلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدّنيا وأمير المؤمنين جعل الدّنيا في داره.
وقال أبوالعينا: قال لي المتوكّل: من أسخى من رأيت ومن أبخل من رأيت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت أسخى من أحمد بن أبي دؤاد، ولا أبخل من موسى بن عبد الملك. قال: وكيف وقفت على بخله؟ فقلت: رأيته يحرم القيب كما يحرم البعيد، ويعتذر عن الإحسان كما يعتذر من الإسائة. فقال: أجئت إلى من أطرحته فسخيته وإلى من أمسكته فبخّلته. فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّ الصدق ما هو في موضع من المواضع أنفق منه بحضرتك والنّاس يغلطون فيمن ينسبونه إلى السخاء، فإذا نسب الناس السخاء إلى البرامكة فإنّما ذاك سخاء أمير المؤمنين الرشيد، وإذا نسب الناس الحسن بن سهل والفضل بن سهل إلى السخاء فإنّما ذاك سخاء المأمون، وإذا نسبوا أحمد بن أبي دؤاد إلى السخاء فذلك سخاء أمير المؤمنين المعتصم، وإذا نسبوا الفتح بن خاقان وعبيد الله بن يحيى إلى السخاء فإنّما هو سخاؤك، وإلاّ فما بال هؤلاء القوم لم يُنْسَبوا إلى السخاء قبل صحبتهم الخلفاء؟ فقال لي: صدقت، وسرى عنه.
روى أبوالعينا عن الشعبي قال: دخل الفرزدق إلى سعيد بن العاص وعنده الحطيئة، فلمّا مثل بين يديه قال:
إليك فررت منك ومن زيادِ ... ولم أحسب دمي لكما حلالا
فإن يكن الهجاء أحلّ قتلي ... فقد قلنا لشاعركم وقالا
ترى الغرّ الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا
قياماً ينظرون إلى سعيد ... كأنّهم يرون به الهلال
فقال له الحطيئة: هذا والله أيّها الأمير الشعر لا ما كنّا نعلّل به منذ اليوم، يا غلام! أقدمت أُمّك إلى الحجاز؟ قال: لا ولكن قدمه أبي.
стр. 140
أراد الحطيئة بقوله: إن كانت أُمّك قدمت الحجاز فقد وقعت عليها وكنت منّي، وأراد الفرزدق بقوله: قدمه أبي أي وقع بأُمّك فكنت أنت أخي.
وروي عن الشعبي أنّه قال: قاتل الله أباالأسود ما كان أعفّ أطرافه وأحضر جوابه، دخل على معاوية في النخيلة، فقال له معاوية: أكنت ذكرت للحكومة؟ قال: نعم. قال: فما كنت صانعاً؟ قال: كنت أجمع ألفاً من المهاجرين وأبنائهم وألفاً من الأنصار وأبنائهم ثمّ أقول: يا معشر من حضر أرجل من المهاجرين أحقّ أم رجل من الطلقاء، فلعنه معاوية وقال: الحمد لله الذي كفاناك.
وروي أنّ أباالأسود طلب أن يكون في الحكومة وقال لأمير المؤمنين في وقت الحكمين: يا أمير المؤمنين! لا ترض لأبي موسى فإنّي قد عجمت الرجل وبلوته وحلبت أشطره فوجدته قريب القعر مع أنّه يمان وما أدري ما يبلغ نصحه فابعثني فإنّه لا يحلّ عقدة إلاّ عقدت له أشدّ منها وإنّهم قد رموك بحجر الأرض، فإن قيل إنّه لا صبحة لي فاجعلني ثاني اثنين فليس صاحبهم إلاّ من تقرّب وكان في الخلاف عليهم كالنجم، فأبى ﵇.
وروى محمّ بن يزيد النحوي أنّ أباالأسود كان نازلاً في بني قشير وكانوا يخالفونه في المذهب لأنّ أباالأسود شيعيّاً، فكانوا يرمونه بالليل فإذا أصبح شكا ذلك، فشكا مرّة فقالوا له: ما نحن نرميك ولكنّ الله يرميك. قال: كذبتم، لو كان الله يرميني ما أخطأني.
وقال عتبة بن أبي سفيان لعبد الله بن عبّاس: ما منع علي بن أبي طالب ﵇ أن يجعلك أحد الحكمين؟ قال: أما والله لو بعثني لاعترضت مدارج أنفاسه أطير إذا أسفَّ وأسفُّ إذا طار، ولعقدت له عقداً لا تنقض مريرته ولا يدرك طرفاه ولكنّه سبق قدر ومضى أجل والآخرة خير لأمير المؤمنين ﵇ من الدّنيا.
وقال أبو جعفر محمّد بن عليّ ﵉ لكثير: امتدحت عبد الملك بن مروان؟ فقال له: لم أقل له يا إمام الهدى وإنّما قلت له: يا شجاع، والشجاع حيّة، ويا أسد، والأسد كلب، ويا غيث، والغيث موات. فتبسّم أبو جعفر من قوله.
الباب العاشر في قافية الراء
وفيها خمسة فصول
الفصل الأوّل في المديح
قلت في مدحه هذه القطعة:
أيّامنا بك بيض كلّها غرر ... وعيشنا بك غضّ مونق نضر
ووجهك المتجلّي للندى مرحاً ... من نوره تستمدّ الشمس والقمر
يا شمس دارة أُفْق المجد كم لك من ... صنايع لم تكن في العدّ تنحصر
لله كم لك من معنىً تحير في ... إدراكه العقل والأوهام والفكر
قد قلت للمبتغي جهلاً علاك لقد ... جريت لكنَّ عنها شأنك القصر
تبغي على ماجد ما رامه أحد ... إلاّ وعاد بطرف عنه ينحسر
ذاك الذي ما جرى يوماً لنيل علىً ... إلاّ وقصّر عن إدراكه البصر
كم زرته فرأيت الأرض قد جمعت ... في مجلس لفتىً فيه استوى البشر
في العسر واليسر فيه لم يخب أملٌ ... ولا تغيّر من أخلاقه الغير
كأنّما صلة الوفّاد واجبة ... عليه نصّت بها الآيات والسّور
لولاه أصبحت الدنيا بأجمعها ... ما للسماح بها عين ولا أثر
فليس في السحب من بخل إذا انقشعت ... لكنّها لحياء منه تستتر
أقول: قد اشتملت هذه المقطوعة على القسم الثاني من الإبداع، والإبداع هو أن يخترع المتكلّم معان غير مسبوق إليها.
قال عبد الحميد: خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً.
وهو أي الإبداع ضربان: أحدهما: ما يبتدع عند الحوادث المتجدّدة.
لمّا بنى عبد الملك باباً للمسجد الأقصى والحجّاج آخر مثله بإزائه فاحترق باب عبد الملك بالصاعنة دونه فشقّ ذلك عليه، فكتب إليه الحجّاج: وما مثلي ومثلك إلاّ كمثل ابني آدم إذ قرّبا قرباناً فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، فسري عنه.
ولمّا عصفت الريح بخيمة سيف الدولة وكانت خيمة كبيرة، سقطت، فتطيّر من ذلك، فقال المتنبّي من جملة قصيدة:
تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل
ولا تنكرنَّ لها صرعةً ... فمن فرح النفس ما يقتل
ولمّا أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنّك لا ترحل
فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
أي أشار بما تفعله من الإرتحال.
стр. 141
وممّا اتّفق لي في وصف خيمة تنصب على صحن دار سيّدنا المهدي الشهير بالقزويني في العشر الأوائل من المحرّم لإمامة مأتم الحسين ﵇ وكانت الخيمة أوّل عام سوداء ثمّ جعل مكانها في العام الثاني بيضاء، فقلت في ذلك:
اليوم قد صوّت ناعي الهدى ... يفصح بالنعي ولا يكنّي
بنعي قتيل الطف عند ابنه ... المهدي مولى الإنس والجنِّ
وقائل ذا السقف ما باله ... ابيضَّ وعهدي فيه كالدجن
قلت رأى المهدي مستشعر ال ... سواد حزناً باكي الجفن
فصار عيناً كلّه للبكا ... وها هي ابيضّت من الحزن
وكان الإمام فخرالدين الرازي يجلس للوعظ إذ أقبلت حمامة وخلفها صقر فألقت نفسها في حجر الإمام، فقال ابن عنين:
جائت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف
من نبأ الورقاء إنّ محلّكم ... حرمٌ وإنّك ملجأ للخائف
وزارني بعض الأكابر ليلاً فاشتدّ هبوب الريح وارتفع غبار كثير، فقلت في ذلك:
بوركت عشيّة زار فيها ... فمرّ المجد ربعنا فأضاء
وأظنّ الرّياح قد حسدتنا ... فهي وجداً تنفّس الصّعداء
وروى المرزوقي أنّ أبا تمام أنشد المعتصم قصيدته التي يقول فيها:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
وكان إسحاق الكندي حاضراً فقال: أمير المؤمنين أكبر من كلّ من شبّهته به، فزاد بديهاً:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودا في الندى والبأس
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
فتعجّب الحاضرون من فطنته وذكائه.
وثانيهما: ما يبتدع من غير شاهد حال. قال المتنبّي في كافور:
فجائت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا
وقال أيضاً:
صدمتهم بخميس أنت غرّته ... وسمهريّته في وجهه غمم
فكانت أثبت ما فيه جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم
وقال التهامي:
ألا إنّ طيّاً للمكارم قبلة ... وحسان منها ركنها ومقامها
تزاحم تيجان الملوك ببابه ... ويكثر في يوم السلام زحامها
إذا عاينته من بعيد ترجّلت ... وإن هي لم تفعل ترجّل هامها
وجاء قول بعض المغاربة في الحمر أبدع ما يكون:
ثقلت زجاجات أتتنا فرّغاً ... حتّى إذا ملأت بصرف الراح
خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح
وروي أنّ أبا نؤاس مرّ على أديب يفيد النّاس بشعره، فلمّا افتتح قوله في الخمر:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر
وقف وقال: أُنظر ما عساه يقول. فقال الأديب: أشار الشاعر بقوله: وقل لي هي الخمر إلى حظّ حس السمع ليحظى بتمام حسّه، فتعجّب منه أبو نؤاس وقال: ما هجس هذا المعنى في خلدي.
وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: قد أحسن الأخطل في قوله:
تدبّ دبيباً في العظام كأنّما ... دبيب نمال في نقاً يتهيّل
فقلت: أحسن منه قول أبي نؤاس:
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل
والإبداع في هذه المقطوعة من هذا القسم قولي:
وليس بالسحب من بخل إذا انقشعت ... لكنّها لحياء منك تستر
نبذة من بدايع النحويّين: دخل رجل مجلس كافور فقال: أدام الله أيّام سيّدنا - بكسر الميم - ففطن الناس فقال:
لا غرو إن لحن الداعي لسيّدنا ... وغصّ من دهش بالريق أو بهر
فقد تفألت من هذا لسيّدنا ... والفال مأثورة عن سيّد البشر
بأن أيّامه خفضٌ بلا نصب ... وإنّ أوقاته صفو بلا كدر
وقال المتنبّي:
حولي بكلّ مكان منهم خلق ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن
وقال أيضاً:
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
أي إذا نوى أمراً يفعله مضى قبل أن يقال لا تفعل أو لم تفعل لأنّه لم يسبق إلى ما يهمّ به نهي أو فتور. ولمح الصفي في هذا المعنى في قوله وهو ما نحن فيه:
ما شدّد النون الثقيلة إنّه ... إن قال يسبق فعله التأكيدا
وقال بعضهم:
كأنّ النوى إذ نادت الدمع رخّمت ... ولا أثر فيها أجاب على العين
وأوضح هذا المعنى من قال:
стр. 142
عجبت من دمعتي وعيني ... من قبل بين وبعد بين
قد كان عيني بغير دمع ... فصار دمعي بغير عين
وقال الآخر:
طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قدماً إليها وإن عاقت معاذيري
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهوى بين ممدود ومقصور
وقال ابن عنين:
مال ابن مازة دونه لعفاته ... خرط القتادة أو مناط الفرقد
مالٌ لزوم الجمع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادي المفرد
وقال ابن أبي الأصبع:
أيا قمراً من حسن وجنته لنا ... وظلّ عذاريه الضحى والأصائل
جعلتك بالتمييز نصباً لناظري ... فهلاّ رفعت الهجر والهجر فاعل
تنقّلت من طرفي لقلبي مع النوى ... وهاتيك للبدر التمام منازل
فلقد أبدع في قوله: من طرفي لقلبي، لأنّ القلب والطرف من منازل القمر، والطرف رائد القلب. وقال الأرجاني في هذا المعنى وإن لم يكن ممّا نحن فيه:
إن تغش طرفي وقلبي نازلاً بهما ... فالطرف والقلب كلٌّ منزل القمر
واستأذن رجل سيبويه فلم يأذن له وقيل: ينصرف. فقال: اسمي أحمد وهو لا ينصرف. فقيل: أحمد في المعرفة لا ينصرف وأمّا في النكرة فمنصرف.
ولنرجع إلى ذكر المدائح: قلت في مدحه هذه القصيدة وأرسلتها إليه:
عين فتّانة لها القلب خدر ... سحرتني وأعين الغيد سحر
طفلة الحيّ شأنها اللهو لكنْ ... حالتا لهوها خضابٌ وعطر
أقرأتني الجمال حرفاً فحرفاً ... وهو في صدرها المطرّز سطر
وجلت لي وما سوى الثغر كاسٌ ... وسقتني وما سوى الريق خمر
وهدتني بوجهها وهو بدر ... تحت ليل أضلّني وهو شعر
نشرته دلاً على ولفتني ... عناقاً فلذَّ لفٌّ ونشر
ياسقى عهدها حيّاً من ثنايا ... ها ودمعي له وميض وقطر
جرحتني بلحظها ثمّ قالت ... هل لجرح الهوى بقلبك سبر
لا وكاسي محمد حسن الفخر ... بقلبي جرح الهوى مستمرّ
حيّ في مطلع السماح هلالاً ... عن عيون الراجين لا يستسرّ
مستهلاًّ على يد اليمن فيه ... بارك السعد وهو طهرٌ أغرّ
ونمى في العلاء غصن صباه ... وهو من ريق المحاسن نضر
ما نضى بردة الشباب ومنه ... ملؤ برد الزمان مجد وفخر
خلفكم يا مشائخ الحزم عجزاً ... فات سبقاً كهل التجارب غرّ
من إذا حلبة الخطابة فيها ... فمّه والخصوم سبق وحضر
قال بالفصل ناطقاً فأرموا ... وادّعى الففضل سابقاً فأقرّوا
ورأوا نثره الفريد فقالوا ... أكلامٌ يفيه أم فيه درّ
يده ليس تألف الدرهم المض ... روب مكثاً لكن عليها يمرّ
كره البخل مذ ترعرع حتّى ... سمعه عن سماع لا فيه وقر
وإلى الآن ليس يدري سوى قول ... "بلى" منذ قالها وهو ذرّ
ذو محيّاً يكاد يقطر ماء ال ... بشر منه لو كان للبشر قطر
وسجاياً كالروض باكره الطلُّ ... نسيم الصبا عليه يمرّ
فهو والمكرمات روح وجسم ... ووشاح يزينها وهي خصر
وبإيداعها له السرّ لطفٌ ... وبتفويضها له الأمر جبر
يا أخا المكرمات وهو نداء ... أجد المكرمات فيه تسرّ
هاك سيّارة مع الريح لكن ... تلك شر رواحها وهي دهر
بنت فكر على النوى لك أمت ... لم يلد مثلها لمثلك فكر
كلّما أثقل الحيا من خطاها ... خفّ فيها هوىً إليك مبرّ
حيّها خير ما اجتليت عروساً ... بنت يوم قبولها منك مهر
أخت عذر جائت على العتب تسعى ... ألها إن تأخّرت عنك عذر
وقلت في أبيه محمّد الصالح هذه القصيدة الفائقة بمحاسنها الرائقة:
بنور وجهك لا بالشمس والقمر ... أضاء أُفق سماء المجد والخطر
وفي البريّة عن معروفك انتشرت ... رواية الشاهدين السمع والبصر
تحدّثوا عنك حتّى أنّ كلَّ فم ... به عبير شذىً من نشرك العطر
وخلقك الروضة الغنّاء ترهم في ... نطاف بشرك لا في ريق المطر
وكفّك البحر ما غاض الرجاء به ... إلاّ وأبرز منه أنفس الدرر
ودار عزّك تغدوا الوفد ناعمة ... فيها بأرغد عيش مونق نضر
стр. 143
بها الضيوف تحيي منك أكرم من ... يعطي الرغائب من بدوِ ومن حضر
حيث الجفان على بعد تضيء بها ... للطارقين ضياء الأنجم الزهر
لقد غدا الأُفق العلويّ يحسدها ... على مواقدها في سالف العصر
وودّض لو أنّها كانت له بدلاً ... من الكواكب حتّى الشمس والقمر
فالشهبوالبدر يطفي الصبح ضوئهما ... والشمس في الليل لم تشرق ولم تنر
لكنَّ دارك لم تبرح مواقدها ... مضيئة تصل الأصباح بالسحر
ما زلت ترفع فيها للقرى كرماً ... ناراً شكا الأُفق منها لافح الشرر
يا مقرض الله في عصر به وثقت ... بنوا الزمان بكنز البيض والصفر
يفدي يديك ابن حرص لا حياء له ... يلقى العفاة بوجه قدَّ من حجر
جرى لعلياك من جهل فقلت له ... لقد جريت ولكن جري منحدر
سما بك الحظ لكن عن علاء أبي ال ... مهدي حطّك ذلّ العجز والخور
أنت المعذّب بالأموال تجمعها ... خوف البغيضين من فقر ومن عسر
وهو المفرّق ما يحويه مدّخرا ... كنز الخطيرين من حمد ومن شكر
مهذّب يتبع النعمى بثانية ... دأباً وجود سواه بيضة العقر
يا ناظراً سير الأمجاد دونك خذ ... منه العيان ودع ما جاء في السير
تجد به من أبيه كلّ مأثرة ... ما للحيا مثلها في الجود من أثر
له مناقب مجد كلّها غرر ... في جبهة الدهر بل أبهى من الغرر
ينمى إلى طيبي الأعراق من عقدوا ... على العفاف قديماً طاهر الأزر
خذوا بني الشرف الوضّاح كاعبة ... مولودة الحسن بين البدو والحضر
لم تجلَ في مجلس إلاّ بوصفكم ... تبسّمت كابتسام الروض بالزهر
أن يصد نقص أناس فكر مادحهم ... ففضلكم صيقل الألباب والفكر
لا زال بيت علاكم للورى كرماً ... تحجّه الوفد مأموناً من الغير
ومن الشعر الأجنبي القصيدة الرائيّة التي قلتها في الثناء العاطر على صدر الوزارة الأعظم وقد سبقت الإشارة إليها في حرف الحاء عند ذكر الحائية التي قلتها في صبحي بك، والرائيّة هذه:
أحقُّ بالعزّ من لا يرهب الخطرا ... ولا يعاقد إلاّ البيض والسمرا
والسيف أجدرُ أن يستلّه لوغىً ... من ليس يغمده أو يدرك الظفرا
وأبيض العرض من في كفّه صدرت ... بيض القواضب من فيض الدما حمرا
لم تقض من وصله بكر العلى وطراً ... حتّى من الهام يقضي سيفه وطرا
وحوزة الملك أولى في حياطتها ... من بات في حفظها يستعذب السهرا
وذي الرعيّة أحرى في سياستها ... من بالتجارب غور الدهر قد سبرا
ولى يملك يوماً رقَّ مملكة ... من ليس يملأ منها السمع والبصرا
ولا تراض أقاليم البلاد لمن ... لم تسق من خلقيه الصفو والكدرا
والحلُّ والعقد لم يورد صوابهما ... إلاّ الّذي ثقةً عن رأيه صدرا
أما نظرت لسلطان البريّة من ... على الرعيّة ظلّ العدل قد نشرا
كيف اغتدى مورداً أسرار حضرته ... صدراً أحاط بأسرار النهى خبرا
فقال خذ منصباً أُمّ العلى نصبت ... أسرّة لك فيه الأنجم الزهرا
هذي الوزارة فاحلل في ذوائبها ... فالحزم للشمس إن تستوزر القمرا
فقام في رأيه والسيف يجمع من ... أطراف مملكة الإسلام ما انتُشرا
مؤيّداً بجنود من مهابته ... قد انتضى معه آرائه زبرا
إن يجر في حلبات الرأي مبتدراً ... أخلت له الوزراء الورد والصدرا
وسلّمت لعلاه الأمر مذعنةً ... لما يقول نهى أن شاء أو أمرا
ذو غرمة مثل صدر السيف باترة ... لو لاقت الدهر قرناً عمره انبترا
رعى المحبّين فيها البدو والحضرا ... وروّع المبغضين الروم والخزرا
قد قلّد الملك منه سيف ملحمة ... لو يقرع الصحر بأساً بالدما انفجرا
كم خاض بحر وغىً بالحزم محتزماً ... بالنقع ملتثماً بالصبر متّزرا
في جحفل إن سرى ضاقت بأوّله ... الدنيا وآخره لم يدرَ أين سرى
وجاء والهمّة العلياء فيه أتت ... كالسيل من قلل الأجبال منحدرا
فعال منتصر لله قام بها ... في الله منتهياً لله مؤتمرا
стр. 144
إن ينتقم فحقوق الله يأخذها ... وليس يلغي حقوق الله إن غفرا
حلو السجايا رقيق طبعه عذبت ... له خلائق ينفي صفوها الكدرا
خلائق كالحميا لو ترشفها ... من كان يبغضه في حبّه سكرا
آنستِ يا وحشة الدنيا بذي كرم ... أحيى بجدواه ميت الجود فانتشرا
ليس السحائب تحكيه وقد علمت ... من كفّه ماؤها قد كان معتصرا
ولا البحار تضاهيه وإن طفحت ... أمواجها فهي بخلاً تكنز الدررا
يا من نرى النّاس أنّى عاب غائبةً ... جميعها وحضوراً أينما حضرا
أمجلساً لك هذي الأرض قد جمعت ... أم أنت قد ضمنت أبرادك البشرا
إنّ الصدارة لم يصلح سواك لها ... كأنّها أبداً عينٌ وأنت كرى
لا زال سعدك بالإقبال مقترناً ... يستخدم المبهجين الفتح والضفرا
وكان عبد الباقي أفندي العمري نظم قصيدة في مدح النبي ﵌ وأرسلها إليّ طالباً تخميسها فخمّستها وأرسلتها إليه، فبعث إليّ بمقطوعة يمدحني بها على ذلك - وستأتيان في حرف القاف - فبعثت إليه بهذه القصيدة شاكراً:
باتت تروّحني بنشر عبيرها ... بيضاء تجلو النيّرين بنورها
وجلت عَلَيّ مدامةً بمفاصلي ... منها وجدت فتور عين مديرها
ورأيت شعلة خدّها من كأسها ... قد أوجستها مهجتي بضميرها
ودنت إليّ فأسفرت عن وجنة ... حسداً تموت الشمس عند سفورها
ورنت بناظرتي عقيلة ربرب ... بكرت تريع إلى نطاف غديرها
وصفت لعيني في بدايع حسنها ... حور الجنان فخلتها من حورها
ثمّ انثنت غنجاً تصدُّ بمقلة ... سرقت من الآرام لحظ غريرها
وتستّرت بضفائر لو تحتها ... سرت الكواكب مااهتدت لمسيرها
باتت ترفرف بين أنفاس الصبا ... وتضوع بين ورودها وصدورها
حتّى لقد حملت شذىً من عرفها ... أشفقت تعرفه الورى بعبيرها
فوددت أقطع كفَّ ماشطة الصبا ... كي لا ترجّل جعدها بمرورها
ولئن ضننت على النسيم بها فلا ... عجبٌ ولو وافى بوقت هجيرها
فبمقلتي لو لم أخف إنسانها ... لحجبتها عن لحظ عين سميرها
وكذبت ما في العين إنسان ولا ... في العالمين صغيرها وكبيرها
من أين إنسان لعيني غيرها ... والناس غير أبي الحسين أميرها
ألها أميرٌ في البلاغة غيره ... وبها تشير إليه كفّ مشيرها
ولئن إليه غدت تشير فإنّها ... ما أدركته بفكرها لقصورها
فرأت مناقب منه فاروقيّهً ... ما إن تزيّنت العلى بنظيرها
ومآثراً عمريّة بقليلها ... كثرت عداد الشهب لا بكثيرها
نفحت بعارفة عَلَيّ خطيرة ... قد أفحمت منّي لسان شكورها
جذبت بضبعي فارتقيت بها على ... هام المجرّة رافلاً بجبيرها
فلو أنّ أعضائي تحوّل ألسناً ... تثني عليه إلى انقطاع دهورها
بقصائد حبّات قلبي لفظها ... وسواد أحداقي مداد سطورها
ما كنت أبلغ شكرها فيه ولو ... أنّي ملأت الكون في تحريرها
هو ذاك منتجع الفصاحة مجتنى ... ثمر البلاغة مستمدّ غزيرها
ربّ القوافي السائرات بحيث لم ... يقطع نهاية سيرها ابن اثيرها
وكميُّ مزبرة ترى لسن الضبا ... خرساً إذا نطقت بآي زبورها
من عن لسان الروح أصبح ناطقاً ... لا عن لسان لبيدها وجريرها
بزواهر نجمت فأطفأ ضوئها ... شعل النجوم الزهر عند ظهورها
وكأنّما طبعت بمرآة السما ... بدل الكواكب شكلهنّ بنورها
لم ينشها إلاّ عقوداً ناثراً ... لنظيمها أو ناظماً لنثيرها
مدحاً يفصّلهنّ مابين الورى ... لنذيرها الهادي وآل نذيرها
إنّ القوافي ما برحن فواركاً ... لم تمنح الشعراء غير نفورها
واليوم قد صارت طروقة فحلها ... منه وفرّ نفارها بمصيرها
مسكت خطام قيادها يده وهم ... لم يمسكوا إلاّ خطام غروّها
فله ذكور اللفظ دون إناثها ... ولهم إناث اللففظ دون ذكورها
لا زال منها ناظماً مالم يدع ... فضلاً لأوّلها ولا لأخيرها
فصل في التهاني
قلت مهنّياً لأبيه محمّد الصالح وقد عوفي من مرض شديد:
стр. 145
أيماض برق أم ثغور ... في ضمنها نطف الخمور
حلب الغمام رضابها ... وحديثها حلب العصير
لمّا نشرن لها حدي ... ث الوصل كالروض النضير
ساقطن عن برد تنظّ ... م رائق الدرّ النثير
سقياً لليلة لهونا ... في ذلك الرشأ الغرير
والكأس دائرة عَلَيّ ... تعينها عين المدير
فمفاصلي وجفونه ال ... وسنى سواء في الفتور
نشوات سكر أمكنت ... ني من محالات الأُمور
لو يعتفيني عندها ... ربّ الشويهة والبعير
لوهبت من طربي له ... ربّ الخورنق والسدير
الآن دع يا سعد قا ... صرة الغواني للقصور
وانهض لبشرىً طبّق ال ... دنيا بها صوت البشير
بشفاء من عبرت معا ... ليه على الشعرى العبور
مولىً غدت بشفائه ... الأيّام باسمة الثغور
عبق بعطفيه عبير ال ... مجد لا عبق العبير
تقف المكرم عنده ... وتسير حيث يقول سيري
وإذا نظرت إلى الزما ... ن بعين منتقد بصير
لم تلفه إلاّ صحي ... فة مأثرات بني الدهور
وسوى مآثره الجمي ... لة ليس فيها من سطور
تغنيه أوّل نظرة ... في الرأي عن نظر المشير
ويرى بعين وروده ... في الأمر عاقبة الصدور
تغذو حلوبة جوده ال ... عافين بالدَرّ الغزير
يتشطّرن ضروعها ... لا بالثلوث ولا الشطور
زرعوا رجائهم بجا ... نب جوده العذب النمير
فنمى ورفَّ عليه مث ... ل النبت رفَّ على الغدير
لولا نضارة ولده ... لحلفت عزَّ على النضير
إذ من بهاه بهائهم ... وكذا الشعاع من المنير
أوما ترى للبد ما ... للشمس من شرف ونور
يا معشراً لولاهم ... أضحى السماح بلا عشير
قرّت عيونكم بصحّ ... ة صفوة الشرف الخطير
وهناكم المنشور من ... هذا السرور إلى النشور
ولمّا قدم أخوه المصطفى من زيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا سلام الله عليه نظمت في تهنئته هذه القصيدة:
طرب الدهر فاستهلّ منيرا ... يملأ الكون بهجة وسرورا
وسرت نفحة من البشر فيه ... ضمخت خيمة السماء عبيرا
عدن أوقاته رقاق الحواشي ... لك تهدي بشاشةً وحبورا
كلّ وقت يمرّ منها تراه ... بارد الظل طيّباً مستنيرا
فكأنّ الهجير كان أصيلاً ... وكأنّ العشيّ كان بكورا
بوركت من صبيحة في ضحاها ... وفد اليمن بالسعود بشيرا
وإلى طلعة جلّت كلَّ غم ... ببنان الإقبال أضحى مشيرا
فتأمّل عقود هذي التهاني ... كيف زانت به الليالي النحورا
طاب نشر الأفراح في بشر قوم ... لهم الفضل أوّلاً وأخيرا
شرعٌ في العلى وغير عجيب ... فلها رشح الكبير الصغيرا
معهم يولد النهى فترى اليا ... فع كهلاً والكهل شيخاً كبيرا
خاطروا في العلى فناهيك فيهم ... شرفاً باذخاً ومجداً خطيرا
منهم يستضاء شرقاً وغرباً ... بوجوه تكسوا الكواكب نورا
فمع الشمس يشرقون شموساً ... ومع البدر يشرفون بدورا
أيّها العصر لا أرى لك مثلاً ... زانك المصطفى فباهي العصورا
قبله هل مسحت غرّة صبح ... من لثام الأسفار أبدت سفورا
شخصت نحوه العيون ولكن ... عاد بعضٌ يقذي وبعضٌ قريرا
فبعين شعاعه كان ناراً ... وبعين شعاعه كان نورا
بلّغته الرضا عزيمة نفس ... كبرت أن ترى الخطير خطيرا
كم طوى البيد باسطاً كفّ جود ... نشرت ميّت الندى المقبورا
واستقلّ البحور جوداً فأجرى ... من أسارير راحتيه بحورا
ما نحا بلدة بمسراه إلاّ ... وأبت نحو غيرها أن يسيرا
وإذا ذكره أطاف بأخرى ... كاد شوقاً فؤادها أن يطيرا
فأتى مشهداً لمن طاف فيه ... قد أعدّ الإله أجراً كبيرا
فيه لطف الله الذي من يزره ... زار في عرشه اللطيف الخبيرا
وانثنى راجعاً بأحشاء قوم ... معه سافرات وعفن الصدورا
زار بغداد من بها ركز اليو ... م لواء المفاخر المنشورا
راقها منه طالعاً بدر مجد ... لا رأت للغروب فيه نذيرا
следующие страницы →