(لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يُخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها)
. ٢ ومنها: غطرسة بني إسرائيل، وجفاؤهم؛ لقولهم: ﴿ادع لنا ربك﴾؛ ولم يقولوا: "ادع لنا ربنا"، أو: "ادع لنا الله"؛ كأن عندهم. والعياذ بالله. أنفة؛ مع أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومع ذلك يقولون: ﴿ادع لنا ربك﴾. كما قالوا: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] ..
. ٣ ومنها: أن من اختار الأدنى على الأعلى ففيه شبه من اليهود؛ ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيء المحرم على الشيء الحلال ..
. ٤ ومنها: أن من علوّ همة المرء أن ينظر للأكمل، والأفضل في كل الأمور ..
. ٥ ومنها: أن التوسع في المآكل، والمشارب، واختيار الأفضل منها إذا لم يصل إلى حد الإسراف فلا ذم فيه؛ ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على أصحابه حين أتوه بتمر جيد بدلاً عن الرديء (١)؛ لكن لو ترك التوسع في ذلك لغرض شرعي فلا بأس كما فعله عمر ﵁ عام الرمادة؛ وأما إذا تركها لغير غرض شرعي فهو مذموم؛ لأن الله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه (٢).
стр. 282
٦ ومن فوائد الآية: حِلّ البقول، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل؛ لقولهم: ﴿ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ... ﴾ إلى قوله: ﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾ أي من الأصناف المذكورة ..
وهذه الأصناف مباحة في شريعة موسى؛ وكذلك في شريعتنا؛ فإنه لما قُدِّم للرسول ﷺ قدر فيه بقول فكره أكلها؛ فلما رآه بعض أصحابه كره أكلها، قال الرسول ﷺ "كل؛ فإني أناجي من لا تناجي" (١)؛ فأباحها لهم؛ وكذلك في خيبر لما وقع الناس في البصل، وعلموا كراهة النبي ﷺ لها قالوا: حُرّمت؛ قال ﷺ "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله" (٢)؛ فبين أنه حلال ..
. ٧ ومن فوائد الآية: جواز إسناد الشيء إلى مكانه لا إلى الفاعل الأول؛ لقولهم ﴿مما تنبت الأرض﴾؛ والذي ينبت حقيقة هو الله ...
٨ ومنها: جواز إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي الذي ثبت أنه سبب شرعاً، أو حساً؛ مثال ذلك: لو أطعمت جائعاً يكاد يموت من الجوع فإنه يجوز أن تقول: "لولا أني أطعمته لهلك"؛ لأن الإطعام سبب لزوال الجوع؛ والهلاك معلوم بالحس؛ ومثال الشرعي: القراءة على المريض، فيبرأ، فتقول: "لولا القراءة عليه
стр. 283
لم يبرأ"؛ أما المحظور فهو أن تثبت سبباً غير ثابت شرعاً، ولا حساً، أو تقرن مشيئة الله بالسبب بحرف يقتضي التسوية مع الله ؛ مثال الأول: أولئك الذين يعلقون التمائم البدعية، أو يلبسون حلقاً، أو خيوطاً لدفع البلاء، أو رفعه. كما زعموا؛ ومثال الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال له رجل: "ما شاء الله وشئت"، فقال له النبي ﷺ "أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده" (١)، لأنك إذا قلت: "ما شاء الله وشئت" جعلت المخاطَب ندًّا لله في المشيئة ..
فإذا قال قائل: أليس الله قد ذم قارون حينما قال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: ٧٨]؛ فنسب حصول هذا المال إلى العلم؛ وهذا قد يكون صحيحاً؟
فالجواب أن هذا الرجل أنكر أن يكون من الله ابتداءً؛ ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه دون أن يعتقد أن الله هو المسبِّب فهو مشرك؛ وأيضاً فإن قارون أراد بقوله هذا أن يدفع وجوب الإنفاق عليه مبتغياً بذلك الدار الآخرة ..
والخلاصة: أن الحادث بسبب معلوم له صور:.
الصورة الأولى: أن يضيفه إلى الله وحده ..
стр. 284
الثانية: أن يضيفه إلى الله تعالى مقروناً بسببه المعلوم؛ مثل أن يقول: "لولا أن الله أنجاني بفلان لغرقت" ..
الثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب؛ ومنه قول النبي ﷺ في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (١) " ..
الرابعة: أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب المعلوم بـ"ثم"، كقوله: "لولا الله ثم فلان"؛ "وهذه الأربع كلها جائزة" ..
الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: "لولا الله وفلان
الصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالفاء، مثل: "لولا الله ففلان"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع ..
الصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعاً، ولا حساً، فهذا شرك. كما سبق ..
. ٩ ومن فوائد الآية: توبيخ موسى ﵇ لبني إسرائيل، وأن الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير يستحق التوبيخ؛ لأن موسى وبخهم، حيث قال: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)
. ١٠ ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم
стр. 285
يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: ﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾؛ وكأنه قال: لا حاجة أن أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض ...
١١ ومنها: ضرب الذلة على بني إسرائيل؛ وقد ذكر الله تعالى أنهم ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله. وهو الإسلام؛ أو بحبل من الناس وهو المساعدات الخارجية؛ والمشاهد الآن أن اليهود أعزاء بما يساعدهم إخوانهم من النصارى ..
. ١٢ ومنها: أن اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وهي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي هو شدة الطمع بحيث أن اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب المال ولو كان من أكثر الناس مالاً؛ ويشمل أيضاً فقر المال وهو قلته ..
. ١٣ ومنها: أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قبل الإسلام؛ لأن ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلام فلا شك أنه سيكون الوبال عليهم؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر﴾ [الحشر: ١٤]؛ وما يشاهد اليوم من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين:.
الأول: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإن كثيراً من الذين يقاتلون اليهود. أو أكثرهم. لا يقاتلونهم باسم الإسلام، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتال عصبي قَبَليّ؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود ..
والسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إن
стр. 286
بعضها ليؤدي إلى الكفر؛ وقد حصل للمسلمين في أُحُد ما حصل بمعصية واحدة مع ما انضم إليها من التنازع، والفشل، كما قال الله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ (آل عمران: ١٥٢).
١٤ ومن فوائد الآية: إثبات صفة الغضب لله تعالى؛ وغضب الله صفة من صفاته؛ لكنها لا تماثل صفات المخلوقين؛ فنحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا، ويحمر الوجه، ويقفُّ الشعر، ويفقد الإنسان صوابه؛ وهذه العوارض لا تكون في غضب الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ بل هو غضب يليق بالله دال على كمال عظمته، وسلطانه؛ وإذا قلنا بهذا، وسلَّمنا أن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وصرنا حسب ما أمر الله به، ورسوله ..
وفسر أهل التحريف "غضب الله" بانتقامه، ولا يثبتونه صفة لله ؛ وفسره آخرون بأنه إرادة الانتقام؛ فمعنى ﴿غضب الله عليهم﴾ عندهم: أراد أن ينتقم منهم؛ وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقائد ..
. ١٥ ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل جمعوا بين المعاصي، والعدوان ..
. ١٦ ومنها: بيان حكمة الله حيث ربط الأشياء بأسبابها؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم﴾، وقوله تعالى: ﴿ذلك بما عصوا﴾؛ وهذا من الحكمة أن يكون للأسباب تأثيراً في مسبَّباتها بما جعله الله رابطاً بين الأسباب والمسبَّبات، ولكن الأسباب قد يكون لها موانع؛ فقد توجد الأسباب، ولكن توجد موانع أقوى
стр. 287
منها؛ فالنار لم تحرق إبراهيم ﷺ . مع أنها سبب للإحراق. لوجود مانع؛ وهو قول الله تعالى لها: ﴿كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩] ..
القرآن
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: ٦٢)
التفسير:
لما ذكر الله ما عاقب به بني إسرائيل من ضرب الذلة، والمسكنة، والغضب بَيَّن أن المؤمنين من بني إسرائيل، وغيرهم كلهم لهم أجرهم عند الله ..
ومناسبة الآية لما قبلها أنه تعالى لما قال: ﴿وباءوا بغضب من الله﴾ بيَّن أن من آمن منهم، وعمل صالحاً فإن الله لا يضيع أجره؛ فقال تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم)
. ﴿٦٢﴾ قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا﴾ يعني أمة محمد ﷺ لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل ..
قوله تعالى: ﴿والذين هادوا﴾ أي الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى، ﴿والنصارى﴾ أي الذين انتسبوا إلى دين عيسى ..
стр. 288
قوله تعالى: ﴿والصابئين﴾: اختلف فيهم على عدة أقوال؛ فمن العلماء من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى؛ ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود؛ ومنهم من يقول إنهم فرقة من المجوس؛ ومنهم من يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها؛ ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم: من كانوا على الفطرة؛ ولا يتدينون بدين. وهذا هو الأقرب؛ فإذا أرسل إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر ثبت لهم انتفاء الخوف، والحزن، كغيرهم من الطوائف الذين ذُكروا معهم ..
قوله تعالى: ﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ هذا بدل ممن قبله عائد إلى الذين هادوا، والنصارى، والصابئين ..
قوله تعالى: ﴿فلهم أجرهم﴾ أي ثوابهم؛ وسمى الله تعالى "الثواب" أجراً؛ لأنه التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير؛ ﴿عند ربهم﴾: أضاف ربوبيته إليهم على سبيل الخصوص تشريفاً، وتكريماً، وإظهاراً للعناية بهم؛ فهذه كفالة من الله ، وضمان، والتزام بهذا الأجر؛ فهو أجر غير ضائع ..
قوله تعالى: ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾؛ "الخوف" هو الهمّ مما يستقبل؛ و "الحزن": هو الغم على ما فات من محبوب، أو ما حصل من مكروه؛ ولهذا يقال لمن أصيب بمصيبة: "إنه محزون"؛ ويقال لمن يتوقع أمراً مرعباً، أو مروعاً: "إنه خائف"؛ وقد يطلق "الحزن" على الخوف مما يستقبل، كقول النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ وهما في الغار: "لا تحزن إن الله
стр. 289
معنا" (١)، فالمراد. والله أعلم. لا تخف؛ فقوله تعالى: ﴿ولا خوف عليهم﴾ أي من كل مما يخاف في المستقبل: من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك؛ وقوله تعالى: ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم انتقلوا إلى خير منها؛ أما الكافر فيحزن على ما فرط في الحياة الدنيا، ويتحسر، كما قال تعالى: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٤. ٥٦]: هذا تحزُّن، وتحسُّر ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن الله لا يظلم أحداً، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجره من أيّ صنف كان ..
. ٢ ومنها: ثمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر. وهو حصول الأجر، وانتفاء الخوف مما يستقبل، والحزن على ما مضى ..
. ٣ ومنها: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر؛ فالذين هادوا، والنصارى، والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله، واليوم الآخر. وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم بأنهم أكثر أجراً ...
стр. 290
٤ ومنها: عظم أجر الذين آمنوا، وعملوا الصالحات؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿عند ربهم﴾ ..
. ٥ ومنها: أنه إذا ذكر الثناء بالشر على طائفة، وكان منهم أهل خير فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون قدحاً عاماً؛ لأنه تعالى بعدما قال: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ [البقرة: ٦١] بيَّن أن منهم من آمن بالله، واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون ..
القرآن
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ٦٣)) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (البقرة: ٦٤)
التفسير:
. ﴿٦٣﴾ ثم ذكَّر بني إسرائيل بأمر أخذه عليهم، فقال تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ يعني اذكروا إذا أخذنا ميثاقكم؛ و "الميثاق": العهد الثقيل المؤكد؛ وسمي بذلك من الوَثاق. وهو الحبل الذي يُشد به المأسور، كما في قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق﴾ (محمد: ٤)
قوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم﴾ أي فوق رؤوسكم ﴿الطور﴾ هو الجبل المعروف؛ رفعه الله. ﵎. على بني إسرائيل لما
стр. 291
تهاونوا في طاعة الله إنذاراً لهم، وقال تعالى لهم: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ أي: اقبلوا ما أعطيناكم من التوراة. كما قال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ [البقرة: ١٢١]. واعملوا به بقوة؛ والمراد بالـ "قوة" هنا الحزم، والتنفيذ؛ والتطبيق؛ وضده أن يأخذ الإنسان أخذاً ضعيفاً متساهلاً على كسل؛ والباء في قوله تعالى: ﴿بقوة﴾ للمصاحبة؛ أي خذوا هذا الكتاب. أي التوراة التي جاء بها موسى ﷺ . أخذاً مصحوباً بقوة، فلا تهملوا شيئاً منه ..
قوله تعالى: ﴿واذكروا ما فيه﴾ أي اذكروا كل ما فيه، واعملوا به؛ لأن ﴿ما﴾ اسم موصول يفيد العموم ..
قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾: "لعل" للتعليل؛ أي لأجل أن تتقوا الله ؛ فالأخذ بهذا الميثاق الذي آتاهم الله على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضاً، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ فالطاعات يجر بعضها بعضاً، لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط، وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه؛ وكلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى؛ وبالعكس المعاصي: فإنها توجب وحشة بين العبد وبين الله ، ونفوراً، والمعاصي يجر بعضها بعضاً؛ وسبق قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [البقرة: ٦١]؛ ثم بعد هذا الإنذار، وكون الجبل فوقهم في ذلك الوقت خضعوا، وخشعوا، قال الله تعالى: ﴿وإذ نتقنا
стр. 292
الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ ففي تلك الساعة هرعوا إلى السجود؛ وسجدوا؛ ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى الآن سجود مائل كأنما ينظرون إلى شيء فوقهم؛ وقالوا: إن هذا السجود سجدناه لله لإزالة الشدة؛ فلا نزال نسجد به؛ فهذا سجودهم إلى اليوم ..
. ﴿٦٤﴾ قوله تعالى: ﴿ثم توليتم﴾ أي أعرضتم وأدبرتم عن طاعة الله ﴿من بعد ذلك﴾: المشار إليه: رفع الجبل في قوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾؛ والمعنى: بعد هذه الإنابة وقت رفع الطور توليتم، ولم تذكروها؛ ما ذكرتم أن الذي خوفكم بهذا الجبل قد يعيد عليكم ذلك مرة أخرى ..
قوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ بإرسال الرسل، وبيان السبل، وغير ذلك فـ "الفضل" بمعنى التفضل؛ و "لولا" حرف امتناع لوجود؛ و "فضل" مبتدأ، وخبره محذوف، كما قال ابن مالك:.
(وبعد لولا غالباً حذف الخبر حتم وفي نص يمين ذا استقر) والتقدير: فلولا فضل الله عليكم موجود ..
قوله تعالى: ﴿لكنتم من الخاسرين﴾: اللام واقعة في جواب "لولا" ..
وقوله تعالى: ﴿الخاسرين﴾ أي الذين خسروا الدنيا، والآخرة، فلم يربحوا منهما بشيء؛ لأن أخسر الناس هم الكفار؛ فلا هم استفادوا من دنياهم، ولا من آخرتهم ..
стр. 293
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: تذكير الله. ﵎. لبني إسرائيل بما أخذ عليهم من عهد؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾؛ وهذا التذكير مقتضاه الإلزام. أي فالتزموا بالميثاق ..
. ٢ ومنها: عتوّ بني إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم؛ فحينئذٍ آمنوا؛ وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه إيمان المكره الذي قيل له: إما أن تؤمن؛ أو تُقْتَل ..
. ٣ ومنها: بيان قوة الله ، وقدرته؛ لقوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾؛ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ فلا أحد من الخلق يستطيع أن يحمل ذلك الجبل، ويجعله ظلة لا يسقط عليهم إلا الله ؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرته ..
. ٤ ومنها: أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة لا بضعف، ولين، ومداهنة؛ بل لابد من قوة في التطبيق، والدعوة؛ التطبيق على أنفسهم؛ ودعوة غيرهم إلى ذلك بدون فتور، ولا تراخٍ على حدّ قوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النمل: ١٢٥]؛ لأنه لا يتم الأمر إلا بهذا ...
٥ ومنها: أن الأخذ بالكتاب المُنَزَّل يوجب التقوى؛ لقوله تعالى: لعلكم تتقون﴾ أي لأجل أن تكونوا من المتقين لله ..
стр. 294
٦ ومنها: لؤم بني إسرائيل؛ لأنهم بعد أن رجع الجبل إلى مكانه تولوا، كما قال تعالى: ﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾؛ وهذا من اللؤم؛ لأن من الواجب أن يذكروا رفع الجبل فوقهم حتى يستقيموا، ويستمروا على الأخذ بقوة؛ لكنهم تولوا من بعد ما رأوا الآيات ..
. ٧ ومنها: بيان فضل الله على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: (فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين).
. ٨ ومنها: أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق؛ لقوله تعالى: (فلولا فضل الله عليكم ورحمته).
. ٩ ومنها: إثبات فضل الله تعالى على بني إسرائيل بما أعطاهم من الآيات الكونية، والشرعية ..
. ١٠ ومنها: إثبات الأسباب، وربطها بمسبباتها؛ لقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾؛ فهذا صريح في إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها ..
القرآن
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة: ٦٥)) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: ٦٦)
التفسير:
. ﴿٦٥﴾ قوله تعالى: ﴿ولقد﴾: اللام موطئة للقسم؛ وعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر،
стр. 295
واللام، و "قد"؛ والتقدير: والله لقد؛ و ﴿علمتم﴾: الخطاب لبني إسرائيل؛ أي علمتم عِلم اليقين، وعرفتم معرفة تامة ﴿الذين اعتدوا منكم﴾ أي تجاوزوا الحدود، وطغوا منكم ..
قوله تعالى ﴿في السبت﴾ أي في الحكم الذي حكم الله به عليهم يوم السبت؛ وذلك أن الله حرم عليهم العمل والصيد في ذلك اليوم ليتفرغوا للعبادة؛ فابتلاهم بكثرة الحيتان يوم السبت حتى تكون فوق الماء شُرَّعاً، ثم لا يرونها بعد ذلك؛ فتحيلوا على صيدها بحيلة، حيث وضعوا شباكاً يوم الجمعة، فتدخل فيه الحيتان إذا جاءت يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، ويقولون: نحن لم نصدها يوم السبت، فقال لهم الله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ أي ذليلين، فصاروا كذلك ..
. ﴿٦٦﴾ قوله تعالى: ﴿فجعلناها﴾ أي صيرناها؛ واختلف المفسرون في مرجع الضمير المفعول به؛ فقيل: يعود على القرية؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت﴾؛ فيكون مرجع الضمير مفهوماً من السياق؛ وقيل: يعود على العقوبة. أي فجعلنا العقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين * فجعلناها نكالًا﴾؛ فيكون المعنى: فجعلنا هذه العقوبة نكالاً ..
قوله تعالى: ﴿نكالًا﴾: النكال، والتنكيل أن يعاقب الإنسان بعقوبة تمنعه من الرجوع إلى ما عوقب عليه ..
قوله تعالى: ﴿لما بين يديها وما خلفها﴾: اختلف في مرجع الضمير "ها"؛ فقيل: يرجع إلى القرية؛ فيكون: ﴿لما بين يديها﴾: ما قرب منها من القرى من أمامها؛ و ﴿ما خلفها﴾: ما
стр. 296
كان من القرى من خلفها؛ لأن أهل القرى علموا بما نزل بها من العقوبة، فكان ذلك نكالاً لهم؛ وقيل: إن المراد بـ "ما بين يديها": ما يأتي بعدها: "وما خلفها": ما سبقها؛ ولكن في هذا إشكالاً؛ لأن من سبقها قد مضى، فلا يكون منتفعاً، ولا ناكلاً إلا أن يراد بما بين يديها" من عاصرها، و "ما خلفها": من يأتي بعدهم، ويكون "الخَلْف" هنا بمعنى الأمام، كما جاء "الوراء" بمعنى الأمام في قوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً﴾ [الكهف: ٧٩] ..
قوله تعالى: ﴿وموعظة للمتقين﴾ أي موضع اتعاظ للذين يتقون الله ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: توبيخ اليهود الموجودين في عهد الرسول ﷺ على عدم الإيمان به؛ ووجه ذلك أنهم علموا ما حلّ بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة؛ فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله ورسوله ..
. ٢ ومنها: تحريم الحيل، وأن المتحيل على المحارم لا يخرج عن العدوان؛ لقوله تعالى: ﴿الذين اعتدوا منكم في السبت﴾؛ بل الحيل على فعل محرم أعظم إثماً من إتيان المحرم على وجه صريح؛ لأنه جمع بين المعصية، والخداع؛ ولهذا كان المنافقون أشد جرماً وعداوة للمؤمنين من الكفار الصرحاء؛ قال أيوب السختياني. ﵀. في المتحيلين: "إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان؛ ولو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون"؛ وصدق ﵀؛ وللحيل مفاسد كثيرة. راجع إن شئت كتاب
стр. 297
"إغاثة اللهفان" لابن القيم. ﵀. وغيره ..
وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت، وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم، ثم أذابوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها؛ وتأملت حيل بعض المسلمين اليوم على الربا وغيره. وجدت أن حيل بعض المسلمين اليوم على ما ذُكر أشد حيلة من حيل اليهود. ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، وقد نهانا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (١)؛ فالمتحيل على المحرَّم واقع فيه، ولا تنفعه الحيلة ..
. ٣ ومن فوائد الآيتين: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنب؛ لأن عقوبة هؤلاء المتحيلين أنهم مسخوا قردة خاسئين؛ والذنب الذي فعلوه أنهم فعلوا شيئاً صورته صورة المباح؛ ولكن حقيقته غير مباح؛ فصورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي؛ وهذا؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠] ..
. ٤ ومنها: بيان قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾؛ فكانوا في لحظة قردة ..
. ٥ ومنها: إثبات القول لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ ..
стр. 298
٦ ومنها: أن الذين مسخوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت؛ وأما الذين نَهَوا عن السوء فقد نجوا؛ وأما الذين سكتوا عن المعتدين، ولم يشاركوهم فقد سكت الله عنهم؛ فنسكت عنهم ...
٧ ومنها: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل؛ لقوله تعالى: ﴿فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها﴾؛ ولهذا يقص الله علينا من نبأ المكذبين للرسل ما يكون لنا فيه عبرة، كما قال : ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١] ..
. ٨ ومنها: أن الحدود الشرعية نكال للفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب، ولغير الفاعل ..
. ٩ ومنها: أن الذين ينتفعون بمثل هذه المواعظ هم المتقون ..
. ١٠ ومنها: أن المواعظ قسمان: كونية، وشرعية؛ فالموعظة هنا كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالاً لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين؛ وأما الشرعية فمثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور﴾ [يونس: ٥٧]؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيراً لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيراً في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات ..
. ١١ ومن فوائد الآيتين: أن الذين ينتفعون بالمواعظ هم المتقون؛ وأما غير المتقي فإنه لا ينتفع لا بالمواعظ الكونية، ولا بالمواعظ الشرعية؛ قد ينتفع بالمواعظ الكونية اضطراراً، وإكراهاً؛ وقد لا ينتفع؛ وقد يقول: هذه الأشياء ظواهر كونية
стр. 299
طبيعية عادية، كما قال تعالى: ﴿وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم﴾ [الطور: ٤٤]؛ وقد ينتفع، ويرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختَّار كفور﴾ [لقمان: ٣٢] ...
١٢ ومن فوائد الآيتين: أن من فوائد التقوى. وما أكثر فوائدها. أن المتقي يتعظ بآيات الله الكونية، والشرعية ..
القرآن
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (البقرة: ٦٧)) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) (البقرة: ٦٨) (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (البقرة: ٦٩) (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) (البقرة: ٧٠) (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) (البقرة: ٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة: ٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٧٣
стр. 300
التفسير:
. ﴿٦٧﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قال موسى لقومه، وإضافة "القوم" إليه لبيان أنه ﵊ لا يمكن أن يقول لهم إلا ما فيه خير؛ لأن الإنسان سوف ينصح لقومه أكثر مما ينصح لغيرهم ..
قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾: قالها في جواب ذكره الله في أثناء القصة:
﴿وإذ قتلتم نفساً فادَّارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ [البقرة: ٧٢]؛ فقد قُتل منهم نفس فتخاصموا، وتدافعوا: كل يدعي أن هؤلاء قتلوه؛ حتى كادت تثور الفتنة بينهم؛ ولا حاجة بنا إلى أن نعلل لماذا قتل؛ أو لأي غرض؛ هذا ليس من الأمور التي تهمنا؛ لأن القرآن لم يتكلم بها؛ ولكن غاية ما يكون أن نأخذ عن بني إسرائيل ما لا يكون فيه قدح في القرآن، أو تكذيب له، فقالوا: لا حاجة إلى أن نتقاتل، ويُذهب بعضنا بعضاً؛ نذهب إلى نبي الله موسى، ويخبرنا من الذي قتله؛ فذهبوا إليه، فقال لهم: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ صدَّر الأمر من الله؛ لم يقل: آمركم، ولا قال: اذبحوا؛ بل قال: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾؛ ليكون أعظم وقعاً في نفوسهم، وأدعى إلى قبوله، وامتثاله ..
وقوله ﴿بقرة﴾: لم تعين بوصف؛ فلو ذبحوا أيّ بقرة كانت لكانوا ممتثلين؛ ولكنهم تعنتوا، وتشددوا فشدد الله عليهم. كما سيأتي ..
قوله تعالى: ﴿أتتخذنا هزواً﴾؛ ﴿هزواً﴾ مصدر بمعنى اسم
стр. 301
المفعول؛ أي أتتخذنا مهزوءاً بنا؛ ويجوز أن تكون (هزواً) على بابها؛ ويكون المعنى: أتتخذنا ذوي هُزْء؛ فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ "والهزء" السخرية؛ وإنما قالوا ذلك لاستبعادهم أن يكون ذبح البقرة سبباً لزوال ما بينهم من المدارأة؛ والتعبير بقولهم: ﴿أتتخذنا هزواً﴾ أبلغ من قول "أتستهزئ بنا"؛ لأن الأولى تفيد أنهم جُعلوا محل استهزاء. بخلاف الثانية فإنما تدل على حصول الاستهزاء. ولو بمرة واحدة ..
فأجابهم نبي الله بقوله: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ أي أعتصم بالله أن أكون من أولي الجهل فأتخذ عباد الله هزواً؛ والمراد بـ "الجهل" هنا السفه، كما في قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ [النساء: ١٧]. أي بسفاهة. ﴿ثم يتوبون من قريب﴾ [النساء: ١٧] ..
. ﴿٦٨. ٦٩﴾ قوله تعالى: ﴿قالوا ادع لنا ربك﴾: سبق الكلام على نظيرها؛ ﴿يبين لنا ما هي﴾: هذا الطلب ليس له وجه؛ لأن اللفظ بين: فالبقرة معلومة، والمطلق ليس مجملاً يحتاج إلى بيان. لوضوح معناه؛ فإذا قيل مثلاً: "أكرم رجلاً"؛ فلا يحتاج أن تقول: "ما صفة هذا الرجل"؛ إذا أكرمت أيّ رجل حصل المقصود؛ فلو أنهم ذهبوا، وذبحوا أيّ بقرة، وامتثلوا ما أمرو به لانتهى الأمر؛ ولكنهم تعنتوا ..
قوله تعالى: ﴿قال﴾ أي موسى ﴿إنه يقول﴾ أي الله ﴿إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾: "البكر" معروف: التي لم تلد، ولا قرعها الفحل، و "الفارض" تُعرف بمقابلها، فإذا كانت
стр. 302
"البكر" هي التي لم يقرعها الفحل، فإن "الفارض" هي المسنة الكبيرة؛ وهذا. أي تفسير الكلمة، أو معرفة معنى الكلمة بمعرفة ما يقابلها. له نظير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً﴾ [النساء: ٧١]؛ فكلمة: ﴿ثبات﴾ هنا يتبين معناها بما ذكر مقابلاً لها. وهو قوله تعالى: ﴿أو انفروا جميعاً﴾؛ فيكون معناها: متفرقين أفراداً ..
قوله تعالى: ﴿عوان بين ذلك﴾ أي وسط بين ذلك. أي بين كونها فارضاً وبكراً؛ وفيه إشكال على هذا: لأنه إذا كان المشار إليه اثنين وجب تثنية اسم الإشارة؛ واسم الإشارة هنا مفرد مذكر؟ والجواب عنه أن يقال: ﴿بين ذلك﴾ أي بين ذلك المذكور من الفارض والبكر. أي لا تكون هكذا، ولا هكذا، ولكن عوان بين ذلك المذكور ..
قوله: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾؛ هذا الأمر من موسى؛ وليس من كلام الله ؛ فموسى يقول لبني إسرائيل: افعلوا ما تؤمرون به من ذبح بقرة لا فارض، ولا بكر، ولا تتعنتوا فيشدد عليكم مرة ثانية؛ ولو أنهم امتثلوا، وذبحوا بقرة عواناً بين ذلك لحصل المقصود؛ وكان عليهم أن يفعلوا. وإن لم يأمرهم نبيهم به؛ ولكنهم أهل عناد، وتعنت؛ ولهذا أمرهم أمراً ثانياً؛ ومع ذلك قالوا: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾: كل هذا من باب التعنت، والتشدد؛ و ﴿ما لونها﴾ يعني أيّ شيء لونها. بيضاء؛ سوداء؛ شهباء .. ؟
قوله تعالى: ﴿قال﴾ أي موسى ﴿إنه يقول﴾ أي الله ﴿إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾: شدد عليهم
стр. 303
مرة أخرى في اللون: أولاً حيث قال تعالى: ﴿إنها بقرة صفراء﴾، فخرج بهذا ما عدا الصفرة من الألوان. وهذا نوع تضييق؛ ثانياً بكونها: ﴿فاقع لونها﴾؛ و "الفاقع" يعني الصافي؛ والمعنى: أنه ليس فيه ما يشوبه، ويخرجه عن الصفرة؛ وقيل: معنى ﴿فاقع لونها﴾ أي شديد الصفرة، وهو كلما كان صافياً كان أبين في كونه أصفر؛ ثالثاً بكونها: ﴿تسر الناظرين﴾ يعني ليست صفرتها صفرة توجب الغم؛ أو صفرتها مستكرهة؛ بل هي صفرة تجلب السرور لمن نظر إليها؛ فصار التضييق من ثلاثة أوجه: صفراء؛ والثاني: فاقع لونها؛ والثالث: تسر الناظرين ..
. ﴿٧٠﴾ قوله تعالى: ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾: هذا أيضاً طلب ثالث؛ يقولون: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ أي من حيث العمل؛ ﴿إن البقر تشابه علينا﴾ أي اشتبه علينا البقرة المطلوبة؛ وفي الحقيقة أنه ليس في هذا اشتباه؛ إذ ذُكر لهم أنها بقرة، وذكر لهم سنها؛ وذكر لهم لونها؛ فأين التشابه؟! لكن هذا من عنادهم، وتعنتهم، وتباطئهم في تنفيذ أمر الله ..
قولهم: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾: أكدوا الهداية هنا بمؤكدين؛ وهما: "إن"، واللام؛ ومؤكد ثالث؛ وهو الجملة الاسمية؛ وهي أبلغ من الجملة الفعلية، وأخذوا على أنفسهم أنهم سيهتدون؛ ولكنهم علقوا ذلك بمشيئة الله، قال بعض السلف: "لو لم يقولوا: ﴿إن شاء الله﴾ لم يهتدوا إليها أبداً". وهذا فيما إذا كان قصدهم تفويض الأمر إلى الله ؛ ويحتمل أن يكون قصدهم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا: "إن الله لم يشأ أن نهتدي"! وما هذا الاحتمال ببعيد عليهم ..
стр. 304
﴿٧١﴾ فأجابهم على هذا: ﴿قال﴾: أي موسى ﴿إنه يقول﴾ أي الله ﴿إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلَّمة لا شية فيها﴾: هذا أيضاً تشديد زيادة على ما سبق؛ و ﴿ذلول﴾ على وزن فَعول؛ وهي المتذللة التي ذللت لصاحبها؛ و "والمذللة" هي التي تثير الأرض للزرع؛ و ﴿لا تسقي الحرث﴾ أي لا يُسنَى عليها؛ فهي ليست سانية، ولا حارثة؛ و ﴿مسلمة﴾ أي من العيوب؛ ﴿لا شية فيها﴾ أي ليس فيها لون يخالف لونها؛ مأخوذ من وشي الثوب. وهو تلوينه بألوان مختلفة، مثل عِدَة مأخوذة من الوعد؛ إذاً هي صفراء ليس فيها سواد، ولا فيها بياض، ولا فيها أي لون آخر؛ وهذا كله من زيادة التشديد عليهم ..
وبهذا التقرير نعرف أنه لا حاجة بنا إلى ما ذكره كثير من المفسرين من الإسرائيليات من أن هذه البقرة كانت عند رجل بارّ بأمه، وأنهم اشتروها منه بملء مَسكها ذهباً. يعني بملء جلدها ذهباً؛ وهذا من الإسرائيليات التي لا تصدق، ولا تكذب، ولكن ظاهر القرآن هنا يدل على كذبها؛ إذ لو كان واقعاً لكان نقله من الأهمية بمكان لما فيه من الحث على برّ الوالدين حتى نعتبر؛ فالصواب أن نقول في تفسير الآية ما قال الله ، ولا نتعرض للأمور التي ذكرها المفسرون هنا من الحكايات ..
قوله تعالى: ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾؛ ﴿الآن﴾ اسم زمان يُشار به للوقت الحاضر؛ فمقتضى كلامهم أنه أولاً أتى بالباطل، وقد صدّروا هذه القصة بقولهم ﴿أتتخذنا هزواً﴾؛ يعني الآن عرفنا أنك لست تستهزئ؛ وإنما أنت صادق؛ هذا هو المتبادر من الآية الكريمة، وليس بغريب على تعنتهم أن يقولوا مثل هذا القول؛
стр. 305
وقال بعض المفسرين اتقاءً لهذا المعنى البشع: إن المراد بقولهم: ﴿بالحق﴾ أي بالبيان التام. أي الآن بينت لنا أوصافها، فجعلوا "الحق" هنا بمعنى البيان؛ ولكن الصواب أن "الحق" هنا ضد الهزء، والباطل؛ يدل على ذلك أنهم صدروا هذه القصة بقولهم: ﴿أتتخذنا هزواً﴾؛ فبعد هذه المناقشات مع موسى، والسؤالات، وطلب الله قالوا: الآن جئت بالحق، وعرفنا أنك لست مستهزئاً بنا؛ بل إنك جادّ فيما تقول ..
قوله تعالى: ﴿فذبحوها﴾ أي بعد العثور عليها بأوصافها السابقة؛ ﴿وما كادوا يفعلون﴾ أي ما قاربوا أن يفعلوا؛ وذلك بإيرادهم الطلب عن سنها، ولونها، وعملها، وهذا تباطؤ يبعدهم من الفعل؛ لكنهم فعلوا؛ لقوله تعالى: (فذبحوها)
. ﴿٧٢. ٧٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفساً﴾ أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفساً؛ ووجه الخطاب لمن كانوا في عهد النبي ﷺ مع أن الفعل كان ممن سبقهم؛ لأن الأمة الواحدة بمنزلة الجسد الواحد؛ وفعل أولها كفعل آخرها فيما يلحقهم من ذمّ ..
قوله تعالى: ﴿فادَّارأتم فيها﴾ أي تدافعتم؛ كل منكم يدافع عن نفسه التهمة، ويتهم الآخر، وكان قد قُتل منهم قتيل من إحدى القبيلتين؛ فادّعت كل واحدة أن الأخرى هي قاتلته؛ وكاد يكون بينهم فتنة؛ فأتوا إلى موسى، فقال لهم: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ... ﴾ إلخ ..
قوله تعالى: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ أي مظهر ما كنتم تخفونه من تعيين القاتل؛ وذلك بالآية العظيمة التي بينها في
стр. 306
قوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾؛ القائل هو الله ؛ ولكن عن طريق الوحي إلى نبيه موسى. ﵊؛ وأضاف قول موسى إليه ﵎؛ لأنه هو الآمر به، كما في قوله : ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٦. ١٨]: فالمراد بقوله تعالى: ﴿قرأناه﴾ قرأه جبريل. ﵊.؛ فهنا قوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ يعني أن الله تعالى أمر نبيه موسى ﷺ ، فقال لهم بأمر الله: ﴿اضربوه ببعضها﴾ أي اضربوا هذا القتيل ببعض هذه البقرة؛ ولم يعين الله تعالى البعض: أهو الساق؛ أو الفخذ؛ أو الرقبة؛ أو الرأس، أو أيّ جزء من أجزائها، فليس لنا أن نعينه بجزء منها ..
قوله تعالى: ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ أي مثل إحياء هذا القتيل يحيي الله الموتى بكلمة واحدة، كما قال تعالى: ﴿إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ (يس: ٥٣)
قوله تعالى: ﴿ويريكم آياته﴾ أي يظهرها لكم حتى تروها؛ والمراد بـ "الآيات" هنا الآيات الكونية؛ لأنها إحياء ميت بضربه بجزء من أجزاء هذه البقرة؛ ويحتمل أن يكون المراد آياته الشرعية أيضاً؛ لأن موسى. ﵊. أمرهم بذلك؛ فضربوا الميت ببعض هذه البقرة؛ فصار ذلك مصداقاً لقول موسى. ﵊ ...
قوله تعالى: ﴿لعلكم تعقلون﴾؛ "لعل" للتعليل؛ أي لأجل أن تعقلوا عن الله. ﵎. آياته، وتفهموها؛ والعقل هو ما يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي؛ وهو خلاف الذكاء؛
стр. 307
فالذكاء هو سرعة البديهة، والفهم؛ وقد يكون الإنسان ذكياً، ولكنه ليس بعاقل ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآيات: تعظيم الله ، حيث أسند الأمر إليه بصيغة الغائب، كقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠] ..
. ٢ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يسلك الأسباب التي تؤدي إلى قبول الأمر، أو الخبر؛ لقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ ..
. ٣ ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا لنبيهم ﵊: ﴿أتتخذنا هزواً﴾ وقد أخبرهم أن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة؛ فلم يحملوا هذا محمل الجدّ مع أن الواجب أن يحملوا هذا محمل الجدّ؛ لأنه أمر من الله ..
. ٤ ومنها: أن الاستهزاء بالناس من الجهل وهو الحمق، والسفه؛ لقول موسى ﵊: (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)
. ٥ ومنها: أن جميع الخلق محتاجون إلى الله تعالى، وإلى الاعتصام به ؛ فإن موسى ﷺ كان من أولي العزم من الرسل؛ ومع ذلك فهو محتاج إلى ربه ﵎؛ لقوله تعالى: ﴿قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾؛ والاستعاذة لا تكون إلا بالله ؛ وقد تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه، مثل قوله ﷺ : "فمن وجد معاذاً فليعذ به" (١) ...
стр. 308
٦ ومنها: استكبار بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى. ﵊: ﴿ادع لنا ربك﴾؛ فأمروه أمراً، ثم أضافوا ربوبية الله إلى موسى، كأنهم متبرئون من ذلك؛ فلم يقولوا: "ادع ربنا"، أو "ادع الله"؛ ومما يدل على استكبارهم كونهم طلبوا من موسى. ﵊. أن يبين لهم ما هذه البقرة مع أن البقرة معروفة؛ وهي عند الإطلاق تشمل أيّ واحدة ..
. ٧ ومنها: تأكيد الأمر على بني إسرائيل أن يفعلوه؛ لقوله: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾؛ ومع ذلك لم يمتثلوا؛ بل تعنتوا، وطلبوا شيئاً آخر: ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾؛ فسألوه عن اللون مع أن أيّ لون يمكن أن يكون في البقرة لا يمنع من إجزائها ..
. ٨ ومنها: بيان ما يدل أيضاً على تعنتهم؛ وذلك أنهم طلبوا بيان هل البقرة عاملة، أو غير عاملة ..
. ٩ ومنها: أن استعمال البقر في الحرث والسقي كان قديماً معروفاً بين الأمم، ولا يزال إلى وقتنا هذا قبل أن تظهر الآلات الحديدية ..
. ١٠ ومنها: تشديد الله عليهم، حيث أمرهم بذبح بقرة موصوفة بهذه الصفات التي يعز وجودها في بقرة واحدة؛ وذلك بأن تكون متوسطة في السن لا فارضاً ولا بكراً؛ وأن تكون
стр. 309
صفراء فاقعاً لونها تسر الناظرين؛ وألا تكون ذلولاً تثير الأرض وتسقي الحرث؛ وأن تكون مسلَّمة ليس فيها شيء من العيوب ..
وألا يخالط لونها لون آخر؛ لقوله: (لا شية فيها).
. ١١ ومنها: أن من شدد على نفسه شدد الله عليه. كما حصل لهؤلاء؛ فإنهم لو امتثلوا أول ما أُمِروا، فذبحوا أيّ بقرة لكفاهم؛ ولكنهم شددوا، وتعنتوا، فشدد الله عليهم؛ على أنه يمكن أن يكون تعنتهم هذا للتباطؤ في تنفيذ الأمر ...
١٢ ومنها: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله على درجات؛ الدرجة الأولى: ما سبق من قولهم: ﴿أتتخذنا هزواً﴾؛ الدرجة الثانية: قولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾، الدرجة الثالثة: قولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾؛ الدرجة الرابعة: قولهم: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ مرة أخرى
. ١٣. ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا: ﴿الآن جئت بالحق﴾؛ فكأنهم يقولون: الآن رضينا بوصف هذه البقرة، ثم قاموا بذبحها على مضض؛ وكل هذا يدل على استهتارهم بأوامر الله ..
. ١٤ ومنها: أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ "إن الدين يسر؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه (١) " ..
. ١٥ ومنها: تذكير بني إسرائيل بهذه النعمة التي أنعم الله
стр. 310
بها عليهم ببيان الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم ..
. ١٦ ومنها: تأخير ذكر السبب بعد القصة، والمبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها ..
. ١٧ ومنها: أن قول الرسول قول لمرسله إذا كان بأمره؛ لقوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ ..
. ١٨ منها: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم؛ لقوله تعالى: ﴿ببعضها﴾؛ فقد أبهمه الله؛ ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داع؛ لأن المقصود الآية ..
. ١٩ ومنها: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعنى القصة، وغرضها دون من وقعت عليه؛ لقوله تعالى:
﴿ببعضها﴾؛ ولم يعين لهم ذلك توسعة عليهم؛ ليحصل المقصود بأيّ جزء منها؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا سمع حديثاً أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله ... " كذا وكذا؛ تجد بعض الناس يتعب، ويتكلف في تعيين هذا الرجل؛ وهذا ليس بلازم؛ المهم معنى القصة، وموضوعها؛ أما أن تعرف من هذا الرجل؟ من هذا الأعرابي؟ ما هذه الناقة مثلاً؟ ما هذا البعير؟ فليس بلازم؛ إذ إن المقصود في الأمور معانيها، وأغراضها، وما توصل إليه؛ فلا يضر الإبهام. اللهم إلا أن يتوقف فهم المعنى على التعيين ..
. ٢٠ ومن فوائد الآية: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين؛ وذلك إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط؛ فإذا قيل لك: "افعل بعض هذه الأشياء" يكون
стр. 311
أسهل مما إذا قيل لك: "افعل هذا الشيء بعينه"؛ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة. والله أعلم ..
. ٢١ ومنها: أن هذه الآية من آيات الله . وهي أن تكون البقرة سبباً لحياة هذا القتيل؛ إذ لا رابطة في المعقول بين أن تُذبح البقرة، ويضرب القتيل ببعضها، فيحيى ..
. ٢٢ ومنها: أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نعمة الله ؛ يعني مثلاً إذا اختلفنا في أمور، وكاد الأمر يتفاقم، ويصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه فإن هذا من نعمة الله علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف، وهذا النِّزاع ..
. ٢٣ ومنها: أن الله يخرج ما كان يكتمه أهل الباطل، ويبينه للناس؛ لقوله تعالى: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾؛ واذكروا قول الله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً﴾ (النساء: ١٠٨).
٢٤ ومنها: التحذير من أن يكتم الإنسان شيئاً لا يرضاه الله ؛ فإنه مهما يكتم الإنسان شيئاً مما لا يُرضي الله فإن الله سوف يطلع خلقه عليه. إلا أن يعفو الله عنه ...
القرآن
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: ٧٤)
стр. 312
التفسير:
. ﴿٧٤﴾ قوله تعالى: ﴿ثم قست قلوبكم﴾ أي صلبت، وتحجرت؛ ﴿من بعد ذلك﴾ أي من بعد أن منَّ الله عليكم بما حصل من المدارأة في القتيل حتى تبين ..
قوله تعالى: ﴿فهي﴾ أي قلوبكم ﴿كالحجارة﴾ أي مثلها؛ ﴿أو أشد قسوة﴾ أي من الحجارة؛ لأن الحجارة أقسى شيء. حتى إنّها أقسى من الحديد؛ إذ إن الحديد يلين عند النار، والحجارة تتفتت، ولا تلين؛ و ﴿أو﴾ هنا ليست للشك؛ لأن الله عالم بحالها؛ لكن اختلف العلماء. ﵏. هل هي بمعنى "بل"، فتكون للإضراب؛ أو إنها لتحقيق ما سبق. أي أنها إن لم تكن أشد من الحجارة فهي مثلها؟ في هذا قولان لأهل العلم. ﵏؛ وهي كقوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات: ١٤٧]: فمن العلماء من قال: إن ﴿أو﴾ بمعنى "بل". أي بل يزيدون على مائة ألف؛ ومنهم من قال: إنها لتحقيق ما سبق. أي إن لم يزيدوا على مائة ألف فإنهم لن ينقصوا؛ والله أعلم بما أراد في كتابه ..
ثم بين الله أن الحجارة فيها خير بخلاف قلوب هؤلاء فإنه لا خير فيها؛ فقال ﵎: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ يعني إن بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار. أي أنهار الماء التي يشرب الناس منها، ويسقون بها زروعهم، ومواشيهم ..
وقوله تعالى: ﴿لما يتفجر﴾: ﴿ما﴾ اسم موصول في محل نصب اسم ﴿إن﴾؛ واللام للتوكيد؛ أي: لَلذِي يتفجر منه الأنهار ..
стр. 313
قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾: وهي دون الأول؛ الأول يتفجر منها الأنهار؛ أما هذه فإنها تتشقق، ويخرج منها الماء كالذي يحصل في أحجار الآبار، وما أشبهها ..
قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾، كما قال تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١]، ولما قال موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قال الله له: ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخرَّ موسى صعقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣] ..
وقوله تعالى: ﴿من خشية الله﴾، ﴿من﴾ هنا سببية؛ و ﴿خشية الله﴾ أي خوفهم مع العلم بعظمته ..
قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾: فنفى أن يكون غافلاً عما يعملون؛ وذلك لكمال علمه، وإحاطته ﵎ ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم ومع ذلك فهم لم يلينوا للحق؛ بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم ...
٢ ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس في قوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة﴾؛ لأن الحجارة أمر محسوس؛ والقلب قسوته أمر معقول؛ إذ إنه ليس المعنى أن القلب الذي هو المضغة يقسو؛ القلب هو هو؛ لكن المراد: أنه يقسو قسوة معنوية بإعراضه عن الحق، واستكباره عليه؛ فهو أمر معنوي شبه بالأمر الحسي؛ وهذا
стр. 314
من بلاغة القرآن تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين ..
. ٣ ومنها: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل ..
. ٤ ومنها: بيان قدرة الله ، حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار؛ وقد كان موسى. ﵊. يضرب بعصاه الحجر، فينبجس، ويتفجر عيوناً بقدرة الله. ﵎
. ٥ ومنها: أن الحجارة خير من قلوب هؤلاء بأن فيها خيراً؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار؛ ومنها ما يشقق، فيخرج منه الماء؛ ومنها ما يهبط من خشية الله؛ وهذه كلها خير، وليس في قلوب هؤلاء خير ..
. ٦ ومنها: أن الجمادات تعرف الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾؛ وهذا أمر معلوم من آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [الجمعة: ١]، وقوله تعالى: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]: ففهمتا الأمر، وانقادتا ..
. ٧ ومن فوائد الآية: عظمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿من خشية الله﴾؛ والخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله َ من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]؛ فمن علم عظمة الله فلا بد أن يخشاه ...
٨ ومنها: سعة علم الله ؛ لقوله تعالى:
стр. 315
﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ وهذه الصفة من صفات الله السلبية؛ والصفات السلبية هي التي ينفيها الله عن نفسه. وتتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة؛ وإثبات كمال ضدها ..
القرآن
(أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة: ٧٥)
التفسير:
. ﴿٧٥﴾ قوله تعالى: ﴿أفتطعمون أن يؤمنوا لكم﴾؛ الهمزة للاستفهام؛ والمراد به الاستبعاد، والتيئيس. أي تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم؛ والفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة مناسب للمقام؛ و "الطمع" معناه الرجاء المقرون بالرغبة الأكيدة؛ يعني: أنتم ترجون مع رغبة؛ لأن الذي يرجو الشيء مع الرغبة الأكيدة فيه يقال: طمع فيه؛ و "الإيمان" هنا بمعنى التصديق؛ أي أن يُصَدِّقوا لكم؛ ويحتمل أن يكون بمعنى الانقياد، والاستسلام لكم؛ وهذا أمر بعيد؛ لقوله تعالى: ﴿وقد كان فريق منهم ... ﴾: الواو هنا للحال؛ و ﴿قد﴾ للتحقيق؛ فالجملة في محل نصب حالاً من الواو في ﴿يؤمنوا لكم﴾ يعني: والحال أن فريقاً منهم يسمعون كلام الله؛ و "الفريق" بمعنى الطائفة؛ و ﴿منهم﴾ أي من بني إسرائيل ..
قوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرِّفونه﴾: ذكر المفسرون فيه قولين:.
стр. 316
القول الأول: أن المراد بذلك التوراة. يسمعونها ثم يحرفونها. أي يغيرونها؛ ومنه قولهم: حَرَفْت الدابة. يعني غيرت اتجاهها؛ ﴿من بعد ما عقلوه﴾ أي من بعد ما فهموها، وعرفوا معناها، ولم تشكل عليهم؛ ومن ذلك تحريفهم إياها في صفة النبي ﷺ ، ومبعثه، وقولهم: إنه الرسول المنتظر. وليس هذا الرسول ..
والقول الثاني: أن المراد بذلك الذين أسمعهم الله كلامه لموسى ﵇؛ وهم الذين اختارهم موسى. وهم سبعون رجلاً فأسمعهم الله تعالى كلامه لموسى، ولكنهم قالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، ثم حرفوا ما سمعوه من كلام الله لموسى ..
وقد بحثت في كتب التفسير التي لدي فلم أجد احتمالاً ثالثاً. وهو أن المراد بـ ﴿كلام الله﴾ القرآن، وأنهم يسمعونه، ثم يحرفونه؛ لأن القرآن كلام الله؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] أي حتى يسمع القرآن؛ فإن كان هذا الاحتمال صحيحاً فهو أقرب من القولين السابقين. والله أعلم بمراده ..
قوله تعالى: ﴿وهم يعلمون﴾ أي يعلمون أنهم يحرفون الكلم أي كلام الله ، ويعلمون أن التحريف محرم؛ فتعدوا الحدود، وحرفوا كلام الله ، وارتكبوا الإثم عن بصيرة ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فإنه
стр. 317
يبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن من يسمع كلام الله، ثم يحرفه، أبْعَدُ قبولاً للحق ممن لم يسمعه ..
. ٢ ومنها: أن الله تعالى يسلي رسوله ﷺ بما يذهب عنه الأسى، والحزن؛ حيث بين له حال هؤلاء، وأنهم قوم عتاة لا مطمع في إيمانهم ..
. ٣ ومنها: إثبات أن الله يتكلم، وأن كلامه بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله﴾؛ وكلام الله. ﵎. صفة حقيقية تتضمن اللفظ، والمعنى؛ فهو يتكلم بحروف، وأصوات مسموعة؛ وتفصيل ذلك والرد على من خالفه مذكور في كتب العقائد ..
٤ ومنها: أن كلام الله من صفاته الفعلية باعتبار آحاده؛ وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية؛ والفرق بين الصفات الذاتية، والفعلية أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله أزلاً، وأبداً. ومعنى "أزلاً" أي فيما مضى؛ و"أبداً" أي فيما يستقبل. مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والسمع، والبصر إلى غير ذلك، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحْدُث إذا شاء، كالاستواء على العرش، والنُّزول إلى سماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة للفصل بين العباد، والفرح، والرضا، والغضب .. عند وجود أسبابها ..
. ٥ ومن فوائد الآية: الرد على الأشعرية، وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه؛ وأن الحروف، والأصوات عبارة عن كلام الله، وليست كلام الله؛ بل خلقها الله ليعبر بها عما في نفسه؛ والرد عليهم مفصلاً في كتب العقائد ..
.
стр. 318
٦ ومنها: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله، لقوله تعالى: (ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه) ..
. ٧ ومنها: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود، لأنهم حرفوا ما عقلوه؛ والتحريف بعد عقل المعنى أعظم؛ لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله؛ لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح؛ لأنه تجرأ على المعصية مع علمه بها. فيكون أعظم ..
. ٨ ومنها: قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود؛ ومن هذه الأمة من ارتكبه، لكن القرآن محفوظ؛ فلا يمكن وقوع التحريف اللفظي فيه؛ لأنه يعلمه كل أحد؛ وأما التحريف المعنوي فواقع، لكن يقيض الله من الأئمة، وأتباعهم من يبينه، ويكشف عوار فاعله ..
القرآن
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٧٦)) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) (البقرة: ٧٧)
التفسير:
. ٧٦﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا لقوا﴾ الضمير يعود على اليهود؛ أي إذا قابلوا، واجتمعوا بـ ﴿الذين آمنوا﴾ أي بالله ورسوله محمد ﷺ ﴿قالوا﴾ أي بألسنتهم ﴿آمنا﴾ أي دخلنا في الإيمان كإيمانكم، وآمنا بالرسول محمد ﷺ هذا إذا لقوا المؤمنين؛ و ﴿إذا خلا بعضهم إلى بعض﴾ أي إذا أوى بعضهم إلى بعض،
стр. 319
وانفرد به قال بعضهم لبعض: ﴿أتحدثونهم﴾: الاستفهام هنا للإنكار، والتعجب؛ والضمير الهاء يعود على المؤمنين بالرسول ﷺ يعني يقول اليهود بعضهم لبعض إذا اجتمعوا: كيف تحدثون المؤمنين بالله ورسوله ﴿بما فتح الله عليكم﴾ أي من العلم بصحة رسالة النبي ﷺ
﴿ليحاجوكم به عند ربكم﴾: اللام للعاقبة. أي أن ما حدثتموهم به ستكون عاقبته أن يحاجوكم به عند ربكم ..
قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾: الهمزة للاستفهام؛ والمراد به التوبيخ؛ يعني: أين عقولكم؟! أنتم إذا حدثتموهم بهذا، وقلتم: إن هذا الذي بُعث حق، وأنه نبي يحاجونكم به عند الله يوم القيامة ..
قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾؛ الفاء واقعة بعد همزة الاستفهام؛ وهذا يكثر في القرآن: ﴿أفلا تعقلون﴾؛ ﴿أفلا تذكرون﴾؛ ﴿أفلم يسيروا﴾؛ ﴿أو لم يسيروا﴾؛ ﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به﴾؛ وأشباه ذلك؛ يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام؛ وهمزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها؛ ولا صدارة مع وجود العاطف؛ لأن الفاء عاطفة؛ فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة عُطفت عليها الجملة التي بعد حرف العطف، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام؛ وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة؛ وإن حرف العطف هو الذي تأخر. يعني زُحلق حرف العطف عن مكانه، وجعلت الهمزة مكانه؛ وعلى هذا فيكون التقدير: فألا تعقلون؛ أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؛ أو: أسفهتم فلا تعقلون ... المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق؛ فالقول
стр. 320
الأول أدق؛ والثانية أسهل؛ لأن الثاني لا يحتاج عناءً وتكلفاً فيما تقدره بين الهمزة والعاطف ..
قوله تعالى: ﴿أو لا يعلمون﴾: الاستفهام هنا للتوبيخ، والإنكار عليهم لكونهم نزَّلوا أنفسهم منْزلة الجاهل؛ ﴿أن الله يعلم ما يسرون﴾: يشمل ما يسره الإنسان في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به؛ ﴿وما يعلنون﴾ أي ما يظهرون لعامة الناس؛ فالله يعلم هذا، وهذا؛ ولا يخفى عليه شيء؛ والمعنى: كيف يؤنب بعضهم بعضاً بهذا الأمر وهم لو جاءوا إلى النبي ﷺ ومن معه، وأنكروا نبوَّته، ولم يؤمنوا فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر؟! فسواء أقروا، أو لم يقروا عند الصحابة أن الرسول حق فإن الله تعالى عالم بهم ..
الفوائد:
. ١ ومن فوائد الآية: أن في اليهود منافقين؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ... ﴾ إلخ ...
٢ ومنها: أن من سجايا اليهود وطبائعهم الغدر؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض ... ﴾ إلخ؛ لأن هذا نوع من الغدر بالمؤمنين ..
. ٣ منها: أن بعضهم يلوم بعضاً على بيان الحقيقة حينما يرجعون إليهم؛ لقوله تعالى: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ..
. ٤ ومنها: أن العلم من الفتح؛ لقولهم: ﴿بما فتح الله عليكم﴾؛ ولا شك أن العلم فتح يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه ..