القول الأول: أن المراد بذلك التوراة. يسمعونها ثم يحرفونها. أي يغيرونها؛ ومنه قولهم: حَرَفْت الدابة. يعني غيرت اتجاهها؛ ﴿من بعد ما عقلوه﴾ أي من بعد ما فهموها، وعرفوا معناها، ولم تشكل عليهم؛ ومن ذلك تحريفهم إياها في صفة النبي ﷺ ، ومبعثه، وقولهم: إنه الرسول المنتظر. وليس هذا الرسول ..
والقول الثاني: أن المراد بذلك الذين أسمعهم الله كلامه لموسى ﵇؛ وهم الذين اختارهم موسى. وهم سبعون رجلاً فأسمعهم الله تعالى كلامه لموسى، ولكنهم قالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، ثم حرفوا ما سمعوه من كلام الله لموسى ..
وقد بحثت في كتب التفسير التي لدي فلم أجد احتمالاً ثالثاً. وهو أن المراد بـ ﴿كلام الله﴾ القرآن، وأنهم يسمعونه، ثم يحرفونه؛ لأن القرآن كلام الله؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] أي حتى يسمع القرآن؛ فإن كان هذا الاحتمال صحيحاً فهو أقرب من القولين السابقين. والله أعلم بمراده ..
قوله تعالى: ﴿وهم يعلمون﴾ أي يعلمون أنهم يحرفون الكلم أي كلام الله ، ويعلمون أن التحريف محرم؛ فتعدوا الحدود، وحرفوا كلام الله ، وارتكبوا الإثم عن بصيرة ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فإنه
стр. 317
يبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن من يسمع كلام الله، ثم يحرفه، أبْعَدُ قبولاً للحق ممن لم يسمعه ..
. ٢ ومنها: أن الله تعالى يسلي رسوله ﷺ بما يذهب عنه الأسى، والحزن؛ حيث بين له حال هؤلاء، وأنهم قوم عتاة لا مطمع في إيمانهم ..
. ٣ ومنها: إثبات أن الله يتكلم، وأن كلامه بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله﴾؛ وكلام الله. ﵎. صفة حقيقية تتضمن اللفظ، والمعنى؛ فهو يتكلم بحروف، وأصوات مسموعة؛ وتفصيل ذلك والرد على من خالفه مذكور في كتب العقائد ..
٤ ومنها: أن كلام الله من صفاته الفعلية باعتبار آحاده؛ وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية؛ والفرق بين الصفات الذاتية، والفعلية أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله أزلاً، وأبداً. ومعنى "أزلاً" أي فيما مضى؛ و"أبداً" أي فيما يستقبل. مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والسمع، والبصر إلى غير ذلك، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحْدُث إذا شاء، كالاستواء على العرش، والنُّزول إلى سماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة للفصل بين العباد، والفرح، والرضا، والغضب .. عند وجود أسبابها ..
. ٥ ومن فوائد الآية: الرد على الأشعرية، وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه؛ وأن الحروف، والأصوات عبارة عن كلام الله، وليست كلام الله؛ بل خلقها الله ليعبر بها عما في نفسه؛ والرد عليهم مفصلاً في كتب العقائد ..
.
стр. 318
٦ ومنها: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله، لقوله تعالى: (ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه) ..
. ٧ ومنها: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود، لأنهم حرفوا ما عقلوه؛ والتحريف بعد عقل المعنى أعظم؛ لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله؛ لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح؛ لأنه تجرأ على المعصية مع علمه بها. فيكون أعظم ..
. ٨ ومنها: قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود؛ ومن هذه الأمة من ارتكبه، لكن القرآن محفوظ؛ فلا يمكن وقوع التحريف اللفظي فيه؛ لأنه يعلمه كل أحد؛ وأما التحريف المعنوي فواقع، لكن يقيض الله من الأئمة، وأتباعهم من يبينه، ويكشف عوار فاعله ..
القرآن
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٧٦)) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) (البقرة: ٧٧)
التفسير:
. ٧٦﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا لقوا﴾ الضمير يعود على اليهود؛ أي إذا قابلوا، واجتمعوا بـ ﴿الذين آمنوا﴾ أي بالله ورسوله محمد ﷺ ﴿قالوا﴾ أي بألسنتهم ﴿آمنا﴾ أي دخلنا في الإيمان كإيمانكم، وآمنا بالرسول محمد ﷺ هذا إذا لقوا المؤمنين؛ و ﴿إذا خلا بعضهم إلى بعض﴾ أي إذا أوى بعضهم إلى بعض،
стр. 319
وانفرد به قال بعضهم لبعض: ﴿أتحدثونهم﴾: الاستفهام هنا للإنكار، والتعجب؛ والضمير الهاء يعود على المؤمنين بالرسول ﷺ يعني يقول اليهود بعضهم لبعض إذا اجتمعوا: كيف تحدثون المؤمنين بالله ورسوله ﴿بما فتح الله عليكم﴾ أي من العلم بصحة رسالة النبي ﷺ
﴿ليحاجوكم به عند ربكم﴾: اللام للعاقبة. أي أن ما حدثتموهم به ستكون عاقبته أن يحاجوكم به عند ربكم ..
قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾: الهمزة للاستفهام؛ والمراد به التوبيخ؛ يعني: أين عقولكم؟! أنتم إذا حدثتموهم بهذا، وقلتم: إن هذا الذي بُعث حق، وأنه نبي يحاجونكم به عند الله يوم القيامة ..
قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾؛ الفاء واقعة بعد همزة الاستفهام؛ وهذا يكثر في القرآن: ﴿أفلا تعقلون﴾؛ ﴿أفلا تذكرون﴾؛ ﴿أفلم يسيروا﴾؛ ﴿أو لم يسيروا﴾؛ ﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به﴾؛ وأشباه ذلك؛ يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام؛ وهمزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها؛ ولا صدارة مع وجود العاطف؛ لأن الفاء عاطفة؛ فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة عُطفت عليها الجملة التي بعد حرف العطف، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام؛ وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة؛ وإن حرف العطف هو الذي تأخر. يعني زُحلق حرف العطف عن مكانه، وجعلت الهمزة مكانه؛ وعلى هذا فيكون التقدير: فألا تعقلون؛ أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؛ أو: أسفهتم فلا تعقلون ... المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق؛ فالقول
стр. 320
الأول أدق؛ والثانية أسهل؛ لأن الثاني لا يحتاج عناءً وتكلفاً فيما تقدره بين الهمزة والعاطف ..
قوله تعالى: ﴿أو لا يعلمون﴾: الاستفهام هنا للتوبيخ، والإنكار عليهم لكونهم نزَّلوا أنفسهم منْزلة الجاهل؛ ﴿أن الله يعلم ما يسرون﴾: يشمل ما يسره الإنسان في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به؛ ﴿وما يعلنون﴾ أي ما يظهرون لعامة الناس؛ فالله يعلم هذا، وهذا؛ ولا يخفى عليه شيء؛ والمعنى: كيف يؤنب بعضهم بعضاً بهذا الأمر وهم لو جاءوا إلى النبي ﷺ ومن معه، وأنكروا نبوَّته، ولم يؤمنوا فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر؟! فسواء أقروا، أو لم يقروا عند الصحابة أن الرسول حق فإن الله تعالى عالم بهم ..
الفوائد:
. ١ ومن فوائد الآية: أن في اليهود منافقين؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ... ﴾ إلخ ...
٢ ومنها: أن من سجايا اليهود وطبائعهم الغدر؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض ... ﴾ إلخ؛ لأن هذا نوع من الغدر بالمؤمنين ..
. ٣ منها: أن بعضهم يلوم بعضاً على بيان الحقيقة حينما يرجعون إليهم؛ لقوله تعالى: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ..
. ٤ ومنها: أن العلم من الفتح؛ لقولهم: ﴿بما فتح الله عليكم﴾؛ ولا شك أن العلم فتح يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه ..
стр. 321
٥ ومنها: أن المؤمن، والكافر يتحاجَّان عند الله يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿ليحاجُّوكم به عند ربكم﴾؛ ويؤيده قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميِّتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ [المؤمنون: ١٥) ..
. ٦ ومنها: سفه اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحاً عليهم؛ لقولهم: (أفلا تعقلون).
. ٧ ومنها: الثناء على العقل، والحكمة؛ لأن قولهم: ﴿أفلا تعقلون﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل؛ وأنه ينبغي للإنسان أن يكون عاقلاً؛ ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه؛ ولا يتكلم إلا وينظر ما النتيجة من الكلام؛ ولا يفعل إلا وينظر ما النتيجة من الفعل: قال النبي ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً، أو ليصمت" (١) ..
. ٨ ومنها: أن كفر اليهود بالرسول محمد ﷺ عن علم؛ ولهذا صاروا مغضوباً عليهم ..
. ٩ ومنها: توبيخ اليهود على التحريف؛ لقوله تعالى: ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون.
١٠ ومنها: إثبات عموم علم الله ؛ لقوله تعالى: (يعلم ما يسرون وما يعلنون)
. ١١ ومنها: الوعيد على مخالفة أمر الله ؛ لقوله
стр. 322
تعالى: ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم .... ﴾ الآية؛ لأن المقصود بذلك تهديد هؤلاء، وتحذيرهم ..
القرآن
(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ) (البقرة: ٧٨)
التفسير:
. ﴿٧٨﴾ قوله تعالى: ﴿ومنهم﴾ أي من اليهود؛ ﴿أميون﴾ أي بمنْزلة الأميين؛ والأُمّي من لا يعرف أن يقرأ، ولا أن يكتب؛ ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ أي إلا قراءة بدون فهم للمعنى؛ ومن لم يفهم المعنى فهو في حكم من لا يعرف القراءة؛ لأنه لا يستفيد شيئاً بقراءته؛ ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ أي ما هم إلا يظنون؛ لأن الإنسان الذي لا يعرف إلا اللفظ ليس عنده علم ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن الأُمّية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم؛ لقوله تعالى: ﴿ومنم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ ..
. ٢ ومنها: ذم من لا يعتني بمعرفة معاني كتاب الله ..
. ٣ ومنها: أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله تعالى: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾؛ العامي يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن لا يفهم معناه؛ فإذا تكلم في حكم من أحكام الله
стр. 323
الشرعية التي دل عليها الكتاب فإنما كلامه عن ظن؛ لأنه في الحقيقة لا يعلم؛ ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى ..
. ٤ ومنها: ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود؛ وهذا موجود كثيراً عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: "إنهم علماء"؛ تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن، والسنة وهو لا يعلم ...
٥ ومنها: أن المقلد ليس بعالم؛ لأنه لا يفهم المعنى؛ وقد قال ابن عبد البر: "إن العلماء أجمعوا أن المقلد لا يعد في العلماء"؛ وهو صحيح: المقلد ليس بعالم؛ غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب؛ بل الكتاب أضبط منه؛ لأنه قد ينسى؛ وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقاً؛ التقليد في موضعه هو الواجب؛ لقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النمل: ٤٣ ..
القرآن
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة: ٧٩)
التفسير:.
﴿٧٩﴾ قوله تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ... ﴾؛ "ويل" كلمة وعيد؛ يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة؛ وهي مبتدأ؛ وجاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأنها تفيد الوعيد. والوعيد معنًى خاص، فزال به إجمال النكرة
стр. 324
المطلقة؛ و ﴿الكتاب﴾ بمعنى المكتوب؛ والمراد به التوراة؛ ﴿بأيديهم﴾: كلمة مؤكدة لقوله تعالى: ﴿يكتبون﴾؛ أو مبينة للواقع؛ لأنه لا كتابة إلا باليد غالباً؛ والمعنى: أنهم يكتبونه بأيديهم، فيتحققون أنه ليس الكتاب المنَزَّل؛ فهم يباشرون هذه الجناية العظيمة؛ ﴿ثم يقولون﴾ أي بعدما كتبوه بأيديهم، وعرفوا أنه من صُنْع أيديهم؛ ﴿هذا من عند الله﴾ أي نزل من عند الله؛ ﴿ليشتروا به﴾ أي ليأخذوا به؛ واللام للتعليل؛ فإذا دخلت اللام على الفعل المضارع تكون للتعليل. كما هي هنا؛ وتكون للعاقبة، مثل: ﴿ليكون لهم عدوًّا وحزناً﴾ [القصص: ٨]؛ وتكون زائدة، مثل: ﴿يريدون ليطفئوا نور الله﴾ [الصف: ٨] أي يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل "يريد" يتعدى بنفسه بدون حرف الجرّ؛ ﴿ثمناً قليلاً﴾ أي عوضاً قليلاً؛ وهذا العوض القليل هو الرئاسة، والجاه، والمال، وغير ذلك من أمور الدنيا، كما قال تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى﴾ [النساء: ٧٧]؛ فمهما حصل في الدنيا من رئاسة، وجاه، ومال، وولد، فهو قليل بالنسبة للآخرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١):
الدنيا من أولها إلى آخرها برئاساتها، وأموالها، وبنيها، وقصورها، وكل ما فيها، وموضع السوط متر تقريباً؛ إذاً متاع الدنيا قليل ..
стр. 325
قوله تعالى: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾: هذا وعيد على فعلهم؛ ﴿وويل لهم مما يكسبون﴾: هذا وعيد على كسبهم ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله وهم كاذبون ..
. ٢ ومنها: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة، والمال، والجاه؛ لقوله تعالى: ﴿ليشتروا به ثمناً قليلاً﴾؛ وقد ورد الوعيد على من طلب علماً يبتغى به وجه الله لينال عرضاً من الدنيا ..
. ٣ ومنها: أن الدنيا كلها مهما بلغت فهي قليل، كما قال تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ (النساء: ٧٧)
. ٤ ومنها: أن الجزاء بحسب العمل؛ لقوله تعالى: (فويل لهم مما كتبت أيديهم)
. ٥ ومنها: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿مما كتبت أيديهم﴾؛ فإن هذا بيان لعلة الوعيد؛ وهذه غير الفائدة السابقة؛ لأن الفائدة السابقة جزاؤهم بقدر ما كتبوا؛ وهذه بيان السبب ..
. ٦ ومنها: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل، وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله تعالى:
﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾؛ فما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم به الإنسان؛ مثلاً: إنسان عمل عملاً محرماً. كالغش. فإنه آثم بالغش؛ وهذا الكسب الذي حصل به هو أيضاً آثم به ..
стр. 326
القرآن
(وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٨١) (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٨٢)
التفسير:
. ﴿٨٠﴾ قوله تعالى: ﴿وقالوا﴾ أي اليهود ﴿لن تمسنا النار﴾ أي لن تصيبنا نار الآخرة ﴿إلا أياماً معدودة﴾ يعنون أنهم يبقون فيها أياماً معدودة، ثم يخلفهم فيها النبي ﷺ ، والمؤمنون؛ فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم بدخول النار مقبول؛ ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها؛ ولهذا قال الله متحدياً إياهم: ﴿قل﴾. الخطاب للنبي ﷺ . ﴿أتخذتم عند الله عهداً﴾ أي أأخذتم عند الله عهداً أن لا تمسكم النار إلا أياماً معدودة، ثم يخلفكم فيها الرسول، والمؤمنون؟! والاستفهام هنا للإنكار؛ و "العهد" الميثاق، والالتزام؛ ﴿فلن يخلف الله عهده﴾ أي إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلفه؛ لأن الله لا يخلف الميعاد ..
قوله تعالى: ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾؛ قيل: إن ﴿أم﴾ متصلة؛ وقيل: إنها منقطعة؛ والفرق بينهما من وجهين: الأول: أن المنقطعة تكون بمعنى "بل"؛ والثاني: أن ما بعدها منقطع عما قبلها؛ وأما المتصلة فتكون بمعنى "أو"، وما بعدها معادل لما قبلها؛ مثال المتصلة: قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا
стр. 327
سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ [البقرة: ٦]؛ ومثال المنقطعة: قوله تعالى: ﴿أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون﴾ [الطور: ٣٢] أي بل هم قوم طاغون؛ أما في هذه الآية التي نحن بصددها فيحتمل أنها منقطعة؛ وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون؛ ويحتمل أنها متصلة، فيكون معناها: هل أنتم اتخذتم عند الله عهداً فادعيتموه، أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟! وعلى كلا الاحتمالين فهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ إذاً إذا لم يكن عندهم من الله عهد، وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه باطلة ..
. ﴿٨١﴾ قوله تعالى مبيناً من الذي تمسه النار، ومن الذي لا تمسه: ﴿بلى من كسب سيئة﴾: قال المفسرون: ﴿بلى﴾ هنا بمعنى "بل"؛ فهي للإضراب الانتقالي؛ ويحتمل أن تكون للإضراب الإبطالي. أي لإبطال قولهم: ﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾؛ و ﴿مَنْ﴾ يحتمل أن تكون اسم شرط؛ وجوابه: ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾؛ ويحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي؛ وهي مبتدأ، وخبره: ﴿فأولئك أصحاب النار﴾، وقرن بالفاء لمشابهة الاسم الموصول الاسم الشرط في العموم؛ والاحتمال الأول أولى؛ و "الكسب" معناها: حصول الشيء نتيجة لعمل؛ و ﴿سيئة﴾ من ساء يسوء؛ والمراد الأعمال السيئة ..
قوله تعالى: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾: "الإحاطة" في اللغة: الشمول؛ و ﴿أحاطت﴾ أي صارت كالحائط عليه، وكالسور. أي اكتنفته من كل جانب؛ وفي قوله تعالى: ﴿خطيئته﴾ قراءتان: الإفراد، والجمع؛ والإفراد بمعنى الجمع؛ لأنه مفرد مضاف
стр. 328
فيعم؛ لكن الجمع يفيد الإشارة إلى أنواع الخطايا ..
وقوله تعالى: ﴿سيئة﴾، و ﴿خطيئته﴾: قيل: بمعنى واحد، وأن السيئة امتدت حتى أحاطت به؛ وقيل: إن المراد بالسيئة: الكفر؛ والخطيئة: ما دونه؛ وهذا هو المعروف عند المفسرين ..
قوله تعالى: ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾: المشار إليه ما سبق؛ و ﴿أصحاب﴾ جمع صاحب. أي أهل النار؛ وسموا أصحاباً لها لملازمتهم إياها. والعياذ بالله؛ و ﴿خالدون﴾ أي ماكثون؛ فالخلود بمعنى المكث، والدوام؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود﴾ [ق: ٣٤] ..
. ﴿٨٢﴾ قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾: مبتدأ؛ خبره: قوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾؛ لما ذكر الله مصير الكافرين ذكر بعده مصير المؤمنين ليكون العبد سائراً إلى الله بين الخوف والرجاء؛ وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه مثاني. أي تُثَنَّى فيه المعاني، والأحوال ..
وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾ أي صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول، والإذعان؛ فلا يكون الإيمان مجرد تصديق؛ بل لا بد من قبول للشيء، واعتراف به، ثم إذعان، وتسليم لما يقتضيه ذلك الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات؛ والعمل يصدق على القول، والفعل؛ وليس العمل مقابل القول؛ بل الذي يقابل القول: الفعل؛ وإلا فالقول، والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح ..
стр. 329
قوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب الجنة﴾ أي أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة ملازمة؛ و ﴿الجنة﴾: الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين؛ وفيها كما قال الرسول ﷺ "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١)، كقوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾ (السجدة: ١٧).
قوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾ سبق الكلام عليها ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيات: أن اليهود يقرون بالآخرة، وأن هناك ناراً، لقوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾؛ لكن هذا الإقرار لا ينفعهم؛ لأنهم كذبوا محمداً ﷺ ؛ وعلى هذا ليسوا بمؤمنين ..
. ٢ ومنها: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذباً، وإما جهلاً؛ والأول أقرب؛ لقوله تعالى: ﴿أم تقولون على الله ما تعلمون ..
. ٣ ومنها: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى في واحد من أمرين، وكلاهما منتفٍ: ﴿أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾؛ وهذا على القول بأن ﴿أم﴾ هنا متصلة؛ أما على القول بأنها منقطعة فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد ..
стр. 330
٤ ومنها: أن الله لن يخلف وعده؛ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة، لأن إخلاف الوعد إما لكَذِب، وإما لعجز؛ فكون الله. جلَّ وعلا. لا يخلف الميعاد يقتضي كمال صدقه، وكمال قدرته ...
٥ ومنها: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله تعالى: ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾؛ والقول على الله يتضمن القول عليه في أحكامه، وفي ذاته، وصفاته؛ من قال عليه ما لا يعلم بأنه حلَّل، أو حرَّم، أو أوجب، فقد قال على الله بلا علم؛ ومن أثبت له شيئاً من أسماء، أو صفات لم يثبته الله لنفسه فقد قال على الله بلا علم؛ ومن نفى شيئاً من أسمائه وصفاته فقد قال على الله بلا علم؛ ومن صرف شيئاً عن ظاهره من نصوص الكتاب والسنة بلا دليل فقد قال على الله بلا علم ..
. ٦ ومن فوائد الآية: تحريم الإفتاء بلا علم؛ وعلى هذا يجب على المفتي أن يتقي الله ، وألا يتسرع في الإفتاء؛ لأن الأمر خطير ..
. ٧. ومنها: أن الثواب والعقاب لا يترتب على الأشخاص بحسب النسب، أو الانتماء؛ وإنما هو بحسب العمل ..
. ٨ ومنها: أن من أحاطت به خطيئته فلم يكن له حسنة فإنه من أصحاب النار الذين لا يخرجون منها ..
. ٩ ومنها: أن من كسب سيئة لكن لم تحط به الخطيئة فإنه ليس من أصحاب النار؛ لكن إن كان عليه سيئات فإنه يعذب بقدرها. ما لم يعف الله عنه ..
. ١٠ ومنها: إثبات النار، وأنها دار الكافرين
.
стр. 331
١١ ومنها: خلود أهل النار فيها؛ وهو خلود مؤبد لا يخفف عنهم فيه العذاب، وقد صرح الله بتأبيد الخلود فيها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ الأول: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديدهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ الموضع الثاني: في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]؛ الموضع الثالث: في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [الجن: ٢٣] ..
. ١٢ ومن فوائد الآيات: أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحاً إلا بأمرين: الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول ﷺ ، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٢). وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول ﷺ "فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط (٣) " ..
стр. 332
١٣ ومن فوائد الآيات: أن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة؛ بل لا بد من عمل صالح ...
١٤ ومنها: أن العمل وحده لا يكفي حتى يكون صادراً عن إيمان؛ لقوله تعالى: ﴿آمنوا وعملوا الصالحات ولذلك لم ينفع المنافقين عملهم؛ لفقد الإيمان في قلوبهم ..
. ١٥ ومنها: بلاغة القرآن، وحسن تعليمه؛ حيث إنه لما ذكر أصحاب النار ذكر أصحاب الجنة؛ وهذا من معنى قول الله تعالى: ﴿الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني﴾ [الزمر: ٢٣]؛ فإن من معاني المثاني أن تثنى فيه الأمور؛ فيذكر الترغيب والترهيب؛ والمؤمن والكافر؛ والضار والنافع؛ وما أشبه ذلك ..
. ١٦ ومنها: إثبات الجنة ..
. ١٧ ومنها: أن أصحاب الجنة مخلدون فيها؛ وتأبيد الخلود في الجنة صرح الله به في آيات عديدة ..
القرآن
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (البقرة: ٨٣)
التفسير:.
﴿٨٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ أي اذكروا إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل؛ و "الميثاق": العهد؛ وسمي
стр. 333
"العهد" ميثاقاً؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي، والأرجل؛ لأنه يُلزمه؛ و ﴿إسرائيل﴾ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ وبنوه: ذريته من ذكور، وإناث، كما يقال: "بنو تميم" لذكورهم، وإناثهم؛ و "بنو إسرائيل" بنو عم للعرب؛ لأن العرب من بني إسماعيل؛ وهؤلاء من بني إسرائيل؛ وجدهم واحد. وهو إبراهيم ﷺ والميثاق بينه الله بقوله: ﴿لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾؛ فالميثاق اشتمل على ثمانية أمور:.
الأول: أن لا يعبدوا إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾؛ و "العبادة" معناها: الذل، والخضوع؛ مأخوذة من قولهم طريق معبَّد. أي مذلَّل ..
الثاني: الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ أي أحسنوا بالوالدين إحساناً؛ وهو شامل للإحسان بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق؛ فكل ما يسمى إحساناً فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾؛ والمراد بـ "الوالدين" الأب، والأم، والأباعد لهم حق؛ لكن ليسوا كحق الأب، والأم الأدنيين، ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق ..
الثالث: الإحسان إلى القرابة؛ لقوله تعالى: ﴿وذي القربى﴾؛ وهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿بالوالدين﴾؛ والمعنى: وإحساناً بذي القربى؛ و ﴿ذي﴾ بمعنى صاحب؛ و ﴿القربى﴾ بمعنى القرابة؛ ويشمل: القرابة من قِبَلِ الأم؛ والقرابة من قِبَلِ الأب،
стр. 334
لأن ﴿القربى﴾ جاءت بعد "الوالدين" أي القربى من قِبَل الأم، ومن قِبَل الأب ..
الرابع: الإحسان إلى اليتامى؛ لقوله تعالى: ﴿واليتامى﴾: جمع يتيم. وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ من ذكر، أو أنثى، وأوصى الله تعالى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم، أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي؛ فهم محل للرأفة، والرحمة، والرعاية ..
الخامس: الإحسان إلى المساكين؛ لقوله تعالى: ﴿والمساكين﴾: جمع مسكين وهو الفقير الذي أسكنه الفقر؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى، ويزداد، ويرتفع، ويعلو؛ وإذا كان فقيراً فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع ﴿المساكين﴾؛ لأن "الفقراء"، و"المساكين" من الأسماء التي إذا قرنت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت؛ فكلمة "الفقراء" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ و"المساكين" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ وإذا قيل: فقراء ومساكين. مثل آية الزكاة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠]. صار "الفقراء" لها معنى؛ و"المساكين" لها معنى؛ لما اجتمعت الآن افترقت: فـ"الفقير": من لا يجد شيئاً من الكفاية، أو يجد دون النصف؛ و"المسكين": من يجد نصف الكفاية دون كمالها ..
السادس: أن يقولوا للناس قولاً حسناً؛ لقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ بسكون السين، وفي قراءة: ﴿حسَناً﴾ بفتحها؛ والقول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛ وفي معناه،
стр. 335
ففي هيئته: أن يكون باللطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيراً؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن ..
السابع: إقامة الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي ائتوا بها قائمة. أي قويمة ليس فيها نقص؛ وذلك بأن يأتوا بها بشروطها، وأركانها، وواجباتها؛ وكمال ذلك أن يأتوا بمستحباتها؛ و ﴿الصلاة﴾ تشمل الفريضة، والنافلة ..
الثامن: إيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي أعطوها مستحقها؛ و "الزكاة" هي النصيب الذي أوجبه الله لمستحقه في الأموال الزكوية ..
قوله تعالى: ﴿ثم توليتم إلا قليلاً منكم﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ وفائدته: إدخال الموجودين في عهد النبي ﷺ في هذا الحكم. أعني التولي؛ و "التولي" ترك الشيء وراء الظهر؛ وهذا أبلغ من الإعراض؛ لأن الإعراض قد يكون بالقلب، أو بالبدن مع عدم استدبار ..
قوله تعالى: ﴿وأنتم معرضون﴾ الجملة هنا حالية؛ أي توليتم في إعراض؛ وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض في قلبه. فقد يتولى بالبدن، ولكن قلبه متعلق بما وراءه؛ ولكن إذا تولى مع الإعراض فإنه لا يرجى منه أن يُقْبِل بعد ذلك ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان عظمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا﴾؛ لأن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو العظيم الذي لا أعظم منه ..
стр. 336
٢ ومنها: أن التوحيد جاءت به الرسل جميعاً؛ لقوله تعالى: (لا تعبدون إلا الله).
. ٣ ومنها: أن العبادة خاصة بالله. ﵎؛ فلا يعبد غيره؛ لقوله تعالى: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾؛ لأن هذا يفيد الحصر ...
٤ ومنها: وجوب الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾؛ وإنما أوجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله ؛ ولذلك قال الله في سورة لقمان: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤]؛ فهما سبب وجودك، وإمدادك، وإعدادك. وإن كان أصل ذلك من الله؛ فلولا الوالدان ما كنت شيئاً؛ والإحسان إلى الوالدين شامل للإحسان بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وغير ذلك من أنواع الإحسان؛ وضده أمران؛ أحدهما أن يسيء إليهما؛ والثاني: أن لا يحسن، ولا يسيء؛ وكلاهما تقصير في حق الوالدين مناف لبرهما؛ وفي الإساءة زيادة الاعتداء ..
. ٥ ومن فوائد الآية: وجوب الإحسان إلى ذوي القربى. أي قرابة الإنسان. وهم من يجتمعون به بالأب الرابع، فما دون؛ ولكن يجب أن نعلم أن الإحسان يتفاوت؛ فكل من كان أقرب فهو أولى بالإحسان؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي بحسب قوة ذلك الوصف؛ فمثلاً يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم؛ ويجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال ..
. ٦ ومنها: وجوب الإحسان إلى اليتامى؛ وهو يشمل الإحسان إليهم أنفسهم؛ والإحسان في أموالهم؛ لقوله تعالى:
стр. 337
﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٢] ..
. ٧ ومنها: وجوب الإحسان إلى المساكين؛ وذلك بإعطائهم ما يستحقون من الزكاة، ودفع الضرورة، وما أشبه ذلك ...
٨ ومنها: وجوب القول الحسن؛ لقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾؛ وضد القول الحسن قولان؛ قول سوء؛ وقول ليس بسوء، ولا حسن؛ أما قول السوء فإنه منهي عنه؛ وأما القول الذي ليس بسوء، ولا حسن فليس مأموراً به، ولا منهياً عنه؛ لكن تركه أفضل؛ ولهذا وصف الله عباد الرحمن بأنهم: ﴿لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مرُّوا كراماً﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ وقال الرسول ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً؛ أو ليصمت" (١) ..
. ٩ ومنها: الأمر بإقامة الصلاة على وجه الوجوب فيما لا تصح الصلاة إلا به؛ وعلى وجه الاستحباب فيما تصح الصلاة بدونه وهو من كمالها ..
. ١٠ ومنها: أن الصلوات مفروضة على من كان قبلنا ..
. ١١ ومنها: وجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: (وآتوا الزكاة)
. ١٢ ومنها: وجوب الزكاة على من كان قبلنا؛ ولكن لا يلزم أن يكونوا مساوين لنا في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا في مقدار الزكاة، ولا في أهلها الذين تدفع إليهم ..
. ١٣ ومنها: أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم ..
стр. 338
١٤ ومنها: أن تولي بني إسرائيل كان تولياً كبيراً، حيث كان تولياً بإعراض ..
. ١٥ ومنها: أن المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض ..
. ١٦ ومنها: أن التولي قد يكون بإعراض، وقد يكون بغير إعراض؛ لأنه لو كان بإعراض مطلقاً لم يستقم قوله: (وأنتم معرضون)
القرآن
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (البقرة: ٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: ٨٥) (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة: ٨٦)
التفسير:
. ﴿٨٤. ٨٥﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾: يذَكِّرهم الله بالميثاق الذي أخذه عليهم؛ وبين الله تعالى الميثاق هنا بأمرين:.
الأول: قوله تعالى: ﴿لا تسفكون دماءكم﴾ أي لا تريقونها؛
стр. 339
و"السفك"، و"السفح" بمعنى واحد؛ والمراد بسفك الدم: القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً" (١) أي يقتل نفساً بغير حق؛ و ﴿دماءكم﴾ أي دماء بعضكم؛ لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" (٢)، وقال: "ويجير عليهم أقصاهم (٣) " ..
الأمر الثاني: قوله تعالى: ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾؛ المراد: لا يخرج بعضكم بعضاً من دياركم؛ ولا شك أن الإخراج من الوطن شاق على النفوس؛ وربما يكون أشق من القتل ..
قوله تعالى: ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ أي ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائباً عنكم، أو منسياً لديكم؛ بل هو باق لا زائل؛ ثم بعد هذا
стр. 340
الميثاق، والإقرار به، والشهادة عليه ﴿أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾؛ و ﴿هؤلاء﴾ منادى حذف منه حرف النداء. أي: يا هؤلاء؛ وليست خبر المبتدأ؛ و ﴿أنتم﴾: مبتدأ خبره جملة: ﴿تقتلون﴾؛ والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ ؛ وإنما وجه إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك، ورضوا به ..
وقوله تعالى: ﴿تقتلون أنفسكم﴾ أي يقتل بعضكم بعضاً؛ ﴿وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم﴾ أي تجلونهم عن الديار؛ وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حيث قتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم ..
قوله تعالى: ﴿تظاهرون﴾ بتخفيف الظاء؛ وفيها قراءة أخرى: ﴿تظّاهرون﴾ بتشديد الظاء؛ وأصله: تتظاهرون؛ ولكن أبدلت التاء ظاءً، ثم أدغمت بالظاء الأصلية؛ و ﴿تظاهرون﴾ أي تعالَون؛ لأن الظهور معناه العلوّ، كما قال الله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ [الصف: ٩] يعني ليعليه؛ وسمي العلوّ ظهوراً: من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه؛ وقيل: ﴿تظاهرون﴾ أي تعينون من يعتدي على بعضكم في عدوانه ..
قوله تعالى: ﴿بالإثم﴾ أي بالمعصية؛ ﴿والعدوان﴾ أي الاعتداء على الغير بغير حق؛ فكل عدوان معصية؛ وليست كل معصية عدواناً. إلا على النفس: فالرجل الذي يشرب الخمر عاصٍ، وآثم؛ والرجل الذي يقتل معصوماً هذا آثم، ومعتد؛ والذي يخرجه من بلده آثم، ومعتد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾؛ فهؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع
стр. 341
الإقرار، والشهادة لم يقوموا به؛ أخرجوا أنفسهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم بالإثم، والعدوان ..
قوله تعالى: ﴿وإن يأتوكم﴾ أي يجيئون إليكم؛ ﴿أسارى﴾: جمع أسير؛ وتجمع أيضاً على أسرى، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ [الأنفال: ٧٠]؛ والأسير هو الذي استولى عليه عدوه؛ ولا يلزم أن يأسره بالحبل؛ لكن الغالب أنه يؤسر به؛ لئلا يهرب؛ و ﴿تفادوهم﴾ أي تفكوهم من الأسر بفداء؛ وفي قراءة (تفدوهم)
قوله تعالى: ﴿وهو محرم عليكم إخراجهم﴾ يعني: تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾؛ والاستفهام هنا للإنكار، والتوبيخ؛ والفاء في قوله تعالى: ﴿أفتؤمنون﴾ عاطفة؛ وسبق الكلام على مثل ذلك؛ أعني وقوع العاطف بعد همزة الاستفهام (١)؛ ووجه كونهم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض: أنهم كفروا بما نهوا عنه من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارهم؛ وآمنوا بفدائهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على هذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛ وإنما عبد هواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: آخذ به؛ وإذا كان لا يناسبه راوغ عنه بأنواع التحريف، والتماس الأعذار ..
قوله تعالى: ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة﴾؛ "ما" نافية؛ والجزاء، والمجازاة، والمعاقبة معناها واحد؛ أو متقارب؛ ومعنى "الجزاء": إثابة العامل على عمله؛
стр. 342
والمعنى: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا؛ و "الخزي" معناه الذلّ ..
قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة﴾ أي يوم البعث؛ وسمي بذلك؛ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين؛ ولأنه يقوم فيه الأشهاد؛ ولأنه يقام فيه العدل؛ و ﴿يوم القيامة﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يردون﴾ أي يرجعون من ذلّ الدنيا، وخزيها؛ ﴿إلى أشد العذاب﴾ أي أعظمه؛ و ﴿العذاب﴾: العقوبة ..
قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل﴾: هذه صفة سلبية. أي نفى الله عن نفسه صفة الغفلة؛ وذلك لكمال علمه، ومراقبته؛ و ﴿عما تعملون﴾: بالتاء؛ وفيها قراءة: ﴿يعملون﴾: بالياء ..
. ﴿٨٦﴾ قوله تعالى: ﴿أولئك﴾: المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد؛ ﴿اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾ أي اختاروا الدنيا على الآخرة؛ فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة؛ والدنيا مرغوب فيها مشتراة؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لدنوها زمناً. لأنها سابقة على الآخرة؛ ولدنوها منْزلة. لأنها دون الآخرة؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها (١) " ..
وقوله تعالى: ﴿بالآخرة﴾: الباء هنا للبدل؛ وهي تدخل دائماً على الثمن، كقولهم: "اشتريت الثوب بدينار": فالدينار هو الثمن؛ ويقال: "اشتريت الدينار بثوب": فالثوب هو الثمن ..
قوله تعالى: ﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾ أي لا يهوَّن عنهم
стр. 343
لا زمناً، ولا شدة، ولا قوة؛ ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي ولا أحد يمنع عنهم عذاب الله؛ لقوله تعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب * قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠]؛ فهم يائسون من الخروج؛ فلم يقولوا: "أخرجنا من النار"، ولم يقولوا: "يخفف عنا دائماً"؛ بل قالوا: ﴿يخفف عنا يوماً من العذاب﴾: يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يوماً واحداً من الأبدي السرمدي؛ ولكن ذلك لا يحصل لهم؛ فيقال لهم توبيخاً، وتقريعاً، وتنديماً: ﴿أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا﴾؛ ولا ينفعهم الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾، أي ضياع ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآيات: أن بني إسرائيل أُخذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضاً؛ لقوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم)
. ٢ ومنها: تحريم إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم ..
. ٣ ومنها: أن الأمة كالنفس الواحدة؛ لقوله تعالى: (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم).
. ٤ ومنها: الأسلوب البليغ في قوله تعالى: ﴿لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾؛ وذلك أن مثل هذا التعبير فيه الحث البليغ على اجتناب ما نُهي عنه، وكأن الذي اعتدى على غيره قد اعتدى على نفسه
. ٥ ومنها: أن بني إسرائيل قد أقروا على أنفسهم بهذا
стр. 344
الميثاق، وشهد بعضهم على بعض؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون ..
. ٦ ومنها: بيان تمرد بني إسرائيل؛ حيث إنهم نقضوا العهد الذي أخذه الله عليهم، فصار بعضهم يقتل بعضاً، ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم ..
. ٧ ومنها: أن بعضهم يتعالى على بعض بالإثم، والعدوان ..
. ٨ ومنها: تحريم التظاهر على الغير بغير حق؛ لقوله تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾؛ وأما إذا علا عليه بحق فإن هذا لا بأس به؛ فإن الله فضل العباد بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥] ..
. ٩ ومنها: تناقض بني إسرائيل في دينهم، وقبولهم للشريعة؛ حيث إنه يقتل بعضهم بعضاً، ويخرج فريقاً من ديارهم؛ ثم إذ أتى بعضهم أسيراً فاداه. أي دفع فدية لفك أسره؛ لأنه واجب عليهم في شريعتهم أن يفدي بعضهم بعضاً؛ وهذا من الإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعضه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ ...
١٠ ومنها: أن الكفر ببعض الشريعة كفر بجميعها؛ وجه ذلك أن الله توعد هؤلاء الذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض؛ ومثل ذلك إذا آمن ببعض الرسل دون بعض فإنه كفر بالجميع؛ ودليل ذلك قوله ﵎: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥]. ونوح هو أول الرسل لم يسبقه
стр. 345
رسول؛ ومع ذلك جعل الله المكذبين له مكذبين لجميع الرسل؛ ولقوله تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] ..
. ١١ ومن فوائد الآيات: مضاعفة العقوبة على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب)
. ١٢ ومنها: إثبات يوم القيامة؛ وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين مبعوثين من قبورهم ..
. ١٣ ومنها: تهديد الذين نقضوا العهد؛ لقوله تعالى: (وما الله بغافل عما تعملون)
. ١٤ ومنها: كمال علم الله ، ومراقبته لخلقه ..
. ١٥ ومنها: إثبات أن صفات الله تعالى ثبوتية، ومنفية؛ لكن يجب أن نعلم أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى؛ وإنما النفي الواقع في صفاته لبيان كمال ضد ذلك المنفي؛ ففي قوله ﵎: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩] إثبات كمال العدل مع نفي الظلم عنه؛ وفي قوله تعالى: ﴿وما مسَّنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] إثبات كمال القوة مع نفي اللغوب عنه؛ وعلى هذا فقس؛ فالضابط في الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه أنها تدل على نفي تلك الصفة، وعلى ثبوت كمال ضدها ...
١٦ ومن فوائد الآيات: توبيخ من اختار الدنيا على
стр. 346
الآخرة؛ وهو مع كونه ضلالاً في الدين سفه في العقل؛ إذ إن الدنيا متاع قليل، ثم يزول؛ والآخرة خير، وأبقى ..
. ١٧ ومنها: أن هؤلاء القوم خالدون في العذاب أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: ﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾ ..
. ١٨ ومنها: أن المجرم لا يجد ناصراً له يمنعه من عذاب الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾ ..
مسألة: -
هذا الذي قصه الله تعالى علينا من أخبار بني إسرائيل مضمونه التحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه ولكن مع الأسف أن بعض هذه الأمة وقعوا في جنس ما وقع فيه بنو إسرائيل؛ وهذا مصداق قول النبي ﷺ "لتركبن سنن من كان قبلكم (١) " ..
القرآن
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) (البقرة: ٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة: ٨٨)
стр. 347
التفسير:.
﴿٨٧. ٨٨﴾ قوله تعالى: ﴿ولقد﴾: اللام موطئة للقسم؛ و "قد" للتحقيق؛ وعليه فتكون هذه الجملة مؤكّدة بثلاثة مؤكّدات. وهي: القسم المقدَّر، واللام الموطئة للقسم، و "قد"؛ و ﴿آتينا﴾ أي أعطينا؛ و ﴿موسى﴾ هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل؛ و ﴿الكتاب﴾: المراد به هنا التوراة ..
قوله تعالى: ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ أي أتبعنا من بعده بالرسل؛ لأن التابع يأتي في قفا المتبوع ..
قوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم﴾ أي أعطيناه ﴿البينات﴾: صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: الآية البينات. أي الظاهرات في الدلالة على صدقه، وصحة رسالته؛ وهذه الآية البينات تشمل الآيات الشرعية، كالشريعة التي جاء بها؛ والآيات القدرية الكونية، كإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله ..
قوله تعالى: ﴿وأيدناه﴾ أي قويناه، كقوله تعالى: ﴿فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ [الصف: ١٤] أي قويناهم عليهم؛ وهو معروف اشتقاقه؛ لأنه من "الأيد" بمعنى القوة، كما قال الله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧] أي بقوة ..
قوله تعالى: ﴿بروح القدس﴾ من باب إضافة الموصوف إلى صفته. أي بالروح المقدس؛ و"القُدُس"، و"القُدْس" بمعنى الطاهر؛ واختلف المفسرون في المراد بـ "روح القدس":.
القول الأول: أن المراد روح عيسى؛ لأنها روح قدسية طاهرة؛ فيكون معنى: ﴿أيدناه بروح القدس﴾ أي أيدناه بروح طيبة طاهرة تريد الخير، ولا تريد الشر ..
стр. 348
والقول الثاني: أن المراد بـ "روح القدس": الإنجيل؛ لأن الإنجيل وحي؛ والوحي يسمى روحاً، كما قال الله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] ..
والقول الثالث: أن المراد بـ "روح القدس" جبريل. ﵊. كما قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ [النحل: ١٠٢]: وهو جبريل؛ وقال النبي ﷺ لحسان بن ثابت وهو يهجو المشركين: "اللهم أيده بروح القدس" (١) أي جبريل؛ وهذا أصح الأقوال. وهو أن المراد بـ "روح القدس": جبريل. ﵊. يكون قريناً له يؤيده، ويقويه، ويلقنه الحجة على أعدائه؛ وهذا الذي رجحناه هو الذي رجحه ابن جرير، وابن كثير. أن المراد بـ "روح القدس": جبريل ﵊ ..
قوله تعالى: ﴿أفكلما﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والتوبيخ؛ والفاء عاطفة؛ و "كلما" أداة شرط تفيد التكرار؛ ولا بد فيها من شرط، وجواب؛ والشرط هنا: قوله تعالى: ﴿جاءكم﴾؛ والجواب: ﴿استكبرتم﴾ ..
وقوله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم رسول﴾ أي من الله؛ ﴿بما﴾ أي بشرع؛ ﴿لا تهوى أنفسكم﴾ أي لا تريد؛ ﴿استكبرتم﴾ أي سلكتم طريق الكبرياء، والعلوّ على ما جاءت به الرسل؛
стр. 349
﴿ففريقاً﴾ أي طائفة؛ ونصب على أنه مفعول مقدم لـ ﴿كذبتم﴾؛ ﴿وفريقاً تقتلون﴾ أي وطائفة أخرى تقتلونهم؛ وقدم المفعول على عامله؛ لإفادة الحصر مع مراعاة رؤوس الآي؛ والحصر هنا في أحد شيئين لا ثالث لهما: إما التكذيب؛ وإما القتل. يعني مع التكذيب ..
وهنا قال تعالى: ﴿كذبتم﴾. فعل ماضٍ؛ وقال تعالى: ﴿تقتلون﴾. فعل مضارع؛ فأما كون الأول فعلاً ماضياً فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه وقع منهم التكذيب؛ وأما الإتيان بفعل مضارع بالنسبة للقتل فهو أولاً مراعاة لفواصل الآية؛ لأنه لو قال: "فريقاً قتلتم" لم تتناسب مع التي قبلها، والتي بعدها؛ ثم إن بعض العلماء أبدى فيها نكتة: وهي أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم الرسل حتى آخرهم محمد ﷺ فإنهم قتلوا الرسول ﷺ بالسم الذي وضعوه له في خيبر؛ فإنه ﷺ ما زال يتأثر منه حتى إنه ﷺ في مرض موته قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني" (١)؛ قال الزهري: إن النبي ﷺ مات شهيداً؛ لأن اليهود تسببوا في قتله؛ وهذا ليس ببعيد أن يكون هذا من أسرار التعبير بالمضارع في القتل؛ وإن كان قد يَرِدُ عليه أن التكذيب استمر حتى زمن الرسول ﷺ فلماذا لم يقل: "فريقاً تكذبون
стр. 350
وفريقاً تقتلون"؟! والجواب عن هذا أن القتل أشد من التكذيب؛ فعبر عنه بالمضارع المستمر إلى آخر الرسل ..
فإن قيل: كيف يصح قول الزهري: إن النبي ﷺ مات شهيداً؛ لأن اليهود كانوا سبباً في قتله، وقد قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾؟
فالجواب: المراد بقوله تعالى: ﴿يعصمك من الناس﴾: حال التبليغ؛ أي بلغ وأنت في حال تبليغك معصوم، ولهذا لم يعتد عليه أحد أبداً في حال تبليغه، فقتله ..
قوله تعالى: ﴿وقالوا﴾ أي بنو إسرائيل معتذرين عن ردهم ما جاء به الرسول ﷺ ؛ ﴿قلوبنا غلف﴾ جمع أغلف؛ و"الأغلف" هو الذي عليه غلاف يمنع من وصول الحق إليه. يعني مغلفة لا تصل إليها دعوة الرسل؛ وهذه حجة باطلة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾؛ و ﴿بل﴾ للإضراب الإبطالي. أي أن الله تعالى أبطل حجتهم هذه، وبيَّن أنه تعالى: ﴿لعنهم﴾. أي طردهم، وأبعدهم عن رحمته؛ ﴿بكفرهم﴾ أي بسبب كفرهم، حيث اختاروا الكفر على الإيمان؛ و "كُفْر" مصدر مضاف إلى فاعله؛ ولم يذكر مفعوله ليعم الكفرَ بكل ما يجب الإيمان به ..
قوله تعالى: ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾ أي قليلاً إيمانهم؛ وعلى هذا تكون ﴿ما﴾ إما مصدرية؛ وإما زائدة لتوكيد القلة؛ وهل المراد بالقلة العدم، أو هي على ظاهرها؟ المعنى الأول أقرب؛ لأن الظاهر من حالهم عدم الإيمان بالكلية؛ ولا يمتنع أن يراد بالقلة العدم إذا دلت عليه القرائن الحالية، أو اللفظية ..
стр. 351
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: إثبات رسالة موسى؛ لقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب)
. ٢ ومنها: تأكيد الخبر ذي الشأن. وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنه لم يخاطب بها من ينكر؛ وتأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع:.
أولاً: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوباً ..
ثانياً: إذا خوطب به المتردد؛ وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحساناً ..
ثالثاً: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يحسن توكيده. وإن خوطب به من لم ينكر، أو يتردد ..
٣. ومن فوائد الآيتين: أن من بعد موسى من الرسل من بني إسرائيل تبع له؛ لقوله تعالى: ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾؛ ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار﴾ (المائدة: ٤٤)
. ٤ ومنها: ثبوت رسالة عيسى؛ لقوله تعالى: (وآتينا عيسى بن مريم البينات)
. ٥ ومنها: أن من ليس له أب فإنه ينسب إلى أمه؛ لأن عيسى ﵇ نسب إلى أمه ..
وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أم
стр. 352
من ليس له أب شرعاً هي عصبته؛ فإن عدمت فعصبتها. خلافاً لمن قال: إن أمه ليس لها تعصيب؛ ويظهر أثر ذلك بالمثال: فلو مات من ليس له أب عن أمه، وخاله: فلأمه الثلث والباقي لخاله. على قول من يقول: إن الأم لا تعصيب لها؛ أما على القول الراجح: فلأمه الثلث فرضاً، والباقي تعصيباً ..
. ٦ ومن فوائد الآيتين: أن عيسى بن مريم ﷺ أعطاه الله آيات كونية، وشرعية؛ مثال الشرعية: الإنجيل؛ ومثال الكونية: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه، والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً يطير بإذن الله؛ وكذلك أيضاً يخبرهم بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم؛ قال العلماء: إنما أعطي هذه الآية الكونية؛ لأن الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاهم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها؛ كما أن محمداً ﷺ ترقى في عهده الكلام إلى منْزلة عالية في البلاغة، والفصاحة؛ فآتاه الله القرآن العظيم الذي عجزوا أن يأتوا بمثله ..
. ٧ ومن فوائد الآيتين: أن الله أيد عيسى بجبرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس ..
٨ ومنها: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون من أمَرَهم الله بتأييده؛ ولهذا قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: "اللهم أيده بروح القدس (١) " ..
. ٩ ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق؛
стр. 353
لقوله تعالى: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون)
. ١٠ ومنها: أن بني إسرائيل يبادرون بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنون؛ لقوله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿استكبرتم﴾؛ لأن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيباً للشرط: كلما وجد الشرط وجد الجزاء فوراً ..
. ١١ ومنها: توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان مناهجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع؛ ففي الشرائع: لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع بما لا تهوى أنفسهم: انقسموا إلى قسمين: فريقاً يكذبون؛ وفريقاً يقتلون مع التكذيب ..
. ١٢ ومنها: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل؛ فإذا استكبر عن الحق. سواء تحيل على ذلك بالتحريف؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه. فإنه مشابه ببني إسرائيل ..
والخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله ..
. ١٣ ومن فوائد الآيتين: أن بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه مخالف لهواه ..
. ١٤ ومنها: أن بني إسرائيل انقسموا في الرسل الذين
стр. 354
جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين: قسم كذبوهم؛ وقسم آخر قتلوهم مع التكذيب ...
١٥ ومنها: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة؛ فقالوا: قلوبنا غلف ..
. ١٦ ومنها: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نُصِحوا، ودُعوا إلى الحق قالوا: "ما هدانا الله"؛ وهؤلاء مشابهون لليهود الذين قالوا: (قلوبنا غلف)
. ١٧ ومنها: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله تعالى: ﴿بل لعنهم الله﴾؛ وهذا الإضراب للإبطال. يعني ليست القلوب غَلفاء لا تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصل الحق؛ وهو لَعْن الله إياهم بسبب كفرهم ..
. ١٨ ومنها: أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع ..
. ١٩ منها: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئاً؛ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى؛ وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها ..
. ٢٠ ومنها: إثبات الأسباب، وأن لها تأثيراً في مسبباتها بإذن الله؛ لقوله تعالى: (بل لعنهم الله بكفرهم).
. ٢١ ومنها: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل، أو معدوم؛ لقوله تعالى: (فقليلاً ما يؤمنون)
стр. 355
القرآن
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة: ٨٩)
(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) (البقرة: ٩٠)
التفسير:.
﴿٨٩﴾ قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب﴾: هو القرآن؛ ونكَّره هنا للتعظيم؛ وأكد تعظيمه بقوله تعالى:
﴿من عند الله﴾، وأضافه الله تعالى إليه؛ لأنه كلامه. كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله ..
قوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾: له معنيان:.
الأول: أنه حكم بصدقها، كما قال في قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ فهو يقول عن التوراة: إنه حق، وعن الإنجيل: إنه حق؛ وعن الزبور: إنه حق؛ فهو يصدقها، كما لو أخبرك إنسان بخبر، فقلت: "صدقت" تكون مصدقاً له ..
المعنى الثاني: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت الكتب السابقة. التوراة، والإنجيل؛ فعيسى بن مريم ﷺ (قال: ﴿إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]؛ فجاء هذا الكتاب مصدقاً لهذه البشارة ..
وقوله تعالى: ﴿لما معهم﴾ أي من التوراة، والإنجيل؛ وهذا واضح أن التوراة أخبرت بالرسول ﷺ إما باسمه، أو بوصفه الذي لا ينطبق على غيره ..