← Адаб

Адаб · id 5448

العقد المفصل

حيدر الحلي

Полный текст (234 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولا رنحت قدّ غصن صبا ... ولا اختال نبت ربىً في قبا ولا راح يرفل في قرطق أفضت نطاف ندىً دافقات ... بها اخضرَّ عرس رجا الكائنات فلولاك ما سال وادي الهبات ... ولولاك غصن نقي المكرمات وحقّ أياديك لم يورق لك الأرض أنشأ علاّمها ... وقد نصبت بك أعلامها فولالك لم تنخفض هامها ... وسبع السماوات أجرامها لغير عروجك لم تخرق ولولاك يونس ما خلّصا ... من الحوت حين دعا مخلصا وعيسى لما أبرأ الأبرصا ... ولولاك مثعنجرٌ بالعصا لموسى بن عمران لم يفلق ولا يوم حرب على الشرك قاظ ... بسيف هدىً مستطير الشواظ ولا أنفس الكفر أضحت تفاظ ... ولولاك سوق عكاظ الحفاظ على حوزة الدين لم تنفق بحبل الهدى كم رقاب ربقت ... وكم لبني الشرك هاماً فلقت وكم في العروج حجاباً خرقت ... وأسرى بك الله حتّى طرقت طرائق بالوهم لم تطرق لقد كنت حيث تحير العقول ... بشأو عُلىً ما إليه وصول فأنزلك الله هاد رسول ... ورقاك مولاك بعد النزول على رفرف حفَّ بالنمرق لك الله أنشى من الأُمّهات ... كرائم ما مثلها محصنات ومذ زوّجت بالكرام الهدات ... بمثلك أرحامها الطاهرات من النطف الغرّ لم تعلق لحقت وإن كنت لم تعنق ... لشأو به الرسل لم تعلق وأحرزت قدماً مدى الأسبق ... فيا لاحقاً قطُّ لم يسبق ويا سابقاً قطُّ لم يلحق خلقت لدين الهدى باسطاً ... لنا وبأحكامه قاسطاً وحيث صعدت عُلىً شاحطاً ... تصوّبت من صاعد هابطاً إلى صلب كلّ تقي نقيّ هبطت بأمر العليّ الودود ... إلى عالم عالم بالسعود ونورك سام لأعلا الوجود ... فكان هبوطك عين الصعود فلا زلت منحدراً ترتقي فلمّا وصلت إليه هذه القصيدة متحلّية بهذا السمط كتب إليّ بهذه المقطوعة يشكرني على ذلك: لقد أبد السيّد المرتقي ... بتسميطه ذروة الأبلق وفاه بما فيه لا فضَّ فوه ... لبيد الفصاحة لم ينطق وبرَّز في حلبة غيره ... إليها وإن طار لم يسبق وقلّد أبكار شعري حلىً ... تباهي الكواكب في الرونق كأنَّ انحلال نظامي لديه ... من الربط كان على موثق فقيد منه نحور الشطور ... فها هي للحشر لم تطلق وأدناه منه وأحنى عليه ... حنو الشفيق على المشفق وحيدر في فتكه ما سواه ... إذا ماادّعى الفتك لم يصدق غداً باقراً البطون الفنون ... فأظهر منها الصريح النقي ومن فكره الحسن العسكري ... عليها لقد كرَّ في فيلق تسامي فطال على واستحال ... من الباقيات على مابقي فمن ذا يجاريه وهوالخضم ... وفي لجّة منه لم يغرق إذا صال أو جال يوم النضال ... فمن ذا يحامي ومن ذا يقي بنار قريحته ذهنه ... عجبت له كيف لم يحرق ومن لطفه كيف لا يستطير ... ومن صفوه كيف لم يبرق ومن لينه كيف لا ينثني ... ومن ريعه كيف لم يورق ومن أُفقه كيف لا يستنير ... ومن برجه كيف لم يشرق وفي ريّه كيف لا يرتوي ... وفي ريّه كيف لم يعبق على رقعتي صال تخميسه ... كما صال رخٌّ على بيدق فهل بالغ من بليغ مداه ... وقد جاء بالمفحم المفلق على نسق مثل تنسيقه ... بنان التصوّر لم تنسق تخلّق في خلق لو يقال ... بطيب الخلوق به أخلق تملّك حرَّ الكلام الرقيق ... فمن رقّه قطُّ لم يعتق له مزبرٌ يرو عن ذي الفقار ... إذا هو أجراه في مهرق ومنه الصرير يحاكي الصليل ... فيخبر عن غزوة الخندق ويصعد للأوج منه الصريف ... فيسمعنا نغمة الموسقي ومن نعت خير الورى جدّه ... تحدّى لما فيه لم يلحق هو اليوم مثلي به يحتمي ... وفيه غداً من لظى نتّقي فلا زال والفضل يرنو إليه ... بألحاظ ذي صبوة شيّق به أهل حلّته تستطيل ... على آل كيوان في جلّق

стр. 177

ومن ذلك ما نظمته في مدح علم المفاخر ومعدن المآثر، غصن الدوحة الطيّبة من آل عبد مناف السيّد سلمان أفندي نقيب الأشراف، وذلك بمدينة السلام بغداد سنة ١٢٩٥. بني العشق ما أحلى إلى كلّ عاشق ... طلاً لمشوق زفّها كفُّ شائق ولم أر في الأحشاء ألطف موقعاً ... وأرشق من نبل العيون الرواشق وأغرق أهل الحب في الحبّ مهجة ... بكلّ غرير في المحاسن فائق أضنّهم حتّى على لحظ عينه ... بما احمرَّ من ورد بخدّيه رائق وما العمر عندي كلّه غير ليلة ... يبيت رهيف الخصر فيها معانقي ترفُّ على صدري خوافق فرعه ... رفيف حشاً منّي على الشوق خافق كأنّ الثريا طوّقته هلالها ... ومن حسدت مدّت له كفّ سارق من الريم لم يألف سوى الرمل ملعباً ... ولم يرتبع إلاّ بأحناء بارق ونشوان من مشمولة الدلّ قدّه ... أرقّ من الغصن انعطافا لوامق مورد ما بين العذارين زارني ... فنزّه أحداقي بورد الحدائق وقلت وقد أرخى على الخدّ صدغه ... لقد سلسل الريحان فوق الشقائق أُقبّل طوراً ورد خدّيه ناشقاً ... عبير شذاً ما شقَّ عرنين ناشق وألثم طوراً ثغره العذب راشفاً ... سلافة خمر لم تدنّس بذائق خلوت وما بي ريبة غير نظرة ... تزوّدتها منه بعيني مسارق وراودته لكن من الثغر قبلة ... ألذَّ وأشهى من غبوق لغابق وأعرضت عمّا دون عقد إزاره ... عفافاً وقد زالت جميع العوائق وحسبك منّي شيمة قد ورثتها ... عن الغالبين الكرام المعارق خليلي ما للكأس كفّي ولا فمي ... ولا كبدي للناهدات العواتق نسبت ومابي يعلم الله صبوة ... ولا اجتذبت أحشاي بعض العلائق عشقت ولكن غير جازية المها ... وما العشق إلاّ للمعالي بلائق خذا من لساني ما يروق ذوي النهى ... ويترك أهل النظم خرس الشقاشق مديحاً له تجلو مفارقها العلى ... و"سلمان" منها غرّة في المفارق وقورٌ على الأحداث لا تستخفّه ... إذا طرقت في الدهر إحدى البوائق ومن كعليّ القدر كان أباً له ... يزن بحجاه راسيات الشواهق نقيب بني الأشراف أعلى كرامهم ... عماداً وأسناهم فناءً لطارق فما قلبت أُمُّ النقابة قبله ... ولا بعده في مثله طرف رامق فتىً إن سرى يوماً لإحراز مفخر ... فليس له غير العلى من مرافق لقد غدت الدنيا عليه جميعها ... مغاربها تثني ثناء المشارق تطرّق أُمّ المجد في بيت سؤدد ... يظلّل عزّاً بالبنود الخوافق فأنجب من سلمان وهو ذكا العلى ... ببدر نهى يجلو ظلام الغواسق همامٌ نمته دوحة نبويّة ... إلى مثمر في المجد منها ووارق يعدُّ رسول الله فخراً لمجده ... وحسبك مجداً في الذرى والشواهق تضوع بعطفيه السيادة مثلما ... تضوّع عرف المسك طيباً لناشق به اقتدحت زند النجابة هاشم ... ففي وجهه من نورها لمع بارق سما في المعالي طالباً قدر نفسه ... إلى شرف فوق الكواكب باسق وفات جميع السابقين إلى العلى ... فقصّر عن إدراكه كلّ سابق وقالوا رويداً حكَّ عاتقك السهى ... فقال وهل قدر السهى حكُّ عاتقي تمنطق طفلا بالرياسة واحتذى ... بأخمصها تيجان أهل المناطق إليكم ملوك الأرض عن ذي سرادق ... تجمّعت الدنيا به في السرادق تقبّل أهل الفخر أعتاب داره ... فيأرج منهم طيبها في المفارق فداء مفاتيح الندى من بنانه ... أكفّ على أموالها كالمغالق تعلّل راجيها إذا اسودَّ ليله ... بكاذب وعد فجره غير صادق نديّ بنان الكفّ في كلّ شتوة ... يجفّ بها ضرع الغيوم الدوافق فحيث يشيم المجدبون بوارقاً ... تمنّوا نداه غيث تلك البوارق وضيء المجالي والمعالي كليهما ... وعذب السجايا والندى والخلائق أخف عل يالأرواح طبعاً من الهوى ... ولكنّه في الحلم هضبته شاهق فما طلعة البدر المنير مضيئة ... كطلعته الغرّاء في كلّ غاسق مهيبٌ فلولا ما به من تكرّم ... لما لمحته رغبة عين رامق

стр. 178

فما هيبة الضرغام دون عرينه ... كهيبته القعساء دون السرادق تضايقت الدنيا ببعض فخاره ... على أنّه فرّاج كلّ المضائق يضيق فضاء الأرض في رحب صدره ... إذا هي غصّت بالخطوب الطوارق من الفاطميين الذين تراضعت ... قناهم طلا الأعداء في كلّ مازق هم توّجوا هام الملوك ببيضهم ... وداسوا على أنماطهم بالسوابق إذا نزلوا كانوا ربيع بني المنى ... وإن ركبوا كانوا حماة الحقائق تعانق فوق الخيل عالية القنا ... عناق سواها الغيد فوق النمارق هم القوم ما في الشيخ منهم لكهلهم ... وما منهم في كهلهم للمراهق وهذا ابنهم سلمان والفرع طيبه ... يجيء على مقدار طيب المعارق إذا مسحت منه العلى وجه سابق ... جلت من أبي محمود غرّة لاحق فتىً علمه يحكي غزارة جوده ... وما علم قوم غير محض التشادق لقد قوّمت منه الإصالة رأيه ... فكان لفتق الدهر أحزم راتق ومنطيق فضل لو يشاء لسانه ... لفلَّ حدود الفاصلات البوارق يحاكي بقطع الخصم أسياف قومه ... فيمضي مضاها في الطلا والمرافق ويطعنه في قلبه بنوافذ ... نفوذ قناهم في قلوب الفيالق أباالمصطفى أرغمت أنت وذوالنهى ... شقيقك في العليائ شمّ المناشق لقد زنتما جيد العلى من بنيكما ... بسمطي فريد في العلى متناسق فياقمراً سارت بذكر علائه ... نجوم القوافي في سماء المهارق إليك تعدّت فكرتي كلّ فكرة ... لما لم يكن فيه مجال لحاذق فجاءت من القول الذي انفردت به ... بآيات نظم أفحمت كلّ ناطق سلمت على الدنيا وفخرك مشرق ... يضيء ضياء الشمس في كلّ شارق لك الدهر عبد لا يرى المجد عتقه ... ولا هو يلوي عنكم جيد آبق واتّفق لي مع ذلك الماجد زعيم الزوراء ونعيمها، والمحرز طريق المكارم وقديمها، نقيب الأشراف ببغداد السيّد سلمان أفندي خلّد الله مجده ما لو ظفرت بلئالئه الحور، لزيّنت به النحور، ووشحت به الحضور، فمنه أنّي وردت بغداد في سنة ١٢٩٥ فلمّا حللت بنادي جوهرة الزمن، الفاضل الماجد الشيخ محمّد الحسن خلف الخلف الصالح نشر الله فضله، وطوى بالإعدام من حاسده ظلّه، بلغني أنّ السيّد المذكور يتشوّق إليّ كثيراً، فنظمت هذه الأبيات وأرسلتها إليه برسم الهديّة. سبقت الورى مجداً يدوم بلا حدّ ... فكان بلا قبل ويبقى بلا بعد خلقت كما شائت نقيبتك التي ... أتاها الندا كوني فكانت بلا ندّ وجئت إلى الدّنيا كما اشتهت العلى ... تعيد من المعروف أضعاف ما تبدي وتبسط أندى من أديم غمامة ... بناتاً يعلّمن الحيا كيف يستنجدي وفي القوم من يغدو به مستميحه ... كمستقطر ماءً من الحجر الصلد يقولون في الدنيا بنت دارك العلى ... فقلت بل الدنيا بها بنيت عندي كذبنا فذا رضوان بشرك مخبر ... يحدّث عنها أنّها جنّة الخلد فمنك المزيّا قد تقسّمن فردها ... وأعجب شيء قسمة الجوهر الفرد ألست من القوم الذين وليدهم ... يرشّح طفلاً للعلى وهو في المهدى فما حضنوا إلاّ بحجر نقابة ... ولا رضعوا يوماً سوى حلم الرشد فيا قمم الأعداءللأرض طأطأي ... ويا عينهم عودي من الجفن في غمد نضا الله في كفّ النقابة سيفها ... وقال احتكم ما شئت يا فاصل الحدّ وهبتك أبصار العدى وقلوبها ... فدونك ما تختاره من ذوي الحقد وممّا يعير الأرض فخراً على السما ... وببهي الحصا فيها على أنجم السعد بيوتٌ بها قد أودع الله منكم ... أطائب ما استصفاه من عترة المجد لكم أذن الله العظيم برفعها ... وأنتم مصابيح بها الناس تستهدي لوجهك قد صلّى بها المدح والثنا ... لأنّك فيها قبلة الشكر والحمد

стр. 179

فأمّا قولي فيها: يوقولن في الدنيا بنت دارك العلى الخ، ففيه العقد وهو نظم الكلام المنثور، ويقابله الحل، وهو نثر المنظوم وكلاهما من محسناة الكلام. وقد عقدنا كلمات منثورة لأبي العينا، وذلك أنّه دخل على المتوكل وهو في قصره المعروف بالجعفري، فقال له المتوكل: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال أبوالعينا: الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه. ومنه إنّي نظمت فيه هذين البيتين وأرسلتهما إليه: لقد قلت للأرض ادّعت بنجومها ... عليك السما فخراً فقالت أجيبها لئن هي بالأشراف منها تزيّنت ... فما الفخر إلاّ حيث حلّ نقيبها ومنه ما جرى لي مع أخيه فريد الزمان، وجمال العصر والأوان السيّد عبد الرحمن أفندي دام مجده، وذلك أنّه بعث إليّ الحاج مصطفى آل كبّه أن يرسل له كتاب نهج البلاغة وقصيدة الرضي المقصورة التي قالها في رثاء الحسين ﵇، فأرسلهما، وكانت المقصورة غير تامّة، ثمّ بعد ذلك وجد المقصورة تامّة فأرسلها وسالني أن أكنت معها عن لسانه شيئاً، فقلت: يا من تفرّع من ذوابة معشر ... غدت النقابة منهم في آلها هذي بديلة أختها المقصورة ... الأُولى أتتك تفوقها بكمالها فلمّا وصلت إليه أرسل أبياتاً يلتمس من الله بها نصر المسلمين وسلطانها، وخذلان المشركين وأعوانها، وسألني تشطيرها وتخميسها وهي هذه: يا إله الخلق يا بارئنا ... نحن في الضيق فكن عوناً لنا وانصر الغازين وارحم حالهم ... وتلطّف بهم في ذا العنا فهم المفدون أرواحهم ... وهم الموفون فرضاً بيّنا فأجزهم خيراً وضاعف أجرهم ... أنت فيّاض العطايا والغنى واخذل الكفّار واخرب دارهم ... واهلكنهم واشف فيهم قلبنا فنشطت لما ندبني إليه وأنا معترف بأنّ له المنّ عَلَيّ لا لي المنّ عليه، لأنّه لمّا دعاني للأخط بخطي من الإنتظام، في سلك الداعين بالنصر لحامي حوزة الإسلام، وبالتأييد لجند المسلمين، المرابطين في سبيل الله في جهاد الكافرين، وقلت: وما فاتني نصرهم باللسان ... إذا فاتني نصرهم باليد ثمّ شطرت فقلت: "يا إله الخلق يا بارئنا" ... لك نشكوا اليوم ما حلَّ بنا كظّنا حشد الملمّات فها ... "نحن في الضيق فكن عوناً لنا" "وانصر الغازين وارحم حالهم" ... فلقد أبلوا بلاءً حسنا حيث عانوا فيك ما عانوا فجد ... "وتلطّف بهم في ذا العنا" "فهم المفدون أرواحهم" ... ليقوا فيها الهدى والسننا لك قد دانوا فمن يفضلهم ... "وهم الموفون فرضاً بيّنا" "فأجزهم خيراً وضاعف أجرهم" ... واجعل النصر بهم مقترنا ومن الفيء فوفّر حظّهم ... "أنت فيّاض العطايا والغنى" "واخذل الكفّار واخرب دارهم" ... وأبحنا أرضهم والقنّنا قد تشفّوا فادلنا منهم ... "وأهلكتهم واشف فيهم قلبنا" ثمّ قلت مخمّساً: نشأت نكباء يا ذارئنا ... إن تذرها أهرمت ناشئنا خذ بأيدينا وكن كالئنا ... يا إله الخلق يا بارئنا نحن في الضيق فكن عوناً لناواخذل الكفّار واشغل بالهم ... وأبحهم واخترم آجالهم واصطلمهم ليروا أعمالهم ... وانصر الغازين وارحم حالهم ووتلطّف بهم في ذاالعناقوموا للحرب أشباحهم ... ثمّ باعوا الكرب أفراحهم فزد اللهمّ أرباحهم ... فهم المفدون أرواحهم وهم الموفون فرضاً بيّناعنهم ضع يا إلهي أسرهم ... وبنصر منك فاشدد أزرهم محّضوك اليوم حقّاً صبرهم ... فأجزهم خيراًوضاعف أجرهم أنت فيّاض العطايا والغنىفي حمى الأشراك أوقد نارهم ... واقتساراً ولهم أدبارهم ولئلاّ يخذلوا كن جارهم ... واخذل الكفّار واخرب دارهم واهلكنهم واشف فيهم قلبناثمّ كتبت إليه مع هذا الشعر بهذه الفواصل من النثر والأبيات التي في أثنائها لي قلتها فيه وهي هذه: "ممّن وقع منه طائر القلب ... حيث يلتقط الحُب لا الحَب" إلى فتىً من قبيلة آبداً ... قبيلة في الفخار واحدها لم تنمه هاشم لذروتها ... إلاّ وغيظاً يموت حاسدها

стр. 180

جلا على الطرس من فرائده ... عروس فكرّ زهت فرائدها خلوقها من شذا حجّاه ومن ... جوهر ألفاظه قلائدها قد انتظمت بسلك الإيجاز، وانتظم في سلكها الإعجاز، فبرزت تخطر دلالا، وتسحب أبراد البلاغة اختيالا، تجرّ تلك الأذيال، على نثر هو السحر الحلال، قد تنزّلت من سماء ذلك الجلال آياته الباهره، واستغرقت من الصب حواسه الخمس بما أقامه في مقام الذهول فجدير أن يتلى عليه فإذا هم بالساهره، وحيث أنّ الداعي وإن كان ليس ببعيد الغور، يرى الأمر الصادر من تلك الحضرة للفور، بادر إلى الإمتثال، راجياً أن ينظمه القبول في سلك من حظي بالإقبال، عقد الله عزّ ذلك الجناب بناصيته الدهر، ولا برحت تأرج بعبير ثرى تلك الأعتبار مفارق الملوك الغر، ما ضرب الليل رواقه، وحلّ بيد الصبح عن الغزالة نطاقه، وهذا دعاء للبريّة شامل. فكتب إليّ جواباً أبدع فيه وأغرب في تقريض التخميس والتشطير المذكورين، وجاء في آخره قوله: ثمّ إنّي ورفيع قدرك، وسنيّ فصاحتك، وعَلَيّ بلاغتك قد صرت غريق بحار الحيرة لا أدري كيف أؤدّي شكرك، وبأيّ لسان أصفك فأكافي فضلك، بما تنزّلت له العزم وشددت حيازيم الهمّة ونقلت الأقدام، لأداء هذا المرام، قصر بي ضعف قوى الفكر، وعيّ اللسان، وضيق الجنان، وكبّوا أدهم القلم في هذا الميدان، لعلوّ شرفك الذي لا يبارى، ووفور محاسنك التي لا تجارى، غير أنّ العدول عن ذلك بالكليّة إخلال بالواجبات، لأنّ شكر المحسن من المفروضات، وبناء على أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه أقول، وليس سواء عالم وجهول: لأشكرنّك شكراً يليق بجنابك، ويفي بإحسانك، ما كرّ الجديدان، وتعاقب الملوان. فأجبته عن هذه الرسالة، بهذه العجالة وهي: لاطفت الصب جميلة برّك، وتلطّفت بالمغرم المشوق عقيلة نثرك، قد زارت محبّاً رفعها على الأحداق، واجتنى في لثم محاسنا ثمرات الأوراق، ثمّ حلّ عنها النطاق ببنان فكره المتأمّل، ونضى عنها أبرادها الرقاق إلاّ لبسة المتفضّل، فوجدها آخذةً بأطراف النباهة في الفكاهة، ووجد نفسه عن منادمة مثلها على طرف من العي والفهاهة، فترك مفاوضتها المدح، وعدل عن مقارضتها الثناء ولا قدح. لي العذر كلَّ لسان القلم ... وجفَّ بما فوق طرسي رسم وعندي ولا عربي سواه ... لسان بهذا المقال انعجم أكلّفه نعت سعد السعود ... ومن للثريّا به وهو فم وغاية وصفي له أن أقول ... يا علماً ويقلّ العلم هو البدر لكنّه للكمال ... وبدر السما بين نقص وتم من الماثلين بصدر النديّ ... رزان الحلوم رزان القمم فيامن إذا غاب قال الحضور ... وإن حضر القول كلُّ إرم مننت ابتداء بدرّ المقال ... ويا بحر بالطبع منك الكرم نعم حقّ لي فيك شكر الزمان ... فحسن اعتنائك أعلى النعم ولكن عجزت فمالي يد ... بما يستقلّ بهذي الحكم هذا والرجالء إسبال ستر التكرّم، والإغضاء على عيوب هذه الألوكة كما هو شأنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الفصل الثاني في التهنئة قلت في زواج الممدوح وزواج ابن أخيه الرضا مهنياً بذلك الماجد محمّد الصالح: حيتك من وجناتها بشقيقها ... وجلت عليك مدامة من ريقها وتبسّمت لك عن ثناياً لم تشم ... عين كبارقها ولا كعقيقها وحبتك من رشفاتها بسلافة ... ما فضَّ مرتشفٌ ختام رحيقها وتعطّفت لك بانة غير الصبا ... لم يحظ قبلك بانعطاف رشيقها ورنت بأجفان إليك فواتر ... بأخي الهوى الدنيا تضيق لضيقها يا أهل رامة ما الجمال وما الهوى ... إلاّ لشائق ريمكم ومشوقها نفحتكم بعبيرها ريح الصبا ... ونحتمكم ديم الحيا ببروقها فسقت ملاعبكم بأوطف تزدهي ... منه برائق زهره وأنيقها غيث بسيب ندى محمّد صالح ... تشبيه واكف سحبه ودفوقها ملك تجلّى في البريّة فخره ... السامي تجلّي الشمس عند شروقها فإذا تكرّم كان فارج ضيقها ... وإذا تكلّم كان ضيق حلوقها هو خير من رضع المكارم درّها ... ورعى لها مذ كان فرض حقوقها من مثله وهو ابنها البرّ الذي ... ما هم لمحة ناظر بعقوقها

стр. 181

ورث العلى عن سابقين لغاية ... ما للبريّة مطمع بلحوقها ولدته ثمّ أباالأمين فأحرزت ... بهما ثناء عدوّها وصديقها بلغا السماء علىً وزاد أبوالرضا ... شرفاً سما فيه على عيوقها أحيت أنمله العفاة ومن رأى ... لججاً تكون بها حياة غريقها كرم كغادية السحاب تزينه ... لمعات بشر كالتمال بروقها يا من تفرّع في الذرى من دوحة ... تجني المكارم من ثمار وريقها من دوحة الشرف التي بثرى العلى ... وشجت قديماً ساريات عروقها أهدى لك الفرح الإله مخلّداً ... وكساك من حلل الهنا برقيقها هذي المسرّة كم أقرّت أعيناً ... ولا عين كانت قذى في موقها فليهنينّك سائغ الطرب الذي ... لك قد أغصَّ الحاسدين بريقها واسعد بعرس محمّد حسن العلى ... وأخي النهى عبد الحسين شقيقها داما بظلّلك رافهين ولم تزل ... تغلي حشاشة من أبى بحريقها ابني العلى ارتشفوا سلافة فرحة ... أحلى من الصهباء في راووقها طاف السرور بها فقلت مؤرخاً ... وصل الأحبّة عرسكم برحيقها وقلت مهنّياً للفاضل محمّد الصالح عند قدوم ولدي ولده المهدي من الحج وهما عبد الهادي ومحمّد الحسين، وأرسلتها إليه. وصلت وريعان الشبيبة مونق ... وجفت وقد لبس المشيب المفرّق والغيد طوع نسيم ريعان الصبا ... يهتزُّ غصن شبابهنّ المورق والشيب إن حطّت عقاب نهاره ... فغراب ليلة وصلهنَّ محلّق أدرت فتات الحي إنّي مذ نأت ... قلبي أسير هوىً ودمعي مطلق أنا والجوى والدمع وهي ومهجتي ... طوع البعاد مغرب ومشرق عافت أخا دمعي العقيق وثغرها ... أمسى يضيء به أخوه الأبرق لله موقفنا صبيحة أجمعت ... بيناً له جزعاً بريقي أشرق ومسكت قلبي كي يقرّ وإنّه ... ليكاد يلفظه الزفير فيخفق وكظمت أنفاسي الغداة وفوقها ... كادت مجامع أضلعي تتفرّق جاذبتها فضل الرداء فأقبلت ... بالعنف تجمع ما جذبت وأرفق ومذ استقلَّ بها الفراق دعوتها ... بالدمع إذ هو من لساني أطلق الله يا ذات النطاق بواجم ... لسن المدامع عن جواه تنطق وتذكّري عهد المودّة بيننا ... أيّام أوقاتي بلهوك تنفق متألّفين بحيث لا ظلُّ الهوى ... ضاح ولا صفو الوداد مرنّق في روضة عذراء لم يبرح بها ... يمري مذانبه الغمام المغدق يسري النسيم عليلةً أنفاسه ... فيها بنشر من عبيرك يعبق وعيون نرجسها المندى غازلت ... منك المحيّا وهو شمس تشرق فكأنّ في أجفانهنّ الطلُّ من ... أنوار وجهك أدمعٌ تترقرق ولهوت منك بذات خدر زانها ... ثوب الشباب الغض لا الاستبرق طوراً تعاطيني الحديث وتارةً ... راحاً بها شمل الهموم تفرّق قالت وقد عاقرتها من كفّها ... صرفاً لها نور يروق ورونق ألها نظير قلت خلق محمّد ... في لطفه منها أرقُّ وأروق خلق لأبلج غير معقود الندى ... ديم الغمام به غدت تتخلّق عذبت بفيه نعم فليس بغيرها ... يلقى الذي من جوده يسترزق ويودُّ أنَّ بكلّ منبت شعرة ... منه بقول نعم لساناً ينطق أثرى من الحسب الكريم وكلّمن ... أثرى بلا حسب مقلٌّ مملق المستجار من الزمان بظلّه ... إن جاء يرعد بالخطوب ويبرق والمستضاء بوجهه إن يدج من ... دهم الحوادث ليلهنَّ الأودق ومسدّد الآراء أسهم رأيه ... غرض القضايا الغامضات تطبق بقضان قد سبرت تجارب حزمه ... غور الزمان بأيّ فنّ يطرق إن أبهمت يوماً مطالع شبهة ... عمياء فيها الحقُّ لا يتحقّق يغشى نعاس الجهل تحت ظلامها ... بصر القلوب المدركات فتخفق فعمود صبح بيانه بضيائه ... غسق العمى لذوي البصائر يفلق وإذا تحيّرت العقول بمشكل ... صعب مجال الوهم فيه ضيّق جمع العقول عللى الصواب بحجّة ... فيها احتمال الريب لا يتطرّق فمن السكينة والوقار سكوته ... وله المقال الفصل ساعة ينطق

стр. 182

وعلاؤه الآفاق ضقن بعظمها ... وبعظم مفخره البسيطة أضيق فالناس في جدواه شخص واحد ... وبمدحه الدنيا جميعاً منطق ونداه لو سكتوا لنوّه باسمه ... إنّ الندى لهو الخطيب المفلق وإذا ترادفت المحول تشعّبت ... منه غمائم للبلاد تطبّق وغدا يرفُّ على البريّة ظلّها ... ويريق النعماء فيهم تغدق حتّى تمجّ الأرض ماء نعيمها ... ريّاً وبالعشب الثرى يتشقّق فتبيت حالية بوشي ربيعها ... ولساكنيها العيش غضّاً يونق مننٌ تفوت الواصفين وإنّما ... وصف الأنام ببعضها يستغرق وإذا انتمى فلدوحة الشرف التي ... تنمو على مرّ الزمان وتورق وشجت قديماً ساريات عروقها ... حيث المجرّة نهرها يتدفّق فأصولها فوق السما وفروعها ... شرفاً إلى ما لا نهاية تبسق إلى أن قلت في قدوم الهادي والحسين من الحج: قدماً معاً والسعد طائر يمنه ... غردٌ يرفُّ عليهما ويرنق ولئن تشوّقت البلاد إليهما ... فإلى لقائهما المعالي أشوق لا مسَّ أيدي الراميات إلى منىً ... نصبٌ ولا منها عقرن الأسوق فلكعبة البيت الحرام بكعبتي ... أمل العفاة سرت خفائف تعنق وبثقل أجرهما ثقيلات الخطا ... صدرت كأنّ لها الرواسي أوسق المحرمَين وإن أحلاّ دائماً ... زهداً بما تهوى النفوس وتعشق فكأنّ كلّ مقام احتلاّ به ... حرمٌ وحجٌّ كلُّ يوم يخلق والركن يشهد أنّ كفّهما التي ... استلمته لا إثمٌ بها متعلّق نحرا غداة النفر هدياً قال لم ... يقبل سواي لو أنّ هدياً ينطق وسرين من حرم الإله جوانحاً ... بهما إلى حرم النبي الأينق بيت لو البيت استطاع لجائه ... بالركن يسعى سعي من يتملّق فالدهر فيه محرم فمقصّر ... والفخر فيه طائف فمحلّق عكفا به يتمسّكان فناشق ... لثم الضريح ولاثم يستنشق واستقبلا حرم الوصيّ وإنّه ... حرم الإله به الملائك تحدق وحمىً يجير من السعير لأنّه ... نفحات عفو الله منه تعبّق فاستشفعا لله فيه ويمّما ... ناد بغير العزّ ليس يروّق رفعت بأعلا الكرخ منه سرادق ... بعلائها العيّوق لا يتعلّق جمع الصلاح على التقى أطرافه ... وغدا لواء الفخر فيه يخفق أوما ترى كأس المسرّة تجتلي ... لعشيرة الشرف الرفيع وتدهق عقدوا الندي وللوفاء محبّهم ... ينشي القريش مهنّياً وينمق يا من رباعهم غدت مملوئة ... بالوفد من كلّ الأماكن تطرق فتحوا لهم باب السماح بهنَّ في ... زمن به باب المكارم مغلق قد زفَّ فكري من عقائله لكم ... عذراء ليس لغيركم تتشوّق أضحت بجيب الدهر جونة عنبر ... في نشر ذكركم تضوع وتعبق جائت كما اقترح السرور وإن يكن ... كثر القصيد فغيرها لا يعشق وترى الوفا نفس الكريم لأهله ... فرضاً ولو بأدائه هي تزهق وتمجّه نفس اللئيم ولو لها ... لا زلت بالعسل المصفّى تلعق وقال عمّنا المهدي مهنّياً للفاضل محمّد الصالح بعرس ولده مصطفى الشرف الواضح آل كبّه: أتتكومنها الشمس في الوجه تشرق ... ونشر الخزامى في الغلائل يعبق رشيقة قدٍّ في السهام لحاظها ... حشا صبّها عن قوس حاجب ترشق ولم تشبه الأغصان قامة قدّها ... وأنّى ومنها قدُّ مية أرشق وليس التي بالماء يورق غصنها ... كمن هو من ماء الشبيبة مورق لقد فضحت في عينها جؤذر النقا ... وإن هي في عينيه ترنو وترمق وهاروت منها قد تعلّم سحره ... فما بالها ما قد تعلّم تسرق فأعجب بها للمرء تسلب قلبه ... وأضلاعه عن قلبه لا تشقق فتأخذه منه وأضلاع صدره ... على قلبه مجموعة لا تفرق تميس وقرطاها قليقان والحشا ... على وفق قرطيها من الشوق يخفق وما قلقنا إلاّ تمنّت نفوسهم ... مكانهما أكبادهم تتعلّق وفاحت عليهم للمسرّات نفحة ... عليهم بأنواع المسرّات تعبق وطبّقت الدنيا سروراً بعرس من ... بغير النهى آباؤه ما تمنطقوا

стр. 183

وقد نادت الدنيا بنيها ألا ابشروا ... سينشي لكم روض من الجود مونق فللمصطفى زفّ الفخار نجيبة ... ببيت علاء بالفخار يسردق ومن نسله فيكم تعول أماجد ... على نهج آباها المكارم تنسق لقد عقدوا النادي فكانوا نجومه ... وفي صدره شمس العشيرة تشرق وكم قام مابين السماطين مصقع ... بتلك التهاني منشداً يتأنّق فيهتزُّ عطفاها لمدح زعيمها ... ومبسمها عن بارق يتألّق فتىً كلّما ترنو ترى فيه غيرما ... رأيت من الفضل الذي ليس يسبق وما للعلى إلاّ محمّد صالحٌ ... لأكمام أزهار المعالي يفتق وإنّ على الزوراء كالشمس بيته ... بأشراقه غرب تساوي ومشرق فمن بأقاصي الخافقين يرى سنا ... ضياه كمن في جنب علياه ملصق ومن كان في مرمي سحيق يشمُّ من ... ثرى أرضه مسكاً سحيقاً وينشق فطينته من طينة المجد صلصلت ... ومن نور شهب الفخر حصباه تخلق وساحته مدّت به من سماحة ... سحاب نداها في البريّة مغدق زوبالشرف الوضّاح عَلَيّ سقفه ... فأضحت به ريح المكارم تخفق وفي منتهى العلياء إن صيّروا له ... أساساً لعمري السقف أين يحلّق إذا ما تجلّى ربّه يوم مفخر ... رأيت أجلاّء البريّة تصعق فيامن رأى منه الأنام عجائباً ... ببحر معانيها البصائر تغرق فضحت الذي جاراك إذ فتَّ طرفه ... فظنّ بمضمار العلى هو أسبق ولم يدر أمسى في الحضيض وأنت عن ... هواجس أوهام الأنام محلّق حنانيك فيك الوهم لا يتعلّق ... فإنّى لك الصيد الأماجد تسبق سموت وخلّفت النجوم بغيظها ... ورائك تبدوا تارةً ثمّ تخفق وبدر السما من شدّة الغيظ وجهه ... به كلفٌ لا ينجلي حين يشرق إذا الشهب لم تلحقك كيف بك الذي ... تقاعد في الأرض البسيطة يلحق فهذا وما شارفت ما تستحقّه ... وأنت بمن جاراك في السبق ترفق فلو تعطين منك النقيبة حقّها ... وكنت إلى حيث التسحقّق تجلّق لقمت مقاماً دون أدنى محلّة ... تقطّع أوهام الورى وتفرّق لعمري لانت الحوّل القلب الذي ... لما فتقت أيدي الحوادث ترتق إذا أعوصت عمياء أسدف نهجها ... ومن دونها باب الإصابة مغلق وضلّ بها رأي الحصيف وكلّما ... تثبّت فيها حازم الرأي يزلق كشفت بديهاً أمرها وكأنّما ... على غامضات الغيب صدرك مطبق فما أنت إلاّ آية جلَّ قدرها ... بأعجازها أعداء مجدك صدّقوا وهي طويلة ومن أرادها فليطلبها من كتابه المسمّى بمصباح الأدب الزاهر. الباب الثاني والعشرون في قافية الكاف وفيها فصل واحد في المديح قلت في مدحه: قامت تجني لي في دلّها ... قلت لها رفقاً بأسراك قالت نعتّ البدر في سعده ... قلت نعم وهو محيّاك قالت وصفت الدرّ في سمطه ... قلت بلى وهو ثناياك قالت نسيم الورد أطريته ... قلت أجل والورد خدّاك قلت فمن خصرك قلبي اشتكى ... ضعفاً فقالت كذب الشاكي قلت إذاً أدعوا له بالضنا ... قالت وزده ثقل أوراك قلت فمشغوف الحشا ماله ... منك سوى أن يتمنّاك عنآي أذيعي يا نموم الصبا ... مقالةً طابت كريّاك آليت لا أنسب خبثاً إلى ... عصر أتى بالحسن الزاكي أحنى بني الأيّام عطفاً على ... ضرّائك منهم وهلاّك ذو راحة حاكي الحيا جودها ... والفضل للمحكي لا الحاكي بخلت البحر فقال الورى ... ما أجمد البحر وأنداك تجني ادّعي له الجناية ولم تكن صدرت منه. وقد وقع في هذه المقطوعة المراجعة ومنهم من يسمّيها بالسؤال والجواب وهو ضربان: أحدهما: أن يكون بين اثنين كما جرى بين ابن الدمينة وبين محبوبته. حدّث ابن أبي السري عن هشام قال: هوى ابن الدّمينة امرأة من قومه يقال لها أميمة فهاج بها مدّة فلمّا وصلته تجنّى عليها وجعل ينقطع عنها ثمّ زارها ذات يوم فتعاتبا طويلاً ثمّ أقبلت عليه، فقالت والشعر لها: وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم

стр. 184

وأبرزتني للناس حتّى تركتني ... لهم غرضاً أُرمى وأنت سليم فلو أنّ قولاً يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم قال: فأجابها ابن الدمينة فقال: وأنت التي كلّفتني دلج السرى ... وجون القطا بالحلمتين جثوم وأنت التي قطّعت قلبي حرازة ... وقرّفت قرح القلب فهو كليم وأنت التي أحفظت قومي وكلّهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم قال: ثمّ تزوّجها بعد ذلك وقتل وهي عنده. وكتب ابن مطروح إلى زهير المصيري يطلب منه درج ورق ومداداً، فقال: أفلست يا سيّدي من الورق ... فابعث بدرج كعمرك اليقق وإن أتى بالمداد مقترناً ... فمرحباً بالخدود والحدق ومن ظرفه أنّه فتح الراء من الورق وكسرها وكتب عليها معاً فسير إليه مداداً ودرجاً وكتب: مولاي سيّرت ما أمرت به ... وهو يسير المداد والورق وعزّ عنديى تسيير ذاك وقد ... شبّهته بالخدود والحدق والثاني: إمّا أن تحكي محاورةً جرت بين اثنين كما قال حسين بن حجّاج في وصف فرسه وقد تقدّم يلزم أن نذكره هنا مرّة ثانية: قال له البرق وقالت له ... الريح جميعاً وهما ما هما ءأنت تجري معنا قال لا ... إن شئت أضحكتكما منكما هذا ارتداد الطرف قذفته ... إلى المدى سبقاً فمن أنتما وإمّا أن تحكي محاورة جرت بينك وبين آخر، وذلك كما قال الصاحب بن عبّاد: وقائلة لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتقل في الأُمم فقلت دعيني عَلَى غصّتي ... فإنّ الهموم بقدر الهمم وقال الآخر: وقائلة خلّ التصابي لأهله ... فإنّ الصبا عند المشيب جنون فقلت لها كفّي عن اللوم واقصري ... لذيذ الكرى عند الصباح يكون وقال الآخر: إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى ... تقولين لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت كربي دائم قلت إنّما ... يعدُّ محبّاً من يدوم له كرب وإن قلت مالي الذنب قلت مجية ... حياتك ذنب لا يقاس به ذنب وظريف قول بعضهم: قالت ألا لا تلجن دارنا ... إنّ أبانا رجل غائر قلت فإنّي طالب غرّةً ... منه وسيفي صارم باتر قالت فإنّ البحر من دوننا ... قلت فإنّي سابح ماهر قالت فإنّ القصر عالي البنا ... قلت فإنّي فوقه طائر قالت أليس الله من فوقنا ... قلت بلى وهو لنا غافر قالت لقد أعييتنا حيلة ... فأت إذا ما هجع السامر واسقط عينا كسقوط الندى ... ليلة لاناه ولا آمر وظريف قول الآخر: سألتها عن فؤادي أين مسكنها ... لأنّه ضاع منّي يوم مسراها قالت لديَّ قلوب جمّة جمعت ... فأيّها أنت تعني قلت أشقاها وحسن قول الباخرزي: قالت وقد فتّشت عنها كلّمن ... لاقيته من رائح أو غادي أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي ونادر قول الآخر: أقول له على م تميل عجباً ... على ضعفي وقدك مستقيم فقال تقول عنّي فيَّ ميلٌ ... فقلت له كذا نقل النسيم وبديع قول الآخر: عاتبت طيف التي أهوى فقلت له ... كيف اهتديت وجنح الليل مسدول فقال آنست ناراً من جوانحكم ... يضيء منها لدى السارين قنديل فقلت نار الهوى معنىً وليس لها ... نور يضيء فماذا القول مقبول فقال نسبتنا في القول واحدة ... أنا الخيال ونار الشوق تخييل وما أحلا قول الآخر: جارية أعجبني حسنها ... ومثلها في النّاس لم يخلق خبّرتها أنّي محبّ لها ... فأقبلت تضحك من منطقي والتفتت نحو فتاة لها ... كالرشأ الوسنان في قرطق قالت لها قولي لهذا الفتى ... أُنظر إلى وجهك ثمّ اعشق وقال الآخر: ولمّا توافقنا بمنعرج اللوى ... بكيت إلى أن كدت بالدمع أشرق فقالت أتبكي والتواصل بيننا ... فقلت ألسنا بعده نتفرّق وقال الآخر: قالت لطيف خيال زارها سحراً ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد فقال خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد قالت صدقت الوفا في الحبّ شيمته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي

стр. 185

وقال الآخر: قالوا أحب حبيباً ما تأمّله ... فكيف حلّ به للسقم تأثير فقلت قد يعمل المعنى بقوّته ... في ظاهر اللفظ رفعاً وهو مستور وما أبدع قول الآخر: قالوا عشقت وأنت أعمى ... ظبياً كحيل الطرف ألمى وحلاه ما عاينتها ... فظنون قد شغلتك وهما فأجبت أنّي موسوي ... العشق إنصاتاً وفهما أهوى بجارحه السماع ... ولا أرى ذات المسمّى الباب الثالث والعشرون في قافية اللام وفيها فصلان الفصل الأوّل في المديح قلت في مدحه: حيتك تنهمل انهمالا ... وطفاء مرخية العزالى يا دار لا سلبت أكفّ ... الدهر حسنك والجمالا وتنسّمت فيك الريا ... ح صباً ولا هبّت شمالا فلكم على هيفاء قد ... ضرب الغيور بك الحجالا من كلّ ناعمة الصبا ... تثني معاطفها دلالا يا سعد عدّ عن الهوى ... فلقد أطلت به المقالا أعط المدائح حقّها ... ودع الغزالة والغزالا خف الرجاء لمن نشأن ... أكفّهم سحباً ثقالا قومٌ على الزوراء أو ... جههم نجوم دجىً تلالا بمحمّد الحسن ارتقوا ... شرفاً على الجوزاء طالا داسوا النجوم بفخره ... وبحلمه وزنوا الجبالا هو أمجد الدنيا أباً ... هو أكرم الثقلين خالا العزلاء فم المزادة الأسفل والجمع العزالى بكسر اللام وإن شئت فتحت، مثل الصحارى والصحاري والعذارى والعذاري. قال الكميت: مرته الجنوب فلمّا اكفهر ... حلّت عزاليه الشمئل وتنسّمت، النسيم الريح الطيّبة، يقال: نسمت الريح نسيماً ونسماناً، ونسم الريح أوّلها حين تقبل بلين قبل أن تشتدّ، والنسم الإنسان، وتنسّم تنفّس. وقولي: وتنسّمت فيك الرياح مأخذو من هذا استعارة والمراد وتنفّست فيك الرياح. والصبا ريح ومهبها المستوي أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وتزعم العرب أنّ الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثمّ تسوقه فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا فردعت بعضه على بعض حتّى يصير كسفاً واحداً. والجنوب تلحقه روادفه به وتمدّه، والشمال تمزق السحاب. قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً: ويلي عليك إذا تهبّ الر ... يح باردة شمالا وقالت عمرة بنت عجلان ترثي أخاها عمرواً: كأنّهم لم يحسسوا به ... فيخلوا النساء له والحجالا ولم ينزلوا بمحال السنين ... به فيكونوا عليه عيالا وقد علم الضيف والمجتدون ... إذا اغبرّ أُفقٌ وهبت شمالا وخلت عن أولادها المرضعات ... ولم تر عين لمزن بلالا بأنّك كنت الربيع المغيث ... لمن يعتريك وكنت الثمالا الفصل الثاني في التهنية قال عمّنا المهدي من قصيدة في تهنئة الماجد محمّد الصالح بمولود ولد لابن أخيه: اليوم أظهرت السعود هلالها ... وارت كرام بني العلا إقبالها وكسا سناه طلعة الدنيا بهاً ... قد زادها حسناً وزاد جمالها وثنت له أعطافها وكأنّها ... أعطاف غانية تريك دلالها تاهت بمولده سروراً إذ رأت ... فيه مخائل ما رأت أمثالها لو لم يكن طفلاً لحقّق ظنّها ... فيه وصدق في علاه فآلها فلتهن فيه قبيلة المجد التي ... حسدت مصابيح السما إقبالها من معشر أولى الزمان كرامهم ... كانوا قبيل المكرمات وآلها حرصت على حفظ النوال وضيّعت ... مابين طلاّب الندى أموالها من ذا يساجل جودها وأكفّها ... لم تحك هامية السحاب سجالها هذا محمّدها الذي هو آية ... في الجود لم ترى في الورى أمثالها قد فجّرت يده ينابيع الندى ... لعفاته وسقتهم سلسالها وقال أيضاً من قصيدة في تهنئته بزواج ابن أخيه أيضاً وأوّلها: من ثغرها سقتك ميُّ سلسلا ... فبت من خمر لماها ثملا فدبّ في الأعضاء منك مثلما ... تدبّ في الأعضاء صهباء الطلا قد شابه المدام لكن وجه من ... يرشفه من فرح تهلّلا ومحتسي كأس المدام وجهه ... مقطّب وإن عليه تجتلى فارشف هنيئاً لعساً فهو الذي ... في هذه الدنيا يسمّى العسلا

стр. 186

ووجهها الشمس فما برقعها ... يحجبه إذا عليه انسدلا إلى أن يقول: نعمت بالأنعم في وصالها ... بروضة فيها السرور اكتملا كما بعرس كاظم على الورى ... وجه الزمان بالمسرّات انجلى وطائر السعد بسجعه على ... بيوت آل المكرمات هلهلا والشرف الوضّاح ناري جذلا ... مبشّراً بالكرخ أبناء العلى زفّت إلى علاكم كريمة ... من بيت مجد بالعلى تأثّلا تنمى لأعلا الماجدين من غدت ... عزّته للخائفين معقلا جاء كريماً في زمان أهله ... جليلهم يرضع فيه البخلا في فترة من الندى كأنّما ... جاء به إلى الأنام مرسلا حيث على الفلس يرى منها الفتى ... بهدب جفنيه يخيط المقلا لا بل من الحرص يودُّ بدل ... المخّ عليه الرأس كان مقفلا فقام فيهم شارعا لجوده ... شرائعاً للنّاس أضحت منهلا ونطقت آيات جدوى كفّه ... بمعجز النوال مابين الملا له مزايا ليس تحصى غير أن ... كلٌّ غدا بين الأنام مثلا يا صفوة المجد الأثيل هاكموا ... عقد نظام فيكم تفصّلا قد نظمته بنت فكر لبست ... من وشيها للتهنيات حللا ويمّمت ربعكم فغودت ... عليكم في الأنديات تجتلى الباب الرابع والعشرون في قافية الميم وفيها أربع فصول الفصل الأوّل في المديح قلت في مدحه: قل لامّ العلى ولدت كريماً ... رقَّ خلقاً وراق خلقاً وسيما بدر مجد مدحته فكأنّي ... من مساعيه قدنظمت نجوما ملك تلمح النواظر منه ... ملكا في سما المعالي كريما مجده في ارتفاعه ثامن الأف ... لاك من فوقها أطلَّ قديما وإذا ما رأيت دار أبي الهادي ... ومعروفها رأيت نعيما إن رحلت ارتحل لربع نداه ... وأقم فيه إن ترد أن تقيما فهو الجنّة التي استعذب النا ... س جميعاً رحيقها المختوما سبر الدهر بالتجارب حتّى ... بالنهى والفخار صار زعيما واستهلّت كلتا يديه إلى أن ... لم يدع في بني الزمان عديما فبه ينزل الرجا وإليه ... كلّ ركب سرى ينصُّ الرسيما هو من أيكة على أوّل الدهر ... زكت في ثرى المعالي أروما أثمرت سؤدداً وفخراً وعزّاً ... ونمتها غطارفاً وقروما وقد اشتمل قولي: وإذا ما رأيت ثمّ مغانيه ... ومعروفها رأيت نعيما على الإقتباس وهو على رأي بعضهم لا يكون إلاّ من الكتاب، وعلى رأي الآخرين أنّه لا يكون إلاّ من القرآن أو من الحديث. قال من لا يرى الإقتباس إلاّ من القرآن هو أن يضمن المتكلّم كلامه كلمة أو آية من الكتاب العزيز خاصّة، وهو على ثلاثة أقسام: محمود مقبول، ومباح مبذول، ومردود مرذول؛ فالأوّل ما كان في الخطب والعهود في مدح النبي ﵌، والثاني: ما كان في الغزل والصفات والرسائل ونحوها، والثاث على ضربين: أحدهما تضمين ما نسبه الله عزّوجلّ إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان أنّه وقّع على مطالبة فيها شكاية من عمّاله: (إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) والآخر تضمين آية كريمة في معرض هزل وسخف، كقول بعضهم: قالت وقد أعرضت عن غشيانها ... يا جاهلاً في حمقه يتباها إن كان لا يرضيك قبلي قبلةً ... لأولينّك قبلةً ترضاها والأحسن في الإقتباس من القرآن نقله عن معناه كما قال ابن الرومي: لئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع فقوله: بواد غير ذي زرع معناه في القرآن واد لا ماء فيه، ونقله إلى جناب لا خير فيه ولا نفع. ومثله قول الخبّاز البلدي: ألا إنّ إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصّر في اللسع ظننت بهم خيراً فلمّا بلوتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع وقال آخر في هجاء بعضهم: جميع ما يفعله كلفة ... إلاّ أذاه فهو بالطبع من حلَّ منّا بفناء له ... حلّ بواد غير ذي زرع وقال الأخوص في الإقتباس: إذا رمت عنها سلوةً قال شافع ... من الحب ميعاد السلوّ المقابر

стр. 187

ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودٍّ يوم تبلى السرائر وقال الأبيوردي في هجاء بعضهم: وقصائد مثل الرياض أضعتها ... في باخل ضاعت به الأحساب فإذا تناشدها الرواة وأبصروا ... الممدوح قالوا ساحرٌ كذّاب وقال القاضي المنصور الهروي: ومنثقب بالورد قبّلت خدّه ... وما لفؤآدي من هواه خلاص فأعرض عنّي مغضباً قلت لا تجر ... وقبّل فمي إنّ الجروح قصاص وقول أبي منصور عبد الله بن سعيد: حلّة الغانيات حلّة سوء ... فاتّقوا الله يا أولى الألباب وإذا ما سئلتموهنّ شيئاً ... فاسئلوهنّ من وراء حجاب وروي ما هذا مضمونه أنّ بعض الشعراء كان ينشد بعض الأُمراء وبينهما الحجاب، فلمّا بلغ قوله: أُنظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين أمر برفع الحجاب حتّى أتمّ إنشاده ثمّ أجازه. والغاية في القبح قول بعضهم: أقبل والعشّاق من خلفه ... كأنّهم من حدب ينسلون تقول عيناه لعشّاقه ... هيهات هيهات لما توعدون وردفه يقرؤ من خلفه ... لمثل ذا فليعمل العاملون وقال بعضهم في الإقتباس من الحديث: قال لي إنّ رقيبي ... سيّىء الخلق فداره قلت دعني وجهك الجنّة ... حفّت بالمكاره ولعمّنا المهدي هذه القصيدة في مدح ديمة المنايح الماجد محمّد الصالح وذلك أنّا حللنا في ربعه فأنشدت وكان ابتداؤها موافقاً للحال التي ذكرها: قد حملتك النجائب الرسم ... لمن على الكرخ بيتهم علم قد كنت تهوى لقاء من سكنوا ... فيه ويهوون ملتقاك هم فقر عيناً فيه برؤيتهم ... ففيك قرّت فيه عيونهم وانظر إلى ما سمعت عنه تجد ... ما يقصرون دون وصفه الكلم بيت جميع الدنيا بساحته ... وتحت أبراد ربّه الأُمم من احترام الورى لساحته ... تخال في الكرخ أودع الحرم على التقى أُسّست قواعده ... وكلّ أيّام دهره حُرم كأنّ على الأرض ساحة قمر ... بها على الخلق تكشف الظلم تحسبها المدلجون إن سطعت ... نار قراها في الليل تضطرم فيه أُناس تخال أنّهم ... الأملاك من كلّ مأثم عصموا شعارها الصمت وهي إن نطقت ... تفجّرت من كلامها الحكم تبيت تبكي من خشية الواحد الفر ... د وتضحي للوفد تبتسم تحنوا على الأبعدين مشفقة ... حنّو من فيه أطت الرحم في الله تمسي خمص الحشا وعلى ... بذل قراها الأنام تزدحم يسأم أرفادها الوفود ولا ... في بذله يعتريهم سأم للشرف الباذخ الرفيع سمت ... من قبل أن يفطموا بها الهمم لو قيل للمجد من هم سمكوا ... وانبعثت من أكفّها الديم تعتمُّ حين الرضاع سؤددها ... وترتدي الفخر حين تنفطم أوّل ما ينطقن رضيعهم ... حيّ على الجود أيّها الأُمم أو قد أطاق القيام تسرع لل ... علياء فيه بخطوها القدم أو سابقته لها الكرام ولو ... مشى الهوينا بفوت طرفهم أماجد زيّنت سماء على ال ... مجد بشهب منها كهولهم عقد طلاها هم وواسطة ... العقد على نحرها زعيمهم تشمُّ من عطفه عبير شذا ... فخار آبائهم ومجدهم قوم على الأرض غيث نائلهم ... قبل نزول السحاب منسجم صفوة بيت العلى وطينته ... قد عركتها قدماً أكفّهم من قبل أن تنصب الجبال على ... الأرض عماد العلياء قد دعموا دلّ على طيب أصله شرف ... تورّثته منهم فروعهم فمن آرها قدماً وينظر ابنا ... ها فما يفرقنّ بينهم غرُّ مساعيهم العظام وما ... منها اصطفتها النفوس والشيم بين ذراريهم إن اقتسمت ... فقد حواها طرّاً زعيمهم منطهيقاً في الخصام حيث فلم ... المنطيق منه اللسان ينعجم إن هدرت منه فيه شقشقة ... فألسن الإختصام تنحسم لا يرجع اللفظ في مقالته ... كي يتأتّى برجعه الكلم وإنّما اللفظ في تتابعه ... سيل ولكن سيله عرم تصفرُّ من قرعه المسامع من ... مخاصميه رعباً وجوههم كأنّ من لونها لصفرته ... لم يك فيهنّ قبل ذاك دم

стр. 188

لقد تحاماه أن يناضله ... من هو في العلم عيلم علم فالفصحا لم تطق تجادله ... أنّى ومنه مهابة وجموا تخال من صمتهم وجوههم ... لم يتصوّر في خلقهنّ فم ذب عن الدين في سنان فم ... كم فيه عنه تكشّفت غمم وثلَّ فيه عرش الضلال وقد ... هدم منه ماليس ينهدم بني المعالي إليكم مدحاً ... يسمعها من بإذنه صمم تلبس عرض الكريم سابغة ... في الطعن منها الرماح تنحطم كأنّها سرمد الزمان على ... أفواه حسّاد مجدكم لجم وإن غدوتم وما لشانئكم ... بين بني الدهر مهمز بكم سيّارة تقطع البسيطة لا ... غور عداها منكم ولا أكم وفي قلوب الورى لآخرهم ... جيلاً فجيلاً بالحفظ ترتسم قد غودرت عندكم كفاتحة ال ... كتاب لم تنسها قلوبهم الفصل الثاني في التهنية نظمت في تهنية الماجد محمّد الصالح بقدوم ولديه محمّد الرضا وأخيه المصطفى من الحج هذه الموشّحة البديعة: اجتل الكاس فذي كفّ الصبا ... حدرت عن مبسم الصبح اللثاما واصطبحها من يدي عضّ الصبا ... أغيد يجلو محيّاه الظلاما بنت كرم زوّجت بابن السحب ... فتحلّت في لئالي من حبب مذ جلاه الشرب في نادي الطرب ... ضحكت في الكاس حتّى قطبا كلّمن كان لها بيدي ابتساما ... وانثنى الزامر يشدو مطربا غرقوا بالراح كسرى يا ندامى هي نار في إناء من برد ... عجباً ذابت به وهو جمد أبداً تحرق نمرود الكمد ... وإذا منها الخليل اقتربا غودرت برداً عليه وسلاما ... فاحتسى أعذب من ماء الزبى خمرةً أطيب من نشر الخزامى أشبهت صافية في الأكؤس ... دمعة الهجر بخدّي العس إن أديرت مثّلت للمحتسي ... وجنة الساقي بها فاستلبا عقله حتّى تراه مستهاما ... ليس بدري وجنة قد شربا أم سلاف عتقت عاماً فعالا تنشي الخفة في روح النسم ... وتروض الصعب منهم للكرم لو حساها وهو في اللؤم علم ... مادرٌ منه إذاً لانقلبا ذلك اللؤم سماحاً مستداما ... ودعا خذ مع عقلي النشيا آخر الدهر ودعني والمداما كم على ذات الفضا من مجلس ... قد كساء الروض أبهى ملبس فيه بتنا تحت برد الحندس ... نتعاطى من كؤس شهبا تطرد الهمّ وإن كان لزاما ... إذ به نامت عيون الرقبا ليتها تبقى إلى الحشر نياما ونديمي من بني الترك أغن ... شهدة النحل بفيه تختزن هبّ يثني عطفه سكر الوسن ... بمدام خلت منها خضبا أنملا أبدى بها الحسن وشاما ... وكأنّ خداه منها أشربا حمرة إذ زفّها جاماً فجاما رشأ جسد صافي جسمه ... من شعاع الخمر لا من جرمه خفيت صهباؤه من كتمه ... لسناها مذ عليه غلبا نور خدّيه فما تدري الندامى ... أسنا خدّيه أبدى لهبا أم سنا الكأس لهم أبدى ضراما إن يقل لليل عسعس شعره ... قال للصبح تنفّس ثغره أو من الردف تشكى خصره ... قال يا زادك من زان الظبا بالحصور الهيف ضعفا وانهضاما ... ولكاسيك الوشاح المذهبا زاد جفنيه فتوراً وسقاما يا أليفي صبوتي بشراكما ... جاء ما قرّت به عيناكما ذا جديد الأنس قد حيّاكما ... وخلاصاً لكما قد جلبا ناقلا عن صفة الراح الكلاما ... فاجعلاه للتهاني سببا فعل من يرعي لذي الود الذماما خلّيا ذكر أحاديث الغضا ... واطويا من عهد حزوى ما مضى وانشرا فرحة إقبال "الرضا" ... وأخيه "المصطفى" ابن المجتبى إنّ إقبالهما سرّ الأناما ... وكذا الدنيا استهلّت طربا إذ معاً آبا وقد نالا المراما بوركا في الكرخ من بدري على ... شعّ أوج المجد لمّا أقبلا ومحيّا الفخر بالبشر انجلى ... وغدا زهواً ينادي مرحبا بمنيري أبرج المجد القدامى ... بكما قرّت عيون النجبا آل بيت المصطفى السامي دعاما رجع السعد إلى مطلعه ... وألبها رد إلى موضعه والندى عاد إلى منبعه ... بسراجي شرف قد أذهبا

стр. 189

بالسنا عن أُفق الكرخ الظلاما ... وخضمي كرم قد عذبا مورداً يروي من الضامي الأواما هل بنات السير في تلك الفلا ... علمت غاربها ما حملا وبماذا من وقار وعلى ... رحلت بالأمس تطوي السبسبا جدداً تهبط أو تعلوا أكاما ... وأريحت بالمصلّى لغبا قد برت أقتابها منها السناما كم لأيدي العيس يا سعد يد ... أبداً مشكورة لا تجحد فعليها ليس ينأى بلد ... وبها وخداً سرت أو خببا يدرك الساري أمانيه الجساما ... ويرى أوطأ شيء مركبا ظهرها من طلب العزّ وراما أطلعت في الكرخ من حجب السرى ... قمري سعد بها قد أزهرا وغراماً بهما أُمّ القرى ... لو أطاقت لهما إن تصحبا حين آبا لأتت تسعى غراما ... وأقامت لا ترى منقلبا عن حمى الزوراء ما دامت وداما أوبةٌ جائت ينيل المنح ... ذهبت فرحتها بالترح فبهذا العام أُمّ الفرح ... ولدتها فاجدّت طربا بعدما حالت بها من قبلُ عاما ... ولها الإقبال قد كان أبا سعده أخدمه اليمن غلاما فاهن والبشرى أبا المهدي لك ... تلك علياك لبدريك فلك قد بدا كلٌّ بها يجلو الحللك ... فترى الأقطار شرقاً مغربا لم يدع ضوئهما فيه ظلاما ... والورى أبعدها والأقربا بهما تقتسم الزهو اقتساما ملّت القلب سروراً مثلما ... قد ملئت الكفّ منها كرما واحتبت زهوا تهنّيك بما ... خصّك الرحمن من هذا الحبا حيث لا زلت لها تعرى الذماما ... جالياً إن وجه عام قطبا للورى وجهاً به تسقي الغماما ففداء لك يا أندى يدا ... من بني الدهر وأزكى محتدا معشر ما خلقوا إلاّ فدا ... لبسوا الفخر معاراً فنبا عن أُناس تلبس الفخر حراما ... كلّما فيهم علا الحظُّ أبى قدرهم من ضعة إلاّ الرغاما تشتكي من مسّ أبدانهم ... حللٌ ترفع من شانهم وإذا صرَّ بإيمانهم ... قلمٌ فهو ينادي عجبا صرت في أنملة اللؤم مضاما ... من بها قرّ مقيما عذبا إنّها سائت مقرّاً ومقاما هب لهم درهمهم أصبح أب ... فسما فيهم إلى تلك الرتب أكرام هم لدى نصّ النسب ... إن يعدّوا نسباً مقتضبا لا عريقاً في المعالي أو قدامى ... عدموا الجود معاً والحسبا فبماذا يتسمون كراما عبدوا فلسهم دهرهم ... وعليه قصروا شكرهم فاطرح بين الورى ذكرهم ... وأعد ذكر كرام نجبا قصّروا الوفر على الجود دواما ... وبنوا للضيف قدماً قببا رفعت منها يد الفخر الدعاما معشر بيت علاهم عامر ... بهم للضيف زاه زاهر فيه ما أمُّ الأماني عاقر ... تلد النجح فتكفي الطلبا وأبو الآمال لا يشكو العقاما ... وعلى أبوابه مثل الدبا نعم الوفد لها تلقي ازدحاما صفوة المعروف قرّوا أعينا ... واهنأوا بالصفو من هذا الهنا لكم السعد جلا وجه المنى ... بيد اليمن ومنه قربا لكم الإقبال ما ينأى مراما ... فالبسوا أبراد زهو قشبا عنكم لا نزعت ما الدهر داما وإليكم غادة وشحتها ... وبريا ذكركم عطّرتها وإلى عليائكم أزففتها ... فلها جاء افتتاحا طيّبا نشر راح الأُنس منكم لا الخزامى ... ولها تشهد أنفاس الصبا من ثناكم مسكه كان ختاما وقلت مهنّياً للفاضل الصالح حين قدم من الحج أخوه عبد الكريم وولده محمّد الأمين، وكانت قد هبت على الحاج تلك السنة في الموقف ريح شديدة أهلت الأكثر منهم وقد أشرقت إلى ذلك أثناء القصيدة، وهي هذه: فقت يا أيّتها الدار نجوما ... في السنا فخراًوفي الجود الغيوما ونعم أنت بآل المصطفى ... معدن الفخر حديثاً وقديما لم تلد أُمُّ المعالي منهم ... فيك إلاّ واضح الوجه كريما معشر طابوا فروعاً في العلى ... وزكوا في طينة العزّ أروما وكفاهم بأبي المهدي فخراً ... حيث أضحى لهم اليوم زعيما المحيّا عند بذل الجود وجهاً ... صاحياً والمرتجى كفّاً مغيما

стр. 190

تخجل المزن إذا ساجلها ... بيد أرطب منهنّ أديما وتموت الشهب إن قابلها ... بمحيّاً يكشف الليل الهبيما ليم في الجود ولا جود لمن لا ... يغتدي بين الورى فيه ملوما وكريم الطبع من لم يتغيّر ... طبعه في عذل من أضحى لئيما ليس يثني الغيم عذل فمتى ... ينثني من علم الجود الغيوما همم لو عن مدىً زاحمها ... منكب الدهر لردّته حطيما عاد مرعي الفضل مخضرّاً به ... وهو لولا جوده كان هشيما تحمد النّاس فإن جئنا به ... لم نجد أحمدهم إلاّ ذميما من أُناس ركبوا ظهر العلى ... وجروا في حلبة الفخر قديما ذهبوا بيض المجالي طيّبي ... عقد الأزر مصاعيباً قروما وتبقوا من بينهم لعلالهم ... زينةً في نحرها عقد نظيما كرماء لا تباري كرماً ... حلماء تزن الشمّ حلوما كم دعتهم للقوافي ألسن ... تركت قلب أعاديهم كليما يا نجوماً في سما المجد زهت ... ويسرُّ المجد قولي يا نجوما للعلى أنتم مصابيح كما ... لشياطين العدى كنتم رجوما قد أقرّ الله منكم أعيناً ... كم لحظتم بالغنا فيها عديما وحباكم فرحةً تشملكم ... والمحبّين خصوصاً وعموما ذهب الروع الذي غمَّ وقد ... جائت البشرى التي تنفي الغموما بالفتى عبد الكريم المجتبى ... وأمين الفضل من طاب أروما قد لعمري سنن الحج لها ... ما رأت مثلهما أمس مقيما خيف يدنو منهما الكرب الذي ... لذوي الأحلام ما أبقى حلوما قلت كلاّ لا أراه أبداً ... منهما يدنو وإن كان عظيما فهما من أُسرة في برّهم ... يدرؤ الخطب وإن كان جسيما آل بيت المصطفى حيتكم ... غادة تجلو لكم وجهاً وسيما أقبلت زهواً تهنّيكم بما ... زاد من يحسد علياكم وجوما فبقيتم في سرور دائم ... ولكم لا برح السعد نديما وقال عمّنا المهدي في تهنية الحاج محمّد صالح كبّه وقد عوفي من مرض كان قد عراه: لصحّة جسمك صحَّ الكرم ... وعنك سرى لعداك السقم وثغر المعالي غداة انتعشت ... لفرحتها في شفاك ابتسم ووجه الزمان غدا مشرقاً ... وعنه تجلّت غواشي الظلم وأيّامه عدن للنّاس بيضا ... بمن زانها بجسام النعم همام ملي الدهر فخراً علىً ... عطاءً كصوب الحيا المنسجم به فتح المجد باب الندى ... بعصر به سدَّ باب الكرم كريم أعاد لهذا الزمان ... شبيبته بعد ما قد هرم به فرح الدهر إذ لم يجد ... نظيراً له في كرام الأُمم إذا رمت مدح أبي المصطفى ... لأحصي ما فيه يفنى الكلم وتبقى معان من اللفظ قد ... خلت وعلى الطرس لم ترتسم أما من بيان لهذي المعاني ... فعنها لساني عجزاً إرم وهل حيلة حيث لا حيلة ... لحصر معاني كريم الشيم فتىً كلّ أعماله حسبما ... به أمر الله باري النسم له الله من ناسك في تقاه ... من كلّ مأثمة قد عصم ويأخذه فزع التائبين ... ولم يك مثلهم قد أثم فيحسبه من يراه سقيما ... وما فيه سقم ولا من ألم وإنَّ معائب أفعاله ... محاسن أفعال أهل الشيم وما مرَّ يوم من الدهر إلاّ ... بأعماله الصالحات انتظم فذا نجم خلّص أهل التقى ... بعصر خلا منهم قد نجم وجاء بآخر هذا الزمان ... بمالم يجيئوا به في القدم ومن بعد نسّاكه الصالحين ... صدع الهداية فيه التئم طليق المحيّا إذا وفده ... على باب بيت علاه ازدحم فيلقاه مستبشراً ضاحكاً ... وتغمره كفّه بالنعم فما هو إلاّ حياً للندى ... بتسكابه فاضح للديم وبدر علىً يتجلّى به ... ظلام الخطوب إذا ماادلهَم سما لعلىً دون إدراكها ... قد انقطعت عاليات الهمم وقام بأعباء مجد سواه ... من الماجدين بها لم يقم الفصل الثالث في الرثاء

стр. 191

لمّا توفّي الماجد الصالح محمّد نظمت هذه القصيدة معزّياً بأبيها ولديه المصطفى والحسن وكانت قد ألمت أسباب قد اقتضت تأخّرها شهراً كاملاً فكتبت أمام القصيدة هذه المقدّمة الفريدة كالإعتذار عن التأخير وقرأتا معاً في محفل الرثاء، وهاهي المقدّمة: وقفت على الزوراء وهي يتيمة ... تحنُّ لمن أبقى المعالي ثواكلا فتنعاه طوراً للفواضل والنهى ... وطوراً له تنعى النهى والفواضلا قد شقّت بيد المصاب جيبها وردائها، حين أخذت رجفة الحزن أحشائها، وجزت بمدية الجزع ناصيتها ولمتيها، وبادرت حثو التراب على رأسها بكلتا يديها، وغسل الدمع من عينها سوادها، فصبغت فيه أبرادها، وبرزت في محفل النياحة، معولة يا عظيم المناحة، موحشة العيوس والتقطيب، معلنةً بالبكاء والنحيب، ما ترائت للعيون ماثله، إلاّ وأنشأت قائلة: بكائي بعيني لم يكفيني ... لمن قطع الدهر فيه وتيني فليت توزع دمعي الأنام ... لأبكي عليه بكلّ العيون وهي في نعاء قلق الدهر من ضجّته، وبكاء غرق الصبر في لجّته، فحين رأيت خطبها عظيما، وشاهدت كربها جسيما، مسكت بكفّي رواجف صدري، وطفقت أسألها على سبيل تجاهل العارف كأنّني لست أدري: فقلت على من رنّة النوح والبكا ... فقالت عَلَى من لا نرى الدهر مثله أليس أبي ذاك الذي تعهدونه ... طوت نوب الأيّام عنّي ظلله فقلت وعندي من فؤادي بقيّة ... خذي بأيد الآخران قلبي كله فما ينطبع في مرآة فكري، ولا يرتسم في لوح صدري، أن يروع قلبي ما بقيت صوت ناعيه، بعد أن ملأت سمعي رنّة هذه الواعة، التي ضرب فيها بازل الحزن بجرانه على صدر رباحة الكرم، وانقصمت من إلقاء كلكله عليها فقارة ظهر الشرف الأقدم، ورباع السؤدد أضحت فيها ثميلة الدمع محلولة الوكاء، بعد ما كانت مطلولة الربع بمخيلة السخاء، وعاد رواق المجد محفلاً للنوح والرثاء، بعد ما كان محلاًّ للمدح والثناء. عادت مراث تهنيات العلى ... ينصدع القلب بإنشادها قد رحل اليوم سرور الورى ... فلتلتمسه يوم ميعادها قد دفنت تحت الثرى عيدها ... وأبقت النحر لأكبادها فلا ازدهاها يوم نيروزها ... ولا أتى الفطر بأسعادها وبمن تسر، أو تسعد مابقي الدهر، والذي كانت عيالاً عليه، وعين رجائها ممدودة إليه، قد أدرج والتقى في طاهر برده، ووسّد والصلاح في لحده، ولقد هممت أن أعقل لسان هذه الثاكلة، وأواري شخص هذه النائحة الماثلة، لتأخّر زمانها، وعدم مبادرتها كأمثالها من أترابها وأخدانها، ولقولهم "إذا قدمت المرزية سمجت التعزية" فقالت: لا واد معك الغزار، لا يقر لي قرار، دون أن أنوح عليه بما يكون كالمثل السائر، في نعوت فلك مصابه الدائر، أبتلك المراثي يناح دوني عليه، فتكون كفاءً لعظيم مصابه، وإن تقدّمتني إليه، فإليك عنّي إنّ الكلم رحيب، وما المصاب كمن يؤمّل أن يصيب، وربّ نائحة وسواها المستعبرة، "وليست الثكلى كالمستأجرة"، على أنّ كلّ يوم يمرّ من بعده، ولا يرى فيه فهو يوم فقده، وأمّا وأخلاقه الزاهرة، وتربة مرقده الطاهرة، التي لا يزال فيها نسيم الرحمة والرضوان، يهب أطيب مهب، فيحلب فيها سحائب الغفران، وإن لم يكن هناك ذنب لأن تركت لي عناني، وأطلقت في ميدان القول لساني، لأنوحنّ عليه نياحة ترجف منها الأرض بأوتادها، وتمزق عليها الدنيا أحشائها قبل أبرادها، ولأدعنَّ ساعة قيامي بها تشبه قيام الساعة، حتّى يحطم الدهر صدره وأضلاعه، وتقول للخنساء أين أنت منها، ويا بنة الأرا خلفك عنها، فخلعت عنها عذارها، وتركت لها مضمارها، وأوسعت لها من مجالها، فافتتحت في عتاب الدهر براعة استهلالها: يا دهر ما شئت فاصنع هان ما عظما ... هذا الذي للرزايا لم يدع ألما رزءٌ تلاقت رزايا الدهر فاجتمعت ... فيه فهوَّن ما يأتي وما قدما ما بال أُمّ الليالي فيه قد حملت ... فليتها وأبا أيّامها عقما لقد تحكّم في الدنيا فنال بها ... من النواظر والأحشاء ما احتكما عجّت ولا كعجيج الموقرات به ... وهل تلام وهذا ظهرها انقصما مضى الذي طبّقتها كفّه نعماً ... فطبّقتها الليالي بعده نقما الآن غودرت الآمال حائمة ... وأين في الدهر منها من ببلُّ فما

стр. 192

وقبّة المجد قد مالت ولا عجب ... فإنَّ أثبت أركان العلى انهدما فلينتظم مأتماً عمر الزمان لمن ... بالصالحات جميعاً عمره انتظما ولتحتلب عينها الدنيا لمن يده ... كانت حلوبة جود تقتل الأزما وكيف تسئم من دمع تتابعه ... ومن متابعة النعماء ما سئما في الكفّ ما زرعت حسن الرجاء له ... إلاّ وأمطرها من كفّه كرما يا آخذاً كلّ قلبي في ملامته ... دع الملام وشاطرني الدموع دما واقرع بلومك سمع الدهر حيث أتى ... برنّة تركته يشتكي الصمما طويت من يستظلّ المعدمون به ... فليت يا دهر قسراً ظلّك انهدما هل يعلم الزمن الغدّار لا علما ... ماذا به هجم المقدار لا هجما فأيُّ رزء يايّ الناس يكبر في ... صدر الأنام سوى هذا الذي دهما أفي ذوي الحلم فالثاوي زعيمهم ... أم في بني فالعلم الثاوي أبوالعلما أم في الأنام جميعاً فالذي افتقدوا ... هو الذي جمعت أبراده الأُمما بل كلّ ميّت له ثلم بحوزته ... لكنَّ في موته الإسلام قد ثلما قام النعيُّ على دار السلام له ... فقلت بعدك ليت الكون لا سلما مازال بشرك بالعافين ملتمعاً ... حتّى تحوَّل في أحشائهم ضرما وإن بكتك فلا منٌّ عليك لها ... بمآء جودك جاري جفنه انسجما هذي الدموع بقايا ماء عيشهم ... من فضل ما كنت توليهم عليك همى إن لم تفظ بك عن وجد نفوسهم ... فسوف بعدك عن قرب تغيض ظما يا راحلاً ولسان الحال ينشده ... وللمقال لسان بالأسى انعجما واهاً أباالمصطفى ماذا يقول فمي ... وما البلى منك أبقى للجواب فما الموت حتم وإن كان المنى لك أن ... تبقى ولو جاوزت أيّامك الهرما وددت يومك لم يجر القضاء به ... لو كان للوح أن يستوقف القلما حتّى تفرّج غمّاء الجدوب كما ... فرّجت من قبلها أمثالها غمما ماذا يراد بأهل الأرض فابتدرت ... دهياء يوشك أن تستأصل النسما أشاءَ ربّك إرسال العذاب بها ... لما جنوها ذنوباً تهتك العصما فغيض الماء من أنهارها وطوى ... بالموت شخصك عنها والحيا انعدما مشت بنعشك أهل الأرض تحمله ... فخفَّ حتّى كأن لم يحملوا علما وما دروا رفعته من كرامته ... أهل السماء على أكتافها عظما لم يرفعوا قدماً إلاّ وقد وضعت ... من قبلهم غرُّ أملاك السما قدما كأنَّ نعشك محمول به ملك ... وخلفه العالم الأعلى قد ازدحما ساروا به وسماء الدمع ترسلها ... لك النواظر مدراراً ولا سئما وعبَّ حين التقى ماء العيون على ... أمر نزا منه قلب الدهر واضطرما فكنت نوحاً وكان الفلك نعشك وال ... طوفان فائر دمع أغرق الأُمما إن يحملوك على علم فما حملوا ... إلاّ الركانة والأخطار والهمما أو يدفنوك على علم فما دفنوا ... إلاّ المحاسن والأخلاق والشيما أو ينفضوا الكفّ من ترب به دفنوا ... ميتاً فتربك بالأفواه قد لثما كأنّ قبرك فوق الأرض نجم سما ... أو أنّه في ثراه حلَّ نجم سما يا نازلاً حين لا صوتي يلمُّ به ... عليك أُمّ المعالي جزت اللمما وقفت بعدك في الزوراء أنشدها ... أين الذي كان للاجين معتصما وأين من يزهر النادي بطلعته ... للزائرين ويجلو عنهم الغمما ومن بنى لقرى الأضياف دار علىً ... عمادها الفخر فيه طاولت إرما ومن تردُّ جميع المشكلات له ... إذا القضيّة أعيى فصلها الحكما وأين للشتوة الغبراء من كرماً ... ما قطّب العام إلاّ ثغره ابتسما وأين من كان للعافين يلحفها ... جناح رحمته ما دهرها أزما لا فرق مابين أقصاها إذاص نسباً ... عنه ومابين أدناها له رحما وأين من ليتامى الناس كان أباً ... في برّه قد تساوت كلّها قسما في فقد آبائها لليتم ما عرفت ... لكنّها عرفت في فقدك اليتما أحببت في الله كتمان الصنيع ولا ... يزداد إلاّ ظهوراً كلّما كتما من كان يحلف إن لم يعتلق أبداً ... إثمٌ بردك لم يحنث ولا أثما

стр. 193

إلاّ وقتك حشا العافين صائنة ... ولا وقاء إذا رامي القضاء رمى وهل توفيك شكر المنعمين وقد ... طوقت حيّاً وميتاً جيدها نعما بالأمس وجهك تستسقى الغمام به ... واليوم قبرك تستسقى به الديما يا غائباً ما جرت في القلب ذكرته ... إلاّ ترقرق دمع العين وانسجما لا غرو إن يعقد الإسلام حوزته ... جميعها مأتماً يوري الحشا ضرما فالثاكل الدين والمثكول شخصك وال ... ناعي الهدى والمعزّى خاتم العلما محمّد حسنٌ نظم الثناء له ... فقلَّ في سلك تقواه من انتظما سقت ضريحك من جدواك واكفة ... وطفاء ترضع داراً ما الحيا فطما أُعيذ قلبك أن يهفو به حذر ... على المكارم أو يغدو لها وجما طب في ثرى الأرض نفساً لا النديُّ خلا ... من الوفود ولا عهد الندى انصرما وأنت يا حرم المجد المنيف علىً ... لا راعك الدهر واسلم للعلى حرما إن يوحشنّك ما من بدرك انكتما ... فليؤنسنّك من نجميه ما نجما لولا ابنه المصطفى للجود قلت شكت ... من بعد إنسانها عين الرجاء عمى ندب به فتح المعروف ثانيةً ... من بعد ما بابيه أوّلاً ختما من يلقه قال هذا في شمائله ... محمّد صالحٌ إن يغتدي علما حلو الخلائق في جيل لهم خلق ... لو مازج الكوثر الخلديّ ما طعما المشتري الحمد والأشراف أكسبها ... لجوهر الحمد أغلاها به قيما لو قال قوم نرى في الجود مشبهه ... لقلت هاتوا وعدّوا العرب والعجما أستغفر الله إن شبّهت أنمله ... بالقطر منسجماً والبحر ملتطما نعم حكاه أخوه من به ظهرت ... مخائل من أبيه تفضح الديما محمّد وكفى أنّ الزمان لنا ... عن منظر حسن منه قد ابتسما إذا بدا سمت الألحاظ ترمقه ... تخاله بهلال العيد ملتثما من لفظه العذب إن شئت ألتقط درراً ... أو فاقتطف زهراً أو فاقتبس حكما فاهتف بمن مات من الأهل العلاء وقل ... لولا الردى لافتضحتم فاشكروا الرجما أمات نشرُ مساعيه مساعيكم ... حتّى انطوت مثلكم تحت الثرى رمما فلو رآه زهيرٌ في شبيبته ... إذاً لفداه واختار الفدى هرما من دوحة ما نمت إلاّ غصون علىً ... وكلّ غصن بماء المكرمات نما يا أسرة المجد لا زلتم بأسركم ... عقداً على نحر هذا الدهر منتظما صبراً بني الحلم إنّ الصبر منزلة ... حتّى لمن منكم لم يبلغوا الحلما وحسبكم مصطفى العلياء فهو لكم ... نعم الزعيم به شمل العلى التئما الفصل الرابع في الإعتذار قال عمّنا المهدي من قصيدة في عاب الحاج محمّد صالح كبّه أوّلها: نهضت تحمل عذراً وسلاما ... منهما تسقيك شهداً ومداما يقول فيها ويذكر رسالة عتب أرسلها معها: بليت في سيرها حتّى اغتدت ... لم تجد من تلكم البلوى عصاما من ألوك صحبتها حملت ... من غليظ القول للعتب كلاما تأكل البيداء في أرجلها ... وتلفُّ الأرض سهلاً وأكاما منها في المدح: ملك دون علاه زحل ... ومن الآمل يدنو حيث قاما كفّه أجرت ينابيع الندى ... وعليها ازدحم النّاس ازدحاما ما عسى أثني على من عبده ... كان في وجنة هذا الدهر شاما إلى أن يقول: يا جواداً لو غوادي كفّه ... مطرت بحراً به العالم عاما ظنّ برق السحب منها خلّباً ... وغوادي كفّه عادت جهاما مالما أسديته من نائل ... طرف شكري عنه أمسى يتعامى لست ممّن يكفر النعمى سوى ... أنّ نفسي أنفت من أن تضاما ولئن منّي ألوكٌ نقلت ... لك من ألحان أقوالي كلاما وبها لمتك لا أنّي أرى ... حسناً فيما جنوه أن تلاما إن رموا سيراً بسهم لم يصب ... فبهم أنشبت إعلاناً سهاما ولهم من مقولي صلّ نقىً ... لم يروا منه رقىً إلاّ الحماما ولك اقتصَّ لساني منهم ... وأراهم قوله حرباً عقاما وجلا من غارة القول التي ... أجلبوها عنك لا عنّي القتاما حيث أنّ النّاس لامتك ومذ ... قد كشف الأمر قالت لا ملاما

стр. 194

الباب الخامس والعشرون في قافية النون وفيها ثلاثة فصول الفصل الأوّل في المديح قلت في مدحه: لازلت يا دهر تجلو منظر حسناً ... عن طلعة سعدها في يمنها اقترنا لماجد اشرقت في الكرخ غرّته ... شمساً تمزّق في أنوارها الدجنا أغرَّ سار فكان البدر ترمقه ... الدنيا وجاد فكان العارض الهتنا وكم سمعت بداع من لمكرمة ... فهل سمعت سواه من يقول أنا محمّد حسن الأخلاق راحته ... البيضاء كم طوّقت جيد الورى مننا أما وحبوة علياه وما جمعت ... من الفخار وبرديه وما ضمنا لقد كسا مجده الزوراء باجمعها ... برداً من الفخر فيه فاخرت عدنا يا باسطاً للندى كفّاً بنائلها ... تبخّل الأجودين البحر والمزنا قسنا الورى فوجدناها الوهاد لكم ... جميعها ووجدناكم لها القننا والحلم يولد فيما بينكم معكم ... يا خفّة الطود لو في طفلكم وزنا لا زال بيت علاكم للورى حرماً ... من راعه الدهر واستذرى به أمنا أنتم جواهر عقد الفخر لا برحت ... بكم تحلي يدا علياكم الزمنا أقول: فأمّا قولي: يا باسطاً للندى كفّاً بنائلها ... تبخّل الأجودين البحر والمزنا ففيه التوشيع وهو من الوشيعة وهي الطريقة الواحدة في الروي المطلق، كأنّ الشاعر أهمل البيت كلّه إلاّ آخره فإنّه أتى فيه بطريقة تعدُّ من المحاسن وهو عبارة عن إتيان المتكلّم أو الشاعر باسم مثنّى في آخر الكلام، أو البيت لم يكن بعده إلاّ مفردان هما غير ذلك المثنّى، فيكون الأخير منهما هو قافية البيت أو سجعة الكلام كقول النبي ﵌: يشيب المرؤ وتشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل. وشاهده من النظم قول أبي تمام: إنّ الحمامين من بيض ومن سمر ... دلّوا الحيانين من ماء ومن عشب وقول أبي محمّد عمارة بن أبي الحسن الحكمي الشاعر المشهور ولقد أجاد فيما قال: حيث الخلافة مضروب سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن كرم وللإمامة أنوار مقدّسة ... تجلوا البغيضين من ظلم ومن ظلم وللنبوّة آيات تدلّ لنا ... على الخفيين من حكم ومن حكم وللمكارم أعلام تعلّمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلى السن تثني محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم في أبيات آخر على هذا المنوال، والشواهد في هذا المقام كثيرة ولا طائل في الإكثار منها. الفصل الثاني في الرثاء لمّا توفّي محمّد الرضا خلف الفاضل محمّد الصالح، حملت جنازته من بغداد للنجف واجتازوا بها على الحلّة ولم أكن يومئذ بها ولم أعلم بالأمر حتّى عادوا، فقلت: نعم هذه يا دهر أُمّ المصائب ... فلا توعدني بعدها بالنوائب ألا هلمّ فاستمع مقالي، وتعجب ممّا تصرّفت بي الليالي، هل رأيت مثلي فقيداً شطّ به المزار، فلا يدري بنفسه وهي قد خرجت من دار الدنيا إلى دار القرار. كفاني بهذا جوىً ما بقيت ... يجدّد في القلب داءً رغيها نعم وكلّما أردت النياحة في هذه المصيبة، أفحمني استعظام هذه النازلة الغريبة، فاعذل عن هذه الحبسة نفسي، وأتمنّى لو أنّني حبست قبلها برمسي، حتّى قالت لي النفس أجل، مالك سبق السيف إلى أوداجك العذل، ما عسى أن أقول ولمن أعزي وأنا الثكول، وعلى من أنوح وأنا الفقيدة، ولمن في اللحد أُنادي وأنا الملحودة. ما أخطأك النائبات ... إذا أصابب من تحبُّ بلى، لا سمحت لك قريحة لبّي، أو تنوح عنّي بلسان حالي، وإلاّ فبحسبي نياحة قلبي، فاجتباها إليّ مقالها، وقلت على لسان حالها: أطوياني ملامة وانشراني ... بلغ الوجد حيث لا تبلغان قد عناني جوىً يطول وفيه ... يقصر اللوم عن مردّ عناني كيف عيني لم تغد بيضاء حزناً ... وهي قد أصبحت بلا إنسان إنّ صوت النعي مذ خاض سمعي ... خلته في حشاي غرب سنان وعضضت البنان غيظاً ولكن ... لا يفيد المكلوم عضَّ البنان فاعذراني إذا ربطت فؤادي ... بيدي وانطويت ممّا دهاني إنّ قلبي من دهشتي طار حزناً ... فغدا وهو دائم الخفقان

стр. 195

كفكفا عن حشاي غرب ملامي ... من جراح الجوى بها ما كفاني أين منّي صبري لأرضى فأسلو ... صبري اليوم والرضا ميّتان أنا يا لائميّ أدرى بطبّي ... فاعذلاني ما عشت أو فاعذراني سلياني بردّ روحي وإلاّ ... فبماذا عنه إذاً سلواني قرباه فوق الثرى اليوم منّي ... أو فمنه تحت الثرى قرباني وأقبراه إذاً بقلبي وإلاّ ... فخذاني لقبره واقبراني وإلى جنب مهجتي وسداه ... أو إلى جنب جسمه وسّداني فحياتي وموته رزءآن ... لم أقدر عليَّ يجتمعان بل تخيّلت أن يعيش وأفنى ... أو سواء تضمّنا حفرتان لم أُفارقه أجنبيّاً ولكن ... هو روحي قد فارقت جثماني قد نشرنا ما بيننا الود دهراً ... فطواه الردى وليت طواني غمّضا ناظريَّ ما عشت غيضا ... فعلى من بعد الرضا تفتحان وزفيري ثقف حنايا ضلوعي ... فعلى ودّ من يبتن حواني وخطوب الزمان دونك شخصي ... فلك اليوم قد كشفت عياني نزعت عنّي الحوادث درعي ... فبمن أتّقي شبا الحدثان كم به قد لويت دهري وهذا ... دهري اليوم كيف شاء لواني لك أسمحت يا خطوب الزمان ... ذهبت نخوتي فهاك عناني قد أبانت حشاي فاستهدفيها ... نكبة طوّحت ضحىً بأبان راصدتني من حيث لست أراها ... أعين النائبات وهي تراني فرمتني من حيث لا أتّقيها ... بسهام الهموم والأحزان فأنا اليوم يا نوائب كلّي ... مقتل بارز لمن قد رماني كنت قدماً إذ ودّ نبلك عنّي ... ببناني فأين منّي بناني قد نعاه الناعي إليّ أيدري ... لا درى أنّه إليّ نعاني؟ حملوه وخلفه كلّ عاف ... بدماه عيناه فائرتان عجباً خفّ نعشه وهو قد سار ... بثقل المعروف والإحسان بل أراه ما خفّ إذ سار لكن ... حملته ملائك الرحمان فاحملاني إلى ثراه احملاني ... وقفا بي عليه وقفة عاني يا فقيداً فقدت منه غماماً ... كلّما قلت قد ظمأت سقاني ودفيناً دفنت منه حساماً ... كنت أعددته لحرب الزمان أغمدته في الترب كفّي فشلّت ... فات نصري وأبتُ بالخذلان شغلت منطقي عليه المراثي ... وخلا من هوى سواه جناني يا تراني أثني على منْ بمدح ... وهو من أجنّة يا تراني مات محيي الثنا ولولا أبوه ... قلت في لحده دفنت لساني ذاك مولىً صفاته الغرُّ جائت ... في مزايا علياه طبق المعاني صالح الفعل راجح الفضل امن الم ... ستغثين غيث أهل الأماني ورع ناسك تفرّغ لله ... بقلب من خوفه ملآن جامعاً قوّة الحميّة للدين ... انتصاراً ورقّة الإيمان وبعزّ الملوك يصبح مرهوباً ... ويمسي بذلّة الرهبان قد بنى للقرى على الكرخ بيتاً ... والتقى أسّ ذلك البنيان شارع الباب تلتقي طرق الأر ... ض جميعاً لديه بالضيفان رافعاً تحت ظلمة الليل للسا ... رين فيه ذوائب النيران كرماً قد أعدَّ للضيف فيه ... عدد الطارقين غرّ الجفان قلت للبحر هل تساويه يوماً ... قال كلاّ لا يستوي البحران وسألت الحيا أتحكيه جودا ... قال أين الباكي من الجذلان يا أباالمصطفى وحلمك أرسى ... في لقاء الخطوب من ثهلان لك نفس تقدّست وبها قد ... حزت أعلى مراتب العرفان فرّغ النفس من جوى الثكل يا من ... هو في الفضل ملؤ عين الزمان الباب السادس والعشرون في قافية الواو وفيها فصل واحد في المديح قلت في مدحه: أفحمتني وأنا المفوَّه ... وارق من أثنى ونوَّه إرتجت باب رويتي ... فتبدلّت ضعفاً بقوّه فافتح على ذهني أصف ... ما فيك من شرق الفتوّه وتدان من فكري فمج ... دك لم ينل فكرٌ علوّه أولست بالسيف الذي ... أمنت مرجوه نبوّه جمع الصباحة والسما ... حة والسجاحة والمروّه وحنا على الدنيا فلا ... فقدت بنو الدنيا حنوّه وأجدّ من رسم المكا ... رم ما شكت قدماً عفوّه

стр. 196

محض الصنيعة لا كجو ... د سواه مصنوع مموّه في كلّ يوم عنده ... حسنى يسوء بها عدوّه شرع كلا وقتيه أحر ... ز في الندى بهما سموّه فغدوه كرواحه ... ورواحه يحكي غدوّه وقد اشتملت هذه المقطوعة على اللزوم، وهذا القسم منهم من سمّاه لزوم ما لا يلزم، ومنهم من يسمّيه الإعنات، وقالوا جميعاً فيه: هو أن يلزم الناثر في نثره أو الشاعر في شعره قبل حرف الروي حرفاً فصاعداً على حسب قوّته مشروطاً بعدم التكلّف، وهو في مقطوعتنا هذه التزم أحد الواوين في القافية لأنّه غير لازم إذ يسوغ أن تكون القافية مثلاً غدوه أخوه، ومثل ذلك قصيدة كثير عزّة التي يقول فيها: خليلَيّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمّ احللا حيث حلّت في التزام أحد اللامين وهي طويلة مشهورة. ومن الكتاب العزيز قوله تعالى: (وَالطُّور، وكتاب مَسْطُور) فالطاء في أحد الفاصلتين لزوم. الباب السابع والعشرون في قافية الهاء وفيها فصل واحد في المدح قلت فيه: باتت تعاطيني حميّاها ... بيضاء كالبدر محيّاها جائت من الفردوس تهدي لنا ... نفحة كافور بمسراها لولم تكن من حورها لم يكن ... رحيقها بين ثناياها ذات قوام حبّذا بانة ... منه نسيم الدلّ ثنّاها ووجنة تغنيك في شمّها ... عن شمّك الورد بريّاها بتُّ كما شئت بها ناعماً ... معانقاً مرتشفاً فاها في روضة تروي شاذها الصبا ... عن حسن لا عن خزاماها من لم يدع للفخر من غاية ... إلاّ وقد أحرز أقصاها لم تجر أهل السبق في شأوه ... إلاّ غدا العجز قصاراها ذو راحة أغزر من ديمة ... تحلبها كفّ نعاماها تنميه من حيّ العلى أسرة ... أحلى من الشهد سجاياها هم أنجم الأرض بأنوارهم ... أضاء أقصاها وأدناها الباب الثامن والعشرون في قافية الياء وفيها فصل واحد في المديح قلت في مدحه: للمجد طلعتك البهيّه ... شمسٌ تشعّ على البريّه وبنان كفّك للندى ... وطفاء ساكبة رويّه ولك المناقب في سما ... ء الفخر زاهرة مضيّه لا زلت يابن جلا هموم ... الوفد طلاّع الثنيّه كالطود حلمك أو تهزّك ... للثناء الأريحيّه أبني الزمان ورائكم ... عن هذه الرتب العليّه ودعوا الفخار بأسره ... لا غرَّ بسّام العشيّه خير البريّة من تعيش ... على عوارفه البريّه هذا أبوالهادي الذي ... يعطي ويحتقر العطيّه لم يرض بالدنيا وما ... فيها لوافده هديّه كرماً تبشّر وفده ... بالنجح بهجته الوضيّه حلو الحميّا خلقه ... مرّ الحفاظ مع الحميّه فأمّا قولي: وبنان كفّك للندى ... وطفاء ساكبة رويّه ففيه التضمين من قول بعضهم في رثاء الحسين ﵇: أمرر على جدث الحسين ... وقل لأعظمه الزكيّه يا أعظماً لا زلت من ... وطفاء ساكبة رويّه وقد صرفته عن معناه لأنّ ساكبة صفة للوطفاء ورويّة صفة للأعظم وقد جعلتهما كلاهما صفة للوطفاء. والتضمين هو أن يضمن الشاعر شعره شيئاً من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهوراً عند البلغاء، وإن كان مشهوراً فلا حاجة إلى التنبيه. قال البحتري في هجاء بعض النّاس: ولقد رأيت البيض تأخذ درعه ... فذكرت عرض محمّد بن الهيثم غرض الأيور يقول عند لقائها ... ليس الكريم على القنا بمحرّم مزج المدح لإنسان بذمّ آخر وتضمّن من قول عنتر قوله: ليس الكريم على القنا بمحرّم، وهنا نادرة أحببت ذكرها وإن لم تكن من التضمين إلاّ أنّ فيها مناسبة لحال المهجو. قيل: إنّ الحسن بن وهيب وكان يُرمى بالأبنة استعرض غلاماً فقال: أكشف عن ساقيك وذراعيك وجعل يفتّشه والغلام يخجل، فقال له نجاح الكاتب: لا تخف إنّك أنت الأعلى. ولبعضهم في الهزل: وباخل يشنؤ الأضياف حلَّ به ... ضيف من الصفع نزّال على القمم سألته ماالذي يشكو فجاوبني ... ضيف ألمَّ برأسي غير محتشم والتضمين هذا من قول المتنبّي:

стр. 197

ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلاً منه بالقمم وقال ابن أبي الأصبع: إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكّرت مابين العذيب وبارق ويذكّرني من قدّها ومدامعي ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق وظريف قول ابن نباتة في الهزل: أقول لمعشر جلدوا ولاطوا ... وباتوا عاكفين على الملاح ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح أتنسى صدع أُمّك فوق أيري ... بذور كما يذور بني رياح تقول وقد جلست عليه إيه ... وقد قعدت على الورد الوقاح ألسنا خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح فقلت دعي فليس أوان فخر ... ولا بأوان هجو وامتداح ولكنّ الأوان أوان نيك ... وإدخال الفياشل في الفقاح وقال ابن نباتة: تصدّى إلى أيري فقلت له اثئد ... وحقّك لو عاينته وهو ثائر رأيت الذي لا كلّه أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صاير ومن ظريف التضمين ما حكي أنّ الحيص بيص الشاعر قتل جرو كلب وهو سكران فأخذ أبوالقاسم القطان الشاعر كلبة وعلّق في رقبتها قصّة وأطلقها عند باب الوزير، فأخذت القصّه من عنقها وأدخلت على الوزير، فإذا فيها مكتوب: يا أهل بغداد إنّ الحيص بيص أتى ... بخزية أورثته العار في البلد أبدى شجاعته بالليل مجترياً ... على جري ضعيف البطش والجلد فأنشدت أُمّة بعد ما احتسبت ... دم الأبيلق عند الواحد الصمد أقول للنفس تأساءً وتعزية ... إحدى يديَّ أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي البيتان الأخيران لامرأة من العرب قتل أخوها ابناً لها فقالتهما تسلية لنفسها. وقال بعضهم في قاض مات غلامه وبغلته معاً وضمن المثل، فقال: قالوا غلام القاضي وبغلته ... راحا جميعاً منه على البغته قلت لقد برح الزمان به ... لم يبق لا فوقه ولا تحته وقال آخر مضمّناً في مدح بعضهم: أستغفر الله أين الغيث منقطعاً ... من جوده وهو طول الدهر متّصل من حاتمٌ عدّ عنه واطرح فيه ... في الجود لا بسواه يضرب المثل أين الذي برّه الآلاف يتبعها ... كرائم الخيل ممّن برّه الإبل لو مثل الجود سرحاً قال حاتمهم ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل والأحسن في التضمين صرفه عن معناه الأصلي فمن ذلك قول أبي الحسن في تضمين قصيدة امرء القيس وجرّها إل مدح النبي ﵌ فقال: نبي الهدى قد قال للكفر نوره ... ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي تلا سوراً ما قولها بمعارض ... إذا هي نصّته ولا بمعطّل وقد تلاعب الشعراء بتضمين هذه القصيدة، فمن ذلك قول أبي منصور: أكتاب ديوان الرسائل مالكم ... تجمّلتم بل متّم بالتجمّل وأرزاقكم لا تستبين رسومها ... لما نسجتها من جنوب وشمئل إذا ما اشتكى الإفلاس والضر بعضكم ... تقولون لا تهلك أسىً وتحمّل حلفتم على باب الأمير كأنّكم ... قفانيك من ذكرى حبيب ومنزل وكتب بعضهم إلى ابن نباتة: أفي كلّ يوم منك عتب يسوئني ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل وترمي على طول المدى متجنّياً ... بسهميك في أعشار قلب مقتل في أبيات طويلة فأجابه متهكّماً: فطمت ولائي ثمّ أقبلت عاتباً ... أفاطم مهلاً بعض هذا التدلّل بروحي ألفاظ تعرّض عتبها ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل فأحييت ودّاً كان كالرسم عافياً ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل ومن التضمين الغريب ما اخترعه الصاحب فخرالدين في مداعبة رجل من أصحابه كبير الأنف وهو: تأنّف عن وصف الغزال تغزّلي ... بلحية أنف ذي حقاف عقنقل من البق فيها جملة قد تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل فياقبح شعر فوق أنف معرقف ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل ترى القمل والضبيان في عرصاتها ... وقيعانها كانّه حبّ فلفل كأنّ الفسا إن قيس مع ريح أنفه ... نسيم الصبا جائت بريا القرنفل

стр. 198

والشواهد في هذا النوع كثيرة، وما أحلى قول بعضهم وكان مغرماً بالتضمين: أُطالع كلّ ديوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيري أضمّن كلّ بيت فيه معنىً ... فشعري نصفه من شعر غيري تمّت الأبواب بعون الملك الوهّاب، وتتلوها خاتمة الكتاب . خاتمة الكتاب وفيها فصول فصل في نبذة من رسائلي له كتبت إليه بهذه الرسالة جواباً عن رسالة بعث بها إليّ: في فمي لم يزل لذكرك نشر ... طيب واختبر بذاك النسيما وبمرآة فكرتي لم يزل شخ ... صك نصب العينين منّي مقيما وعلى النحر من علاك ثنائي ... ليس ينفك عقده منظوما لا تظنّ العباد يحجب عنّي ... منك ذيّالك المحيّا الكريما فوشوقي وموقع الودّ منّي ... قسماً لا أراه إلاّ عظيما أنت عندي بالذكر أحضر من قل ... بي بقلبي فكن بذاك عليما لست أقوى لحمل عتبك يا من ... حملت فخره المعالي قديما فاثن من غرب عتبك اليوم عنّي ... فيه قد تركت قلبي كليما إنّي ومن جعلك ريحانة الأديب، وسلوة الغريب، لم أستوجب منك كلّ هذا العتاب، ولم أستجلب بمسائة كلّ هذا الخطاب، وهبني أسأت فأين العفو والكرم، ولعمري لقد تجرّمت عَلَيّ فلا جرم، إنّي أعتذر الآن فأقول ما حلت إزرار جيبها الصبا، ولا فتحت إكمام النور على الربى، بأوقع في النفس، وأشغل للحواس من الخمس، من بديع بيان، كأنّه قطع جنان، يجلو بواضح الإعتذار ظلمة العتب، ويمحو بصادق التنصّل كاذب الذنب، من محبّ صدع التقريع منه الأحشاء، وأرمضت قلبه هواجر الإستجفاء، إلى من حنوت له ولا حنواً المرضعات على العرام، وعذوت له الحبّ ولا غذاء الآباء طرائف الهيام، حتّى شبّ وليد شوقي إليه على الشغف، ونشا طفل ولوعي به في حجر الصبابة والكلف، وحتّى سكنت نفسي إلى هواه، سكون الجفن الساهر إلى كراه، أعني به جوهرة الزمن، وغرّة وجهه الحسن، أنمى الله غصن شبيبته على الفضائل، وشدّ إزر المعروف من عطائه بواصل. فله أياد لا تزال ... سمائها كرماً مخيله ونقيبة ما غيّرت ... في الجود عادتها الجميله ويد كضرع الغيث ... يمخضها الرجا مخض الثميله أمّا بعد؛ فحين وصلت إليّ عقيلة فكرك، وجميلة نظامك ونثرك، طرحت عنها الإزار، وحللت من غلالتها الإزرار، ثمّ قبلت منها فتاة يزري بفتات المسك خلوقها، وبابنة العنقود راووقها، فشفت بعذب كلامها غلّة صدري، ونفثت بسحر بيانها في عقد صبري، قد نشرت لدي حديث واصل، ثمّ بسطت على لسان عاذل، فأباتني تأنيبها مبيتاً نابغي، وقلّبني توبيخها في مضجع ابن هاني المغربي، بل كلّما ضرب الليل على الأُفق رواقه، وعقد على الشفق إزراره ونطاقه، أمسي وهمومي القارعة، وأفلاذ كبدي الواقعة، وفاتحة الرعد سائغ ريقي، وخاتمة الأعلى في شرايين أوردتي ووشائج عروقي، وآرائي في الشعراء، وأحشائي ما جعله الخليل وسط الأنبياء، تقريباً بلا استثناء، وكلّما فلق الصبح بعموده هامة الغسق، وشهر خاضباً من وريد الظلام سيفه الشفق، أصبح ولسان حالي، يترجم عن لسان مقالي، إذا رأيت قوماً، إنّي نذرت للرحمان صوماً. فوا عجباه والدهر سلك عجائب، والأيّام مثرية من الغرايب، كيف يتطرّق إلى وهم، أو يتصوّر في خيال أخي وهم، إنّي في تياك المودّة أشقى، بعد ما تمسّكت منها بالعروة الوثقى، لا وعافاك الله من العلل، وبلغك منتهى المجد وقد فعل، لا يلهو عن تلك المحبّة عميدها، ولا يخلق على تعاقب الليالي والأيّام جديدها، وليت شعري اعتاض عنك، بأيّ بدل منك، ولمن أربى مولود الوفاء، وإلى من أزفّ عروس الإخلاص والصفاء، وملتمس الثقة، لا يداع المقه، كالمرتبع بواد غير ذي زرع، والمنتجع في بواد خالية اللمع، والمغترف من الراب الخادع، والقابض على الماء خانته فروج الأصابع، فهم ومن جعلكم جواهر الزمن، حريون بقول المهيار أبي الحسن: خلق إذا حدّثت عن أخلاقها ... فكأنّما كشّفت عن سوآتها

стр. 199

وأمّا وعليا أبيك، وخلاله الصالحة التي اجتمعت فيك، لا أنت على بعدك، يا نسيج وحدك، ثاني النفس لدي، وثالث عيني بل أعزّ منها عَلَيّ، وما تركت المواجهه رغبة عن المشافهه، ولا المراسله رغبة عن المواصلة، كلاّ بل لعوائق طاريه، وشواغل غير متناهيه، تلهي الحليم عن نفسه، وتنسيه يومه فضلاً عن أمسه، ولولاها: لنثرت حبّات الفؤاد الوكةً ... ونظمتها شوقاً إليك قريضا وكتبت إلى أخيه الحاج محمّد رضا بهذه الرسالة وصدّرتها بهذه الأبيات: أغضَّ النسيم تحمل سلامي ... فحيّ بريّاه دار السلام سلام محبّ عريق الوداد ... غريق الفؤاد ببحر الغرام يميت بشوق بياض النهار ... ويحيي بتوق سواد الظلام وتهفوا نوازع أشواقه ... بلبّ حشاشته المستهام يطالع بالفكر وجه الحبى ... فيحظى برؤية بدر التمام حبيب أروح قلبي العليل ... من ذكره بنسيم المدام وشوقي إلى درّ ألفاظه ... كشوق الرياض لدرّ الغمام ممّن سكن روحه بمحاني الزوراء، وأقام جسمه بمعاني الفيحاء، إقامة المغترب عن وطنه، اللابث في غير عطنه، لا يملك على الخفوق، أثناء قلبه المشوق، ولا يلقى سمعه إلى نديم، ولو كان من أفصح الأنام، ولا يرتاح إلى مفاكه، ولو كان من ولدان النعيم، عبق الكلام، ولا ينظر إلاّ بعين إنسيّة الأجفان، وحشيّة الإنسان، قد عرفت أماقها الأرق، وأنكرت أحداقها الرفق، لم تفتح على أُناس بصرها، إلاّ استوحشت منه فغضّت عنهم نظرها. أتأنس في فتح أجفانها ... عيوني في غير إنسانها ويخلص يوماً لنفسي السرور ... إذا واصلت غير خلصانها إذاً كذبت في ادّعاء الوداد ... نفسي وما الكذب من شانها نعم عندها الغدر بعد الوفاء ... هو الكفر من بعد إيمانها على أنّي لم أبرح مسائي وصباحي، وغدوي ورواحي، وعشيّي وإبكاري، وأصيلي وأسحاري، حرج الصدر، متشعّب الفكر، ملوي الحشاشة على حسرات متعاليه، مطوي الجوانح على زفرات إلى التراقي متراقيه، من لوعة غير ماضيه، أقتل من ماضية الحد، وصبابة كأنّها جمرة ذاكية الوقد، فإذا غشيني الدجى بغياهبه، ورقدت الورى أحصيت عدد كواكبه، بعين ابن شوق نسيت أجفانه الكرى، وإذا نضا الليل عنّي ثياب ظلمائه، وألبسني النهار جلباب ضيائه، أقبلت على نفسي أُعلّلها بوشيك التداني، وأسلى غلّة شوقها بسراب الأماني، فتذمّ من أمسها ما استدبرت، وتحمد من يومها ما استقبلت، حتّى يأكل فم الغروب قرص الشمس، ولم تحصل من الرجاء إلاّ على اليأس، ولمّا لم يبق لي في قوس الآمال منزع، ولا في مطمعات الأماني مطمع، سبرت بعين البصيرة والعقل، مذاهب طرق الوصل، فوجدتها على ثلاثة أنحاء، بين أهل المودّة والإخاء، إمّا بمشاهدة العيان على القرب، أو حضور الحبيب في مهجة المحب، أو بثّ الشوق إليه والوجد، بالمراسلة على البعد، فألفيت أوّلها مستحيلا، بعد أن طلبته بكرة وأصيلا، وأمّا الثاني، فما عداني، وحين وصلت بالنظر طريقها الثالث، وقطعت عن أوّلها قرينة البواعث، وجدت نفسي مقصرةً في عدم إتيانه، لاقتدارها عليه مع شدّة إمكانه فلم أزل أوبّخها في ذلك وألومها، وأعذلها والندم فيما هنالك نديمها، إلى أن تمنّت من شدّة الخجل، لو سبق السيف إليها ذلك العذل، وقد أخرسها الذنب، وأفحمها العتب، لأنّها قطعت لسان عذرها، في شباة هجرها، حيث أنّها وإن طلبت من أنواع المواصلة أطيبها، وأكملها لذّةً وأعذبها، إلاّ أنّ ما لا يدرك أجله، لا يترك أقله، ولكن منها هذه الزلّة، صدرت مع ماجد شابه فرعه أصله، ووصف طيب أخلاقه، كريم أعراقه، ولذلك نهضت بعد كبوتها، بأذيال هفوتها، وسلكت إلى المواصلة، بطريق المراسلة، وإلى المخاطبة بالمكاتبة، ومع ذلك فهي تستمدّ اللطف، وترجو الصفح، وتأمّل قبول العذر والسلام. وكتبت إليه هذه الرسالة أيضاً: فما روضة مرشوفة عن عبيرها ... تحدّثن أنفاس الصبا والجنائب بأطيب عرفاً من سلام بنشره ... يعطّر فاه كلّ راو وخاطب

стр. 200

ترفعه عوامل شوق تنازعت خلدي، وجلبت السقم في تصرّفها إلى كبدي، فنسخت جميل صبري، وأطالت اشتغال فكري، إلى حضرة من نصب الله على التمييز علم فخره، فانخفضت بالإضافة إلى عزّه جميع أبناء دهره، وجزمت بنوا الدنيا أنّه في السماحة البحر المحيط، إذ بسط لها بالعطاء كفّاً استغرق وافر جودها ما حوته دائرة البسيط، فأقال به من كبوة الجدّ عثارها، حتّى سلمت له بالفضل إقرارها، فهو في أصله الذي عرقت به العلياء، كما قلت فيه مخاطباً له بهذه الثناء: يا أمجد الناس فرعاً ... ينمى لأكرم أصل وقاتل المحلّ جوداً ... في كلّ أزمة محل وابن القرى ولعمري ... أبوك زاد المقلّ لا يستشار سواه ... في كلّ عقد وحلّ الموقد النّار ليلاً ... للطارق المستدلّ مرفوعة وعليها ... مراجل الزاد تغلي يمتدّ منها لسان ... إلى السّماء متجلّي حتّى يضيء سناه ... في كلّ حزن وسهل يدعوا الضيوف هلمّوا ... إلى القرى لمحلّي فيهتدي بسناه ... إليه كلّ مضلّ أكرم به من كريم ... له انتهى كلّ فضل والخلق منك ومنه ... مثلان من غير مثل هذا مجاجة مسك ... وذاك شهدة نحل يفدي علاك ابن خفض ... ساع برجل ابن ذل يبغي العلى وهو شيخ ... همّ بهمّة طفل وهل تنال الثريّا ... عفواً بباع أشل وماله في طريق ... العلياء موطىء نعل ولا له حوض جود ... يرجى لعل ونهل إلاّ حقيقة بخل ... تبدو بصورة بذل ولعمري كيف ينالها، وهي علاء ماجد تفرع من دوحة ضربت في طينة المجد أرومها، وأخذ بأطراف الشرف حديثها وقديمها، فهو ينتمي منها إلى نسب كريم الطرفين، وحسب لم يزن معشار فخره فخار الثقلين، ذاك صفوة المكارم، من أبنائها الأكارم، رفع الله قواعد مجده، وخفّض حواسد جدّه، وجعل كوكب سعده طالعاً في سماء الفخار، ما استدار الفلك الدوّار. دعاء إخلاص إذا رفعته ... قال الحفيظان معي آمينا أمّا بعد؛ فالغرض من توشيع هذه الألوكة وتسهيمها، وترصيف منثورها ومنظومها، بثُّ وجد حركت ساكنه الذكرى، وترويح كبد أرمضتها هواجر البعد فغودرت حرّى، وتعليل نفس لم تزل من ثنايا الشوق إليكم متطلّعه، ولأخباركم من فم الصادر والوارد لم تزل منتجعه، ليرد عليها في ارتيادها، ما يجلب المسرّة إلى فوآدها، من صحّة أجسادكم التي هي لجسم الزمان أرواح تدبّره، وصفاء أيّامكم التي هي أوضاح هذا الدهر وغرره، وصّل الله عزّكم بيمن إقبالها، وقرن لكم بعمر الدهر غضارة اقتبالها، فلست أسأل غيرك من محقّق الحقائق، في كلّ غاسق وشارق، والسلام عليكم، ما رفّ فوآدي بأجنحة الشوق إليكم. وكتبت إليه بهذه الرسالة أيضاً: نسخت ولم يحص اشتياقي ولو له ... جميع الذي قد ضمّه الكون ناسخ لقد دان قلبي في شريعة حبّكم ... فليس له حتّى القيامة ناسخ سلام فتقت نور زهره صبا الحب، وأعربت أنفاس نشره عن طي سريرة الصب، ورقّت ألفاظه حتّى سرق النسيم طبعه من رقّتها، ونفحت بريا الإخلاص فقراته حتّى استعار العنبر المحض طيبه من نفحتها، وما هي فقرات في الطروس قد رسمت، بل روح محب أذابها الشوق وفي قالب الألفاظ تجسّمت، فلو نشق أرواح عرفها من غشيته سكرات الموت لصحا، ولو سرح النظر في لؤلؤ ألفاظها ذوالطبع السليم لسحرت عقله ماس منها مرحا. عرائس لفظ حكى مسكها ... على الطرس أنفاس ريح الصبا رقاق كرقّة قلب المحب ... وخدّ الحبيب بعصر الصبا حكت في العذوبة أخلاق من ... له أهديت وإليها صبا

стр. 201

من محبّ قطع قلبه الشوق الملح، وبرح به الغرام المبرح، وحال من البعاد بينه وبين حبيبه، ما أوقد في أحشائه سعير وجد إذا انحنت عليه أضلاعه تجافت عن لهيبه، وغودر جنباه من تلهّب أنفاسه الحرار، يرسل عليهما شواظ من نار، وكاد في تصاعد حريق زفرته، يضرم الهواء ناراً في كرّته، وحشدت جحافل الغرام في منحني ضلوعه، وانتجعت سفح عقيق دموعه، فهي تستدير عينه دموعها في كلّ آن، فتنبعث كأنّهنّ الياقوت والمرجان، وأوطنت الصبابة في غوير لبّه، وقوّض السلو عن غضا قلبه، وحال من مترادفات الأشجان، بينهما برزخ لا يبغيان، وأوشك الفراق أن ينسف طود حلمه بريح عقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلاّ جعلته كالرميم، فلا يتناهى في تحرير نعنت شوقه الكلام، ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام، إلى من حلقت به قدامي شرفه، فقصّر كلّ محلق عن شأو علاه التي أحرزها عن سلفه، وغذي بلبان العلياء إلى أن بحجرها نشا، وارتشف مدامة حبّها إلى أن انتشى، وطابت منه الخليقة، فكانت بما قلت فيها خليقة. يا طيب أخلاق كريم روى ... السامع عنها ما رأى المبصر بأنّها أطيب من روضة ... طينتها مازجها العنبر لو مزج الماء بها شارب ... ما شكَّ فيه أنّه الكوثر ندب له في حلبات العلى ... دون الأنام الورد والمصدر كأنّ من يأوي إلى بشره ... من وحشة في روضة يحبر معارج العلياء مرصودة ... ليس عليها غيره يظهر الفصيح الذي عقدت عليه الفصاحة حبك نطاقها، والبليغ الذي مدّت فوق البلاغة رفيع رواقها، والماجد الذي سمح الدهر بجوده، فدلّ على نفي بخل الدهر وإثبات جوده، وأحيى به روضة الأدب بعد ما ذوت، وأجدّ به ربوع الفضل بعد ما عفت، ورفع به سماء المجد بعد هبوطها، واقام به أعمدة السؤدد بعد سقوطها، وأقرّ عيون السماح منه بإنسانها، ووصل بيمين المعروف منه ببنانها، ونشر به جميع ما طوى من المحاسن العجيبه، وأظهر به ما أخفى من بدايع الكلمات الغريبه، فهو من أهل زمانه بمنزلة الروح من الجسد، والواسطة من العقد المنضّد، فأكرم به من ماجد بهيج تعشوا من ضوء صباح محيّاه نواظر الرائين إذا ملأت من نوره البصر، وأعجب به من فطن تعشوا في ظلام الأشكال إلى مصباح ذكاه بصائر ذوي النظر، لا زالت شمس إقباله طالعة في أعلى بروج المراتب، وكوكب سعده ثاقباً في سماء شرفه التي يتمنّى أن يحلّ فيها سعد الكواكب، ولا برح طائر اليمن له مزجورا، وروض مسرّته غضّاً مونقاً نضيرا، بمحمّد وآله المبرّئين من الزلل، وصحبه الذين مالهم في التقى من مثل. أمّا بعد؛ فإنّي لم أزل فيك للغرام نديماً، وعلى الصبابة حيثما رحلت مقيماً، تذهب بي الأشواق كلّ مذهب، وطرف عيني لم يزل في آفاق السماء مقلب، فكأنّ عيني وقد نبت عن إغضائها، ووكلت بعدّ النجوم وإحصائها. أنا أحصي النجوم فيك ولكن ... لذنوب الزمان لست بمحصي غير أنّي كلّما ألحّ على قلبي الجوى فأضناه، روّحته بذكراك فتنتعش بعد الضعف قواه، وبينا أعلّل نفسي بذكر الوصال، وهي من شدّة الشوق تتمثّل بذكر من قال: ولم أر مثل قطع الشوق قلبه ... على أنّه يحكي قساوته الصخر إذ وردت منك إليّ رسالة بديعة الكلام، حسنة النسق والإنسجام، قد افتتحت بزهر السلام روضة كلماتها، وختمت بمسك الثناء عقود فقراتها، فنشقت منها نسيم المودّة حين نشرت لدي، واقتطفت منها نور المحبّة حين قُرئت عَلَيّ، وهزّني إليها الطرب، وملكني بها العجب، ولمّا استوقفت النظر فيها، وأجلت الفكر في ألفاظها ومعانيها، سكرت من كؤس ألفاظها ولا جام، بمدامة معانيها ولا مدام، قد ابتدأت برفع خبر الشوق نحوالخليل، وأنهت إليه الجزم بتمييزه فيما بنيت عليه من مضمر الحب وظاهر المدح الجليل، وأنبأت فيما أكّدت من الشوق أن لا بدل من الصب عند صبّه، وأن لا عوض عنه حين نعتت من اشتغال قلب الحبيب بمحبّه، وإنّ هوى الخليل مقصور على خليله في كلّ أحواله، بالإضافة إلى عدم الإستثناء في حذف عذاله، وصرحت عن إلغاء مقالة الحسّاد، وإثبات ما راموا نفيه من المحبّة والوداد، فطفقت أكسوها من استبرق المدائح برداً أحكم فكري نسجه، وأحلّيها بعقود الثناء، وإن لم تزد حسنها بهاء وبهجه. أطرسك أم خدُّ عذراء بكر ... وذا درُّ لفظك أم لفظ در

стр. 202

سحرت غداة فضضت الختام ... عنه كأنّ لفظه نفث سحر وشكّكني حسن تنميقه ... أوشي بنانك أم وشي زهر فناهيك بها من مبلغة أوعزت فأوجزت، ومفصحة لما فيه لكلّ منطيق أعجزت، قد حملت جزيل الحمد من مبادر بشكره، إلى من تقدّم إليه بمدح مجده وتنويه قدره، فنسأل الله سبحانه أن يجعل عزّكم ملازماً للدوام ما بقي الدهر، ويصل بالبقاء ما خلع عليكم من مطارف الوقار والفخر، إنّه على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير. ولمّا قدم قطب دائرة الوزراء والي بغداد المعظم أحمد مدحت باشا نظم بيتين يتخمّس بهما وهما قوله: فلا والقنا والمرهفات البواتر ... فلا ترة أبقيت لي عند واتر أيذهب خصم في دم لي مضيّع ... ولست أذيق الخصم طعم البواتر فكتب إليّ الحاج مصطفى إلى الحلّة يستجثني بعد الإلتماس على تشطيرهما وتخميسمها وإن أنثر مع ذلك نبذة في مدح الوالي المشار إليه، وأن أنظم من الشعر ما يحسن به الثناء عليه، وذكر أنّه حضر في بعض تلك المجالس وجرى ذكر البيتين فضمن التشطير والتخميس ثمّ ألزمني بذلك وحثّني على الإستعجال فأجبته وقلت مصدّراً للنثر بهذين البيتين مورياً فيهما باسم الوالي المقدم ذكره: لي قواف في جنبها البحر رشحه ... سلسلتها روية لي سمحه مدح الدهر حسنها غير أنّي ... لست أرضى بها لأحمد مدحه ذاك من ألحف بيضة الإسلام جناح ظلّه، وأقام دون حوزة الملك سرّاً من زبر آرائه ونصله، ومدَّ غطاء الأمن على الدين، وبسط العدل بين جميع المسلمين، قد اصطفاه حضرة مصدر التأمير للرياسة، وأرسله على حين فترة من التدبير والسياسة، فجاء بعد ما غاضت بحيرة البراعة، وخمدت نيران البأس والشجاعة، جامعاً بين آية النصل، ومعجز المقال الفصل، تنفجر من بنانه ينابع الكرم، وتفرق عن بيانه جوامع الحكم، حتّى هتف لسان العراق، الآن برزت شمس العدل باهرة الإشراق، ودرّ حلب البراعة، ونطق بعد الإفحام لسان البراعة، واستطيبت نفحات غوالي الفضل، بعد ما منع من شمّها زكام الجهل، وقام وزن الآداب بعد كا كسدت منها البضايع، حين نجم مشتري زهرة الكمال في حضرةِ فلكيّة المطالع، كما قلت فيها: حضرة مولىً سواه ليس يرى ... في غير هذا الزمان إنسان مذ شبّ يكسي العلى ومرهفه ... شاب به الدهر وهو عريان فأرض أفنيتها الشرف، ونديم أنديتها الظرف، وخلّتاها الشجاعة والكرم، وخادماها السيف والقلم، وسفيراها العلاء والمجد، وسميراها الثناء والحمد، والهيبة حاجب طراقها، والعزّة خفير رواقها، ويحقّ هاهنا الإنشاء، وإن كان قاصراً لسان الهيبة والثناء: رواقك ذالا بل وليجة خادر ... بل الليث يخطو دونه خطو قاصر لك العسكر الجرّار والهيبة التي ... مخافتها تكفيك جرّ العساكر خطبت الوغى بالرمحوالسيف شاغلا ... لسانيهما بين الكلا والمغافر فسيفك فيها ناثر غير ناظم ... ورمحك فيها ناظم غير ناثر وكم من عدوّ قد خلقت لقلبه ... جناحين من ذعر ورعب مخامر فهابك حتّى ساعة السلم لم يكن ... ليلقاك إلاّ في حشىً منك طائر وخافك حتّى حين يخلو بسرّه ... كأنّ رقيباً منك خلف السرائر طلعت ثنيّات التجارب كلّها ... فصرت ترى بالورد ما بالمصادر رويد الأعادي إنّ حزمك عوده ... على الغمز يوماً لا يلين لهاصر وإن جهلت يوماً حسامك فلتسل ... به هامها عن عهده بالمغافر لك القلم النفّاث في عقد النهى ... بديع بيان من معان سواحر فوالله ما أدري أهل نثر ساحر ... على الطرس يبدو منه أم سحر ناثر وفكرك يوحي أيّ نظم وإنّها ... لقول كيم جلّ لا قول شاعر هذا ولقد رغدت سماء ذلك الفكر المدار، فقرعت سمع الأعداء بصاعقتين يخطب منهم برقهما القلوب والأبصار، قد أوشكت أن تطلع على نفوسهم منهما الآجال، إذ تحمّس بهما فقال: فلا والقنا والمرهفات البواتر ... فلا ترةً أبقيت لي عند واتر أيذهب خصم في دم لي مضيّع ... ولست أذيق الخصم طعم البواتر

стр. 203

هذا والله الشعر الذي تكاد تقطر منه الحماسة دما، وتجبن عن إنشاده الثريا حتّى لو كانت للأسد فما، وحيث فاض على الأسماع صوب هذين العارضين، وصقل الخواطر والطباع لمع هذين البارقين، رجوت على قلّة البضاعة، ونزارة الإطّلاع في هذه الصناعة، أن أنخرط في سلك من شكر، وأكون في نظم من خمّس وشطر، فقلت لا متحمّساً، بل على سبيل الحكاية مخمّساً: أثرت الثرى نقعاً بكرّ الضوامر ... إلى أن تركت الدهر أعمى النواظر فقل للعدى أمنّا شفى الكرُّ خاطري ... فلا والقنا والمرهفات البواتر فلا ترةً أبقيت لي عند واترأبحتكم للعفو أبرد مشرع ... غداه غسلتم كلّ جرح بمدمع طمعتم لعمر الله في غير مطمع ... أيذهب خصم في دم لي مضيّع ولست أذيق الخصم طعم البواترثمّ أقمت إلى جنب كلّ شطر جليل، خادماً له من نظام جميل، فقلت مشطّراً: "فلا والقنا والمرهفات البواتر" ... عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادر لقد صلت حتّى قلت حسبي من الوغى ... "فلا ترةً أبقيت لي عند واتر" "أيذهب خصم في دم لي مضيّع" ... وسيف حفاظي فلَّ صرف الدوائر فكيف تذوق النوم عيناي لحظة ... "ولست أذيق الخصم طعم البواتر" ثمّ رأيت أن أخمّس هذا التشطير، تلذّذا بمعاودة الفكر إلى ذلك النظام الخطير، فقلت: سطوت فلمّا لم أدع غير صاغر ... عفوت إلى أن لم أجد غير شاكر رعى الله صفحي عن عظيم الجرائر ... فلا والقنا والمرهفات البواتر عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادرحملت له أثقال عزمي وقد طغى ... على عود هذا الدهر حتّى بها رغا فلا وأبي لم يبق لي بعد مبتغى ... لقد صلت حتّى قلت حسبي من الوغى فلا ترةً أبقيت لي عند واترضمنت على سيفي بهمّة أروع ... دم المجد من خصمي لأكرم مودع فلست له ابناً أن يضع عند مدّعي ... أيذهب خصم في دم لي مضيّع ولست أذيق الخصم طعم البواترأبى جدُّ سيفي أن أُكلّم لفظة ... بغير شباه من أرى فيه غلظة لقد أطعمت عيني الحفيظة يقظة ... فكيف تذوق النوم عيناي لحظة ولست أذيق الخصم طعم البواترثمّ شفّعته بهذه المقطوعة، وإن لم تكن لائقة لتلك الحضرة الرفيعة: أثنت عليك بأسرها الدول ... وتشوّقت الأعصر الأول وأعدت للأيّام جدّتها ... فاليوم عمر الدهر مقتبل وأرى الممالك يابن بجدتها ... لك شكرها كنداك متّصل أوسعتها وفضّلتها كرماً ... عنه يضيق السهل والجبل وسبرت غور زمانها فغدا ... لا جرح إلاّ هو مندمل مافي الحياة لخالع أمل ... أنت الحمام وسيفك الأجل من ذا يردُّ لعزمتيك شباً ... وشباك يقطع قبلما يصل لو شئت قتل الدهر ثمّ درى ... لقضى عليه قبلك الوجل إن تنتعل قمم الملوك فقد ... توجّتهم بالفخر لو عقلوا وطأت لك الدنيا باخمصها ... همم بساط نعالها القلل ولئت أقمت بحيث أنت وقد ... أمنت بك الأقطار والسبل فالأرض حيث تجوسها بلد ... والناس حيث تسوسها رجل وإذا الصواهل أرعدت وعلا ... برق الصوارم أمطر الأسل وعلت رياح الموت خافقة ... بأجشَّ قسطله له زجل خضت السيوف وكلّها لجج ... تحت الرماح وكلّها ظلل وجنيت عزَّ الملك محتكما ... من حيث نبت في الكلا الذبل ولديك آراءٌ مثقفة ... ما مسّة اكمثقّف خطل فإذا طعنت بها العدا وصلت ... منهم لحيث السمر لا تصل وعزائم كالشهب ثاقبة ... في كلّ ناحية لها شعل قل للقبائل لا نعدّكم ... جمع القبائل كلّها رجل أسدٌ قلوب عداه من فرق ... ذهلٌ ونابل فكره ثعل فاطرح أحاديث الكرام له ... فبه لكلّ منهم مثل واترك تفاصيل الملوك فقد ... أغنتك عنها هذه الجمل يابن الوزارة أنت واحدها ... لا راعها بفراقك الثكل ومن ادّعى للعين ليس سوى ... إنسانها ابن تشهد المقل فأقم وبدرك كامل أبداً ... والبدر منتقص ومنتقل في دولة صلحت وزارتها ... لك فهي تحسدها بك الدول فصل في رسائله

стр. 204

لمّا ورد أخوه المصطفى إلى الحلّة الفيحاء مع قطب دائرة الولاية المنصور المؤيّد "عاكف باشا" ونزلا دار رئيس علمائها وزعيم فضلائها السيّد مهدي القزويني دام علاه، فكتب المصطفى بيتين قالهما على لسانه ارتجالاً علم العلم المشهور السيّد محمّد بن السيّد مهدي المذكور وأرسلها إلى أخيه مع البرق "التلغراف" وهما: ببابل طاب عيشي ... مابين روض أنيق فصرت نعمان دهري ... لو أنّ عندي شقيقي فأجابه الجناب الحاج محمّد حسن في الحال على سبيل الإرتجال وأرسلهما إليه في التلغراف وفيهما التورية: رصافتي رصفتها ... مدامعي بالعقيق بها صبغت الأفاحي ... لكي تريني شقيقي فأجابه جناب السيّد المذكور عن لسان جناب الحاج مصطفى أيضاً وذلك في التلغراف أيضاً وفيها التضمين: لقد سحرتني بابل فاستمالني ... هواها عن الزوراء من حيث لا أدري ولو لم يكن فيها هجرت لأجلها ... "عيون المها بين الرصافة والجسر" فأجابه الحاج محمّد حسن في الحال بلسان البرق "التلغراف": أتسحر مثل المصطفى أرض بابل ... وإن حلَّ فيها ثالث الشمس والبدر وهذي عصا موسى أخيه بكفّه ... ترآئت فما أبقت لبابل من سحر وكتب أيضاً إلى أخيه المذكور هذين البيتين بالتلغراف جواباً عن تلغراف كتبه إليه: وافت الوكة سيّد شفت كما ... شفّ النسيم وخلقه والماء تحكي هلال العيد عن متيّم ... هو والتصبّر واصلٌ والراء ولمّا وصل جناب الحاج مصطفى إلى بغداد بعث إلى الحلّة للشريف أبي موسى الميرزا جعفر نجل علاّمة العلماء السيّد مهدي القزويني الحسيني هذين البيتين وأرسلهما مع البرق والإنشاء لأخيه الحسن: لم أنس عهد مغان فيك مزهزة ... قد أنستني فأنستني بك الوطنا فما تجاوزت ميلاً عنك مرتحلاً ... حتّى اكتحلت بسهد يطرد الوسنا فأجابه الميرزا المذكور برقياً أيضاً وفيها التورية باسمه واسم أخيه جناب الحاج محمّد حسن وهما: على محاني بابل ... من بعد مسراك العفا ياحسناً في فعله ... أنت لقلبي مصطفى وكتب حرسه الله إلى علم العلم والفضل السيّد سلمان نقيب الأشراف وأرسلها على لسان البرق "التلغراف" وهو إذ ذاك في دمشق الشام متوجّهاًً إلى وطنه دارالسلام: ما زلت تولي أولياك الهنا ... بعزمة ترغم حسّادك مرتقياً في كلّ آن علىً ... عَلَى السهى ترفع بغدادك وكتب أيّده الله وأعزّ علياه بهذه الرسالة إلى حضرة السيّد عبد الرحمن أفندي نجل المرحوم نقيب الأشراف السيّد علي الأفندي تغمّده الله برضوانه وكان قد أراد كتاب نهج البلاغة ومقصورة السيّد الرضي في رثا الحسين ﵇ وكلّف بذلك حضرة الحاج مصطفى فأرسلهما إليه وكتب معهما جناب الحاج محمّد حسن عن لسانه: ريحانة المجد المؤثّل من رأت ... عين المكارم أنّه إنسانها شرفاً أخوك من النقابة سيفها ... الماضي وأنت لدى الخصام لسانها نور حدقة الشرف الباذخ، ونور حديقة العلم الراسخ، من انتهج من البلاغة نهجها القويم، وتسنّم من النجابة برجها الكريم، سلالة النسب القصير، وغرّة الحسب الواضح المستنير، الذي تعطّرت العلياء بارج فخره الندي، السيّد عبد الرحمن أفندي، مدّ الله عليه رواق العزّ والتخليد، وأضفى جلالبيب الإقبال والتأبيد. أمّا بعد؛ فقد سيّرنا إليك ما أمرت به من النهج الواضح، والمقصورة في خيام الأحزان المشجيه في ذلك المصاب الفادح، امتثالاً لأمرك، وطوعاً لإرادتك، والسلام. وممّا قاله دام مجده في مدح الشريف العلوي السيّد محمّد سعيد النجفي الملقّب بحبّوبي: لعبت للطلا به نشوات ... فتثنّى واحمرّت الوجنات طعنتني أعطافه الميد لمّا ... فتكت بي ألحاظه الفاترات غير بدع إذا أصاب فؤادي ... إنّما أسهم الهوى صائبات تلك في معرك الغرام علينا ... مشرعا وهذه ماضيات فإذا جال فاللحاظ سيوف ... وإذا مال فالقوام قناة هي أمضى من أنصل ورماح ... حملتها يوم الكفاح كماة راع غزلان عالج والمصلّى ... منه جيد ومقلة والتفات فهو ما أنفك بالفؤاد ولكن ... هي سرب في عالج سانحات

стр. 205

نسمات الصبا خجلن إذا ما ... مرّ يوماً وللصبا نسمات حسدت ضوء وجهه الشمس لكن ... سرقت لحظ ناظر به المهاة فالمغاني بوجهه مزهرات ... والغواني بلحظه مولعات قد هدى وجهة المشوق إليه ... وسعيد من فيه تهدى الهداة المعيُّ فات ابن سينا بفضل ... لسنا نوره لنا لمعات وشحته إذ كان للمجد أهلا ... للمعالي من آل فهر سرات فسما ذروة السماكين لمّا ... حسنت منه للأنام الصفات بمحياه للطلاقة معنىً ... وبكفّيه للنوال سمات لم أقس فيك بالفصاحة قساً ... ذاك ملح وأنت عذب فرات لك حوزالرهان في كلّ مجرى ... إن أعدّت بين الملا الحلبات فلو اسطعت أن تريث قليلا ... لسعت ولهاً لك القصبات فأجابه السيّد المذكور السيّد محمّد سعيد عنها بقصيدة يمدحه بها وهي هذه: دموعي وهي حمرٌ مرسلات ... وشت بي عند أهلك لا الوشات أتنكر يا أخا القمرين لتمي ... وفي خدّيك من شفتي سمات فسل عطفيك كم طعنا فؤادي ... إذا علمت بموقعها القناة أتحكي السمر قدك باعتدال ... وما ثقفت وهي مثقّفات وسل كبدي ففي كبدي سهام ... بأهداب الجفون مربّشات فلو نزعت لحاظك عن قسيّ ... لما حملت سواهنّ الرماة لقد وقعت على كبدي كأنّي ... لأحداق المها عندي ترات فصلني إن وصلت أخا غرام ... فشملي كاد يصدعه الشتات وإن نظر الزمان إليَّ شزراً ... وكادت أن تقاطعني الحياة فقد أحيى بوصلك لي وتحيى ... بجود محمّد الحسن العفاة فعنع في مدائحه حديثاً ... فذاك أصحُّ ما نقل الرواة قد اختلفت طباع النّاس نوعاً ... كما اختلفت بالسنها اللغات فكان أجلّها شأناً همام ... تغنّت في مدائحه الحداة فتى قد أعوزت كفّاه شبهاً ... وإن زعمته دجلة والفرات هما قد شرّقا سيراً فخصّا ... مسيلاً لم تسل منه الفلاة وقد عمّت يداه الكون جوداً ... قد امتلأت به الستّ الجهات طما نهر المجرّة من نداه ... فأنجمه أقاح نابتات كتب جناب الحاج محمّد حسن حرسه الله بيتين إلى حضرة نقيب الأشراف السيّد سلمان أفندي يهنّيه بالعيد عيد النحر وبرتبة "مكة ?ايه سي" التي حصلت له من نفحات حامي حوزة الملّة الإسلاميّة حضرة "السلطان عبد الحميد خان" دام عزّه وأرسلهما بالتلغراف إلى بغداد من كربلا لأنّه كان فيها والبيتان قوله: أقامك ربّ مكّة مستجاراً ... بسعيك إذا بلغت مقام قربه فعيد النحر فيك وأنت ركن ... حقيق أن يهنّي بيت ربّه وكتب أيضاً إليه هذين البيتين على لسان أخيه الأفخم جناب الحاج مصطفى يهنّيه بذلك: بمجدك الدهر لا بالعيد مبتهج ... وفي محيّاك يزهو لا محيّاه فالله حيّاك بالعيد السعيد كما ... بنور طالعك الميمون حيّاه وقال أيضاً حرسه الله تعالى مشطراً ومخمّساً هذين البيتين وقد التمسه على ذلك الحاج أحمد ال?ا?هـ ?ي والبيتين هما: عكس المدام بخدّه فتورّدا ... ودنا يعاطيها يحاكي الفرقدا وبدا يجول بحليته مشهراً ... سيف اللوا حظليته لن يغمدا فقال مشطّراً ومخمّساً: أفدي رشاً غصّ الشبيبة أغيدا ... بوضيء وجنة خدّه الساري اهتدى مذ كان في كلّ المحاسن مفردا ... عكس المدام بخدّة فتورّا وبخدّه نور الجمال تجسّدارشأ بغير حشاي ليس بقاطن ... وهواي عن مغناه لى بظاعن ناديته صل ذاجوىً بك كامن ... فدنا بشمس الراح بدر محاسن ودنا يعاطيها يحاكي الفرقدانادمته رشأ تلفّت أحورا ... ولثمته قمرا تكامل مسفرا فغدا يهزُّ من المهفهف أسمرا ... وبدا يجول بحلّتيه مشهّرا من مقلتيه على العباد مهنّدارقّت معاطفه كرقّة خدّه ... وزهت خلائقه كرهوة ورده قد سلّ مرهف لحظه من عمده ... فبمهجتي وأنا الصريع بحدّه

стр. 206

سيف اللواحظ ليته لن يغمداوأرسل هذه القصيدة من جصّان جناب السيّد عبّاس ابن السيّد محمّد ابن السيّد العلاّمة السيّد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة أعلا الله مقامه مادحاً بها ومهنّياً لجناب الحاج محمّد حسن في عرسه المبارك وذلك في سنة ١٣٤٩: أنهى إلى القلب خمار الشقف ... فياخمار الصرف منه انتصف وخذ بما أسرف ويك من دمي ... فأنت مابيني وبين مسرف معربد اللحظ بأيّ علقت ... ألحاظه غودر أيّ متلف وأغيد يخطر في دور الطلا ... هزَّ الردينيّ بأسنى مطرف مغنّجاً ماارفضَّ إلاّ بثَّ لي ... من جفنه النشوة قبل القرقف وهو إذا ما ثقلت أردافه ... رجرجها السكر وسوق المعزف لولا انكسار منك يا أجفانه ... الوسنى لما جردّت غير مرهف وأنت يا قامته قد غمزت ... مرهف جفنيه الطلا فانقظصفي قم واسقنيها امتزجت أكوابها ... من لثّتيك فهو أحى مرشف واشبب لظاها فهي مهما استعرت ... لو رسبت في البحر ما إن تنطفي وإن سعت للمزج منك قدم ... فلا أقيلت عثرات الرفرف لا دعدعاً أوانا من أرواحها ... أدركها صرفا برشح الأنف بكسرويات إذا ما أشرقت ... فهي شموس أشرفت في كتف نسيت مالي فالشموس دونها ... إذ هي عمر الدهر لمّا تكسف قرَّطها الساقي غداة ارتعشت ... كفّاه من أبهى لئالي الصدف فهي بنادي اللهو مهما بزغت ... أخالها الشمس بدت في شنف فياغيون اللهو بالراح انطفي ... ويا خياشيم الأباريق ارعفي وأنت يا زوراء قد راق الهنا ... في ضفّتيك بهجة تزخرفي قد أذن المجد إلى شمس الضحى ... إن تلك أبراج العلى فازدحفي فقد رأيت للشيف أن يرى ... أخا الشريف وأباً للشف من عقد الله له مئازر ... الفخار من قبل انعقاد النطف خلفك يا أحساب من فاضله ... قد قعدت بك الجدود فقفي فوَّقها شهباً وقد تفلتت ... به إلى المجد التماس الهدف هم شرعوا المجد زمان لم تكن ... أكرومة بين الورى أو تعرف فأوضحوا النهج إلى أبنائهم ... فهي لهم بالمكرمات تقتفي فأتبعوا التالد في طريفه ... فهم كرام خلفاً عن سلف وأرخصوا ما هو غال فهم ... لديهم العسجد مثل الخزف أي ويمين الخير كفّ المصطفى ... فهي بغير الخير لمّا تكف لو شحَّ نوء القطر في روائه ... لاخلفته بالقطار الموطف لا أحسب الصحف التي تسوّدت ... بمدحه إلاّ وضاء الصحف جمُّ المزايا لا تطيق رقمها ... وإن تحرّينا انتساق الأحرف يا مسعفي هنّ سميَّ المصطفى ... هنّ سميَّ المصطفى يا مسعفي بمن به العلياء قرّت عينها ... لا برح الدهر بعيش الترف فكتب إليه الحاج محمّد حسن بهذه الرسالة يتشوّقه ويشكره: سلام أحى من ريقة النحل، وأبهى من خصب بعد محل، وألطف من ساعة منح فيها الحبيب بالوصل، تزفّه نفحات الأشواق، محفوفاً بحبات القلوب والأحداق، إلى من عبرت معاليه على الشعرى العبور، وحلّ من جنان البراعة في جنان اعلا القصور، علوي الذات، المعي الصفات، من لمك أعنّة الفضائل فألقت إليه قيادها، وأذعنت له فصحاء البيان بالمقال الفصل فسادها، وحاز قصبات السبق في حلبات المعالي، وحلى عواطل الفضل من بحر كماله بالدرر واللئالي، وفاز من أقداح المفاخر بالمعلي والرقيب، فكان في درر فرائده وغرر قصائده ريحانة الأديب، وسلوة الغريب، ذاك سليلب الشرف الباذخ، وليث عرّيس البأس الراسخ، من عطر الأكوان بعرف معارفه وكرمه، وانتشت الأرواح بمكارم أخلاقه ومحاسن شيمه، عديم ندّه في المنثور والمنظوم، نسيج وحده في حلّ مشكلات العلوم، المتفرّع من دوحة جلال طيّبة الأغراس، والمتضوّع في روضة كمال عطريّة الأنفاس، علم الفضل المفرد، وعيلم العلم الأوحد، ذاك خلي السيّد عبّاس المؤيّد، أدام الله له من الخلود أسناه، وأضفى عليه من الإقبال أبهاه، رافعاً علم مجده بخفض عداه، صاقلاً روض سعده بقطر نداه، ما سجعت الحمائم بالأغاني، وهبّت النسائم في المغاني، بمحمّد أفص من نطق بالضاد، وأبلغ من أوتي جوامع الكلم فأروى ببلاغته كلّ قلب صاد.

стр. 207

أمّا بعد؛ فالداعيى لتنميق صحيفة الإخلاص، والوكة المحبّة والإختصاص، هو محض الإستفهام عن مزاج من فضح النسيم طبعاً، والإستعلام عن دوام ابتهاج من ترك محبّيه على ساحة الفراق صرعى، على أنّي أسير أعلاق الوجد والهيام، ورهين أشراق الشوق والغرام، فالأرض تارة معشبة بدموعي، وأخرى مصوحة بضرام ولعي وهلوعي. فبرح بي شوق ملحٌّ إلى فتىً ... تعلم منه الغيث كيف يجود همام طما بحراً بكلّ فضيلة ... وقد ساغ منه للأنام ورود وبينما أُعلّل النفس بالفوز في نظر محياك، وأروّح الروح بجميل ذكرك ونشر ريّاك، إذ وردتني مألكة نثرك الرائق، وعقيلة نظمك الفائق، منسوجة ببنان الفضل البار، فأزرت بوشي صنعاء، مرصّعة بدرر بحر البارع الماهر، فحسدتها قلائد الحسناء، فيا أيّة االسيّد الذي أضاء بفلك المجد بدر علاه، والبارع الذي ما نصب للفضل منبر إلاّ رقاه. كسوتَ فضلي أبراداً مفوّقةً ... من النهى نسجتها أنمل الفكر وزنت جيد العلى من بحر فكرك في ... منظومة درراً أبى من الدرر ألفاظها نفحات الروض باكره ... قطر الندى فغدا مستطرف الزهر لها معان بآراء الورى فعلت ... فعل اللحاظ بأبناء الهوى العذري لقد تحلّت وراقت في دقائها ... كما تحلّت عيون الغيد بالحور فليس لفظ حوته غير منتخب ... وليس معنىً زهاها غير مبتكر فيالها من بدائع بيان بزغت في أكواب الطروس شماً، وذكّرتنا سلاف أسلافها وأنستنا قبساً وقسّاً، فأسكرتنا براح معانيها الرقاق، وملئت جانبي بغداد بالإشراق، وغنّت بها بلابل السعد، على منابر الأغصان، وحدّت بها حداة الوخد، بمطربات الألحان، فيامن تحلّت بدرر ثنائه الطروس، وانتعشت بذكر صفائه النفوس. لولا الهموم الطارقات وإن أكن ... فرغت شطر القلب في ذكراكا لنظمت حبّات القلوب فرائداً ... عرنيةً يزهو بها مغناكا لكنّني ماذا أقول وإنّما ... يتحيّر النحرير في معناكا غير أنّي حين حرّكتني لواعج الشوق والكلف، وهيّجتني علائق التوق والشغف، بعثت بهذه الخريدة الهيفاء، والفريدة الغرّاء فأعرها سمع رأفتك الكامله، وألحظها بعين محبّتك الشامله، وهي هذه: نبت الروض من دموعي الذوارف ... إذ شجاني في الدوح سجع الهواتف ذكّرتني وكيف أنسى أغناً ... مائس القد كالرديني هائف وغزالاً مورد الخد غضّاً ال ... جيد مرَّ الصدود حلو المراشف راقني منه مرسلات جعود ... بين قاني خدوده والسوالف فلو أنّي لم أخش تلك الأفاعي ... كنت من ورد خدّه الغضّ قاطف عكّف الحسن والدلال عليه ... والتصابي باد عليه وعاكف لاذ بالمستجار من وجنتيه ... منه خالٌ بكعبة الحسن طائف أمن النّاس حيث فيَّ استجاروا ... وفوآدي مروَّع منه خائف يا رشيقاً قد راق للعين حتّى ... ما عليه من ناعمات المطارف عد لربع تخذّت فيه صبوحي ... وغبوقي اللما وأنت المساعف فترفّق بالمستهام وإنّي ... جئت مستعطفاً بلين المعاطف وأمنحن بالوصال يا روح روحي ... شافعاً للتليد منه بطارف يا فؤادي دع عنك ذكر غزال ... شأنه الدل للصدود محالف واذكر عهد سيّد ألمعيّ ... أبهر النّاس بالحجا والمعارف يا أباالفضل قد تساميت فضلاً ... ولسان الثنا بفضلك هاتف حار وصفي في كنه فضلك يا من ... بمزاياه لم يحط وصف واصف إن أقل فاضل فما الفضل إلاّ ... لك عبدٌ للأمر عندك واقف أو أقل حاتم الندى فأيادي ... ك ندىً عمّت الورى بالعوارف إنّما حاتم وإن فاض جوداً ... هو بالجود من بحارك غارف وحداة المطا بذكرك غنّت ... وتحلّت بالمدح فيك المصاحف ردّ لي عهدك القديم بمغنىً ... ألبسته يد الربيع مطارف ففؤادي قد بان مذ بنت عنّي ... وهو أنّي خطفت كالبرق خاطف وضلوعي انحنت عَلَيّ جمرات ال ... شوق والجفن في دمق القلب راعف

стр. 208

وكتب أيضاً إلى السيّد المذكور السيّد الشريف العالم الفاضل السيّد محمّد سعيد حبّوبي كتاباً وضمّ إليه قصيدة فائيّة يصف بها القصر الذي سيأتي ذكره يمحده بذلك ويمدح جناب الحاج محمّد حسن والكتاب هذا: أهدي إليك مع النسيم تحيّة ... تدع النسيم من التلهّب بارقاً فاصحر لها ما إن تهبّ مجزية ... بربى ديارك شائماً أو ناشقا سلام أرقُّ من نسمات الصبا، وإن أدركت من رقّة طبعك نصيبا، وأطيب من نفحات الكبا، وإن تضمّخت من نثرك طيبا، نظمته من بيض لؤلؤ مكنون، فانسقت فرائده صفوفا، ثمّ احترقتها بنار الشجون، فاسودّت في الطروس حروفا، لى طراز حلّة الفخر المذهّبة، ونور الدوحة الفاطمىّ المهذّبة، نخبتي من النّاس، مولاي السيّد عبّاس، حفظه الله وحرسه، بالنبيّ وآله، ومن عقد في عراهم مرسه، وأتبعهم في أحواله وأقواله. وبعد؛ فالقصد الأصلي، والمطلب الأوّلي، هو الفحص عن ذاتك التي هي عنوان الشرف، وطباعك المصقولة بأكفّ الترف، المسكوبة في أقداح اللطافة والظرف، التي ما تعاطي ذكرها الأحباب، إلاّ وأسكر الأرواح ما يروقها، المتشعشة في الأكواب، مذ كان من العلم والأدب راووقها، وإن سئلت عن صبك العميد، فهو بحمد الله في عيش رغيد، وإنّي وردت إلى الزوراء، قبل تزويج زين الخلاء، فكنت بهجة الألسن حيث لم نأنس إلاّ وذكرناك، ومتى النفوس والأعين، حيث ما منينا إلاّ وتمنّينا. فلكم جلسنا مجلساً ... فيه الأنيس جميل ذكرك هذا بمدك آخذ ... ويروح ذا بمزيد شكرك فكأّ ذكرك خمرة الأنس المتعاطات، والخطوة بمجيئك خطوة الأمل المتباطات، فلم توفق آفاقنا بإشراق شمسك، ولا ردَّ يومنا ما فات من أمسك، فكان بعدك كالغصة في ذلك العيش، وفي مراماة تلك القارة يميناً وشمالاً سهمنا بالطيش، حتّى زارت الزوراء خريدتك الفائيّة، التي آنستنا بكلّ بحترية وطائيّة، فتغنّت الندمان بها على كلّ سلافة، ونظمتها عقوداً كعاب الرصافة، بعد أن أقبلت ترفل في قوافيها، فتلقّتها الأخلاّء بالقبول، وعانقوا من ضخامة معانيها، ما تفصّمت في ساقها الحجول، فانعقد مجلس لأجلها، وتعطّشت الأسماع لسجلها، فلم يبق بيت إلاّ استعيد مائة وعشراً، ولا لطيمة مسك إلاّ وفضت ما استقصيناها نشراً، إذ تبسّمت مفترة عن ثغر عبّاس، وانسكبت صهباء على مسامع الجلاس، فانهت خمار شغفها إلى قلوب السامعين، وحلّت بانعقاد نطفها عرى المتعصّبين، فلو كان السامعون من ذبيان، لا نيغ فيهم غيرك من زياد، ولو كنت في سالف ذلك الزمان، لما أبقى طريفك من تلاد، ولو وعاها الوليد لشاب، أو سمعتها أخت صخر لارفضَّ قلبها وذاب، ولعمري هي صدر التهاني من الناظمين، وإن كنت منخرطاً في سلكهم، فقد رمت الوزارة على المهنّين، فردّوني وظفروا منك بملكهم، فهي المقدّمة على تأخيرها، والمعشوقة على تأميرها، ولعمري لهي الشنب المرتشف من الثغور، والحبب المرقص بأقداح الخمور، هذا وقد أرسلت إليك هذه الخود الكعاب، فأذّن لها ولا تغلق من دونها الباب، فهي وإن لم تكن بشأنك وافيه، إلاّ أنّها تحلّت عن بديعتك بالقافيه. بلوى الرقمتين من أُمّ أوفى ... طلل بان أهله فتعفّى غيّرته الأعصار يوماً وليلاً ... وشمالاً يعصفن بالربع عصفا ومحاه مسرى الرياح جنوباً ... وانهطال السماك سحباً ووكفا وثلاث لم يبلها صوب قطر ... لا ولا كابدت من البين صرفا قربت بينها ولائد بكر ... وارتضتها مواقد الحيّ ألفا بين نوئين خلفت ضمياء ألقت ... من حليّ لها سوراً ووقفا قال لي صاحبي وقد أخضل الدمع ... ردائي ومزنة الشوق وطفا طارحاً بالطلول عبأ دموع ... أثقلت ناظري عسى أن يخفّا أو تبكيك باللوى عرصات ... دارسات الطلول من أُمّ أوفى؟ صاح دعني في اربع نعمتني ... بلعوب لطيفة الخصر هيفا كان عهدي بها قريبة عهد ... لم ترعني في موعد الوصل خلفا تتمشّى مدلّة بين بيتي ... جاريتها ممكورة تتكفّى بقضيب يهزّه اللين قدّاً ... وكثيب يرجّه الثقل ردفا هي روض الجمال يرتادها الطر ... ف اختلاسا وتمنع الكفّ قطفا مبسماً واضحاً ووجها أغرّاً ... وحشىً مخطفا وزندا ألفا

стр. 209

وثنايا كأنّهنَّ لئال ... نسقتها نساقة الغيد رصفا هي أحلى من الرحيق إذا ما ... خلطوها بالزنجبى المصفّى وجفوناً أودى بها السقم حتّى ... كدن يحكينني سقاماً وضعفا فتنت نرجس البطاح إذا ما ... نبهته الصبا وقد كان أغفى ريّشت نبلها وريّشت نبلي ... فمضى لحظها وأرعشت كفّا وارتمينا فكنت أكذب مرمىً ... وانثنينا فكنت أصدق حتفا هزَّ منها الصبا قضيبي أراك ... للتصابي ولفنا الشوق لفّا إن تعشقتها هوىً فلعمري ... أنا ممّن إذا تعشّق عفّا أدّعي حبّها لينصل منّي ... ربّ مبد أيدي هواه ليخفى أهلها قرّبوا الجمال وحطّوا ... حجبها للنوى حجالاً وسجفا فتبدّت من القطيفة شمساً ... واستقلّت على الرحالة خشفا فبعيني ظعائناً جزن بالرمل ... وراء الهضاب يحدون عنفا أيّها الرّاكب التي انتجوها ... من ظليم أصاب وجناءَ حرفا فهي خلقٌ مابين ذاك وهذا ... أعملت للسرى جناحا وخفّا عجّ إذا جزت أرض بدرة واقصد ... شعب جصان جادها الغيث وكفا واخلع النعل في مقدّس واد ... لو أتاه المشوق يوماً تحفّى واقرأنَّ السلام عنّي خليلاً ... قد قرأنا هواه حرفاً فحرفا علويّاً حاز المعالي لا بل ... زانها مبسماً وجيداً وطرفا يا أباالفضل كنية قد أبانت ... لك فضلاً فأصبحت لك وصفا وعميد الوغى إذا هيج يوماً ... وحليف الإبا إذا سيم خسفا رفَّ شوقاً إلى لقاك فؤادي ... عمرك الله هل فؤادك رفّا لم يزل بي إلى لقائك لوح ... ولو أنّي أفنيت دجلة رشفا إن تسلني كيف استمرّت حياتي ... فبطيّ الكتاب جائتك لفّا أم تراك الغداة تذكر عهداً ... قد تقضّى ومعهداً قد تعفّى أزعجتنا النوى وكنّا جميعاً ... بربى الكرخ في نعيم وزلفى في مشيد من القصور منيف ... أوطأته حمراء دجلة كتفا فسما تحسب البسيطة رامت ... أن تشمَّ السما فمدّته أنفا شامخ الركن والأزاهير تزهوا ... جهتي أرضه أماماً وخلفا تحت ورديّة إذا ضربوها ... رفعت تشتكي إلى الله طرفا هي في طرحها سدىً وإذا ما ... ضربت جلّلت على الجوّ سقفا ضربوها وهل تحدُّ فتاة ... ما رمي عرضها الكواشح قذفا زانها الفرس بالتصاوير حتّى ... مثّلت لي الضبا صنفاً فصنفا ورواها البديع نوعين منه ... دون كلّ الفنون نشراً ولفا فانتظمنا عقداً وواسطة العقد ... أغرّ قد راق طبعاً وشفّا ذاك من علم الهيام فؤادي ... وسقاني مدامة الحبّ صرفا ذاك معنى الثنا بكلّ لسان ... ملىء الدهر من مزاياه صحفا ذاك خلي محمّد الحسن الأخ ... لاق والخلق أحسن الخلق وصفا لم أفه باسمه المطيّب إلاّ ... وفضحنا أرواح دارين عرفا فعليك السلام منه ومنّي ... ما تغنّى الحمام يندب ألفا وقال السيّد الجليل والفاضل النبيل السيّد عبّاس المتقدّم ذكره مقرضاً على نظم هذا السيّد المبدع، والمنشي المخترع، وقليل بمقامه، أن أقول أجاد في نظامه، وهو: هذا نظامك يا فرد الجمال أتى ... كالروض جرت عليه ذيلها الديم جزل المعاني رقيق اللفظ موجزه ... يروق مبتدؤٌ منه ومختتم قد ضمن الزهر إلاّ أنّه كلم ... والأنجم الزهر إلاّ أنّه حكم منظّم لدراريه ابن بجدته ... طرف له السبق لا زلت له قدم وذاك منثورك الزاهي فرائده ... يبثّها منك فكر ثاقب وفم عبد الحميد بن يحيى في بلاغته ... وابن العميد إذا قيسا به عدم نظم هو اللؤلؤ المكنون زان به ... نحر العلى مفرد في مجده علم ذاك الفتى الحسن الميمون طائره ... بوجهه تنجلي الغمّاء والظلم فلا يزال السعيد الجد في دعة ... ما هزَّ عطفيه في يوم الندى الكرم

стр. 210

وكان حضرة سيّدنا المؤيّد، بعناية الواحد الصمد، الميرزا جعفر نجل علم الملّة والشريعة السيّد مهدي القزويني دام علاه قد سافر من الحلّة الفيحاء إلى المرقد المقدّس لزيارة سيّد الشهداء، وكذلك الماجد الحاج محمّد حسن قد قدم من الزوراء للزيارة فضمّهما معاً مجلس المؤانسة والمفاكهة فعزم الحاج محمّد حسن على حضرة سيّدنا أن يشرّف إلى بغداد ويتشرّف بزيارة الكاظمين ﵉ فوعده بذلك بعد رجوعه إلى الحلّة فكتب إليه بعد ذلك يتشوّق إليه ويتقاضاه ذلك الوعد الذي سبق منه، والكتاب هذا: لوعة الوجد أحرقت أحشائي ... وفؤادي في الحلّة الفيحاء خامرتني الأشواق في مجلس الذ ... كر فكان السهاد من ندمائي أنا لم أصف للهنا بهواء ... مذ تنائيتم ولا عذب ماء ومحال صفاء دجلة مالم ... يجر ماء الفرات في الزوراء بك يا حلية المعاني ومعنى ... رقّة الماء راق معنى الهواء فعليك السلام ما سجع الورق ... سحيراً في بانة الجرعاء من موّق إلى على علوي ... جاز هام السماك والجوزاء ذاك من علم البحر التيّار، بصغرى أنملته، إن يجود بدرر الرائقه، وأعار الرند والعرار، من طيب نفحته، ما عطر الأرجاء بنسمته الفايق، هضبته الحلم الراسخ الرزين، وعيبة العلم الموروث عن الأنزع البطين، من تسنّم ذروة الزعامة من هاشم، ونشر بالرياسة أعلامه على قبيلة المكارم، معنى أبهة الشرف، وحياة روح الكمال والظرف، نيّر أفق المجد الأزهر، حضرة مولانا وعمادنا الميرزا جعفر، لا برح سنا هالة عليائه، متشعشعا بمطالع آفاق سمائه، ما اهتدت لمناهج السرى حداة الأظعان، بأنجم فضله السيّارة، وبلت بنوء الوجد أزهار الثرى من دم دمعتها الهتان، إذ رشقتها الأحداق بألحاظها السحّارة. آمين آمين لا أرضى بوادحة ... حتّى أضيف إليه ألف آمينا أمّا بعد؛ ومن طرز حلّة البراعة، من أفلاك نهاك بأنجم النثرة نظماً ونثراً، ورفع ببنانك اليراعه، في محفوظ لوح حجاك على هام المجرّة شرفاً وقدراً، لأليف شوق مخامر، ألحّ على الصب بزفراته، وحليف نوق مسامر، برح بالقلب بجمراته. فسل دراي الأُفق عن محاجري ... هل غير بعد نورها أرقّها وسل مغاني الكرخ عن مدامعي ... هل غير قاني مزنها أغرقها تلك مغان لم تزل مزهرة ... لو لم يكن حرُّ الجوى أحرقها وسل حمامات تئنّ لوعة ... في الدوح بالهدبل من أنطقها ومن غداة راعني يوم النوى ... بذائب من الحشا أطوقها وإنّي لأسئل من نشر أشعّة فضائلك على سائر الأرجاء، وكسا الكون من نشر عوارفك وفواضلك حلل الشرف والعلياء، أن يعيد الزوراء بزورة بدر المجد باسمة الثغور، ويسعف المتّسمين بالولاء بإنجاز سالف الوعد فيطوّقهم بالحبور، وأسألك أيّها الراقي من ثريّا الفخار بسلّم محامده مناطها، والغائص في عيلم علمه الزخّار ليلتقط درر فوائده فأحسن التقاطها، أن ينوب عن الداعي بلثم أنامل مولانا العماد، وينهي أكمل ثنائه إلى القادة الأمجاد، وأن لا ينسي المحب وحاشا كرائم عاداته، من مستجاب دعواته. فأجابه السيّد المذكور الميرزا جعفر عن رسالته هذه بقوله: أرج معاهد من معاهد الزوراء ... نشره فاح في حمى الفيحاء أم عروس زفّت من الكرخ تمشي ... لي على الدل لا على استحياء ونجوم من الرصافة ألبسن ... حمى بابل برود ضياء أم سطور بها حباني حبيب ... هو من مهجتي قريب نائي لسكرتني ألفاظها ومعاني ... ها فقل في الكؤس والصهباء وسبتني صدورها وقوافي ... ها فقل في المشوق والحسناء هيجت لي شوقاً بها كان قدماً ... كامناً في ضمائر الأحشاء لفتىً ينتمي إذا انتسب النا ... س فخاراً لأكرم الآباء

стр. 211

ذاك من حلق نسر مجده الطائر، عن أن تصل أفكار الواصفين إليه، وتعالى شأن سعده الباهر، عن أن تقع أبصار الناعتين عليه، بدر هالة الكمال المشرقة، على الأرجاء أنواره، وفرقد دائرة الإفضال المتألقة، أشعّته وآثاره، فرع الشرف الباهر، وسلالة المجد الموروث كابراً عن كابر، عين أعيان الزمن، وغرّة وجهه الحسن، لا زال نيّر مجده، طالعاً في آفاق سعده، ما طاف بربعه المعمور طائف، وسعى بفناء عزّه بادي الوفد والعاكف، آمين آمين. أمّا بعد؛ فقد وافت الوكتك التي حيّرت بما حبرت فيها عقول ذي الألباب، ورسالتك التي أعجزت بما أوجزت فيها من المحكمة وفصل الخطاب. فكم أهاجت في الأسى لي مهجة ... إلى حمى الزوراء ما أشوقها وكم أذالت في الهوى لي مقلة ... إلى مغاني الكرخ ما أرمقها وكم روت لي عنك في إسنادها ... مودّه في الدهر ما أصدقها وكم دعت بالفضل من ذي لهجة ... عليك بالثناء ما أنطقها فاسأل من ألبسك مطارف الفخر حتّى صرت إنسان عين الزمان، وكساك برود العزّ حتّى أشير إليك بالبنان، أن يتمّ لنا ما أمّلناه من مواصلتك، وبعجل ما تمنّيناه من زيارتك، والسلام عليك ورحمة الله. وممّا كتب به جناب الحاج محمّد الحسن إلى النجف إلى جناب السيّد محمّد سعيد حبّوبي: نسم الصبان إن جزت كوفان بلّغي ... سنا هامة العليا تحيّة مغرمه وإن فهت نطقا فانشري طي لوعة ... ورتها الليالي بين جنبي متيّمه عسى أنّ ألفاً لم يعودنّ جفوةً ... يرقّ لرقّ ريُّ خدّيه عن دمه فلا والهوى لولاه لم أدر ما الهوى ... مولم يشجني ورق الحمى بترنّمه ولم تلهني عن ذكره ريم رامة ... ولا عيس نعمى لا وربّي وأنعمه فيا روح روح الصب عجّل بردّها ... فما هي إلاّ أنت يا بدر أنجمه ودمت لمنثور اللئالي منظّما ... فرائد فكر أنت لجيُّ عيلمه أما والذي هداني صراط ولائك، ومزج يوم أخذ الميثاق حوبائي بحوبائك، لم يسل عميد هواك عن سعيد جدّ علاك، ونشر عاطر رياك، وفجر باهر محيّاك، ولا آناً يرشق الأكحل فيه بنلة لحظة، بل ولا زماناً ينسق إلاّ لثغ ذوالدل من فية مدرة لفظه. إنّي ولاعج شوقي بات ينفرني ... طعم الكرى وغرامي الصبر إنساني فسال إنسان عيني في مدامعها ... وأنت بأضوء عيني عين إنساني ولكم أماتت كئابتي من النهار بياضه، وأحيت فرط صبابتي سواد الظلام ولا غضاضة، وكيف يملك عنان أساء من أنسى هيامه بني عذره، على أنّه لو نبا حدّ وجده واساه لم يقبل الهوى عذره، فلا وحلّة فضلك السابغه، وشرعة نبلك السائغه، ما ريع مذ أتيت سهم داعيك بالطيش، كلاّ ولا راق إذ نأيت بعين مراعيك لذّة العيش. ولم ترق حدائق مبهجة ... ما لم يكن وجهك نور روضها ولا الصبا سارية ما لم يكن ... يروي لنا خلقك نشر غضّها فكيف عن مثلك يا عديمه ... تذوق عين الصب طعم غمضها زنت العلى من هاشم معنى العلى ... ففزت في لبابها ومحضها بوركت من ندب على رغم العدا ... أعلى منار وندبها وفرضها وجدّك الأعلى على سمائها ... والعروة الوثقى لأهل أرضها فلا زال رواق عزّك على قصر نسبك القصير ممدودا، ولا برح ساحل يمّ جودك العذب النمير للناهلين منهلاً مورودا، وإنّي لأسأل من أبدع فطرة ذات مجدك المؤثّل، وزان جيد الفضائل والفواضل بجوهر عقدك المفصّل، ورصّع من مستظرف نهاك فرائد الجمان بكلّ درّة يتيمه، ورصّف من مستطرف غضّ بهاك قلائد العقيان بدرر أشعّة طلعتك الكريمه، أن يعطر بطيب مجالسك الذكيّة، أندية الرصافة، فنتعاطى بها منادمة أخلاقك الزكيّه، عن منادمة السلافه، ولمّا أن هزّني إليك الشوق الملحّ، وأمالني وجداً عليك الهوى المبرح، نظمت ببنان المودّة عقود قلائد هذه الغانيه، فأزففتها تمشي على استحياء إلى جنّة فضلك العاليه. دم الدمع من عين المتيّم مرزم ... لك الله من دامي الحشا يا متيّم شجاك الهوى وجداً فأشجيت نائحاً ... حمامات ذات الأثل إذ تترنّم فما غار منك الصبر إلاّ وأنجدت ... مدامع حمر منك والركب متّهم فيا سائقي أضعان لبنى ترفّقاً ... بقلب مشوق ليس ينفك عنكم

стр. 212

ربيع الثرى ذوا بحرّ حشاشتي ... ونومي مذبنتهم عليَّ محرّم فليس الهوى العذري إلاّ لمغرم ... قضى أسفاً يوم النوى وهو مغرم وما كنتم الواشون سرَّ صبابتي ... وأيّة أسرار من الحبّ تكتم تتيّم قلبي في هواكم وإنّما ... يقطع أفلاذ الفؤاد التتيّم بنفسي ريماً سانحاً بين سربكم ... وبد سما حسن حواليه أنجم مغنّج لحظ ماالسيوف وإن مضت ... بحاسمة مالم تكن عنه تحسم رقيق حواش ما الصبا برقيقة ... إذا نسمت إن لم تكن عنه تنسم مفلّج ثغر ما الأقاحي نظيرة ... إذا لم يزنها ثغره المتبسّم تدبّ على ورد بخدّيه عقرب ... وفوق رقيق الخصر يناسب أرقم فيهمّ لي ما كان بالثغر موضحاً ... ويوضح لي ما كان بالشعر مبهم ترعرع في حجر الدلال وقد نشا ... رقيق صباً يلهو به المتنعّم لهوت ولكن عن هواه بماجد ... إذا عدّد الأشراف فهو المقدّم فتىً فات معناً بالنوال وحاتماً ... بلفظ ومعنى وهو أعلى وأكرم فتىً فاز بالقدح المعلّى من النهى ... وكان له في حلبتيه التقدّم فيانجعة العافي عفى رسم مهجتي ... من الوجد لولا أن خيالك ترسم وربعي يا أنسى بنأيك موحشٌ ... أجل وربيعي من دموعي مرهم فهلاّ تراعي ما مضى من عهودنا ... وتثنّى لنا أيّام كنّا وكنتم ويا بدر ما بدر السماء بمرتق ... إليك ولو أنّ الكواكب سلّم بنعلك دس هام الدراري مباهياً ... فأنت لجيد الفضل عقد منظّم ونهاية المأمول من مولاي، ومالك حوز ولاي، أن يذكر الداعي لدوام عزّه، تحت قبّة ذخره في عظائم الأمور وحرزه، وينوب عنه بالبشرى في لثم يدي علم العلم وكنزه، متّعنا الله ببقاه، وبلغ به من الفضل أعلا مرتقاه، وإبلاغ الفضلاء الكرام أوفر الثناء عنّا وأكمل السلام. وكتب إليه من النجف، مركز دائرة الكمال والظرف، من لا تعقد الخناصر بغير اسمه، ولا تصاب شاكلة الغرض إلاّ بسهام رويته وفهمه، فرع زيتونة الفخار، ولسان فصحاة نزار، الذي هو بكلّ المزايا فريد، جناب السيّد محمّد سعيد الملقّب بحبّوبي النجفي جواباً عن هذا الكتاب: إليك يا أباالهاديى تحيّة شيّق ... تضمّخ فيها شمأل وشمول فآية تسليمي إذا ضاع عنبر ... شذاه وما هبّت صباً وقبول وكلّ أريج ضاع فهو تحيّة ... وكلّ نسيم هبّ فهو رسول أخي والذي طوّقني بفضلك طوق الحمامة، لا ينتزع من جيدها ولا تخشى انفصامه، وملكك دون البريّة صعب عناني، لئن خلا منك ناظري فقد امتلأ منك جناني، وكأنّك لم تبرح نصب عيني، وإن حالت المهامة بينك وبيني، وعندي من الشوق ما تتلجلج ألسنة الأقلام عن ذكره وتقريره، وتبيضّ عيون المحابر في الأرقام عند تحبيره وتحريره، على أنّي لو جاوزت به سماعي، وأفشيت سرّه إلى يراعي، لالتهبت ريقته جمرة تجفّف لسانه، ولتعثر في مناجات القرطاس فلم يعرف بيانه، ولأعيى المحابر أن تبرد برشفاتها أنفاسه، ولم تبق من ريقه رشحة ينقط بها أطراسه، على أنّه أصمّ لا يسمع سرّاً أو نجوى، وليس بذي قلب فيرقّ لبث أو شكوى. ولو أنّني فاوضت ذاالطرس بعضه ... لأحرقه حتّى وهي وبيدا ولم تقو عيسى أن تنوء بحمله ... ولو مسخت أخفافهنَّ حديدا ولو سخرت شمّ الجبال لنقلة ... وحملنه لانهلن منه صعيدا ألا فليطب بالكرخ عيش أحبّتي ... فما ذقت عيشاً بالغريّ رغيدا وأشرب عذب الماء رنقا كأنّما ... سقاني ضيعاً صدّكم وصديدا ومن شقوتي أن يحكم البين بيننا ... ويا شدّ ما أشقى الزمان سعيدا غيره: فلي زفرة وجه النّهار وزفرة ... أسامر فيها الليل دون سميري وما تلك أنفاساً تشبّ وإنّما ... شظايا فؤادي في شواظ زفيري غيره: وخامرت من داء الصبابة نشوة ... أخال لها ما إن مشيت نزيفا وسار وجيباً نحوكم بين أضلعي ... فؤادي إذ لا يستطيع وجيفا وأنكرت كلّ النّاس ألفاً وصاحباً ... وكلّ المغانيى مربعاً ومصيفا

стр. 213

وكلّما متّعت في طيب ذكراك اللسان، قالت العين لاحظ لي في غير العيان، ولقد خالطني برح لم أجد له من براح، وبراني ممضه بري القداح، فبينا أنا أطالع النجود والتهائم، واستنشد عنك البروق والنسائم. إذا بابن موسى جاء من نحو أرضكم ... بما لو أتى عيسى به لتجمّلا رسالة شوق مذ فضضت ختامها ... وجدت بها للدرّ "عقداً مفصّلا" فقبّلت منها أحرفاً وحسبتني ... أُقبّل من كفّيك في الطرس أنملا وشاهدت معناكم بها ولربّما ... بدا المرء في آياته فتمثّلا فقلت أراني لست أهلاً لمثلها ... فقال جواد قد حنا وتفضّلا وإنّي لم أبعث إليه رسالة ... سوى الريح إن هبّت جنوبا وشملألا فتهلّل وجه الأرض لبشري وابتهاجي، على أنّي كدت أن أطير بأجناح السرور عنها فرحا، وقلت لبراق سعدي رويداً فقد تناهي معراجي، فها أنا أختال على أفلاك الأماني مرحا، وكدت قبل أن أفض لها ختما، أن أستأصلها تقبيلاً ولثما، حتّى إذا فضضت ختامها، ورفعت عن لألأ غرّتها لثامها، وجدتها معاجز محمّديّة، ورأيتها فقراً حسنيّة، تفيض بأسرار البلاغة ينابيع بيانها، وتشير إلى المودّة أساريع بنانها، وتأرّجت الأرجاء بطيبها نفحا، وطفق لسان الشكر ينشىء له مدحا، وترنّمت بلابل الوجد صدحاً. طلعت الوكته عليك بأسعد ... وأتتك تحسبها سبيكة عسجد وكأنّ أحرفها على وجناتها ... آس العذار يشقّ خدّي أمرد ولقد أتت والكتب بيض قبلها ... ورديّة تجلو خدود مورد وتبسّمت تفترُّ من كلماتها ... كالخود تبسم عن خمار أسود كاللؤلؤ المنثور وشي حروفها ... لو لم تكن صبغت بماء زبرجد بالشمئل الشمل استقلّ نسيمها ... وأريجها قد ضاع بالندّ الندي حتّى كأنّك قد ك تبت سطورها ... دون اليراع بمندل متوقّد فلثمتها في ناظري لا في فمي ... وحملتها في صبوتي لا في يدي وطفقت أسحب مطرفيَّ تمايلا ... فكأنّنيى خامرت نشوة صرخد فكأنَّ معناها سلافة قرقف ... وكأنّما يسقي السلافة منشدي أمشرّفاً قدري برائق لفظه ... ومطوّقاً جيدي به ومقلّدي هل كيف تختلس المداد مقدّراً ... كفٌّ قد انبجست ببحر مزبّد وتشكّل الكلمات في رشحاتها ... وهي السحابة تشتهلّ لمجتدي يا ساكني الزوراء حسبكم النوى ... فلقد وهى جلدي لكم وتجلّدي أمرضتموني بالبعاد وإنّما ... أقصى شفائي إن أراكم عوّدي ألقيت أقليدي إليكم طائعا ... ولكم تقاعس عن سواكم مقودي كثرت عَلَيّ النائحات صوارخاً ... إن لم أكثّر في هواكم حسّدي موّهت عنك بحاجر وبلعلع ... ولأنت من تلك العبارة مقصدي فليحل بالزوراء عيشك سائغاً ... أنّي أغصُّ بكلّ عيش أرغد وليهنّ أعينك الرقاد فإنَّ لي ... عيناً إذا رقد الملا لم ترقد أن أسلمتك يد الغرام فإنّني ... ملقىً بقبضته أروح وأغتدي أو تنس لي العهد القديم فإنّما ... نسيان عهدي حين أقوى معهدي فلو أنّ لي للكرخ أوبة راجع ... لتخذت مغناه مقدّس مشهدي ثمّ لم تكتف منك بإرسال هذا الكتاب، وتشريفي بما أكبرته من لذيذ ذلك الخطاب، حتّى عقدت لي قصيدة على حيالها، وزففت لي خريدة من منيع حجالها، قد أخرست كلّ متكلّم بليغ، ورقّت لسلاستها كلّ لذيع، لقد واترت أنعامك على غير مستحقّه، ولعمري لأنت يا محمّد الحسن في خلقه وخلقه، فلم أطو على العجز عن شكرها كشحا، ولم أضرب عن التعرّض لحمدها صفحها، فاقتدحت قريحة خبا زنادها، وأجريت رويّة قد كبت في مضامير القريض جيادها. يا ريم حسبك مهجتي مرعى ... لا شيح كاظمة ولا الجرّعا وكفاك عن ورد تلمُّ به ... عين تفيض غروبها دمعا فارحم جوانح قد حللت بها ... دون الحمى وسكنتها ربعا ترمي لحاظك والسهام معاً ... إنّ اللحاظ أشدّها وقعا الله من سهم رميت به ... فأصاب لا غرباً ولا نبعا كانت حواجبك القسىّ له ... وبغمزهنَّ نزعته نزعا ريّشته بالهدب مرتمياً ... فتركت آساد الشرى صرعى يرعاك من لم ترع ذمّته ... ولكمن رعيت لغير من يرعى

стр. 214

كم ليلة أرسلت غيهبها ... لك بردة ونشرتها فرعا فإذا طلعت شمس ضحىً ... وإذا انثيت فبانة الجرعا فبأضلعي وبما تضمُّ رشاً ... كابدت في كبدي له صدعا أرخى الجعود لردفه فغدت ... فوق الكثيب أراقماً تسعى وبعقربي صدغيه وجنته ... شاكت مقبّل وردها لسعا من لي بأغيد راح محترساً ... بالعقرب الحجناء والأفعى أحمامة الوادي عداك جوىً ... لو حلَّ فرعك أحرق الفرعا إنّي اتّخذتك لي منادمة ... ولقد شربت فغرّدي سجعا يا ربع أين الساكنوك فقد ... أضحت خدودك بعدهم سفعا فلقد بكيت لبينهم بدم ... حتّى صبغت ملابسي ردعا لو صحّ للمشتاق مرتجع ... لربوعهم لرأى بها الرجعى وأقام خسماً من فرائضه ... ولطاف حول حماهم سبعا إن يقطعوا فهواي متّصل ... لم يلف منصرماً ولا قطعا إن أهوهم فتطبّعٌ وأرى ... لمحمّد الحسن الهوى طبعا قرم كأنّ السيف في يده ... برق أضاء بمزنة لمعا وعلى المجرّة قد جرت خبباً ... أفراسه فأثّرنها نقعا لو سابقته الشمس ما لحقت ... ولا دركت بسباقه الظلعا ومتوّج بالفخر ترمقه ... شمس النهار إذا الضحى شعّا وتودُّ لو مدّت إليه يداً ... وسعت له لو أنّها تسعى يخشاه حتّى السيف في يده ... فيكاد يقطع حدّه قطعا يا من أبحت له الفؤاد هوىً ... وحجبته عن غيره منعا وإذا نظرت وجدته بصراً ... وإذا وعيت وجدته سمعا ما راجحتك الراسيات حجاً ... يا من يخفّ على الصبا طبعا قسماً بشعث قد حدا بهم ... حادي الحجيج ويمّموا جمعا بمحو شنّات قد قطعن بهم ... شقق الفلا جزعاً يلي جزعا ومعطفات كالقسيّ سرت ... رمي السهام تفلتت نزعاً حتّى أجزن بذي الأراك ضحىً ... وعلى المطاف حبسن والمسعى لقد انقلبت لبينكم بجوىً ... وضنى أضيق لوصفه ذرعا إنّي اتّخذت هواكم حسباً ... أعزى إليه وحبّكم شرعا حسبي من الدنيا هواك وما ... تولّت إن ضّرّاً وإن نفعا وإليك ما وشت إليك يدي ... ماليس تصنع مثله صنعا بأنامل لم تقض حقّكم ... ولو أنّني أعلقتها شمعا وقال جناب السيّد الشريف محمّد سعيد حبّوبي يهنآي جناب الحاج محمّد حسن في زواجه في سنة ١٢٩٣: لي في محيّاك ما للنّاس في القمر ... هدى لمسراي أو عون علي سهري فامرح ببرديك تيهاً إنَّ بينهما ... روح الجمال بدت في أحسن الصور وما رأيتك إلاّ قلت مبتهجاً ... لولا محاسن هذا لم أرد بصري يا شادناً لم يزل واشيه يرصده ... فما اجتمعت به إلاّ على حذر ادنيته وقد أثاقلت من نفسي ... لما استطار إلى خدّيه بالشرر خشيت أحرق روضاً راق مرتعه ... أرعيته سائمات اللحظ والبصر ونحن في مربع حاك الربيع له ... برود موشية خيطت بلا أبر خال الكثيب به ردفاً فغار له ... وراح يكسوه أبراداً من الزهر فبتُّ أعبث في أعطاف ذي غنج ... مهفهف رقصته نغمة الوتر مفلّج الثغر يسقى من مراشفه ... صهباء ما دنّستها كفُّ معتصر أرخى الغدائر أكليلا فحين بدا ... بدا بلا معجر في زيّ معتجر ما مزّق الليل سيف من أشعّته ... إلاّ وحاك له ثوباً من الشعر يعطو بأتلع لو حلّت قلائده ... لما فقدن لما يبقين من أثر من عقده وثناياه ومنطقه ... وراشح العرق المنهلّ بالدرر رأيت منتظماً يزهو بمنتظم ... وشمت منتثراً يهمي بمنتثر يا حاكماً جائراً في حكمه أبداً ... وأيّ ملك تولّى الحكم لم يجر زدني بحبّك تعذيباً أسرُّ به ... فليس لي غير ما تهواه من وطر قد غرّني خدّك القاني برقّته ... وما علمت بأنّ القلب من حجر أم هل نسيت ليالينا التي سلفت ... عجلى وأبطؤ منها لمحة البصر ولو تطاول ليلي الدهر يجمعكم ... ثمّ انقضى عبت ذاك الليل بالقصر يا جارتا بزرود طال عهدك ... بالمستهام فلم يذكر ولم يزر

стр. 215

بعد ارتفاعي في عينيك صغّرني ... مثل السهى إذ رأته العين ذا صغر سلي بي الخيل تنزوا في شكائمها ... فما جهلت بهذا الحيّ من مضر إنّي تركت طريق المجد واحدة ... كي لا يرى المجد إلاّ مقتفي أثري وطال باعي حتّى كاد يدرك لي ... ما لست أدركه في منتهى بصري بذا نظمت دراري الشهب تهنئة ... لما شهدت زفاف الشمس للقمر محمّد الحسن الزاكي الذي شهدت ... بفضله فصحاء البدو والحضر المطعم الجزر ابن المطعم الجزر ابن ... المطعم الجزر ابن المطعم الجزر مؤيّد تهتك الأستار فكرته ... حتّى يحيط بكنه الكلّ بالفكر وربّ علم جليل راغ عن ملك ... يغدو بجملته وقفاً على بشر نداه والغيث غيث عمّ سيبما ... والمنبت الحمد غير المنبت الشجر سرٌّ بكفّك لم يغرق مقبّلها ... وقد تلقى بفيه ديمة المطر فيا أخيَّ ومن أدعو سواك أخاً ... وهذه دعوة يسمو بها قدري قالت لحلمك رضوى حين راجحها ... ما طبع ربّك إلاّ نسمة السحر يا مجهداً يتمنّى أن يجيء له ... بمشبه في طوامير من السير خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به ... ففي العيان وثوق ليس في الخبر يا راكباً ذات لوث في مناسمها ... رقىً تقيها سمام الأين والضجر حرف أبوها ظلم في مناسبه ... وأُمّها الحرف للمهرية الصعر فخلقها برزخ مابين ذاك وذي ... مثل الظليم ولكن ذاك لم يطر وأعجب لها ذات أخفاف وأجنحة ... حصاء من ريشها ترتاش بالوبر يمّم بها حيث حلَّ المصطفى بلداً ... بزري حصاه بحسن الأنجم الزهر وحيّه مبلغاً علياه تهنئةً ... تضمّخت من شذاه بالشذا العطر بفرحة صدحت تشدوا بلابلها ... كسحب كفّيك عمّت سائر البشر أباالغني أما في راحتيك غنىً ... عن السحاب فلم يهمي بمنهمر والشمس تطلع أحياناً وقد علمت ... بأنّ وجهك بدر غير مستتر وهبهما حكياً بعضاً فمن لهما ... أن يجمعا شبه الأحوال والصور يا حائزي قصب العليا بسبقهما ... بلغتما منتهى العليا على قدر وما ونى واحد عن واحد فهما ... كالفرقدين خلال الأنجم الزهر لا تأملا صدري عن ورد ودّكما ... في المورد العذب ما يلهي عن الصدر بقيتما ملجأ العافي ومأمنه ... ما هيّجت مستهاماً نسمة السحر وقال نابغة زمانه ذوالفضل الواضح الشيخ صالح الملقّب بالحريري مهنّياً له بزواجه وبالعيد ومهنّياً أخاه المصطفى به: وافتك تختال بثوب الدلال ... منجزة وعدك بعد المطال زارتك والليل دجا يقظةً ... وكنت منها تكتفي بالخيال ناعسة الأجفان لكنّها ... إذا رنت ترمي الحشا بالنبال تطعن قلب الصب في قامة ... تشرع كالرمح بيوم القتال إن هجرتني العمر أو واصلت ... فإنّني راض على كلّ حال وأنكرت وجدي فكم لي بها ... عقيق دمع فوق خدَّي سال لست أطيق الهجر إن لم أكن ... أُعلّل النّفس بيوم الوصال ياما أحيلي ليلة أشرقت ... بطلعة تخجل بدر الكمال يا لائمي دعني فقد عمّني ... نور محيّاً فيه أبصرت خال الكأس فيما بيننا كوكب ... والراح شمس والمدير الهلال وكم سقتني ليلة الوصل من ... رضا بها المعسول خمراً حلال تجود في قهوتها مثلما ... تجود كفّ المجتبى بالنوال الحسن الأخلاق من فضله ... أنسى الورى فضل السحاب الثقال قل للذي رام إذا ما سعى ... يدنو إلى علياك رمت المحال أقصر ولو أصبحت ذا رفعة ... ما أبعد الجوزاء من أن تنال فأنت رأس الفخر صدر العلى ... وأنت قلب المجد روح الكمال فديتك النفس أخا المصطفى ... وما حوت يمناي عزّاً ومال أتحفك الدهر بإقباله ... تحفة بشرى لكم لا تزال قد زارك العيد به فاحتفل ... زورة ظبي غنج ذي دلال فيك نهنّي العيد يابن الأولى ... سموا سماء المجد دون الرجال وكنت أنت المقتفي نهج من ... قد كانت الدنيا عليه عيال صالح هذا الدهر من كان في ... راحته الراحة يوم النوال
следующие страницы →