Полный текст (234 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وممّا اتّفق لي في وصف خيمة تنصب على صحن دار سيّدنا المهدي الشهير بالقزويني في العشر الأوائل من المحرّم لإمامة مأتم الحسين ﵇ وكانت الخيمة أوّل عام سوداء ثمّ جعل مكانها في العام الثاني بيضاء، فقلت في ذلك:
اليوم قد صوّت ناعي الهدى ... يفصح بالنعي ولا يكنّي
بنعي قتيل الطف عند ابنه ... المهدي مولى الإنس والجنِّ
وقائل ذا السقف ما باله ... ابيضَّ وعهدي فيه كالدجن
قلت رأى المهدي مستشعر ال ... سواد حزناً باكي الجفن
فصار عيناً كلّه للبكا ... وها هي ابيضّت من الحزن
وكان الإمام فخرالدين الرازي يجلس للوعظ إذ أقبلت حمامة وخلفها صقر فألقت نفسها في حجر الإمام، فقال ابن عنين:
جائت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف
من نبأ الورقاء إنّ محلّكم ... حرمٌ وإنّك ملجأ للخائف
وزارني بعض الأكابر ليلاً فاشتدّ هبوب الريح وارتفع غبار كثير، فقلت في ذلك:
بوركت عشيّة زار فيها ... فمرّ المجد ربعنا فأضاء
وأظنّ الرّياح قد حسدتنا ... فهي وجداً تنفّس الصّعداء
وروى المرزوقي أنّ أبا تمام أنشد المعتصم قصيدته التي يقول فيها:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
وكان إسحاق الكندي حاضراً فقال: أمير المؤمنين أكبر من كلّ من شبّهته به، فزاد بديهاً:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودا في الندى والبأس
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
فتعجّب الحاضرون من فطنته وذكائه.
وثانيهما: ما يبتدع من غير شاهد حال. قال المتنبّي في كافور:
فجائت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا
وقال أيضاً:
صدمتهم بخميس أنت غرّته ... وسمهريّته في وجهه غمم
فكانت أثبت ما فيه جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم
وقال التهامي:
ألا إنّ طيّاً للمكارم قبلة ... وحسان منها ركنها ومقامها
تزاحم تيجان الملوك ببابه ... ويكثر في يوم السلام زحامها
إذا عاينته من بعيد ترجّلت ... وإن هي لم تفعل ترجّل هامها
وجاء قول بعض المغاربة في الحمر أبدع ما يكون:
ثقلت زجاجات أتتنا فرّغاً ... حتّى إذا ملأت بصرف الراح
خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح
وروي أنّ أبا نؤاس مرّ على أديب يفيد النّاس بشعره، فلمّا افتتح قوله في الخمر:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر
وقف وقال: أُنظر ما عساه يقول. فقال الأديب: أشار الشاعر بقوله: وقل لي هي الخمر إلى حظّ حس السمع ليحظى بتمام حسّه، فتعجّب منه أبو نؤاس وقال: ما هجس هذا المعنى في خلدي.
وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: قد أحسن الأخطل في قوله:
تدبّ دبيباً في العظام كأنّما ... دبيب نمال في نقاً يتهيّل
فقلت: أحسن منه قول أبي نؤاس:
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل
والإبداع في هذه المقطوعة من هذا القسم قولي:
وليس بالسحب من بخل إذا انقشعت ... لكنّها لحياء منك تستر
نبذة من بدايع النحويّين: دخل رجل مجلس كافور فقال: أدام الله أيّام سيّدنا - بكسر الميم - ففطن الناس فقال:
لا غرو إن لحن الداعي لسيّدنا ... وغصّ من دهش بالريق أو بهر
فقد تفألت من هذا لسيّدنا ... والفال مأثورة عن سيّد البشر
بأن أيّامه خفضٌ بلا نصب ... وإنّ أوقاته صفو بلا كدر
وقال المتنبّي:
حولي بكلّ مكان منهم خلق ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن
وقال أيضاً:
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
أي إذا نوى أمراً يفعله مضى قبل أن يقال لا تفعل أو لم تفعل لأنّه لم يسبق إلى ما يهمّ به نهي أو فتور. ولمح الصفي في هذا المعنى في قوله وهو ما نحن فيه:
ما شدّد النون الثقيلة إنّه ... إن قال يسبق فعله التأكيدا
وقال بعضهم:
كأنّ النوى إذ نادت الدمع رخّمت ... ولا أثر فيها أجاب على العين
وأوضح هذا المعنى من قال:
стр. 142
عجبت من دمعتي وعيني ... من قبل بين وبعد بين
قد كان عيني بغير دمع ... فصار دمعي بغير عين
وقال الآخر:
طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قدماً إليها وإن عاقت معاذيري
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهوى بين ممدود ومقصور
وقال ابن عنين:
مال ابن مازة دونه لعفاته ... خرط القتادة أو مناط الفرقد
مالٌ لزوم الجمع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادي المفرد
وقال ابن أبي الأصبع:
أيا قمراً من حسن وجنته لنا ... وظلّ عذاريه الضحى والأصائل
جعلتك بالتمييز نصباً لناظري ... فهلاّ رفعت الهجر والهجر فاعل
تنقّلت من طرفي لقلبي مع النوى ... وهاتيك للبدر التمام منازل
فلقد أبدع في قوله: من طرفي لقلبي، لأنّ القلب والطرف من منازل القمر، والطرف رائد القلب. وقال الأرجاني في هذا المعنى وإن لم يكن ممّا نحن فيه:
إن تغش طرفي وقلبي نازلاً بهما ... فالطرف والقلب كلٌّ منزل القمر
واستأذن رجل سيبويه فلم يأذن له وقيل: ينصرف. فقال: اسمي أحمد وهو لا ينصرف. فقيل: أحمد في المعرفة لا ينصرف وأمّا في النكرة فمنصرف.
ولنرجع إلى ذكر المدائح: قلت في مدحه هذه القصيدة وأرسلتها إليه:
عين فتّانة لها القلب خدر ... سحرتني وأعين الغيد سحر
طفلة الحيّ شأنها اللهو لكنْ ... حالتا لهوها خضابٌ وعطر
أقرأتني الجمال حرفاً فحرفاً ... وهو في صدرها المطرّز سطر
وجلت لي وما سوى الثغر كاسٌ ... وسقتني وما سوى الريق خمر
وهدتني بوجهها وهو بدر ... تحت ليل أضلّني وهو شعر
نشرته دلاً على ولفتني ... عناقاً فلذَّ لفٌّ ونشر
ياسقى عهدها حيّاً من ثنايا ... ها ودمعي له وميض وقطر
جرحتني بلحظها ثمّ قالت ... هل لجرح الهوى بقلبك سبر
لا وكاسي محمد حسن الفخر ... بقلبي جرح الهوى مستمرّ
حيّ في مطلع السماح هلالاً ... عن عيون الراجين لا يستسرّ
مستهلاًّ على يد اليمن فيه ... بارك السعد وهو طهرٌ أغرّ
ونمى في العلاء غصن صباه ... وهو من ريق المحاسن نضر
ما نضى بردة الشباب ومنه ... ملؤ برد الزمان مجد وفخر
خلفكم يا مشائخ الحزم عجزاً ... فات سبقاً كهل التجارب غرّ
من إذا حلبة الخطابة فيها ... فمّه والخصوم سبق وحضر
قال بالفصل ناطقاً فأرموا ... وادّعى الففضل سابقاً فأقرّوا
ورأوا نثره الفريد فقالوا ... أكلامٌ يفيه أم فيه درّ
يده ليس تألف الدرهم المض ... روب مكثاً لكن عليها يمرّ
كره البخل مذ ترعرع حتّى ... سمعه عن سماع لا فيه وقر
وإلى الآن ليس يدري سوى قول ... "بلى" منذ قالها وهو ذرّ
ذو محيّاً يكاد يقطر ماء ال ... بشر منه لو كان للبشر قطر
وسجاياً كالروض باكره الطلُّ ... نسيم الصبا عليه يمرّ
فهو والمكرمات روح وجسم ... ووشاح يزينها وهي خصر
وبإيداعها له السرّ لطفٌ ... وبتفويضها له الأمر جبر
يا أخا المكرمات وهو نداء ... أجد المكرمات فيه تسرّ
هاك سيّارة مع الريح لكن ... تلك شر رواحها وهي دهر
بنت فكر على النوى لك أمت ... لم يلد مثلها لمثلك فكر
كلّما أثقل الحيا من خطاها ... خفّ فيها هوىً إليك مبرّ
حيّها خير ما اجتليت عروساً ... بنت يوم قبولها منك مهر
أخت عذر جائت على العتب تسعى ... ألها إن تأخّرت عنك عذر
وقلت في أبيه محمّد الصالح هذه القصيدة الفائقة بمحاسنها الرائقة:
بنور وجهك لا بالشمس والقمر ... أضاء أُفق سماء المجد والخطر
وفي البريّة عن معروفك انتشرت ... رواية الشاهدين السمع والبصر
تحدّثوا عنك حتّى أنّ كلَّ فم ... به عبير شذىً من نشرك العطر
وخلقك الروضة الغنّاء ترهم في ... نطاف بشرك لا في ريق المطر
وكفّك البحر ما غاض الرجاء به ... إلاّ وأبرز منه أنفس الدرر
ودار عزّك تغدوا الوفد ناعمة ... فيها بأرغد عيش مونق نضر
стр. 143
بها الضيوف تحيي منك أكرم من ... يعطي الرغائب من بدوِ ومن حضر
حيث الجفان على بعد تضيء بها ... للطارقين ضياء الأنجم الزهر
لقد غدا الأُفق العلويّ يحسدها ... على مواقدها في سالف العصر
وودّض لو أنّها كانت له بدلاً ... من الكواكب حتّى الشمس والقمر
فالشهبوالبدر يطفي الصبح ضوئهما ... والشمس في الليل لم تشرق ولم تنر
لكنَّ دارك لم تبرح مواقدها ... مضيئة تصل الأصباح بالسحر
ما زلت ترفع فيها للقرى كرماً ... ناراً شكا الأُفق منها لافح الشرر
يا مقرض الله في عصر به وثقت ... بنوا الزمان بكنز البيض والصفر
يفدي يديك ابن حرص لا حياء له ... يلقى العفاة بوجه قدَّ من حجر
جرى لعلياك من جهل فقلت له ... لقد جريت ولكن جري منحدر
سما بك الحظ لكن عن علاء أبي ال ... مهدي حطّك ذلّ العجز والخور
أنت المعذّب بالأموال تجمعها ... خوف البغيضين من فقر ومن عسر
وهو المفرّق ما يحويه مدّخرا ... كنز الخطيرين من حمد ومن شكر
مهذّب يتبع النعمى بثانية ... دأباً وجود سواه بيضة العقر
يا ناظراً سير الأمجاد دونك خذ ... منه العيان ودع ما جاء في السير
تجد به من أبيه كلّ مأثرة ... ما للحيا مثلها في الجود من أثر
له مناقب مجد كلّها غرر ... في جبهة الدهر بل أبهى من الغرر
ينمى إلى طيبي الأعراق من عقدوا ... على العفاف قديماً طاهر الأزر
خذوا بني الشرف الوضّاح كاعبة ... مولودة الحسن بين البدو والحضر
لم تجلَ في مجلس إلاّ بوصفكم ... تبسّمت كابتسام الروض بالزهر
أن يصد نقص أناس فكر مادحهم ... ففضلكم صيقل الألباب والفكر
لا زال بيت علاكم للورى كرماً ... تحجّه الوفد مأموناً من الغير
ومن الشعر الأجنبي القصيدة الرائيّة التي قلتها في الثناء العاطر على صدر الوزارة الأعظم وقد سبقت الإشارة إليها في حرف الحاء عند ذكر الحائية التي قلتها في صبحي بك، والرائيّة هذه:
أحقُّ بالعزّ من لا يرهب الخطرا ... ولا يعاقد إلاّ البيض والسمرا
والسيف أجدرُ أن يستلّه لوغىً ... من ليس يغمده أو يدرك الظفرا
وأبيض العرض من في كفّه صدرت ... بيض القواضب من فيض الدما حمرا
لم تقض من وصله بكر العلى وطراً ... حتّى من الهام يقضي سيفه وطرا
وحوزة الملك أولى في حياطتها ... من بات في حفظها يستعذب السهرا
وذي الرعيّة أحرى في سياستها ... من بالتجارب غور الدهر قد سبرا
ولى يملك يوماً رقَّ مملكة ... من ليس يملأ منها السمع والبصرا
ولا تراض أقاليم البلاد لمن ... لم تسق من خلقيه الصفو والكدرا
والحلُّ والعقد لم يورد صوابهما ... إلاّ الّذي ثقةً عن رأيه صدرا
أما نظرت لسلطان البريّة من ... على الرعيّة ظلّ العدل قد نشرا
كيف اغتدى مورداً أسرار حضرته ... صدراً أحاط بأسرار النهى خبرا
فقال خذ منصباً أُمّ العلى نصبت ... أسرّة لك فيه الأنجم الزهرا
هذي الوزارة فاحلل في ذوائبها ... فالحزم للشمس إن تستوزر القمرا
فقام في رأيه والسيف يجمع من ... أطراف مملكة الإسلام ما انتُشرا
مؤيّداً بجنود من مهابته ... قد انتضى معه آرائه زبرا
إن يجر في حلبات الرأي مبتدراً ... أخلت له الوزراء الورد والصدرا
وسلّمت لعلاه الأمر مذعنةً ... لما يقول نهى أن شاء أو أمرا
ذو غرمة مثل صدر السيف باترة ... لو لاقت الدهر قرناً عمره انبترا
رعى المحبّين فيها البدو والحضرا ... وروّع المبغضين الروم والخزرا
قد قلّد الملك منه سيف ملحمة ... لو يقرع الصحر بأساً بالدما انفجرا
كم خاض بحر وغىً بالحزم محتزماً ... بالنقع ملتثماً بالصبر متّزرا
في جحفل إن سرى ضاقت بأوّله ... الدنيا وآخره لم يدرَ أين سرى
وجاء والهمّة العلياء فيه أتت ... كالسيل من قلل الأجبال منحدرا
فعال منتصر لله قام بها ... في الله منتهياً لله مؤتمرا
стр. 144
إن ينتقم فحقوق الله يأخذها ... وليس يلغي حقوق الله إن غفرا
حلو السجايا رقيق طبعه عذبت ... له خلائق ينفي صفوها الكدرا
خلائق كالحميا لو ترشفها ... من كان يبغضه في حبّه سكرا
آنستِ يا وحشة الدنيا بذي كرم ... أحيى بجدواه ميت الجود فانتشرا
ليس السحائب تحكيه وقد علمت ... من كفّه ماؤها قد كان معتصرا
ولا البحار تضاهيه وإن طفحت ... أمواجها فهي بخلاً تكنز الدررا
يا من نرى النّاس أنّى عاب غائبةً ... جميعها وحضوراً أينما حضرا
أمجلساً لك هذي الأرض قد جمعت ... أم أنت قد ضمنت أبرادك البشرا
إنّ الصدارة لم يصلح سواك لها ... كأنّها أبداً عينٌ وأنت كرى
لا زال سعدك بالإقبال مقترناً ... يستخدم المبهجين الفتح والضفرا
وكان عبد الباقي أفندي العمري نظم قصيدة في مدح النبي ﵌ وأرسلها إليّ طالباً تخميسها فخمّستها وأرسلتها إليه، فبعث إليّ بمقطوعة يمدحني بها على ذلك - وستأتيان في حرف القاف - فبعثت إليه بهذه القصيدة شاكراً:
باتت تروّحني بنشر عبيرها ... بيضاء تجلو النيّرين بنورها
وجلت عَلَيّ مدامةً بمفاصلي ... منها وجدت فتور عين مديرها
ورأيت شعلة خدّها من كأسها ... قد أوجستها مهجتي بضميرها
ودنت إليّ فأسفرت عن وجنة ... حسداً تموت الشمس عند سفورها
ورنت بناظرتي عقيلة ربرب ... بكرت تريع إلى نطاف غديرها
وصفت لعيني في بدايع حسنها ... حور الجنان فخلتها من حورها
ثمّ انثنت غنجاً تصدُّ بمقلة ... سرقت من الآرام لحظ غريرها
وتستّرت بضفائر لو تحتها ... سرت الكواكب مااهتدت لمسيرها
باتت ترفرف بين أنفاس الصبا ... وتضوع بين ورودها وصدورها
حتّى لقد حملت شذىً من عرفها ... أشفقت تعرفه الورى بعبيرها
فوددت أقطع كفَّ ماشطة الصبا ... كي لا ترجّل جعدها بمرورها
ولئن ضننت على النسيم بها فلا ... عجبٌ ولو وافى بوقت هجيرها
فبمقلتي لو لم أخف إنسانها ... لحجبتها عن لحظ عين سميرها
وكذبت ما في العين إنسان ولا ... في العالمين صغيرها وكبيرها
من أين إنسان لعيني غيرها ... والناس غير أبي الحسين أميرها
ألها أميرٌ في البلاغة غيره ... وبها تشير إليه كفّ مشيرها
ولئن إليه غدت تشير فإنّها ... ما أدركته بفكرها لقصورها
فرأت مناقب منه فاروقيّهً ... ما إن تزيّنت العلى بنظيرها
ومآثراً عمريّة بقليلها ... كثرت عداد الشهب لا بكثيرها
نفحت بعارفة عَلَيّ خطيرة ... قد أفحمت منّي لسان شكورها
جذبت بضبعي فارتقيت بها على ... هام المجرّة رافلاً بجبيرها
فلو أنّ أعضائي تحوّل ألسناً ... تثني عليه إلى انقطاع دهورها
بقصائد حبّات قلبي لفظها ... وسواد أحداقي مداد سطورها
ما كنت أبلغ شكرها فيه ولو ... أنّي ملأت الكون في تحريرها
هو ذاك منتجع الفصاحة مجتنى ... ثمر البلاغة مستمدّ غزيرها
ربّ القوافي السائرات بحيث لم ... يقطع نهاية سيرها ابن اثيرها
وكميُّ مزبرة ترى لسن الضبا ... خرساً إذا نطقت بآي زبورها
من عن لسان الروح أصبح ناطقاً ... لا عن لسان لبيدها وجريرها
بزواهر نجمت فأطفأ ضوئها ... شعل النجوم الزهر عند ظهورها
وكأنّما طبعت بمرآة السما ... بدل الكواكب شكلهنّ بنورها
لم ينشها إلاّ عقوداً ناثراً ... لنظيمها أو ناظماً لنثيرها
مدحاً يفصّلهنّ مابين الورى ... لنذيرها الهادي وآل نذيرها
إنّ القوافي ما برحن فواركاً ... لم تمنح الشعراء غير نفورها
واليوم قد صارت طروقة فحلها ... منه وفرّ نفارها بمصيرها
مسكت خطام قيادها يده وهم ... لم يمسكوا إلاّ خطام غروّها
فله ذكور اللفظ دون إناثها ... ولهم إناث اللففظ دون ذكورها
لا زال منها ناظماً مالم يدع ... فضلاً لأوّلها ولا لأخيرها
فصل في التهاني
قلت مهنّياً لأبيه محمّد الصالح وقد عوفي من مرض شديد:
стр. 145
أيماض برق أم ثغور ... في ضمنها نطف الخمور
حلب الغمام رضابها ... وحديثها حلب العصير
لمّا نشرن لها حدي ... ث الوصل كالروض النضير
ساقطن عن برد تنظّ ... م رائق الدرّ النثير
سقياً لليلة لهونا ... في ذلك الرشأ الغرير
والكأس دائرة عَلَيّ ... تعينها عين المدير
فمفاصلي وجفونه ال ... وسنى سواء في الفتور
نشوات سكر أمكنت ... ني من محالات الأُمور
لو يعتفيني عندها ... ربّ الشويهة والبعير
لوهبت من طربي له ... ربّ الخورنق والسدير
الآن دع يا سعد قا ... صرة الغواني للقصور
وانهض لبشرىً طبّق ال ... دنيا بها صوت البشير
بشفاء من عبرت معا ... ليه على الشعرى العبور
مولىً غدت بشفائه ... الأيّام باسمة الثغور
عبق بعطفيه عبير ال ... مجد لا عبق العبير
تقف المكرم عنده ... وتسير حيث يقول سيري
وإذا نظرت إلى الزما ... ن بعين منتقد بصير
لم تلفه إلاّ صحي ... فة مأثرات بني الدهور
وسوى مآثره الجمي ... لة ليس فيها من سطور
تغنيه أوّل نظرة ... في الرأي عن نظر المشير
ويرى بعين وروده ... في الأمر عاقبة الصدور
تغذو حلوبة جوده ال ... عافين بالدَرّ الغزير
يتشطّرن ضروعها ... لا بالثلوث ولا الشطور
زرعوا رجائهم بجا ... نب جوده العذب النمير
فنمى ورفَّ عليه مث ... ل النبت رفَّ على الغدير
لولا نضارة ولده ... لحلفت عزَّ على النضير
إذ من بهاه بهائهم ... وكذا الشعاع من المنير
أوما ترى للبد ما ... للشمس من شرف ونور
يا معشراً لولاهم ... أضحى السماح بلا عشير
قرّت عيونكم بصحّ ... ة صفوة الشرف الخطير
وهناكم المنشور من ... هذا السرور إلى النشور
ولمّا قدم أخوه المصطفى من زيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا سلام الله عليه نظمت في تهنئته هذه القصيدة:
طرب الدهر فاستهلّ منيرا ... يملأ الكون بهجة وسرورا
وسرت نفحة من البشر فيه ... ضمخت خيمة السماء عبيرا
عدن أوقاته رقاق الحواشي ... لك تهدي بشاشةً وحبورا
كلّ وقت يمرّ منها تراه ... بارد الظل طيّباً مستنيرا
فكأنّ الهجير كان أصيلاً ... وكأنّ العشيّ كان بكورا
بوركت من صبيحة في ضحاها ... وفد اليمن بالسعود بشيرا
وإلى طلعة جلّت كلَّ غم ... ببنان الإقبال أضحى مشيرا
فتأمّل عقود هذي التهاني ... كيف زانت به الليالي النحورا
طاب نشر الأفراح في بشر قوم ... لهم الفضل أوّلاً وأخيرا
شرعٌ في العلى وغير عجيب ... فلها رشح الكبير الصغيرا
معهم يولد النهى فترى اليا ... فع كهلاً والكهل شيخاً كبيرا
خاطروا في العلى فناهيك فيهم ... شرفاً باذخاً ومجداً خطيرا
منهم يستضاء شرقاً وغرباً ... بوجوه تكسوا الكواكب نورا
فمع الشمس يشرقون شموساً ... ومع البدر يشرفون بدورا
أيّها العصر لا أرى لك مثلاً ... زانك المصطفى فباهي العصورا
قبله هل مسحت غرّة صبح ... من لثام الأسفار أبدت سفورا
شخصت نحوه العيون ولكن ... عاد بعضٌ يقذي وبعضٌ قريرا
فبعين شعاعه كان ناراً ... وبعين شعاعه كان نورا
بلّغته الرضا عزيمة نفس ... كبرت أن ترى الخطير خطيرا
كم طوى البيد باسطاً كفّ جود ... نشرت ميّت الندى المقبورا
واستقلّ البحور جوداً فأجرى ... من أسارير راحتيه بحورا
ما نحا بلدة بمسراه إلاّ ... وأبت نحو غيرها أن يسيرا
وإذا ذكره أطاف بأخرى ... كاد شوقاً فؤادها أن يطيرا
فأتى مشهداً لمن طاف فيه ... قد أعدّ الإله أجراً كبيرا
فيه لطف الله الذي من يزره ... زار في عرشه اللطيف الخبيرا
وانثنى راجعاً بأحشاء قوم ... معه سافرات وعفن الصدورا
زار بغداد من بها ركز اليو ... م لواء المفاخر المنشورا
راقها منه طالعاً بدر مجد ... لا رأت للغروب فيه نذيرا
стр. 146
ما تجلّى بباهر الضوء إلاّ ... عاد طرف الحسود عنه حسيرا
فصل في الرثاء
لمّا توفّي للهمام الماجد عبد الكريم أخي الفاضل الصالح ولد قد جاوز بلوغ الحلم بقليل يُسمآى محمّد ويُلقّب بالكاظم، نظمت في رثائه هذه القصيدة معزّياً بها عمّه وأباه:
لا أرى للزمان ما عشت عذرا ... أفيدري لمن تأبّط شرّا
وبمن بغتة ألمّ بخطب ... ساء ذاالفضل فيه عبداً وحرّا
ردَّ فيه حزناً نواصي الليالي ... ووجوه الأيّام شعثاً وغبرا
جذَّ من دوحة المكارم غصنا ... فذوى بغتةً وقد كان نضرا
يا هلالاً رجوت يكمل بدراً ... محقته يد الردى فاستسرّا
من عذيري من لائم فيك لا أق ... بل عذلاً وليس يقبل عذرا
لام حتّى بلومه ضقت ذرعاً ... مثلما ضقت في مصابك صدرا
قلت دعني ومقلة لي عبرى ... ببكاها ومهجة لي حرّا
لا تسمني قرار عيني فهذا ... ضوئها في ثرى اللحود استقرّا
هو منّي شطر الحشا أَوَ أسلو ... بعد ما من حشاي فارقت شطربا
عجباً صرت فيه أسمح للتر ... ب ومنه على أطرح وقرا
بعد ضنّي على العيون جميعاً ... أن ترى ذلك المحيّا الأغرّا
كان لي في حايته العيش حلواً ... وهو اليوم بعده قد أمرّا
وبحسبي ما عشت داءً لنفسي ... أنا أبقى ويسكن اللحد قسرا
سوئةً للزمان مالي أراه ... ساء من أحسنوا لأبناه طرّا
هم بنوا المصطفى ومن في البرايا ... كبني المصطفى سماحاً وبرّا
قد كساهم محمّد صالح الأف ... عال برداً من فخره طاب نشرا
ورعٌ من رآه قال لعمري ... إنّ لله في معانيك سرّا
يا بني المصطفى رسختم حلوماً ... فغدوتم على النوائب صبرا
ذاالجوى أنتم حريّون فيه ... لكن الصبر أنتم فيه أحرى
ومصاب الماضي يهون إذا ما ... كنت أنت الباقي وإن عزَّ قدرا
وقال عمّنا المهدي في رثاء الفاضل الصالح محمّد وتعزية أخيه وولديه المصطفى والحسن:
قوّض الخير عن الدنيا بأسره ... يوم قد سار أبوالخير بقبره
وانطوت لمّا انطوى في لحده ... بركات الأرض في طيّب عفره
سلب الدنيا الردى غيث ندى ... ملأ الدنيا ومن فيها بقطره
فدهاها بعده الجدب الذي ... لفَّ منها السهل والحزن بشره
وعليه صرخ العالم في ... صرخة قد ثقفت أضلاع صدره
حقّ أن يهلك من عظم الأسى ... وجوى الندب على واحد دهره
فعليه منه فاض الخير حتّى ... بلغ الخير إلى هيماء قفره
فبنى فيها بيوتاً يحسب ال ... سفر لو قد حلّها حلّ بمصره
وبه كم من أسير بذل ال ... تبر حتّى فكّه من قيد أسره
وفقير بائس ما إن أتى ... بيته إلاّ انجلت ظلمة فقره
وبه نعمائه تنسيه ما ... كان فيه من أذى شدّة عسره
مات من تحيى به الهلكى وها ... هي ماتت بعد محييها بوفره
بأبي من شيّد الدين وفي ... كلّ ما يملكه قام بنصره
لم تدع حوبائه من عمل ... صالح إلاّ أعدَّته لحشره
آه للمجد فمنه الدهر قد ... جب ظهر العز في صارم غدره
ولعظم الخطب في عترته ... حلم أرساها حجىً طار بذعره
وهو لا يشعر إذ أشغله ... وجده في مأتم الحزن بسكره
يا أباالمهدي أورثت الورى ... شجناً أكبادها ذابت بحرّه
فيه قد ماتت ونشر المصطفى ... منك لمّا فاح أحياها بعطره
وجدت ما فقدت منك به ... لم يزحزح مجده عن مستقرّه
فتسلّت عنك فيه إذ به ... منك فضلٌ أعجزالنّاس بحصره
أيّها الرّاحل عن بيت عُلَىً ... تشرق الزوراء من أنوار فخره
إنّ لله بهذا البيت سرّاً ... بذراريك بدت غاية سرّه
ما براها الله إلاّ لنداىً ... يدفع المضطرّ فيه كرب ضرّه
وبه جيلاً فجيلاً يرد ال ... وفد من غيث نداها صفو درّه
لا تخل روض الندى فيه ذوى ... فسحاب الجود هطّال بقطره
بثرى لحدك طب نفساً فذا ... حسن الجدوى طغى زاخر بحره
وأتى في كرم ما إن على ... مثله قد فتحت مقلة دهره
стр. 147
يافع تحسب منه حزمه ... حزم من قد أكمل الدهر بعمره
يتلقّى الوفد في وجه يرى ال ... وفد ما يأمله منه ببشره
باذلاً في بيت علياك له ... من صفايا ماله خالص تبره
وهو فيه وأخوه المصطفى ... مثلما قمت به قاما بأمره
إلى أن يقول في التعزية:
يا عقوداً للمعالي نظمت ... من لئالي الشرف المحض ودرّه
لا عراكم بعد هذا الخطب رزء ... ما ثبير قد رسى في مستقرّه
وقال عمّنا المهدي أيضاً في رثاء جعفر بن محمّد الرضا وكان سقط من أعلى السطح فمات، وقد تقدّمت مرثيتي له في قافية الحاء معزّياً أباه الرضا وجدّه الصالح:
حسب الدهر قد أصاب صغيراً ... فرآه في العالمين كبيرا
ويله هل سواه شبل هصور ... لفّ في البرد منه ليثاً هصورا
أو هلال قبل التمام سواه ... قد بدا للأنام بدراً منيرا
إنّ آبائه أعدّته كنزاً ... لهم في سنيهم مذخورا
وهي لو أن تحظّى به لأراها ... من أسارير راحتيه البحورا
عجباً في حمى أبيه دهاه ... قدر وهو يدفع المقدورا
فعلى شبله الغضنفر أنّى ... يغتدي في عرينه مقهورا
كيف نال الزمان فرع علاء ... كان عنه باع الزمان قصيرا
فتردّى من أوجه ساقطاً في ... الأرض ذاو وكان غضّاً نضيرا
ليت شعري ما كان جعفر موسى ... ولو أن كان مرتقاه الطورا
كيف قد خرَّ من رفيع علاه ... صعقاً في ابتلائه مسرورا
لهف نفسي لكوكب ما رأى النا ... س له في سما العلاء نظيرا
وصغير قد حيّر الفكر في أخ ... لاقه كيف لو يكون كبيرا
قد رأينا مخائلاً منه لو يب ... قى رأينا اليسير منها خطيرا
بينما نحن نرتجي أن نرى في ... مقبلات الأيّام منها بشيرا
ونعدُّ الأيّام يوماً فيوماً ... فنراها من طولهنّ شهورا
إذ دهتنا سوداء في فقده قد ... سلبتنا إنسانها والنورا
ما لذي الحادثات قد أبدلتنا ... بالهنا فيه عبرةً وزفيرا
وأعادت منّا التهاني مراث ... لفظها يوقد القلوب سعيرا
ما لساني فيها تأخّر عيّاً ... ومتى أعيت القوافي جريرا
إنّه قد رأى المصاب جليلاً ... ولأمر قد لاحظ التأخيرا
ولعمريى محمّد صالح إن ... يغتدي الذنب عنده مغفورا
ماجد إن نظرت شأو علاه ... رجع الطرف عن علاه حسيرا
واحد ماله من الناس كفوٌ ... فيساويه في العلى تصديرا
ذو لسان يوم الخصام يراه ال ... تخصم في نحره حساماً طريرا
وإذا في الجدال أشكل أمر ... قد رأى حلّه الحصيف عسيرا
فهو قبل الإصدار إن أورد الرأ ... ي رأى في المغيّبات الأُمورا
غمز الدهر حلمه فانثنى الده ... ر سفاهاً في حلمه مغرورا
فغدا مسخطاً رضاه بعقد ... منه قد ردّ نظمه منثورا
وهو قد أسبغت يداه عليه ... نعماً لم دا بهنّ كفورا
ولكم من أبناه أحيى كبيرا ... بالندى لم أمات منه صغيرا
ابني الأنجم الزواهر أنتم ... يلتقي الخطب طفلكم مسرورا
وفتاكم لكلّ أمر عظيم ... ما يراه في الله إلاّ حقيرا
بدّل الله حزنكم فرحةَ ما ... دامت الأرض للورى وسرورا
وكتب عمّنا المذكور رسالةً إلى الفاضل الصالح محمّد يعزّيه عن ولد صغير له توفّي قبل فطامه وشفّعها بقصيدة فريدة أثبتها هنا، وبها يعلم أنّه هو المجلي في هذه المحلبة التي قلّما جرى فيها فارس من فرسان القريض، ولم يكبّ به الطرف، ويهوي إلى حيث لا يبصره الطرف، وهذه القصيدة:
جهلت فقالت مات وهو صغير ... وصغير أبناه الكرام كبير
كالعين أصغر ما بها إنسانها ... وإلى السماء يكون منه النور
أيضرّه صغرٌ وفيه شارةٌ ... للناظرين إلى علاه تشير؟
أنظر مخائله فها هي بشّرت ... أن ما له بين الأنام نظير
هو كالهلال إذا استتمّ كماله ... فسناه في أُفق السماء منير
ويعمُّ أهل الأرض نور ضيائه ... وعليه أبناء السبيل تسير
من عطفه للخفر عند رضاعه ... قد ضاع للشعرى العبور عبير
أوما درت شبل الهصور يعود إن ... أخطاه صرف الدهر وهو هصور
стр. 148
أهون بأحداث الزمان وإن تكن ... لعظيم أبطال الأنام تبير
قد جائته في الرضاع وقلبها ... فزعاً بجنح الرعب منه يطير
هي لم تهبه لقوّة فيه وهل ... من قوّة للطفل وهو صغير
لكنّها نظرت مخائل للعلى ... فيه عظائم شأنهنّ كبير
غالته غصناً جذَّ في سيف الرّدى ... من دوحة العلياء وهو نضير
كانت ترجّيه لأنباها الورى ... إن فيهم خطب ألمّ كبير
فالآن قد قطع الرجا منه فمن ... لبنيهم في الحادثات يجير
مهلاً إذا سلم الأصول وخولست ... بعض الفروع فليس ذاك يضير
ولها محمّد صالح يبقى حمىً ... مادام باق في الزمان ثبير
المستجار بظلّه في حيث لا ... من رائعات الحادثات مجير
شهم إذا ما رمت تحصي وصفه ... لم يحصه المنظوم والمنثور
رفع المعالي وهو قطب سمائها ... فعليه أفلاك العلاء تدور
في الكرخ إن فتحت لطيمة مجده ... منها وراء النهر فاح عبير
وإذا انطوى فخر الكرام ففخره ... في الخافقين لوائه منشور
تدعى أنامله مجازاً أنملاً ... وحقيقة هي في العطاء بحور
ابني الأطائب كلّ فرد منكم ... بعظيم أجر الصابرين خبير
في الله تلتذّون فيما نابكم ... ولديكم الأمر الجليل حقير
ولكلّ ما تستصغرون مصابه ... فجزائه عند الإله كبير
فصل في الغزل
قلت فيه:
إنّ التي سكنت ضميري ... في حسنها سلبت شعوري
برشاقة القدّ الرطيب ... ولفتة الظبي الغرير
قد أرهفت من لحظها ... سيفاً ضريبته ضميري
قسماً بعامل قدّها ال ... خطّار يخطر في الحرير
ما أسكرتني خمرة ... لولاك يا عين المدير
وقلت أيضاً متغزّلاً:
مرّت بنا أمس تيميّة ... ساحبةً أردانها العاطره
آنسة الدل ترى وهي إن ... آنستها وحشيّه نافره
قد جذبت أحشائنا مذ غدت ... ترمقنا بالنظرة الفاتره
فانجذبت من شغف نحوها ... تسبق منّا الأرجل السائره
وعاد منّا كلُّ ذي صبوة ... وفي حشاه رجله عاثره
الفصل الخامس في الهجاء
قلت في ذلك:
ما أكثر النّاس إلاّ إنّهم بقرٌ ... تأتي المثالب أفواجاً إذا ذكروا
لو شام آدم بعضاً من فضائحهم ... لما أحبّ إليه تنسب البشر
الباب الحادي عشر: في قافية الزاء وفيها فصل في المديح قلت في مدحه هذه القطعة الباهرة:
ودار عُلىً لم يكن غيرها ... لدائرة الفخر من مركز
بها قد تضمّن صدر النّديّ ... قتىً ليديه الندى يعتزي
صليب الصفاة صليب القناة ... عود معاليه لم يغمز
أرى المدح يقصر عن شأوه ... فأطنب إذا شئت أو أوجز
فلست تحيط بوصف امرء ... نشا هو والمجد في حيّز
ربيب المكارم ترب السماح ... قرى المعتفي ثروة المعوز
فأيّ العوارف لم يبتدىء ... وأيّ المواعد لم ينجز
فتى في صريح العلى ليس فيه ... لكاشح علياه من مهمز
وذو هاجس أينما زجّه ... فما طلب الغيب بالمعجز
تراه خبيراً بلحن المقال ... بصيراً بتعمية الملغز
نسجن المكارم أبراده ... وقلن لأيدي الثنا طرّزي
ترى الدهر يحلب من كفّه ... لبون ندىً قطّ لم تغرز
فأمّا قولي فيها:
تراه خبيراً بلحن المقال ... بصيراً بتعمية الملغز
فقد اشتمل على ذكر اللحن والتعمية واللغز؛ فأمّا اللحن فهو الكناية عن الشيء والتعريف بذكره والعدول عن الإفصاح عنه، قال الله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلْ) . وقال الشاعر:
ولقد وحيت لكم ليكما تفطنوا ... ولحنت لحناً ليس بالمرتاب
وقال الآخر:
وحديث ألذّه وهو ممّا ... ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً وخير الحديث ما جاء لحنا
وقيل: إنّ المعنيّ من اللحن في هذاالبيت هو الفطنة وسرعة الفهم على معنى ما روي عن النبي ﵇ أنّه قال: لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته، أي أفطن لها وأغوص عليها.
стр. 149
وأخبر أبو عبد الله محمّد بن عمر بن موسى المرزباني قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله العسكري قال: حدّثنا العنبري قال: حدّثنا علي بن إسماعيل اليزيدي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: تكلّمت هند بنت أسماء بن خارجة فلحنت وهي عند الحجاج، فقال لها: تلحنين وأنت شريفة في بيت قيس؟ قالت: أما سمعت قول أخي مالك لامرأته الأنصاريّة؟ قال: ما هو؟ قالت: قال:
منطق صائب ونلحن أحيا ... ناً وخير الحديث ما كان لحناً
فقال لها الحجاج: إنّما عنى أخوك اللحن في القول إذا كنى المحدّث عمّا يريد ولم يعن اللحن في العربيّة فأصلحي لسانك.
قال السيّد المرتضى: وقد ظنّ عمرو بن بحر الجاحظ مثل هذا بعينه وقال: إنّ اللحن مستحسن في النساء الغرائر - جمع غريرة وهي التي لم تجرب الأُمور - وليس بمستحسن منهنّ كلّ الصواب والتشبّه بفحول الرجال، واستشهد بأبيات مالك بعينها وظنّ أنّه اراد باللحن ما يخالف الصواب، وتبعه على هذا الغلط عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري فذكر في كتابه المعروف بعيون الأخبار أبيات الفزاري واعتذر بها من لحن أن أُصيب في كتابه.
قال الشريف المرتضى: وأخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال أخبرنا محمّد بن يحيى الصؤلي قال حدّثني يحيى بن علي المنجّم قال حدّثني أبي قال قلت للجاحظ: مثلك في عقلك وعلمك بالأدب ينشد قول الفزاري ويفسّره على أنّه أراد اللحن في الإعراب وإنّما أراد وصفها بالظرف والفطنة وإنّها توري عمّا قصدت له وتتنكّب التصريح به؟ فقال: قد فطنت لذلك بعد، فقلت: غيّره من كتابك، فقال: كيف لي بتغيير ما سار به الركبان. قال الصؤلي: فهو في كتابه على خطأه.
قال الشريف المرتضى: ومن حسن اللحن الذي هو التعريض والكناية ما أخبرنا به أبوالحسن علي بن محمّد الكتاب قال: حدآثنا أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي أنّ رجلاً من بني العنبر حصل أسيراً في بكر بن وائل فسألهم رسولاً إلى قومه فقالوا له لا ترسل إلاّ بحضرتنا لأنّهم كانوا عزموا على غزو قومه فخافوا أن ينذرهم فجيء بعبد أسود فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إنّي لعاقل، قال: وما أراك عاقلاً، وأشار بيده إلى الليل، فاقل: ما هذا؟ قال: الليل، قال: أراك عاقلاً، ثمّ ملأ كفّيه من الرمل فقال: كم هذا؟ قال: لا أدري وإنّه لكثير، فقال: أيّما أكثر النجوم أم النيران؟ قال: كلٌّ كثير، فقال: أبلغ قومي التحيّة وقل لهم ليكرموا فلاناً فإنّ قومه لي مكرمون - يعني به أسيراً كان في أيديهم من بكر -، وقل لهم إنّ العرفج قد أدبى وشكت النساء وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معكم حيساً، واسالوا عن خبري أخي الحارث.
فلمّا أدّى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد ألحن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملاً أصهباً، ثمّ سرّحوا العبد ودعوا الحارث فقصّوا عليه القصّة، فقال: قد أنذركم؛ أمّا قوله: قد أدبى العرفج، يريد أنّ الرجال قد استلئموا ولبسوا السلاح، والعرفج جنس من الشوك، وأدبى أي أورق وصار الورق عليه كالدبا، الدبا صغار النمل، أي ارتحلوا عن الدهناء وأركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب. وقوله: أكلت معكم حيساً، يريد أخلاطاً من النّاس قد غزوكم لأنّ الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا ما قال وعرفوا لحن كلامه.
стр. 150
وممّا يناسب هذه القضيّة وهو من التعريض بالأفعال دون الأقوال - وهذا وإن كان ذكره في باب التعريض أليق إلاّ أنّ فيه شبهاً بهذه القضيّه - ما ذكر أنّ الأخوص بن جعفر الكلابي أتاه آت من قومه فقال: إنّ رجلاً لا نعرفه جائنا فلمّا دنا منّا بحيث نراه نزل عن راحلته فعلق على شجرة وطباً من لبن ووضع في بعض أغصانها حنظلة ووضع صرّة من تراب وحزمة من شوك ثمّ أثار راحلته فاستوى عليها وذهب. وكان أيّام حرب تميم وقيس عيلان، فنظر الأخوص في ذلك فعيّ به فقال: أرسلوا إلى قيس بن زهير، فقال: ألم تك أخبرتني أنّه لا يردّ عليك أمر إلاّ عرفت ما فيه ما لم تر نواصي الخيل؟ قال: ما خبرك؟ فأعلمه، فقال: قد تبيّن الصبح لذي عينين، هذا رجل قد أخذت عليه العهود أن لا يكلّمكم ولا يرسل إليكم وإنّه قد جاء فأنذركم: أمّا الحنظلة، فإنّه يخبركم أنّه أتاكم بنوا حنظلة، وأمّا الصرّة، فإنّه يزعم أنّهم عدد كثير، وأمّا الشوك، فيخبركم أنّ لهم شوكة، وأمّا الوطب، فإنّه يدلّكم على قرب القوم وبعدهم، فذوقوه فإن كان حلواً حليباً فالقوم قريبون وإن كان قارصاً فالقوم بعيدون وإن كان مسخاً لا حلواً ولا حامضاً فالقوم لا قريبون ولا بعيدون، فقاموا إلى الوطب فوجوده حليباً، فبادروا إلى الإستعداد وغشيتهم الخيل فوجدتهم مستعدّين.
ويناظر هذه الحكاية ما حكي أنّ قتيبة بن مسلم دخل على الحجّاج وبين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك وهو يقرؤه ولا يعرف معناه وهو مفكّر، فقال له: ما الذي أحزن الأمير؟ قال: كتاب ورد من أمير المؤمنين ولا أعرف معناه، قال: إن رأى الأمير إعلامي به، فناوله إيّاه وفيه: أمّا بعد فإنّك سالم والسّلام، فقال قتيبة: مالي إن إستخرجت لك ما أراد به؟ قال: ولاية خراسان، قال: إنّه ما يسرّك أيّها الأمير ويقرّ عينك، إنّما أراد قول الشاعر:
يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر، فولاّه خراسان.
قال في القاموس: وقول الجوهري يقال للجلدة التي بين العين والأنف سالم غلط واستشهاده ببيت عبد الله بن عمر باطل، وهذا البيت لعبد الله بن عمر قاله في ابنه سالم.
وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين قال: خطب الوليد بن عبد الملك فقال: أمير المؤمنين عبد الملك قال: إنّ الحجّاج جلدة مابين عيني وأنفي، ألا وإنّي أقول: إنّ الحجّاج جلدة وجهي كلّه.
وأمّا اللغز وهو الأحجية والمعمى، فإن يجيء المتكلّم بأوصاف أو بوصف في ألفاظ مشتركة من غير الموصوف ويشير بها إلى مقصود مجهول أو اسم بتغيير حروفه وإمّا بتصحيف أو بعكس أو حساب. والحاصل أنّ أنواعه كثيرة ليس هذا محلّ حصرها لتشعّبها، ومدار هذا النوع على الحزر والحدس والفطنة ومعرفة الحساب، ولنودر نبذة من الأمثلة في ذلك، قال بعضهم في الضرس:
وصاحب لا أملُّ الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
ما إن رأيت له شخصاً فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا آخر الأبد
وقال الحريري في الميل:
وما ناكح أختين سرّاً وجهرة ... وليس عليه في النكاح سبيل
متى يغش هذي يغش في الحال هذه ... وإن مال بعل لم تجده يميل
يزيدهما عند المشيب تعاهداً ... وبرّاً وهذا في الفحول قليل
وقال الآخر في الخيمة:
ومضروبة من غير ذنب أتت به ... إذا ما هدى الله الأنام أضلّت
وقال بعضهم في اسم عثمان:
حروفه معدودة خمسة ... إذا مضى حرف تبقى ثمان
وقال الآخر في القلم:
وذي شحوب راكع ساجد ... ودمعه من عينه جاري
ملازم الخمس لأوقاتها ... معتكف في خدمة الباري
وقال الآخر في الميزان:
وقاضي قضاة يفصل الحكم ساكتاً ... وبالحق يقضي لا يبوح فينطق
قضى بلسان لا يميل وإن يمل ... على أخد الخصمين فهو مصدق
وقال الآخر فيه:
وما حاكم أعمى وفصلٌ قضاؤه ... ولو كان ذا عين لما قام بالفصل
وفي هذا القدر من الأمثلة كفاية، لأنّ هذا الباب واسع جدّاً لا تحصى أمثلته لكثرتهما.
الباب الثاني عشر في قافية السين
وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه هذه القطعة الموجزة:
أدر يا نديم علينا الكؤسا ... فقد شاقت الراح منّا النّفوسا
стр. 151
نشطنا عشيّاً لشرب المدام ... فأرعش بكأسك منّا الرؤسا
وقم هاتها من بنات الكروم ... على ورد خدّيك تجلّى عروسا
كأنّ الندامى على شربها ... بدور دجىً تعاطى شموسا
تداعوا لنيرانها ساجدين ... ودعواهم لا عدمنا المجوسا
سأحبس ما عشت ركب الرجاء ... بحيث يفكّ النوال الحبيسا
لدى من تخيّرت المكرمات ... على نحرها منه عقداً نفيسا
له المجلس المحتبي بالنهى ... يراع به من يروع الخميسا
وقلّ بأن يفرش الفرقدين ... ويتّخذ البدر فيه جليسا
فيابن نجوم جرت في العلاء ... لقوم سعوداً وقوم نحوسا
غدا بك يوم الندى ضاحكاً ... ويوم العدا عاد جهماً عبوسا
بقيت على عطل الحاسدين ... تحلي يد المدح فيك الطروسا
فأمّا قولي:
سأحبس ما عشت ركب الرجاء ... بحيث يفكّ النوال الحبيسا
فقد وقع فيه التصدير ويُسمّى ردّ العجز على الصدر وهو عبارة عن أن يأتي الشاعر بكلمة في صدر البيت متقدّمة أو متأخّرة ثمّ يأتي بلفظها أو معناها أو بما تصرّف من لفظها في عجزه. وأمثلة هذا النوع كثيرة وله عدّة ضروب، وأحسنه ما كانت فيه اللفظة افتتاحاً للبيت والأُخرى ختاماً له كبيتنا المذكور، وكقول الشاعر:
تمنّت سليمي أن أموت صبابةً ... وأهون شيء عندنا ما تمنّت
وقول البحتري:
ضرائب أبديتها في السماح ... بها لم نجد لك يوماً ضريبا
وقول الآخر:
كلّ ريم يعطوا فيصطاد ليثاً ... عند ليث يسطو فيصطاد ريما
وقول أبي تمام:
وجوه لو أنّ الأرض فيها كواكب ... توقّد للساري لكانت كواكبا
وقوله أيضاً:
وليل بتّ أكلؤه كأنّي ... سليم أو سهرت على سليم
أراعي من كواكبه سواماً ... هجاناً لا تريع إلى المسيم
بل شعر أبي تمام أغلبه مبني على التصدير وبذلك بلغ غاية الإستحكام من إتقان مبانيه وتمكّن قوافيه إذا القافية تكون مرادة من أوّل البيت وعليها يبتني نظمه وحسن الصناعة يقتضي ذلك.
الباب الثالث عشر في قافية الشين
وفيها فصلان
الفصل الأوّل في المديح
قلت فيه هذه القطعة:
ولربّ ريم طرفها ... بالهدب سهم اللحظ راشا
ورمى به صبّاً لفرط ... ضناه يرتعش ارتعاشا
قالت جنحت لسلوة ... فانظر لسهمكَ كيف طاشا
فأجبتها لا والذي ... جعل النهار لنا معاشا
أنا في سبيل هوى الكوا ... عب أربط العشّاق جاشا
هيهات أسلو أو يقا ... ل سلا الندى حسنٌ وحاشا
ذاك الذي لحوائم ... الآمال لم يترك عطاشا
مذ قام للعليا مؤمّل ... ها وبحر نداه جاشا
ماتت نفوس الحاسدين ... بغيضها والفضل عاشا
من لو تساجله الغيو ... ث أراك وابلها رشاشا
تستشعر الأسد الغضا ... ب لعظم هيبته اندهاشا
وعلى سراج جبينه ... الآمال تحسبها فراشا
وقد اشتمل قولي فيها:
هيهات أسلو أو يقا ... ل سلا الندى حسنٌ وحاشا
على الإيغال وهو ختم البيت بما يفيد نكتة يتمّ المعنى بدونها، فإنّ بيتنا هذا تمّ معناه قبل القافية إذ المراد منه تعليق حصول السلو عن عشقها على سلو الحسن عن الندى بناء على أنّه تعليق على محال وهو كما تراه حصل بتمامه قبل القافية، فلمّا أتينا بها أفدنا زيادة التنزيه مع المبالغة في ذلك، ومن النظائر قول الخنساء في أخيها صخر ترثيه:
وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علم في رأسه نار
فقولها: علم كاف في المقصود وهو تشبيهه بما هو معروف في الهداية، لكنّها أتت بقولها: في رأسه نار إيغالاً وزيادة للمبالغة.
وفسّره قدامة فقال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافية، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعراً أفاد معنىً زائداً على معنى البيت كقول ذي الرمّة:
قف العيس في أطلال ميّة فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرسوم المسلسل
أظنّ الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصّل
стр. 152
فالبيت الأوّل تمّ كلامه قبل القافية بقوله: رسوماً كأخلاق الرداء، ولمّا احتاج إليها وأتى بها بقوله: المسلسل أفاد معنىً زائداً، وكذلك صنع في البيت الثاني فإنّه لمّا تمّ كلامه قبل القافية بقوله: كتبديد الجمان، واحتاج إليها وأتى بها بقوله: المفصل، أفاد معنىً زائداً لو لم يأت بها لم يحصل ذلك المعنى.
وقال بعضهم: الإيغال مأخوذ من إيغال السير وهو الإسراع وقطع منتهى الأرض وذلك أنّ الشاعر إذا استكمل بيته بتمامه أتى بقافية معنىً زائداً على معنى البيت فكأنّه قد أوغل الفكر حتّى استخرجها.
وحكي عن الأصمعي أنّه سُئِل عن أشعر النّاس، قال: الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً، أو ينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد معنىً. فقيل له: نحو من؟ قال: نحو الفاتح لأبواب المعاني امرؤ القيس وذلك حيث قال:
كان عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يشقب
ونحو قول زهير:
كان فتات العهن في كلّ منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطم
فكلام امرؤ القيس إنتهى إلى قوله: الجزع، فأفاد معنىً زائداً بقوله: لم يثقب، ومعنى قول زهير إنتهى في الكلام إلى قوله: حبّ الفنا، فأفاد معنىً زائداً بقوله: لم يحطم. وبيان الزيادة فيهما هو أنّ امرؤ القيس شبّه عيون الوحش بالجزع وهو الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض، لكنّه أتى بقوله: لم يثقب، إيغالاً وتحقيقاً للتشبيه، لأنّ الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون.
قال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيّين فعيونهما كلّها سود فإذا ماتا بدا بياضهما وإنّما شبّهها بالجزع وفيه بياض وسواد بعد ما ماتت، والمراد كثرة الصيد، يعني ممّا أكلنا كثرت العيون عندنا.
وزهير شبّه ما تفتت من العهن بحبّ الفنا - والفنا شجر ثمره أحمر وفيه نقط سود وقال الفرا: هو عنب الثعلب -، فلمّا قال زهير بعد تمام معنى بيته: لم يحطم، أراد أن يكون حبّ الفنا صحيحاً لأنّه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة.
وقيل: كان الرشيد يعجب من قول مسلم بن الوليد:
إذا ما علت منّا ذوابة شارب ... تمشّت به مشي المقيّد في الوحل
وكان يقول: قاتله الله ما كفاه أن يجعله مقيّداً حتّى جعله مقيّداً في وحل.
وحكي أنّ بعض الشعراء قال لأبي بكر بن مجير: إنّي نظمت قصيدة وأعجزني روي بيت واحد فما أدري كيف أتمّمه؟ قال له أبوبكر: أنشدنيه، فأنشده: "قوله سليل الإمام وصنو الإمام وعمّ الإمام" فقال له من غير تفكّر ولا رويّة: قل: "ولا منتهى" فوضعه في قصيدته على ما تمّمه وكان أمكن قوافيه وأقواها.
ويشبه هذه القضيّة وإن لم يكن ممّا نحن فيه إذ ليس هو من الإيغال بشيء ما حكي أنّ زهير بن أبي سلمى قال بيتاً ونصف البيت الثاني ثمّ أكدى، فمرّ به النابغة الذبياني فقال له: يا أبا أمامة أجز، قال: ماذا؟ قال:
تراك الأرض أمّا متَّ خفاً ... وتحيى ما حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقرّ العزّ منها، ثمّ قال: فماذا؟ قال: فأكدى والله النابغة. وأقبل كعب بن زهير وهو غلام فقال أبوه: أجز يا بني، فقال: ماذا؟ فأنشده البيت الأوّل ومن البيت الثاني قوله: نزلت بمستقرّ العزّ منها، فقال كعب: فتمنع جانبيها أن يزولا، فقال زهير: أنت والله ابني.
ويعجبني قول عمّنا المهدي في الهاشميين، فلقد أوغل أحسن الإيغال وأبدع فيما قال:
وحين قامت على ساق جئت غضباً ... لها بنوا مضر الحمراء على الرّكب
من تحتهم لو تزول الأرض لانتصبوا ... على الهوى هضباً أرسى من الهضب
فقوله: أرسى من الهضب إيغال وأظنّه لم يُسْبَق إلى هذا المعنى وهو من معانيه الفريدة.
الفصل الثاني في الرثاء
قلت في رثاء الورع التقي، والنّاسك النقي شيخنا الشيخ محسن ابن الشيخ حسين الملقّب بمصبح الحلّي وقد رثيت أباه قبله بقصيدة حائيّة لم يحضرني منها سوى بيت أرّخت فيه عام وفاته وقد اشتمل على التورية فأحببت ذكره هنا، وهو قولي:
ومذ راح للجنّات قلت مؤرّخاً ... لا طيب ظلّيها حسين مصبح
فأمّا مرثية العالم العامل، والفريد الكامل الشيخ محسن المشار إليه طاب مرقده فهي هذه:
بكيت لمحمول إلى القبر في نعش ... سرى حاملوه في الثرى وهو في العرش
стр. 153
نعاك لي الناعي فخلت حشاشتي ... عليها التقت أنياب أفعي من الرقش
وقد كنت أرجو أن أُهنّيك بالشفا ... فأصبحت أنشي في رثاك ما أنشي
وما خلت أنّ الدهر فيك مخاتلي ... يراصدني سرّاً بغائلة البطش
إلى أن رأت عيني سريرك والعلى ... على أثره ثكلى وتعلن بالجهش
فلم أرَ لي من حيلة غير أنّني ... نظرت إليه إذ نأى نظر المغشي
كأنّ الذي في الأُفق نعشك سائراً ... وطرفي السهى والحامليك بنوا نعش
مشت خلفك التقوى تشيّع روحها ... ومن غير روح ما رأى ميّت يمشي
بكتك وظفر الوجد يخدش قلبها ... فمدمعها المحمر من ذلك الخدش
لئن كنت فيما تبصر العين ثاوياً ... بدار البلى في ذلك الجدث الوحش
فإنّك عند الله حيٌّ منعّم ... لديه على تلك النّمارق والفرش
ولولا ابنك الزاكي لأدمى تأسّفاً ... عليك التقى كفّيه بالعضّ والنّهش
ولكن رأى والحمد لله باقياً ... له حسنٌ فاختار ما اختار ذوالعرش
فتىً حنيت منه على قلب خاشع ... جوانح ذي نسك سلمن من الغشّ
فما ينطق العوراء مذود فضله ... ولا سمع تقواه يعي قولة الفحش
تعاهد غيث العفو مرقد محسن ... يبلّ ثرىً وأراه رشّاً على رشّ
الباب الرابع عشر في قافية الصاد
وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه هذه القطعة الفذّة:
أنخ يا سعد ناجية القلاص ... بحيث الدار طيّبة العراص
وعد فأعد حقائبها بطاناً ... بنائل موئل النفر الخماص
فثمّة ضاحك العرصات عمّت ... نوافله الأداني والأقاصي
بها حلّت تميمتها المعالي ... وأمست وهي مرخية العقاص
أما وندىً كم انتاش ابن دهر ... به نصب البلا شرك اقتناص
لقد خلص الثناء على مجيد ... به وجد السبيل إلى الخلاص
أغرّيري دلاص الحمد أصفى ... على عرض الكريم من الدلاص
ترقّى في العلاء بحيث منها ... تبوء في الذائب والنواصي
شرى درر الثنا تغلوا ونادى ... أوفري أنت عندي في ارتخاصي
ويا عَرضي هدرت دماك جوداً ... ويا عرْضي اقترح شرف القصاص
فقل يا بحر مدّك رهن جزر ... وقل يا بدر تمّك لانتقاص
دعا دعوى الفخار فكلّ فخر ... به لمحمّد شرف اختصاص
فأمّا قولي:
وعد فأعد حقائبها بطاناً ... بنائل موئل النفر الخماص
المراد بالخماص الجياع إلاّ أنّه مرّة يلخط به الجياع من الفقر وهم العفاة فهو منجاهم ومقرّهم لأنّهم لا يفدون إلاّ عليه لاستماحة جوده، ومرّة يلخط به الجياع من الإيثار بطعامهم وهم الكرام الذين تطرقهم الأضياف فهو موئلهم الذي تجتمع أُمورهم عليه وتنتهي آراؤهم في المهمّات إليه والملحوظ بذلك رياسته عليهم وزعامته فيهم، وتفسير الخماص بهذاالمعنى من أحسن صفات المدح، قال مهيار الديلمي:
يبيت خميصاً جنبه ووساده ... وطارقه خصباً كما شاء بائت
وفي خطبة لفاطمة ﵍: وفهتم بكلمة الإخلاص مع النفر البيض الخماص.
وعلى ذكر الحقائب ما رواه السيّد المرتضى في الدرر قال: أخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم قال: أخبرنا أبو عبيدة عن يونس قال: دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك ومعه نصيب الشاعر، فقال له سليمان: أنشدني، فأنشده:
وركب كان الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوار من كلّ جانب
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فاسودّ وجه سليمان وغاظه فعله وكان ظنّ أنّه ينشده مدحاً له، فلمّا راى نصيب ذلك قال: ألا أُنشدك؟ فأنشده:
أقول لركب قافلين رأيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبّروني عن سليمان أنّني ... لمعروفه من أهل ودّان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال له سليمان: أنت أشعر أهل جلدتك.
وفي بعض الأخبار: إنّ الفرزدق قال ذلك في نصيب لمّا سأله عنه سليمان.
стр. 154
وروي أيضاً أنّه لمّا أنشد نصيب أبياته، قال له سليمان: أحسنت ووصله ولم يصل الفرزدق، فخرج الفرزدق وهو يقول:
وخير الشعر أكرمه رجالاً ... وشرّ الشعر ما قال العبيد
قال السيّد المرتضى: ولا شبهة في أنّ أبيات الفرزدق مقدّمة في الجزالة والرصانة على أبيات نصيب، وإن كان نصيب قد أبدع وأغرب في قوله: ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب، إلاّ أنّ أبيات نصيب وقعت موقعها ووردت في حال تليق بها، وأبيات الفرزدق جائت في غير وقتها وعلى غير وجهها فلهذا قدّمت أبيات نصيب على أبيات الفرزدق مع تقدّمه في الشعر وبلوغه فيه إلى الذروة العليا والغاية القصوى، وكان شريف الآباء، كريم البيت، له ولآبائه مآثر لا تدفع ومفاخر لا تجحد.
وروي أنّه قيل له: هل حسدت أحداً على شيء من الشعر؟ قال: لا لم أحسد أحداً على شيء منه إلاّ ليلى الأخيليّة في قولها:
ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما
حتّى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما
لا تقربنّ الدهر آل مطرف ... لا ظالماً أبداً ولا مظلوما
على أنّي قد قلت: وركب كأنّ الريح تطلب عندهم، وذكر الأبيات المتقدّمة.
قال السيّد المرتضى: وليست أبيات الفرزدق بدون أبيات ليلى بل هي أجزل لفاظاً وأشدّ أسراً إلاّ أنّ أبيات ليلى أطبع وأنصع. وقد كان الفرزدق مشهوراً بالحسد على الشعر والإستكثار لقليله والإفراط في استحسان مستحسنه. وقد روي أنّ الكميت بن زيد الأسدي لمّا عرض على الفرزدق أبياتاً من قصيدته التّي أوّلها:
أتصرّم الحبل حبل البيض أم تصل ... وكيف والشيب في فوديك مشتعل
والأبيات:
لما عبأت لقوس المجد أسهمها ... حيث الجدود على الأحساب تنتضل
أحرزت من عشرها تسعاً وواحدة ... فلا العمى لك من رام ولا الشلل
الشمس أدّتك إلاّ أنّها امرأة ... والبدر أدّاك إلاّ أنّه رجل
حسده الفرزدق وقال له: أنت خطيب، وإنّما سلّم له الخطابة ليخرجه عن أسلوب الشعراء، ولمّا بهره حسن الأبيات وأفرط بها أعابه ولم يتمكّن من دفع فضلها جملة، عدل في وصفها إلى معنى الخطابة. وحسد الفرزدق على الشعر وإعجابه بجيده من أدلّ دليل على حسن نقده له، وقوّة بصيرته فيه، وإنّه كان يطرب للجيّد منه فضل طرب، ويعجب منه فضل عجب. ويدلّ أيضاً على إنصافه فيه وأنّه مستقلّ للكثير الصادر منه فإنّ كثيراً من النّاس قد يبلغ منهم الهوى والإعجاب والإستحسان لما يظهر منهم من شعر أو فضل إلى أن يعموا عن حاسن غيرهم فيستقلّوا منهم الكثير ويستصغروا الكبير، إنتهى.
أقول: وكذا كانت حال أبي عبداة البحتري، فلقد كان معجباً بشعره، تيّاهاً بنظمه، لا يرى فيه فضلاً لغيره عدا أبي تمام، فإنّه كان يقدّمه على نفسه ويسمّيه الشيخ ويقول: ما علمنا أكل الخبز بالشعر سواه. وممّا يدلّ على زهوه بنفسه ما نقل في معاهد التنصيص عن بعضهم قال: كنت عند المتوكّل والبحتري ينشده:
عن أيّ ثغر تبتسم ... وبايّ طرف تحتكم
حتّى بلغ إلى قوله:
قل للخليفة جعفر ... المتوكّل ابن المعتصم
والمجتدى ابن المجتدى ... والمنعم ابن المنتقم
أسلم لدين محمّد ... فإذا سلمت فقد سلم
قال: وكان البحتري من أبغض النّاس إنشاداً يتشادق ويتزاور في مشيه مرّة جانباً ومرّة القهقري، ويهزّ رأسه مرّة وينكّسه أخرى، ويشير بكمّه ويقف عند كلّ بيت ويقول: أحسنت والله، ثمّ يقبل على المستمعين فيقول: مالكم لا تقولون لي أحسنت، هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله. فضجر المتوكّل من ذلك. قال ناقل هذه الحكاية: فأقبل عَلَيّ المتوكّل وقال: أما تسمع يا صيمري ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيّدي، فمرني فيه بما أحببت، فقال: بحياتي أهجه على هذا الروي الذي أنشدنيه، فقلت: تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول، فدعا بقرطاس ودواة وحضرني على البديهة، فقلت:
أدخلت رأسك في حرِ أُمّ ... وعلمت أنّك تنهزم
يا بحتريّ حذار ويحك ... من قضاقضة ضغم
فلقد أسلت بوالديك ... من الهجا سيل العرم
فبأيّ عرض تعتصم ... وبهتكه جفّ القلم
والله حلفة صادق ... وبقبر أحمد والحرم
وبحقّ جعفر الإما ... م ابن الإمام المعتصم
стр. 155
لأصيرنّك شهرةً ... بين المسيل إلى العلم
في أبيات أخرى من هذا النمط. قال: فخرج مغضباً يعدو وجعلت أصيح به:
أدخلت رأسك في حرِ أُمّ ... وعلمت أنّك تنهزم
المتوكّل يضحك ويصفق بيده حتّى غاب عنه، وأمر لي بالصلة التي أُعدّت للبحتري.
ولولا خوف الإطالة لذكرت من إعجاب بعض الشعراء بنظمهم ما يطول ذكره.
الباب الخامس عشر في قافية الضاد
وفيها فصلان
الفصل الأوّل في المديح
قلت في مدحه هذه القطعة المفردة:
وسم الربيع بزعمه ذات الأضا ... كذب الربيع فذاك دمعي روّضا
وقف السحاب بها معي لكنّما ... دمعي استهلّ وإنّما هو أومضا
بكر الخليط عن الدّيار فلم أزل ... أدعوه إذ هو واصطباري قوّضا
يا راحلاً عن ناظريَّ لمهجتي ... أزمعت من سفح العقيق إلى الغضا
الآن أبناء الرجاء غدا السرى ... لهم يحبُّ وكان قبل مبغضا
من حيث لم يستقبلوا في مطلب ... وجه النجاح هناك إلاّ أعرضا
حلف الزمان بأن يديم مطاله ... حتّى لدى حسن المكارم يقتضي
وصلوا السهول إلى الحزون وإنّما ... قطعواالفضاء لخير من ضمَّ الفضا
لبسوا له ليل المطامع أسوداً ... وبه اجتلوا صبح المكارم أبيضا
فرأوا أغرَّ يكاد يقطر بشره ... ماءً له اهتزَّ الرجاء وروّضا
وفتىً له الشرف الرفيع بأسره ... ألقى مقاليد السماح وفوّضا
أعباء مجد لو تكلّف ثقلها ... حتّى يلمّلم لم يطق أن ينهضا
ذكر السيّد المرتضى في الدرر قال: أخبرنا أبو عبيد الله قال: حدّثني محمّد بن العبّاس قال: قال بعضهم لأبي العبّاس محمّد بن يزيد النحوي ما أعرف ضاديّة أحسن من ضاديّة أبي الشيص، فقال له: كم ضاديّة حسنة ولكن لا تعرفها، ثمّ أنشده لبشار قوله:
غمض الجديد بصاحبيك فغمّضا ... وبقيت تطلب في الحبالة منهضا
وكأنَّ قلبي عند كلّ مصيبة ... عظم تكسّر صدعه فتهيّضا
وأخ سلوت له فأذكره أخ ... فمضىوتذكرك الحوادث ما مضى
فاشرب على تلف الأحبّة إنّنا ... جزر المنيّة ظاعنين وخفّضا
ولقد جريت مع الصبا طلق الصبا ... ثمّ ارعويت فلم أجد لي مركضا
وعلمت ما علم امرؤ في دهره ... فأطعت عذّالي وأعطيت الرضى
وصحوت من سكري وكنت موكّلاً ... أرعى الحمامة والغراب الأبيضا
الحمامة أراد بها المرآة، والغراب الأبيض الشعر الشائب. فيقول: كنت كثيراً أتعهّد نفسي بالنظر في المرآة وترجيل الشعر. وصف الغراب بالأبيض لأنّ الشعر كان غربيباً أسود من حيث كان شابّاً ثمّ ابيضّ بالشيب. رَجْعٌ إلى ذكر باقي القصيدة، وذلك قوله:
ما كلُّ باقة تجود بمائها ... وكذاك لو صدق الربيع لروّضا
هكذا أنشده المبرّد ويحيى بن علي، وأنشده ابن الأعرابي:
ما كلُّ بارقة تجود بمائها ... ولربّما صدق الربيع فروضا
قد ذقت ألفته وذقت فراقه ... فوجدت ذاعسلا وذاجمر الغضا
ياليت شعري فيم كان صدوده ... ءأسأت أم رعد السحاب وأومضا
ويلي عليه وويلتي من بينه ... كان الذي قد كان حلماً وانقضى
سبحان من كتب الشقا لذوي الهوى ... ما كان إلاّ كالخضاب فقد نضى
قال المبرّد: وهي طويلة.
قال السيّد المرتضى: ولأبي تمام والبحتري على هذا الوزن والقافية وحركة القافية قصيدتان ضاديّتان إن لم تزيدا على ضاديّة بشار التي استحسنها المبرّد لم تقصرا عنها. فأوّل قصيدة أبي تمام:
أهلوك أضحوا راحلاً ومقوّضاً ... ومزمّماً يصف النوى ومعرّضا
إن يدج عيشك إنّهم أموا اللوى ... فبما أضاء وهم على ذات الأضا
بدّلت من برق الثغور وبردها ... برقاً إذا ظعن الأحبّة أو مضى
ما أنصف الشرخ الذي بعث الهوى ... فقضى عليك بلوعة ثمّ انقضى
عندي من الأيّام ما لو أنّه ... أمسى بشارب مرقد ما غمّضا
لا تطلبنّ الرزق بعد شماسه ... فترومه سعياً إذا ما غيّضا
ما عوّض الصبر امرؤ إلاّ رأى ... ما فاته دون الذي قد عوّضا
يا أحمد ابن أبي دؤاد دعوة ... ذلّت بذكرك لي وكانت ريّضا
стр. 156
لمّا انتضيتك للخطوب كفيتها ... والسيف لا يرضيك حتّى ينتضى
قد كان صوّح نبت كلّ قرارة ... حتّى تدوح في نداك وروّضا
أوردتني العدّ الخسيف وقد أرى ... أتبرّض الثمد البكيّ تبرّضا
وأمّا قصيدة البحتري فهذه:
ترك السواد للابسيه وبيّضا ... ونضى من الستّين عنه ما نضى
وشناه أغيد في تصرّف لحظه ... مرض أعلَّ به القلوب وأمرضا
إلى أن يقول:
قعقعت للبخلاء أذعر جاشهم ... ونذيرة من فاصل أن ينتقضى
وكفاك من حنش الصريم تهدّداً ... إن مدَّ فضل لسانه أو نضنضا
لا تنكرن من جار بيتك إن طوى ... أطناب جانب بيته أو قوّضا
فالأرض واسعة لنقلة راغب ... عمّن تنقّل ودّه وتنقّضا
لا تهتبل أغضاي أمّا كنت قد ... أغضيت مشتملاً على جمر الغضا
لست الذي إن عارضته ملمّة ... أصغى إلى حكم الزمان وفوّضا
لا يستفزّني الطفيف ولا أرى ... تبعاً لبارق خلّب إن أومضا
أنا من أحبّ تحرّياً وكأنّني ... فيما أعاين منك ممّن أبغضا
أغببت صيبك كي يجمّ وإنّما ... غمد الحسام المشرفي لينتضى
وسكتُّ إلاّ أنّ أعرض قائلاً ... نزراً وصرّح جهده من عرّضا
الفصل الثاني في التهنية
قلت مهنّياً أخاه الماجد محمّد الرضا المترجم في أوّل الأبواب بختان ولديه عبد الحسين وعبد العزيز، وذلك حيث قلت:
صبح الهنا اليوم تجلّى أبيضا ... وبالمنى ربع التهاني روّضا
فقم إلى كاس التهاني فاصطبح ... فيها بناد بسنا البشر أضا
فإنّ هذي فرحة من قبلها ... لمثلها الزمان ما تعرّضا
من لم يكن يأخذ منها حظّه ... فليت شعري ما الذي تعوّضا
وكيف لا يدخل في كلّ حشاً ... منها سرورٌ سرَّ أحشاء الرضا
أسخى الورى الناهض من ثقل الندى ... بما به كلّ الورى لن تنهضا
ذاك الذي من كرم النفس يرى ... ندب صلات وفده مفترضا
ذاك الذي كلتا يديه رهمة ... ربعيّة بها المنى قد روّضا
ذاك الذي للمستنين جوده ... رقىً إذا صلُّ الجدوب نضنضا
له سجاياً من أبيه حسنت ... وبسط كفّ في الندى ما انقبضا
وغرّة من لمعها تحت الدجى ... أعارت البرق السنا فأومضا
يصرّح البشر لها للمجتدي ... بالنجح قبل أن يرى معرّضا
أحبب بدهر جلب البشرى له ... وكان قبل جلبها مبغّضا
إذ في ختان قرّتي عين العلى ... سرَّ الأنام أسوداً وأبيضا
طاب الهنا فيه لهم فياله ... قطعاً به وصل الهنا تقيّضا
واليوم في ختان كلّ أرّخوا ... بالزهو قد حوى محمّد الرضا
الباب السادس عشر في قافية الطاء
وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه:
ليس إلاّ إليك للعيس ينشط ... كلُّ رحل إلى حماك يحط
يا أخا المكرمات حسبك فخراً ... أنّها حين تعتزي لك رهط
لك خلق به الرضا لمحبّ ... ولذي البغض والقلى فيه سخط
بشّروا يا بني الرجاء الأماني ... بابن علياء كفّه الجعد سبط
وأنزلوا حيث لا تمدُّ الليالي ... يد خطبوحيث لا الدهر يسطو
في حمىً ليس يرفع الطرف فيه ... رهبةً أشوسٌ ولا الليث يخطو
حرم آمن مهابته ستر ... على من به استجار يلطّ
رجع الدهر لاقتبال صباه ... بعد ما قد علاه للشيب وخط
بفتى أصبحت مناقبه الغرّ ... على جبهة الزمان تخط
يقبض المال لا لغير العطايا ... فالندى في يديه قبض وبسط
لو رأينا الجوزاء تحكي مزاياه ... لقلنا لدرّها أنت سمط
والثريّا قد داسها فلهذا ... لم نقل أنّها لعلياه قرط
أقول: قولي: ليس إلاّ إليك للعيس نشط، الأُنشوطة عقدة واهية يسهل انحلالها كالتكّة، فيقال في المثل: ما عقالك بأُنشوطة، معناه: ما مودّتك بواهية. ويقال في المثل أيضاً: كأنّما أنشط من عقال، أي حلّ من عقال، فالأوّل من نشطت الحبل أنشطه نشطاً عقدته أُنشوطة، والثاني من أنشطته أي حللته. والإنتشاط مدّ الحبل حتّى ينحلّ، ومنه قول مهيار:
قم فانتشطها حسبها أن تعقلا ... ودع لها أيديها والأرجلا
стр. 157
ويقال في المثل: لا حتّى يرجع نشيط من مرو، نشيط إسم رجل بنى داراً لزياد بالبصرة وهرب إلى مرو قبل أن يتمّها، وكلّما قيل لزياد: تمّم دارك، يقول: لا حتّى يرجع نشيط من مرو، فلم يرجع وصار مثلاً.
والناشط: الثور الوحشي يخرج من أرض إلى أرض، ومنه قوله تعالى: (وَالنَّاشِطاتِ نَشْطَاً) أي النجوم تنشط من برج إلى برج، والهموم تنشط بصاحبها، قال هميان بن قحافة السعدي:
أمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طوراً وطوراً واسطا
فالنشط في بيتنا إمّا مأخوذ من هذا أو من المعنى المتقدّم في أنشطته نشطاً.
وقولي: لك رهط، رهط الرجل قومه وقبيلته، وجعل المكارم رهطاً له لزيادة الإختصاص، قال البحتري:
حتّى لو أنّ المجد خيّر في الورى ... نسباً لأصبح ينتمي في يعرب
أراد باختصاصه بهم إنتماء المجد إليهم. وقال أبو تمام:
إذا ألجمت يوماً لجيم وحولها ... بنوا الحصن نجل المحصنات النجائب
فإنّ المنايا والصوارم والقنا ... أقاربهم في الروع دون الأقارب
وقولي: يلطّ، هو من لطّ الستر أرخاه، قال السيّد المرتضى في رثاء أُمّه:
أم من يلطّ لي ستر دعائه ... حرماً من البأساء والضرّاء
والوخط: أوّل الشيب، من وخطه الشيب إذا خالطه.
والسمط هو الخيط مادام فيه الخرز وإلاّ فهو سلك، والمسمّط من الشعر ما قفي أرباع بيوته وسمّط في قافية مخالفة، يقال: قصيدة سمطيّه ومسمّطة، قال بعضهم:
ومستلئم كشفت بالرمح ذيله ... أقمت بعضب ذي سفاسق ميله
فجعت به في ملتقى الحيّ خيله ... تركت عتاق الطير تحجل حوله
كأنّ على سرباله نضح جريالالسفاسق: طرايق السيف، ويقال إنّها فرنده. ولا يذهب عليك أنّ التخميس والموشّح كلّه من هذا، لا أنّ المتأخّرين اخترعوا طريقتهما، وإنّما غيّروا فيهما التسمية لمناسبة لحظوها فسمّوهما بذلك.
الباب السابع عشر في قافية الظاء
وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه هذه المدحة:
رأت المشيب بعارضيك فغاضها ... وثنت بذات البان عنك لحاظها
هيفاء لو برزت لنسّاك الورى ... يوماً لأصبى دلّها وعاضها
ريم لئالي نحرها تحكي لئا ... لىء ثغرها اللائي حكت ألفاظها
قد كان شملك بالكواعب جامعاً ... أيّام سوق صباك كان عكاظها
فتنبّهت عين الزمان ففرّقت ... بالشيب شملك لا رأت إيقاظها
رقّت إليك قلوبهنّ مع الصبا ... وأعادهنَّ لك المشيب غلاظها
فدع الغواني القاتلات بصدّها ... كم فتنة غنح الحسان أفاظها
واهتف هديت ولو من النبل العدا ... كسرت عليك لغيظها أرعاضها
بمدائح الحسن الذي آباؤه ... كانوا لأسرار الندى حفّاظها
حمّال ثقل المكرمات بهمّة ... لم تشك مذ نهضت بها أبهاظها
يا من أعار النيّرات ضيائها ... فزهت وأعطى المخدرات حفاظها
أوقدت نار قرى لضيفك ضوئها ... وبقلب كاشحك اقتدحت شواظها
فأمّا قولي: رأيت المشيب بعارضيك الخ فمثل قول مهيار الديلمي من قصيدة:
ولم أنس إذ راحوا مطيعين للنوى ... وقد وقفت ذات الوشاحين والوقف
ثنت طرفها دون المشيب ومن يشب ... فكلّ الغواني عنه مثنيّة الطرف
وقد ولع الشعراء في وصف المشيب فأتوا فيه بكلّ معنى دقيق، في نظم أنيق، ويعجبني قول بعضهم في جارية سوداء:
وجارية من بنات الحبوش ... ذات لحاظ صحاح مراض
تعشّقتها للنصابي فشبت ... غراماً ولم أك بالشبيب راضي
وكنت أعيّرها بالسواد ... فصارت تعيّرني بالبياض
وظريف قول بعضهم وهو من الهزل المراد به الجدّ:
تبسّم الشيب بذقن الفتى ... يوجب سفح الدمع من جفنه
حسب الفتى بعد الصبا ذلّة ... أن يضحك الشيب على ذقنه
وذمّ الشباب بعضهم بقوله:
لم أقل للشباب في دعة الله ... ولا حفظه غداة استقلاّ
زائراٌ زارنا أقام قليلاً ... سوّد الصحف بالذنوب وولّى
وما أحسن قول أبي العلا المعرّي في مدح الشيب:
خبّريني ماذا كرهت من الشيب ... فلا علم لي بذنب المشيب
أضياء النهار أم وضح اللؤ ... لؤ أم كونه كثغر الحبيب
وفي هذا المعنى قول بعضهم في ذمّ الشباب:
стр. 158
أخبرني فضل الشباب وماذا ... فيه من منظر يروق وطيب
غدره بالخليل أم حبّة للغي ... أم كونه كعيش الأديب
وبديع قول حسن بن النقيب في التأسّف على فقدان المشيب لا على أخلاق رداء الشباب القشيب:
لا تأسفنّ على الشباب وفقده ... فعلى المشيب وفقده يتأسّف
هذاك يخلفه سواه إذ انقضى ... ومضى وهذا إن مضى لا يخلف
وأمّا قولي في هذه المقطوعة:
هيفاء لو برزت لنسّاك الورى ... يوماً لأصبى دلّها وعاضها
فنظير قول ابن دريد في مقصورته حيث يقول:
ولاعبتني غادة وهنانة ... تضني وفي ترشافها برؤ الضنا
لو ناجت الأعصم لانحطَّ لها ... طوع القياد من شماريخ الذرى
أو صابت القانت في مخلولق ... مستصعب المسلك وعر المرتقى
ألهاه عن تسبيحه ودينه ... تأنيسها حتّى تراه قد صبا
كأنّما الصهباء مقطوب بها ... ماء جنى ورد إذا الليل غشا
يمتاحه راشف برد ريقها ... بين بياض الثغر منها واللما
ومنها:
يا هؤلاء هل نشدتنّ لنا ... ثاقبة البرقع عن عيني طلا
ما أنصفت أُمّ الصبيين التي ... أصبت أخا الحلم ولمّا يصطبى
وأمّا قولي فيها:
ريم لئالي نحرها تحكي لئا ... لىء ثغرها اللائي حكت ألفاظها
فالمقصود منه أنّ عقدها وأسنانها وألفاظها كلّها لئالىء يظهر ذلك من تشبيه بعضها ببعض. وللشعراء في هذا النحو والتشبيه معان غريبة، فمن ذلك قول البحتري:
ولمّا التقينا والنقا موعدٌ لنا ... تعجّب رائي الدرّ منّا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
وقال المتنبّي في ذلك:
ديار اللواتي دارهنّ عزيزة ... بسمر القنا يحفظن لا بالتمائم
حسان التثنّي ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهنّ النواعم
ويبسمن عن درٍّ تقلّدن مثله ... كأنّ التراقي وشحت بالمباسم
وشبّه الأرجاني الدمع في خدّ معشوقه باللؤلؤ في حال الفراق فقال:
نأى النوم عنّي لمّا نأوا ... وأقسم لا عاد حتّى يعودوا
فبلّغ سلامي بدر الخيام ... يكسفه نأيه والصدود
بآية ما قال يوم الرحيل ... مرعيّة للخليل العهود
ولمّا وقفنا غداة الوداع ... وقيّدت لتظعن بالحيّ قود
بكى وتنفّس خوف الفراق ... فأسلم عقديه جفن وجيد
كان الذي خلعته النحور ... من لؤلؤ لبسته الخدود
وقال أيضاً:
وكأنّ كلّ مليحة يوم النوى ... قد علّقت في الخدّ عقد الجيد
وأمّا قولي فيها:
واهتف هديت ولو من النبل العدا ... كسرت عليك لغيظها أرعاضها
فالرعظ بالضم مدخل سنخ النصل وفوقه لفائف العقب وتُسمّى الرصاف، والجمع أرعاظ، ويقال: إنّ فلاناً ليكسر عليك أرعاظ النبل، مثلٌ لمن يشتدّ غضبه، كأنّه يقول: إذا أخذ السهم نكت به الأرض نكتاً شديداً حتّى تنكسر رعظه، أو معناه: يحرق عليك الأسنان، شبّه مداخل الأسنان ومنابتها بمداخل النصال من النصال، ومثلٌ آخر: ما قدرت على كذا حتّى تعطّفت عَلَيّ أرعاظ النّبل.
الباب الثامن عشر في قافية العين
وفيها فصلان
الفصل الأوّل في المديح
قلت في مدحه هذه الأبيات:
دعوا كبدي ودونكموا دموعي ... فداعي البين يهتف بالجميع
وما أبقي على كبدي ولكن ... لتأنس في محلّكم ضلوعي
كتمت بها الهوى زمناً إلى أن ... دعاها يومُ بينكم أُذيعي
فصاعدت الدموع لكم نجيعاً ... ويوشك أن تسيل مع الدموع
وبالعلمين واضحة المحيّا ... رشوف الثغر طيّبة الفروع
تمنّي المستهام بغير نيل ... فتطمعه بخالبة لموع
منعت وصالها فسلوت عنها ... وقلت لها ورائك من منوع
فأنت وما صنعت فعنك حسبي ... بمدح محمّد الحسن الصنيع
ربيع زماننا وأرقُّ طبعاً ... إلى الندماء من زمن الربيع
ربيب مكارم وفتى معال ... ترعرع في ذرعى الشرف الرفيع
درور أنامل الكفّين جوداً ... غداة السحب جامدة الضروع
كسا أعطافه نفحات فخر ... وقال لها على الثقلين ضوعي
стр. 159
الرشوف هي المرأة الطيّبة الفم، والرشف المصُّ، وقد رشفه يرشفه، ويرشفه وارتشفه أي امتصّه. وفي المثل: الرشف أنقع إذا ترشّف الماء قليلاً قليلاً كان أسكن للعطش. وعلى قولي: تمنّى المستهام الخ قول بعضهم:
لقد كنت جلداً قبل أن توقد النوى ... على كبدي ناراً بطيئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت ... ولكنَّ شوقاً كلّ يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تذوب صبابتي ... إذا قدمت أيّامها وعهودها
فقد جعلت في حبّة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
بمرتجه الأرداف هيفٌ خصورها ... عذابٌ ثناياها عجافٌ قيودها
مخصرّة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن ممّا زيّنتها عقودها
وصفرٌ تراقيها وحمرٌ أكفّها ... وسودٌ نواصيها وبيضٌ خدودها
يمنيننا حتّى ترفُّ قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طلٌّ يجودها
ويروى أنّ منها:
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أُصيب وليدها
هل الله عاف عن ذنوب تسلّفت ... أم الله إن لم يعف عنها معيدها
فمعنى قولي: تمنّي المستهام أنّها تريه من الإمارات في أحوالها وأقوالها ما يقرب إلى ظنّه الظفر بحصول ما تشتهيه نفسه من وصالها بحيث يبقى متشوّفة نفسه إلى أن يحظى بتلك الإرادة متوقّعاً حصولها، وهذا الطمع ممّا جرت به العادة. وما أحسن قول البحتري في صفة الأحوال المطمعة:
إنّ في السّرب لو يساعفنا السرب ... شموساً يمشين مشياً وئيدا
يتدافعن بالأكفّ ويعرضن ... علينا علوارضاً وخدودا
وما أحلى قول أبي حيّة النميري:
ألمّا بسلمى قبل أن ترمي النوى ... بنافذة نبض الفؤاد المتيّم
يقف عاشق لم يبق من روح نفسه ... ولا عقله المسلوب غير التوهّم
فقلنا لها سرّاً فدنياك لا يرح ... صحيحاً وإن لم تقتليه فالممي
فألقت قناعاً دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفٍّ ومعصم
ومن المطمعات الرقّة واللين في الكلام كما وصفه الله عزّوجلّ فقال: (لا تَخْضَعْنَ بالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذي في قَلْبِهِ مَرَض) وقال بعض الشعراء، وأحسن في ذلك ما شاء:
ومستخفيات ليس يخفين زرننا ... يسحبن أذيال الصبانة والشكل
جمعن الهوى حتّى إذا ما ملكنه ... نزعن وقد أكثرن فينا من القتل
موارق من ختل المحبّ عوارف ... بختل أولى الألباب بالجدّ والهزل
مريضات رجع القول خرس عن الخنا ... تألّفن أهواء القلوب بلا بذل
ولآخر:
بيض حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكّة صيدهنّ حرام
يحسبن من لين الكلام زوانياً ... ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام
وللمتنبّي:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلةً ... أوراكهنّ صقيلات العراقيب
ولآخر:
وإذ دعونك عمّهنّ فإنّه ... نسب يزيدك عندهنّ خبالا
ولآخر:
وكانت تسمّيني أخاها تعلّلاً ... فقلت لها أفسدت عقل أخيك
وإنّي لأستحسن لبعض شعراء عصرنا المسمّى بملاّ محمّد التبريزي قوله وفيه التورية:
وقائلة عمّي وما أنا عمّها ... ولكنّني أفدي بعمّي خالها
وعلى ذكر التمنّي فما أحسن قول مهيار الديلمي:
أتمنّى والمنى جهد المقلّ ... واقضي الدهر في ليت وهل
وأسوّي كلف العيش إذا ... أظلمت لي بطلاوات الأمل
سلوة وهي الغرام المشتكى ... وتعاليل أسىً هنَّ العلل
قيل: إنّ بعضهم تمنّى في منزله فقال: ليت لنا لحماً نطبخ منه سكباجاً، فما لبث أن جاء ابن جاره بصفحة وقال: أغرفوا لنا قليلاً من المرق، فقال: إنّ جيراننا يشمّون رائحة الأماني.
ولذا قيل: الأماني بضائع النوكى.
وقيل: التمنّي رأس مال المفلس.
وعلى ذكر الطمع ما روي أنّه تخاصم رجلان عند دير، فقال أحدهما: أير هذا الرّاهب في حر أُمّ الكاذب، فما لبث أن نزل الراهب منعضّاً وهو يقول: أيّكما الكاذب.
ويقال: إنّ بعضهم اجتاز بدارا فسمع صاحبها يقول لزوجته: إن لم أحمل عليك ألف رجل فما أنا برجل، فجلس على الباب إلى أن أعيى ثمّ قام وضرب الباب وقال: تحمل على هذه القحبة أو نمضي.
стр. 160
وقيل لأشعب الطمّاع: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلبة أُم حؤمل تبعتني فرسخين وأنا أمضغ كندراً.
وقيل له يوماً: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروساً في المدينة تزفّ إلاّ كنست بيتي ورششته طمعاً في أنّها تزفّ لي.
ووقف على رجل خيزراني يعمل طبقاً فقال: وسعه قليلاً، فقال الخيزراني: وما تريد بذلك؟ لعلّك تريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن يشتريه بعض الأشراف فيهدي إليّ فيه شيئاً. ونوادره كثيرة.
واتّفق أنّا سافرنا إلى بغداد أوّل الشتاء، فهبت علينا في بعض الطريق ريح نكباء وأرخت السماء عزالاها وذلك وقت الطفل، فملنا إلى حصن بناه على الطريق أبوالممدوح محمّد الصالح، فلمّا نزلنا فيه أنشأ عمّنها المهدي فيه وله الأصل النفيس، ولي هذا التخميس:
أجل لم يكن في ساحة الكون فاعلمن ... لسار حمىً إلاّ ببيتين في الزمن
ببيت بناه الله أمناً من المحن ... وبيت على ظهر الفلاة بناه من
له همّة من ساحة الكون أوسع
ألا ربَّ قفر قد قطعنا فضائه ... بيوم وصلنا بالصباح مسائه
ولمّا علينا الليل مدّ ردائه ... نزلنا به والغيث يكسب مائه
كأنّ قطره من سيب كفّيه يهمع
كأنّ النعامى حين وافت بقطره ... لنا حملت من خلقه طيب نشره
فما قطرة إلاّ تتابع وفره ... وما برقه إلاّ تبسّم ثغره
لوفّاده من جانب الكرخ يلمع
فبورك بيتاً كان فيه احتجابنا ... عن السوء مذ أمسى إليه انقلابنا
به أمنت حصب الرياح ركابنا ... ومنه وقفتنا أن تبلَّ ثيابنا
مقاصر من شأو الكواكب أرفع
مقاصرُ بتنا من حماها بجنّة ... وقينا الأذى من حفظها بمجنّة
غدت مجمع السارين أنس وجِنّة ... ولم ير في الدّنيا مقاصر جنّة
لشمل بني الدنيا سواهنّ تجمع
فوحشتنا زالت بإنس رحابها ... عشيّه بتنا في نعيم جنابها
إلى أن نسينا السير تحت قبابها ... كأنّا حلولٌ في منازلنا بها
ولم تتضمّنا مهامة بلقع
بنا أدلجت تطوي المهامة عيسنا ... إلى أن بأيدي السير دارت كئوسنا
فمالت نشاوى نحوهنَّ رؤسنا ... وبتنا بها حتّى تمنّت نفوسنا
نقيم بها ما دامت الشمس تطلع
ومذ كان فيها بالسرور مبيتنا ... محيث ثمار الإنس والبشر قوتنا
رأينا الهنا في ظلّها لا يفوتنا ... وعنها وإن عزمت علينا بيوتنا
وددنا إلى أكنافها ليس نرجع
فلا عجب أن تغد صبحاً وعتمةً ... بها الوفد من كلّ الجهات ملمّةً
وتمسي لهم بالخوف أمناً وعصمةً ... ففيها أبوالمهدي أسبغ نعمةً
على النّاس فيها طوق النّاس أجمع
بها عمَّ أهل الأرض دان وشاسعا ... وفيها لكلّ الخير أصبح جامعا
وليس لهذي وحدها كان صانعاً ... له الله كم أسدى سواها صنائعا
بأمثالها سمع الورى ليس يقرع
لقد غمر الدّنيا معاً بسخائه ... فكانت لساناً ناطقاً بثنائه
وأدّب صرف الدهر بعد اعتدائه ... فلا برحت في الكون شمس علائه
بأُفق سماء المجد بالفخر تطلع
الفصل الثاني في التهاني
أقول: لمّا قدم الممدوح الفاضل الشيخ محمّد الحسن من حجّ بيت الله الحرام في سنة ١٢٩٢ وكنت عازماً أن أُؤرّخ ذلك العام وأشهد حضرته لتلاوة ما أنشأته من النظام، فمنعني عن ذلك حلول وباء تلك السنة يشبه الطاعون بشدّته وخطبه المتفاقم، وقلت: ما أصدق من قال: عرفت الله بنقض العزائم، فأنشأت هذه الموشّحة اببديعة وأرسلتها إلى حضرته الرفيعة:
عرَّفت ناسكةً ذات اللما ... فرنت فاتكةً في أضلعي
ولكم بالهدب راشت أسهما ... فرمت شاكلتي صبري معي
أنشقتني يوم جمع عرفها ... وعلى الخيف حمتني رشفها
كحل الغنج بسحر طرفها ... ما رنت للصبّ إلاّ أقسما
ما كذا ترنوا ظباء الأجرع ... والغواني تدّعي السحر وما
هو إلاّ تحت ذاك البرقع
غادة أقتلها لي كلّها ... مثلما أحيى لقلبي وصلها
ذات غنج قد سباني دلّها ... طرقت وهناً فقالت أجرما
أذرأتني بائتاً في الهجع ... ونعم يا ريم طرفي هوّما
طمعاً منك بطيف ممتع
стр. 161
دميةٌ نشر الخزامى نشرها ... بفتات المسك يزري شعرها
كم ليال هي عندي بدرها ... قابلت فيهنّ مرآت السما
بمحيّاها فقيل انطبعي ... هي والظبية من واد كما
هي والبدر معاً من مطلع
كلّما ورَّد خدّيها الخجل ... قطفت ذيّالك الورد المقل
لا تسل عنها وعنّي لا تسل ... وقفت فاستوقفتني مسقما
وأفاضت فأفاضت أدمعي ... عجباً راقبت فيها الحرما
واستحلّت صيد قلبي الموجع
كم قضت في سعيها من منسك ... ما أضاعت فيه إلاّ نسكي
فلقد عدتُ بقلب مشرك ... في الهوى يعبد منها صنما
فهو في اللاهين لا في الرّكع ... ضلّةً يقرؤ قلْ من حرَّما
زينة الله ولمّا يقلع
لست أنسى بالمصلّى موقفاً ... فيه يرجى العفو عمّا سلفا
إذ بدت أحلى الغواني مرشفا ... تجرح النسك بلحظ إن رمى
سهمه قرطس قلب الورع ... وانثنت تطعن في الحجّ بما
قد حوى لين الرماح الشرّع
يا سقى الله ضحيّات النقا ... وسقاها الروض وشياً مونقا
كم أرت عيني وجهاً مشرقا ... وجلت لي من فتاة مبسما
عن شتيت واضح ملتمع ... قد دعا دمعي ولكن رخّما
فأجابت بعقيق أدمعي
عجبت حين بدت في تربها ... ورأتني بين صرعى حبّها
ثمّ قالت للتي في جنبها ... هل وصلن الغيد قبلي مغرما
وسوى الشيب له لم يشفع ... سنّة ما عملت فيها الدمى
وهي في دين الهوى لم تشرع
لا ومن أودع في خصري النحول ... ورمى نرجس جفني بالذبول
لست أحيي أشيباً واسمي قتول ... للذي ماء الصبا فيه نمى
غصنه من ناشىء أو يفع ... كلّما استقطرت منه اللمما
قطرت ماءً فبلّت موضعي
قلتُ يا سالبتي طيب الوسن ... ما لمن تصبى المعنى والسنن
فصلي الصبّ الذي فيك افتتن ... واجعلي وصلك في هذا الحما
بدعةً جائت كبعض البدع ... وألمّي كخيال سلما
هوّم الركب فحيّى مضجعي
من رأى خدّيك قال العجب ... كيف في الماء يشعُّ اللهب
والّتي طاب أبوها العنب ... بالذي أودعها منك الفما
فغدت أورى لقلب المولع ... ما الذي من يرتشفه أثما
هي أم فوك فزيدي ولعي
وحديث تتهاداه الربى ... طاب نشراً بين أنفاس الصبا
عن بشير جاء يطوي السبسبا ... تأرج البشرى عبيراً أينما
حلَّ في الأربع بعد الأربع ... شعبت شمل العلى فالتأما
ودّعت قلب الحسود انصدع
فادر يا صاحبي كأس الطرب ... واطرح في كأسها بنت العنب
قم فشاركني بما سرَّ الحسب ... بشّر المجد وهنّ الكرما
وعلى هذا الهنا بارك معي ... قد تجلّى كلّ أفق أظلما
بسنا هذي البدور الطلّع
زُهْرُ مجد زَهَرَ الدهر بهم ... لا خلت أفلاكه من شهبهم
كلّما خفَّ الهوى في صبّهم ... وعلى المسرى إليهم عزما
ثقلت نهضته في المربع ... من أمور طاريات كلّما
همَّ ينحو قصدهم قلن ارجع
لك يا عبد الكريم الفرح ... ولأعدائك زال الترح
وصفت لابن أخيك المنح ... مصطفى المجد بأزكى من نمى
شرفٌ سام لمجد أرفع ... كبدور التم تنضوا اللثما
عن ثغور كالبروق اللمع
قرَّ طرف الفخر منها بالحسن ... ذاك من قرّت به عين الزمن
شخصة والدهر روحٌ وبدن ... فحياة الدهر لمّا قدما
رجعت للنّاس أحلى مرجع ... ما براه الله إلاّ عيلما
لبني الآمال عذب المشرع
مذ حوى صدر المعالي قلبها ... وسماء المجد أبدت قطبها
سبّحت غرّ القوافي ربّها ... وأتت تهدي إليه أنجما
ما حواها فلكٌ في مطلع ... درراً وهي تسمّى كلّما
مثلها ما أنشدت في مجمع
شهدت للمجد أبهى محفل ... فدعت فخراً وقالت هوّلي
أيّها القالة مثلي فصلي ... من فريد المدح ما قد نظما
ثمّ يا صاغة مثلي رصّعي ... أو فكفّي وأريحي القلما
وبياض الطرس للطرس دعي
هذه الأفناء أفناء الشرف ... منتدى الآداب فيها والظرف
стр. 162
لم يزل للمدح فيها معتكف ... من يرد يهدي إلى هذي السما
يلتقط من هذه الزهر معي ... ما وعاها الدهر إلاّ مغرما
قال أحسنت فقرط مسمعي
دار مجد مصطفى الفخر بها ... كأبيه حلمه من هضبها
فالورى في شرقها أو غربها ... كلّها تلحظ منه علما
شامخاً هضبته لم تطلع ... خيرها مجداً وأعلى منتمى
في العلى من كلّ ندب أروع
يا عرانين المعالي والشرف ... لكم أهديتها أسنى التحف
كعروس الغيد تجلى وتزف ... فلها البشر بكم زهواً كما
لكم البشر بها في المجمع ... والبسوا الأفراح ثوباً معلما
عنكم طول المدى لم ينزع
ولمّا ختن ولدا أخ الممدوح الماجد المصطفى وهما عبد الغني ومحمّد سليم نظمت هذه الموشّحة لتهنئة أبيها وعمّها:
نصب العشق لعقلي شركا ... من جعود كم سبت ذا ولع
ومن اللحظ بقلبي فتكا ... بسهام ليتها لم تنزع
يا نديميّ على الورد الندي ... من خدود الخرّد الغيد الكعاب
غنّياني بلعوب بالعشي ... ليس غير العطر تدري والخضاب
قد حوى مرشفها العذب الشهي ... شهدة قد لقّبوها برضاب
أطرباني ودعا من نسكا ... إنّما الجنّة تحت البرقع
في محيّا ذات خدر قد حكى ... قمر التمّ بأبهى مطلع
علّلاني برشوف ثغرها ... مرتو خلخالها عطشى الوشاح
غضّة الجيد رهيب خصرها ... لم تكن تبسم إلاّ عن أقاح
طرّقت زائرة تسترها ... طرّة في ليلها يعمى الصباح
بتّ لا أجذبها إلاّ اشتكى ... خصرها ممّا تلوّى ولعي
لفنا الشوق وقال احتبكا ... بعناق وبضمّ ممتع
غادة قامتها الغصن الوريق ... فوقه ريحانة الفرع ترف
صدغها والخد آس وشقيق ... فتروّح وإذا شئت اقتطف
خالها والريق مسكٌ ورحيق ... فتنشق وكما تهوى ارتهف
نصبت ألحاظها معتركا ... غير عذريّ الهوى لم يجمع
جفنها في سيفه كم سفكا ... من دم لولا الهوى لم يضع
معركٌ للشوق كم فيه مقام ... لأخي قلب من الوجد صديع
وبه كم قلبت أيدي الغرام ... بين ألحاظ الغواني من صريع
ودعت حوراؤه موتوا هيام ... فلدينا أجركم ليس يضيع
في سبيل الحب ما قد هلكا ... فمعي يمسي ومن يمسي معي
كان في جنّة حسني مسلكا ... أينما مدّ يداً لم يمنع
أقبلت سكرى ومن خمر الصبا ... عطفتها نشوة الدلّ عليك
تسرق النظرة من عين الظبا ... وبلحظ فاتر ترنو إليك
تخذت ماشطة كفَّ الصبا ... كلّما رجّلت الجعد لديك
نثرت مسكا بذي البان ذكا ... فسرت نفحته في لعلع
كم تستّرت بها فانهتكا ... ذلك الستر بطيب المضجع
ونديم لفظه العذب الرخيم ... كنسيم الورد في رقّته
قبله ما خلت ولدان النعيم ... بعضها يسرق من جنّته
إنّما آنست يا قلبي الكليم ... شعلةً في الكاس من وجنته
لا تقل كيف من الكاس ذكا ... جمرُ خدّيه معاً في أضلعي
فذكاً وهي تحلُّ الفلكا ... إن تقابل بزجاج تلذع
عدّ عن ذكرك ربّات الخدور ... واعدلي ذكر أرباب الحسب
وادر راح التهاني والحبور ... للندامى واطرح بنت العنب
فصبا الأفراح عن نور السرور ... فتحت يا سعد أكمام الطرب
والعلى والمجد بشراً ضحكا ... في سرور قال للسعد أسطع
إن يكن قطعاً ففيه اشتركا ... بسرور ليس بالمنقطع
طاولوا الشمَّ بني الشم الرعان ... والبسوا الفخر على طول السنين
ما أتمّ المجد فيكم فالزمان ... منكم العليا به في كلّ حين
لم تلد إلاّ غنيّاً عن ختان ... وسليماً من زيادات تشين
كلّكم في منبت العزّ زكا ... وكطيب الأصل طيب المفرع
من نرى منكم نخله ملكا ... قد ترائى بشراً في المجمع
لكم البشرى ذوي الفخر الأغر ... بسليلي أكرم النّاس قبيل
لست أدري أفهل أنتم أسرّ ... بهما اليوم أم المجد الأثيل
وهل العلياء عيناها أقرّ ... بهما أم عين ذي الرأي الأصيل
مصطفى المعروف من لو ملكا ... حوزة الأقطار لم تتّسع
стр. 163
لأياد كم بها قد سمكا ... من سماء لعلاه أرفع
إن أقل يا بدر مجد زهرا ... وبزعمي غاية المدح بلغت
قال لي البدر كفاني مفخراً ... فبتشبيهك لي هذا مدحت
أو أقل يا بحر حود زخرا ... قال لي البحر لماذا بي سخرت
قست من لو رام فخراً لاتّكى ... وكفى عنّي بصغرى أصبع
كم بها نجل غثياً فبكى ... وغدا ينحب بالرعد معى
واحدٌ في كلّ فضل منفرد ... بمزاياً في الورى لم تكن
حلف الدهر به أن لا يلد ... للعلى مثلاً له في الزمن
لا تخلها حلقةً لم تنعقد ... فبها استثنى له بالحسن
ذاك من أصعد حتّى أدركا ... من سنام المجد مالم يفرع
وغدا للفخر يجلو فلكا ... لاح والشمس به في مطلع
ذي كمال سقيت روضته ... فارتوت بالعذب من ماء النهى
كم له عند المعالي نهضة ... لو بها شاء إذاً حطّ السهى
وهو الغيث ولكن ومضه ... ينبت الشكر بمنهلّ اللهى
مثلما ينبت طوراً حسكا ... في عيون حسداً لم تهجع
أعينٌ ليت الكرى إن سلكا ... بين جفنيها جرى في الأدمع
الفصل الثالث في الحماسة
قلت هذه الأبيات وفيها تضمين هذا البيت:
"ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأُخرى الأعادي فهو يقضان هاجع"
ألفتُ قراع الدهر إذ أنا يافع ... فكيف تروع اليوم قلبي الروائع
لقد عركت منّي الليالي ابن حرّة ... على العرك منه لا تلين الأخادع
وسيّان عندي سلمُ دهري وحربه ... وما هو معط والذي هو مانع
لعمري ليصنع أيّها شاء إنّه ... حقيرٌ بعيني كلّما هو صانع
فما أنا مسترٌّ بحسن صنيعه ... ولا أنا ممّا سائني منه جازع
سأنشد لا عجزاً ولكن تحمّساً ... لي الله أيّ الحادثات أُصارع
وأيّ الأعادي أتّقى وهم الحصا ... عديداً وكلٌّ مجهرٌ ومصانع
فحيث طرحت اللحظ أبصرت منهم ... أخا حنق شخصي لأحشاه صادع
إذا ما رآني عنّي ازورَّ طرفه ... كأنّي رمحٌ بين جفنيه شارع
وإنّي ولا فخرٌ كفاني تفرّدي ... تحاشدهم أنّى حوتنا المجامع
أريهم بأنّي عن دهاهم مغفّلٌ ... وعندي لهم خبؤٌ من الحزم رادع
كذئب الغضا تلقاه رخواً إذا مشى ... ويشتدُّ إن واثبته وهو قاطع
"ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأُخرى الأعادي فهو يقضان هاجع"
الباب التاسع عشر في قافية الغين
وفيها فصل في المديح
قلت في مدحه:
ذكرت بذات الأثل حيث مضى لنا ... زمان به ظلّ الشبيبة سابغ
كواعب ترمي عن قسيّ حواجب ... بأسهم لحظ لاتّقيها السوابغ
تدبُّ على الورد النديّ بخدّها ... عقارب من أصداغهنّ لواذع
لوادغ أحشاء يبيت سليمها ... ودرياقه عذب من الريق سائغ
لهوت بها حيناً أطيع بها الهوى ... غراماً وشيطان الصبابة نازغ
إلى أن رأت عيني يد الشيب ناصلاً ... بها من كلا فوديّ ما الله صابغ
فأصبحت لا قلبي من الغيد فارغ ... بلى قلبها منّي غدا وهو فارغ
وأمسيت في ليل من الغمّ تحته ... فؤادي له ضرس من الهمّ ماضغ
إلى أن جلا عنّي الهموم بأسرها ... هلال عُلىً في مطلع السعد بازغ
هلال عُلىً تجلوه طوقاً لنحرها ... له ربّه من جوهر المجد صائغ
فتىً لم تكن أهل المساعي جميعها ... لتبلغ من علياه ما هو بالغ
يقصّر كعب عن نداه وحاتم ... ويقصر حتّى جرول والنوابغ
فأمّا قولي: كواعب ترمي عن قسي حواجب، فنظيره قول أبي الحسن الهمداني من شعراء اليتيمة:
ظلّت تجيل لحاظها ... كالسيف لم يخط المضارب
للسحر في أجفانها ... مهما أدارتها ملاعب
جعلت قسيّ سهامها ... إن ناضلته عقد حاجب
لم تخط سهماً أرسلته ... إنّ سهم اللحظ صائب
وقول القاضي الأرجاني:
أذمت لنا سلمى عشيّة سلّمت ... علينا بتوديع لإيماء حاجب
فما شبهت عيني لها قوس حاجب ... أشارت به نحوي سوى قوس حاجب
وقول الصفي الحلّي:
لم تترك الأتراك بعد جمالها ... حسناً لمخلوق سواها يخلق
стр. 164
إن نوزلوا كانوا أُسود عرينة ... أو غوزلوا كانوا بدوراً تشرق
جذبوا القسي إلى قسي حواجب ... من تحتها نبل اللواحظ ترشق
وتشبيه اللحظ بالسهم، والحاجب بالقوس، كثير جدّاً في الشعر.
وأمّا قولي: تدبّ على الورد النديّ بخدّها، فمثله قول صفي الدين الحلّي:
دبّت عقارب صدغه في خدّه ... وسعى على الأرداف أرقم جعده
وبدت محاسنه ففوق لحظه ... سهماً يذود بشوكه عن ورده
وقال ابن بسّام البغدادي: كنت أتعشّق غلاماً لخالي، فنمت ليلة وقمت لأدبّ عليه فلسعتني عقرب، فقلت: آه، فانتبه خالي وقال: ما أتبى بك إلى هنا؟ فقلت: قمت لأبول، قال: صدقت لكن في أُست غلامي فحضرني إذ ذاك هذه الأبيات فقلت:
ولقد سريت مع الظلام بموعد ... حصلته من غادر كذّاب
فإذا على ظهر الطريق مدبّة ... سوداء قد علمت أوان ذهابي
لا بارك الرحمن فيها إنّها ... دبّابة دبّت إلى دبّاب
وقيل: إنّ صاحب الغلام أنشد:
وداري إذا نام سكّانها ... تقيم الحدود بها العقرب
إذا غفل النّاس عن دينهم ... فإنّ عقاربنا تضرب
وقد تركنا ذكر كثير من النظائر في الدبيب لفحشها. وما أحسن ما اعتذر به القائل من ترك الدبيب:
قالوا وقد بصروا بأيري نائماً ... عند الدبيب إليه رخو المفصل
ماذا عراه فقلت ساري ليلة ... عرف المحلّ فبات دون المنزل
ومثل قوله: رخو المفصل ما قال أبوالنجم العجلي وذلك أنّه دخل على هشام وقد أتت عليه سبعون سنة، فقال له هشام: ما رأيك في النساء؟ قال: إنّي لأنظر إليهنّ شزراً، وينظرن إليّ خزراً، فوهب له جارية وقال له: أُغد عَلَيّ واعلمني ما يكون منك، فلمّا أصبح غدا عليه فقال له: ما صنعت شيئاً ولا قدرت عليه، وقلت في ذلك أبياتاً هي:
نظرتْ فأعجبها الذي في درعها ... من حسنه ونظرتُ في سرباليا
فرأت لها كفلاً ينوء بخصرها ... وعثماً روادفه وأجثم ناتيا
ورأيت منتشر العجان مقلّصاً ... رخواً مفاصله وجلداً باليا
ومنها:
ما بال رأسك من ورائي طالعاً ... أظننت أنّ حر الفتاة ورائيا
فاذهب فإنّك ميّت لا ترتجى ... أبد الأبيد ولو عمرت لياليا
وقال الحسين بن الحجّاج:
إذا يئس المرء من أيره ... رأت عرسه اليأس من خيره
ومن كان في سنّه طاعناً ... فقد عدم الطعن في غيره
وقال أيضاً:
نم فما عندك خير يرتجى ... أيّها الأير القليل المنفعه
كنت بالأمس جموحاً في الصبا ... فاشتهيت الخفض واخترت الدعه
طالما جدّلت فرسان الوغى ... وافتتحت القلعة الممتنعه
وتقحّمت مطامير الهوى ... فعرفت الضيق منها والسعه
وقال أيضاً:
قالت وقد قلت اعبثي لي به ... يوماً وقد نامت وقد ناما
وقال بعضهم:
تقول لي وهي غضبى من تدلّلها ... وقد دعتني إلى أمر فما كانا
إن لم تنكني نيك المرء زوجته ... فلا تلمني إذا أصبحت قرنانا
كأنّ أيرك من شمع رخاوته ... فكلّما عركته راحتي لانا
وقال بعضهم:
تعقّف فوق الخصيتين كأنّه ... رشاءٌ على رأس الركيّة ملتفُّ
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثمّ يسقطه الضعف
ومن ظريف ما يحكى أنّ بعض البغايا دخلت مع رجل في بيت، فلمّا خلا بها لم ينعض، فلمّا طال عليها أخذت تعنّفه، فلمّا زادت عليه في اللوم قال لها: ويلك! أنت تفتحين بيتاً، وأنا أنشر ميتاً، وإنّ بينهما لفوتاً.
وحكي عن المبرّد أنّه قال: عشقت جارية في قصر المعتزّ بالله، فلحقني بها ما خفت عاقبته على نفسي، وطال شوط مطالها، وأنا بنفس ترجي وصالها، فلمّا رحمت عبدها وأنجزت وعدها وحضرتني زائرة نام أيري لشوم طيري، فاجتهدت أن يقوم فأبى، فتحيّرت خجلاً، وتلدّدت وجلاً خوفاً أن تظنّ تلك السيرة، ولا تعرف السريرة، فأخذت سكّين الدواة، فقالت: ما تصنع؟ قلت: أقطعه، فقالت: دعه تبول منه، فكان ذلك أشدّ عَلَيّ من جدع أنفي، فانصرفت وأنا أقول: الشأن في أير يقوم، فالتفتت إليّ وقالت: وهوىً بلا نيك يدوم، فقلت: أيري على مرّ الزمان، فمن أذمّ ومن ألوم.
стр. 165
وقال الأصمعي: تزوّجت أعرابيّة غلاماً من الحي، فقال لها: يا واسعة، يعيرها بذلك، فقالت بديهة:
إنّي تنقّيت من بعد الخليل فتىً ... مرزءاً ماله عقل ولا باه
ما غرّني فيه إلاّ حسنُ نقبته ... ومنطقٌ لنساء الحيّ تيّاه
فقال لمّا خلا بي أنت واسعة ... وذاك من خجل منّي تغشّاه
فقلت لمّا أعاد القول ثانية ... أنت الفداء لمن قد كان يملاه
وتزوّج بعضهم امرأة، فسُئِل عنها بعد أيّام، فقال: فيها خصلتان من خصال البرد والسعة.
وقيل: إنّ رجلاً كان يدلّ بعضم الأير، فقال يوماً لامرأة واقعها وأعجبه ما معها: هل خرج من خلفك؟ فقالت له: وهل دخل الآن.
وحكي ما هذا مضمونه أنّ رجلاً أراد شراء جارية فسألها: كم دفعوا فيك؟ فقالت: وما يعلم ...
ودخلت جارية على راشد في رسالة من مولاتها إليه، فرأت حماراً قد أدلى، فبهتت وقالت: تقول لكم مولاتي كيف أير حماركم؟ فقال راشد: قائم ...
وقيل: تزوّج رجل صغير الأير امرأةً، فلمّا واقعها اعتذر إليها، قال: إن كان أيري صغيراً فهو ذكيّ، فقالت: ليته كان كبيراً أبله.
وقال بعضهم:
وفيشة ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من خرق وطيش
إذا بدت قلت أمير الجيش ... من ذاقها يعرف طعم العيش
ويقال: دبّ رجل على امرأة، فانتبهت مذعورة، فقال لها: ما تأمرين، أخرجه؟ قالت: لا دعه يذهب ويجيء حتّى أُفكّر.
أقول: وميل النساء وشغفهنّ بذلك معروف، ولهنّ في الإشتياق إلى الرجال من النثر والنظم ما لا يحصى.
قيل لأعرابيّة: أيّ الأيور أحبّ إليك؟ قالت: الشديد أسره، العظيم نشره، البطي فتره، الكثير غزره، الذي إن أصاب حفر، وإن أخطأ عقر.
ولبعض نساء العرب من رائق النظم قولها:
أيا أخوي اللائمي على الهوى ... أُعيذكما بالله من مثل مابيا
سألتكما بالله إلاّ جعلتما ... مكان الأذى واللوم أن تاوياليا
ويا أمتا حبّ الهلالي قاتلي ... سطون النوى لا زال عنّي نائيا
أشم كغصن البان جعد مرجّل ... شغفت به لو كان شيئاً مدانيا
فإن لم أوسّد ساعدي بعد هجعة ... غلاماً هلاليّاً فشلت بنانيا
ثكلت أبي إن كنت ذقت كريقه ... سلافاً ولا ماء الغمامة صافيا
ونظير قولها: أشم كغصن البان الخ ما قالته بعض بنات العرب فيما حكي أنّه كان لذي الإصبع بنات أربع، فعرض عليهنّ أن يزوّجهنّ، فأبين وقلت: خدمتك وقربك أحبّ إلينا، ثمّ تشرّف عليهنّ حيث لا يرينه، فقلن: لتقل كلّ واحدة ما في نفسها، قالت الكبرى:
ألا هل أراها ليلةً وضجيعها ... أشمّ كنصل السيف غير مهنّد
عليم بأدواء النساء واصله ... إذا ما انتمى من سرّ أهلي ومحتدي
فقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته، ثمّ قالت الثانية:
ألا ليت زوجي من أناس ذوي عداً ... حديث الشباب طيّب الثوب والعطر
لصوق بأكباد النساء كأنّه ... خليفة جلن لا ينام على وتر
فقلن لها: أنت تريدين فتىً غنيّاً ليس من أهلك، ثمّ قالت الثالثة:
ألا ليته يكسي الجمال نديّه ... له جفنة تشقى بها المعز والجزر
له حكمات الدهر من غير كبرة ... تشين فلا فان ولا ضرع غمر
стр. 166
فقلن لها: أنت تريدين سيّداً شريداً، وقلت للرابعة: قولي، فقالت: لست أقول شيئاً، فقلن: يا عدوّة الله علمت ما في أنفسنا ولا تعلمينا ما في نفسك، فقالت: زوجٌ من عود خير من قعود، فمضت مثلاً، فزوّجهنّ أربعهنّ وتركهنّ حولاً، ثمّ أتى الكبرى فقال: ياابنتي كيف ترين زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم الحليلة، ويُعطي الوسيلة، قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال الإبل، نشرب ألبانها جزعا، ويروى جرعا، ونأكل لحمها مزعا، وتحملنا وضعيفنا معا. فقال: يا بنتي زوج كريم، ومال عميم. ثمّ أتى الثانية فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم أهله، وينسى فضله. قال: وما مالكم؟ قالت: البقر تألف الفناء، وتملو الإناء، وتودك السقاء، ونساء مع نساء. قال: حظيت ورضيت. ثمّ أتى إلى الثالثة فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ فقالت: لا سمح بذر، ولا بخيل حكر. قال: فما مالكم؟ قالت: المعزى نولدها فطما، ونسلخها أدما، لم نبغ بها نعما. فقال لها: جذوة مغينة. ثمّ أتى الصغرى فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ قالت: شرّ زوج، يكرم نفسه، ويهين عرسه. قال: فما مالكم؟ قالت: شرّ مال. قال: وما هو؟ قالت: الضان جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصمّ لا يسمعن، وأمر مغويتهنّ يتبعن. فقال أبوها: اشبه امرؤ بعض بزّه، فمضت مثلاً.
قولها: وأمر مغويتهنّ يتبعن أي القطيع من الضأن يمرّ على قطنرة فتزلّ واحدة فتقع في الماء فيقعن كلّهنّ اتّباعاً لها، والضأن توصف بالبلاة.
قال الأصمعي: رأيت امرأة من العرب تطوف بالكعبة وتنشد بلسان ذرب:
أستغفر الله لذنبي كلّه ... قبّلت إنساناً بغير حلّه
لحسن عينيه وحسن دلّه ... مثل غزال كانس فى ظلّه
وانتصف الليل ولم أصلّه ... والخمر مفتاح لهذا كلّه
فقلت لها: لله درّك ما أحدّ جنانك، وأفصح لسانك؟! فقالت: إليك عنّي، ما ترك كتاب الله لأحد فصاحة، ولقد سمعت منه آية جمعت أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين وهي قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أن أرضعِيهِ فإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَني إنّا رادُّوهُ إليكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِين) .
وفي فتح القريب: إنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، فمرّ بامرأة مغلق عليها بابها، فاستمع لها عمر وهي تقول:
تطاول هذا الليل تسري كواكبه ... وأرقني أن لا ضجيع أُلاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لحرّك من هذا السرير جوانبه
وبتُّ أُلاهي غير بدع ملعن ... لطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني طوراً وطوراً كأنّما ... بدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه
يسرُّ به من كان يلهو بقربه ... يعاتبني في حبّه وأُعاتبه
ولكنّني أخشى رقيباً موكّلاً ... بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
ثمّ تنفّست الصعداء وقالت: لهان على ابن الخطّاب وحشتي في بيتي، وغيبة زوجي عنّي، وقلّة نفقتي. فقال عمر: يرحمك الله، فلمّا أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة وكتب إلى عامله يسرح إليها زوجها.
ويقال أيضاً بطريق آخر: إنّ عمر بن الخطّاب خرج في الليل، فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه ... وأرقني أن لا خليل أُلاعبه
فوالله لولا الله إنّي أُراقبه ... لزلزل من هذا السرير جوانبه
فقال عمر بن الخطّاب: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت حفصة: ستّة أشهر أو أربعة، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيش أكثر من أربعة أشهر.
وحدّث أبوالعينا قال: حجّ الحسين بن الضحّاك فمرّ في منصرفه عل يموضع يعرف بالقريتين وإذا جارية كأنّها القمر في ليلة التم تتطلّع من تحت ثيابها وتنظر إلى حرها ثمّ تضربه بيدها وتقول: ما أضيعني وأضيعك، فأنشا الحسين يقول:
مررت بالقريتين منصرفاً ... من حيث يقضي ذووا الهوى النسكا
إذا فتاة كأنّها القمر التم ... إذا ما توسّط الفلكا
واضعةً كفّها على حرّها ... تقول واضيعتي وضيعتكا
فلمّا سمعت قوله ضحكت وغطّت وجهها وقالت: وا فضيحتاه.
ويروى أيضاً ما هذا مضمونه أنّ امرأةً قالت لأُخرى: خرجت اليوم إلى العيد، قالت لها: إي وحياتك، قالت لها: فما رأيت؟ قالت: أحراءً تتثأب وأيوراً تتمطّى.
стр. 167
قال صاحب المعاهد: وقد روي هذه الحكاية عن أبي حيّان التوحيدي.
ومن بديع الإستعارة على سخفه ومجونه قول السعيد ابن سناء الملك وهو:
يا هذه لا تستحي ... منّي فقد كشف المغطّى
إن كان فرجك قد تثأب ... إنّ أيري قد تمطّى
ويقال: كان عبد المطّلب المخزومي قاضياً على المدينة، وكانت عنده امرأة مات عنها خمسة أزواج، فمرض فجلست عند رأسه تتباكى وتقول: إلى من توصي بي؟ قال: إلى السادس الشقي.
ومن جيّد الهزل المناسب لهذا المقام قول بعضهم:
يستغفر النّاس بأيديهم ... وهنّ يستغفرن بالأرجل
فياله من عمل صالح ... يرفعه النيك إلى أسفل
ومثله أيضاً:
قد هزّني الشوق ... من أجل أبي طوق
فلم أشعر تدحرجت ... من تحت إلى فوق
ومن ظريف الهزل والمجون ما حكي أنّ الحسين بن الحجاج كان له صديق وكان له ابن يقال له أبا جعفر مستهتراً بالقحاب، فسأله أن يعاتبه ويشير عليه بالتزويج، فكتب إليه ابن الحجاج:
إيّاك والعفّة إيّاكا ... إيّاك أن تفسد معناكا
أنت بخير يا أبا جعفر ... ما دمت صلب الأير نيّاكا
ومن النوادر الظريفة ما حكي أنّه كان بإصبهان رجل حسن النعمة، واسع النفس، كامل المروّة يقال له سماك ابن النعمان، وكان يهوى مغنية من أهل إصبهان تعرف بأُمّ عمرو، فلإفراط حبّه إيّاها وصبابته بها وهبها عدّة من ضياعه وكتب عليه بذلك كتباً وحمل الكتب إليها على بغل، فشاع الخبر بذلك وتحدّث الناس واستعظموه، وكان بإصبهان رجل متجلّف بين الركاكة، يهوى مغنّية أخرى، فلمّا اتّصل به ذلك ظنّ بجهله وقلّة عقله أنّ سماكاً إنّما أهدى إلى أُمّ عمرو جلوداً لا كتابة عليها وأنّ من الهدايا التي تستحسن عند من تهدى إليه، فابتاع جلوداً كثيرة وحملها على بغلتين لتكون هديّته ضعف هديّة سماك وأنفذها إلى التي يحب، فلمّا وصلت الجلود إليها ووقفت على الخبر فيها فغيّظت عليه وكتبت إليه رقعة تشتمه وتحلف أنّها لا تكلّمه أبداً، وسألت بعض الشعراء أن يعمل أبياتاً في هذا المعنى لتودعها الرقعة، ففعل، وكانت الأبيات:
لا عاد طوعك من عصاكا ... وحرمت من وصلي مناكا
فلقد فضحت العاشقين ... بقبح ما فعلت يداكا
أرأيت من يهدي الجلود ... إلى عشيقته سواكا
وأظنّ أنّك رمت أن ... تحكي بفعلك ذا سماكا
ذاك الذي أهدى الضياع ... لأُمّ عمرو والصكاكا
فبعثت منتقنة كأنّك ... قد مسحت بهن فساكا
من لي بوصلك يا رقيع ... ولست أهوى أن أراكا
لكن لعلّي أن أقطّع ... ما بعثت على قفاكا
ونظير هذه النادرة في اللطافة ما نقل عن الحسين بن الضحّاك أنّه قال: كان رجل من أهل الشام عيجب الخلقة، والشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك منه، وكان حظي التعجّب منه، وكان يأتي بكتب عتيقة له ما رأيت كتباً أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها، فأجهد نفسي في الجواب عنها وأصرف عنايتي إليها على علمي أنّ الشامي على جهله لا يميّز بين الخطأ والصواب، ولا يفرّق بين الإبتداء والجواب، ولمّا طال ذلك عَلَيّ حسدته وتنبّهت على فساد حاله عند محبوبته، فسألته عن اسمها، فقال: بصبص، فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها كان جائني به:
أرقصني حبّك يا بصبص ... والحبّ يا سيّدتي يرقص
أرمصت أجفاني بطول البكا ... فما لأجفانك لا ترمص
وأنبىء وجهك ذاك الذي ... كأنّه من حسنه سعفص
стр. 168
قال: فجائني بعد ذطلك فقال: يا أبا علي! ما كان ذنبي إليك؟ وما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: وما ذاك عافاك الله؟ فقال: ما هو إلاّ أن وصل إليها ذلك الكتاب حتّى بعثت إليّ: إنّي مشتاقة إليك، والكتاب لا ينوب عن أن أراك، فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا لتقف بحياله حتّى أراك، فتزيّنت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع فبينا أنا أنتظر مكلّماً لي أو مشيراً إليّ وإذا شيء قد صبّ عَلَيّ فملأني من فرقي إلى قدمي، وأفسد ثيابي وسرجي، وصيّرني وجميع ما عَلَيّ ودابّتي في نهاية السواد والنتن والقذارة، وإذا هو ماء قد خلط ببول وسواد وسرجين، وانصرفت بخزي وكان ما مرّ بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز والضحك والصياح أعظم ممّا جرى عَلَيّ، ولحقني من أهلي ما هو شرٌّ من ذلك وأعظم من كلّ ما ذكرته إنمنعت رسلها وانقطعت عنّي. قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول: إنّ الآفة أنّها لم تفهم الشعر بجودته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسرّ بالشماتة إليه.
وحيث انجرّ الكلام إلى ذكر هذين الغبيين فلا بأس بتوشيحه بذكر نوادر بعض الحمقاء ونوادرهم كثيرة.
نبذة من نوادر الحمقاء
منها ما أورده أبو العبّاس السنجري في كتابه قال: قال واحد من أهل حمص لآخر: عليك بالسنّة تدخل الجنّة، فقال: وما السنّة؟ فقال: حبّ أبي بكر بن عثمان، وعمر بن الصدّيق وعثمان بن الفاروق وعلي بن أبي سفان ومعاوية بن أبي طالب. فقال صاحبه: وما معاوية بن أبي طالب؟ قال: كان ﷺ رجلاً عابداً من أهل حملة العرش، وكاتب المؤمنين، وخال الوحي، وختن النبي على ابنته عائشة جدّة فاطمة.
وجاء بعضهم إلى القضاة آخذاً بتلبيت رجل، فقال: أعزّ الله القاضي، اصلى الله عليه وآله وسلم نّ هذا رافضي ناصبي مجبري مشبهي جهمي مبتدعي حروري يشتم عليّ بن أبي طالب ويحبّ عمر بن أبي قحافة وأبابكر بن عفّان. فقال القاضي: لا أعرف أيّ شيء أحسد منك: علمك بالمذاهب أم معرفتك بأنساب العرب؟ ومات ابن قاض وكان القاضي يتفلسف، فلمّا أرادوا دفن الميّت قال للحفّار: أضجعه على شقّة الأيسر فإنّه أهضم للطعام.
وجاء حمصي إلى الطبيب فقال: إنّ امرأتي تشكت جوفها أو وسط بطنها أو فوق بطنها. فقال الطبيب: إحمل مائها إليّ لأنظر فيه. قال: لعلّك تعني بولها؟ قال: نعم، فذهب وجاء بطست، فقال الطبيب: ألا جئت به في قارورة؟ فقال: جعلت فداك إنّ إحليلها أوسع من ذلك.
ولنكتف من ذكر نوادرهم بهذا المقدار، ثمّ نعود إلى الكلام على ما في بعض أبيات المقطوعة. أقول: فأمّا قولي:
تدبُّ على الورد النديّ بخدّها ... عقارب من أصداغهنّ لواذع
لوادغ أحشاء يبيت سليمها ... ودرياقه عذب من الريق سائغ
ففيه تشابه الأطراف وهو أن يجع الشاعر أو الناثر قافية بيته الأوّل أوّل بيته الثاني ليبقى الطرفان متشابهين، والنّاثر كذلك يفعل في السجعات، وهذا النوع كان يسمّى التسبيغ بسين مهملة وغين معجمة. وإنّما ابن أبي الأصبع قال: هذه التسمية غير لائقة بهذا المسمى فسمّاه: تشابه الأطراف، ومن أبرع ما جاء نظماً في ذلك قول ليلى الأخيليّة في الحجّاج وذلك ما روى في الفتح القريب أنّ مولىً لعنبسة بن سعيد ابن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجاج، فدخل يوماً ودخلت عليهما وليس عند الحجاج غير عنبسة، فأقعدني فجيء الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئاً وجائني به، ثمّ جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب، فقال له الحجاج: أدخلها، فدخلت، فلمّا رآها الحجاج طأطأ رأسه حتّى ظننت أنّ ذقنه أصاب الأرض، فجائت حتّى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنّت وهي حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نفسها، فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما أتانا بك؟ فقالت: أخلاف النجوم، وقلّة الغيوم، وكلب البرد، وشدّة الجهد، وكنت لها بعد الله الرفد. فقال لها: صفي لنا الفجاج، فقالت: الفجاج مغبره، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذوالبال مختل، والهالك للقل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون محجفة مبلطة، لم تدع لنا هيعاً ولا ريعاً، ولا عافطة ولا نافطة، أذهب الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال، ثمّ قالت: قلت في الالمير قولاً، فأنشأت تقول:
стр. 169
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنّما ... المنايا بكفّ الله حيث تراها
أحجّاج لا يعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها
إذا هبط الحجّاج أرضاً مريضة ... تتبّع أقصى دائها وشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث حال حشاها
إذا سمع الحجّجاج ردّ كتيبة ... أعدّ لها قبل النزول قراها
أعدَّ لها مسمومةً فارسيّة ... بأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجفّ ثراها
قال: فلمّا قالت هذا البيت قال الحجّاج: قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها، ثمّ التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إنّي لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبداً، ثمّ التفت إليها فقال: حسبك، فقالت: إنّي قلت أكثر من هذا، فقال لها: ويحك حسبك، ثمّ قال: يا غلام إذهب إلى فلان فقل له: إقطع لسانها، فذهب بها، فقال له: يقول الأمير: إقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجّاج فالتفتت إليه وقالت: ثكلتك أُمّك أما سمعت ما قال؟ إنّما أمر أن تقطع لساني بالصلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضباً وهمّ بقطع لسانه، فقال: أُرددها، فلمّا دخلت عليه قالت: كاد وأمانة الله يقطع مقولي، ثمّ أنشأت تقول:
حجاج أنت الذي ما فوقه أحد ... إلاّ الخليفة والمستغفر الصمد
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نور في الدجى يقد
ثمّ أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيّها الأمير إلاّ أنّا لم نر أحداً قط أفصح لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها، فقال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة من حبّها.
وعلى اختصار هذه الرواية أنّ الحجّاج قال لها في أثناء محادثتها له: أنشدينا في رثاء توبة، فأنشدت قصيدة منها قولها:
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصا بالكراكر
فلمّا فغت من القصيدة قال محصن الفقعسي وكان من جلساء الحجاج: ومن هذا الذي تقول هذيه فيه وإنّي لأظنّها كاذبة، فنظرت إليه ثمّ قالت: أيّها الأمير! إنّ هذا القائل لو رأى توبة لسرّه أن لا تكون في داره عذراء إلاّ وهي حامل منه. قال الحجاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت غنيّاً عنه، ثمّ أجزل لها صلتها.
أقول: فأمّا قولها: لو رأى توبة لسرّه أن لا تكون في داره عذراء إلاّ وهي حامل منه، فيناسبه ذكر هذه القضيّة وإن كانت تلك من الجدّ في الجواب وهذه من الحماقات المضحكة وذلك أنّ لقمان بن عاد وكان منجباً وله أخت محمقة فقالت لإحدى نساء أخيها: هذه الليلة الطهر وهي ليلتك فدعيني أنام في مضجعك فإنّ لقمان رجل منجب فعسى أن يقع عَلَيّ فأنجب، فوقع عليها فحملت منه بلقيم، فلذلك قال النمر بن تولب:
لقيم ابن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما
ليالي حمقاوها استحصنت ... إليه فغرَّ بها مظلما
فأحبلها رجل محلم ... فجائت به رجلا محلما
فأمّا قولي في المقطوعة:
يقصر كعب عن نداه وحاتم ... ويقصر حتّى جرول والنوابغ
كعب بن مامة الأيادي هو الذي كان يضرب به المثل في الجود، فيقال: أجود من كعب، وهو الذي أراده أبو سعيد الرستمي في قوله من قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد، ولقد أحسن ما شاء وأجاد:
إذا عدّ كعب في السماح أبت له ... يمين لها في كلّ أنملة كعب
ويقال: إنّ صاحبه النمري صحبه في سفر له فقلَّ ماؤهم فجعلوا يتقاسمونه بالمقلّة وهي حصاة كانوا يضعونها في قعب ثمّ يغمرونها بالماء ويشربونها على السويّة، فلمّا تصافو الماء أي تقاسموه حصصاً كان النمري كلّما وصل الماء إلى كعب قال له: أذكر أخاك النمري، فيؤثره على نفسه بنصيبه من الماء حتّى هلك عطشاً.
وقيل: إنّه كان قد أشرف على الماء فقيل له: رد يا كعب فلم يقدر على الورود لضعفه فظلّلوا عليه خوفاً من السباع، فلمّا رجعوا إليه بالماء وجدوه ميتاً، فقال له أبوه مامه:
ما كان من سوقة أسقى على ظماء ... خمراً بماء إذا ناجودها بردا
من ابن مامة كعب ثمّ عيّ به ... ردّ المنيّة إلاّ حرّة وقدا
стр. 170
أوفى على الماء كعب ثمّ قيل له ... رد كعب إنّك ورّادٌ فما وردا
فأمّا حاتم فقد تقدّم ذكره، وأمّا النوابغ فمعروفون، وأمّا جرول فهو الحطيئة، وقد تقدّم طرف من أخباره. ويعجبني له هذه الأبيات وهي قوله:
وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل ... ببيداء لم تعرف لساكنها رسما
أخا جفوة فيه من الإنس وحشة ... يرى البؤس فيها من شراسته نعما
تفرّد في شعث عجز إزائها ... ثلاثة أشياخ تخالهم بهما
حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملة ... ولا عرفوا للبرّ مذ خلقوا طعما
رأى شبحاً عند العشاء فراعه ... فلمّا رأى ضيفاً تسوّر واهتما
وقال هيا ربّاه ضيفاً ولا قرىً ... بحقّك لا تحرمه تاالليلة اللحما
فقال ابنه لمّا رآه بحيرة ... أيا أبتى اذبحني ويسّر له طعما
ولا تعتذر بالعدم علّ الذي طرى ... يظنّ لنا مالا فيوسعنا ذمّا
فروى قليلاً ثمّ أحجم برهةً ... وإن هو لم يذبح فتاه لقد هما
فبيناهم عنت على البعد عانة ... قد انتظمت من خلف مسحلها نظما
ظماء تريد الماء فانساب نحوها ... على أنّه منها إلى دمها أظمى
فأمهلها حتّى تروّت عطاشها ... وأرسل فيها من كنانته سهما
فخرّت بجوض ذات جحش فتية ... قد اكتنزت لحماً وقد طبّقت شحما
فيابشره إذ جرَّها نحو قومه ... ويا بشرهم لمّا رأوا كلمها يدمى
وباتوا كراماً قد قضوا حقّ ضيفهم ... وما غرموا غرماً وقد غنموا غنما
وبات أبوهم من بشاشته أباً ... لضيفهم والأُمّ من بشرهم أُمّا
الباب العشرون في قافية الفاء
وفيها ثلاثة فصول
الفصل الأوّل في المديح
قلت في مدحه:
الفتك نافرة الظبا الهيف ... واستوطنت في ربعك المألوف
فانعم بناعمة الشبيبة غضة ... بيضاء ضامية الوشاح رشوف
أبداً يروق العين في وجناتها ... وردٌ ولكن ليس بالمقطوف
هي قبلة صلّى لها غزلي كما ... صلّى ثناي لقبلة المعروف
الماجد الحسن المكارم ملجأ ... العاني الكريث ونجدة الملهوف
قمر زهت منه البسيطة كلّها ... بأشعّ من قمر السماء الموفي
الأزهر الغطريف نجل الأزهر ... الغطريف نجل الأزهر الغطريف
ما راق في صدر النديّ بشاشة ... إلاّ وراع بهيبة ابن غريف
ومقوّم الآراء ثقّفه النهى ... وكذا الرماح تقام بالتثقيف
كرماً يتابع للوفود هباته ... لم يثن في عذل ولا تعنيف
والجود عند سواه أن يعد الندى ... ويميت ذاك الوعد بالتسويف
هو غيث مكرمة وبدر مفاخر ... ومحطّ آمال وأمن مخوف
قولي في هذه المقطوعة:
الأزهر الغطريف نجل الأزهر ... الغطريف نجل الأزهر الغطريف
اشتمل على التكرار، والتكرار هو إعادة الشيء بنفسه لفائدة، ويأتي على وجوه للتنوية بشأن الممدوح كما في بيتنا هذا، وكما في بيت المتنبّي:
العارض الهتنى ابن العارض الهتن ... ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
ومنه إيقاع الجزاء نفس الشرط نحو قولهم: من أدرك الضمان فقد أدرك أي مرعى ليس بعده مرعىً إلى غير ذلك، وإمّا لتقرير المعنى وإمّا لمقارنة تمام الفصل لئلاّ يأتي الكلام متبوراً لطوله، وإمّا ليناط به حكم آخراً وللترغيب أو للترهيب، والحاصل أنّ الوجوه التي يأتي التكرار لأجلها كثيرة ليس هذا الكتاب موضعاً لضبطها، ولا بأس بذكر بعض الشعر في هذا المقام.
قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة الحميري:
لنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت ... صدور العوالي واستشال الأسافل
ونعم الفتى يا توب كنت ولم تكن ... لتسبق يوماً كنت فيه تجاول
ونعم الفتى يا توب كنت مقدّماً ... على الخيل تمضيها ونعم المنازل
ونعم الفتى يا توب كنت لخائف ... أتاك لكي يحمى ونعم المجامل
ونعم الفتى يا توب جاراً وصاحباً ... ونعم الفتى يا توب حين تناضل
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده ... ويكثر تشهيدي له لا أوائل
لعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده ... بجدٍّ ولو لامت عليه العواذل
لعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده ... ولو لام فيه ناقص الرأي جاهل
стр. 171
لعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده ... إذا كثرت بالملحمين التلاتل
أبى لك ذمّ النّاس يا توب كلّما ... ذكرت أمورٌ محكماتٌ كوامل
أبى لك ذمّ النّاس يا توب كلّما ... ذكرت سماحٌ حين تأوى الأرامل
فلا يبعدنك الله يا توب إنّما ... لقيت حمام الموت والموت عاجل
ولا يبعدنك الله يا توب إنّما ... كذاك المنايا عاجلات وآجل
ولا يبعدنك الله يا توب والتقت ... عليك الغوادي المدجنات الهواطل
وعن مصعب بن عبد الله الزهري قال: تزوّج عمرو الغساني بنت عمّ للنعمان بن بشير الأنصاري وكلف كلّ واحد منهما بصاحبه، وكان مالك شجاعاً فاشترطت عليه أن لا يقاتل شفقة عليه وصابة به وأنّه غزا حيّاً من لخم وباشر القتال بنفسه فأصابته جراح فقال وهو مثقل:
ألا ليت شعري عن غزال تركته ... إذا ما أتاه مصرعي كيف يصنع
فلو أنّني كنت المؤخّر بعده ... لما برحت نفسي عليه تطلّع
ومكث يوماً وليلة ومات من جراحته، فلمّا وصل خبره إلى زوجته بكته سنة ثمّ اعتقل لسانها وامتنعت من الكلام وكثر خطّابها، فقال عمومتها وولاة أمرها: زوّجوها لعلّ لسانها ينطلق فإنّما هي النساء، فزوّجوها بعض ملوك القبائل، فساق إليها ألف بعير، فلمّا كانت الليلة التي أُهديت إليه فيها، قامت على باب القبّة فقالت:
يقول رجال زوّجوها لعلّها ... تقرّ وترضى بعده بخليل
فأيقنت في النفس التي ليس بعدها ... رجاء لهم والصدق أفضل قيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكاً ... أقام ونادى صحبه برحيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكاً ... ضروب بحدّ السيف غير فلول
وحدّثني أصحابه أنّ مالكاً ... جواد بما في الرحل غير بخيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكاً ... خفيف على الجدّات غير ثقيل
ثمّ شهقت شهقة فماتت.
وقال مهلهل ابن ربيعة يرثي أخاه كليباً:
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا طرد اليتيم من الجزور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا ما ظيم جار المستجير
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا رجف العضات من الدبور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأُمور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلاً من كليب ... غداة تلاتل الأمر الكبير
الفصل الثاني في التهنئة
قلت مهنّياً للماجد محمّد الصالح بزواج ولد الجواد محمّد وكان زعيم القبيلة:
أبشر فيك العلى والشرف ... وأهدي الى المجد أسنى التحف
وأنظم فيك لجيد الفخار ... لئال تفوق لئالي الصدف
وأجلو عليك بنادي السرور ... عروس الثنا بالتهاني تزف
أباالمصطفى أنت فخر الكرام ... وأكرم من بالفخار التحف
لك الله أكمل هذا السرور ... بعزٍّ عليك لواه يرف
ولا زلت في آلك الأكرمين ... ترى ما يقرُّ عيون الشرف
تروح على فرح فيهم ... وتغدو على فرح يؤتنف
جلا اليوم بشرك وجه الزمان ... فماء الغضارة فيه يشف
نظمت بأيّامك الصالحات ... شمل المكارم حتّى ائتلف
اقول لمن بات ينضي الركاب ... رويدك في السى لا تعتسف
إذا للإقامة فيه أتم ... أجدّ به نيّةً فاعتكف
وحي به من وبادر إلى ماجد بيته ... به للأكارم نعم الخلف
ترى علّة المكث للضيف فيه ... طيب القرى فهو لا ينصرف
أبي المصطفى ... ربيع العفاة إذا الضرع جف
أجل نظراً في مزايا علاه ... وفي قومه خلفاً عن سلف
تجد فيه كلّ صفات الكمال ... وفيهنّ عبد الكريم اتّصف
فتىً وكفت كرماً كفّه ... فعلمت الغيث حتّى وكف
ترى للمكارم والأكرمين ... في المصطفى المجد نشراً ولف
إذا بسط الكف يوم العطاء ... طوى كلّمن نشرته الصحف
له حلف الدهر أن لا يجيء ... بمثل وقد برَّ فيما حلف
وكيف يساجله الأكرمون ... وكلّهم من نداه اغترف
ولو شاء جارى بصغرى بنان ... أخيه من الأكرمين الأكف
وأبدى من الحسن المكرمات ... مزاياً جمعن حسان الظرف
стр. 172
هو الحسن الندب من في الكمال ... أقرَّ الحسود له واعترف
تباري الصبا كرماً راحتاه ... وأخلاقه الغرُّ منها أشف
بني المصطفى من يباهيكم ... وأنتم نجوم سماء الشرف
حللتم من المجد أوساطه ... وغيركم منه حلّ الطرف
سبقتم إلى صهوات العلى ... فأعلى الورى خلفكم مرتدف
ثقال الحلوم فلو توزنون ... برضوى إذاً لرجحتم وخف
يقرُّ بعين العلى أن ترى ... بيوتكم للعلى مختلف
وإنّ عليهنّ طير السعود ... بأجنحة اليمن زهواً يرف
أهنّيكم بفتى ماجد ... حسان العلى فيه تبدي الشغف
غدا عرسه روضةً للهنا ... وزهر السرور بها يقتطف
به قد غفرنا ذنوب الزمان ... وقلنا عفا الله عمّا سلف
وبتنا على طرب نستطيب ... أرقَّ النشيد بنادي الشرف
نفضُّ ختام رحيق السرور ... ونرشف أعذب ما يرتشف
نعمّكم ونخصّ الجواد ... فيابورك الفرح المنتصف
ليهن بغرس هلال له ... ظلام الخطوب به ينكشف
جواد جرى سابقاً للندى ... وعن شأوه الدهر عجزا وقف
فيا أُسرة الفخر لا زلتم ... ببشر مدى الدهر لا ينصرف
الفصل الثالث في الرثاء
قلت في رثاء كريمة توفّيت لسيّد العلماء ورئيس المحققين والفضلاء علاّمة الزمن المهدي نجل الحسن أعلى الله كلمته ورفع درجته، وهذه ليست التي مرّت مرثيتنا لها في باب الهمزة، وإنّما تلك كريمته الصغرى وهذه كريمته الكبرى:
مالهم يا قبر قد جدّوا انصرافا ... بعدما قد دفنوا فيك العفافا
وحثوا منك على عين العلى ... تربةً تستافها الحور استيافا
نفضوا تربك والصبر معاً ... عن يد تمسك أكباداً لهافا
وردوا أمس ثقالاً بالجوى ... فبماذا صدروا اليوم خفافا
هل أعادوا معهم ما أخذوا ... من حشاشات تبقوها ضعافا
لا ومن قد طهر الماء بها ... مذ لها مطلقه صار مضافا
والتي راح الحيا ملتحفاً ... معها طاهر برديها التحافا
بل أعادوا جمرة الوجد إلى ... أضلع باتت إليها تتجافى
حجب القبر ابنة الوحي التي ... شرف الذكر بعلياها أنافا
من كريمات على الله لها ... ضرب العصمة خدراً وسجافا
لم تلد إلاّ الذي يسقي كلا ... ماتحي سجليه شهداً وذعافا
والتي ما مدّت العليا على ... مثلها يوماً لتخدير طرافا
ساقها الحتف ولكن بعدما ... شقّ من صدر الهدى عنها الشغافا
أبت العلياء إلاّ ردّها ... وأبى الموت بها إلاّ انصرافا
وعليها مسح المجد ضحى ... مقلة عمياء لا تدري الجفافا
أوحشت من أُمّ شبل غابة ... لو بها مرَّ أبو شبل لخافا
كعبة التخدير إلاّ أنّها ... خلقت للملأ الأعلى مطافا
دار قدس أودع الله بها ... خير أهل الأرض نسكاً وعفافا
قل لمن رام انحرافاً عنهم ... ضلّ من يبغي عن الحقّ انحرافا
سادة للرشد في مهديّهم ... جعل الله من الغيَّ انتصافا
كلّهم أبحر علم طفحت ... فاغترف من أيّهم شئت اغترافا
فضّلوا الخلق أكفّاً سحباً ... ترفع المحل وأخلاقاً سلافا
أسكرت في حبّهم حتّى العدى ... فهي الصهباء لطفاً وارتشافا
كرماء لقرى أضيافهم ... ينحرونالبدر لا البدن العجافا
آمنوا في الله من آمنه ... وأخافوا من له الله أخافا
يا ذوي الحلم وفيكم رقّة ... فقتم فيها حنوّاً وانعطافا
إنّما هزت قنا صبركم ... نكبة الدهر فزادتها ثقافا
وعلى زحف الليالي لا شكت ... أبداً أبيات علياكم زحافا
وقال عمّنا المهدي قدّس الله روحه في رثاء أخي الممدوح الماجد محمّد الرضا نوّر الله ضريحه:
قلبك خلف الطاعنين انصرفا ... ألحق الظعون أم تخلّفا
علمت فيمن لا يزال عاطفا ... عليه في حثّ السرى ما عطفا
وظلّ في صيخودة من حزنه ... تعسّف السير بها فضعفا
وعنه في جمانة المجد سرى ال ... موت للحد نورها فيه اختفى
والهفتا لدرّة المجد التي ... أمست لها ثرى اللحود صدفا
стр. 173
من بعد ما كانت على جيد العلى ... عقداً وفي أُذنيه كانت شنفا
يامسعدي عيني من الحزن قد ابي ... ضّت ومنها دمعها ما نزفا
قد غشيتني ظلمة الحزن التي ... مادمت فوق الأرض لن تنكشفا
من ناقلٌ لي للرضا صحيفةً ... أقصُّ فيها من شجوني طرفا
لعلّه على محبّه الذي ... أنحله فقدانه أن يعطفا
إنّي أرى لهابريداً ومتى ... قد بعث الحي لميت صحفا
روحي فداء للذي قد غاب عن ... عيني وعن قلبي ما تخلّفا
فذكره لم يخل من قلبي وإن ... ذكرته قلبي منّي اختطفا
منها:
لله يوم هتّف الناعي به ... بموته وليته لا هتفا
وقفت من حرّ الأسى ذا قدم ... خيل على جمر حشاه وقفا
أعضّ كفّي أسفاً ولم يفد ... إذ فاتني عضّي كفّي أسفا
ومنها:
والوعة المجد على نيّره ... الزاهر أمسى في الثرى ملتحفا
كان هلالاً يرتجى كماله ... وحينما حاز الكمال انخسفا
وروضة المعروف في أزهارها ... صوّحها الدهر وكانت أنفا
والمكرمات أصبحت معولةً ... على أخيها تكثر التلهّفا
تدعوا أخي صحبت منك ماجداً ... عنّي في حياته ما صدفا
وأنت للوفّاد بحرٌ زاخر ... منك متى شاء النوال اغترفا
لله أيّ ماجد بموته ... الناس وأملاك السماء اختلفا
هذه تلقّت روحه ضاحكة ... وهذه تبكي عليه أسفا
وهذه لروحه قد زيّنت ... جنّة عدن فرحاً والغرفا
وتلك شقّت جدثاً لجسمه ... بصرخة ثهلان منها رجفا
يا نكبة لم يستطع مصابها ... لسان كلّ ناطق أن يصفا
ومنها في تعزية أبيه الماجد محمّد الصالح:
يا من تراه الناس في الجلى إذا ... ماليلها بالحادثات أسدفا
أقرّها قلباً إذا ما أقبلت ... سوداء قلب الدهر منها وجفا
أنت الذي بوجهه عن الورى ... ما إن دجا الحادث إلاّ انكشفا
في الأسى تهدي إلى قلب من ... صبرك لو جلَّ المصاب تحفا
فيغتدي قلبك من رقّته ... أشدُّ إصلاداً بها من الصفا
محمّد للصبر أنت صالح ... عرفت من معناه ما لن يعرفا
وهي طويلة. واعلم أنّ كثيراً من شعر عمّنا المذكور لم نذكر منه إلاّ اليسير اتّكالاً على ذكره له في كتابه المسوم ب "مصباح الأدب الزاهر".
الباب الحادي والعشرون في قافية القاف
وفيها فصلان
الفصل الأوّل في المديح
قلت في مدحه:
حمّلتك الديار ما لا تطيق ... مذ عرى شمل أهلها التفريق
عرصات حبست أيدي المراسيل ... عليها والدمع منك طليق
كنت ترتادها وريقة روض ... وهي اليوم دمنةٌ لا تروق
سحقتها اليوم المطايا كأن لم ... تك بالأمس وهي مسك سحيق
صاح ماذا عليك من رسم دار ... قد تعفّت وزال عنها الفريق
أوحشت غير أن يئنَّ ابن ورقاء ... بها أو يحن صبٌّ مشوق
فأطرح ذكرها لمدح عظيم ... هيبةً باسمه تضيق الحلوق
حسن الفعل ماجد الفرع والأصل ... جدير بالمكرمات خليق
لحقته أماجد العصر لكن ... عزَّ في شأوه عليها اللحوق
ذو لسان كما ينضنض صلٌّ ... وفم فيه ريقة الصلّ ريق
وهو في أعين الخصوم لسان ... وبأحشائهم سنان ذليق
وإذا غاية من المجد عنّت ... لم يعقه عن نيلها العيوق
قولي: لحقته أماجد العصر الخ قد مضى طرف من ذكر المسابقة في قافية الجيم ونحن نذكر طرفاً منها الآن، قال مهيار الديلمي:
عرفت من نفسك ما لم يعرفوا ... فطرت حتّى صرت حيث تستحق
كم عجبوا منك وأنت ترتقي ... وانتظروا فيك الزليل والزلق
وخاوصوك حسداً بأعين ... لم تحفل الشهلة منها والزرق
حتّى تركت النجم في خضرائه ... يخطر زهواً إن سبقت ولحق
وإنّي لأستحسن لعمّنا المهدي في السبق واللحوق من جملة قصيدة ولقد أجاد في معنى أبياته هذه:
ورأوك تسعى للمعالي ساحبا ... ذيل الفخار على ذرى الجوزاء
فجروا وراك فغبت عن أبصارهم ... فتخيّلوا سبقوك للعلياء
وإذا هم بمكانهم لا يستطي ... عون اللحوق بكم من الإعياء
стр. 174
فجسومهم في الأرض واهية القوى ... وعقولهم طارت مع العنقاء
ياليتها تبعت عقولهم ولا ... تبقى لهم في خزية شنعاء
وقال السري الرفاء:
كم حاولا أمدي فطال عليهما ... أن يدركا إلاّ مثار ترابي
عجزا ولن تقف العببيد إذا جرت ... يوم الرهان مواقف الأرباب
ومثل قوله: أن يدركا إلاّ مثار ترابي، قول السيّد الرضي في صفة الجواد، ولقد أحسن وأجاد:
وذي حجول نافض سبيبه ... على طموح الناظرين بازل
ينقضُّ لا تلحق من غباره ... إلاّ بقايا فلق الجراول
وفي هذا البيت من المبالغة ما لا يخفى، لأنّه جعل هذا الجواد في سرعة عدوه لا يلحق غباره وإنّما يحلق منه فلق الجراول - وفلق الجراول الحجار الصغار التي تنحتّ من الصخر وتكون مع ترابه لدقّتها - وحيث انتهى الكلام إلى ذكر الجواد وشدّة عدوه لا بأس بذكر نبذة ممّا نظمته الشعراء في الخيل، قال الطغرائي:
سبقت حوافرها النواظر فاستوى ... سبق إلى غاياتها وصفون
لولا ترامي الغايتين لأقسم ... الرائون أنّ حراكها تسكين
وتكاد تشبهها الصروف لو أنّها ... لم تعتلقها أعين وظنون
وما أحسن ما وصف به ابن حجاج فرسه:
قال له البرق وقالت له ... الريح جميعاً وهما ما هما
ءأنت تجري معنا قال لا ... إن شئت أضحكتما منكما
هذا ارتداد الطرف قد فتّه ... إلى المدى سبقا فمن أنتما
وقال ابن دريد:
يجري فتكبو الريح في غاياته ... حسرى تلوذ بجراثيم السحا
وقال ابن نباته:
لا تعلق الألحاظ من أعطافه ... إلاّ إذا كفكفت من غلوائه
قال ابن حمديس الصيقلي:
يجري فلمع البرق في أثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من ظلّه ... لو كان يرغب في فراق رفيق
وما أبدع قول ابن المعتز:
فكأنّه موج يذوب إذا ... أطلقته وإذا حبست جمد
وما أحلا قوله أيضاً:
يكاد أن يخرج من إهابه ... إذا تدلّى السوط لولا اللبب
وقال شمس الدولة:
أبت الحوافر أن يمسَّ بها الثرى ... فكأنّه في جريه متعلّق
وكأنّ أربعة تراهنُ طرفه ... فتكاد تسبقه إلى ما يرمق
ولقد أجاد عمّنا المهدي حيث نسج على منوال هذا المعنى فقال:
يعدو عليهم على عداء سابحة ... من شدّة الجري لم تبصر توائمها
تطير بين السما والأرض جائلة ... كأن قوائمها كانت قوادمها
وقال بعضهم:
كم سابح أعددته فوجدته ... عند الكريهة وهو نسر طائر
لم يرم قط بطرفه في غاية ... إلاّ وسابقه إليها الحافر
وبليغ قول الصفدي:
يا حسنه من أشقر قصّرت ... عنه بروق الجورّ في الركض
لا تستطيع الشمس من جريه ... ترسمه ظلاًّ على الأرض
وعجيب قول الصفي:
وأدهم يقق التحجيل ذي مرح ... بميس من عجبه كالشارب الثمل
مطهّم مشرف الأذنين تحسيه ... موكلا باستراق السمع عن زحل
ركبت منه مطاليل تسير به ... كواكبٌ تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرّت بهاديه وانحطّت عن الفل
وغريب قوله أيضاً:
وأغرّ تبريّ الإهاب مورد ... سبط الأديم محجّل ببياض
أخشى عليه بأن يصاب بأسهمي ... ممّا ييسابقها إلى الأغراض
وقال المتنبّي:
يقبّلهم وجه كلّ سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل
إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت مالها كفل
وبديع قول جمال الدين:
وأدهم اللون فات البرق وانتظره ... فغارت الريح حتّى غيّبت أثره
فواضعٌ رجله حيث انتهت يده ... وواضع يده أنّى رمى بصره
سهم تراه يحاكي السهم منطلقاً ... وماله غرض مستوقف خبره
يعقّر الوحش في البيداء فارسه ... وينثني وادعاً لم يستثر غبره
وقال ابن نباتة:
وردٌ مع العرب منسوب فلا قطعت ... يد الحوادث من أنسابه شجره
إذا امتطى ظهره رامي السهام مضى ... والسهم حذواً فلولا سبقه عقره
عجبت حين تسمّى سابحاً وله ... وثب لو البحر راسى دونه طفره
فتخاء في هضبات الحسن صاعدة ... أولا فصاعقة في السهل منحدره
стр. 175
لمّا ترفّع عن ندٍّ يسابقه ... أضحى يسابق في ميدانه بصره
ومن الشعر الأجنبي تخميس قصيدة في مدح النبي وذلك أنّ مركز دائرة الفصاحة، من حلّ من الزوراء أشرف ساحه، الذي كانت تغترف أهل النظم من حبره، وننسج ديباج كلامها على منوال نثره، عبد الباقي أفندي الفاروقي العمري نظم هذه القصيدة القافية في مدح النبي سيّد البرية وأرسلها إلى الفيحاء، فخمستها وأرسلتها إليه إلى الزوراء، وسمّطْتُها بهذا العقد النفيس، الذي جاء حسبما اقترحه من التخميس:
تعاليت من فاتح خاتم ... عليم بما كان من عالم
فيا صفوة الله من هاشم ... تخيّرك الله من آدم
وآدم لولاك لم يخلق
بك الكون آنس منه مجيئاً ... وفيك غدا لا به مستضيئاً
لأنّك مذ جاء طلقاً وضيئاً ... بجبهته كنت نوراً مضيئاً
كما ضاء تاج على مفرق
فمن أجل نورك قد قرّبا ... إله السماء آدماً واجتبى
نعم والسجود له أوجبا ... لذلك إبليس لمّا أبى
سجوداً له بعد طرد شقي
وساعة أغراه في إفكه ... بأكل الذي خصَّ في تركه
عصى فنجى بك من هلكه ... ومع نوح إذ كنت في فلكه
نجا وبمن فيه لم يغرق
وسارة في سرّك المستطيل ... غداة غدا حملها مستحيل
بإسحاق بشّرها جبرئيل ... وخلّل نورك صلب الخليل
فبات وبالنّار لم يحرق
حملت يصلب أمين أمين ... إلى أن بعثت رسولاً مبين
وهل كيف تحمل في المشركين ... ومنك التقلّب في الساجدين
به الذكر أفصح بالمنطق
براك المهيمن إذ لا سماء ... ولا أرض مدحوّة لا فضاء
ومذ خلق الخلق والأنبياء ... سواك مع الرسل في إيلياء
مع الروح والجسم لم يلتق
وكلٌّ رأى الله لم يحذه ... علاك وعلمك لم يغذه
فنزّه عهدك عن نبذه ... فجئت من الله في أخذه
لك العهد منهم على موثق
صدعت به والورى في عماء ... فحفّت بمجدك جند السماء
ورفَّ عليك لواء الثناء ... وفي الحشر للحمد ذاك اللواء
على غير رأسك لم يخفق
وحين عرجت لأسما مقام ... وأدناك منه إله الأنام
أصبت بمرقاك أعلا المرام ... وعن غرض القرب منك السهام
لدى قاب قوسين لم تمرق
وقدماً بنورك لمّا أضاء ... رأت ظلمة العدم الإنجلاء
فمن فضل ضوئك كان الضياء ... لقد رمقت بك عين العماء
وفي غير نورك لم ترمق
أضاء سناك لها مبرقاً ... وقابل مرآتها مشرقاً
إلى أن أشاع لها رونقاً ... فكنت لمرآتها زيبقاً
وصفو المرايا من الزيبق
بك الأرض مدّت ليوم الورود ... وأضحت عليها الرواسي ركود
وسقف السما شيد لا في عمود ... فلولاك لاانطمَّ هذا الوجود
من العدم المحض في مطبق
ولولاك ما كان خلق بعود ... لذات النعيم وذات الوقود
ولا بهما ذاق طعم الخلود ... ولا شمّ رائحةً للوجود
وجود بعرنين مشتنشق
ولو لم تجدك لمولوده ... أباً أُمُّ أركان موجوده
إذاً عقمت دون توليده ... ولولاك طفل مواليده
بحجر العناصر لم يبغق
ولولاك ثوب الدجى ما انسدل ... ونور سراج الدجا ما اشتعل
ولولاك غيث السما ما نزل ... ولولاك رتق السماوات وال
أراضي لك الله لم يفتق
ففيك السماء علينا بنى ... وذي الأرض مدّ فراشاً لنا
فلولاك ما انخفضت تحتنا ... ولولاك ما رفعت فوقنا
يد الله فسطاط إستبرق
ولا كان بينهما من ولوج ... لغيث تحمل ماءً يموج
ولا انتظم الأرض ذات الفروج ... ولا نثرت كفّ ذات البروج
دنانير في لوحها الأزرق
ولاسير الشهب ذات الضياء ... بنهر المجرّة ربّ العلاء
ولم ينش نوتي زنج المساء ... ولا طاف من فوق موج السماء
بسيطة أيدي الحيا المغدق
ولولاك ما فلّت الغاديات ... بأنمل قطر نواصي الفلاة
لا الرعد ناغى جنين العضات ... ولا كست السحب طفل النبات
من اللؤلؤ الرطب في بخيق
ولا صدغ آس بدا في ربى ... على خدّ ورد غدا مذهبا
стр. 176
ولا رنحت قدّ غصن صبا ... ولا اختال نبت ربىً في قبا
ولا راح يرفل في قرطق
أفضت نطاف ندىً دافقات ... بها اخضرَّ عرس رجا الكائنات
فلولاك ما سال وادي الهبات ... ولولاك غصن نقي المكرمات
وحقّ أياديك لم يورق
لك الأرض أنشأ علاّمها ... وقد نصبت بك أعلامها
فولالك لم تنخفض هامها ... وسبع السماوات أجرامها
لغير عروجك لم تخرق
ولولاك يونس ما خلّصا ... من الحوت حين دعا مخلصا
وعيسى لما أبرأ الأبرصا ... ولولاك مثعنجرٌ بالعصا
لموسى بن عمران لم يفلق
ولا يوم حرب على الشرك قاظ ... بسيف هدىً مستطير الشواظ
ولا أنفس الكفر أضحت تفاظ ... ولولاك سوق عكاظ الحفاظ
على حوزة الدين لم تنفق
بحبل الهدى كم رقاب ربقت ... وكم لبني الشرك هاماً فلقت
وكم في العروج حجاباً خرقت ... وأسرى بك الله حتّى طرقت
طرائق بالوهم لم تطرق
لقد كنت حيث تحير العقول ... بشأو عُلىً ما إليه وصول
فأنزلك الله هاد رسول ... ورقاك مولاك بعد النزول
على رفرف حفَّ بالنمرق
لك الله أنشى من الأُمّهات ... كرائم ما مثلها محصنات
ومذ زوّجت بالكرام الهدات ... بمثلك أرحامها الطاهرات
من النطف الغرّ لم تعلق
لحقت وإن كنت لم تعنق ... لشأو به الرسل لم تعلق
وأحرزت قدماً مدى الأسبق ... فيا لاحقاً قطُّ لم يسبق
ويا سابقاً قطُّ لم يلحق
خلقت لدين الهدى باسطاً ... لنا وبأحكامه قاسطاً
وحيث صعدت عُلىً شاحطاً ... تصوّبت من صاعد هابطاً
إلى صلب كلّ تقي نقيّ
هبطت بأمر العليّ الودود ... إلى عالم عالم بالسعود
ونورك سام لأعلا الوجود ... فكان هبوطك عين الصعود
فلا زلت منحدراً ترتقي
فلمّا وصلت إليه هذه القصيدة متحلّية بهذا السمط كتب إليّ بهذه المقطوعة يشكرني على ذلك:
لقد أبد السيّد المرتقي ... بتسميطه ذروة الأبلق
وفاه بما فيه لا فضَّ فوه ... لبيد الفصاحة لم ينطق
وبرَّز في حلبة غيره ... إليها وإن طار لم يسبق
وقلّد أبكار شعري حلىً ... تباهي الكواكب في الرونق
كأنَّ انحلال نظامي لديه ... من الربط كان على موثق
فقيد منه نحور الشطور ... فها هي للحشر لم تطلق
وأدناه منه وأحنى عليه ... حنو الشفيق على المشفق
وحيدر في فتكه ما سواه ... إذا ماادّعى الفتك لم يصدق
غداً باقراً البطون الفنون ... فأظهر منها الصريح النقي
ومن فكره الحسن العسكري ... عليها لقد كرَّ في فيلق
تسامي فطال على واستحال ... من الباقيات على مابقي
فمن ذا يجاريه وهوالخضم ... وفي لجّة منه لم يغرق
إذا صال أو جال يوم النضال ... فمن ذا يحامي ومن ذا يقي
بنار قريحته ذهنه ... عجبت له كيف لم يحرق
ومن لطفه كيف لا يستطير ... ومن صفوه كيف لم يبرق
ومن لينه كيف لا ينثني ... ومن ريعه كيف لم يورق
ومن أُفقه كيف لا يستنير ... ومن برجه كيف لم يشرق
وفي ريّه كيف لا يرتوي ... وفي ريّه كيف لم يعبق
على رقعتي صال تخميسه ... كما صال رخٌّ على بيدق
فهل بالغ من بليغ مداه ... وقد جاء بالمفحم المفلق
على نسق مثل تنسيقه ... بنان التصوّر لم تنسق
تخلّق في خلق لو يقال ... بطيب الخلوق به أخلق
تملّك حرَّ الكلام الرقيق ... فمن رقّه قطُّ لم يعتق
له مزبرٌ يرو عن ذي الفقار ... إذا هو أجراه في مهرق
ومنه الصرير يحاكي الصليل ... فيخبر عن غزوة الخندق
ويصعد للأوج منه الصريف ... فيسمعنا نغمة الموسقي
ومن نعت خير الورى جدّه ... تحدّى لما فيه لم يلحق
هو اليوم مثلي به يحتمي ... وفيه غداً من لظى نتّقي
فلا زال والفضل يرنو إليه ... بألحاظ ذي صبوة شيّق
به أهل حلّته تستطيل ... على آل كيوان في جلّق
стр. 177
ومن ذلك ما نظمته في مدح علم المفاخر ومعدن المآثر، غصن الدوحة الطيّبة من آل عبد مناف السيّد سلمان أفندي نقيب الأشراف، وذلك بمدينة السلام بغداد سنة ١٢٩٥.
بني العشق ما أحلى إلى كلّ عاشق ... طلاً لمشوق زفّها كفُّ شائق
ولم أر في الأحشاء ألطف موقعاً ... وأرشق من نبل العيون الرواشق
وأغرق أهل الحب في الحبّ مهجة ... بكلّ غرير في المحاسن فائق
أضنّهم حتّى على لحظ عينه ... بما احمرَّ من ورد بخدّيه رائق
وما العمر عندي كلّه غير ليلة ... يبيت رهيف الخصر فيها معانقي
ترفُّ على صدري خوافق فرعه ... رفيف حشاً منّي على الشوق خافق
كأنّ الثريا طوّقته هلالها ... ومن حسدت مدّت له كفّ سارق
من الريم لم يألف سوى الرمل ملعباً ... ولم يرتبع إلاّ بأحناء بارق
ونشوان من مشمولة الدلّ قدّه ... أرقّ من الغصن انعطافا لوامق
مورد ما بين العذارين زارني ... فنزّه أحداقي بورد الحدائق
وقلت وقد أرخى على الخدّ صدغه ... لقد سلسل الريحان فوق الشقائق
أُقبّل طوراً ورد خدّيه ناشقاً ... عبير شذاً ما شقَّ عرنين ناشق
وألثم طوراً ثغره العذب راشفاً ... سلافة خمر لم تدنّس بذائق
خلوت وما بي ريبة غير نظرة ... تزوّدتها منه بعيني مسارق
وراودته لكن من الثغر قبلة ... ألذَّ وأشهى من غبوق لغابق
وأعرضت عمّا دون عقد إزاره ... عفافاً وقد زالت جميع العوائق
وحسبك منّي شيمة قد ورثتها ... عن الغالبين الكرام المعارق
خليلي ما للكأس كفّي ولا فمي ... ولا كبدي للناهدات العواتق
نسبت ومابي يعلم الله صبوة ... ولا اجتذبت أحشاي بعض العلائق
عشقت ولكن غير جازية المها ... وما العشق إلاّ للمعالي بلائق
خذا من لساني ما يروق ذوي النهى ... ويترك أهل النظم خرس الشقاشق
مديحاً له تجلو مفارقها العلى ... و"سلمان" منها غرّة في المفارق
وقورٌ على الأحداث لا تستخفّه ... إذا طرقت في الدهر إحدى البوائق
ومن كعليّ القدر كان أباً له ... يزن بحجاه راسيات الشواهق
نقيب بني الأشراف أعلى كرامهم ... عماداً وأسناهم فناءً لطارق
فما قلبت أُمُّ النقابة قبله ... ولا بعده في مثله طرف رامق
فتىً إن سرى يوماً لإحراز مفخر ... فليس له غير العلى من مرافق
لقد غدت الدنيا عليه جميعها ... مغاربها تثني ثناء المشارق
تطرّق أُمّ المجد في بيت سؤدد ... يظلّل عزّاً بالبنود الخوافق
فأنجب من سلمان وهو ذكا العلى ... ببدر نهى يجلو ظلام الغواسق
همامٌ نمته دوحة نبويّة ... إلى مثمر في المجد منها ووارق
يعدُّ رسول الله فخراً لمجده ... وحسبك مجداً في الذرى والشواهق
تضوع بعطفيه السيادة مثلما ... تضوّع عرف المسك طيباً لناشق
به اقتدحت زند النجابة هاشم ... ففي وجهه من نورها لمع بارق
سما في المعالي طالباً قدر نفسه ... إلى شرف فوق الكواكب باسق
وفات جميع السابقين إلى العلى ... فقصّر عن إدراكه كلّ سابق
وقالوا رويداً حكَّ عاتقك السهى ... فقال وهل قدر السهى حكُّ عاتقي
تمنطق طفلا بالرياسة واحتذى ... بأخمصها تيجان أهل المناطق
إليكم ملوك الأرض عن ذي سرادق ... تجمّعت الدنيا به في السرادق
تقبّل أهل الفخر أعتاب داره ... فيأرج منهم طيبها في المفارق
فداء مفاتيح الندى من بنانه ... أكفّ على أموالها كالمغالق
تعلّل راجيها إذا اسودَّ ليله ... بكاذب وعد فجره غير صادق
نديّ بنان الكفّ في كلّ شتوة ... يجفّ بها ضرع الغيوم الدوافق
فحيث يشيم المجدبون بوارقاً ... تمنّوا نداه غيث تلك البوارق
وضيء المجالي والمعالي كليهما ... وعذب السجايا والندى والخلائق
أخف عل يالأرواح طبعاً من الهوى ... ولكنّه في الحلم هضبته شاهق
فما طلعة البدر المنير مضيئة ... كطلعته الغرّاء في كلّ غاسق
مهيبٌ فلولا ما به من تكرّم ... لما لمحته رغبة عين رامق
стр. 178
فما هيبة الضرغام دون عرينه ... كهيبته القعساء دون السرادق
تضايقت الدنيا ببعض فخاره ... على أنّه فرّاج كلّ المضائق
يضيق فضاء الأرض في رحب صدره ... إذا هي غصّت بالخطوب الطوارق
من الفاطميين الذين تراضعت ... قناهم طلا الأعداء في كلّ مازق
هم توّجوا هام الملوك ببيضهم ... وداسوا على أنماطهم بالسوابق
إذا نزلوا كانوا ربيع بني المنى ... وإن ركبوا كانوا حماة الحقائق
تعانق فوق الخيل عالية القنا ... عناق سواها الغيد فوق النمارق
هم القوم ما في الشيخ منهم لكهلهم ... وما منهم في كهلهم للمراهق
وهذا ابنهم سلمان والفرع طيبه ... يجيء على مقدار طيب المعارق
إذا مسحت منه العلى وجه سابق ... جلت من أبي محمود غرّة لاحق
فتىً علمه يحكي غزارة جوده ... وما علم قوم غير محض التشادق
لقد قوّمت منه الإصالة رأيه ... فكان لفتق الدهر أحزم راتق
ومنطيق فضل لو يشاء لسانه ... لفلَّ حدود الفاصلات البوارق
يحاكي بقطع الخصم أسياف قومه ... فيمضي مضاها في الطلا والمرافق
ويطعنه في قلبه بنوافذ ... نفوذ قناهم في قلوب الفيالق
أباالمصطفى أرغمت أنت وذوالنهى ... شقيقك في العليائ شمّ المناشق
لقد زنتما جيد العلى من بنيكما ... بسمطي فريد في العلى متناسق
فياقمراً سارت بذكر علائه ... نجوم القوافي في سماء المهارق
إليك تعدّت فكرتي كلّ فكرة ... لما لم يكن فيه مجال لحاذق
فجاءت من القول الذي انفردت به ... بآيات نظم أفحمت كلّ ناطق
سلمت على الدنيا وفخرك مشرق ... يضيء ضياء الشمس في كلّ شارق
لك الدهر عبد لا يرى المجد عتقه ... ولا هو يلوي عنكم جيد آبق
واتّفق لي مع ذلك الماجد زعيم الزوراء ونعيمها، والمحرز طريق المكارم وقديمها، نقيب الأشراف ببغداد السيّد سلمان أفندي خلّد الله مجده ما لو ظفرت بلئالئه الحور، لزيّنت به النحور، ووشحت به الحضور، فمنه أنّي وردت بغداد في سنة ١٢٩٥ فلمّا حللت بنادي جوهرة الزمن، الفاضل الماجد الشيخ محمّد الحسن خلف الخلف الصالح نشر الله فضله، وطوى بالإعدام من حاسده ظلّه، بلغني أنّ السيّد المذكور يتشوّق إليّ كثيراً، فنظمت هذه الأبيات وأرسلتها إليه برسم الهديّة.
سبقت الورى مجداً يدوم بلا حدّ ... فكان بلا قبل ويبقى بلا بعد
خلقت كما شائت نقيبتك التي ... أتاها الندا كوني فكانت بلا ندّ
وجئت إلى الدّنيا كما اشتهت العلى ... تعيد من المعروف أضعاف ما تبدي
وتبسط أندى من أديم غمامة ... بناتاً يعلّمن الحيا كيف يستنجدي
وفي القوم من يغدو به مستميحه ... كمستقطر ماءً من الحجر الصلد
يقولون في الدنيا بنت دارك العلى ... فقلت بل الدنيا بها بنيت عندي
كذبنا فذا رضوان بشرك مخبر ... يحدّث عنها أنّها جنّة الخلد
فمنك المزيّا قد تقسّمن فردها ... وأعجب شيء قسمة الجوهر الفرد
ألست من القوم الذين وليدهم ... يرشّح طفلاً للعلى وهو في المهدى
فما حضنوا إلاّ بحجر نقابة ... ولا رضعوا يوماً سوى حلم الرشد
فيا قمم الأعداءللأرض طأطأي ... ويا عينهم عودي من الجفن في غمد
نضا الله في كفّ النقابة سيفها ... وقال احتكم ما شئت يا فاصل الحدّ
وهبتك أبصار العدى وقلوبها ... فدونك ما تختاره من ذوي الحقد
وممّا يعير الأرض فخراً على السما ... وببهي الحصا فيها على أنجم السعد
بيوتٌ بها قد أودع الله منكم ... أطائب ما استصفاه من عترة المجد
لكم أذن الله العظيم برفعها ... وأنتم مصابيح بها الناس تستهدي
لوجهك قد صلّى بها المدح والثنا ... لأنّك فيها قبلة الشكر والحمد
стр. 179
فأمّا قولي فيها: يوقولن في الدنيا بنت دارك العلى الخ، ففيه العقد وهو نظم الكلام المنثور، ويقابله الحل، وهو نثر المنظوم وكلاهما من محسناة الكلام. وقد عقدنا كلمات منثورة لأبي العينا، وذلك أنّه دخل على المتوكل وهو في قصره المعروف بالجعفري، فقال له المتوكل: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال أبوالعينا: الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه.
ومنه إنّي نظمت فيه هذين البيتين وأرسلتهما إليه:
لقد قلت للأرض ادّعت بنجومها ... عليك السما فخراً فقالت أجيبها
لئن هي بالأشراف منها تزيّنت ... فما الفخر إلاّ حيث حلّ نقيبها
ومنه ما جرى لي مع أخيه فريد الزمان، وجمال العصر والأوان السيّد عبد الرحمن أفندي دام مجده، وذلك أنّه بعث إليّ الحاج مصطفى آل كبّه أن يرسل له كتاب نهج البلاغة وقصيدة الرضي المقصورة التي قالها في رثاء الحسين ﵇، فأرسلهما، وكانت المقصورة غير تامّة، ثمّ بعد ذلك وجد المقصورة تامّة فأرسلها وسالني أن أكنت معها عن لسانه شيئاً، فقلت:
يا من تفرّع من ذوابة معشر ... غدت النقابة منهم في آلها
هذي بديلة أختها المقصورة ... الأُولى أتتك تفوقها بكمالها
فلمّا وصلت إليه أرسل أبياتاً يلتمس من الله بها نصر المسلمين وسلطانها، وخذلان المشركين وأعوانها، وسألني تشطيرها وتخميسها وهي هذه:
يا إله الخلق يا بارئنا ... نحن في الضيق فكن عوناً لنا
وانصر الغازين وارحم حالهم ... وتلطّف بهم في ذا العنا
فهم المفدون أرواحهم ... وهم الموفون فرضاً بيّنا
فأجزهم خيراً وضاعف أجرهم ... أنت فيّاض العطايا والغنى
واخذل الكفّار واخرب دارهم ... واهلكنهم واشف فيهم قلبنا
فنشطت لما ندبني إليه وأنا معترف بأنّ له المنّ عَلَيّ لا لي المنّ عليه، لأنّه لمّا دعاني للأخط بخطي من الإنتظام، في سلك الداعين بالنصر لحامي حوزة الإسلام، وبالتأييد لجند المسلمين، المرابطين في سبيل الله في جهاد الكافرين، وقلت:
وما فاتني نصرهم باللسان ... إذا فاتني نصرهم باليد
ثمّ شطرت فقلت:
"يا إله الخلق يا بارئنا" ... لك نشكوا اليوم ما حلَّ بنا
كظّنا حشد الملمّات فها ... "نحن في الضيق فكن عوناً لنا"
"وانصر الغازين وارحم حالهم" ... فلقد أبلوا بلاءً حسنا
حيث عانوا فيك ما عانوا فجد ... "وتلطّف بهم في ذا العنا"
"فهم المفدون أرواحهم" ... ليقوا فيها الهدى والسننا
لك قد دانوا فمن يفضلهم ... "وهم الموفون فرضاً بيّنا"
"فأجزهم خيراً وضاعف أجرهم" ... واجعل النصر بهم مقترنا
ومن الفيء فوفّر حظّهم ... "أنت فيّاض العطايا والغنى"
"واخذل الكفّار واخرب دارهم" ... وأبحنا أرضهم والقنّنا
قد تشفّوا فادلنا منهم ... "وأهلكتهم واشف فيهم قلبنا"
ثمّ قلت مخمّساً:
نشأت نكباء يا ذارئنا ... إن تذرها أهرمت ناشئنا
خذ بأيدينا وكن كالئنا ... يا إله الخلق يا بارئنا
نحن في الضيق فكن عوناً لناواخذل الكفّار واشغل بالهم ... وأبحهم واخترم آجالهم
واصطلمهم ليروا أعمالهم ... وانصر الغازين وارحم حالهم
ووتلطّف بهم في ذاالعناقوموا للحرب أشباحهم ... ثمّ باعوا الكرب أفراحهم
فزد اللهمّ أرباحهم ... فهم المفدون أرواحهم
وهم الموفون فرضاً بيّناعنهم ضع يا إلهي أسرهم ... وبنصر منك فاشدد أزرهم
محّضوك اليوم حقّاً صبرهم ... فأجزهم خيراًوضاعف أجرهم
أنت فيّاض العطايا والغنىفي حمى الأشراك أوقد نارهم ... واقتساراً ولهم أدبارهم
ولئلاّ يخذلوا كن جارهم ... واخذل الكفّار واخرب دارهم
واهلكنهم واشف فيهم قلبناثمّ كتبت إليه مع هذا الشعر بهذه الفواصل من النثر والأبيات التي في أثنائها لي قلتها فيه وهي هذه:
"ممّن وقع منه طائر القلب ... حيث يلتقط الحُب لا الحَب"
إلى فتىً من قبيلة آبداً ... قبيلة في الفخار واحدها
لم تنمه هاشم لذروتها ... إلاّ وغيظاً يموت حاسدها
стр. 180
جلا على الطرس من فرائده ... عروس فكرّ زهت فرائدها
خلوقها من شذا حجّاه ومن ... جوهر ألفاظه قلائدها
قد انتظمت بسلك الإيجاز، وانتظم في سلكها الإعجاز، فبرزت تخطر دلالا، وتسحب أبراد البلاغة اختيالا، تجرّ تلك الأذيال، على نثر هو السحر الحلال، قد تنزّلت من سماء ذلك الجلال آياته الباهره، واستغرقت من الصب حواسه الخمس بما أقامه في مقام الذهول فجدير أن يتلى عليه فإذا هم بالساهره، وحيث أنّ الداعي وإن كان ليس ببعيد الغور، يرى الأمر الصادر من تلك الحضرة للفور، بادر إلى الإمتثال، راجياً أن ينظمه القبول في سلك من حظي بالإقبال، عقد الله عزّ ذلك الجناب بناصيته الدهر، ولا برحت تأرج بعبير ثرى تلك الأعتبار مفارق الملوك الغر، ما ضرب الليل رواقه، وحلّ بيد الصبح عن الغزالة نطاقه، وهذا دعاء للبريّة شامل.
فكتب إليّ جواباً أبدع فيه وأغرب في تقريض التخميس والتشطير المذكورين، وجاء في آخره قوله: ثمّ إنّي ورفيع قدرك، وسنيّ فصاحتك، وعَلَيّ بلاغتك قد صرت غريق بحار الحيرة لا أدري كيف أؤدّي شكرك، وبأيّ لسان أصفك فأكافي فضلك، بما تنزّلت له العزم وشددت حيازيم الهمّة ونقلت الأقدام، لأداء هذا المرام، قصر بي ضعف قوى الفكر، وعيّ اللسان، وضيق الجنان، وكبّوا أدهم القلم في هذا الميدان، لعلوّ شرفك الذي لا يبارى، ووفور محاسنك التي لا تجارى، غير أنّ العدول عن ذلك بالكليّة إخلال بالواجبات، لأنّ شكر المحسن من المفروضات، وبناء على أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه أقول، وليس سواء عالم وجهول: لأشكرنّك شكراً يليق بجنابك، ويفي بإحسانك، ما كرّ الجديدان، وتعاقب الملوان.
فأجبته عن هذه الرسالة، بهذه العجالة وهي: لاطفت الصب جميلة برّك، وتلطّفت بالمغرم المشوق عقيلة نثرك، قد زارت محبّاً رفعها على الأحداق، واجتنى في لثم محاسنا ثمرات الأوراق، ثمّ حلّ عنها النطاق ببنان فكره المتأمّل، ونضى عنها أبرادها الرقاق إلاّ لبسة المتفضّل، فوجدها آخذةً بأطراف النباهة في الفكاهة، ووجد نفسه عن منادمة مثلها على طرف من العي والفهاهة، فترك مفاوضتها المدح، وعدل عن مقارضتها الثناء ولا قدح.
لي العذر كلَّ لسان القلم ... وجفَّ بما فوق طرسي رسم
وعندي ولا عربي سواه ... لسان بهذا المقال انعجم
أكلّفه نعت سعد السعود ... ومن للثريّا به وهو فم
وغاية وصفي له أن أقول ... يا علماً ويقلّ العلم
هو البدر لكنّه للكمال ... وبدر السما بين نقص وتم
من الماثلين بصدر النديّ ... رزان الحلوم رزان القمم
فيامن إذا غاب قال الحضور ... وإن حضر القول كلُّ إرم
مننت ابتداء بدرّ المقال ... ويا بحر بالطبع منك الكرم
نعم حقّ لي فيك شكر الزمان ... فحسن اعتنائك أعلى النعم
ولكن عجزت فمالي يد ... بما يستقلّ بهذي الحكم
هذا والرجالء إسبال ستر التكرّم، والإغضاء على عيوب هذه الألوكة كما هو شأنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل الثاني في التهنئة
قلت في زواج الممدوح وزواج ابن أخيه الرضا مهنياً بذلك الماجد محمّد الصالح:
حيتك من وجناتها بشقيقها ... وجلت عليك مدامة من ريقها
وتبسّمت لك عن ثناياً لم تشم ... عين كبارقها ولا كعقيقها
وحبتك من رشفاتها بسلافة ... ما فضَّ مرتشفٌ ختام رحيقها
وتعطّفت لك بانة غير الصبا ... لم يحظ قبلك بانعطاف رشيقها
ورنت بأجفان إليك فواتر ... بأخي الهوى الدنيا تضيق لضيقها
يا أهل رامة ما الجمال وما الهوى ... إلاّ لشائق ريمكم ومشوقها
نفحتكم بعبيرها ريح الصبا ... ونحتمكم ديم الحيا ببروقها
فسقت ملاعبكم بأوطف تزدهي ... منه برائق زهره وأنيقها
غيث بسيب ندى محمّد صالح ... تشبيه واكف سحبه ودفوقها
ملك تجلّى في البريّة فخره ... السامي تجلّي الشمس عند شروقها
فإذا تكرّم كان فارج ضيقها ... وإذا تكلّم كان ضيق حلوقها
هو خير من رضع المكارم درّها ... ورعى لها مذ كان فرض حقوقها
من مثله وهو ابنها البرّ الذي ... ما هم لمحة ناظر بعقوقها
следующие страницы →