← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

التفسير: ﴿٢٢٦﴾ قوله تعالى: ﴿للذين﴾ خبر مقدم؛ و ﴿تربص﴾ مبتدأ مؤخر؛ وبعد هذا بين الله الحال بعد هذا التربص. قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾: اللام يحتمل أن تكون للإباحة؛ ويحتمل أن تكون للتوقيت؛ يعني: أنه يباح للمولين أن يتربصوا أربعة أشهر؛ أو أن لهم وقتاً محدداً بأربعة أشهر؛ و ﴿يؤلون﴾ أي يحلفون على ترك وطء زوجاتهم؛ و ﴿مِن﴾: قيل إنها بمعنى «عن»؛ يعني يحلفون عن وطء نسائهم؛ وقيل: إنها على بابها؛ فهي مبينة لموضع الإيلاء - يعني: الحلف -؛ و ﴿نسائهم﴾ أي زوجاتهم. قوله تعالى: ﴿تربص﴾ أي انتظار؛ وهو شبيه بـ «الصبر» لموافقته إياه في الحروف - وإن خالفه في الترتيب -؛ و «الصبر» بمعنى حبس النفس، وانتظارها؛ ﴿أربعة أشهر﴾ أي مدة أربعة أشهر؛ فينتظرون لمدة أربعة أشهر ابتداءً من إيلائهم. قوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾ أي رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلوا منهن؛ ﴿فإن الله غفور﴾ أي يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على ألا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف؛ وليس من العشرة بالمعروف أن يحلف الإنسان ألا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر؛ فإن فعل فقد عرض نفسه للعقوبة؛ لكنه إذا رجع غفر الله له؛ و ﴿غفور﴾ أي ذو مغفرة، كما قال تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦]؛ والمغفرة هي ستر الذنب مع

стр. 982

التجاوز عنه مأخوذة من «المغفر»؛ وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام؛ وفي المغفر تغطية، ووقاية؛ و ﴿رحيم﴾ أي ذو رحمة، كما قال تعالى: ﴿وربك الغني ذو الرحمة﴾ [الأنعام: ١٣٣]؛ فهو مشتق من الرحمة المستلزمة للعطف، والحنوّ، والإحسان، ودفع النقم. ﴿٢٢٧﴾ قوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ أي قصدوه بعزيمة تامة؛ ويدل على أن العزم هنا بمعنى القصد أنه تعدى بنفسه إلى الطلاق؛ ولو كان العزم بمعناه الأصلي لتعدى بـ «على»؛ فإنك تقول: «عزم على كذا»؛ ولا تقول: «عزم كذا». قوله تعالى: ﴿فإن الله سميع عليم﴾ أي سميع لأقوالهم - ومنها الطلاق -؛ عليم بأحوالهم - ومنها مفارقة زوجاتهم -. الفوائد: ١ - من فوائد الآيتين: ثبوت حكم الإيلاء؛ لأن الله تعالى وقَّت له أربعة أشهر. ٢ - ومنها: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله تعالى: [من نسائهم﴾؛ فلو حلف أن لا يطأ أمته لم يثبت له حكم الإيلاء؛ ولو حلف أن لا يطأ امرأة، ثم تزوجها، لم يكن له حكم الإيلاء - لكن لو جامع وجبت عليه كفارة يمين -. ٣ - ومنها: أن المولي يضرب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾؛ فيفيد أن ابتداء المدة من الإيلاء. ٤ - ومنها: حكمة الله ، ورحمته بعباده في مراعاة حقوق الزوجة؛ وكما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضاً

стр. 983

حتى لا يضيع حق المرأة على يده، فيكون ظالماً. ٥ - ومنها: أن المولي يوقف عند مضي أربعة أشهر، ويقال له: إما أن تفيء؛ وإما أن تطلق؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾. ٦ - ومنها: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾؛ والضمير يعود على «الذين يؤلون من نسائهم». ٧ - ومنها: صحة الإيلاء من غير المدخول بها؛ لقوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾؛ والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد الصحيح. ٨ - ومنها: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق محرم؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾؛ فإن المغفرة لا تكون إلا في مقابلة ذنب. ٩ - ومنها: أن رجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾. ١٠ - ومنها: أن الله لا يحب الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ١١ - ومنها: أن الطلاق لا يقع بمجرد تمام مدة الإيلاء؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾؛ فإن قيل: لو امتنع عن الفيئة، والطلاق فهل يجبر على أحدهما؟ فالجواب: نعم؛ يجبر على أحدهما إذا طالبت الزوجة بذلك؛ لأنه حق لها؛ فإن أبى فللحاكم أن يطلق، أو يفسخ النكاح؛ والفسخ أولى من الطلاق لئلا تحسب عليه طلقة، فيضيق عليه العدد - أي عدد الطلاق -.

стр. 984

مسألة: هل يصح الإيلاء من الصغير الذي لم يبلغ؟ الجواب: لا يصح؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾؛ والصبي لا تنعقد منه اليمين؛ لأنه غير مكلف. ١٢ - ومنها: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله ؛ وهي «الغفور»، و «الرحيم»، و «السميع»، و «العليم»؛ وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات، والأحكام. ١٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الفيئة أحب إلى الله من الطلاق؛ لأن ذلك نوع من التهديد القرآن (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٢٨) التفسير: ﴿٢٢٨﴾ قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾ أي اللاتي طلقهن أزواجهن؛ ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ أي ينتظرن في العدة، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح؛ فقيل لها: تربصي بنفسك؛ انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك -؛ وما أشبهها؛ وأما قول من قال: إن «أنفسهن» توكيد للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن

стр. 985

أنفسُهن؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح: أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن. قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ جمع قَرْء بفتح القاف؛ وهو الحيض على أرجح القولين؛ وهو رأي الجمهور؛ لقول النبي ﷺ في المستحاضة: «تجلس أيام أقرائها» (١) أي حيضها؛ فقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ أي ثلاث حيض. قوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن﴾ أي يخفين ﴿ما خلق الله في أرحامهن﴾ أي من الحمل؛ فلا يحل لها أن تكتم الحمل؛ و ﴿أرحامهن﴾ جمع رحم؛ وهو مقر الحمل؛ وسمي رحماً؛ لأنه ينضم على الجنين، ويحفظه؛ فهو كذوي الأرحام من انضمامهم على قريبهم، وحنوهم عليه، وعطفهم عليه. قوله تعالى: ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ هذه الجملة فيها إغراء لالتزام الحكم السابق؛ وهي تشبه التحدي؛ يعني إن كن صادقات في الإيمان بالله، واليوم الآخر فلا يكتمن حملهن؛ والمراد بـ ﴿اليوم الآخر﴾ يوم القيامة؛ وإنما سمي اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده؛ فالناس إذا بعثوا يوم القيامة فليس هناك موت؛ بل إما خلود في الجنة؛ وإما خلود في النار؛ وذكر اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فعل الطاعات، واجتناب المنهيات؛ لأنه يعلم أن أمامه يوماً يجازى فيه الإنسان على

стр. 986

عمله؛ فتجده يحرص على فعل المأمور، وترك المحظور. قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾؛ البعل هو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿قالت ياويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً﴾ [هود: ٧٢] أي زوجي؛ وسمي بعلاً مع أنه مطلِّق؛ لأن الأحكام الزوجية في الرجعية باقية إلا ما استثني؛ و ﴿أحق﴾ اسم تفضيل؛ واسم التفضيل لا بد فيه من مفضل، ومفضل عليه؛ يعني: أن بعولتهن أحق بردهن من أنفسهن؛ و «ذا» اسم إشارة؛ والمشار إليه التربص المفهوم من قوله تعالى: ﴿يتربصن﴾ - وهو مدة العدة -. قوله تعالى: ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾ أي إن أراد بعولتهن إصلاحاً في ردهن؛ و ﴿إصلاحاً﴾ أي ائتلافاً، والتئاماً بين الزوج، وزوجته، وإزالة لما وقع من الكسر بسبب الطلاق، وما أشبه ذلك. قوله تعالى: ﴿ولهن﴾ أي للزوجات سواء كن مطلقات، أو ممسكات ﴿مثل الذي عليهن بالمعروف﴾: فكما أن على الزوجة أن تتقي الله تعالى في حقوق زوجها، وأن تقوم بما فرض الله عليها؛ فلها أيضاً مثل الذي له في أنه يجب على الزوج أن يعاشرها بالمعروف، وأن يقوم بحقها الذي أوجب الله عليه. ولما كانت المماثلة تقتضي المساواة أخرج ذلك بقوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ أي فضل في العقل، والحقوق؛ وهذا من باب الاحتراس حتى لا يذهب الذهن إلى تساوي المرأة، والرجل من كل وجه. قوله تعالى: ﴿والله عزيز﴾ أي ذو عزة؛ وأظهر معانيها: الغلبة، كقوله تعالى: ﴿وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣]؛

стр. 987

و ﴿حكيم﴾ أي ذو الحكم التام، والحكمة البالغة. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب اعتداد المطلقة بثلاث حيض؛ لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾؛ وهي جملة خبرية بمعنى الأمر؛ قال البلاغيون: إذا جاء الأمر بصيغة الخبر كان ذلك توكيداً له؛ كأنه أمر واقع صح أن يخبر عنه. ٢ - ومنها: قوة الداعي في المرأة للزواج؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾؛ فكأن النفس تحثها على أن تنهي علاقتها بالأول، وتتزوج؛ فقيل: «تربصي بنفسك» أي انتظري؛ مثل أن تقول: تربصتُ بكذا، وكذا، وكذا. ٣ - ومنها: وجوب العدة بثلاث حيض على كل مطلقة سواء كان طلاقها بائناً أم لا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾. ويستثنى من ذلك: من لا تحيض لصغر، أو إياس: فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]. ويستثنى أيضاً من طلقت قبل الدخول، والخلوة: فليس عليها عدة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ويستثنى أيضاً الحامل؛ فعدتها إلى وضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]. فهذه ثلاث مسائل مستثناة من عموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.

стр. 988

٤ - ومن فوائد الآية: أن من فارق الزوجة بغير طلاق فليس عليها أن تعتد بثلاث حيض، كالمختلعة؛ وعليه فيكفي أن تستبرئ بحيضة؛ وهذا هو القول الراجح. ٥ - ومنها: أنه لو طلقها في أثناء الحيض لم يحتسب بالحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ وجهه: أن الحيض لا يتبعض؛ فتلغى بقية الحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ ولا بد لها من ثلاث حيض جديدة؛ وإلا يلزم على ذلك أن تكون عدتها ثلاثة قروء وبعض القرء؛ وهو خلاف النص؛ وهذا على القول بأن طلاق الحائض واقع؛ ولكن الصواب أن طلاق الحائض لا يقع؛ لحديث ابن عمر (١)؛ ولقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)؛ ولنصوص أخرى دلت على عدم وقوع طلاق الحائض. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الطلاق لا يقع قبل النكاح منجزاً كان، أو معلقاً؛ معيناً كان، أو مطلقاً؛ فلو قال لامرأة: «إن تزوجتك فأنت طالق» فتزوجها لم تطلق؛ لقوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾؛ ولا طلاق إلا بعد قيد - وهو عقد النكاح -. ٧ - ومنها: أنه يرجع إلى قول المرأة في عدتها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾؛ وجه ذلك أن الله جعل قولها معتبراً؛ ولو لم يكن معتبراً لم يكن لكتمها

стр. 989

أيّ تأثير؛ فإذا ادعت أن عدتها انقضت، وكان ذلك في زمن ممكن فإنها تصدق؛ وهي مؤتمنة على ذلك؛ أما إذا ادعت أن عدتها انقضت في زمن لا يمكن فإن قولها مردود؛ لأن من شروط سماع الدعوى أن تكون ممكنة؛ ودعوى المستحيل غير مسموعة أصلاً. ٨ - ومن فوائد الآية: أن المطلقة البائن عدتها ثلاثة قروء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾؛ فيشمل حتى البوائن؛ وهو قول جمهور العلماء؛ حتى لو كانت بائناً بالثلاث؛ فإنها لا بد أن تعتدّ بثلاثة قروء؛ وقال شيخ الإسلام ﵀: إن كانت المسألة إجماعية فالإجماع معتبر، وهو حجة؛ وإن لم تكن إجماعية فإن القول بأن المبانة تعتد بحيضة واحدة قول وجيه؛ فعلق القول به على وجود مخالف؛ وقد وجد؛ ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾؛ فإن هذا الحكم إنما هو للرجعيات؛ فيكون العموم مخصصاً بذكر الحكم المختص ببعض أفراده؛ وهذه المسألة فيها نزاع بين العلماء - وهي أنه إذا ورد لفظ عام، ثم فرع عليه حكم يتعلق ببعض أفراده فهل يكون ذلك مخصصاً لعمومه -؛ أو يقال: إن ذكر حكم يختص ببعض الأفراد لا يقتضي التخصيص؛ ومن أمثلته حديث جابر: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (١)؛ إذا نظرنا إلى أول الحديث: «في كل ما يقسم» وجدنا أن الشفعة تجري في كل شيء؛ وإذا نظرنا إلى آخره: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق»، قلنا: إن الشفعة لا تجري إلا فيما كان له حدود، وطرق - وهو الأرض -.

стр. 990

و «الشفعة» أن ينتزع الشريك حصة شريكه التي باعها لطرف ثالث؛ مثال ذلك: زيد شريك لعمرو في أرض؛ فباع عمرو نصيبه لخالد؛ فلزيد أن يأخذ هذا النصيب من خالد بالثمن الذي يستقر عليه العقد؛ فإذا كان لشخصين سيارة واحدة، وباع أحدهما نصيبه من هذه السيارة لشخص ثالث فللشريك أن يأخذ هذا النصيب ممن اشتراه بثمنه على مقتضى أول الحديث العام؛ لكن قوله ﷺ : «فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق» يقتضي أن لا شفعة له في نصيب شريكه في السيارة؛ لأنه لا حدود، ولا طرق فيها؛ والمسألة ذات خلاف معروف في كتب الفقه. ٩ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي ذكر ما يوجب القبول، والعمل؛ لقوله تعالى: ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. ١٠ - ومنها: أنه ينبغي تحذير المؤتمن الذي لا يعلم بأمانته إلا الله من عذاب يوم الآخر إن هو لم يقم بواجب الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. ١١ - ومنها: إثبات اليوم الآخر. ١٢ - ومنها: أن الرجعية في حكم الزوجات؛ لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق﴾؛ فأثبت أنه بعل. فإن قال قائل: ألا يمكن أن يقال: ﴿بعولتهن﴾ فيما مضى؛ لأن الشيء قد يعبر عنه بعد انتهائه، كقوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢]؛ وهم لا يؤتونها إلا بعد زوال اليتم؛ كما أنه قد يعبر عن الشيء قبل وجوده، كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ [يوسف: ٣٦]؛ وهو إنما يعصر عنباً ليكون خمراً؟

стр. 991

فالجواب: أن الأصل خلاف ذلك؛ ولا يصار إلى خلاف الأصل إلا بدليل؛ لأن الأصل أن الوصف متحقق في الموصوف حتى يتبين زوال الوصف عنه؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الرجعية زوجة في حكم الزوجات؛ وينبني على ذلك أن كل ما يترتب على الزوجية فهو ثابت للرجعية إلا أنهم استثنوا بعض المسائل. ١٣ - ومن فوائد الآية: أنه لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾؛ وقال بعض أهل العلم: «إن هذا ليس على سبيل الشرط؛ ولكنه على سبيل الإرشاد»؛ وهو خلاف ظاهر الآية؛ والواجب إبقاء الآية على ظاهرها؛ فليس له أن يراجع إلا بهذا الشرط. ١٤ - ومنها: أنه لا رجعة بعد انقضاء العدة؛ لقوله تعالى: ﴿أحق بردهن في ذلك﴾. ١٥ - ومنها: أن للزوجة حقاً كما أن عليها حقاً؛ لقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن﴾. ١٦ - ومنها: إثبات الرجوع إلى العرف؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ وهكذا كل ما جاء، ولم يحدد بالشرع فإن مرجعه إلى العرف. ١٧ - ومنها: استعمال الاحتراس؛ وأنه لا ينبغي الإطلاق في موضع يخشى فيه من التعميم؛ لقوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ أي حقوق الرجال أكثر من حقوق النساء؛ ولهذا كان على الزوجة أن تطيع زوجها؛ وليس على الزوج أن يطيع زوجته؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ [النساء: ٣٤]؛ وهذا من معنى الدرجة؛ ودرجة الرجال على النساء من وجوه متعددة؛

стр. 992

فالدرجة التي فضل بها الرجال على النساء في العقل، والجسم، والدين، والولاية، والإنفاق، والميراث، وعطية الأولاد. الأمر الأول: العقل؛ فالرجل عقله أكمل من عقل المرأة؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن؛ قلن: ما نقصان العقل يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة الرجل بشهادة امرأتين؟ فذلك نقصان عقلها» (١). الأمر الثاني: الجسم؛ فإن الرجل أكمل من المرأة في الجسم؛ فهو أنشط من المرأة، وأقوى في الجسم. الأمر الثالث: الدين؛ فإن الرجل أكمل من المرأة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ قال في المرأة: «إنها ناقصة في الدين»؛ وفَسر ذلك بأنها إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم؛ ولهذا يجب على الرجل من الواجبات الدينية ما لا يجب على المرأة، كالجهاد مثلاً. الأمر الرابع: الولاية؛ فقد فضل الرجل على المرأة في الولاية؛ فإن الله جعل الرجل قواماً على المرأة؛ فالرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض؛ ولهذا لا يحل أن تتولى المرأة ولاية عامة أبداً - لا وزارة، ولا غير وزارة -؛ فالولاية العامة ليست من حقوق النساء أبداً، ولا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة. الأمر الخامس: الإنفاق؛ فالزوج هو الذي ينفق على المرأة؛ وقد قال النبي ﷺ : «اليد العليا خير من اليد

стр. 993

السفلى» (١)؛ و «اليد العليا»: هي المعطية؛ و «السفلى»: الآخذة. الأمر السادس: الميراث، وعطية الأولاد؛ فإن للذكر مثل حظ الأنثيين. ١٨ - ومن فوائد الآية: أن الذين لهم درجة على النساء هم الرجال الذين هم جديرون بهذا الوصف؛ وأما من جعل نفسه بمنزلة النسوة فهذا يكون شراً من المرأة؛ لأنه انتكس من الكمال إلى الدون؛ ومن ثم لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء؛ والمتشبهات من النساء بالرجال (٢)؛ حتى لا يعتدي أحد على حق؛ أو على اختصاصات أحد. ١٩ - ومنها: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: «العزيز»، و «الحكيم»؛ وما تضمناه من صفة - وهي العزة في «العزيز» -؛ والحكمة، والحكم في «الحكيم»؛ وما يترتب على ذلك من أثر. القرآن (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَاّ أَنْ يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: ٢٢٩)

стр. 994

التفسير: ﴿٢٢٩﴾ قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ يعني أن الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان: بأن يطلق مرة، ثم يراجع، ثم يطلق مرة، ثم يراجع. قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف﴾ مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليكم إمساك بمعروف - أي بما يتعارفه الناس من العشرة الطيبة الحسنة -. قوله تعالى: ﴿أو تسريح بإحسان﴾ أي إطلاق لهن؛ وهو كقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ [الطلاق: ٢]؛ والمراد بـ «الإحسان» هنا أن يمتعها بشيء يجبر كسرها، ويطيب قلبها. قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً﴾ أي أعطيتموهن؛ وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ، والخبر؛ فالمفعول الأول الهاء في قوله تعالى: ﴿آتيتموهن﴾؛ والمفعول الثاني: محذوف؛ والتقدير: مما آتيتموهن إياه؛ وهو العائد على الموصول؛ أما ﴿شيئاً﴾ فهي مفعول: ﴿تأخذوا﴾؛ وهي نكرة في سياق النفي، فتعم كل ما آتاها من مهر، وغيره. قوله تعالى: ﴿إلا أن يخافا﴾ بمعنى يتوقعا، ويخشيا ﴿ألا يقيما حدود الله﴾ أي شرائع الله - بما يلزمهما لكل واحد على الآخر -؛ فإن خافت الزوجة ألا تقوم بحق الزوج؛ أو خاف الزوج إلا يقوم بحق الزوجة ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾؛ هذا على قراءة ﴿يَخافا﴾ بالبناء للفاعل؛ وأما على قراءة ﴿يُخافا﴾ بالبناء للمفعول فالخائف هنا غير الزوجين؛ أي إلا أن يخشى

стр. 995

غيرُهما ألا يقيما حدود الله؛ فالخوف يرجع هنا على ولي الأمر كالقاضي، أو الأمير؛ أو على أهل الزوجين؛ أو على كل من علم بحالهما ممن يمكنه إصلاح الحال: فله أن يتدخل، ويعرض الخلع؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما﴾؛ وهذا يؤيد القراءة التي بالبناء للمفعول؛ والخطاب في قوله تعالى: ﴿فإن خفتم﴾ وإن كان ظاهره أنه يعم جميع الأمة فالظاهر أن المراد به من له صلة بالزوجين من قرابة، أو غيرها. قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ أي لا إثم على الزوجين فيما بذلته فداءً لنفسها عن المقام معه؛ فإن قيل: لماذا جاءت الآية بنفي الجناح عليهما؟ فالجواب أن طلب الفداء والطلاق حرام على الزوجة بدون سبب؛ وحرام على الزوج أيضاً أن يأخذ شيئاً مما آتاها بدون سبب. قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾؛ المشار إليه ما سبق من الأحكام، والشرائع؛ و ﴿حدود الله﴾ أي شرائعه. قوله تعالى: ﴿فلا تعتدوها﴾ أي لا تتجاوزوها؛ وقال العلماء: إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال تعالى: ﴿فلا تعتدوها﴾؛ وأما إذا كانت الحدود من المحرمات فإنه تعالى يقول: ﴿فلا تقربوها﴾. قوله تعالى: ﴿ومن يتعد﴾ أي يتجاوز ﴿حدود الله﴾ المراد بها هنا أوامره؛ والجملة: اسم الشرط، وفعل الشرط؛ وقوله تعالى: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾: جواب الشرط؛ ولم يذكر مفعول ﴿الظالمون﴾ ليفيد العموم.

стр. 996

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: حكمة الله ورحمته في حصر الطلاق بالثلاث بأنه لا رجعة بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً غيره؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يطلِّق الإنسان زوجته عدة طلقات؛ فإذا قاربت انتهاء العدة راجع، ثم طلق، فتستأنف العدة؛ فإذا شارفت الانقضاء راجع، ثم طلق؛ فإذا شارفت الانقضاء راجع ثم طلق ... وهكذا؛ فتبقى المرأة معذبة: لا مزوجة، ولا مطلقة؛ فتبقى معلقة؛ فجعل الله الأمر في ثلاث طلقات فقط. ٢ - ومنها: اعتبار التكرار بالثلاث؛ وهذه لها نظائر كثيرة؛ فالسلام ثلاث؛ والاستئذان ثلاث؛ ورد الكلام إذا لم يفهم من أول مرة ثلاث؛ وفي الوضوء والعبادات أيضاً تكرار الثلاث كثير؛ فإذاً الثلاث تعتبر تكراراً يكتفى به في كثير من الأمور. ٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الطلاق المكرر بلفظ واحد ليس بطلاق؛ بمعنى أنه لا يتكرر به الطلاق؛ لأن قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ وصف يجب أن يكون معتبراً؛ فإذا طلقت امرأتك؛ فقلت: أنت طالق؛ فقد طلقت؛ فإذا قلت ثانية: «أنت طالق» فكيف تورد طلاقاً على مطلقة؛ لأن الطلاق لا يرد إلا على من كانت غير مطلقة حتى يقال: طلقت؛ وهنا قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾؛ ولهذا قال الفقهاء ﵏: لو أن الرجل طلق امرأته، وحاضت مرتين، ثم طلقها بعد الحيضة الثانية لا تستأنف عدة جديدة للطلقة الثانية؛ بل تبني على ما مضى؛ وإذا حاضت الثالثة، وطهرت انقضت عدتها؛ لأن الطلاق الثاني ليس له عدة؛ وهذا مما يؤيد اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الطلاق المكرر لا عبرة به إلا أن يصادف زوجة غير مطلقة؛

стр. 997

ولأن الله قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾؛ والفقهاء الذين خالفوا في ذلك يقولون: إنه إذا كرر الطلاق في المرة الثانية لا تستأنف العدة؛ فإذاً هي مطلقة لغير عدة فلا يقع الطلاق؛ لأنه سيكون على خلاف ما أمر الله به؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)؛ وقد قال شيخنا عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه»؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها، أو عقد عليها عقداً جديداً؛ وهذا القول هو الراجح؛ وهو الذي أفتي به؛ وهو أنه لا طلاق على طلاق حتى لو قال ألف مرة: أنت طالق؛ فليس إلا مرة واحدة فقط؛ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ أي مرة بعد مرة؛ فلا بد أن يقع على زوجة غير مطلقة. ٤ - ومن فوائد الآية: أن الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين؛ إما إمساك بمعروف؛ أو تسريح بإحسان؛ وأما أن يردها مع الإيذاء، والمنة، والتقصير، أو يسرحها بجفوة وعدم إحسان فلا يجوز. ٥ - ومنها: بيان حكمة الله في تشريعه ؛ إذ قال تعالى في الإمساك: ﴿بمعروف﴾؛ لأنه إذا ردها جبر قلبها بالرد؛ وقال تعالى في التسريح: ﴿بإحسان﴾؛ لأنه سيفارقها، فيحتاج إلى زيادة في معاملتها بالتي هي أحسن حتى ينضم إلى الفراق الإحسانُ - والله أعلم -.

стр. 998

٦ - ومنها: تحريم أخذ الزوج شيئاً مما أعطى زوجته من مهر، أو غيره؛ إلا أن يطلقها قبل الدخول والخلوة فله نصف المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ٧ - ومنها: جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. ٨ - ومنها: أن ذلك إنما يكون إذا خافا ألا يقيما حدود الله؛ أما مع استقامة الحال فلا يجوز طلب الخلع؛ وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» (١). ٩ - ومنها: أهمية النكاح، وبيان أنه راجع إلى الأسرة كلها؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾. ١٠ - ومنها: أن للوسائل أحكام المقاصد؛ يؤخذ ذلك من

стр. 999

جواز أخذ الإنسان من امرأته ما آتاها، أو بعضه إذا خيفت المفسدة في البقاء على الزوجية. ١١ - ومنها: اعتبار المفاسد، وسلوك الأهون لدفع الأشد؛ لأن الأخذ من مال الزوجة محرم بلا شك - كما قال تعالى -؛ لكن إذا أريد به دفع ما هو أعظم من تضييع حدود الله صار ذلك جائزاً؛ وهذه القاعدة لها أصل في الشريعة؛ منه قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ فإنّ سبّ آلهة المشركين واجب؛ ولكن إذا كان يخشى من ذلك أن يسبوا الله عدواً بغير علم صار سبّ آلهتهم ممنوعاً. ١٢ - ومنها: جواز الخلع بأكثر مما أعطاها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فهو يشمل ما افتدت به من كثير، أو قليل؛ وقيل: إن هذا العموم عائد على قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً﴾؛ فيكون المعنى: فيما افتدت به مما آتيتموهن؛ وعلى هذا فلا يأخذ منها أكثر مما أعطاها؛ ويمكن أن يقال: إن كانت هي التي أساءت، وطلبت الخلع فلا بأس أن يأخذ أكثر مما أعطاها؛ وإلا فلا. ١٣ - ومن فوائد الآية: أن المخالَعة ليست رجعية؛ بمعنى أن الفراق في الخلع فراق بائن فلا سبيل لإرجاعها إلا بعقد جديد؛ لقوله تعالى: ﴿افتدت به﴾؛ فإذا كان فداءً فالفداء فيه عوض عن شيء؛ وإذا استلم الفداء لا يمكن أن يرجع المفدى عنه - وهو الزوجة - إلا بعقد جديد. ١٤ - ومنها: جواز تصرف المرأة في مالها بغير إذن

стр. 1000

زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فإن الزوجة تتصرف في مالها كما تشاء في الحدود الشرعية سواء وافق زوجها على هذا التصرف، أم لم يوافق؛ ما دامت امرأة حرة رشيدة فلا اعتراض للزوج عليها؛ وهذه الفائدة قد ينازع فيها. ١٥ - ومنها: عظم شأن النكاح، وما يتعلق به؛ لأن الله قال: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾؛ فبين أن هذا من حدود الله، ونهى عن تعديه؛ وقد سبق الفرق بين قوله تعالى: ﴿فلا تعتدوها﴾، وقوله تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾. ١٦ - ومنها: أن لله أن يحكم في عباده بما شاء؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾. ١٧ - ومنها: أنه لا حاكم للخلق، ولا مشرِّع، إلا الله ؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾؛ ولو كان مشرع غيره لكان يمكن لكل إنسان أن يشرع لنفسه - ولو كان في ذلك تعدي حدود الله . ١٨ - ومنها: أن الخلع لا بد فيه من رضا الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فإذا كانت الفدية منها فلا بد من رضاها؛ وأما إذا كانت الفدية من غيرها فإنه لا يشترط رضاها، كما لو أن أحداً من الناس رأى أن بقاء هذه المرأة مع زوجها فيه ضرر عليه في دينه؛ فذهب إليه، وأعطاه فدية ليخلع هذه المرأة، ويسلم من شرها؛ فهذا جائز - حتى وإن لم ترض بذلك -. ١٩ - ومنها: تحريم تعدي حدود الله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾؛ والظلم حرام. ٢٠ - ومنها: أن التعدي لحدود الله ظلم عظيم؛ يؤخذ من

стр. 1001

حصر الظلم في تعديها، ومن الإتيان به في الجملة الاسمية الخبرية: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾. ٢١ - ومنها: جواز الطلاق الثلاث المتفرق؛ لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ إلى أن قال: ﴿فإن طلقها﴾ يعني الثالثة؛ فهنا لا شك أن الطلاق متفرق؛ لأنه تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان﴾؛ ثم أدخل الفداء بينهما، وبين الطلاق الثالث؛ فدل هذا على أنه طلاق متفرق؛ وهذا جائز بالإجماع؛ أما إذا جمع الثلاث جميعاً في دفعة واحدة، مثل أن يقول: «أنت طالق ثلاثاً»، أو «أنت طالق طالق طالق» يريد الثلاث؛ أو «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»؛ فقد اختلف أهل العلم في جواز ذلك؛ فمنهم من قال بإباحته، ونفوذه - فتبين به المرأة بينونة كبرى -؛ ومنهم من قال بتحريمه، ونفوذه؛ ومنهم من قال بتحريمه، ويقع واحدة؛ ومنهم من قال بتحريمه، وأنه لا يقع لا واحدة، ولا أكثر؛ فإذاً الأقوال أربعة؛ والصحيح أنه حرام، وأنه لا يقع إلا واحدة؛ وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وعليه يدل الكتاب، والسنة؛ لأنه لا تقع البينونة إلا إذا طلقها بعد طلاق مرتين؛ والطلاق مرتين لا يكون إلا إذا كان بينهما رجعة، أو عقد؛ أما أن يرسل طلاقاً بعد طلاق فهذا ليس بشيء. القرآن (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٣٠

стр. 1002

التفسير: ﴿٢٣٠﴾ قوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ أي المرة الثالثة بعد المرتين؛ ﴿فلا تحل له﴾ أي فلا تحل المطلقة بعد الثالثة للزوج المطلق ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ أي يعقد عليها بنكاح صحيح؛ وقال بعض العلماء: أي حتى تطأ؛ وهذا لا شك لا يصح؛ لأن المرأة لا تطأ. قوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ أي الزوج الثاني؛ ﴿فلا جناح عليهما﴾ أي فلا إثم على الزوج الأول، وزوجته المطلقة من الزوج الثاني ﴿أن يتراجعا﴾ أي يرجع أحدهما إلى الآخر بعقد جديد؛ ﴿إن ظنا﴾ أي الزوج الأول، وزوجته؛ ﴿أن يقيما حدود الله﴾ أي ما أوجبه الله على كل منهما من المعاشرة بالمعروف. قوله تعالى: ﴿وتلك حدود الله﴾: المشار إليه ما سبق من الأحكام؛ و ﴿حدود الله﴾ أي أحكامه التي حدها لعباده؛ ﴿يبينها﴾ أي يوضحها الله ، ويظهرها؛ فكل الحدود التي يريدها الله من العباد قد بينها بياناً كاملاً؛ والبيان يكون بالكتاب، ويكون بالسنة؛ فما لا يوجد في كلام الله يوجد في سنة الرسول ﷺ ؛ وما لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ نصاً بعينه فإنه يوجد بمعناه؛ وذلك بالقياس الصحيح الذي يتساوى فيه الأصل، والفرع في العلة فيلحق هذا بهذا؛ فبيان الله تعالى للحدود متنوع. قوله تعالى: ﴿لقوم يعلمون﴾ أي لقوم ذوي استعداد، وقبول للعلم.

стр. 1003

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تحريم المطلقة ثلاثاً على مطلقها حتى تتزوج؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾. ٢ - ومنها: أن نكاح الزوج الثاني على وجه لا يصح لا تحل به للأول؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾؛ ولا يكون زوجاً إلا بعقد صحيح؛ ولذلك لو تزوجها الثاني بنية تحليلها للأول فنكاحه غير صحيح؛ فلا تحل به للأول. ٣ - ومنها: حلها للزوج الأول بعد مفارقة الثاني لها؛ لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ وظاهر الآية الكريمة أنها تحل للأول بمجرد عقد الثاني عليها، ومفارقته لها؛ لكن السنة بينت أنه لا بد من وطء الثاني وطأً تاماً بانتشار؛ وذلك أن امرأة رفاعة القرظي بانت منه بالثلاث؛ فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير - بفتح الزاي، وكسر الباء -؛ ولم يكن يقدر على الجماع؛ فأتت النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني، فَبَتَّ طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ولم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب، وقالت بثوبها؛ فقال لها النبي ﷺ : «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» (١). ٤ - ومن فوائد الآية: أن الزوجة المطلقة ثلاثاً لو وطئت

стр. 1004

بملك اليمين فإنها لا تحل للزوج الأول؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾؛ مثال ذلك: امرأة مملوكة لشخص وقد تزوجها شخص آخر، فطلقها الزوج الآخر، ثم انقضت عدتها، وجامعها سيدها بحكم ملك اليمين، ثم أراد زوجها الأول أن يتزوجها فلا يمكن أن يتزوجها؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾. ٥ - ومنها: إطلاق المراجعة على عقد النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ والمعروف عند الفقهاء أن الرجعة إعادة مطلقة غير بائن إلى عصمة زوجها؛ هذه هي الرجعة عندهم؛ لكن هذا اصطلاح خاص؛ أما في القرآن فتطلق المراجعة على عقد النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ هذا وقد قسم بعض أهل العلم المراجعة شرعاً إلى ثلاثة أقسام؛ فقالوا: قد يراد بها العقد؛ وقد يراد بها إعادة المطلقة رجعياً إلى عصمة زوجها، كما في اصطلاح الفقهاء؛ وقد يراد بالمراجعة أن تعاد المرأة إلى عصمة زوجها بدون طلاق، كما في حديث ابن عمر ﵄ حين طلق امرأته وهي حائض؛ فقال النبي ﷺ لعمر: «مُرْه فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس» (١)؛ فالمراد بقوله ﷺ : «فليراجعها» أن يردها إلى عصمته، ويلغي الطلاق، كما لو تبايع رجلان على عقد فاسد، وقلت لهما:

стр. 1005

«تراجعا» أي راجعا العقد، أو ألغياه؛ فالمراد بالمراجعة في حديث ابن عمر إلغاء الطلاق على القول الصحيح - وإن كان الجمهور على أنها مراجعة مطلقة حسب اصطلاح الفقهاء -. ٦ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما أن يقيما حدود الله؛ أي أن يقوم كل منهما بمعاشرة الآخر بما يجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ وجه ذلك: أنهما إذا تراجعا بغير هذا الشرط صار هذا العقد عبئاً، وعناءً، وتعباً، وخسارة مالية؛ لأنهما لا يضمنان أن يرجعا إلى الحال الأولى. ٧ - ومنها: الاكتفاء بالظن في الأمور المستقبلة؛ لأن طلب اليقين في المستقبل من باب التكليف بما لا يطاق؛ لقوله تعالى: ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾؛ وقد قال الله ﵎: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال: «قد فعلت» (١). ويتفرع على هذه الفائدة فائدة مهمة: وهي إذا حلف الإنسان على المستقبل بناءً على غلبة الظن، فتبين بخلافه فلا كفارة فيه؛ لأنه يحلف على ما في نفسه، وعلى ظنه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. ٨ - ومن فوائد الآية: عناية الله بعباده في بيان ما يجب عليهم في عبادتهم، وفي معاملة بعضهم لبعض حتى لا تحصل الفوضى المؤدية إلى النزاع الذي قد يصل إلى القتال.

стр. 1006

٩ - ومنها: أنه إذا لزم من فعل المباح شيء محرم صار الشيء المباح حراماً؛ لأن رجوع الزوجة حلال في الأصل؛ فإذا لم يظن الإنسان أنه يقوم بالحدود صار حراماً؛ وهو في الأصل حلال؛ وعلى هذا فنقول: إذا استلزم العقد إبطالاً لواجب، أو وقوعاً في محرم صار ذلك حراماً؛ وهي في مسائل كثيرة؛ منها: لو تبايع رجلان تلزمهما الجمعة بعد ندائها الثاني: فالبيع حرام، والعقد باطل؛ لأنه وقوع فيما حرم الله . ١٠ - ومنها: أنه لا يعرف هذه الحدود، ويتبينها إلا من كان من ذوي العلم؛ فكلما كان أعلم كانت الحدود في حقه أبين وأظهر؛ فطالب العلم يتعلم من اللفظ مسائل أخرى؛ فالعلم يغذي بعضه بعضاً؛ وطالب العلم رابح بكل حال؛ فهو ليس كطالب المال قد يشتري السلعة وهو يظن الربح، ثم يخسر؛ فطالب العلم أيّ مسألة يعلمها فإنها مفتاح له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يبينها لقوم يعلمون﴾. ١١ - ومن فوائد الآية: أنه لا شيء في دين الله يكون مجهولاً لكل أحد؛ لا من العبادات، ولا من المعاملات؛ فكل شيء مبيَّن؛ فإن قيل: هناك أشياء تشكل على أهل العلم، ولا يعرفون حكمها؟ فالجواب: أن الخلل هنا ليس في النص؛ ولكنه فيمن يستنبط الأحكام من النص؛ فقد يكون لنقص في علمه، أو قصور في فهمه، أو عدوان في قصده؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : «رُبَّ مبلغ أوعى من سامع» (١)؛ وقد يكون الخلل في إعراض الإنسان

стр. 1007

عن التدبر، وبذْل الاجتهاد، وطلبِ الحق؛ وقد يكون عند الإنسان علم، وفهم، وجلد، وتدبر؛ لكن هناك ذنوباً تحول بينه، وبين وصوله للحق، كما في قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٣، ١٤]؛ لأن المعاصي تُظلم القلب؛ وإذا أظلم القلب لا يستنير؛ وكيف يتبين له الحق وهو مظلم؟! ولهذا قال الله لنبيه ﷺ : ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً﴾ [النساء: ١٠٥]، ثم قال تعالى: ﴿واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ١٠٦ أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية أنه ينبغي لمن سئل عن علم أن يستغفر الله حتى تزول عنه الذنوب باستغفاره، ويتبين له الحق؛ وعلى هذا فنقول: إن جميع الأحكام التي تتعلق بالعبادات، أو المعاملات قد بينها الله لكن العيب عيب المستدل؛ فالأدلة واضحة كافية؛ لكن المستدل قد تخفى عليه الأحكام للأسباب التي ذكرناها، وغيرها. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي غلط من قال: «إن النصوص لم تستوعب جميع الأحكام، وأننا محتاجون إلى العقول في الأحكام»؛ فإن الله قال: ﴿يبينها لقوم يعلمون﴾؛ فالنصوص كافية من كل ناحية. ١٢ - ومن فوائد الآية: أن كل ما خالف شريعة الله فليس من أحكام الله؛ لقوله تعالى: ﴿يبينها﴾. ١٣ - ومنها: أن الخلع ليس بطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما

стр. 1008

حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ الآية؛ ولو كان الخلع طلاقاً لكان قوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ هي الطلقة الرابعة؛ وهذا خلاف إجماع المسلمين؛ لأن المرأة تبين بالطلاق الثلاث بإجماعهم؛ وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقاً؛ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الخلع فسخ بأي لفظ كان - ولو بلفظ الطلاق -، وقال: إن هذا هو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾؛ ولم يذكر صيغة معينة؛ لأنه إنما يعتبر في العقود بمعانيها لا بألفاظها؛ فما دام هذا الطلاق الذي وقع من الزوج إنما وقع بفداء من المرأة افتدت نفسها به - فهذا لا يمكن أن نعده طلاقاً ولو وقع بلفظ الطلاق؛ وما ذكره ﵀ فإنه منظور فيه إلى المعنى؛ وما قاله غيره - من أنه إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقاً - فقد نظر فيه إلى اللفظ؛ ولا ريب أن من تأمل الشريعة وجد أنها تعتني بالمعنى أكثر من الاعتناء باللفظ؛ أما الألفاظ فهي قوالب للمعاني؛ وأنت إذا ألبست المرأة ثوب رجل لا تكون رجلاً؛ كما أنك إذا ألبست رجلاً ثوب امرأة لم يكن امرأة؛ فالألفاظ عبارة عن قوالب تدل على ما وراءها؛ فإذا صار المعنى هو التخلص من الزوج بهذا الفداء فكيف يحسب طلاقاً؟! ١٤ - ومن فوائد الآية: تعظيم شأن النكاح بأن الله ذكر له حدوداً في عقده، وفي حله؛ لأنه يترتب عليه مسائل كثيرة من المحرمية، والنسب، والميراث، وغير ذلك - كحقوق الزوجية -؛ ولهذا اشترط فيه أن يكون بِوَلي؛ فالمرأة تستطيع أن تبيع كل

стр. 1009

مالها؛ لكن لا تستطيع أن تزوج نفسها، كما اشترط فيه الإشهاد على رأي كثير من أهل العلم؛ وكل العقود لا يشترط فيها ذلك؛ وأيضاً اشترط فيه الإعلان على رأي بعض أهل العلم؛ والعقود الأخرى لا يشترط فيها ذلك؛ وأيضاً أنه لا يصلح العقد في بعض الأحوال، والأزمان؛ وهذا يشاركه فيه بعض العقود؛ وكل ذلك من باب الأهمية في هذا العقد العظيم الذي تترتب عليه هذه الأمور الكبيرة. القرآن (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٣١) التفسير: ﴿٢٣١﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء﴾: الخطاب هنا لعامة الناس؛ أي إذا طلق الأزواج نساءهم؛ ﴿فبلغن أجلهن﴾: قال بعض العلماء: المراد قاربن بلوغ أجلهن؛ لأنها إذا بلغت الأجل انتهت العدة؛ ولا إمساك حينئذ؛ ولكن الصحيح أن المراد ببلوغ أجلهن حقيقة بلوغ الأجل؛ وذلك بطهرها من الحيضة الثالثة؛ ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ أي ردوهن إلى عصمتكم - وهو مراجعة؛ ﴿أو سرحوهن بمعروف﴾ أي اتركوهن بدون مراجعة. قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾؛ ﴿لا﴾ ناهية؛

стр. 1010

والفعل بعدها مجزوم بحذف النون؛ و ﴿ضراراً﴾ مفعول لأجله؛ والمعنى: لا تمسكوهن لأجل الإضرار بهن؛ وقد مر أنهم كانوا في الجاهلية يراجعون الزوجات في العدة من أجل المضايقة؛ فحدد الله المراجعة باثنتين، وأنه بعد الثالثة لا رجوع حتى تنكح زوجاً غيره. وقوله تعالى: ﴿لتعتدوا﴾؛ اللام للعاقبة؛ والمعنى: لتقعوا في الاعتداء؛ أي أن عاقبة أمركم إذا أمسكتموهن ضراراً هي الاعتداء؛ واللام التي تعرف عند بعض النحويين بـ «لام كي» تارة يراد بها التعليل؛ وتارة تكون زائدة؛ وتارة تكون للعاقبة؛ فتكون للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]؛ وتكون زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ [النساء: ٢٦]؛ فإذا جاءت بعد الإرادة فهي زائدة؛ لأن فعل الإرادة يتعدى بنفسه؛ وتأتي للعاقبة: وهي إذا علم بأن ما بعدها غير مقصود، مثل قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [القصص: ٨]. قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ جملة شرطية؛ وجوابها: قوله تعالى: ﴿فقد ظلم نفسه﴾؛ وارتبط الجواب بالفاء؛ لأنه لا يصح أن يحل محل الشرط؛ وأضاف الظلم إلى نفسه - وإن كان ظلمه واقعاً على غيره -؛ لأنه جلب على نفسه الإثم، والعقوبة. قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزواً﴾ أي لا تجعلوها مهزوءاً بها؛ أي موضع استهزاء بحيث لا تعملون بها استخفافاً بها. قوله تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾ أي اذكروا باللسان، وبالقلب، وبالجوارح، نعمة الله عليكم حتى تقوموا

стр. 1011

بشكرها؛ فإن الغفلة عن ذكر النعم سبب لعدم الشكر، وقوله تعالى: ﴿نعمة الله﴾ مفرد مضاف؛ والمفرد المضاف يدل على العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [النحل: ١٨]؛ ولو كان المراد بالنعمة مدلولها الإفرادي لكان إحصاؤها ممكناً؛ المهم أن نعمة الله هنا عامة؛ ونعم الله لا تحصى أجناسها فضلاً عن أفرادها؛ فقوله تعالى: ﴿نعمة الله عليكم﴾ يشمل كل النعم - وإن دقت؛ لأن الله يقول: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣]. قوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ الواو حرف عطف؛ والجملة معطوفة على قوله تعالى: ﴿نعمت الله عليكم﴾؛ وخصه بالذكر مع كونه من النعم للعناية به؛ والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ القرآن؛ ﴿والحكمة﴾ أي السنة النبوية. قوله تعالى: ﴿يعظكم به﴾ أي يذكِّركم به ترغيباً، وترهيباً؛ والجملة في محل نصب حال من فاعل ﴿أنزل﴾. قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾: ما أكثر ما يأمر الله بالتقوى؛ لأن بالتقوى صلاح القلوب، والأعمال؛ و «التقوى» فعل أوامر الله، واجتناب نواهيه تقرباً إليه، وخوفاً منه. قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله بكل شيء عليم﴾: أمر بالعلم بأن الله بكل شيء عليم؛ فلا يخفى عليه شيء، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ [آل عمران: ٥]. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن لكل طلاق أجلاً؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾؛ الأجل هنا مجمل؛ ولكنه

стр. 1012

مبين في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وغيرها من الآيات الدالة على العدة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن يأتي مجملاً أحياناً، ومفصلاً أحياناً؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت﴾ [هود: ١]؛ وفائدة الإتيان بالإجمال، ثم التفصيل: أنه إذا ورد النص مجملاً فإن النفس تتطلع إلى معرفة ذلك المجمل، وبيان ذلك المبهم؛ فيكون في ذلك شدة الاشتياق إلى العلم. ٢ - ومن فوائد الآية: جواز المراجعة بعد تمام العدة قبل أن تغتسل؛ لقوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن﴾؛ وجه الدلالة أن قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن﴾ جواب للشرط في قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾؛ وهذا يقتضي أن يكون الإمساك، أو التسريح، بعد بلوغ الأجل ضرورة أن المشروط يقع بعد الشرط؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن للزوج أن يراجع زوجته بعد طهرها من الحيضة الثالثة حتى تغتسل؛ فلو طهرت في الصباح بعد الفجر، ثم لم تغتسل إلا لصلاة الظهر، وراجعها زوجها فيما بين طهارتها، واغتسالها صحت المراجعة؛ وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه ينتهي وقت المراجعة بالطهارة من الحيضة الثالثة؛ وأوَّلوا قوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن﴾ أن المعنى: قاربن بلوغ أجلهن؛ وأنه لا رجعة بعد الطهر من الثالثة؛ والقول الأول أصح؛ لأنه هو ظاهر الآية؛ وهو الوارد عن الصحابة ﵃؛ ويكون هذا من باب التوسعة على الزوج؛ لأنه قد يندم فيرجع؛ وهو نظير ثبوت الخيار بين المتبايعين ما داما في

стр. 1013

المجلس؛ وإلا فالعقد قد تم بالإيجاب، والقبول؛ لكن لهما الخيار ما داما في المجلس توسعة عليهما؛ وهذا شيء معلوم في غريزة الإنسان، وطبيعته: إنه إذا منع من الشيء صار في شوق إليه؛ فإذا حصله فقد يزهد فيه. ٣ - ومن فوائد الآية: أن الإمساك بمعروف، أو التسريح بمعروف واجب؛ لقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾. ٤ - ومنها: وجوب المعاشرة بالمعروف حتى بعد الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾ لئلا يؤذي الإنسان زوجته بالقول؛ أو بالفعل، أو بمنع الحقوق، أو ما أشبه ذلك؛ ومما هو معروف أن ما يجري بين الأزواج أحياناً من المشاحنة، وادعاء الزوج ما يكون لزوجته من الأمتعة التي أعطاها إياها في المهر، أو فيما بعد ذلك حتى يطالبها بالحلي الذي أعطاها؛ خلاف المعروف الذي أمر الله به. ٥ - ومنها: عناية الله بعباده في أن يتعاملوا بينهم بالمعروف سواء في حال الاتفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأن ذلك هو الذي يقيم وحدة الأمة؛ فإن الأمة إذا لم تتعامل بالمعروف - بل بالمنكر، والإساءة - تفرقت، واختلفت؛ فالأمة الإسلامية أمة واحدة، كما قال الله تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٦ - ومنها: تحريم إمساك المطلقة - أي مراجعتها - للإضرار بها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾.

стр. 1014

٧ - ومنها: أن كل من عامل أخاه ضراراً فهو معتدٍ؛ فلا يحل لأحد أن يعامل أخاه المسلم على وجه المضارة؛ وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «من ضار ضار الله به، ومن شاق شق الله عليه» (١)؛ وجاء في حديث آخر: «لا ضرر ولا ضرار» (٢)؛ فالمضارة بين المسلمين محرمة؛ لذلك قال تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾. ٨ - ومنها: أن المضارة عدوان؛ لقوله تعالى: ﴿لتعتدوا﴾ سواء كانت اللام للعاقبة، أو للتعليل - أي سواء كان المقصود من المضارة الاعتداء؛ أو لم يقصد الاعتداء لكن حصل. ٩ - ومنها: تحريم ظلم الإنسان لنفسه؛ لأن الله تعالى نهى

стр. 1015

عن هذه الأشياء، ثم قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾. ١١ - ومنها: أن فعل المعاصي ظلم للنفس؛ فلا يقول الإنسان: «أنا حر أفعل ما أشاء، وأصبر على العذاب»؛ هذا خطأ؛ فأنت لا يحل لك أن تظلم نفسك؛ فظلم الغير عدوان، وحرام؛ وظلم النفس أيضاً عدوان، وحرام؛ وفي الحديث: «ولنفسك عليك حقاً» (١). ١٢ - ومنها: أن من ظلم غيره بعدوانه عليه فقد ظلم نفسه في الحقيقة؛ لأن المظلوم إذا لم يتخلص الظالم من مظلمته في الدنيا فسوف يؤخذ من حسناته للمظلوم في الآخرة؛ فإذا فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم؛ فطرحت عليه، ثم طرح في النار؛ ولذلك عبر الله عن الإضرار بالزوجة في إمساكها بقوله تعالى: ﴿فقد ظلم نفسه﴾ مع أنه ظالم للزوجة أيضاً. ١٣ - ومنها: إغراء المخاطب باجتناب ظلم غيره؛ لأن الظالم قد يظن أنه منتصر على المظلوم؛ فإذا علم أنه ظالم لنفسه تهيب ذلك، واستقام على العدل. ١٤ - ومنها: أن آيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية؛ وهي ما جاءت به الرسل من الشرع؛ وآيات كونية؛ وهي هذه الكائنات التي نشاهدها في السموات، والأرض، والشمس، والقمر؛ أما كون ما جاءت به الرسل من الشرع آية فلأنها أمور لا

стр. 1016

يمكن أن يأتي البشر بمثلها - ولا سيما القرآن الكريم -؛ وأما كون هذه الكائنات آيات كونية فإن هذه المخلوقات لا يمكن لأحد أن يخلق مثلها؛ وقد تحدى الله أولئك العابدين أن تخلق معبوداتهم شيئاً من هذه الكائنات، فقال : ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣]؛ فهذه المخلوقات في انتظامها وحسنها، كلها آيات تدل على أن الله هو الخالق؛ وعلى وحدانيته، وعلى قدرته، وتمام حكمته، كما قيل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. ١٥ - ومن فوائد الآية: تحريم اتخاذ آيات الله هزواً سواء اتخذ الكل أم البعض؛ فمثال اتخاذ آيات الله الشرعية هزواً أن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله ، سواء سخر بالشرع كله، أو بجزء منه؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة؛ وهناك فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله ؛ وبين من يسخر بالشرع، ويستهزئ به، ويرى أنه عبث، وأنه باطل، وما أشبه ذلك؛ فالأول له حكم العصاة؛ فإن كانت معصيته كبيرة تبلغ به الكفر فهو كافر؛ وإلا فهو فاسق؛ وإلا فهو دون الفاسق - كما لو كانت من صغائر الذنوب، ولم يصر عليها -؛ وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا، ومضوا، وأن هذا العصر لا يصلح للعمل بهذا الشرع؛ فهذا لا شك أنه كافر؛ وإذا استهزأ مستهزئ بحامل الشريعة، أو العامل بها من أجل حمله الشريعة، أو عمله بها فهو كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال في أولئك النفر

стр. 1017

الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون الرسول، وأصحابه - أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء»؛ قال الله فيهم: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]؛ أما الذين يقولون عن حملة الشرع، والعاملين به: «هؤلاء دراويش لا يعرفون المجتمع ولا الدنيا»، وما أشبه ذلك من الكلمات؛ فهؤلاء أيضاً كفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]؛ وفي معنى ذلك قولهم: «هؤلاء رجعيون»، وقد ذكر الله في آخر الآيات ما يدل على كفرهم في قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ [المطففين: ٣٤]؛ فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين من أجل إيمانهم كفار. ومثال اتخاذ الآيات الكونية هزواً: لو نزل المطر في أيام الصيف - وهذا لم تجر به العادة - فقال: «ما هذا التبديل! يوم أن يكون الناس محتاجين إلى المطر في الشتاء لا يجيء؛ والآن يأتي!» وهذا يمكن أن يوجد من بعض الفجرة الذين يقولون مثل هذا الكلام؛ أو مثلاً يُغْلَبُ قوميون من العرب - تغلبهم اليهود مثلاً، فيقول المستهزئ بآيات الله الكونية -: «ما هذا؟ كيف يكون النصر لليهود على العرب - على بني كنعان، وعدنان، وقحطان؛ كيف هذا وهم بنو إسرائيل؟!» وما أشبه ذلك؛ لكن المؤمن يستسلم لأمر الله الكوني كما يستسلم لأمره الشرعي؛

стр. 1018

ويرى أنه في غاية الحكمة، وفي غاية الإتقان، وأنه في مكانه، وأن ما حدث فهو واقع موقعه، وأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن الله حكيم؛ لا يصنع شيئاً إلا لحكمة؛ فالمهم أن الاستهزاء بالآية الكونية يمكن أن يكون؛ وقد نهى الله تعالى أن تتخذ آياته هزواً؛ وهو عام للكونية، والشرعية؛ لكن بما أن الآية في سياق الآية الشرعية تكون أخص بالآيات الشرعية منها بالآيات الكونية. ١٦ - ومن فوائد الآية: أن المخالفة نوع من الاستهزاء؛ لأنك إذا آمنت بأن الله هو الرب العظيم الذي له الحكم، وإليه الحكم، ثم عصيته فكأنك تستهزئ بهذه العظمة؛ فلو أن ملكاً من الملوك - ولله المثل الأعلى - نهاك عن شيء، ثم إنك أمامه، وعلى عينه تخالف هذا الأمر، فسيقول لك: «أنت تستهزئ بي؛ لأني نهيتك، ففعلتَ ما نهيتك عنه أمامي»؛ فالمعصية نوع من الاستهزاء بالله وإن كانت ليست من النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام -. ١٧ - ومن فوائد الآية: وجوب ذكر نعمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾؛ والذكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ فذكرها باللسان أن تقول: أنعم الله عليّ بكذا، كما قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]؛ فتثني على الله بها تقول: اللهم لك الحمد على ما أنعمت عليّ به من المال، أو الزوجة، أو الأولاد، أو ما أشبه ذلك؛ وذكرها بالقلب أن تستحضرها بقلبك معترفاً بأنها نعمة من الله؛ وذكرها بالجوارح أن تعمل بطاعة الله، وأن يُرى أثر نعمته عليك.

стр. 1019

١٨ - ومن فوائد الآية: أن منة الله علينا بإنزال الكتاب والحكمة أعظم من كل منة؛ يؤخذ ذلك من تخصيصها بعد التعميم؛ لأن التخصيص بعد التعميم يدل على أهميتها. ١٩ - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ لأن ما أنزل الله إما أن يكون عيناً قائمة بنفسها؛ أو صفة قائمة بموصوفها؛ فأما الأول فمخلوق، كما في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماءً﴾ [الأنعام: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ [الزمر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ [الحديد: ٢٥]؛ وأما الثاني فكقوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]، وكما في هذه الآية: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ وهذا يكون صفة لله غير مخلوقة. ٢٠ - ومن فوائد الآية: أن شريعة الله كلها حكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة﴾. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي أنه لا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا في طلب الحكمة، أو أن نتمحل حكمة بعيدة قد تكون مرادة لله، أو غير مرادة؛ لأننا نعلم أن كل ما شرعه الله فهو لحكمة؛ ومن الحكمة امتحان العبد بالامتثال فيما لا يعلم حكمته؛ ولهذا لما سئلت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نقضي الصلاة» (١)؛ فجعلت الحكمة أمر الله، ورسوله؛ أما السؤال عن الحكمة من باب الاسترشاد

стр. 1020

فإن هذا لا بأس به؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ يسألون الرسول ﷺ عن حكمة بعض الأشياء، كما في ... قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ والسؤال على هذا الوجه من باب طلب العلم الذي يزداد به المؤمن إيماناً، وعلماً؛ وأما السؤال عن الحكمة بحيث لا يستسلم الإنسان للحكم، ولا ينقاد إلا بمعرفتها فهذا ضلال، واستكبار عن الحق، واتباع للهوى، وجعل الشريعة تابعة لا متبوعة. ٢١ - ومن فوائد الآية: أن ما جاء في كتاب الله موعظة يتعظ بها العبد؛ و «الاتعاظ» معناه أن الإنسان يجتنب ما فيه مضرة إلى ما فيه منفعة؛ يقال: وعظته فاتعظ - أي انتفع، وترك ما فيه مضرته إلى ما فيه مصلحته؛ لقوله تعالى: ﴿يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١]. ٢٢ - ومنها: ثبوت رحمة الله ، وأن الله تعالى ذو رحمة واسعة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾؛ فرحمة الله تعرف بآثارها. ٢٣ - ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٢٤ - ومنها: عموم علم الله لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿أن الله بكل شيء عليم﴾. ٢٥ - ومنها: تحذير المرء من المخالفة؛ لأنه إذا علم أن الله بكل شيء عليم حذر من مخالفته؛ ولهذا أعقبها بعد الأمر بالتقوى، وقال تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم﴾. ٢٦ - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله
следующие страницы →