Полный текст (234 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
واعترضه ابن الأثير في المثل السائر فقال: إنّ الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة، إنّ الذي أنكره منه هو الذي يشتهيه قلبي. وقال: إنّما قوله: إنّه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلّم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة فهذا مسلّم لكنّه شذّ عنه أنّ سناعة المنظوم والمنثور مستهدفة من كلّ علم وكلّ صناعة، لأنّها موضوعة على الخوض في كلّ معنى وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر له يحصره، فإذا أخذ مؤلّف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنىً من المعاني وأدّاه ذلك إلى استعمال معنىً فقهي أو نحوي أو خيالي فليس له أن يتركه ويحيد عنه لأنّه من مقتضيات ذلك المعنى الذي قصده، ألا ترى إلى قول أبي تمام في الإعتذار:
فإن يك جرم عنَّ أوْ تكُ هفوة ... على خطإ منّي فوزري على عَمَد
فإنّ هذا أحسن ما يجيء في باب الإعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله حيث فيه لفظتا الخطأ والعمد اللتان هما من أخصّ ألفاظ الفقهاء، وكذلك قول أبي الطيب المتنبّي:
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّما ... ردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا علم الحساب مقدّما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وهذا من المعاني البديعة وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة فذلك التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتمّ إلاّ بتلك اللفظة موافقةً لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، وهذا محض الخطأ وعين الغلط، إنتهى.
وأجاب ابن الأثير أيضاً عن البيت الأوّل الذي أنكره ابن سنان على أبي تمام بأنّه ليس منكراً لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلّمين، بل إنّه ركيك في نفسه لتضمّنه لفظة الشبه فإنّها عامية ركيكة وهي التي استخفّت في البيت، وعن البيت الثاني بأنّه ليس بمنكر وهل يشكّ في أنّ التشبيه الذي تضمّنه واقع في موقعه، ألا ترى بأنّ الفعل ينقل الإسم من حال إلى حال وكذلك الخمرة تفعل في العقول في تنقّل حالاتها.
رجعٌ إلى ذكر بقيّة أنواع التوجيه وأمثلتها: فمن ذلك التوجيه بقواعد النحو.
قال بعض المتأخّرين:
عوامل رزق أعملت لغة الردى ... فجسم له خفض ورأس له نصب
وقال أمين الدين علي السليماني:
أضيف الدجى معنىً إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خصَّ بالجرّ
وحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر
وكان بالعراق عاملان: أحدهما اسمه عمر، والآخر اسمه أحمد، فعزل عمر عن ولايته واستقرّ مكانه أحمد لمال قدّمه، فقال بعض الشعراء:
أيا عمر استعدَّ لغير هذا ... فأحمد في الولاية مطمئن
فإنّك فيك معرفة وعدل ... وأحمد فيه معرفة ووزن
ومثله قول ابن عنين فيمن عزل عن وظيفته وكانت سيرته غير مشكورة:
شكى ابن المؤيّد من عزله ... وذمّ الزمان وأبدى السفه
فقلت له لا تذمّ الزمان ... فتظلم أيّامه المنصفه
ولا تغضبنَّ إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه
ورشيق قول شرف الدين:
أتيت حانة خمّار وصاحبها ... محارف متقن للنحو ذو لسن
وحوله كلُّ هيفاء منعّمة ... وكلّ علق رشيق أهيف حسن
فقال لي إذ رأى عيني قد انصرفت ... إلى النساء كلام الحاذق الفطن
أنّث وركّب وصف واعدل بمعرفة ... واجمع وزد واسترح من عجمة وزن
وبديع قول الشهاب:
وإذا الثنية أشرقت وشمّمت من ... أرجائها أرجاً ونشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حديثها ... المرفوع عن ذيل الصبا المجرور
وقول الصفي الحلّي في رياض الممطور:
إن جزت بالممطور مبتهجاً به ... ونظرت باطن دوحه الممطور
وأراك بالآصال خفق هوائه ال ... ممدود تحريك الهوى المقصور
سل بانّه المنصوب أين حديثه ... المرفوع عن ذيل الصبا المجرور
وظريف قول بعضهم:
عرّج بنا نحو طلول الحمى ... فلم تزل آهلة الأربع
حتّى نطيل اليوم وقفاً على ال ... ساكن أو عطفاً على الموضع
وقول أبي الفتح البستي:
عزلت ولم أذنب ولم أك خائناً ... وهذا لإنصاف الوزير خلاف
стр. 72
حذفت وغيري مثبت في مكانه ... كأنّي نون الجمع حين يضاف
وقوله أيضاً:
أدرجت في أثناء نسيانكم ... حتّى كأنّي ألف الوصل
وقوله أيضاً:
أفدي الغزال الذي في النحو كلّمني ... مناظراً فاجتنيت الشهد من شفته
وأورد الحجج المقبول شاهدها ... محقّقاً ليريني فضل معرفته
ثمّ افترقنا على رأي رضيت به ... والرفع من صفتي والنصب من صفته
وما ألطف قول السرّاج الورّاق:
كم أُناديك مفرداً علماً أر ... فعه عالماً بشرط المنادى
وجوابي ملغىً يحاكي للولا ... خبر اللو وإنّه ما أفادا
وظريف قول ابن العفيف:
يا ساكناً قلبي المعنى ... وليس في سواك ثاني
لأيّ معنىً كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان
قال الصلاح الصفدي: وهذا المعنى فيه نقص لأنّ القلب ظرف لاجتماع الساكنين وحينئذ يكون الساكنان غير القلب، والكسر إنّما وقع على القلب لا على أحد الساكنين.
قال صاحب المعاهد: ومن تأمّله حقّ التأمّل وجده موجّهاً، ثمّ قال: وقد ذكرت ذلك لجماعة من كبار المتأدّبين وما رأيت فيهم من تنبّه له.
وفي معناه قول ابن شرف القيرواني في رجل عجز عن افتضاض عرسه:
كم ذكر في الورى وأُنثى ... أولى من اثنين باثنتين
أرى الليالي أتت بلحن ... لجمعها بين ساكنين
وقول السراج الورّاق:
يا ساكناً قلبي ذكرتك قبله ... أرأيت قبلي من بدى بالساكن
وجعلته وفقاً عليك وقد غدا ... متحرّكاً بخلاف قلب الآمن
وما أحسن قول ابن نباتة المصري:
بكيت وما يجدي البكاء على العاني ... ولكنَّ تشتيت الأحبّة أشجاني
كأنّ زماني خاف لحناً فلم يكن ... ليجمع بين الساكنين بأوطاني
ولمحاسن الشوّاء:
أرسل فرعاً ولوى هاجري ... صدغاً فأعيى بهما واصفه
فخلت هذا حيّة خلفه ... تسعى وهذا عقرباً واقفه
وللسليماني:
نصبت على التمييز إنسان مقلتي ... أُشاهد قدّاً منه نصباً على الظرف
ءأخشى فراقاً بعدها أو قساوة ... وقد جاء واو الصدغ للجمع والعطف
ولصاحب المعاهد مثله:
تطمعني في الوصل أصداغه ... حين تريني أحرف العطف
ومن لطائف البهاء زهير قوله في هذا الباب:
يقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد
هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منم وعوائدي
ونظير ذلك مااتّفق لابن عنين وذلك أنّه مرض فكتب إلى الملك المعظّم عيسى بن الملك العال أبي بكر بن أيّوب صاحب دمشق:
أُنظر إليّ بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي احتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي
فعاده الملك المعظم ومعه خمسمائة دينار وقال له: أنت الذي، وأنا العائد، وهذه الصلة.
ومثله قول جعفر العلوي الأديب المصري:
وافيت نحوكم لأرفع مبتدا ... شعري وأنصب خفض عيش أغبرا
حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي ... أو تصرفوا من غير شيء جعفرا
وقول الأمير أمين الدين السليماني:
وإنّي الّذي أحببته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي
وقول الآخر:
لا تهجروا من لا تعوَّد هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذي
ورفعتم مقداره بالإبتدا ... حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي
وقول الصفي الحلّي:
لمّا رأت علياك إنّي كالّذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني فوفيت لي بمكارم ... فنداك لي صلة وأنت العائد
وقول ابن أبي حجلة:
قطع الأحبّة عادتي من وصلهم ... فكان قلبي بالتواصل ما غذي
وإذا سمعتهم في النحاة بعاشق ... منعوه من صلة له فأنا الذي
وما ألطف قول محاسن الشوّاء:
وكنّا خمس عشرة في التئام ... على رغم الحسود بغير آفه
فقد أصبحت تنويناً وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافه
وقول ابن العفيف التلمساني:
ومستتر من سنا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في
كوى القلب منّي بلام العذار ... فعرَّفني أنّها لام كي
ولمحاسن الشوّاء أيضاً:
لنا صديق له خلالٌ ... تعرب عن أصله الأخس
стр. 73
أضحت له مثل "حيث" كفٌ ... وددت لو أنّها "كأمس"
ومثله قول أبي محمّد الواسطي:
لنا صديق به انقباض ... ونحن بالبسط نستلذ
لا يعرف الفتح في يديه ... إلاّ إذا ما أتاه أخذ
فكفّه "أين" حين يعطي ... شيئاً وبعد العطاء "منذ"
وقول السراج الورّاق:
ومبخل بالمال قلت لعلّه ... يندى وظنّي فيه ظنٌّ مخلف
مع الدراهم فيه جمع سلامة ... فأجابني لكنّه لا يصرف
ومن التوجيه في علم العروض والنحو، قول السباسكوني يهجوا عروضياً نحوياً:
لا تنكروا ما ادّعى فلان من ال ... شعر إذا قال أنّه شاعر
فالنحو ثمّ العروض قد شهدا ... له على الشعر أنّه قادر
يقصر ممدوده ويرفعه ... في الجرّ نصب الغرمول في الآخر
يريك وهو البسيط دائرة ... تجمع بين الطويل والوافر
وقال الآخر:
أنا الذي مرضت شهراً كاملاً ... فما رأيت عائداً ولا صله
لولا الوزير الصاحب الندب الذي ... نعماه لي من الأنام واصله
شارف قلعاً وتدي وخاف قط ... عاً سببي وقلت هذي الفاصله
ومن التوجيه في علم العروض، قول ابن سارة:
وبي عروضيٌ سريع الجفا ... وجدي به مثل جفاه طويل
قلت له قطعت قلبي أسىً ... فقال لي التقطيع شأن الخليل
وقول نصرالله ابن الفقيه المصري:
وبقلبي من الجفاء مديدٌ ... وبسيطٌ ووافرٌ وطويل
لم أكن عالماً بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل
وللسليماني:
لا تعذلنّي في العروض ... ولو رأيت القصد جائر
... دارت عَلَيّ دوائرٌ ... فجهدت في فكّ الدوائر
وله أيضاً:
تقاطع صاحباي على هناة ... جرت بعد التصاون والتصافي
ودا مالا يضمّها مكان ... كأنّهما معاقبة الزحاف
ومن التوجيه في صناعة الكتابة، قول ابن الساعاتي:
لله يوم في سيوط وليلة ... حلف الزمان بمثلها لا يغلط
بتنا وعمر الليل في غلوائه ... وله بنور البدر فرع أشمط
والطلُّ في تلك الغصون كلؤلؤ ... نظم يصافحه النسيم فيسقط
والطير يقرؤ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط
ومنه قول ابن لنكك البصيري:
قف أُنظر إلى درّ السحاب كأنّه ... نثار وأحداق الأزاهير تلقطه
إذا كتبت أيدي الرياض على الثرى ... بنور فأيدي الغيم بالقطر تنقطه
وقول أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان:
ءأخا الفوارس لو شهدت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط
لقرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنّة تنقط
وقال الصاحب ابن عباد يصف الوحل:
إنّي ركبت وكفّ الأرض كاتبة ... على ثيابي سطوراً ليس تنكتم
فالأرض محبرة والحبر من لثق ... والطرس ثوبي ويمنى الأشهب القلم
وما أحسن قول ابن عبد الطّاهر:
مفردٌ في جماله إذ تبدّى ... خجلت منه جملة الأقمار
كيف أرجو الوفاء منه وعامل ... ت غريماً من لحظه ذاانكسار
ذو حواش تلوح من قلم الري ... حان في خدّه لجلّ الباري
فيه وجدي محقّق وسلوّي ... وكلام العذول مثل الغبار
فلساني في وصفه قلم الشعر ... ورقي المكتوب بالطومار
وبديع قول ابن جابر وذكر الأقلام السبعة:
تعليق ردفك بالخصر الخفيف له ... ثلث الجمال وقدوفّته أجفان
خدٌّ عليه رقاع الحسن قد خلعت ... وفي حواشيه للصدغين ريحان
خطّ الشباب بطومار العذار به ... سطراً ففضاحه للناس فتّان
محقّق نسخ صبري عن هواه ومن ... توقيع مدمعي المنثور برهان
يا حسن ما قلم الأشعار خطّ على ... ذاك الجبين فلا يسلوه إنسان
أقسمت بالمصحف السامي وأحرفه ... ما مرَّ بالبال يوماً عنه السلوان
ولا غبار على حبّي فعندك لي ... حساب شوق له في القلب ديوان
ومن التوجيه في علم الرمل، قول البهاء زهير:
تعلّمت علم الرمل لمّا هجرتني ... لعلّي أرى شكلاً يدلّ على الوصل
فقالوا طريق قلت يا ربّ للوفا ... وقالوا اجتماع قلت يا ربّ للشمل
وقول ابن مطروح:
стр. 74
حلا ريقه والدرّ فيه منضد ... ومن ذا رأى في العذب درّاً منضدا
رأيت بخدّيه بياضاً وحمرةً ... فقلت لي البشرى اجتماع تولّدا
ومن التوجيه في علم الهندسة، قول ابن جابر أو العلوي المصري في مليح مهندس:
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأنّ به أقليدساً يتحدّث
فعارضه خطّ استواء وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلّث
وقول ابن النبيه في صبي يشتغل بالهندسة:
وبي هندسي الشكل يسبيك لحظه ... وخال وخدّ بالعذار مطرّز
ومذ خطّ بيكار الجمال عذاره ... كقوس علمنا أنّما الخال مركز
وقول ابن التلميذ أو أبي علي المهندس المصري:
تقسّم قلبي في محبّة معشر ... بكلّ فتىً منهم هواي منوط
كان فزادي مركزٌ وهم له ... محيط وأهوائي إليه خطوط
وظريف قول بعضهم:
لمّا انثنى وهو البسيط تبيّنت ... لي منه دائرةٌ كحلقة خاتم
ورأيت في الشكل المدوّر نقطة ... فحللت مركزها بخطٍّ قائم
وقول ابن هشام بن أحمد:
قد بيّنت فيه الطبيعة أنّها ... ببيديع أعمال المهندس باهره
عبثت بمبسمه فخطّت فوقه ... بالمسك قوساً من محيط الدائره
ومن التوجيه في علم النجوم، قول ابن جابر:
يا حسن ليلتنا التي قد زارني ... فيها فأنجز ما مضى من وعده
قومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خدّه
وقول الأرجاني أيضاً:
معقرب الصدغ يحكي نور غرّته ... بدراً بدا في سواد الليل معتجرا
مذ سافر القلب من صدري إليه هوىً ... ما عاد بعد ولم أعرف له خبرا
وهو المسيء اختياراً إذ نوى سفراً ... وقد سرى طالعاً في العقرب القمرا
ومن التوجيه في علم الموسيقيا، قول البدر بن لؤلؤ الذهبي:
وبمهجتي المتحمّلون عشيّة ... والركب بن تلازم وعناق
وحداتهم أخذت حجازا بعد ما ... غنّت وداء الركب بالعشّاق
ومن التوجيه اللطيف، قول ابن نباتة المصري في أسماء متنزّهات دمشق:
يا حبّذا يومي بوادي جلق ... ونزهتي مع الغزال الحالي
من أوّل الجبهة قد قبّلته ... مرتشفاً لآخر الخلخالي
ومن التوجيه في بعض الأسماء، قول القاضي مجدالدين بن عبد الظاهر يصف نهراً صافياً في روضة نزهة:
إذا فاخرته الريح ولّت عليلة ... بأذيال كثبان الربى تتعثّر
به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به الروض يحيى وهو لا شك جعفر
وقول ابن الوردي في بعض أسماء الأعلام:
رأسي بها شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب
وقول الآخر:
أرح ناظري من عابس الوجه يابس ... له خلق صعب ووجه مقطب
أقول له إذ آيستني صفاته ... وإن قيل إنّي في المطالع أشعب
متى يظفر الآتي إليك بسؤله ... وينجح من مسعاه قصد ومطلب
ولؤمك سيّار وبشرك باسر ... ووجهك عبّاس وخلقك مصعب
وقول الوداعي:
من أمَّ بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرّة والكفّ عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن
فإنّ هذا البيت يصدق على المعنى الواحد وهو أسماء الأعلام من رواة الحديث، وعلى المعنى الآخر وهو المناسبة بين العين والقرّة والكف والصدر والقلب والجبر والسمع والحسن.
وقول صاحب المعاهد:
بأبواب الكرام وضعت رحلي ... لكي يروى بفيض الجود محلي
ومن أضحى نزيل المجد يحيى ... بجعفر فضله السامي المحل
وقوله أيضاً:
ومن هو بحرٌ لا يقاس بفضله ... ربيعٌ وكم يحيى إذا جاء جعفر
ومن هذا القسم قولنا في هذه المقطوعة المصدّر بها هذا الباب:
مكرمات بنشرها الفضل يحيى ... لكريم لولاه مات الرجاء
لا تقس واصلاً بمن كلّ وقت ... واصل منه للوفود عطاء
стр. 75
ومن ذلك عدّة توجيهات في بعض الأسماء قلتها مقرضاً على الكتاب الموسوم بالروض الخميل فيما قيل من النظم والنثر في بني جميل وهم أجلّ قوم أمجاد من أكابر أهل بغداد، فنثرت هذه الفصول ونظمت معها أبياتها الباهرة الفائقة بمحاسنها الوافرة، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الروض الخميل، المتضوّع في نشر ذكر آل الجميل، تزهو به كلّ زهرة، ما زهى مثلها على صفحتي نهر المجرّة، وتتمنّى رعي نرجسه الغزالة، ويودّ المشتري أن يبتاع حلّة وشيه بالنثرة، وأنّى له.
روض بدا بين الأنام زاهراً ... لسحب جود بالندى تدبّجه
فزهرة نعوت أخلاقهم ... ووصف طيب الأصل منهم أرجه
كأنّما نثرت فيه، أو نظمت سلك قوافيه، كلّ حبّة قلب فهو إلى كلّ قلب محبّب، فما دمية القصر بين الأتراب، تنشد الأغاني في مغاني منازل الأحباب وتعاطي نداماها السلافة ممزوجة لهم بالغيث الذي انسجم، مشفوعةً لهم بمستظرف النغم، ولا يتيمة الدهر مجلوةً في المعاهد، حاليةً بدرر الفوائد وغرر القلائد، بأزهى من أوانس فقره، وأبهى من عرائس أشطره، ولعمري إنّه ليجب على من هو مسلم إذا نظر فيه أن يكون صريع غوانيه فينشىء مطرياً، وينشد معجباً:
هذا كتاب أم حديقة روضة ... تنتزّه الأحداق في أورادها
وتودّ لو شرت العيون بياضه ... وسواده ببياضها وسوادها
نظمت به غرر الكلام مصاقع ... روح الفصاحة قام في أجسادها
غرراً بدت كالشهب إلاّ أنّها ... بزغت بليل من سواد مدادها
لو شنّف الشادي الحمام بها إذاً ... خلعت له الأطواق من أجيادها
يهوى فؤاد المرء يغدو مسمعا ... ليحوز حظّ السمع من إنشادها
لفظ أرقُّ من الصبا وفخامةً ... معناه تحسب قدّ من أطوادها
دع ما يزخرفه الربيع وإن زهت ... أزهاره بين الربا ووهادها
وتصفّح الروض الخميل رغبةً ... لتراه تنسى العين طيب رقادها
تحظى بكلّ طريفة من حسنها ... غدت العقول العشر من روّادها
ويعدّ من آل الجميل مناقباً ... تهوى النجوم تكون من أعدادها
وممّا جاء من التوجيه في قواعد الفقه، قول القاضي شرف الدين المقدسي وتلطّف ما شاء:
أحجج إلى الزهر لنحظى به ... وارم جمار الهمّ مستنفرا
من لم يطف بالزهر في وقته ... من قبل أن يحلق قد قصّرا
وقال آخر:
كم ليلة فيها وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح
واختلف الأصحاب ماذا الذي ... يزيل من شكواهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعةً ... وقيل بل ذكراك وهو الصحيح
ومن التوجيه في الحديث، قول ابن جابر الأندلسي:
قالت أعندك من أهل الهوى خبر ... فقلت إنّي بذاك العلم معروف
مسلسل الدمع من عينيَّ مرسلة ... على مدبج ذاك الخدّ موقوف
وقوله أيضاً:
عارضوا مرسل الظلام بنقل ... مسند عن حسان تلك الفروع
عدلوا في رواية الحب جفني ... مع جرح الدموع عند الهموع
عنعنوا نقل لوعتي عن دموعي ... عن جفوني عن قلبي الموجوع
وقول الشيخ عبد علي الحويزي:
بحبّك آحاد الهموم تواترت ... عَلَيّ فدمعي مستفيض بها انهمر
يسلسل في خدّي مراسيله التي ... يضعّفها الشوق الذي صحّح الخبر
ومن التوجيه في أسماء السور، قول السراج الورّاق:
كلّ قلب عَلَيّ كالصخر ملآن ... وهيهات أن تلين الصخور
مغلق الباب ما تلا سورة الفتح ... وقافٌ من دونه والطور
وقول أبي الحسين الجزّار:
أشكو لعدلك جور دهر جائر ... فضلّت به فضلائه الجهّال
منعت به عقلاؤه إذ قسّمت ... بالجور في أنعامه الأنفال
وقول المولى الفاضل علي بن مليك:
ألا يا بني الروم القتال فدونكم ... فإنّا تدرّعنا الحديد إلى الحشر
ولا زال آي الفتح تتلوا رماحنا ... وأسيافنا نتلوا بها سورة النصر
ولصاحب المعاهد:
واقعةٌ قد صار منها تغابن ... على الروم لا ينفكّ أو يحصل الحشر
لقد سمعوا وقع الحديد فلا ترى ... لهم همّة نحو القتال ولا كرّ
وم التوجيه في الحكمة، قول الشيخ عبد علي الحويزي:
أثبتَّ بالوصل الرقاد لناظري ... وشفّعت ذاك له بهجر زائد
стр. 76
فنفيته والنفي والإثبات لا ... يتواردان على محلّ واحد
وقوله أيضاً:
جمعت في طرف المحبّ الكرى ... والسهد في وصلك والبين
وليس يرضاه أخو فطنة ... لأنّه جمع نقيضين
وقوله أيضاً من التوجيه في الرياضي:
قلت له كسرت قلبي ويدي ... عندك ما قابلتها بنافله
فاجبر وقابل منعماً فقال ما ... قرأت علم الجبر والمقابله
وقوله أيضاً:
لا ترج تعريف الورى بصناعة ال ... تنصيف والتحذير والتضعيف
واجهد بجمع المال تضح معرَّفاً ... فالمال فيه آلة التعريف
وله أيضاً وهو من التوجيه في علم الهيئة:
كم قد شهدت الحرب مستلئماً ... سابغة تضمن وقع الحمام
كالفلك الأطلس في ذاته ... لا يقبل الخرق ولا الإلتئام
وله ايضاً فيه:
قلت هل تقسم لي ... جوهر لفظ أشتهيه
قال ثغري الجوهر الفر ... د ولا قسمة فيه
وله أيضاً وهو من التوجيه في علم المنطق:
إن رمت نسلاً فتزوّج غادةً ... أصغر سنّاً منك في التعمّر
فأوّل الأشكال لا ينتج ح ... تّى يدخل الأصغر تحت الأكبر
وله أيضاً وهو من التوجيه في علم الأُصول:
تقول أصلى نار حبّي به ... وظاهرٌ إنّك لا تصلّى
فهذه مسألة عندنا ... معارض ظاهرها الأُصلاّ
وله فيه أيضاً:
وجهك لمّا قد غدا ظاهرا ... مخبراً عن أصلك الطاهر
حقّقت من هذا الذي بان لي ... تطابق الأصل مع الظاهر
وله أيضاً قصيدة وهي تشتمل على عدّة توجيهات:
قلبي وطرفك منصوب ومكسور ... كلاهما مطلقٌ منّا ومأسور
ناديت دمع جفوني كي ترخمه ... يا مستغاثي حالي منك تحذير
حاكى فؤادي منك الوجه وافترقا ... فذاك نارٌ لتعذيبي وذا نور
قدّي وقدّك مخفوض ومنتصب ... والثغر والدمع منظوم ومنثور
بخفض قدري فيك الناس تعرفني ... وهكذاالحب تعريف وتنكير
قد أعرب الحب نحواً بيننا حسناً ... فالشعر والشعر مرفوع ومجرور
يا طرف من نهبت قلبي محاسنه ... ذكري كسيفك في الآفاق مشهور
ينجاب ذوالجهل عنّي حين يبصرني ... كأنّما أنا صبح وهو ديجور
لو رمت فخراً على المحبوب قلت له ... دمعي وثغرك ياقوتٌ وبلّور
استاف جونة عطّار بطلعته ... فخاله عنبرٌ والخدُّ كافور
أقام سوق الهوى خدٌّ له أبداً ... لحبّة القلب فيه اليوم تسعير
لا ترج منّي امتناعاً عن محبّته ... فطرفه قادر والقلب مقدور
لنا بمقلته النجلاء ذو شطب ... له على فلك المرّيخ تدوير
أبدى ضروب بديع طرفه فله ... في فتية العشق تصريع وتشطير
حمّت لواحظه معسول ريقته ... يا كوثراً منعتنا ورده الحور
تقول إن صدقتنا القول مقلته ... يا محرمي العشق إنّي كعبه زورور
قد أخلصت كيمياء الحب وجنته ... كأنّها للهوى العذريّ أكسير
لو لم يكن كيمياء ما تييسّر للأ ... نفاس والدمع تصعيدٌ وتقطير
يحيى بجعفر دمعي فيه فضل وفاً ... أنا الرشيد به والقلب مسرور
يا دمع مقلتي الكشاف أنت لِقر ... آن المحبّة تأويل وتفسير
وسمت بالدمع أشكالاً خلفت بها ... أقليدساً وهي في خدَّيَّ تحرير
لله مجلسنا والغصن يعطفه ... من نسمة الصبح تقديم وتأخير
والنهر جسم بثوب الزهر ملتحف ... والزهر برد من الريحان مزرور
فصل الربيع إذا ماالعش وافقه ... للقلب فيه وللأشجار تفطير
ولسماء التباسٌ بالرياض لما ... حكت كواكبها منها التصاوير
فالزهرة الورد والسعد الشقائق وال ... مجرة النهر والجوزاء منثور
تصرّفت بي أيّامي لتنقصني ... فما تغيّرت والتصريف تغيير
لا ينفع المرء تأديب يهذّبه ... إلاّ إذا عضد التدبير تقدير
أقول: وإنّما ذكرت هذه القصيدة بتمامها لما اشتملت عليه من أنواع التوجيه مع حسن السبك وحلاوة الألفاظ وحسن المطلع والمقطع يعرف ذلك بالذوق السليم.
رجعٌ إلى ذكر ما نظمته سابقاً فيه على روي هذا الباب.
стр. 77
أقول: وبعثت إليه هذه المقطوعة المخمّسة مشفوعة بهذه الفقرات متعذراً إليه من إبطاء كتابنا هذا عليه، والفقرات هذه: ما عقد الحمد خنصره، ولا فتح المجد بصره، على أنضر عود مكارم، وأزهر طلعة لشائم، من أبلج بسام العشية في الزمن البهيم، سيماء الشرف الوضّاح على قسمات وجهه الكريم، يسفر للجود عن محيّا أنور من بدر تم، يقرأ الوافد عنوان صحيفته هذا قبلة الكرم.
وجهٌ كأنَّ البدر شا ... طره الضياء أو النجوما
لو قابل الليل البهيم ... لمزَّق الليل البهيما
يجلو الهموم وربّ وجه ... إن بدا جلب الهموما
فبوركت طلعة ذلك الأغر، وحيّاه الله ما تعاقب الالبيضان الشمس والقمر، ماجدٌ ما اسودَّ ليل الظن لطامع، إلاّ ابيضّ من أشعّة وجهه بالقمر الطالع، وإنّي وإن أحكمت منّي يد الإخلاص عقد ودّه، وأحنت عليها أن تحلّ بيد هجرانه وصدّه، لمعتذر إليه من إبطائي عليه فلقد ساورني الدهر، بشواغل هي قيد الفكر، فأصبحت قليل الحظوه، ثقيل الخطوه، عاثراً بذيل التقصير، ناظراً منالخجل على البعد بطرف حسير، فبعثت العذر على لسان هذه الغادة الكعاب، التي ربّما وقف الحياء بها دون الباب، وعلمي بكرم أخلاقه، وشرف أعراقه، أن يعيرها سمع مسامح، وها هي الغادة:
إحدى الغواني إلى الزوراء ... جائتك تمشي على استحياء
جميلةٌ من بنات الفكر ... مكنونةٌ في حجاب الصدر
حيّتك تبدي جميل العذر ... فحيّ منها ألوف الخدر
يا ساكناً مثلها أحشائي
سيرتها في سماء الحمد ... زهرة مدح لبدر السعد
لمن أياديه جلت عندي ... قد خففت في ثقيل الرفد
عن كاهلي منة الأنواء
معشوقة أقبلت للوصل ... لسانها ناطق بالفصل
تغنيك عن غيرها في النقل ... غناء كفيك لي في المحل
حتّى عن الديمة الوطفاء
كم رقَّ ديباج نظمي وشيا ... وراق صوغي القوافي حليا
لجوهر زان نحر العليا ... ذاك الذي لم تلد لي الدنيا
نظيره من بني حوّاء
ذو طلعة وهي أُمُّ البشر ... من شامها قال بنت البدر
وراحة وهي أُخت البحر ... كم قلّدت للورى من نحر
بجوهر الرفد والنعماء
سماؤها لم تزل منهله ... بها رياض المنى مخضله
وغيرها ليس تشفي غلّه ... عن الندى لم تزل معتله
بالبخل لا أفرقت من داء
يا هل ترى مخلفاً للوعد ... من لم يجد غير بذل الجهد
إن كنتُ أبطأَت عمّا عندي ... فأنت يا مسرعاً بالصدّ
أعجل بالعتب من إبطائي
لا تشمتنّ هجرنا بالوصل ... ولا تسم عقدنا بالحلّ
فمثلك اليوم خلاًّ من لي ... ومن لك اليوم خلاًّ مثلي
ونحن كالماء والصهباء
أتت على النفس منها أغلا ... وأنت في العين منها أحلا
وأنت أولى بقلبي كلاّ ... ذاك الهوى لا تخله ملا
فمال عنه مع الأهواء
ومن الشعر الأجنبي الّذي اتّفق لي في غيرهم على هذا الروي، قولي مقرضاً على تخميس فارس أهل العصر، في ميدان النظم والنثر، عبد الباقي أفندي العمري، للقصيدة الهمزية المعروفة ب "البويصيريّة" والتقريض هذا:
نسيت في عرفانك الحكماء ... فقبيح أن تذكر الشعراء
أيُّ فضل لهم يبين وهل لل ... بدر نورٌ إذا استنارت ذكاء
جئت في النظم مبصر الفكر والدن ... يا جميعاً بصيرةٌ عمياء
فأزلت العمى بآيات نظم ... أذعنت طاعةً لها البلغاء
نشرت طيىء الفصاحة لكن ... طويت في انتشارها الفصحاء
حكم حلوة إلينا بيع عفواً ... سلسلتها رؤية سمحاء
يرشف السمع لفظها العذب راحاً ... لجميع العقول منها انتشاء
لو تلاها مردّداً لفظها المرء ... لما احتجن روحه الأعضاء
وكفى شاهداً بفضلك ما تر ... ويه عنك الهمزية الغرّاء
بنت فكر مجلوة في قواف ... لم تلد قطُّ مثلها الآراء
ألفاتٌ مثل الغصون تلتها ... لك من كلّ همزة ورقاء
لبست من جمان نظمك عقداً ... ما تحلّت بمثله عذراء
أين يابن الفاروق منك الذي ... أبدع في نظمها ولا إطراء
لو رأى ما أودعت فيها لأضحى ... وهو والنظم واصل والراء
стр. 78
زبرة قد أشعّت في المتن منها ... جوهراً في فرنده يستضاء
فهي عادت منه كمثل عصا مو ... سى وتخميسك اليد البيضاء
ومن ذلك أنّ عبد الباقي أفندي سألني تخميس مستهل هذه القصيدة التي خمسها والبيت الذي بعده وذلك حين عزم على تخميسها وأراد الشروع فيه، فأرسلت إليه قولي:
ما لحيث انتهى بك الأُسراء ... لمهب العشر العقول ارتقاء
وإذا لم يكن إليك انتهاء ... كيف ترقى رقيك الأنبياء
يا سماءً ما طاولتها سماءجزت إذ فتحت لك الحجب فتحاً ... لعلىً دونها علا الرسل تمحى
فلهم لو غدا ذرى العرش سطحاً ... لم يساووك في علاك وقدحا لسنىً منك دونهم وسناءومن ذلك ما قلته في غرض من الأغراض وهإيراده في فصل المديح أليق.
سعدت من عشية زار فيها ... قمر المجد ربعنا فأضاء
وأظنّ الرياح قد حسدتنا ... فهي وجداً تنفّس الصعداء
الفصل الثاني في الرثاء
لمّا توفّي المهدي خلف الخلف الصالح وكان نابه الذكر جليل القدر رثيته بقصيدة فريدة عزيت بها أباه وسلّيته بولديه، والقصيدة هذه:
غمضت بغتةً جفون الفناء ... فوق إنسان مقلة العلياء
وله نقبت بغاشية الحز ... ن محيّا الدنيا يد الغمّاء
حملت وقر عبئها كاهل الده ... ر فأمسى يرغو من الأعياء
نكبة لم تدع جليداً على الخطب ... ولا صابراً على اللأواء
يا صريع الحمام صلّى عليك ... الله من نازل بربع الفناء
وسقى منه تربتةً ضمنت جس ... مك غيث الغفران والنعماء
فحقيرٌ نوه الجفون وما قد ... ر جفون السحاب والأنواء
أين عيس المنون منك استقلّت ... بالحصيف المظفّر الآراء
ذهبت في معرَّس السفر جوداً ... وروا حوَّم الأماني الظماء
يا عفات الأنام شرقاً وغرباً ... دوكم فاحتبوا بثوب العفاء
وانحبوا عن حريق وجد لمن كان ... عليكم أحنى من الآباء
يستقلّ الحبا لكم إن وفدتم ... ولو المشرقان بعض الحباء
رحلوا العيس قاصدين ضريحاً ... فيه ما فيه من علاً وسخاء
وأعقروا عنده وجلَّ عن العق ... ر قلوباً مطلولة السوداء
جدث ماء عيشكم غاض فيه ... فانضحوا فوقه دم الأحشاء
حلَّ فيه من قد كفى آدماً في ... غيث جدواه عيلة الأبناء
ليت شعري أنّى دنا الموت منه ... وهو في ربع عزّة قعساء
هل أتاه مسترفداً حين أعطى ... ما حوته يداه للفقراء
فحباه بنفسه إذ أتاه ... مستميحاً يمشي على استحياء
ودّت المكرمات أن تفتديه ... ببنيها الأماجد الكرماء
هم مكان الجفون منها ولكن ... هو من عينها مكان الضياء
وهم في الحياة موتى ولكن ... هو ميّتٌ يعدُّ في الأحياء
يا عقيدي على الجوى عظم الخط ... ب فأهونْ بالدمعة البيضاء
أجر من ذوب قلبك الدمعة الحم ... راء حزناً في الوجنة الصفراء
إن سلني عن ظلمة الكون لما ... حلن أنوار أرضه والسماء
فلبدر الغبراء حال أخوه ... بدر أهل الغبراء والخضراء
وخفقن النجوم حزناً بجنح ... سام أنوارهنّ بالأطفاء
وإلى الشمس قد نعوه فماتت ... جزعاً من سماع صوت النعاء
وقف المجد ناعياً يوم أودى ... شاحب الوجه كاسف الأضواء
هل ترى صالحاً على الأرض لمّا ... غاب فيها "المهدي" بدر العلاء
قلت خفّض عليك من عظم الرز ... ء ونهنه من لوعة البرحاء
ليس إلاّ "محمّد" صالح يو ... جد في الأرض من بني حوّاء
ليس ينفكّ للجميل قريباً ... وبعيداً عن خطّة الفحشاء
ومهاباً له على أعين الده ... ر قضى الكبرياء بالأغضاء
وبليغاً قد انتظمن معاني ... هـ بسلك الأعجاز للبلغاء
وفصيحاً بنطقه أخرس الده ... ر فما قدر سائر الفصحاء
فارس المشكلات إن ندبوه ... لبيان مقالة العوصاء
فهو من غرّ لفظه يطعن الثغ ... رة منها بالحجة البيضاء
يا رحاب الصدور في كلّ خطب ... وثقال الحلوم عند البلاء
إن اسمكم حسن الأسى فلا ضعا ... ف أساكم تضمّنت أحشائي
стр. 79
فلكم بعضكم ببعض عزاء ... ولنا فيكم جميل العزاء
وتوفّيت كريمة لمحمّد الصالح في بلاد فارس وجاء بنعشها إلى النجف بعلها الجواد، فرثيتها بقصيدة تأتي في محلّها، ورثاها عمّي المهدي بقصيدة طويلة جمع فيها بين التعزية بوفاتها والتهنئة بقدوم بعلها.
قد بكى الخدر والتقى والحياء ... هل قضت معدن التقى حوّاء
وعلى ذي الأعواد آسيةٌ تح ... مل أم تلك مريم العذراء
أم على النعش هاجرٌ سار فيها ... من كرام الملائك العظماء
أم به سارةٌ سرت لضريح ... عطّرت من أريجة الأرجاء
مَهْ فهذي التي تربت ببيت ... حسدت ساح أرضه الخضراء
هي بنت الراقي سرادق علياً ... حيّرت في رقيها الآراء
فلعظم احتجابها في خباها ... ليس يدري لمن يكنُّ الخباء
وذووا قربها بها ليس تدري ... أهي في الخدر أم به العنقاء
لو بدت لا ترى الأنام رداها ... فكأنّ كلُّ مقلة عمياء
هي من عترة التقى في بيوت ... أسّستها على التقى الأتقياء
سار فيها الجواد من حيث منه ... رامت العزَّ عزّةٌ قعساء
وأتى فارساً ومنها اختلاساً ... بيد الحتف سلت الحوباء
فارتأى أن يسير فيها لأرض ... هي فيهم ما طاولتها سماء
قد لعمر العلى أتاها فتاها ... وسروراً تاهت به العلياء
وبه رأس عترة المجد أبدى ... فرحاً فيه زالت الغمّاء
مَنْ سما للعلى بهمة ندب ... بلغته من العلى ما يشاء
إنّما الفعل منه للقول تلوٌ ... ومن القول في الأنام هذاء
فنعم للسؤال ما قال إلاًّ ... وتلتها من كفّه النعماء
وهو للمؤمنين يخفض جنحاً ... دون أدنى محلّه الجوزاء
أقبيل العلياء قد برزت من ... فكرتي غادةٌ لكم حسناء
لبستَتْ حلتَيْ سرور وحزن ... نسجتها السرّاء والضرّاء
فهي تجلى في التهنئات عروساً ... وهي من مرثياتها الخنساء
ولها تارة غناً وابتسام ... وبأخرى لها عناً وبكاء
ولهذين في قريضي كلٌّ ... منهما حقّه رعاه الوفاء
وتوفي ولد لي في السنة السادسة والستّين بعد المائتين والألف، فرثيته بهذا المقطوعة:
هل يطربنّك يا زمان نعائي ... أم إنّك استعذبت ماء بكائي
في كلّ يوم منك ألقى شدّة ... ولأنت يوماً شدّة ورخاء
لازلت ملحم غارة الأزراء ... أو حاشداً جيشاً من النكباء
حتّى أصبت صميم قلبي بغتة ... وطرقتني بفجيعة صمّاء
لم تبق لي جلداً وكنت أخالني ... جلداً بكلّ ملمّة دهياء
ومعنّف طرب المسامع ما رمى ... عينيه صرف الدهر بالأقذاء
قد لامني وحشاه بين ظلوعه ... والأرض مطبقة على أحشائي
أمعيب حزني لو ملكتُ تجلدي ... ما بتُّ أمزج أدمعي بدمائي
ابنيَّ لو خلع البقاء على امرء ... لخلعت من شغفي عليك بقائي
مغف قد امتلئت ردى بدل الكرى ... عيناك فاقد لذَّة الإغفاء
داءٌ ترحّل فيك عنّي معقب ... في مهجتي للوجد أقتل داء
لهفي عليك بكلّ حين أبتغي ... فيه لقاك ولات حين لقاء
ولئن حجبت بحيث أنت من الثرى ... عن ناظريَّ فأنت في أحشائي
قربت بك الذكرى وفيك نأى الردى ... نفسي فداؤك من قريب نائي
لو متُّ من أسفي عليك فلم يكن ... عجباً ولكنَّ العجيب بقائي
لا زال قبراً ضمّ جسمك تربه ... متنسّمٌ بلطائم الأنداء
ولئن أبت حيث استقلّ بك الردى ... أن تستهلّ حوافل الأنواء
فحدت إليك على العباد مدامعي ... غيثاً جنوب تنفّس الصعداء
الفصل الثالث في الغزل
قلت في ذلك:
فتاة الحيّ حسبك من جفائي ... صلي قبل التفرّق والتنائي
أظامية الوشاح إلى مَ أظمي ... وريقك في ترشّفه روائي
فرفقاً يابنة الغيران رفقاً ... بذي كبد تحنّ إلى اللقاء
صدودك في حشاه أمضُّ داء ... ووصلك عنده أشفى دواء
فال خاط الكرى عينَيَّ شوقاً ... لرؤية وجهك الحسن الرواء
أما والراميات إلى المصلّى ... كأمثال السهام من النجاء
стр. 80
لقد قلّبن أيدي الشوق منّي ... صريعاً بين ألحاظ الظباء
فكم منها لهوت بذات خدر ... يجول بخدّها ماء الحياء
بمسبلة المساء على صباح ... ومطلعة الصباح من المساء
هظيم الكشح مرهفة التثني ... كسول المشي لاعبة العشاء
الباب الثاني في قافية الباء
وفيها فصول
الفصل الأوّل في المديح
قلت فيه هذه المقطوعة:
قفا حييا بالكرخ عنّي ربيبها ... فياطيب ريّاه الغداة وطيبها
تفيّأ من تلك المقاصير ظلّها ... فعطّر فيهنّ الصبا وجنوبها
غزالٌ ولكن في الرصافة ناشىءٌ ... وهل تألَف الغزلان إلاّ كثيبها
فوالله ما أدري أزرَّ جيوبه ... على الشمس أم زرّت عليه جيوبها
تعشّقته نشوان من خمرة الصبا ... منعم أطراف البنان خضيبها
لو أنّ النصارى عاينت نار خدّه ... إذاً أوقدت ناقوسها وصليبها
يرشفينها ريقةً عنبيّةً ... كخلق أبي الهادي روت عنه طيبها
فتىً كلّ فخر إن نظرنا قداحه ... وجدنا معلاّها له ورقيبها
تراه الورى في المحل فرّاج خطبها ... ندىً ولدى فصل الخطاب خطيبها
إلى الحسن اجتبنا الفلا بنزائع ... خفاف سيثقلن الحقائب نيبها
حلفت بأيديها لسوف أزيرها ... على الكرخ وضّاح العشايا طروبها
إذا ما طرحتُ الرّحل عنها بربعه ... غفرت لأيّام الزمان ذنوبها
أقول: الكرخ: محلّة من محال بغداد، وبغداد تسمّى الزوراء، قيل: سمّيت بذلك لانحراف قبلتها، وتسمّى مدينة السلام، ويقال: إنّ السلام إسم الدجلة، وهي بلدة أحدثها المنصور سنة أربعين ومائة، ونزلها سنة ست وأربعين، وفي سنة تسع وأربعين تمّ بناؤها، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة، وهي بين دجلة والفرات، وبغداد الثانية؛ وهي الجديدة، التي في جانب الشرقي، وفيها دور الخلفاء، وهي عبارة عن سبع محال لا تفتقر محلة منها إلى غيرها على شاطىء دجلة، فالذي في الجانب الشرقي الرصافة؛ بناها المنصور حين ضاقت بالرعية والجند سنة إحدى وخمسين وهي مدينة مسوّرة. الثانية: مدفن أبي حنيفة مسوّرة. والثالثة: جامع السلطان غير مسوّرة. والرابعة: مدينة المنصور في الجانب الغربي وتُسمّى باب البصرة، وكان بها ثلاثون ألف مسجد وخمسة آلاف حمّام. والخامسة: مشهد الإمام موسى بن جعفر ﵇ مسوّرة. والسادسة: الكرخ مسوّرة. والسابعة: دارالقز مسوّرة.
ويقال: إنّ المنصور سمّي بالدوانيقي لأنّه كان يحاسب العملة على الدانق لبخله.
والنصارى أُمّة المسيح عيسى بن مريم ﵇.
قال في كتاب الملل والنحل: أنّه أوحي إليه إبلاغاً عند الثلاثين، وكانت مدّة دعوته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيّام، فلمّا رفع إلى السماء اختلف فيه الحواريون وغيرهم، واختلافاتهم فيه تعود إلى أمرين: أحدهما: كيفيّة نزوله واتّصاله بأُمّه وتجسّد الكلمة.
والثاني: كيفيّة صعوده واتّصاله بالملائكة توحّد الكلمة.
أمّا الأوّل فمنهم من قال أشرق على الجسد إشراق النور على الجسم المشف، ومنهم من قال ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني، ومنهم من قال تدرّع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء. وأثبتوا لله ثلاثة أقانيم، قالوا: الباري تعالى جوهر واحد يعنون به القائم بالنفس لا التحيز والحجمية فهو واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنومية، ويعنون بالأقانيم الصفات كالوجود والحياة والإبن وروح القدس، وإنّما تدرّع وتجسّد دون سائر الأقانيم. وقالوا في الصعود أنّه قتل وصلب، قتله اليهود حسداً وبغياً وإنكاراً لنبوّته ودرجته، ولكنّ القتل ما ورد على الجزء اللاهوتي وإنّما ورد على الجزء الناسوتي كما قالوا. وكمال الشخص ثلاثة أشياء: نبوّة وإمامة ومملكة، وغيره من الأنبياء موصوفين بهذه الخصال الثلاث أو بعضها والمسيح درجته فوق ذلك، لأنّه الابن الوحيد فلا نظير له ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء، وهو الذي غفرت به زلّة آدم ﵇، وهو الذي يحاسب الخلق.
стр. 81
ولهم في النزول خلاف: فمنهم من يقول ينزل قبل يوم القيامة، ومنهم من يقول لا نزول له إلاّ يوم الحساب، وإنّه بعد أن قتل وصلب نزل فرأى شخصه شمعون الصفا، كلّمه وأوصى إليه ثمّ فارق الدنيا وصعد إلى السماء، ومعتقداتهم الفاسدة كثيرة لا داعي إلى الإطالة في ذكرها.
والناقوس هو الذي تضرب به النصارى لأوقات الصلواة.
قال جرير:
لمّا تذكّرت بالديرين أرَّقني ... صوت الدجاج وضرب بالنواقيس
وما أحسن قول البحترى في هجائه قوماً من النصارى وذلك حيث يقول:
دارٌ بها جهل السماح وأنكر ال ... معروف بين شماسمس وقسوس
لم يسمعوا بالمكرمات ولم ينخ ... في دراهم ضيف سوى إبليس
أسيافهم خشب وحلف نسائهم ... إمّا حلفن بفيشة القسّييس
آذانهم وقرٌ عن الداعي إلى ال ... هيجاء مصغيةٌ إلى الناقوس
والصليب، قال في مجمع البحرين هو للنصاري هيكل مربّع يدّعون أنّ عيسى ﵇ صلب على خشبة على تلك الصورة، وقيل هو شيء مثلّث كالتماثيل تعبده النصارى.
قال البحتري يهجو نصرانياً وذكر الناقوس والصليب، وذلك أنّ البحتري إدّعى على ذلك النصراني بدين فأنكره عليه، فقال له البحتري: أحلف بما أحلف به من شعري، ثمّ أنشأ قصيدته التي أوّلها:
تظنُّ همومي لم تعتلج ... وقد خلج البين من قد خلج
فخالفت مريم في دينها ... وفارقت ناموسها المنتهج
إلى أن يقول:
وخرقت غفورها كافراً ... بمن غزل الثوب أو من نسخ
وأوقدت ناقوسها والصليب ... تحت عشائك حتّى نضج
وبكرت تخرؤ في المذبح ال ... كبير وتلطخ تلك الدرج
وأعظمت ما أعظمته اليهود ... تصلّي لقبلتهم أو تحج
وأير طماس إذا ما أشضَّ ... في صدع امرأتك المنفرج
ونكت عجوزك حتّى ترد ... في وجهها داخلاً ما خرج
فقال النصراني: أنا لا أستحلّ أن أعود لسماع مثل هذا فكيف أحلف به، ثمّ خرج إليه من ذلك الدين الذي كان عليه.
وهجا مهيار الديلمي نصرانياً وذلك أنّه مدح بعض الرؤساء فأحاله في جائزته على عامل عنده وكان نصرانيّاً، ثمّ سافر ذلك الممدوح فمطله النصراني ولم يقضه، فكتب مهيار إلى الرئيس بهذه القصيدة ويذكر فيها قصّته مع النصراني، أوّلها:
إذا عارضٌ نحو أرض عدل ... وطاب الهواء له واعتدل
إلى أن يقول منها:
فخالف أمرك فيما أمرت ... ثقيل إذا خفّ رضوى ثقل
كأنّي أنا قلت في مريم ... وحاشا لها من بغيّ الحبل
وهدّمت قبلة ماسرجس ... وأطفأت قنديلها المشتعل
وشاركت في دم عيسى اليهود ... كما عنده أنّ عيسى قتل
فقولي في البيت الذي تعرّضت فيه لذكر النصارى وهو: لو أنّ النصارى عاينت نار خدّه الخ، معناه أنّ النصارى لو عاينت نار خدّه لانقلبت مجوساً، وأوقدت ناقوسها وصليبها بمعنى تركت معتقدات النصرانية ودانت بمعتقدات المجوسيّة من عبادة النّار.
قال أبو تمام:
وكذاك أهل النّار في الدنيا هم ... يوم القيامة جلُّ أهل النّار
وقال الصفي الحلّي من جملة موشّحه: فاسقنيها قهوة تكسو الكؤسبسنا الأنواروتميت العقل إذ تحيي النفوسراحة الأسراربنت كرم عتقت عند المجوسفي بيوت النّارغرست كرمتها بين القيانيد أفلاطونوبماء الصرح قد كان يطاندنّها المخزونوعلى ذكر المجوس حكاية أبي الهذيل مع المجوسي روى ذلك السيّد المرتضى في الدرر عن أبي الهذيل قال: قلت لمجوسي: ما تقول في النّار؟ قال: بنت الله، قلت: فما البقر؟ قال: ملائكة الله قصَّ أجنحتها وحطّها إلى الأرض يحرث عليها، قلت: فما الماء؟ قال: نور الله، قلت: فما الجوع والعطش؟ قال: فقر الشيطان وفاقته، قلت: فمن يحمل الأرض؟ قال: بهمن الملك أعظم ملائكة الله، فقلت: ما في الدنيا شرّ من المجوس، أخذوا ملائكة الله فذبحوها ثمّ غسلوها بنور الله ثمّ شووها ببنت الله ثمّ دفعوها إلى فقر الشيطان وفاقته ثمّ سلحوها على رأس بهمن أعزّ ملائكة الله، فانقطع المجوسي وخجل ما لزمه.
والقداح سهام الميسر وهي عشرة؛ ثالثها الرقيب وسابعها العلى، ومن ضرب بها فأحرز هذين السهمين فقد فاز بالإنصباء العشرة.
стр. 82
وعلى قولنا في هذه المقطوعة: ولدى فصل الخطاب خطيبها، ما روي عن السفّاح أنّه أراد أن يخطب يوماً فارتجّ عليه، كانت أوّل خطبة خطبها، فقال: أيّها النّاس! إنّما اللسان بضعة الإنسان، يكلُّ بكلاله إذا كلَّ، وينفسح بانفساحه إذا انفسح، ونحن أُمراء الكلام، منّا تفرّعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنّا لا نتكلّم هذراً، ولا نسكت حصراً، بل نتكلّم مؤيّدين، ونسكت معتبرين، ثمّ نزل، فبلغ ذلك أبا جعفر أخاه، فقال: لله هو لو خطب بمثل ما اعتذر به لكان من أخطب العرب، وهذا من أبلغ الإعتذار عند استغلاق الكلام وأحسنه.
وخطب آخر فلمّا بلغ إلى قوله أمّا بعد، أُرتجّ عليه فكرّرها ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإمرأتي طالق ثلاثاً.
وخطب بعض الأُمراء فلمّا بلغ إلى قوله أمّا بعد، أُرتجّ عليه، فركل المنبر برجله وقال: فتى حروب لا فتى منابر.
وخطب ثابت مولى يزيد بن المهلّب فارتُجَّ عليه، فنزل وهو يقول:
فإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنّني ... بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
وفي رواية أُخرى:
فإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنّني ... ضروب بماضي الشفرتين صقيل
فبلغ ذلك يزيداً فقال: لو قاله على المنبر لكان من أخطب الناس، إنتهى.
واعلم أنّه ينبغي للمنشىء، شاعراً كان أو كاتباً، أن يتأنّق من قصيدته أو خطبته أو رسالته في ثلاثة مواضع: الإبتداء، والتخلّص، والإنتهاء، وإن كان ينبغي له التأنّق والمحافظة في جميع كلامه، إلاّ أنّ الإهتمام بشأن هذه المواضع الثلاثة ألزم، ورعايته أوجب، لأنّ الإبتداء أوّل ما يقرع السماع ويصافح الذهن، فإن وافق السمع ابتداءً مليحاً أصغى إليه، وربّما اغتفر لأجله بعض التقصير فيما بعد، وإن وافق ابتداءً قبيحاً نفره ومجّه، وربّما توجّه اللوم على صاحبه وإن أجاد فيما بعد. ولأنّ التلخّص؛ وهو الإنتقال ممّا يبقى منتظراً له السامع، مرتقباً كيف يكون، فإن كان حسناً متلايم الطرفين، حرّك من نشاط السامع وأعان على الإصغاء إلى ما بعده وإلاّ فبالعكس. ولأنّ الإنتهاء آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس، فإن كان مختاراً حسناً تلقّاه السمع واستلذّه، وإن كان بخلاف ذلك كان العكس. ولا بأس بالكلام على هذه المواضع الثلاثة مفصّلاً، وذكر بعض المقابح التي اتّفقت للشعراء في أثناء قصائدهم. أقول: أمّا الإبتداء: فقد قال بعض علماء الفن أنّه يُسمّى حسن الإبتداء، ويُسمّى براعة المطلع، وحسن المطلع، وبراعة الإستهلال، وينبغي التأنّق فيه بأن تكون ألفاظه متقاربة في الرقّة والجزالة والعذوبة والسلاسة، وأن تكون متناسبة من غير أن يكتسي اللفظ الشريف المعنى السخيف، ولا اللفظ السخيف المعنى الشريف، بل يصاغان صياغة تلايم وتناسب، وبأن يكون سالماً من التناقض والإمتناع ومخالفة العرف والإبتذال وأمثال ذلك من التعقيد وغيره، وأن يستعمل الألفاظ الرقيقة في ذكر الأشواق ووصف أيّام البعاد وفي استجلاب المودّاة وملاينات الإستعطاف وأمثال ذلك، فمن حسن الإبتداء في تذكار الأحبّة والمنازل قول امرء القيس:
قفانيك من ذكري حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
قالوا: إنّه أبدع فيه لأنّه وقف واستوقف وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت عذب عذب اللفظ حسن السبك، إلاّ أنّهم انتقدوا عليه عدم المناسبة في الشطر الثاني، وقالوا أحسن منه في تناسب القسمين قول النابغة:
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب ... وليل أُقاسيه بطيّ الكواكب
فإنّ قسميه متناسبان، وألفاظه متلائمة، وإن كان بيت امرء القيس أكثر معانياً منه، وما سمع أشدّ مباينة من قسمي بيت جميل:
ألا أيّها النوّام ويحكم هبوا ... أُسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ
ولقد قال الرشيد يوماً لبعض ندمائه: هل تعرف بيتاً نصفه بدوي في شملة وباقيه محتب بذلة، فأنشده البيت، فاستحسن ذكره.
ومن حسن الإبتداء قول أشجع السلمي:
قصرٌ عليه تحيّة وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيّام
وقول أبي تمام:
لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خفّ الهوى وتولّت الأوطار
وقول المتنبي:
أتراها لكثرة العشّاق ... تحسب الدمع خلقة في المئآقي
وقول الشريف أبي جعفر البياضي مشيراً إلى الإبل:
رفقاً بهنَّ فما خلقن حديدا ... أوما تراها أعظماً وجلودا
стр. 83
وأحسنه ما ناسب المقصود، بأن يكون فيه إشارة إلى ما سيق الكلام لأجله، ليكون الإبتداء مشعراً بالمقصود، وهو بهذا الإعتبار يُسمّى براعة الإستهلال، من برع الرجل براعة إذا فاق أصحابه في العلم وغيره، فكأنّ هذا الإبتداء فاق غيره من الإبتداءات التي يستهلّ بها الشعراء فمنه قول أبي محمّد الخازن في تهنئة الصاحب بن عبّاد بمولود لابنته:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أُفق العلى صعدا
وقول المتنبّي في التهنئة بزوال المرض:
المجد عوفي مذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
وقول مهيار المشعر بالإعتذار:
أما وهواها عذرة وتنصّلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا
وقول الباخرزي المشعر بالتهنئة في النصر على الأعداء:
وفت السعود بوعدها المضمون ... وتباشرت بالطائر الميمون
وعلا لواء المسلمين وشافهوا ... تحقيق آمال لهم وظنون
وقول أبي الطيب المتنبي في الإعتذار والتهنئة:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
ومن البديع الفائق قول أبي تمام يهنّي المعتصم بالله في فتح عمورية، وكان أهل التنجيم زعموا أنّها لا تفتح في ذلك الوقت:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهنَّ جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
ولولا خوف الخروج عمّا نحن فيه لذكرت هذه القصيدة برمّتها، لأنّها من خيار الشعر وأبلغه وأحسنه.
ولا بأس بذكر ما عيب على بعض الشعراء في ابتداء قصائدهم وفي أثنائها، من وقوع ما لا يليق أن يخاطب به الملوك، وما يتطيّر منه، وما يكون مستثقلاً بسبب تكرار اللّفظ الواحد في البيت لغير تجنيس، وما يتضمّن معنيين حسناً وقبيحاً إلى غير ذلك ممّا تجب المحافظة على اجتنابه، فلقد عيب على امرء القيس قوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تظلّ العقاص في مثنى ومرسل
لتنافر لفظة مستشزرات وثلها على اللسان وعسر النطق بها.
ورؤبة بن العجّاج في قوله:
وفاحماً ومرسنا مسرجا ... وكفلاً وعثا إذا ترجرجا
لفظة "مسرج" فيها الغرابة.
وأبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله العجلي في قوله: الحمد لله العليّ الأجلل قالوا: لفظة "أجلل" مخالفة للقياس اللغوي، إذا القياس الأجلّ بالإدغام.
والفرزدق في قوله:
وما مثله في الناس إلاّ مملكا ... أبو أُمّه حيٌّ أبوه يقاربه
عابوا عليه التعقيد، لأنّ بيته لم يكن ظاهر الدلالة على المراد لهذا الخلل الذي في نظمه.
وقيل: إنّ ذا الرمّة أنشد عبد الملك قوله: ما بال عينيك منها الماء ينسكب، وكانت عين عبد الملك دائماً تدمع، فتوهّم أنّه خاطبه وعرّض به، فقال له: وما سؤالك عن هذا يابن الفاعلة؟ وأمر بإخراجه.
وجرير الخطفي لمّا أنشد عبد الملك:
أتصحو أم فؤادك غير صاحي ... عشيّة همّ صحبك بالرواح
فقال له عبد الملك: بل فؤادك يابن الفاعلة.
والأخطل لمّا دخل على عبد الملك وأنشده: خف القطين فراحوا منك أو بكروا، فقال له: بل منك يابن الفاعلة.
وكذلك أبوالنجم لمّا أنشد هشاماً وكان أحولاً:
صعوآء قد كادت ولمّا تفعل ... كأنّها في الأُفق عين الأحول
ظنّ هشام أنّه عرّض به فأمر بضربه، فضُرِب، وقال: أدبه خير من جائزته.
وأبو عبداة البحتري لمّا أنشد يوسف بن محمّد قوله: لك الويل من ليل بطاءٌ أواخره فقال: بل لك الويل والحرب.
وابن مقاتل الضرير لمّا أنشد الداعي العلوي: موعد أحبابك بالفرقة غد، قال: بل موعد أحبابك ولك المثل السوء.
وأنشد أيضاً يوم المهرجان:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرّة الداعي ويوم المهرجان
فبطحه وضربه خمسين سوطاً وقال: إصلاح أدبه خير من ثوابه، وأمر بتغيير الإبتداء بأن يقال: إن تقل بشرى فهذي بشريان.
ويقال: إنّه اعترض عليه الداعي بعد ضربه وقال: كان ينبغي أن يؤخّر المصراع الأوّل ويفتتح بالثاني، فقال: أيّها الفاضل! أفضل الذكر لا إله إلاّ الله، فقال: أحسنت أحسنت، وأمر له بصلة.
стр. 84
وأبو تمام لمّا أنشد أبو دلف العجلي قصيدته البائية التي ابتداؤها: على مثلها من أربع وملاعب، وكان في المجلس رجل يشنؤه، فقال: لعنه الله والملائكة والناس أجمعين. وكان في أبي تمام حبسة شديدة فانقطع خجلاً.
ونقل صلاح الدين الصفدي أنّ شاعراً أنشد الشريف فخرالدولة ابن أبي الحسن نقيب الطالبيين قصيدة يهنّيه في شهر رمضان، وكان الشريف يتأذّى بالصوم لمرض يجده، فكان ابتداء قصيدته: أيّامنا بك كلّها رمضان، فقال الشريف: طوالٌ والله مشؤمة لديّ، مكروهة عندي، مبغضة إليّ، وحرمه ولم يعطه شيئا.
ودخل أبو إسحاق الموصلي على المعتصم وقد فرغ من بناء قصر، فأنشده:
يا دار غيرك البلى ومحاك ... ياليت شعري ماالذي أبلاك
فتطيّر المعتصم من هذا الإبتداء وأمر بهدم القصر على الفور.
وأبو نؤاس مدح الفضل في قوله:
أربع البلا إنّ الخشوع لبادي ... عليك وإنّي لم أخنك ودادي
فتطيّر الفضل من هذا الإبتداء، فلمّا بلغ إلى قوله:
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتموا ... بني برمك من رائحين وغادي
إستحكم تطيّره ولم يمض أُسبوع إلاّ ونزلت بهم النازلة.
وقال الثعالبي في يتيمة الدهر: إنّ لأبي الطيب المتنبّي إبتداآت ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي كما نعاها عليه العائبون مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أوّل لقية:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وفي الإبتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة التي تنفر منها السوقة، فضلاً عن الملوك.
وقوله أيضاً: أوه بديلٌ من قولتي آها، وهو بحمة العقرب أشبه في افتتاح الكلام في مخاطبته ملكاً.
وقوله أيضاً:
آحاد في سداس في آحاد ... ليلتنا المنوطة بالتناد
وهذا كلام الخطل، ورطانة الرطن، وما ظنّك بممدوح شمر للسماع من مادحه فسك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة، وأيّ هزّة تبقى لذاك؟ وأيّ أريحيّة تبقى لهذا؟ ومن ابتداآته المستبشعة التي تنكّرها بديهة السماع قوله:
ملثّ القطر أعطشها ربوعا ... وإلاّ فاسقها السمَّ النّقيعا
وقوله أيضاً:
هذي برزت لنا فهجّت رسيسا ... ثمّ انثنيت وما شفيت نسيسا
فإنّه لم يرض بحذف النداء من هذي، وهو غير جائز عند النحويين، حتّى ذكر الرسيس والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرودة.
قال الصاحب بن عبّاد: ذكر الأُستاذ الرئيس يوماً الشعر، فقال: أوّل ما يحتاج فيه حسن المطلع، فإنّ أبا دلباب أنشدني يوم نوروز قصيدة ابتداؤها: أقبر فما طلب النوال بطائل، فتطيّرت من افتتاحه بالقبر وتنغّصت باليوم والشعر.
قلت: كذا كانت حال ابن مقاتل لمّا مدح الداعي العلوي بقوله: لا تقل بشرى ولكن بشريان، فإنّه نفر من قوله: لا تقل بشرى وقال: أعمى وابتدأ بهذا في يوم المهرجان.
قال الصاحب: وهي من عيون قصائده التي تحيّر الأوهام.
وقال ابن ضافر: صنعت قصيدةً بالشام سنة تسع وثمانين ومائة في الملك الأفضل أبي الحسن علي ابن الملك الناصر نورالدين، أوّلها:
دعها ولا تحبس زمام المقود ... تطوي بأيديها بساط الفدفد
وأنشدتها لمّن كان بالعسكر من أصحابنا المنتسبين إلى الأدب، فما منهم إلاّ من بذل جهده في نقدها ورمى بأفلاذ كبده فيها فكره، ثمّ حملتها إلى حضرته فصادفت قبولاً واتّفق بعد ذلك أن أنشدتها لابن الأجلّ التكريتي، فلمّا أنشدته البيت الأوّل قال: ما يؤمنك إذا أخذ مدرجها في يده وفتحه فوجد أوّل ما فيها: دعها أن يلقيها من يده ويقول قد فعلت ألست كنت تفتضح؟ قلت: بلى والله ولكن قد وقى الله. قال: وهذا نقدٌ غريب.
وقال الصاحب بن عبّاد: ما زال الناس يستبشعون قول مسلم بن الوليد:
سلت وسلت ثمّ سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا
حتّى جاء المبدع يعني أباالطيب المتنبي فقال:
وأفقد من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال
قال: والمصيبة في الراثي أعظم منها في المرثي، وقوله أيضاً:
عظمت فلمّا لم تكلّم مهابةً ... تواضعت فهو العظم عظماً على عظم
قال صلاح الدين الصفدي: لو سمّي هذا البيت جبانة لكان لائقاً به.
стр. 85
قال الصاحب بن عبّاد: ما أحسن ما قاله الأصمعي لمّن أنشده:
فما للنوى جدّ النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة لوصال
سلّط الله على هذا البيت شاةً تأكل هذا النوى كلّه. وقول أبي الطيب المتنبي أيضاً:
أُسدٌ فرائسها الأُسود يقودها ... أُسدٌ تصير له الأُسود ثعالبا
قال ابن رشيق: لا أدري من أين تخلّص من هذه الغابة المملوّة أُسوداً.
وقوله أيضاً:
العارض الهتن ابن العارض الهتن ... ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
قال ابن وكيع: لولا انتهاء القافية لمضى في العارض الهتن إلى آدم، وبانتهاء القافية علمنا نهاية عدد آبائه المستحقّين للمدح وهم ثلاثة ويقف هذا الأمر.
وقوله أيضاً:
جواب مسائلي أله نظيرٌ ... ولا لك في سؤالك لا إلى لا
قال الصاحب: إنّ مثل هذا البيت يلج سمعاً وقد سمعت بألفافا وما سمعت باللآلاء حتّى رأيت قائل هذا البيت المتكلّف المتعسّف الضعيف الذي لا يقف حيث يعرف.
وقوله أيضاً:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنّه بي جاهل
وقوله أيضاً:
ولا ضعف حتّى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
وقوله أيضاً:
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
وقوله أيضاً:
وقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل
وذكر صلاح الدين الصفدي قال: أنشد الصاحب أبوالقاسم ابن عبّاد عضدالدولة قصيدته الملقّبة باللاكنيّة لكثرة ما كرّر فيها "لكن" وأوّلها:
أشبب لكن بالمعالي أشبب ... وانسب لكن بالمفاخر أنسب
وبي صبوة لكن إلى حضرة العلى ... وبي ظمأ لكن من العزّ أشرب
فلمّا بلغ إلى قوله فيها:
ضممت على أبناء تغلب تائها ... فتغلب ماكر الجديدان تغلب
قال عضدالدولة: يكفي الله تطيّراً من قوله تغلب.
وروى صاحب معاهد التنصيص قال: حدّث أبو دعامة أنّ سلم الخاسر دخل على الرشيد فأنشده قوله: حيّ الأحبّة بالسلام، فقال الرشيد: حيّاهم الله، فقال: أعلى وداع أم مقام؟ فقال الرشيد: حيّاهم الله على أيّ ذلك كان، فأنشده: لم يبق منك ومنهم، إلاّ الجلود على العظام، فقال الرشيد: بل منك ومن أحبابك، وأمر بإخراجه وتطيّر منه ومن قوله، فلم يسمع باقي قصيدته ولا أثابه بشيء.
ومثله في إسائة الأدب قول أبي الطيب المتنبي:
فغدا أسيراً قد بللت ثيابه ... بدم وبلَّ ببوله أفخاذا
وقوله أيضاً:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العوانق
قال الثعالبي: وذكر البول والحيض ممّا لا يحسن ذكره في مخاطبة الملوك.
وقول عامر بن شهيد:
ذكرٌ على ذكر يصول ... وصارمٌ يسطو بصارم
قال ابن ظافر: قد غفل عامرٌ غفلة شديدة، وأساء من حيث ظنّ أنّه أحسن في قوله لممدوحه: ذكر على ذكر.
وقول أبي الفتوح ابن قلاقس على أنّه شمس علاء وعطارد ذكاء:
بطلاقة أبدت بصفحة وجهه ... وضح الصباح لمن له عينان
قالوا: ما علمنا أنّه يجعل في وجهه وضحاً حتّى جاء هذا الفاضح ابن شهيد فجعله على ذكر.
وقول الصاحب بن عبّاد حين أنشد عضدالدولة ابن بويه الديلمي:
ولو كنت تأذن لي بالمسير ... إذاً نهضت جملة الحاشيه
سبقت جوادك مدّ الطريق ... وسرت وفي يدي الغاشيه
فعتب عليه في قوله: في يدي الغاشيه.
وقول مهيار الديلمي:
وإنّك مذخور لإحياء دولة ... إذا هي ماتت كان في يدك النشر
قال صلاح الدين الصفدي: إنّي لأعجب من مهيار الديلمي على جلالة قدره واتّقاد خاطره وحسن تخيّله كيف يقول لممدوحه في يدك النشر.
وقول أبي بكر الخالدي حين أنشد سيف الدولة قصيدة تأنّق فيها وأحكم ألفاظها بقوافيها، وكان المخنّث حاضراً، فلمّا انتهى فيها إلى قوله:
وأنكرت شيبة في الرأس واحدة ... فعاد يسخطها من كان يرضيها
فقال المخنّث: أما تستحي تخاطب الأمير بقولك: واحدة؟ فجنّ الخالدي تعجّباً منه فقال له: ما أقول؟ قال: قل: لائحة أو واضحة. وكان أبوبكر وأبو عثمان الخالديّان من خواص سيف الدولة، فبعث إليهما وصيفاً ووصيفة ومع كلّ منهما بدرة وتخت ثياب مصريّ، فقال أحدهما قصيدة طويلة يشكره على صنيعه، فيها:
стр. 86
لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا ... إلاّ ومالك في النوال حبيس
خوّلتنا شمساً وبدراً أشرقت ... بهما لدينا الظلمة الحنديس
رشأ أتانا وهو حسناً يوسفٌ ... وغزالةٌ هي بهجة بلقيس
هذا ولم تقنع بذاك وهذه ... حتّى بعثت المال وهو نفيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرةً ... وأتى على ظهر الوصيف الكيس
وحبوتنا ممّا أجادت حوكه ... مصرٌ وزادت حسنه تنبيس
فغدا لنا من جودك المأكول وال ... مشروب والمنكوح والملبوس
فقال له سيف الدولة: أحسنت إلاّ في لفظة المنكوح فليس هو ممّا يخاطب به الملوك.
وقال أبوالطيب المتنبي:
علَّ الأمير يرى ذلّي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا
عابوا عليه ذلك حيث جعل ممدوحه ساعياً بينه وبين محبوبته في الوصال، ولا خفاء في دنائة هذه الرتبة، وقد سبقه إلى ذلك أبو نؤاس مع أنّه أقلّ شناعة، وإن كان الكلّ شنيعاً، وذلك حيث يقول:
سأشكو إلى الفضل ابن يحيى بن خالد ... هواك لعلَّ الفضل يجمع بيننا
وقد سبقهما إلى ذلك قيس بن ذريح حين طلّق زوجته لبنى وتزوّجت غيره، فندم على ذلك وشبّب بها في كلّ معنى، فرحمه ابن أبي عتيق فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إليه، فقال يمدحه:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيراً من صديق
وقد جرّبت إخواني جميعاً ... فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعةً كانت بقلبي ... أغصّتني حرارتها بريقي
فلمّا سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس: أمسك يا حبيبي عن هذا المدح، فما يسمعه أحد إلاّ ويظنّني قوّاداً.
وقول أبي الطيب المتنبي من قصيدة يرثي أخت سيف الدولة ويعزّيه عنها:
وهل سمعت سلاماً لي ألمَّ بها ... فقد أطلتُ وما سلمتُ عن كثب
عابوا عليه وقالوا: ما باله يسلّم على حرم الملوك ويذكر منهنّ ما يذكره المتغزّل.
وقوله أيضاً من هذه القصيدة:
يعلمن حين يحبي حسن مبسمها ... وليس يعلم إلاّ الله في الشنب
قال أبوبكر الخوارزمي: لو عزّاني إنسان في حرم لي بمثل هذا لألحقته بها وضربت عنقه على قبره.
وقال الصاحب بن عبّاد: مررت لأبي الطيب على مرثية في أُمّ سيف الدولة تدلّ على فساد الحس في سوء أدب النفس، وما ظنّك فيمن يخاطب ملكاً في أُمّه فيقول:
بعيشك هل سلوت فإنّ قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سالي
فيتشوّق إليها ويخطي خطاً لم يسبق إليه وإنّما يقول هذا من يرثي بعض أهله فأمّا إستعماله إيّاه في هذه المواضع فدالٌّ على ضعف البصر بمواقع الكلام.
وفي هذه القصيدة يقول:
صلاة الله خالقنا حنوطا ... على الوجه المكفّن بالجمال
قال الصاحب بن عبّاد: لا أدري هذه الإستعارة أحسن أم وجه والدة الملك يرثيها بالجمال أم قوله في وصف قراباتها وجواريها:
أتتهنّ المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في كحل الدلال
وقول المتنبي أيضاً من قصيدة أُخرى:
فلا يحزن الله الأمير فإنّني ... لآخذ من حالاته بنصيب
قال الصاحب بن عبّاد: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبّي بنصيب من حالاته.
وقوله أيضاً:
تبلُّ خدّي كلّما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
قالوا: هذه كانت تبصق في وجهه.
وقوله أيضاً:
يقلّبهم وجه كلّ سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل
قيل: إنّ الجزار التغلبي قال عندما سمع هذا البيت: هذه كانت عينها في أُستها.
وقوله أيضاً:
كفّي بجسمي نحولاً إنّني رجلٌ ... لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
قالوا: فهو إذاً ضرطة تسمع ولا ترى.
وقول الحاجري:
ومااخضرّ ذاك الخدّ نبتاً وإنّما ... لكثرة ما شقّت عليه المرائر
فلمّا سمعه الناصر بن العزيز قال: عسى أن يكون الخدّ مسلخاً.
وقول مهيار:
في صدرها حجرٌ وتحت صدارها ... ماءٌ يشف وبنانة تتعطّف
قالوا: أُنظر إلى قوله: في صدرها حجر، ما أبشعه لما فيه من إيهام الدعاء.
стр. 87
هذا خلاصة ما أردنا إيراده من محاسن براعة المطلع ومقابح الإبتداء، وما وقع من الهفوات في أثناء قصائد الشعراء، وهي كثيرة يلزم من الوقوف على جميعها الخروج عمّا نحن فيه، وهذا القدر كاف في التنبيه لمن له لبّ وذهن.
وأمّا التخلّص ويُسمّى حسن التخلّص، وبراعة التخلّص وحقيقته: الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تلايم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، فإن كان الخروج بغير لطيفة وبغير مناسبة تربط بين الكلامين فهو الإقتضاب ويُسمّى الإقتطاع والإرتجال أيضاً وهو أن ينتقل الناثر والناظم ممّا ابتدء به الكلام إلى ما لا يالائمه، وهذا مذهب الجاهليين والمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام مثل لبيد وحسّان، وبعض الإسلاميّين جرى على منهاجهم في ذلك كأبي تمام وغالب شعر البحتري وغالب شعر أبي نؤاس، فممّا جاء لأبي نؤاس قوله في مدح الأمين:
يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن
سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن
ظنَّ بي من قد كلّفت به ... فهو يجفوني على الظنن
نام لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن
رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن
ما بدا إلاّ استرقّ له ... حسنه عبداً بلا ثمن
فاسقني كأساً على عذب ... كرهت مسموعه أُذني
من كميت اللون صافية ... خير ما سلسلت في بدن
ما استقرّت في فؤاد فتى ... قد رأى ما لوعة الحزن
مزجت من صوب غادية ... حلبته الريح من مزن
تضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسنن
فهو كما ترى انتقل من وصف الخمرة إلى المديح من غير لطيفة ولا مناسبة تلايم بينهما.
ولأبي عبادة البحتري من قصيدة:
سقاني الفهوة السلسل ... شبيه الرشأ الأكحل
مزجت الراح من فيه ... بمثل الراح أو أفضل
إلى أن قال فيها:
فلمّاسرّت الراح ... به سمح واسترسل
وقطع التكّة الرأي ... إذا التكّة لم تحلل
جزى الله أبا نوح ... جزاء المنعم المفضل
وهذا كما تراه قد انتقل من وصف محبوبه إلى الدعاء لممدوحه بغير لطيفة ولا مناسبة.
وأمّا حسن التخلّص الذي نحن بصدده فقد ولع به المتأخّرون فأبدعوا فيه وجاؤوا منه بكلّ غريب، ونحن نذكر من ذلك ما يدلّ على صدق الدعوى.
قال أبو نؤاس يمدح الخصيب صاحب مصر:
تقول التي من بيتها خفَّ محملي ... يعزُّ علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنا متطلّب ... بلى إنّ أسباب الغنا لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادرٌ ... جرت فجرى في أثرهنّ عبير
دعيني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير
إذا لم تطأ أرض الخصيب ركائبي ... فأيُّ فتىً بعد الخصيب تزور
فتىً يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أنّ الدائرات تدور
فما جازه جود ولا حلَّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
وهذه القصيدة من طنانات أبي نؤاس، وقد عارضها أحمد بن درّاج القصطلي بقصيدة إن لم تزد عليها في البلاغة فما تنقص عنها، وأمّا ابن فضل الله فقد حكم لها بالمزيّة على قصيدة أبي نؤاس، فمنها قوله:
ألم تعلمي أنّ الثواء هو التوى ... وإنّ بيوت العاجزين قبور
تخوّفني طول السفار وإنّه ... لتقبيل كفّ العامريّ سفير
دعيني أرد ماء المفاوز آجناً ... إلى حيث ماء المكرمات نمير
فإنّ خطيرات المهامة ضمّنٌ ... لراكبها إنّ الجزاء خطير
ولمّا تدانت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أنّةٌ وزفير
تناشدني عقد المودّة في الهوى ... وفي المهد مبغوم النداء صغير
عييٌ بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير
فكلّ مفدات الترائب مرضع ... وكلّ محيّات المحاسن ضير
عصيت شفيع النفس فيه وقادني ... رواح لتدءآب السرى وبكور
وطار جناح العيس بي وهفت بها ... جوانح من ذعر الفراق تطير
لئن ودّعت منّي غيوراً فإنّني ... على عزمتي من شجوها لغيور
ولو شاهدتني والهواجر تلتظي ... عَلَيَّ ورقراق السراب يمور
أُسلّط حرَّ الهاجرات إذا سطا ... عَلَيّ حرّ وجهي والأصيل هجير
стр. 88
واستنشق النكباء وهي لواقح ... واستوطىء الرمضاء وهي ثغور
وللموت في عين الجبان تلوّنٌ ... وللذعر في سمع الجريّ صرير
لبان لها أنّي من الضيم جازع ... وأنّي على مضّ الخطوب صبور
ولو أبصرتني والسري جلُّ عزمتي ... وجرسي لجنيّ الفلات سمير
وأعتسف الموماة في غسق الدجى ... وللأسد في غيل الغياض زئير
وقد حوّمت زهر النجوم كأنّها ... كواعب في خضر الحدائق حور
ودارت نجوم القطب حتّى كأنّها ... كؤسٌ خوال ما لهنَّ مدير
وقد خيّلت طرق المجرّة أنّها ... على مفرق الليل البهيم قتير
وثاقب عزمي والظلام مروَّع ... وغضي وأجفان النجوم فتور
لقد أيقنت أنّ المنى طوع همّتي ... وأنّي بعطف العامري جدير
وروي أنّ أبا نؤاس لمّا قدم على الخصيب صادف في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدونه مدائح لهم فيه، فلمّا فرغوا قال الخصيب: ألا تنشدنا أبا عليّ؟ قال: أنشدك أيّها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى تلقف ما يؤفكون، فأنشده قوله:
أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير
إلى آخر القصيدة وهي هذه التي تقدّمت، فاهتزّ لها وأمر له بجائزة.
وأقول: إنّ ما ابتدأ به أبو نؤاس وأحمد بن درّاج وافتتحا به قصيدتيهما وتنقّلا فيهما بتلك المعاني اللطيفة والمقاصد الظريفة من أبلغ تلطّفات الشعراء في التوصّل إلى استعطاف الملوك والأُمراء. وممّن تلطّف في التوصّل لاستعطاف ممدوحه في خطاب زوجته أبو سعيد الرستمي في مدح الصاحب بن عبّاد، وأحببت إيراد ذلك لما فيه من اللطف والظرافة وإن لم يكن ممّا نحن فيه، قال:
أمنجزتي وعدي فقد رحل الركب ... ولم تتأنَّ العيس أم تقف الصحب
خليلَيَّ لا تستنكرا طول عتبها ... عَلَيَّ فإنّ الحبّ أكثره عتب
بنفسي بيضاء العوارض أعرضت ... بوجه كان الشرق من حسنه غرب
وبين الإزار المرتوي حقتُ رملة ... وبين الوشاح الملتوي غصنٌ رطب
وتحت لثام الخزّ أنفاسها لظىً ... وفوق رداء الكبر أدمعها سكب
تبدّت مع الأتراب تدعو على النوى ... وإن لم يكن في الغانيات لها ترب
تسيل على الخدّ الأسيل دموعها ... وصبٌّ دموع العين يروى به الصبّ
وقد وكلت إحدى يديها بقلبها ... مخافة أن يرفضَّ من صدرها القلب
فلمّا أجزنَ الجسر قمن ورائه ... كسرب من الغزلان ليس لها سرب
وعضّت بدرّ الثغر فضّة معصم ... يكاد يثنيه من الذهب القلب
وكادت تحطّ الرحل لولا عزيمتي ... وجيهية قب ومهريّة نجب
وقائلة أذرت مع الكحل دمعها ... إلى أيّ أرض ترحل العيس ظاعناً
وخلفك أفراخٌ بها ظمأ زغب
تقِ الله فينا لا تزدنا صبابةً ... ببعد فما نلقاه من كثب حسب
فقلت ثقي بالله يا أُمَّ معمر ... فبعض الصدى ريٌّوبعض النوى قرب
إذا ماانخت العيس بالريّ سالماً ... فمشرعنا عذب ومرتعنا خصب
دعيني وطيي نحوها البيد بالسرى ... يقع طائرانا حيث يلتقط الحَبّ
ألم تعلمي أنّ الحيا من جنابها ... تصوب عزاليه علينا فينصب
فقالت وجالت في نواحي ردائها ... دموعٌ لها في كلّ ناحية غرب
فتى رستم لا تذكر البين باسمه ... فديناك إنّ البين أيسره صعب
إلى أن يقول فيها ويعرض بذكر أولاده وأُمّه ويخاطب ممدوحه:
إذا سار مشتاقٌ إليك فإنّني ... برأسي أخطو بل على هامتي أحبو
وما عاقني إلاّ بنون كأنّهم ... فراخ الدَّبي في الجو حدثان مادبوا
وقائلة من بعد سبعين حجّة ... شفيعي إليك الضعف والسنُّ والرب
أتترك أُمّاً هامت اليوم أو غداً ... يضيق بها من بعدك البلد الرحب
منها:
سأثني بما أوليتني من صنيعة ... عليك كما يثني على المطر العشب
وأدررت لي أضعاف ما قد مريته ... بشعري من نعماك فامتلأ القعب
وعاد إنائي من نوالك فيهقا ... يبل الثرى رشحاً وماانقطع الشخب
وأسكر أشعاري نداك فرنحت ... بشكرك في الدنيا كما رنح الشرب
ومنها:
وعمَّ جهات الأرض فيض نواله ... فلم يخل واد من نداه ولا شعب
стр. 89
جوادٌ له في كلّ أُفق غمامة ... وفي كلّ أرض للندى مشرع عذب
إذا عدَّ كعب في السماح أبت له ... يمينٌ لها في كلّ أنملة كعب
وهي طويلة وكلّ أبياتها فرائد غرر.
وقال أبو محمّد الخازن من جملة قصيدة أوّلها:
بين المجرَّة والثريّا موقفي ... فتأمّلي ثمّ اعذري أو عنّفي
هو موقفٌ خفرته أطراف القنا ... وحمته أشفار الحسام المرهف
واصطفت الأُمراء حول سريره ... مثل الأهلّة والنجوم الوقّف
وتلألأت شرفاته عن طلعة ... يرتدّ عنا الطرف إن لم يخطف
ما قيل إجلالاً وتعظيماً له ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
نظمت ملوك بني بويه لتاجه ... خرزات ملكهم الأغرّ الأشرف
وبنوا له صعداء مجد طنّبت ... بشبا المهنّد والسنان المرهف
رمقت جبابرة الملوك يفاعها ... بنواظر من خوفه لم تطرف
من كلّ وضّاح الجبين متوّج ... علق بلثم بساطه متشرّف
غصّت بهم عرصاته فكأنّما ... غصّت بهم عرصات يوم الموقف
منها في خطاب محبوبته وهو بالمعنى الذي أوردنا هذا الشعر لأجله، وذلك قوله:
يا هذه لو شمت برقك لم يكن ... هذا المقام محصّبي ومعرّفي
ولقد سبقت الدهر فيه منشدا ... وكذا الجواد ببذّ شأو المقرف
لم تثن عبرتك التي غيّضتها ... عزمي ولا نغمات قولك لي قف
هيهات لم ينقض زماعي لؤلؤ ... أذراه نرجس طرفك المستعطف
مَنْ مبلغٌ سكني بنجد أنّني ... قد ضقت ذرعاً بالخليل المنصف
وبلوت أطواد الزمان فلم أجد ... إلاّ الحسام المنتضى خلاًّ يفي
عرضت لألثمها بخدٍّ ورده ... يصفرُّ أحمره إذا لم يقطف
فنبا مناط وشاحها عن مخطف ... طاو ومهوى قرطها عن نفنف
واستحجبت أترابها ثمّ انثنت ... ترنوا بطرف كالغزال الأهيف
ففرشنَ عرض طريقها بغدائر ... تناسب بين محلّق ومصفّف
ورمقنَ من حمر القباب بأعين ... رقعن خرق خصاصها المتكشّف
ونفرنَ من شيبي ولولا نوره ... لضللت في ظلم الشباب المسدف
شيبٌ يناسبه الربيع منوّراً ... بنهاره وبهاره المستظرف
لولا بياض النور لم تكن الربى ... وتلاعها إلاّ كقاع صفصف
كم منّة مشكورة ومبرَّة ... عند الحدائق للغمام الأوصف
لو لم يحلّ بصوبه عطل الربى ... ما اهتزَّ بين مديح ومفوّف
كم دوحة لفّآء بين حديقة ... غنّاء في ظلّ الغمام المغدف
إلى أن يقول:
وتلثّمت شمس النهار ببرقع ... من طرّتيه والسماء بمطرف
والأقحوان الغض يجلو مبسّما ... لولا مغازلة الحيا لم يرشف
حتّى انتهى إلى قوله:
في سدَّة للملك مدَّ رواقها ... علياء فخر الدولة العدل الوفي
ملكٌ حوى الدنيا ببأس عابس ... وتبسّم باد وتدبير خفي
فحمى قواصيها بعزم ثاقب ... ولوى نواصيها برأي محصف
ولقد أجاد أبو تمام وأحسن ما شاء بقوله في هذا المقام:
خذي عبرات عينك عن زماعي ... وصوفني ما أذلت من القناع
أقلّي قد أضاق بكاك ذرعي ... وما ضاقت بنازلة ذراعي
ءألفة النحيب كم افتراق ... أطلَّ فكان داعية اجتماع
توجّع إنْ رأت جسمي نحيفاً ... كأنَّ المجد يدرك بالصراع
فتى النكبات من يأوي إذا ما ... يطفن به إلى خلق وساع
حتّى قال:
يثير عجاجة في كلّ ثغر ... يهيم به عديّ ابن الرّقاع
(بمهديّ بن أصرم) عاد عوري ... إلي أيراقه وامتدَّ باعي
ثمّ نعود إلى ما كنّا في ذكره من التلخّصات البديعية: واعلم أنّ أكملها وأحسنها أن يكون الإنتقال في بيت واحد بحيث لا يفطن السامع إلاّ وهو يرى الشاعر قد انتقل ممّا ابتدأ به إلى ما قصده، وهذا أشبه شيء بالسحر، وما ورد من ذلك للمتقدّمين فقليل، فمن ذلك قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان:
وركب كأنَّ الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفّهم ... إلى شعث الأكوار من كلّ جانب
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
وقول ذي الرمّة:
стр. 90
سمعت النّاى ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
وصيدح اسم ناقته، وبلال ممدوحه؛ وهو ابن أبي موسى الأشعري وكان يمدحه كثيراً.
وأمّا تخلّصات المتأخّرين من الشعراء فقد اعتنوا بها غاية الإعتناء. قال أبو تمام:
تقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منّا السرى وخطا المهريّة القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا ... فقلت كلاّ ولكن مطلع الجود
قال صلاح الدين الصفدي: والناس يستحسنون هذا من أبي تمام ويعدّونه من الجيد له، وقد أخذه بلفظه من مسلم بن الوليد واجترأ عليه اجتراء السادة على البعيد، لأنّ مسلم هو البادي وأبو تمام هو العادي، وذلك حيث يقول:
تقول صحبي وقد جدّوا على عجل ... والخيل تستنُّ بالرّكبان في اللجم
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا ... فقلت كلاّ ولكن مطلع الكرم
وهذا في غاية الحسن التي تكبوا الفحول دون بلوغها، وتعجز الشعراء عن الظفر بمصوغها، فإنّ عين النهى تصل النظر إلى رفعتها وتتأمّل، ومطايا التخييل تكلُّ عن النهوض بعبئها فتتجمّل وما تتحمّل. وقد أخذه أبو إسحاق الغزي فسبكه فلكبه لمّا قال:
تقول إذا حثثناها وضلّت ... تناجينا بألسنة الكلال
إلى أُفق الهلال مسير ركبي ... فقلنا بل إلى أُفق النوال
فأين معالي الشمس ممّا يحاول؟ وأين الثريّا من يد المتناول؟ ولكن هذه الأشياء يتّفق لها سعادة، فما تعارض ولا تقارض.
وقال البحتري من جملة قصيدة فريدة:
إذا باكرته غاديات همومه ... أراح عليها الراح حمراء كالورد
كأنَّ سناها بالعشيّ لشربها ... تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد
وبديع قول بديع الزمان:
أبى المقام بدار الذلّ لي كرمٌ ... وهمّةٌ تصل التوحيد والخببا
وعزمةٌ لا تزال الدهر ضاربة ... دون الأمير وفوق المشتري طنبا
وقال بعضهم:
ومدامع تجري فتحسب أنّ في ... آماقهنَّ بنان إسماعيلا
وقول مهيار:
فكأنّ دمعي مدّ من أيدي بني ... عبد الرحيم وجودها المستتبع
وكأنّ ليلي من تقارب طوله ... أسيافهم موصولة بالأذرع
وقوله أيضاً:
كأنّما قولنا للبابليّ أدر ... سلافة قولنا للمزيديّ هب
وقول الشابّ الظريف محمّد بن العفيف من قصيدة يمدح بها ابن عبد الظاهر، مطلعها:
أرح يمينك ممّا أنت معتقل ... أمضي الأسنّة ما فولاذه الكحل
يا من ترينا المنايا واسمها نظر ... من السيوف المواضي واسمها مقل
ما بال الحاظك المرضى تحاربني ... كأنّما كلُّ لحظ فارسٌ يطل
من دونها كثب من دونها حرس ... من دونها قضب من دونها أسل
ومعشر لم تزل في الحرب تنظرهم ... حمر الخدود وما من شأنها الخجل
يثني حديث الوغى أعطافهم طرباً ... كأنَّ ذكر المنايا بينهم غزل
من كلّ ذي طرّة سوداء يلبسها ... وشيبها من غبار الحرب منتصل
ضائت بحسنهم تلك الخيام كما ... ضائت بوجه ابن عبد الظاهر الدول
وقول البهاء زهير من قصيدة يمدح بها الأمير نصيرالدين الملطي، مطلعها:
بها خفرٌ يوم اللقاء خفيرها ... فما بالها ضنّت بما لا يضيرها
أعادتها أن لا يعاد مريضها ... وسيرتها أن لا يفك أسيرها
يقول فيها:
فها أنذا كالطيف فيها صبابة ... لعلّي إذا نامت بليل أزورها
من الغيد لم توقد مع الليل نارها ... ولكنّها بين الظلوع سعيرها
تقاضى غريم الشوق منّي صبابة ... مروعة لم يبق إلاّ يسيرها
وإنّ الّذي أبقته منّي يد الهوى ... فداء نصير يوم وافى نصيرها
ومنها قول شيخ شيوخ حماة من قصيدة داليّة يمدح بها رسول الله ﵌:
ويلاه من نومي المشرّد ... وآه من شملي المبدّد
ولم يزل يدير على خصور هذه الألفاظ الرقيقة، وشاحات معاينة البديعة، إلى أن قال:
ألبسني نشوة بطرف ... سكرتُ من خمره فعربد
غصن نقاً حلَّ عقد صبري ... بلين خصر يكاد يعقد
فمن رأى ذلك الوشاح ال ... صائم صلّى على محمّد
ومن التخلّصات البديعيّة قول القاضي الفاضل من قصيدة يمدح بها بعض الخلفاء المهديين، مطلعها:
стр. 91
ترى لحنيني أو حنين الحمائم ... جرت فحكت دمعي دموع الغمائم
وهل من طلوع أو ربوع ترحّلوا ... فكلٌّ أراها دارسات المعالم
دعوا نفس المقروح تحمله الصبا ... وإن كان يهفو بالغصون النواعم
تأخّرت في حمل السلام عليكم ... لديها لما قد حمّلت بسلالم
فإنَّ فؤادي بعدكم قد فطمته ... من الشعر إلاّ مدحه لابن فاطم
ومن الجيّد قول بعضهم وفيه قلب الحروف:
قيل كلّ القلوب من ... رهب الحب تضطرب
قلت هذا تخرّصٌ ... قلب بهرام ما رهب
وأمّا براعة الختام؛ وهو الذي سمّاه التيفاشي حسن المقطع، وسمّاه ابن أبي الأصبع الختام، وسمّاه صاحب التلخيص حسن الإنتهاء، فهو عندهم عبارة عن أن يختم المنشىء إنشائه بأحسن كلام يحسن السكوت عليه، ولا ينتظر المخاطب غيره، ولقد أحسن الحريري المحافظة على ذلك في مقاماته. وأمّا أواخر السور فممّا لا يجاري لأنّها وردت على أكمل الوجوه من الإبتداء والإنتهاء، وكيف لا وهو كلام ملهم الكلام.
وأمّا براعة الكلام في الشعر؛ فهي عبارة عن أن يختم القصيدة بأجود بيت يحسن السكوت عليه، لأنّه آخر ما يبقى في الأسماع، وربّما حفظه السامع دون غيره لقرب العهد به، والحذّاق النقّاد يحافظون عليه، قال السيّد الرضي في مدح أبيه:
أمعثّر الأحداث في أذيالها ... وافاك مدحي والجدود عواثر
إنّي لأرضى أن تكون ممدّحاً ... وعلاك لا يرضى بأنّي شاعر
وقال مهيار:
فبقيتم والحاسدين علاكم ... لا خير في مجد بغير حسود
وقال أبو نؤاس:
وإنّي جدير إذ بلغتك بالمنى ... وأنت بما أمّلتُ منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلاّ فإنّي عاذرٌ وشكور
وقال بعضهم:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبريّة شامل
وقال الأرجاني:
بقيت ولا أبقى لك الدهر كاشحاً ... فإنّك في هذا الزمان فريد
علاك سوارٌ والممالك معصم ... وجودك طوقٌ والبريّة جيد
وقال إبراهيم الغزي:
بقيت بقاء الدهر ما ذرَّ شارق ... وغار جديد المكرمات وأنجدا
وقال ابن النبيه:
دمتم بني أيّوب في نعمة ... تحوز بالتخليد حدّ الزمان
والله لا زلتم ملوك الورى ... شرقاً وغرباً وعَلَيَّ الضمان
وقال ابن سنا الملك أيضاً:
بقيت حتّى تقول الناس قاطبة ... هذا أبو إلياس أم هذا أبوالخضر
وقال المتنبي:
وأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلاة ربّك والسلام
أقول: وقد أوقفناك على خلاصة القول في براعة المطلع وحسن التلخّص والمقطع. فأمّا قصيدتنا التي هي عنوان هذا الباب، فبراعة إستهلالها قولنا:
قفا حييا بالكرخ عنّي حبيبها ... فياطيب ريّاه الغداة وطيبها
فهو كما تراه سهل الألفاظ، حسن السبك، متناسب القسمين، مفرغ في قالب العذوبة، مشعر بأنّه في مدح ملك من ملوك بغداد، مقتبل الشبيبة، طيب الضريبة. وكذلك براعة إستهلال الخطبة من كتابنا هذا جائت دالّة على ما بني عليه هذا الكتاب، وذلك قولنا: الحمد لله الذي جعل محمّداً حسن الأخلاق، وهذا من أبرع الإستهلالات وأجودها. وكذلك اشتملت على تخلّص حسن وقع في بيت واحد، وهو قولنا فيها:
يرشفينها ريقة عنبيّة ... كخلق أبي الهادي روت عنه طيبها
فهذا كما تراه انتقال من وصف ريقة المحبوب وادّعاء كونها عنبيّة أي خمرة معتصرة من العنب إلى خلق أبي الهادي لأنّها تشبه في عذوبتها خلقه، وإنّ طيبها فائق لأنّها ترويه عن طيبة. وأمّا حسن المقطع فيها فهو هذا الذي يعزّ على الأفكار أن تلد مثله:
إذا ما طرحت الرحل عنها بربعه ... غفرت لأيّام الزمان ذنوبها
ولنورد ما كان لنا فيهم من النظم على رويّ هذا الباب تكميلاً للفصل.
أقول: وكتبت إليه معتذراً من تأخّر كتابي إليه:
قد جنى لي الزمان أعظم ذنب ... وغدا منه شاغلي أن أتوبا
بخطوب يقول من قد عنته ... هكذا تفحم الخطوب الخطيبا
ليت شعري بم اعتذار محبّ ... قد بدا منه ما يسوء الحبيبا
فتأمّل في قصّتي وتعجّب ... أفهل هكذا يكون عجيبا
أنا مستغفرٌ وقد أذنب الده ... ر نأى معرضاً وجئت منيبا
стр. 92
فتجاوز بفضل صفحك عمّن ... لسوى الصفح لم يجيء مستثيبا
ثمّ هب لي جناية الدهر يا من ... لم يلد مثله الزمان وهوبا
فلقد أقعدتني العلل، حيث أقامني الخجل، ومثلت بي الأمراض، في غيئة من غيره الصدود والأعراض، إلاّ أنّ أملي قبول العذر ممّن فقد بعض أفلاذ كبده، ونزل السقم منه منزلة الصحة من جسده، مع طوارق أُخر، كلّ طارقة منها تقول لا وزر، أيسرها ابتلاء الدهر له بحبسه، مع غير أبناء جنسه، فإنّي منذ فارقت ذلك النادي، وحللت لكن في غير بلادي، مقسم الفكر بين معالجة الأوصاف، ومعالجة انتساخ ذلك الكتاب، وبينا أنا كذلك إذ وردت إليّ تلك الرسائل، ورود الغيث على الجدب الماحل، فلولا أنّها تابعت طروقها، وشفعت برعدها بروقها، لما ألهاني تنسيق الجواب، عن تنميق الكتاب، وإنّها - يا عافاك الله ممّا أشتكيه - وإن كان ورودها إليّ منك، فإنّي قد آثرت الإشتغال بك حتّى عنك، وهذا عذري إليك، وأنا على ثقة من قبوله إذا نشر لديك، وقد جعلت معاني هذه الغادة السحّارة، لما سلف من الذنوب كفّارة.
يا من لويت به يد الخطب ... وبه ثنيت طلايع الكرب
ولقيت حدَّ الحادثات به ... ففللت ذا غرب بذي غرب
وأرحت آمالي بساحته ... فطرحت ثقل الهم عن قلبي
بشرى لهاشم حيث سالمني ... فيك الزمان وكان من حربي
فلتشهد الدنيا وساكنها ... أنّي مخضت لخيرهم وطبي
وبحسبهم ذمّاً شهادتها ... إنّي لغيرك لم أقل حسبي
أنت الي آبائه درجوا ... وهم حليُّ عواطل الحقب
يتناقلون الفخر بينهم ... ندبٌ له يرويه عن ندب
ما زال صبٌّ بالعلا لهم ... يتورَّث العلياء عن صبّ
حتّى ورثت عظيم سؤددهم ... كرم الغيوث ورفعة الشهب
فقبضت عن شرف يد الجدب ... وبسطت عن سرف يدالخصب
ومرى مكارمك الثناء كما ... يمري النسيم حلائب السحب
طبٌّ بأدواء الأُمور لها ... تضع الهناء مواضع النقب
يفديك كلّ أخي يد هي في ... خصب السنين أليفة الجدب
لا بالولود ولا اللبون ولا ... بروم غير الشحّ من سقب
من لو عصبت بنان راحته ... بالسيف ما درّت على العصب
ماالريح ناعمة الهبوب سرت ... سحراً على نزه من العشب
بأرقّ منك خلائقاً كرمت ... ممزوجة الصهباءِ بالعذب
وقلت في أبيه محمّد الصالح هذه الأبيات معرضاً ببعض مناويه ومجاريه:
فيا نيّر الدنيا الذي في ضيائه ... جلى عن محيّاها ظلام الغياهب
عجبت لمن يبغي علاك بسعيه ... وما هو من أبناء هذي المطالب
وما هو إلاّ كالمناسم لوسعت ... مدى الدهر لا تسمو سموّ الغوارب
وأعجب منه من يجاريك في الندى ... وعندك يغدو باسطاً كفّ طالب
يهابك إذ تبدو ومرجلُ ظغنه ... من الغيظ يغلي منه خلف الترائب
ويطرق إجلالاً بحيث تظنّه ... قد انعقدت أهدابه بالحواجب
فحسبك فخراً إنّ عرقك ينتمي ... لعرق علىً في طينة العزّ ضارب
ولو بنداك البحر يقرن لم يكن ... بجنب نداك البحر نهلة شارب
وقال عمّنا المهدي في أبيه الصالح أيضاً، وينحو فيها تفضيله على كرماء العرب:
لك الله إنْ كرماء العرب ... أرت قومها في قراها العجب
وإنّ في ليالي الشتاء التي ... على أنفه الكلب لفَّ الذنب
أماجدها أوقدت نارها ... لعلّ لها طارق تجتلب
وإنْ ماجدٌ منهم قد رأى ... بإيقاده النّار ما قد طلب
فغاية ما عنده ناقة ... يعرقبها من خيار النجب
ويغدو بما صنعته يداه ... من الخير مفتخراً في العرب
وربع أبي المصطفى دائم ال ... زمان سنا فخره ملتهب
وطبّق في نوره الخافقين ... وقال هلمَّ لنهب النشب
فأين سنا نارها من سنا ... أشعّة أنوار عالي الحسب
ونحرهم بدنات الجمال ... من نحره بدرات الذهب
ويلبث طارقها ليلةً ... وفي الصبح للسير عنها وثب
ووفّاده اختلفت في حماه ... على مقتضى مالها من أدب
فهذا مقيم وذا قادم ... وذا راحل في بطان الحقب
ويحبوهم بالجليل الخطير ... وينسى الخطير الذي قد وهب
стр. 93
وإن فخرت حيث راعي الهجان ... على نحره خيرهنَّ انتخب
على أنّ راعيها قد بكى ... على ذعلب كونها تحتلب
فموقده ودً حوبائه ... لنار القرى أن تكون الحطب
وليس التي هي بين الورى ... لإظهار ما صنعته تحب
كمَنْ لصنايعه الباهرات ... يرى سترهنَّ عليه يجب
فيكتمها وهي تبدو كما ... بدت في الدجى زاهرات الشهب
وقال أيضاً وينحو فيها تفضيله على ملوك الحضر:
أمَنْ تدخل الوفد من بابه ... ولم تخش دفعة بوّابه
كمَنْ قد تعمّد في سدّه ... عن الوافدين بحجّابه
ومَنْ فرحاً يلتقي الوافدين ... التقاء محب لأحبابه
ويغمره من نداه بما ... يفوت السحاب بتسكابه
كمنْ عن عطاياه أضحى يذبّ ... بغرب اللسان وقرضابه
وصيّر من دونها أرقم ال ... منايا يصرُّ بأنيابه
أَمَنْ دون أمواله عرضه ... تراه مباحاً لنهّابه
وغادر ألسنَ أعدائه ... ثناها كألسن أحبابه
وخير الورى من بأمواله ... يصون كرائم أحسابه
سل الفخر إن شئت عن بيته ... يقل لك إنّي أدرى به
لقد ودّت الشهب أن تغتدي ... مدى الدهر أوتاد أطنابه
فما ابتهر الناس في غيره ... ولا زهت الأرض إلاّ به
فصل في التهنية
قلت: وكتبت بها للماجد الصالح مهنياً له بزواج ولده المصطفى:
جائتك تبسّم والبنان نقابها ... فأرتك بدراً بالهلال منقّبا
وكأنّما هي حين زفّت كأسها ... شمسٌ تزفُّ من المدامة كوكبا
عقدت على الوسط النطاق مفوَّقاً ... ولوت على الخصر الوشاح مذهّبا
أحبب إليك بها عشيقة مغرم ... راض العواذل شوقه فتصعّبا
هي تلك لاعبة العشاء ومنْ لها ... ألفت بنات الشوق قلبك ملعبا
أمسيت منها ناعماً بغريرة ... بنسيم ربّاها تعطّرت الصبا
ونديمة لك لو تغنّى باسمها ... حجرٌ لرقّصه غناها مطربا
سكبت بكاس حديثها من لفظها ... راحاً ألذَّ من المدام وأعذبا
وترنّمت هزجاً فأطرب لحنها ... قمريَّ مائسة الأراك فطرّبا
فكأنّها علمت بعرس المصطفى ... فشدت غناً لابن الأراكة أطربا
في ليلة طابت فساعة أنسها ... لم تلق عمر الدهر منها أطيبا
وفد السرور بها لمغنى أصيد ... كرماً يُحيّي الوافدين مرحّبا
للكرخ ناعمة الهبوب تحمّلي ... منّي سلاماً من نسيمك أطيبا
وصلي إلى بيت قد انتجع الورى ... منه جناباً بالمكارم معشبا
بيت على الزوراء يقطر نعمة ... فكأنّه بالغيث كان مطنّبا
قولي إذا حيّيت فيه أبا الرضا ... فسواك منه هيبةً لن يقربا
بشراك بسّام العشيّ بفرحة ... ضحكت بها الدنيا إليك تطرّبا
وجلاً عليك اليمن فيها طلعةً ... غرّاء طالع سعدها لن يغربا
فاسعد بقرّة ناظريك فقد غدا ... في عرسه المجد الأثيل معجّبا
أمقيل من لبس الهجير تغرّبا ... ومعرّس السارين تنزع لغّبا
عجباً لهذا الدهر يصحب بخله ... ولجود كفّك ليس يبرح مصحبا
وترى جبينك كيف يشرق للندى ... كرماً ويغدو الوجه منه مقطّبا
أرحبت للأضياف دارة جفنة ... من دارة القمر الوسيعة أرحبا
وحملت عبأ بني الزمان ولو به ... يعني أبوهم لاستقالك متعبا
وأما ومجدك حلفة لو لم يكن ... للعالمين سجال جودك مشربا
نزف اغترافهم البحار وبعدها ... ترك اعتصارهم الغمائم خلّبا
فمتى تقوم بحارها وقطارها ... لهم مقامك ما جرت وتصبّبا
يفدي أناملك الرطيبة معجب ... في يبس أنمله بعذلك أسهبا
لو مسَّ وجه الأرض يبس بنانه ... لرأيته حتّى القيامة مجدبا
عذبت مذاقة "لا" بفيه لبخله ... وبفيك طعم "نعم" غدا مستعذبا
فازادد حتّى في معيشة نفسه ... ضيقاً وللوفّاد زدت ترحّبا
تسع الزمان بجود كفّك باسماً ... ويضيق صدر الدهر منك مقطّبا
لو رعت مهجة قلبه وزحمته ... لفطرتها وحطمت منه المنكبا
ولقد جريت إلى العلاء بهمّة ... لم ترضَ عالية المجرّة منكبا
стр. 94
حلّقت حيث الطرف عنك مقصّرٌ ... فصعدت حيث النجم عنك تصوّبا
ولقد تحقّقت اسم غادية الحيا ... فودجت معناه نداك الصيّبا
وأجّلت فكري في اسم أنفاس الصبا ... فإذا به خلق الرضا قد لقّبا
سيماء عزّك في أسرّة وجهه ... لله أنت فهكذا من أنجبا
زيّنت أُفق الفخر منه بكوكب ... ما كان أزهره بفخرك كوكبا
قد غاض فيض ابن الفرات لجوده ... إذ كان أغزر من نداه وأعذبا
لا تطر كعباً واطو حاتم طييّ ... وانشر مكارمه تجدها أغربا
واترك له معناً على ما فيه من ... كرم فمعنٌ لو يراه تعجّبا
هو خير من ضمّت معاقد حبوة ... وأخوه فخراً خير من عقد الحبا
طلعا طلوع النيّرين فما رأى ... أُفق المكارم مذ أنارا غيبها
فعلاهما في المجد أبعد مرتقىً ... ونداهما للوفد أقرب مطلبا
أبقيّة الكرم الذين سواهم ... لم يتّخذ نهج المكارم مذهبا
لا زلتم في نعمة ومسرّة ... مادام ظهر الأرض يحمل كبّبا
قلت في تهنئة محمّد الرضا وقد عوفي من علّة عرضت له وكنت مغرماً بكرم شمائله وشرف فضائله:
يا نسيم الصبا وريح الجنوب ... روّحا مهجتي بنشر الحبيب
إنّ روح المحبوب روح لقلبي ... ما لقلبي آس سوى المحبوب
وعلى البعد منه أن تحملاه ... فعَلَيّ أنفحا به من قريب
لو سوى نشر يوسف شمَّ يعقو ... ب إذاً لم يزل جوى يعقوب
وعجيب بمية ذاب قلبي ... ويرى طبّه بنشر المذيب
ليت يا عذبة اللمى من فؤادي ... فيه أطفأت بعض هذا اللهيب
أو على السفحُ للوداع حبست ال ... ركب مقدارها لفتة من مريب
منك لو نلت ساعةً ضمّة التو ... ديع أدركت غاية المطلوب
وعلى المتن كان منك هلالاً ... حين شرّقتِ جانحاً للغروب
ما لطيف الخيال ضاعف شوقي ... حيث وافى بوعده المكذوب
فيه جائت من بعد تهويمة الرك ... ب حذراً من عاذل ورقيب
قلت إنّي وفت فعاد نصيبي ... وصلها والمطال كان نصيبي
بينما في العناق قد لفنا الشو ... ق ضجيعين في رداء قشيب
وإذا الوصل في انتباهي أراه ... سرق الإفك من سراب كذوب
أين ميٌّ منّي وقد عوّذتها ... غلمة الحيّ بالقنا المذروب
شمس خدر حجابها حين تبدو ... جنح ليل من فرعها الغربيب
وسوى البدر في الإنارة لولا ... كلف البدر مالها من ضريب
حسدتني حتّى عيوني عليها ... لو تذكّرتها لأضحت تشي بي
أو سرْت موهناً إليَّ فظنت ... كلّ نجم في الأُفق عين رقيب
بوركت ذاالطيب من كثيب حماها ... حملته لنا الصبا في الهبوب
قال لي الصحب من نشير أتانا ... من حمى الكرخ لا الحمى والكثيب
مخبراً عن محمّد إن سرى الدا ... ء الذي فيه للحسود المريب
أيهذا البشير لي حبّذا أنت ... بشيراً يبرء داء الحبيب
لو سواه روحٌ لجسمي لأتحف ... تك فيه وقلَّ من موهوب
لي أهديت فرحةً ما سرت قب ... لُ ولا يعدُ مثلها في القلوب
غرس الدهر قبلها الذنب عندي ... فغدا مثمراً بعفو قريب
وغريب من الزمان وما زا ... ل لديه اختراع كلّ غريب
إن أراني وما أراني سواه ... حسنات تجنى بغرس الذنوب
عجباً كيف أولد النحس سعداً ... شقَّ في نوره ظلام الخطوب
فمحيا الدنيا غدا وهو طلقٌ ... ما بصافي بياضه من شحوب
فاحك من غضارة البشر أنساً ... وهو بالأمس موحش التقطيب
فأبق للمكرمات ما بدت الشمس ... ومالت في أُفقها للغروب
بسرور صاف وطرف قرير ... ونعيم باق وعيش رطيب
وقال عمّنا المهدي مهنّياً أباه محمّد الصالح بشفائه من مرض اعتراه:
إلى عداك سرى عن جسمك الوصب ... وأمَّ يسعى إلى أحبابك الطرب
وقمت منتعشاً في روح عافية ... بها عرى شانئيك الهمُّ والنصب
هنّئت في صحّة الجسم الذي بعدت ... من قبل عن مسّه الآثام والريب
وإنّ عصمته من كلّ مأثمة ... لبرء علّته كانت هي السبب
بيمنه تتجلّى كلُّ نائبة ... فكيف عنه به لا تنجلي النوب
стр. 95
فيالها فرحةً منّا تداركت ال ... نفوس من قبل أن يستلّها العطب
وافى البشير بها يسعى وأنفسنا ... تسعى إليه لما فيها وتقترب
ودَّ الكرام له من فرط بشرهم ... لو أنّهم ملكوا أعمارهم وهبوا
فأحضرَّ روض الهنا حتّى زهى لهم ... من بعد ما كان مصفرّاً به العشب
يا ذاالذي زين فيه المجد وهو به ... تزيّنت للمعالي القادة النجب
ما كنت أحسب قوماً يفرحون إذا ... ما اعتلّ من فيه صحَّ المجد والحسب
مع أنَّ أبياتهم لولاه ما رفعت ... أعمادهنّ ولم يمدد لها طنب
يا عترة المجد أمّت بيتكم فرحاً ... عذراء ما إن حكتها الخرّد العرب
جائت تهنّئكم في برء علّة من ... قد شاد بيت علىً من دونه الشهب
دام السرور لكم فيه ولا برح ال ... سرور عنكم ولا الأفراح والطرب
فصل في الرثاء
قلت معزّياً للماجد محمّد الصالح عن كريمة له توفّيت، وهي الّتي مرّ رثائها في حرف الألف في القصيدة الهمزية التي لعمّنا المهدي:
لحيّ الله دهراً لو يميل إلى العتبى ... لأوسعت بعد اليوم مسمعه عتبا
ولكنّه والشرُّ حشو إهابه ... على شغب إن قلت مهلاً يزد شغبا
له السوء لم يلبس أخا الفضل نعمةً ... يسرُّ بها إلاّ أعدّ لها السلبا
على الحرّ ملآن من الظغن قلبه ... فبالهمّ منه لم يزل ينحت القلبا
يطلّ عليه كلّ يوم وليلة ... بقارعة من صرفه تصدع الهضبا
كأنّ كرام الناس في حلقه شجاً ... وإلاّ قذى بدمي لناظره غربا
يحاربهم من غير ذنب لنقصه ... فلست أرى غير الكمال لهم ذنبا
وأصعب حرب منه يوم صروفه ... من الشرف السامي ارتقت مرتقى صعبا
تخطّت حمى العلياء حتّى انتهت به ... إلى حرم للخطب يشعره رعبا
وما صدرت إلاّ بنفس نجيبة ... عليها مدى الدهر العلي صرخت غضبى
أسرّ لها الناعي المفجّع نعيها ... فقامت عليها تعلن النوح والندبا
وهوَّن فقدان النساء مؤنّب ... يعيب الأسى لو شئت أوسعته ثلبا
فما كلُّ فقدان النساء بهيّن ... ولا كلّ فقدان الرجال يرى صعبا
فكم ذات خدر كان أولى بها البقا ... وكم رجل أولى بأن يسكن التربا
وغير ملوم من يبيت لفقده ... كريمته يستشعر الحزن والندبا
فكم من أب زانته عفّة بنته ... وكم ولد قد شان والده الندبا
فساقت بمأثور الكلام له الثنا ... وساق بمنشور الملام له السبا
بل الخطب فقد الإنجبين ومن له ... بذلك لولا أنّها تلد النحبا
وربّة نسك بضعة من محمّد ... مضت ما زهت يوماً ولا اتّخذت تربا
وخبأها فرط الحياء فلم تكن ... تصافح وجه الأرض أذيالها سحبا
فلو أنّ عين الشمس تقسم أنّها ... لها ما رأت شخصاً لما حلّفت كذبا
وغير حجاب الخدر والقبر ما رأت ... ولا شاهدت شرقاً لدنياً ولا غربا
فلم تُدْرَ إلاّ بالسماع حياتها ... وجاء سماعاً أنّها قضت النحبا
قاما هي العنقاء قلت فصادقٌ ... ولكنْ لسان الإحترام لها يأبى
وما هي إلاّ بضعة من محمّد ... أجلّ بني الدنيا وأعلاهم كعبا
وأرحبهم بيتاً وأوسعهم قرىً ... وأطولهم باعاً وأرجحهم لبّا
رطيب ثرىً منه تحيي وفوده ... محيّاً بأنداء الحيا لم يزل رطبا
وتلمس منه أنملاً هنَّ للندى ... سحائب فيها علّم المطر السكبا
بنوا المصطفى أنتم معادن للتقى ... وأرجح أرباب النهى والحجى لبّا
فلا طرقتكم نكبة بعد هذه ... ولا ساور التبريح يوماً لكم قلبا
وقلت - وهو من الشعر الأجنبي - في رثاء ولدين صغيرين لي دفنا في مقام ينسب لنبي الله أيّوب:
يا ثاويين إلى جنب الفرات معاً ... لدى مقام نبيّ الله أيّوب
أورثتماني وجداً يوم بينكما ... يكاد يقرب منه وجد يعقوب
فصل في الغزل
قلت وفيه المبالغة بملازمة الرقيب:
أيّ وقت به لنفسي تصفو ... لذّة الأُنس في وصال الحبيب
ولو أنّا في الطيف نخلو لأمسى ... معناً حاظراً خيال الرقيب
الباب الثالث حرف التاء
وفيه فصول
стр. 96
فصل في المديح
قلت فيه هذه البديعة الغرّاء:
إنّ في الكرخ بين تلك البيوت ... كم لصبّ متيّم من خفوت
ولبيض فضيّة الجسم كم منْ ... وجنات تحمرُّ كالياقوتْ
يتعطّفنَ عن غصون رشيقات ... ويبسمن عن أغرَّ شتيت
كلّما أحيت الضحى دعت الشمس ... وقالت لها بغيظك موتي
مثل موت الحسود غيظا بفخر ال ... حسن الإسم في الورى والنعوت
ماجد يخفض التكرّم منه ... ما علت فيه عنوة الجبروت
عشقت نفسه مفاكهة العل ... ياء حتّى لقال حبّك قوتي
لم يزل بيته على أوّل الدن ... يا عيالٌ عليه كلُّ البيوت
قبلةٌ صلّت القوافي إليه ... قانتات بالمدح أيَّ قنوت
قد نفى الإثم مصطفى النسك عنه ... مذ بناه على التقى للثبوت
يابن قوم ما ناضلوا الخصم إلاّ ... شغلوه بسنّة المنكوت
خلق الناس للكلام ولكن ... خلقوا إن نطقتم للسكوت
الصب، قال في القاموس: الصبابة هي الشوق أورقته أورقة الهوى، يقال: صببت تصبّ فأنت صبّ وهي صبّة.
وقال الجوهري: الصبابة رقّة الشوق وحرارته، يقال: رجل صبّ أي عاشق مشتاق، وقد صببت يا رجل بالكسر قال الشاعر:
ولست تصب إلى الظاعنين ... إذا ما صديقك لم يصبب
والمتيّم العبد المذلّل. قال في القاموس: تامّته المرأة أو العشق أو الحب تيماً وتيمته تيتيماً عبدته وذلّلته.
والخفوت السكون، يقال: خفت الصوت، سكن، ولهذا يقال للميّت خفت إذا انقطع كلامه وسكت فهو خافت، وخفت خفاتاً أي مات فجأةً، قال الشاعر:
لعمرك إنّي يوم بانوا فلم أمت ... خفاتاً على آثارهم لصبور
والخفوت بفتح الخاء، المرأة المهزولة أو التي تستحسن وحدها لا بين النساء.
قلت: وهذا البيت من جملة أبيات ذكرها السيّد المرتضى في الدرر، قال: إنّ الأصمعي قال: نزلت ذات ليلة في وادي بني العنبر وهو إذ ذاك مغان بأهله (أي أهلٌ بهم) وإذا فتية يريدون البصرة، فأحببت صحبتهم، فأقمت ليلتي تلك عليهم وإنّي لوصب محموم أخاف أن لا أستمسك على راحلتي، فلمّا قاموا ليرحلوا أيقظوني، فلمّا رأوا حالتيى رحّلوا لي وحمّلوني وركب أحدهم ورائي يمسكني، فلمّا أمعن السير تنادوا: ألا فتىً يحدو بنا أو ينشدنا؟ فإذا منشد في سواد الليل بصوت ند (أي مرتفع حزين) :
لعمرك إنّي يوم بانوا فلم أمت ... خفاتاً على آثارهم لصبور
غداة المنقى إذ رميت بنظرة ... ونحن على متن الطريق نسير
فقلت لقلبي حين خفّ به الهوى ... وكاد من الوجد المبرّ يطير
فهذا ولمّا تمض للبين ليلة ... فكيف إذا مرّت عليه شهور
وأصبح أعلام الأحبّة دونها ... من الأرض غولٌ نازح ومسير
وأصبحت نجديّ الهوى متّهم النوى ... أزيد اشتياقاً أن يحنّ بعير
عسى الله بعد النأي أن يسعف النوى ... ويجمع شملٌ بعدها وسرور
قال: فسكنت والله الحمّى عنّي حتّى ما أحسّ بها، فقلت لرديفي: أنزل رحمك الله إلى راحلتك فإنّي متماسك، وجزاك الله عن الصحبة خيراً.
فأمّا قوله: أن يسعف النوى أي يسعفنا بتقريب النوى، فاختصر.
رَجْعٌ إلى بيان ما لعلّه يحتاج إلى البيان من ألفاظ المقطوعة: المراد بالبيض النساء، وما زالت الشعراء تستحسن وصفهنَّ بالبياض والسمرة، وقد نظمت ذلك كثيراً في أشعارها.
وقولنا: فضيّة الجسم أي كأنّ جسمها مصوغ من الفضّة لشدّة بياضه.
وقولنا: وجنات تحمر كالياقوت أي إنّ وجناتها مع بياضها المتقدّم وصفه فيها حمرة كحمرة الياقوت، وهذا من أحسن ما تنعت به مع أنّ إيراده بلفظ تحمرُّ فيه إشعار بأنّ هذه الحمرة من شدّه خجلها حين تعاين كثرة عشّاقها الذين خفتوا أي ماتوا وانقطع كلامهم لشدّة شغفهم بها.
ومعنى يتعطّفن يتمايلن ويتثنين عن قدود حسنة لطيفة كأنّها الأغصان الرشيقة. وإطلاق اسم الأغصان عليها لشدّة الشبه.
ومعنى يتبسّمن عن أغرّ شتيت أي عن ثغر أبيض متباعد الأسنان. قال في القاموس: الشتيت المفرق والمشتت، ومن الثغر المفلج، يقال: هو فلج الأسنان أي متباعدها، ولابدّ من ذكر الأسنان، ولا يقال هو أفلج فقط. وما ألطف قول أبي البحتري وأرشقه:
ولم أنس إذ راحوا مطيعين للنوى ... وقد وقفت ذات الوشاحين والوقف
стр. 97
ثنت طرفها دون المشيب ومن يشب ... فكلّ الغواني عنه مثنيّة الطرف
وجنَّ الهوى فيها عشيّة أعرضت ... بناظرتي ريم وسالفتي خشف
وأفلج برّاق يروح رضا به ... حراماً على التقبيل بسلاً على الرشف
البسل، الحلال، والحرام ضدّه، يقال للواحد والجمع والمذكّر والمؤنّث.
وأمّا قولي: ماجد يخفض التكرّم منه الخ، فهو نظير قول البحتري:
وتواضع لولا التكرّم عاقة ... عنه علوٌّ لم ينله الفرقد
وقوله أيضاً:
متواضع وأقلُّ ما يعتدّه ... في المجد يوجب نخوة المتكبّر
وعزّة الجبروت المراد بها عزّة التكبّر، ومن ذلك المتكبّر وهو الذي لا يرى لأحد عليه حقّاً فهو بين الجبريّة والجبروت.
والمفاكهة، يقال: فكههم بملح الكلام تفكيهاً، أظرفهم بها، والإسم الفكيهة والفكاهة بالضم، وفكه كفرح فكها وفكاهةً فهو فكه وفاكهة طيب النفس ضحوك أو يحدّث صحبه فيضحكهم. وتفكّه، تعجّب، وفاكهه مازحه، وتفكّهت بالشيء تمنّعت به، والفكه الأشر البطر وكذلك الناعم، والمراد منها هنا الإظراف بملح الكلام أو التمتّع والتنعّم، والأوّل أليق. قال البحتري ولحظ مع الإظراف بملح الكلام طيب النفس:
ومفاكه عبق الكلام كأنّما ... يفضي إليك بلفظ فيه النرجس
وقال الطغرائي وأراد بالمفاكهة المزاح:
حلّوا الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت ... بشدّة البأس منه رقّة الغزل
وقد وقع في قولي منها:
قبلةٌ صلّت القوافي إليه ... قانتات بالمدح أي قنوت
مراعات النظير ويُسمّى التناسب، والتوافق، والإيتلاف، والمواخاة؛ وهو جمع أمر وما يناسبه مع إلغاء التضاد وبهذا القيد تخرج المقابلة لأنّ المناسبة بملاحظة التضاد أن يكون كلّ منهما مقابلاً للآخر، فهو في بيتنا هذا قصد المناسبة بذكر الصلواة والقنوت لما تقدّم ذكر القبلة. وقول البحتري:
كالقسيّ المعطفات بل الإس ... هم مبريّة بل الأوتار
ومعنى البيت أنّه يصف إبلاً أنحلها السرى بحيث صارت من الهزال كالقسيّ بل السهام بل الأوتار لأنّه لمّا ذكر القسيّ ناسب أن يذكر معها ما يناسبها من السهم والوتر وإلاّ فالألفاظ التي يشبه بها في النحول كثيرة مثل الهلال والخلال والعرجون وغير ذلك. قال مهيار الديلمي يصف إبلاً بشدّة النحول:
قسماً بالمنقبات الحنايا ... شقق الضالّ أو قسيّ النبع
كلّ جرداء لفّها السير بالسير ... فجائت في النسع مثل النسع
والمناسبة في بيت البحتري معنويّة، وهي لفظيّة في قول مهيار الديلمي:
ومدير سيّان عيناه والإبر ... يق فتكاً وريقه والرحيق
فالمراد بالإبريق هنا السيف البرّاق، وكان يصحّ أن يقال سيّان عيناه والصمصام أو الهندي فاختار الإبريق لمناسبته لفظاً للرحيق إذ الإبريق يطلق على إناء الخمر والرحيق هو الخمر، وهذا ليس من مراعات المعنى في شيء وإنّما هو مراعاة مجرّد اللفظ. ومن أحسن ما ورد في مراعات النظير قول ابن خفاجة يصف فرساً:
وأشقر يضرم منه الوغى ... بشعلة من شعل البآس
من جلنار ناضر جلده ... وأُذنه من ورق الآس
يطلع للغرّة في وجهه ... حبابةً تضحك في الكاس
والمناسبة فيه بين الجلنار والآس والنضارة. وما أبدع قول بعضهم:
أنتم بنوا طه ونون والضحى ... وبنوا تبارك والكتاب المحكم
وبنوا الأباطح والمشاعر والصفا ... والركن والبيت العتيق وزمزم
فإنّه أحسن في المناسبة بين أسماء السور في البيت الأوّل وبين أسماء الأماكن المذكورة في البيت الثاني ولهذا عيب على الطغرائي قوله:
فيم الإقامة في الزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
قال الصلاح الصفدي: أُنظر إلى قلقلة في بيت الطغرائي لأنّه عطف الناقة والجمل على السكن ولو عطف على ذلك ما يناسبه من أهل وولد لكان أحسن وأوقع في النفس. ومن أحسن ما جاء في مراعات النظير قول الشريف الموسوي أبي الحسن الرضي:
ببروق أدراع ورعدِ صوارم ... وغمام قسطلة ووبل دماء
وبديع قول بعضهم يرثي فقيهاً:
روضة العلم قطبي بعد ضحك ... والبسي من بنفسج جلبابا
وهبي النائحات منثور دمع ... فشقيق النعمان بان وغابا
ولأبي العلا المعرّي:
стр. 98
دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطوال الردينيات فافتخر
فهنّ أقلامك اللاّتي إذا كتبت ... مجداً أتت بمداد من دم هدر
ولبعض شعراء الذخيرة:
بدار سقتها ديمة أثر ديمة ... فمالت بها الجدران شطراً على شطر
فمن عارض يبكي ومن سقف مجلس ... يغني ومن بيت يميل من السكر
ومن الغايات قول البديع الهمداني من قصيدة:
سماء الدجى ما هذه الحدق النجل ... أصدر الدجى حال وجيد الضحى عطل
إلى أن قال في صفة السرى:
كأنّ مطايانا سماء كأنّنا ... نجومٌ على أقتادها برجنا الرحل
ومنها:
كأنَّ السرى ساق كأنّ الكرى طلاً ... كأنّا لها شربٌ كأنّ المنى نقل
كأنّا جياعُ والمطيُّ لنا فمٌ ... كأنّ الفلا زادٌ كأنّ السرى أكل
كأنّ ينابيع الثرى ثدي مرضع ... وفي حجرها منّي ومن ناقتي طفل
كأنّا على أرجوحة في مسيرنا ... لغور بنا يهوي ونجد بنا يعلو
ومنها:
كأنّ فميى قوسٌ لساني له يدٌ ... مديحي له نزعٌ له أملي نبل
كأنّ دواتي مطفل حبشيّة ... بناني لها بعلٌ ونقشي لها نسل
كأنّ يدي في الطرس غوّاص لجله ... بها كلمي درٌّ به قيمتي تغلو
وما أرشق قول ابن رشيق:
أصحّ وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كفّ الأمير تميم
ومن المستحسن قول ابن زبلاق في غلام معه خادم يحرسه:
ومن عجب أن يحرسوك بخادم ... وخدّام هذا الحسن من ذاك أكثر
عذارك ريحانٌ وثغرك جوهر ... وخدّك ياقوت وخالك عنبر
وردفك مثقال فهل أنت محسن ... عسى مقبلٌ بالوصل يأتي ميسّر
وما أبدع قول ابن مطروح:
وليلة وصل خلت ... ويا عاذلي لا تسل
لبسنا ثياب العناق ... مزرّرةً بالقبل
ومثله قول ابن عماد:
شقت عليك يد الأسى ... ثوب الدموع إلى الذيول
وعجيب قول ابن الخشّاب في المستضيء:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت دون الورد وقفة حائم
ظمآن أطلب خفة من زحمة ... والورد لا يزداد غير تزاحم
وقول ابن شرف في اجتماع البعوض والذباب والبرغوث في مجلس مخاطباً لصاحبه يستهزىء به:
لك مجلسٌ كملت مسرّتنا به ... للهو لكن تحت ذاك حديث
غنّى الذباب وظلَّ يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
ومن النهايات هنا قول القاضي الفاضل:
في خدَّه فخٌّ كعطفة صدغه ... والخال حبّته وقلبي الطائر
رَجْعٌ إلى ذكر باقي أبيات المقطوعة: فأمّا قولي فيها:
يابن قوم ما ناضلوا الخصم إلاّ ... شغلوه بسنّه المنكوت
فمعناه أنّ كلاًّ من آبائه منطيق ذو فصاحة وبلاغة ما ناضله خصم إلاّ وقطعه عن الكلام وتركه من شدّة الغيظ والندم مشغولاً بنكت سنّه، ونكت السنّ كناية عن ذلك وكذلك عضّ الإصبع، قال تعالى شأنه: (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظْ) ، وقال بعضهم:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنّني سبّابة المتندّم
وقال الرضي:
تفلي أنامله التراب تعلّلاً ... وأناملي في سنّي المقروع
وقال أيضاً:
يعجبني كلّ حازم الرأي لا يط ... مع في قرع سنّه الندم
وجاء عنهم: رددت يد فلان إلى فيه أي منعته من الكلام. ولا بأس بذكر كنايات أوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج، لأنّ فيها فوائد جليلة، وقد اختصرتها فذكرت أجلّها فائدة وأكثرها دوراناً في كلام الفصحاء: قال أميرالمؤمنين ﵇: العين وكاء السه (السه الأُست) . قال الجوهري: الأُست العجز، وقد يراد به حلقة الدبر، وأصلها سته ولذلك تجمع على أستاه مثل جمل وأجمال، ثمّ قال: وفي الحديث: العين وكاء السه، بحدف عين الفعل، ويروى: وكاء الست، بحذف لام الفعل.
قال السيّد الرضي: وهذا من الكنايات العجيبة، كأنّه شبّه السه بالوعاء والعين بالوكاء فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء.
وفي بعض الروايات: إذا نامت العينان استطلق الوكاء. والوكاء رباط القربة.
ويروى ما هذا مضمونه أنّ أباالعلاء المعرّي رقد فحدث منه شيء، فانتبه وبعض الحاضرين يضحك منه، فقال:
стр. 99
إذا نامت العينان من متيقّظ ... تراخت بلا شكّ تشارج فقحته
فمن كان ذاعقل فيعذر نائماً ... ومن كان ذا جهل ففي جوف لحيته
وقيل: إنّ يحيى بن زياد ومطيع بن أياس وحمّاد الراوية جلسوا على شرب لهم ومعهم رجل منهم فانحلّ وكاؤه، فاستحيى وخرج ولم يعد إليهم، فكتب إليه يحيى بن زياد:
أَمِنْ قلوص غدت لم يؤذها أحد ... إلاّ تذكّرها بالرمل أوطانا
خان العقال لها فانبتَّ إذ نفرت ... وإنّما الذنب فيه للذي خانا
منحتنا منك هجراناً ومقليةً ... ولم تزرنا كما قد كنت تغشانا
خفّض عليك فما في الناس ذو إبل ... إلاّ وأينقه يشردن أحيانا
أقول: وأين خجل هذا من وقاحة بشار بن برد فقد روى عنه أنّه جلس إليه رجل استثقله فأراد أن يخجله ليقوم عنه فضرط وهو بجنبه، ففزع الرجل، فقال له بشار: أسمعت أم رأيت؟ قال: بل سمعت، قال: فلا تصدّق حتّى ترى.
ومن الكنايات المستحسنة قولهم: فلان من قوم موسى إذا كان ملولاً، إشارة إلى قوله تعالى: (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعام واحد) .
قال أبو نؤاس في امرأة كان يختلف إليها غيره وهو يزورها ولا يعلم، فلمّا وقف على القصّة قال:
ومظهرة لخلق الله ودّاً ... وتلقى بالتحيّة والسلام
أتيت فؤادها أشكو إليها ... لم أخلص إليه من الزحام
أظنّك من بقيّة قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام
وقال آخر:
فيامن ليس يكفيه صديقٌ ... ولا ألفا صديق كلّ عام
أظنّك من بقايا قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام
وقال العبّاس بن الأحنف:
كتبت تلوم وتستريث زيارتي ... وتقول لست بها كعهد العاهد
فأجبتها ودموع عيني سجّم ... تجري على الخدّين غير جوامد
يا فوزُ لم أهجركم لملالة ... عرضت ولا لمقال واش حاسد
لكنّني جرّبتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
ويقولون للمكشوف الأمر الواضح الحال "ابن جلا" وهو كناية عن الصبح.
ومثله قولهم: فلان قائد الجمل أي إنّه لا يخفى لعظم الجمل وكبر جثّته.
وفي المثل: ما استتر من قاد جملاً.
وقالوا: كفى برغائها نداءً.
ومثل هذا قولهم: ما يوم حليمة بسرّ، يقال ذلك في الأمر المشهور الذي لا يستر، يوم حليمة يوم التقى المنذر الأكبر والحارث الغساني الأكبر وهو أشهر أيّام العرب. يقال: إنّه ارتفع فيه من العجاج ما ظهرت معه الكواكب نهاراً. وحليمة اسم امرأة أضيف إليها اليوم لأنّها أخرجت إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب به الداخلين إلى القتال حتّى تفانوا.
ويقال للجارية الحسناء: قد أبقت من رضوان، قال الشاعر:
جسّت العود بالبنان الحسان ... وتثنّت كأنّها غصن بان
فسجدنا لها جميعاً وقلنا ... إذ شجتنا بالحسن والإحسان
حاش لله أن تكوني من الإن ... س ولكن أبقت من رضوان
وقال نصر بن أحمد البصري من قصيدة:
تلألأ كالدرّ النقي نفاسةً ... وأشرب خدّاه عقيق حياء
فأحسبه من حور عدن وإنّما ... أتى هارباً في خلسة وخفاء
فلم أره إلاّ التفت توقّعاً ... لرضوان خوفاً أن يكون ورائي
سيؤخذ منّا ليس رضوان تاركاً ... على الأرض حوريّاً وبدر سماء
ويقولون في الشيخ الضعيف: قائد الحمار، إشارة إلى ما أنشده الأصمعي:
آتي النديّ فلا يقرّب مجلسي ... وأقود للشرف الرفيع حماري
أي أقوده من الكبر إلى موضع مرتفع لأركبه لضعفي.
ومثل ذلك كنايتهم عن الشيخ الضعيف بالعاجن، لأنّه إذا قام عجن في الأرض بكفّيه، قال الشاعر:
فأصبحت كنتياً وأصبحت عاجناً ... وشرُّ خصال المرء كنت وعاجن
قالوا: الكنتي هو الذي يقول كنت أفعل كذا وكنت أركب الخيل يتذكّر ما مضى من زمانه، ولا يكون ذلك إلاّ عند الهرم أو الفقر أو العجز.
ومثله قولهم للشيخ: راكع، ويقال أيضاً للإنسان إذا انتقل من الثروة إلى الفقر: قد ركع.
ويقولون للكبير: يدبُّ له الأرنب، لأنّ من يختل الأرنب ليصيدها يتمايل في مشيته.
ويقولون قيد بفلان البعير، للكبير الذي لا قوّة ليده على أن يصرف البعير تحته على حسب إرادته فيقوده قائد يحمله حيث يريد.
ومن الكناية عن شيب العنفقة قولهم: قد عضَّ على صوفة.
стр. 100
ويكنّون عن المرأة التي كبر سنّها فيقولون: قد جمعت الثياب أي تلبس القناع والخمار والإزار، وليست كالفتاة تلبس ثوباً واحداً.
ويكنّون عن الخاضب فيقولون: يسوّد وجه النذير، قال الشاعر:
وقائلة لي أخضب فالغواني ... تطير من ملاحظة القتير
فقلت لها المشيب نذير موتي ... ولست مسوّداً وجه النذير
وزاحم شابّ شيخاً في الطريق، فقال الشاب: كم ثمن القوس؟ يعيره بانحناء الظهر، فقال الشيخ: يابن أخي إن طال بك عمرٌ فسوف تأتيك بلا ثمن، وأنشد لابن أحنف:
تعيرني وخط المشيب بعارضي ... ولولا الحجول البلق لم تعرف الدهم
حنى الشيب ظهر فاستمرّت مريرتي ... ولولا انحناء القوس لم ينفذ السهم
ويقولون من رشى القاضي أو غيره: صبّ في قنديله زيتاً، وأنشد بعضهم:
وعيدُ قضاتنا خبث ومكرٌ ... وزرعٌ حين تسقيه بسنبل
إذا ما صبّ في القنديل زيت ... تحوّلت القضية للمقندل
وكان أبو صالح كاتب الرشيد ينسب إلى أخذ الرشى، وكاتب أُمّ جعفر وهو سعدان بن يحيى كذلك، فقال لها الرشيد يوماً: أما سمعت ما قيل في كاتبك؟ قالت: ما هو؟ فأنشد:
صبّ في قنديل سعدا ... ن مع التسليم زيتا
وقناديل بنيه ... قبل أن تخفي الكميتا
قالت: فما قيل في كاتبك أشنع، وأنشدته:
قنديل سعدان على ضوئة ... فرخٌ لقنديل أبي صالح
تراه في مجلسه أخوصاً ... من لمحه للدرهم اللائح
ويقولون لمن طلّق ثلاثاً: نجزها بمثلّثة.
ويكنّون عن العزيز وعن الذليل فيقولون: بيضة البلد، فمن يقولها للمدح يذهب إلى أنّ البيضة هي الحوزة والحمى، يقولون: فلان يحمي بيضته أي يحمي حوزته وحمايته، ومن يقولها للذمّ يعني أنّ الواحدة من بيض النعام إذا فسدت تركا أبواها في البلد وذهبا عنها، وقول الشاعر في المدح:
لكنَّ قاتله من لا كفاء له ... قد كان يُدعى أبوه بيضة البلد
وقال الآخر في الذم:
حيا قضاعة لم تعرف لكم نسباً ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد
ويقولون للشيء الذي يكون في الدهر مرّةً واحدةً: هو بيضة الديك.
ويقولون لمن يحمد جواره: جاره جار أبي دؤاد؛ وهو كعب بن مامة الأيادي، كان إذا جاوره رجل فمات وداه، وإن هلك عليه شاة أو بعير خلّفه عليه، فجاوره أبو دواد الأيادي فأحسن إليه، فضُرب به المثل.
ومثل قولهم: هو جليس قعقاع ابن شور، وكان من حديثه أنّه قدم إلى معاوية، فدخل عليه والمجلس غاصّ بأهله ليس فيه مقعد، فقام له رجل من القوم وأجلسه مكانه، فلم يبرح القعقاع من ذلك الموضع يكلّم معاوية ومعاوية يخاطبه حتّى أمر له بمائة ألف درهم فأحضرت إليه فجعلت في جانبه، فلمّا قام قال للرجل القائم له من مكانه: ضمّها إليك فهي لك بقيامك لنا عن مجلسك، فقيل فيه:
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السنّ إن نطقوا بخير ... وعند الشرّ مطراقٌ عبوس
ويكنّون عن السمين من الرجال: هو جار الأمير، وضيف الأمير، وأصله أنّ الغضبان بن القبعثرى كان محبوساً في سجن الحجّاج، فدعا يوماً فكلّمه فقال له في جملة خطابه: إنّك لسمين يا غضبان! فقال: القيد والرتعة والخفض والدعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن.
ونظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة (والكدنة هي اللحم والشحم) فقال: أرى عليك قطيفة محكمة؟ قال: نعم ذاك عنوان نعمة الله عندي.
ويقولون للكذّاب: هو قموص الحنجرة، يقال: قمص الفرس وغيره استنَّ وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معاً ويعجن برجليه. ويقال: هذه دابّة فيها قماص، سمّي الكذوب بهذا الإسم لأنّ حنجرته تتحرّك من غير رويّة كأنّها فرس قموص.
ويقال: هو زلوق الكبد، والمزلق المكان الذي لا يثبت فيه القدم، ويعنون بهذه الكناية أنّ نحر الكذوب لا يثبت فيه كلام ولا تماسك فيه بل مزلق الكلام ويخرج كيفما كان.
ويقولون فيه أيضاً: هو فاختة البلد من قول الشاعر:
أكذب من فاختة ... تصيح فوق الكرب
والطلع لم يبدُ لها ... هذا أوان الرطب
وقال آخر في المعنى:
حديث أبي حازم كلّه ... كقول الفواخت جاء الرطب
وهنَّ وإن كنَّ يشبهنه ... فليس يدانينه في الكذب
ويكنّون عن النمام بالزجاج لأنّه يشفُّ عمّا تحته، قال الشاعر:
стр. 101
أنمُّ بما إستودعته من زجاجة ... يرى الشيء فيها ظاهراً وهو باطن
ويكنّون عنه بالنسيم، قال الآخر:
وإنّك كلّما استودعت سرّاً ... أنمُّ من النسيم على الرياض
ويقولون: إنّه لصبح، وإنّه لطيب. قال بعضهم: يقال ذلك لأنّ الصبح لا يكتم ضوئه، والطيب لا يكتم ريحه، والنمام لا يكتم حديثاً.
ويقولون: ما زال يقتل له في الذروة والغارب حتّى استسمحت قرونته أي نفسه، والقرونة النفس، والذروة أعلا اسنام، والغارب مقدّمه، ومعناه: يدور من ورائه لخديعته.
ويقولون في الكناية: ما يدري أيّ طرفيه أطول، قيل: هما ذكره ولسانه، وقيل: هما نسب أبيه ونسب أُمّه.
ويقولون: زوده زاد الضب أي لم يزوده شيئاً لأنّ الضب لا يشرب الماء وإنّما يتغذّى بالريح والنسيم ويأكل القليل من عشب الأرض.
ويقولون للمختلفين من الناس: هم كنعم الصدقة، وهم كبعر الكبش، قال عمرو بن لحاء:
وشعر كبعر الكبش ألف بينه ... لسان دعيّ في القربض دخيل
وذلك لأنّ بعر الكبش يقع متفرّقاً.
وقال بعض الشعراء لشاعر آخر: أنا أشعر منك لأنّي أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمّة.
فأمّا قول جرير في ذي الرمّة: إنّ شعره بعر ظباء ونقط عروس فقد فسّره الأصمعي فقال: يريد أنّ شعره حلوٌ أوّل ما تسمعه فإن كرّر إنشاده ضعف لأنّ أبعار الظباء أوّل ما تشمّ توجد لها رائحة ما أكلت من الجثجاث والشيح والقيصوم فإذا أدمت شمّها عدمت تلك الرائحة، ونقط العروس إذا غسلتها ذهبت.
ويقال أيضاً في المختلفين هم أولاد علاّت كالإخوة لأُمّهات شتّى والعلّة الضرّة.
ويقال للمتساويين في الردائة: كأسنان الحمار. وأنشد المبرّد في الكامل لأعرابي يصف قوماً من طي بالتساوي في الردائة:
ولمّا أن رأيت بني جوين ... جلوساً ليس بينهم جليس
يئست من الذي أقبلت أبغي ... لديهم إنّني رجل يئوس
إذا ما قلت أيّهم لأيٍّ ... تشابهت المناكب والرؤوس
قال: فقوله: ليس بينهم جليس هجاء قبيح، يقول: لا ينتجع الناس معروفهم فليس بينهم غيرهم.
ويقال أيضاً للمتساويين في الردائة: هما كحماري العبادي، لأنّه قيل له: أيّ حماريك شرٌّ؟ فقال: هذا ثمّ قال هذا.
ويقال في التساوي في الخير: هم كأسنان المشط، ويقال: وقعاً كركبتي البعير، وكرجلي النعامة.
وقال ابن الأعرابي: كلّ طائر إذا كسرت إحدى رجليه تحامل على الأُخرى إلاّ النعام فإنّه متى كسرت إحدى رجليه جثم، فلذلك قال الشاعر يذكر أخاه:
وإنّي وإيّاه كرجلي نعامة ... على ما بنا من ذي غنىً وفقير
وقال أبو سفيان بن حرب لعامر بن الطفيل وعلقمة ابن علاتة، وقد تنافرا إليه: أنتما كركبتي البعير، فلم ينفر واحد منهما. فقالا: أيّنا اليمنى؟ فقال: كلّ منكما يمنى.
وسأل الحجاج رجلاً عن أولاد المهلّب أيّهم أفضل؟ فقال: هم كالحلقة الواحدة.
وسأل ابن دريد عن المبرّد وتغلب فأثنى عليهما، فقيل: فابن القتيبة؟ قال: ربوة بين جبلين، أي خمل ذكره بنباهتهما.
ويقال للمتكفّل بمصالح النّاس إنّه وصيّ آدم على ولده، قال الشاعر:
فكأنّ آدم عند قرب وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء
ويقال خليفة الخضر لمن كان كثير الأسفار.
ويقولون للشيء المنتخب المختار: ثمرة الغراب، لأنّه ينتقي خير الثمر.
ويقولون: سمنُ فلان في أديمه، كناية عمّن لا ينتفع به أي ما خرج منه يرجع إليه، وأصله أنّ نحياً من السمن انشقَّ في ظرف من الدقيق فقيل ذلك، قال الشاعر:
ترحّل فما بغداد دار إقامة ... ولا عند من أضحى ببغداد طائل
محلُّ ملوك سمنهم في أديمهم ... وكلّهم من حلية المجد عاطل
فلا غرو إن شلّت يد المجد والعلى ... وقلَّ سماحٌ من رجال ونائل
إذا غضغض البحر الغطامط مائه ... فليس عجيباً أن تغيض الجداول
ويقولون لمن لا يفي بالعهد: فلان لا يحفظ أوّل المائدة، لأنّ أوّلها: (يا أيُّها الّذين آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُود) .
ويقولون لمن هو حسن اللباس: لا طائل عنده هو مشجب، والمشجب خشبة القصار التي يطرح عليها الثياب. قال ابن الحجّاج:
لي سادة طارق السرور بهم ... يطرده اليأس بالمقاليع
стр. 102
مشاجبٌ للثياب كلّهم ... وهذه عادة المشاقيع
جائزتي عندهم إذا سمعوا ... شعري هذا كلام مطبوع
وإنّهم يضحكون إن ضحكوا ... منّي وأبكي أنا من الجوع
وروي أنّ كيسان غلام أبي عبيدة وفد على بعض البرامكة فلم يعطه شيئاً، فلمّا وافى البصرة قيل له: كيف وجدته؟ قال: مشجباً من حيث ما أتيته وجدته لا طائل عنده.
ويكنّون عن الطفيلي فيقولون: هو ذباب، لأنّع يقع في القدور، قال الشاعر:
أتيتك زائراً لقضاء حقٍّ ... فحال الستر دونك والحجاب
ولست بواقع في قدر قوم ... وإن كرهوا كما يقع الذباب
وظريف قول الآخر:
وأنت أخو السلام وكيف أنتم ... ولست أخا الملمّات الشداد
وأطفل حين تجفى من ذباب ... وألزم حين تدعى من قراد
ويكنّون عن القصير القامة بأبي زبيبة، وعن الطويل بخيط الباطل، وكانت كنية مروان بن الحكم لأنّه كان طويلاً مضطرباً. ولهم في تفسير خيط الباطل قولان: أحدهما: إنّه الهباء الذي يدخل من ضوء الشمس في الكوّة من البيت وتسمّه العامة غزل الشمس.
والثاني: إنّه الخيط الذي يخرج من فم العنكبوت وتسمّيه العامّة مخاط الشيطان.
وتقول العرب للملقوّ: لطيم الشيطان.
ويقولون للحزين المهموم: يعدّ الحصى، ويخط الأرض، ويفتُّ اليرموع، واليرموع هو حجارة بيض رقاق تلمع. قال المجنون:
عشيّة مالي حيلة غير أنّني ... بلفظ الحصى والخط في الدار مولع
أخطّ وأمحو كلّ ما قد خططته ... بدمعي والغربان حولي وقّع
وهذا كالنادم يقرع السنَّ، والبخيل ينكت الأرض ببنانه أو بعود عند الردّ.
ويقولون للفارغ: فؤاد أُمّ موسى، وللمثري من المال: منقرس، لأنّ داء النقرس أكثر ما يعتري أهل الثروة والتنعّم. قال بعضهم يهجو ابن زيدان الكاتب:
تواضع النقرس حتّى لقد ... صار إلى رجل ابن زيدان
علّة إنسان ولكنّها ... قد وجدت في غير إنسان
ويقولون للمترف: رقيق النعل، لأنّ الملك لا يخصف نعله وإنّما يخصف نعله من يمشي، وكذلك: مسمط النعال أي نعله طبقة واحدة غير مخصوف.
ويقولون للسيّد: لا يطؤ على قدم أي هو يتقدّم النّاس ولا يتبع أحداً فيطأ على قدمه.
ويقولون: قد اخضرّت نعالهم أي صاروا في خصب.
وإذا دعوا على إنسان بالزمانة قالوا: خلع الله نعليه، لأنّ المقعد لا يحتاج إلى نعل.
ويقولون: أطفأ الله نوره كناية عن العمى وعن الموت، لأنّ من يموت قد طفئت ناره.
ويقولون: سقاه الله دم جوفه، دعاءٌ عليه بأن يقتل ولده ويضطرّ إلى أخذ ديتة إبلاً فيشرب ألبانها.
ويقولون: رماه الله بليلة لا أخت لها، يعنون ليلة موته.
ويقولون: قدر حليمه أي لا غليان فيها.
ويقولون: لقيت من فلان عرق القربة أي العرق الذي يحدث من حملها.
ويكنّون عن الحشرات والهوام بجنود السعد، يعنون سعد الأخبية وذلك لأنّه إذا طلع انتشرت في ظاهر الأرض بعد اختفائها.
ويكنّون عن اللقيط بتربية القاضي، وعن الرقيب بثاني الحبيب، لأنّه يرى معه أبداً. قال ابن الرومي:
موقفٌ للرقيب لا أنساه ... لست أختاره ولا أباه
مرحباً بالرقيب من غير وعد ... جاء يجلو عَلَيّ من أهواه
لا أحبّ الرّقيب إلاّ لأنّي ... لا أرى من أحبّ حتّى أراه
ويكنّون عن وجه المليح بحجّة المذنب، قال الشاعر:
قد وجدنا غفلةً من رقيب ... فسرقنا نظرةً من حبيب
ورأينا ثمّ وجهاً مليحاً ... فوجدنا حجّة للذنوب
ويكنّون عن الجاهل ذي النعمة بحجّة الزنادقة.
ويقولون: عرض فلانٌ على الحاجة عرضاً سابرياً أي خفيفاً من غير استقصاء، تشبيهاً له بالثوب السابري والدرع السابرية.
ويقولون: في ذلك وعدٌ سابري أي لا يقرن به وفاء.
ويقولون: عرض عليه عرض عالة أي عرض الماء على النعم العالة التي شربت شرباً بعد شرب وهو العلل لأنّها تعرض على الماء عرضاً خفيفاً لا تبالغ فيه.
ويكنّون عن الشيب بغبار العسكر، وغبار وقائع الدهر، قال الشاعر:
غضبت ظلوم وأزمعت هجري ... وصبّت ضمائرها إلى الغدر
قالت أرى شيباً فقلت لها ... هذا غبار وقائع الدهر
ويقولون: القلم أحد اللسانين، وردائة الحظ إحدى الزمانتين.
وجاء ينفض مذرويه لمن يتوعّد من غير حقيقة.
стр. 103
وجاء ينظر عن شماله أي منهزماً.
وفلان عندي بالشمال أي منزلته خسيسة.
وفلان عندي باليمين إذا كان بالمنزلة العليا.
ويقولون: هم في خير لا يطير غرابه، يريدون أنّهم في خير كثير وخصب عظيم فيقع الغراب فلا ينفر.
وكذلك أمر لا ينادى وليده أي أمر عظيم ينادى فيه الكبار دون الصغار. وقيل: إنّ المرأة تشتغل عن وليدها فلا تناديه.
ويقال: أصبح فلان على قرن أعفر؛ وهو الظبي، يريدون أصبح على خطر لأنّ قرن الظبي لا يصلح مكاناً. وأنشد ابن دريد:
وما خير عيش لا يزال كأنّه ... معرّس يعسوب برأس سنان
يعني من القلق وإنّه غير مطمئن.
ويقولون: به داء الظبي أي لا داء به، لأنّ الظبيى صحيح لا يزال والمرض قلّ أن يعتريه. قال الباخرزى:
كالظبي لولا اعتلالٌ في نواظرها ... والظبي لا يشتكي عارض العلل
وقال رسول الله ﵌: إيّاكم وخضراء الدمن! فلمّا سئل عنها؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء.
ويقولون للمتلوّن المختلف الأحوال: ظلُّ الذئب، لأنّه لا يزال مرّة هكذا ومرّة هكذا.
ويقولون داء الذئب أي الجوع.
ويقولون عهد فلان عهد الغراب، يعنون أنّه غادر لأنّ كلّ طائر يألف أُنثاه إلاّ الغراب فإنّه إذا باضت الأُنثى تركها وصار إلى غيرها.
ويقولون: ذهب بسمع الأرض وبصرها الى إلى حيث لا يدري.
ويقولون: ألقى عصاه إذا أقام واستقرّ.
ويقولون للمختلفين: طارت عصاهم شققاً.
ويقولون: فلان منقطع القبال أي لا رأي له.
وفلان عريض البطان أي كثير الثروة.
وفلان رخيّ اللبب أي في سعة.
وفلان واقع الطير أي ساكن.
وفلان شديد الكاهل أي منيع الجانب.
وفلان ينظر في أعقاب نجم مغرّب أي هو نادم آيس. قال الشاعر:
ولم أرَ ليلى بعد موقف ساعة ... بخيف منى ترمي جمار المخصّب
ويبدي الحصى منها إذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب
وأصبحت من ليلى الغداة بناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
ألا إنّما غادرت يا أُمَّ مالك ... صدىً أينما تذهب به الريح يذهب
ويقولون: سقط في يده أي أيقن بالهلكة.
وأعطاه كذا عن ظهر يداً أي ابتداءً لا عن مكافاة.
وجاء فلان ناشراً أُذنيه أي جاء طامعاً.
ويقال: هذه فرس غير محلفة أي لا تحوج صاحبها أن يحلف بأنّها كريمة.
ويقال: حلب فلان الدهر أشطره أي مرّت عليه ضروبه خيره وشرّه.
وأبدى الشرُّ نواجذه أي ظهر. وكشفت الحرب عن ساقيها، وكشرت عن نابيها.
ويقولون: استنوق الجمل، للرجل يكون في حديث فينتقل إلى غيره يخلطه به.
ولمن يهون بعد عزٍّ استأتن العير.
وللضعيف يقوى استنسر البغاث، إنتهى.
ولنرجع إلى تمام المقطوعة: فأمّا قولي فيها:
خلق الناس للكلام ولكن ... خلقوا إن نطقتم للسكوت
فمثله قول مهيار الديلمي:
إذا نطقتم سكت الناس لكم ... على قوى الأنفاس وامتدادها
كأنّما ألسنكم لهاذمٌ ... على القنا تشرع في صعادها
وقوله أيضاً:
تكلّموا وأرمَّ الناطقون لهم ... لا يؤمرون ولا يعصون ما أمروا
الفصل الثاني في الغزل
قلت هذه الأبيات:
أطال اشتغالي في هواه مهفهف ... أنيق الصبا سبحان مبدع فطرته
أطالع منه في ليالي فروعه ال ... طوال على مصباح أنوار غرّته
صحيفة وجه عن فؤادي تجيب في ... حروف معان هنَّ عين مضرّته
بصادِ فم في نقطة الخال معجم ... ولام عذار تحت تشديد طرّته
الفصل الثالث في شكوى الزمان وعدم نباهة الحظ
قلت:
كم تراني استولد الأوقاتا ... فرجاً في انتظاره الصبر ماتا
وإذا هبت الحظوظ فحظي ... يقطع الليل والنهار سباتا
الفصل الرابع في الهجاء
قلت في ذلك:
وحشٌ من الإنس من يعلق بصحبتهم ... يكنْ كمستبدل سقماً بصحّته
كأنّني بينهم مسكٌ أحاط به ... ريح البطون فأخفى طيب نفحته
وقلت أيضاً:
أُكرّر طرفي فلا أرى أبداً ... إلاّ غبياً أنّى تلفت
من كلّ من ذقنه كعانته ... والفمُّ منه كأنّه أست
ومعجب كلّ مشيه مرح ... ومترف كلُّ أكله سحت
الباب الرابع في قافية الثاء
стр. 104
وفيها فصلان
الفصل الأوّل في المديح
قلت فيه:
عشقت ظماء الوشح لا بل غراثها ... تودُّ الثريا أن تكون رعاثها
من الخرد الوسنانة اللحظ حرّمت ... على العين منّي أن تذوق حثاثها
نشت في خدور عنك فتيان عامر ... حمت بذكور المرهفات إناثها
ومرتبعات في رياض كأنّما ... ندى حسن في واسم منه غاثها
كأخلاقه أزهارها اللاء دبجت ... بوطفاء خلنا من يديه انبعاثها
شأى في المعالي والمكارم والنهى ... فأحرز غايات الفخار ثلاثها
همام به لا قست أبناء عصره ... ومن بالصقور الغلب قاس بغاثها
تراه بنوا الآمال في المحل غيثها ... وعند طروق النائبات غياثها
تردّت ثياب العيش فيه قشيبةً ... وعند سواه قد تردّت رثاثها
من القوم لا تلقى سوى الحمد كسبها ... وليس ترى إلاّ المعالي تراثها
معوَّدة سبق السؤال صلاتها ... فإن هي لم تسبق وإلاّ استراثها
وكم بفتىً لاثت مأزرها العلى ... فما حمدت إلاّ عليه ملاثها
أقول: العشق طمع يتولّد في قلب العاشق وكلّما قوي زاد صاحبه في الإهتياج، واشتغل فكره في الآمال في محبوبه، والحرص على طلبه، واللجاج في محبّته حتّى يؤدّيه ذلك إلى الغم المقلق، وينشؤ عن ذلك فساد الفكر، ومعه يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون، وتمنّي ما لا يتم حتّى يؤدّيه إلى الجنون، فربّما قتل نفسه وربّما مات غمّاً، وربّما رأى محبوبه فمات من الفرح.
واعلم أنّ العشق والهوى والحب وإن كان موردها واحد فقد فرّق فيما بينهما عمرو بن بحر الجاحظ فقال: كلّ عشق يسمّى حبّاً، وليس كلّ حبٍّ يسمّى عشقاً لأنّ العشق اسم لما فضل عن الإقتصاد في الحبّ كما أنّ السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الإقتصاد، والهوى يتفرّع عن الحب، والحب هو المتولّد من أوّل نظرة، قال بعضهم في ذلك:
الحب أوّله حبٌّ تهيم به ... نفس المحب فيلقى الموت كاللعب
يكون مبدؤه من نظرة عرضت ... وخطرة قدحت في القلب كاللهب
كالنار مبدؤها من قدحة فإذا ... تأجّجت أحرقت مستجمع الحطب
وقال الآخر:
الحب من سمع ومن لحظة ... وفيه أحلاءٌ وإمرار
رأيت نار الحب بين الحشا ... تفعل ما لا تفعل النّار
إن لم تكلّم في الهوى ألسنٌ ... تكلّمت باللحظ أبصار
والحب داء ماله حيلة ... وليس فيه للفتى عار
وقيل: إنّ الحب هو الميل الدائم بالقلب للحبيب ومصاحبته على الدوام، كما قيل:
ومن عجب أنّي أحنُّ إليهم ... وأسأل شوقاً عنهم وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وكقول الآخر:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
والحب هو المحبّة، وأحسن الأقوال في اشتقاقها أنّها مشتقّة من حبّة القلب وهي سويداه، وسمّيت بذلك لوصولها إلى حبّة القلب كما قيل مثل ذلك في الشغف، إنّ الحبّ يسمّى شغفاً إذا بلغ شغاف القلب وهو غشاء على القلب رقيق، وكلّ هذه الأوصاف والأحوال بحسب مراتب الحب. فأمّا كون الحب هو المتولّد من أوّل نظرة فقد قالوا أنّ الرجل قد تمرّ به المرأة فيكون ظاهر هيئتها مشاكلاً لطبعه فتتحرّك نفسه وتنبعث همّته وإذا تكرّر نظره إليها زاد حبّه لها، فإن نظرت إليه نظرة فظنَّ أنّ في نظرها جزءً من هوىً له أو أنّ عليها مسحةً من إعجاب به دخل في عداد العاشقين، وقد أجمعوا على أنّ العشق هو الداء العلياء وما له غير وصل الحبيب من دواء، قال مهيار الديلمي:
أشتكيكم وإلى من أشتكي ... أنتم الداء فمن يشفي السقاما
وممّا ورد في وصف العشق ما رواه الهيثم بن عدي قال: أصبت صخرة مكتوب عليها: العشق ملك غشوم، مسلّط ظلوم، دانت له القلوب وانقادت له الألباب، وخضعت له النفوس، فالعقل أسيره، والنظر رسوله، واللحظ لفظه، مستوره غامض، وهو دقيق المسلك، عسر المخرج.
стр. 105
أقول: قوله: واللحظ لفظه يشهد بذلك ما قاله البحتري وذلك أنّ السيّد المرتضى روى في الدرر عن يحيى بن البحتري قال: إنّي انصرفت يوماً من مجلس أبي العبّاس محمّد بن يزيد المبرَّد فقال لي أبي البحتري: ما الذي أفدت يومك هذا من أبي العبّاس؟ فقلت: أملى عَلَيّ أخباراً وأنشدني أبياتاً للحسين بن الضحّاك. قال: أنشدني الأبيات، فأنشدته:
كأنّي إذا فارقت شخصك ساعةً ... لفقدك بين العالمين غرب
وقد رمتُ أسباب السلوّ فخانني ... ضميرٌ عليه من هواك رقيب
أغرَّك صفحي عن ذنوب كثيرة ... وغضي على أشياء منك تريب
كأنْ لم يكن في الناس قبلي متيّم ... ولم يك في الدنيا سواك حبيب
إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن ... لشكواي من عطف الحبيب نصيب
فقال: هذا من أحسن الكلام يابني، ثمّ أنشدني لنفسه:
حبيبي حبيب يكتم النّاس أنّه ... لنا حين تلقاه العيون حبيب
يباعدني في الملتقى وفؤاده ... وإن هو أبدى في البعاد قريب
ويعرض عنّي والهوى منه مقبلٌ ... إذا خاف عيناً أو أشار رقيب
فتنطق منّا أعينٌ حين نلتقي ... وتخرس منّا ألسنٌ وقلوب
ثمّ قال: أرو يا بني هذا فإنّه من أحسن الشعر وظريفه.
وقال بعضهم: وقد جعل الدمع كناية تخاطبه بها محبوبته إخفاءً للمحبّة التي بينهما بحيث لا يعلم بهما الوشاة:
ومراعة للبين تحسب أنّها ... قمر على غصن تغيب وتطلع
كتبت إليك على شقائق خدّها ... سطراً من العبرات ماذا أصنع
فأجبتها بلسان حال معرب ... ما في الحيوة مع التفرّق مطمع
وما أحسن قول بعضهم في إخفاء المحبّة وإظهار الصدّ حذر العذال والوشاة:
وخبّرك الواشون أن لا أحبّكم ... بلى وستور الله ذات المحارم
أصدُّ وما الصدّ الذي تعلمينه ... عزاء بنا إلاّ اجتراع العلاقم
حياءً وتقياً أن تشيع نميمةٌ ... بنا وبكم أُفٍّ لأهل النمائم
وإنَّ دماً لو تعلمين جنيته ... على الحيّ جاني مثله غير سالم
أما أنّه لو كان غيرك أرقلت ... صعاد القنا بالراعفات اللهاذم
ولكنّه والله ما طلَّ مسلماً ... كبيض الثنايا واضحات الملاغم
رمين فاقصدن القلوب فلا ترى ... دماً مائراً إلاّ جوىً في الحيازم
إذا هنَّ ساقطن الحديث حسبته ... سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم
وقال الطغرائي وقد أبدع غاية الإبداع بنظم يستوقف حسنه العيون والأسماع:
خبّروها أنّي مرضت فقالت ... مرضاً طارفاً شكى أم تليدا
وأشاروا بأن تعود وسادي ... فأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خيفةً تتشكّى ... ألم الوجد والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالك ... أن أمالت عَلَيّ عطفاً وجيدا
قال صلاح الدين الصفدي: هذه الأبيات يرشفها السمع مداماً، ويفضلها السامع على العقود نظاما، ويظنّ الشاعر ألفاتها غصوناً، والهمزات عليها حماما.
رَجْعٌ إلى وصف العشق: روي أنّ المأمون قال ليحيى بن أكثم: ما العشق؟ فقال يحيى: سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه، ويتواتر بها نفسه. فقال له تمامة: أسكت يا يحيى! إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد صيداً وأمّا هذه فمن مسائلنا نحن. فقال له المأمون: قل يا تمامة! فقال: العشق جليس ممتع، وأليف مونس، وصاحب مالك، ومالك قاهر مسالكه لطيفة، ومذاهبه متضادّة، وأحكامه جائزة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب في خواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس وآرائها، وأعطي زمان طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه. فقال المأمون: أحسنت يا تمامة، وأمر له بألف دينار.
أقول: قوله: إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق الخ تعريض لطيف لأنّه سُئل في هاتين المسألتين وما اهتدي إلى الجواب عنهما، فقد روي في حديث تزويج المأمون ابنته أُمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ الجواد ﵇ أنّ يحيى بن أكثم قال للمأمون: أتأذن لي أن أسأل أبا جعفر عن مسألة؟ فقال له المأمون: إستأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال له أبو جعفر ﵇: سل إن شئت. قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيداً؟
стр. 106
فقال له أبو جعفر ﵇: قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أم جاهلاً؟ قتله عمداً أم خطأ؟ حرّاً كان المحرم أم عبداً؟ صغيراً كان أم كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أم نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النّهار؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أم الحج كان محرماً؟ فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والإنقطاع ولجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فلمّا تفرّق الناس وبقي الخاصة قال المأمون لأبي جعفر ﵇: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر ما فصّلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ونستفيده؟ فقال أبو جعفر: نعم، إذا قتل صيداً في الحلّ وكان من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحل فعليه جمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الجمل وقيمة الفرخ، فإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، وإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه للعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه الإثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة.
فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر! أحسن الله إليك! فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك؟ قال: ذاك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلاّ استفدته منك. فقال له أبو جعفر: أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النّهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا كان غروب الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحرمت عليه؟ فقال له يحيى والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه فإن رأيت أن تفيدنا؟ فقال له أبو جعفر ﵇: هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أوّل النّهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهرها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان من نصف الليل طلّقها طلقة واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.
فقول تمامة: إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم قتل صيداً تعريض له بذلك، معناه أنّك مع ما تسمّيت به من الفقه ولا تعرف الجواب عن مسائله، فكذلك أنت من أهل العشق ولا تحسن وصفه.
وذكر ابن خلّكان عن بعض المؤرّخين أنّه لم يكن في يحيى بن أكثم ما يعاب به سوى ما كان يتّهم به من الهناة الشائعة عنه المنسوبة إليه.
قال: ونقلت من أمالي أبي بكر محمّد بن القاسم الأنباري أنّ القاضي يحيى بن أكثم قال لرجل يأنس به ويمازحه: ما تسمع الناس يقولون فيّ؟ قال: ما أسمع إلاّ خيراً. قال: ما أسألك لتزكّيني، قال: أسمعهم يرمون القاضي بالأُبنة، قال: اللهمّ غفراً، المشهور عنّا غير هذا.
وذكر عنه أنّه كان يحسد حسداً شديداً وكان متفنّناً، فإذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكيٌّ حافظ، فناظره فرآه متفنّناً، فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم، قال: تحفظ من الأُصول؟ قال: نعم أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أنّ عليّاً ﵇ رجم لوطيّاً، فأمسك يحيى عنه ولم يكلّمه.
قال الخطيب: ودخل على يحيى بن أكثم ابنا مسعدة وكانا على نهاية الجمال، فلمّا رآهما يمشيان في صحن الدار أنشد:
стр. 107
يا زائرينا من الخيام ... حيّاكما الله بالسلام
لم تأتياني وبي نهوض ... إلى حلال ولا حرام
يحزنني إن وقفتما بي ... وليس عندي سوى الكلام
ثمّ أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتّى انصرفا.
ويقال: إنّه عزل عن الحكم بسبب هذه الأبيات.
قال: ورايت في بعض المجاميع أنّ يحيى بن أكثم مازح الحسن بن وهب وهو يومئذ صبيّ فلاعبه ثمّ جمشه، فغضب الحسن، فأنشد يحيى:
أيا قمراً جمشته فتغضّبا ... وأصبح لي من تيهه متجنّبا
إذا كنت للتجميش والعضّ كارهاً ... فكن أبداً يا سيّدي متنقّبا
ولا تظهر الأصداغ للنّاس فتنة ... ولا تجعل منها فوق خدّيك عقربا
فتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاً ... وتترك قاضي المسلمين معذّبا
وقال أحمد بن يونس الضبي: كان زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى بن أكثم، وكان غلاماً جميلاً، متناهي الجمال، فقرص القاضي خدّه، فخجل الغلام واستحيى وطرح القلم من يده، فقال له يحيى: خذ القلم واكتب ما أملي عليك، ثمّ أملى الأبيات المذكورة.
وقال إسماعيل الصفّار: سمعت أبا العينا في مجلس أبي العبّاس المبرّد يقول: كنت في مجلس أبي عاصم النبيل وكان أبوبكر بن يحيى بن أكثم ينازع غلاماً، فقال: إن يسرق فقد سرق أب له من قبل.
وذكر الخطيب في تاريخه: أنّ المأمون قال ليحيى بن أكثم: من الذي يقول:
قاض يرى الحدَّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من بأس
قال: أوما يعرف أميرالمؤمنين قائله؟ قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ... الأُمّة وال من آل عبّاس
قال: فأفحم المأمون خجلاً وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند.
وهذان البيتان من جملة أبيات أوّلها:
أنطقني الدهر بعد أخراس ... لنائبات أطلن وسواسي
يا بؤس للدهر لا يزال كما ... يرفع ناساً يحطُّ من ناس
لا أفلحت أُمّةٌ وحقَّ لها ... بطول نكس وطول أتعاس
ترضى بيحيى يكون سائسها ... ولى يحيى لها بسوّاس
قاض يرى الحدَّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من بأس
يحكم للأمرد الغرير على ... مثل جرير ومثل عبّاس
فالحمد لله كيف قد ذهب ال ... عدل وقلَّ الوفاء في النّاس
أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرأسُ شرُّ ما راس
لو صلح الدين واستقام لقد ... قام على النّاس كلّ مقياس
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ... الأُمّةِ وال من آل عبّاس
قال: وحكى أبوالفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ليحيى المذكور وقائع في هذا الباب كثيرة، وأنّ المأمون لمّا تواتر النقل على يحيى بهذا اراد امتحانه، فأخلى له مجلساً واستدعاه وأوصى مملوكاً خزريّاً أن يقف عندهما وحده، وإذا خرج المأمون يقف المملوك عند يحيى فلا ينصرف، وكان المملوك في غاية الحسن، فلمّا اجتمعا بالمجلس وتحادثا وانصرف المأمون كأنّه يقضي حاجته فوقف المملوك، فتجسّس المأمون عليهما، وكان قرّر معه أن يعبث بيحيى علماً منه أنّ يحيى لا يتجاسر عليه خوفاً من المأمون، فلمّا عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول: لولا أنتم لكنّا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد:
وكنّا نرجي أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط
إنتهى.
رَجْعٌ إلى ما قيل في وصف العشق: قال الأصمعي: سألت أعرابيّة عن العشق، فقالت: جلَّ والله أن يرى، وخفي عن أعين الورى، فهو في الصدور كامن، كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى.
وقيل لأبي زهير المدني: ما العشق؟ فقال: الجنون داء أهل الذلّ، وهو داء أهل الظرف.
وقال بعض الأطبّاء في صفة الحب: الحب امتزاج الروح بالروح، ولو امتزج الماء بالماء لامتنع تخليص بعضه من بعض، فكيف والروح ألطف امتزاجاً وأرقّ مسلكاً.
وسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو أغمض مسلكاً في القلب من الروح والجسد، وأملك من النفس بالنفس، بطن وظهر، ولطف وكشف، فامتنع عن وصفه اللسان، وعمي عنه البيان، فهو بين السحر والجنون، ولطف المسلك والكمون.
стр. 108
وروى أهل السير أنّ الذين علق الحب قلوبهم وماتوا أو جنّوا هم الذين عشقوا بنات العمّ والجيران في الحداثة، وإنّ ذلك هو العشق الذي لا يزايل صاحبه أبداً حتّى يموت أو يهيم على وجهه، ويشهد بذلك قول المجنون:
وعلقت ليلى وهي ذات موصد ... ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرى البهم يا ليت أنّنا ... صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم
ومنه قول جميل:
علقت الهوى منها وليداً ولم يزل ... إلى الآن ينمو حبّها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظار نوالها ... وأفنت بذاك العمر وهو جديد
وكان أوّل ما علق جميلٌ بثينة أنّه أقبل يوماً في إبله فاستقبل وداياً يقال له وادي بغيض فاضطجع وأرسل إبله مصعدة وأهل بثينة في ذنب الوادي، فأقبلت بثينة وجارية لها واردتين الماء فمرّتا على فصال له برّك ففرّقتهنّ بثينة وهي إذ ذاك جويرية صغيرة فسبّها جميل فأقترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:
وأوّل ما قاد المودّة بيننا ... بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلت لها قولاً فجائت بمثله ... لكلّ كلام يا بثين جواب
وعن رجل من جهينة أنّه قال: صادفت في الحمّام جميل بثينة وأنا لا أعرفه فقلت: من أنت؟ قال: جميل، فقلت له: أنت الذي تقول:
لها النظرة الاُولى عليهنّ بسطة ... فإن كرّت الأبصار كان لها العقب
فقال: نعم أنا الذي أقول:
ترى البزل بكرهنّ الرياح إذا جرت ... وبثنة إن هبّت بها الريح تفرح
قال: فقلت: إنّي والله لأظنّ أنّ عرقوفيها يذكيان إذا كلّت شفرة الحي، فضحك وقال: يابن أخي! لو رأيتها لوددت أن تلقى الله بهنة منها مصرّاً عليها أبداً.
وممّا ورد من الأخبار التي تشهد بعفّة أهل العشق المتقدّمين ما رواه سهل بن سعد قال: كنت بمصر وخرجت لحاجة فلقيني صديق لي في بعض الطريق فقال لي: هل لك أن تعدل لعيادة جميل فقد ثقل مرضه؟ قلت: نعم، فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إليّ وقال: يابن سعد! ما نقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب مداماً ولم يسفط دماً حراماً قد أتت عليه خمسون سنة يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله؟ فقلت: من هذا، فإنّي أظنّه ناج من عذاب النّار؟ فقال: أنا ذاك، قلت: يا سبحان الله! ما رأيت كاليوم أعجب من هذا، وما أحسبك تسلم وأنت تسبّب ببثينة منذ عشرين سنةً؟ فقال: إنّي في آخر يوم من أيّام الدنيا وأوّل يوم من أيّام الآخرة فلا نالتني شفاعة محمّد إن وضعت يدي يوماً عليها لريبة، وإنّما أكثر ما يكون منّي إليها أنّي آخذ يديها فأضعهما على قلبي فأستريح إليها، ثمّ أُغمي عليه فأفاق وأنشأ يقول:
صرخ النعيُّ وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجرُّ الذّيل في وادي القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل
قومي بثينة واندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كلّ خليل
ثمّ أُغمي عليه فمات.
وعن الحافظ أبي محمّد الأموي أنّه قال: كانت عنده امرأة تخدمه، وإنّ فتىً علقها وعلقته، فذاع سراهما وشاع أمرهما، فاجتمعا يوماً فقال لها: هلمّ نحقّق ما قاله فينا الناس، فقالت: لا والله لا كان ذلك أبداً وأنا أقرأ: (الأخلاّءُ يَوْمَئِذ بَعضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إلاّ المُتّقين) .
وروي عن جميل أنّه قال لبثينة ليرى ما عندها: هل لك يا بثينة أن نحقّق ما قاله فينا النّاس؟ فقالت: مه، إنّ الحبّ إذا نكح فسد، ونظم هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
ماالحبّ إلاّ نظرةٌ ... وغمز كفٍّ وعضد
ماالحبّ إلاّ هكذا ... إن نكح الحبّ فسد
وروي عن الأصمعي أنّه قال: قلت لأعرابيّة: ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: العناق والضمّة والمحادثة والغمزة، ثمّ قالت: يا حضري! كيف هو عندكم؟ قلت: يقعد المحب بين رجلي من يحب ثمّ يجهدها. قالت: يابن أخي! ما هذا عاشق، هذا طالب ولد.
وسأل رجل أعرابياً عن العشق فقال: هو اللحظة والنظرة ومصّ الريقة ولثم الثغر والأخذ من لطائف الحديث بنصيب، فكيف هو عندكم يا حضري؟ فقال: العضّ الشديد، والجمع بين الركبة والوريد، وهو يوقض النيام، ويوجب الآثام. فقال: تالله ما يفعل هذا العدوّ فكيف الحبيب.
стр. 109
وقيل لآخر: ما كنت صانعاً بمن أحببت لو ظفرت به؟ قال: أُحلّ الخمار وأُحرّم ما وراء الإزار، وأُطهّر الحب ما يرضى الرب.
وقيل لآخر: ما كنت صانعاً بمحبوبتك لو ظفرت بها؟ قال: أضمّها وألثمها وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق عشرين سنة بلذّة ساعة تفنى لذّتها ويبقى عقابها، إنّي إن فعلت ذلك للئيم ولم يلدني كريم.
وما ألطف وأظرف قول بعضهم:
وباض الحب في قلبي ... فياويلي إذا فرّخ
وما أصنع في الحبّ ... إذا لم أنزح البربخ
وكان العشق أكثر وقوعاً في بني عذرة، ولقد اشتهروا فيه بين القبائل، وصاروا يُضرَب بهم المثل في العشق لكثرة من قتل منهم.
روي عن محمّد بن جعفر ما هذا ملخّصه أنّه قال: سمعت رجلاً من عذرة يتحدّث عند عروة، فقال له عروة: يا هذا بحقٍّ إنّكم أرقّ النّاس قلوباً؟ قال: نعم، والله لقد تركت في الحي ثلاثين شابّاً خامرهم الموت ما لهم داء إلاّ الحب.
وروي ما هذا مضمونه عن سعد بن عتبة أنّه حضر في مجلسه رجل فاستغربه، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. فقال: عذريٌّ وربّ الكعبة، ثمّ قال له: ولِمَ كان بكم هذا الداء الذي أهلككم؟ قال: لأنّ في رجالنا صباحة وفي نسائنا عفّة.
وعنهم ما هذا ملخّصه أنّه قال رجل من فزارة لرجل من عذرة: إنّكم لتعدّون موتكم في الحبّ فضيلةً لكم ومزيّة، وإنّما ذاك من ضعف البنية ووهن العقيدة وسوء الرويّة. فقال العذريّ: أمّا إنّكم لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالأعين الدعج من فوقها الحواجب الزج من تحتها المباسم الفلج تفترّ عن الثنايا الغرّ كأنّها البرد والدر لجعلتموها اللاّت والعزّى.
واعلم أنّ من المعلوم عند العرب أنّ الشيء إذا عظم كالسيف والرمح والأسد والداهية والخمر عظمت فيه عنايتهم ووضعوا له أسماء وصفاتاً كثيرة، ولمّا كان لا شيء عندهم أعظم من الحب كانت عنايتهم فيه أعظم فوضعوا له صفاتاً وأسماء لا تكاد تحصى وأيسرها ما نقله عنهم الحصيري في بعض مصنّفاته فقال: الحب، والعشق، والهوى، والمقة، والعلاقة، والرقّة، والكئابة، والصبابة، والكرب، والصبوة، والشغف، والتوق، والوله، والكلف، والأسف، والدنف، والجوى، والخلّة، والودّ، والكمد، والسهد، والخبل، والجنون، والتدلية، والنبل، والشجون، والحرق، والرسيس، والأرق، والوجل، والحزن، والتلدد، والبلابل، والوهل، والنبالة، والتبالد، والتنيم، والجزع، والخوف، والوصب، والإكتئاب، والشجن، والهلع، والهيام، والنصب، والغرام، والحسرات، والخلاعة، والتباريح، والغمرات، واللعج، والحنين، والتلهّف، والأنين، واللذع، والندم، والإستكانة، واللوعة، والسقم، والفتون، والتفجّع، والمسُّ، واللمم، والداء المخامر، والضنى المسامر، والعقل المختلس، والنفس المحتبس، واللبّ المسلوب، والدمع المسكوب.
إنتهى كلامنا على العشق.
وظماء الوشح وغراثها: الظماء هي العطشانة، والغراث هي الجائعة، ووصف الأوشحة بالعطش والجوع كناية عن دقّة الخصر لأنّ ذلك من الصفات المحمودة في النساء، ويقال: هي مخطفة الحشا ومهضومة الحشا ومرهفة الخصر وعظيمة الكشح، ويقابلون ذلك بارتواء الأرداف والمخلخل، والمراد به الساق. قال امرؤ القيس:
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... عَلَيّ هظيم الكشح ريّا المخلخل
وقال أبو تمام:
فتأبّدت من كلّ مخطفة الحشا ... غيداء تكسى بارقاً ورعاثا
وقال البحتري:
أظالمة العينين مظلومة الحشا ... ضعيفة كفّي الخيال المؤرّقا
وقال أيضاً:
ويقلُّ انتصار من هظمته ... ذات كشح مهفهف مهظوم
وقال أيضاً:
أوانس ظمآنةٌ وشحها ... ريّانة خرسٌ خلاخيلها
وقال الآخر:
ونشوان من خمر الدلال سقيته ... شمولاً فنمت عن هواه الشمائل
شكى ظمأً منه الموشّح وارتوت ... بماء الصبا أردافه والخلاخل
وهذا الباب واسع جدّاً.
والرعاث هو القرط. قال الأرجاني وقد شبّه القرط بالثريّا:
تذكر كم ليل لهونا به ... قرطك قد كان ثريّاه
وقال الأموي:
بدا والثريّا في مغاربها قرط ... بريق شجاني والدجى لم شمّط
وإنّما يشبّه القرط بالثريّا لأنّه مثله في الهيئة.
стр. 110
وقولي: حمت بذكور المرهفات إناثها، اشتمل على الطباق، والطباق هو من المحسّنات المعنوية ويُسمّى المطابقة، والتطبيق، والتكافؤ، والتضاد.
قال ابن الأثير في المثل السائر: وهو؛ يعني الطباق، في المعاني ضدّ التجنيس في الألفاظ لأنّ التجنيس هو اتّحاد اللفظ مع الختلاف المعنى، الطباق هو أن يكون المعنيان ضدّين، وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أنّ المطابقة هي الجمع بين الشيء وضدّه كالسواد والبياض والليل والنهار، والظاهر أنّ المقابلة أعمّ من الطباق؛ فإنّ كلّ طباق مقابلة ولا عكس، لأنّه الجمع بين متضادّين مع مراعاة التقابل فلا يجيء باسم مع فعل ولا العكس وذلك غير ملحوظ في المقابلة، ولأنّ المطابقة هي الجمع بين ضدّين، والمقابلة هي الجمع بين ضدّين فصاعداً، ومن أمثلة مجيئه من إسمين قوله تعالى: (وَتَحْسبُهُم أيقاظاً وهُمْ رُقُود) ، ومن فعلين قوله تعالى: (يُحيي ويُميت) ، وقوله: (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بما آتاكُمْ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمللأنصار: إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع. ومن حرفين قوله تعالى: (لهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ) فإنّ في اللاّم معنى الإنتفاع وفي على معنى التضرّر أي لها ما كسبت من خير وعليها مااكتسبت من شرّ، إنتهى.
وممّا اتّفق لي من الشعر الأجنبي ما قلته مقرضاً على المنظومات الموسومة ب "الباقيات الصالحات" نظم عبد الباقي أفندي العمري في مدح أئمّة العصمة ﵌ وقد مدحته فيها، فقلت:
أربّ القوافي قد غدا لك مذعناً ... بها محرز الفضل اكتساباً ووارثه
لو المتنبّي شاهد الحكم التي ... نطقت بها ما شكَّ أنّك باعثه
هي "الباقيات الصالحات" أطائب ال ... قريض ولكن ما سواها خبائثه
فحسبك منها معجزاً بمديح من ... معاجز كلّ الأنبياء موارثه
غدت كعصا موسى ولكنّما بها ... قد التقفا سحر القريض ونافثه
كفى أنّها في أُمّة الشعر قبلةٌ ... إليها قديم النظم صلّى وحادثه
الفصل الثاني في الإستغاثة
قلت مخاطباً لأميرالمؤمنين ﵇:
أميرالمؤمنين أغث صريخاً ... ألمَّ بجنب قبرك مستغيثا
أتاك يحثُّ ناجية المطايا ... وصرف الدهر يطلبه حثيثا
الباب الخامس في قافية الجيم
وفيها فصل واحد في المديح
قلت فيه:
فيك العلاء مضيئة أبراجها ... فلأنت بدر سمائها وسراجها
وبك ابتهاج أسرّة الشرف التي ... لولاك بعد أخيك عطّل تاجها
أقبلتما تتجاريان لغاية ... لم يستقم لسواكما منهاجها
سبق الأنام لها وجئت مصلّياً ... ومعاً ملطّمةً أتت أفواجها
حتّى استوت قدماكما في ذروة ... للمجد عزَّ على الورى معراجها
هو مصطفى الشرف الذي من بعده ... وجدتك أكرم من عليه معاجها
أنت الذي ارتشف الورى من خلقه ... راحاً ألذَّ من الرحيق مزاجها
مااعتلّت الدنيا بداء جدوبها ... إلاّ وجودك طبّها وعلاجها
ولقد حميت وئيدة الكرم التي ... لولاك ما سلمت لها أوداجها
نسجت لك العليا ملابس فخرها ... فزها عليك مطرّزاً ديباجها
لم تحد مدلجة الركائب رغبة ... إلاّ وكان لربعكم أدلاجها
ما طرَّقتْ أُمُّ الرّجاء لآمل ... إلاّ وأصبح من نداك نتاجها
أقول: أمّا قولي: سبق الأنام لها الخ، فالسابق أوّل خيل الحلبة، والمصلّي تلو السابق، والملطم تاسع خيل الحلبة. ومن أحسن ما جاء في الإستباق والمساواة قول الخنساء:
جارى لباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملائة الحضر
حتّى إذا نزت القلوب وقد ... لزّت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف النّاس أيّهما ... قال المجيب هناك لا أدري
برزت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر
وهما كأنّهما وقد برزا ... صقران قد حطّا على وكر
ويقال: إنّها قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجنت أباك؟ فقالت هذه الأبيات.
следующие страницы →