الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: إثبات رسالة موسى؛ لقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب)
. ٢ ومنها: تأكيد الخبر ذي الشأن. وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنه لم يخاطب بها من ينكر؛ وتأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع:.
أولاً: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوباً ..
ثانياً: إذا خوطب به المتردد؛ وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحساناً ..
ثالثاً: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يحسن توكيده. وإن خوطب به من لم ينكر، أو يتردد ..
٣. ومن فوائد الآيتين: أن من بعد موسى من الرسل من بني إسرائيل تبع له؛ لقوله تعالى: ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾؛ ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار﴾ (المائدة: ٤٤)
. ٤ ومنها: ثبوت رسالة عيسى؛ لقوله تعالى: (وآتينا عيسى بن مريم البينات)
. ٥ ومنها: أن من ليس له أب فإنه ينسب إلى أمه؛ لأن عيسى ﵇ نسب إلى أمه ..
وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أم
стр. 352
من ليس له أب شرعاً هي عصبته؛ فإن عدمت فعصبتها. خلافاً لمن قال: إن أمه ليس لها تعصيب؛ ويظهر أثر ذلك بالمثال: فلو مات من ليس له أب عن أمه، وخاله: فلأمه الثلث والباقي لخاله. على قول من يقول: إن الأم لا تعصيب لها؛ أما على القول الراجح: فلأمه الثلث فرضاً، والباقي تعصيباً ..
. ٦ ومن فوائد الآيتين: أن عيسى بن مريم ﷺ أعطاه الله آيات كونية، وشرعية؛ مثال الشرعية: الإنجيل؛ ومثال الكونية: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه، والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً يطير بإذن الله؛ وكذلك أيضاً يخبرهم بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم؛ قال العلماء: إنما أعطي هذه الآية الكونية؛ لأن الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاهم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها؛ كما أن محمداً ﷺ ترقى في عهده الكلام إلى منْزلة عالية في البلاغة، والفصاحة؛ فآتاه الله القرآن العظيم الذي عجزوا أن يأتوا بمثله ..
. ٧ ومن فوائد الآيتين: أن الله أيد عيسى بجبرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس ..
٨ ومنها: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون من أمَرَهم الله بتأييده؛ ولهذا قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: "اللهم أيده بروح القدس (١) " ..
. ٩ ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق؛
стр. 353
لقوله تعالى: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون)
. ١٠ ومنها: أن بني إسرائيل يبادرون بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنون؛ لقوله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿استكبرتم﴾؛ لأن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيباً للشرط: كلما وجد الشرط وجد الجزاء فوراً ..
. ١١ ومنها: توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان مناهجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع؛ ففي الشرائع: لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع بما لا تهوى أنفسهم: انقسموا إلى قسمين: فريقاً يكذبون؛ وفريقاً يقتلون مع التكذيب ..
. ١٢ ومنها: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل؛ فإذا استكبر عن الحق. سواء تحيل على ذلك بالتحريف؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه. فإنه مشابه ببني إسرائيل ..
والخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله ..
. ١٣ ومن فوائد الآيتين: أن بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه مخالف لهواه ..
. ١٤ ومنها: أن بني إسرائيل انقسموا في الرسل الذين
стр. 354
جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين: قسم كذبوهم؛ وقسم آخر قتلوهم مع التكذيب ...
١٥ ومنها: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة؛ فقالوا: قلوبنا غلف ..
. ١٦ ومنها: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نُصِحوا، ودُعوا إلى الحق قالوا: "ما هدانا الله"؛ وهؤلاء مشابهون لليهود الذين قالوا: (قلوبنا غلف)
. ١٧ ومنها: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله تعالى: ﴿بل لعنهم الله﴾؛ وهذا الإضراب للإبطال. يعني ليست القلوب غَلفاء لا تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصل الحق؛ وهو لَعْن الله إياهم بسبب كفرهم ..
. ١٨ ومنها: أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع ..
. ١٩ منها: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئاً؛ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى؛ وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها ..
. ٢٠ ومنها: إثبات الأسباب، وأن لها تأثيراً في مسبباتها بإذن الله؛ لقوله تعالى: (بل لعنهم الله بكفرهم).
. ٢١ ومنها: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل، أو معدوم؛ لقوله تعالى: (فقليلاً ما يؤمنون)
стр. 355
القرآن
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة: ٨٩)
(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) (البقرة: ٩٠)
التفسير:.
﴿٨٩﴾ قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب﴾: هو القرآن؛ ونكَّره هنا للتعظيم؛ وأكد تعظيمه بقوله تعالى:
﴿من عند الله﴾، وأضافه الله تعالى إليه؛ لأنه كلامه. كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله ..
قوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾: له معنيان:.
الأول: أنه حكم بصدقها، كما قال في قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ فهو يقول عن التوراة: إنه حق، وعن الإنجيل: إنه حق؛ وعن الزبور: إنه حق؛ فهو يصدقها، كما لو أخبرك إنسان بخبر، فقلت: "صدقت" تكون مصدقاً له ..
المعنى الثاني: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت الكتب السابقة. التوراة، والإنجيل؛ فعيسى بن مريم ﷺ (قال: ﴿إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]؛ فجاء هذا الكتاب مصدقاً لهذه البشارة ..
وقوله تعالى: ﴿لما معهم﴾ أي من التوراة، والإنجيل؛ وهذا واضح أن التوراة أخبرت بالرسول ﷺ إما باسمه، أو بوصفه الذي لا ينطبق على غيره ..
стр. 356
قوله تعالى: ﴿وكانوا من قبل﴾ أي من قبل أن يجيئهم ﴿يستفتحون﴾ أي يستنصرون، ويقولون سيكون لنا الفتح، والنصر ﴿على الذين كفروا﴾ أي من المشركين الذين هم الأوس، والخزرج؛ لأنهم كانوا على الكفر، ولم يكونوا من أهل الكتاب. كما هو معروف؛ فكانوا يقولون: إنه سيبعث نبي، وسنتبعه، وسننتصر عليكم؛ لكن لما جاءهم الشيء الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كفروا به؛ ﴿فلعنة الله﴾: اللعنة: هي الطرد، والإبعاد عن رحمة الله؛ ﴿على الكافرين﴾ أي حاقة عليهم؛ وهو مظهر في موضع الإضمار؛ إذ كان مقتضى السياق: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله عليهم"؛ والإظهار في موضع الإضمار له فوائد؛ منها: مراعاة الفواصل كما هنا؛ ومنها الحكم على موضع الضمير بما يقتضيه هذا الوصف؛ ومنها الإشعار بالتعليل؛ ومنها إرادة التعميم ..
. ﴿٩٠﴾ قوله تعالى: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾: "بئس" فعل ماضٍ لإنشاء الذم؛ يقابلها "نِعْم": فهي فعل ماضٍ لإنشاء المدح؛ و"بئس"، و"نعْم" اسمان جامدان لا يتصرفان. أي لا يتحولان عن صيغة الماضي؛ و "ما" اسم موصول بمعنى الذي. أي بئس الذي اشتروا به أنفسهم؛ أو إنها نكرة موصوفة، والتقدير: "بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم"، و ﴿اشتروا﴾ فسرها أكثرهم بمعنى باعوا؛ وهو خلاف المشهور؛ لأن معنى "اشترى الشيء": اختاره؛ والمختار للشيء لا يكون بائعاً له؛ والصحيح أنها على بابها؛ ووجهه أن هؤلاء الذين اختاروا الكفر كانوا راغبين فيه، فكانوا مشترين له ..
قوله تعالى: ﴿أن يكفروا﴾: ﴿أن﴾ هنا مصدرية؛ والفعل
стр. 357
بعدها مؤول بمصدر، والتقدير: كفرُهم؛ وهو المخصوص بالذم؛ وإعرابه مبتدأ مؤخر خبره الجملة قبله؛ ﴿بما أنزل الله﴾: "ما" هذه اسم موصول بمعنى الذي؛ والمراد به: القرآن؛ لأنه تعالى قال في الأول: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾؛ و ﴿بغياً﴾ مفعول لأجله عامله: قوله تعالى: ﴿يكفروا﴾؛ و "البغي" فسره كثير من العلماء بالحسد؛ والظاهر أنه أخص من الحسد؛ لأنه بمعنى العدوان؛ لأن الباغي هو العادي، كما قيل: على الباغي تدور الدوائر؛ وقيل: البغي: مرتعُ مبتغيه وخيم؛ فالبغي ليس مجرد الحسد فقط؛ نعَم، قد يكون ناتجاً عن الحسد؛ والذين فسَّروه بالحسد فسَّروه بسببه ..
قوله تعالى: ﴿أن ينزل الله من فضله﴾: "الفضل" في اللغة: زيادة العطاء؛ والمراد بـ "الفضل" هنا الوحي، أو القرآن، كما قاله تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ (يونس: ٥٨).
قوله تعالى: ﴿على مَن يشاء من عباده﴾: ﴿مَنْ﴾ اسم موصول؛ والمراد: النبي ﷺ لأن القرآن في الحقيقة نزل على النبي ﷺ للناس، كما قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ [إبراهيم: ١]؛ و ﴿يشاء﴾ أي يريد بالإرادة الكونية؛ والمراد بـ ﴿عباده﴾ هنا الرسل ..
قوله تعالى: ﴿فباءوا﴾ أي رجعوا؛ ﴿بغضب﴾: الباء للمصاحبة. يعني رجعوا مصطحبين لغضب من الله ؛ ونكَّره للتعظيم؛ ولهذا قال بعض الناس: إن المراد بـ "الغضب": غضب الله ، وغيره. حتى المؤمنين
стр. 358
من عباده يغضبون من فعل هؤلاء، وتصرفهم ..
قوله تعالى: ﴿على غضب﴾. كقوله تعالى: ﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾ [النور: ٤٠]. يعني غضباً فوق غضب؛ فما هو الغضب الذي باءوا به؟ وما هو الغضب الذي كان قبله؟
الجواب: الغضب الذي باءوا به أنهم كفروا بما عرفوا، كما قال تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾؛ والغضب السابق أنهم استكبروا عن الحق إذا كان لا تهواه أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم﴾ [البقرة: ٨٧]؛ والغضب الثالث: قتلهم الأنبياء، أو تكذيبهم؛ فهذه ثلاثة أنواع من أسباب الغضب؛ وقد يكون أيضاً هناك أنواع أخرى ..
قوله تعالى: ﴿وللكافرين عذاب مهين﴾: هذا إظهار في موضع الإضمار فيما يظهر؛ لأن ظاهر السياق أن يكون بلفظ الضمير. أي ولهم عذاب مهين؛ والإظهار في موضع الإضمار له فوائد سبق بيانها قريباً ..
وقوله تعالى: ﴿عذاب﴾ أي عقوبة؛ و ﴿مهين﴾ أي ذو إهانة، وإذلال؛ ولو لم يكن من إذلالهم. حين يقولون: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧]. إلا قول الله لهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] لكفى ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: أن القرآن من عند الله ؛ لقوله تعالى: (كتاب من عند الله)
стр. 359
٢ ومنها: أن القرآن كلامه تكلم به حقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿كتاب من عند الله﴾؛ ومعلوم أن الكلام ليس جسماً يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق ..
٣. ومنها: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾، ولقوله تعالى: (من عند الله)
. ٤ ومنها: أن اليهود كانوا يعرفون أن النبي ﷺ سيبعث، وتكون له الغلبة؛ لقوله تعالى:
﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ يعني يستنصرون. أي يطلبون النصر؛ أو يَعِدون به؛ فقبل نزول القرآن، وقبل مجيء الرسول ﷺ يقولون للعرب: إنه سيبعث نبي، وينْزل عليه كتاب، وننتصر به عليكم، ولما جاءهم الرسول الذي كانوا يستفتحون به كفروا به ...
٥ ومنها: أن اليهود لم يخضعوا للحق؛ حتى الذي يقرون به لم يخضعوا له؛ لأنهم كفروا به؛ فيدل على عتوهم، وعنادهم ..
. ٦. ومنها: أن الكافر مستحق للعنة الله، وواجبة عليه؛ لقوله تعالى: (فلعنة الله على الكافرين)
. ٧. استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله ، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم العن فلاناً، وفلاناً" (١). لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حياً؛ وإن كان
стр. 360
ميتاً فقد قال النبي ﷺ "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (١) ..
. ٨ ومن فوائد الآيتين: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي، وحسد؛ لقوله تعالى: (بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده)
. ٩ ومنها: أن من رد الحق من هذه الأمة لأن فلاناً الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به؛ فقد شابه اليهود
. ١٠ ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال؛ فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتْبَعْه من أيٍّ كان مصدره؛ فاقبل الحق للحق؛ لا لأنه جاء به فلان، وفلان ...
١١ ومنها: أن العلم من أعظم فضل الله ؛ لقوله تعالى: ﴿أن ينَزِّل الله من فضله على من يشاء﴾؛ ولا شك أن العلم أفضل من المال؛ وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم، وفضل المال فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين؛ الخلفاء السابقون قَلّ ذكرهم؛ والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم: هم يُدَرِّسون الناس وهم في قبورهم؛ وأولئك الخلفاء نُسوا؛ اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة، أو محمودة؛ فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال ..
. ١٢ ومن فوائد الآيتين: إثبات مشيئة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿على من يشاء﴾؛ وهي عامة فيما يحبه الله، وما لا يحب؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وكل شيء عُلِّق
стр. 361
بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فليست أفعال الله وأحكامه لمجرد المشيئة؛ بل هي لحكمة بالغة اقتضت المشيئة ..
. ١٣ ومن فوائد الآيتين: أن هذا الفضل الذي نزله الله لا يجعل المفضَّل به رباً يُعْبد؛ بل هو من العباد. حتى ولو تميز بالفضل؛ لقوله تعالى: (على من يشاء من عباده).
وهذه الفائدة لها فروع نوضحها، فنقول: إن من آتاه الله فضلاً من العلم والنبوة لم يخرج به عن أن يكون عبداً؛ إذاً لا يرتقي إلى منْزلة الربوبية؛ فالرسول ﷺ عبد من عباد الله؛ فلا نقول لمن نزل عليه الوحي: إنه يرتفع حتى يكون رباً يملك النفع، والضرر، ويعلم الغيب ..
ويتفرع عنها أن من آتاه الله من فضله من العلم، وغيره ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره؛ لأن الله تعالى أعطاه من فضله؛ فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره؛ فكلما عظم الإحسان من الله استوجب الشكر أكثر؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقوم في الليل حتى تتورم قدماه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: "أفلا أكون عبداً شكوراً (١) " ..
ويتفرع عنها فرع ثالث: أن بعض الناس اغتر بما آتاه الله من
стр. 362
العلم، فيتعالى في نفسه، ويتعاظم حتى إنه ربما لا يقبل الحق؛ فحُرِم فضل العلم في الحقيقة ..
. ١٤ من فوائد الآيتين: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب جزاءً وفاقاً؛ لقوله تعالى: (فباءوا بغضب على غضب).
١٥. ومنها: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله تعالى: ﴿عذاب مهين﴾ بعد أن ترفعوا؛ فعوقبوا بما يليق بذنوبهم؛ وعلى هذا جرت سنة الله في خلقه؛ قال الله تعالى: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿جزءًا وفاقاً﴾ (النبأ: ٢٦).
. ١٦ ومنها: أن الإظهار في موضع الإضمار من أساليب البلاغة، وفيه من الفوائد ما سبق ذكره قريباً ..
. ١٧ ومنها: إثبات الغضب من الله ، لقوله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾؛ والغضب من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ وهكذا كل صفة من صفات الله تكون على سبب ..
القرآن
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٩١)
التفسير:
. ﴿٩١﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي لليهود؛ وأبهم
стр. 363
القائل ليكون شاملاً لكل من قال لهم هذا القول: إما الرسول ﷺ وإما غيره؛ ﴿آمنوا بما أنزل الله﴾ أي صدِّقوا به مع قبوله، والإذعان له؛ لأن الإيمان شرعاً: التصديق مع القبول، والإذعان؛ وليس كل من صدق يكون مؤمناً حتى يكون قابلاً مذعناً؛ والدليل على ذلك أن أبا طالب كان مصدقاً برسول الله ﷺ ولم يكن مؤمناً؛ لأنه لم يقبل، ولم يذعن؛ و "ما" اسم موصول؛ المراد به: القرآن العظيم؛ و ﴿أنزل الله﴾ أي من عنده ..
قوله تعالى: ﴿قالوا﴾: هذا جواب: ﴿إذا﴾؛ ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ يعنون به التوراة؛ ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ يعنون به القرآن؛ و "وراء" هنا بمعنى سوى؛ ﴿وهو الحق﴾: هذه الجملة حال من "ما" في قوله تعالى: ﴿بما وراءه﴾ يعني أن هذا الذي كفروا به هو الحق؛ وضده الباطل. وهو الضائع سدىً الذي لا يستفاد منه؛ أما الحق فهو الثابت المفيد النافع؛ وهذا الوصف بلا شك ينطبق على القرآن؛ ﴿مصدقاً﴾: حال أيضاً من ﴿هو﴾ أي الضمير؛ وسبق معنى كونه مصدقاً لما معهم؛ وقوله تعالى هنا: ﴿لما معهم﴾ يعني التوراة ..
ثم قال تعالى مكذباً لقولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾؛ الخطاب في ﴿قل﴾ إما للرسول ﷺ ؛ وإما لكل من يتأتى خطابه؛ ﴿فلم﴾: اللام حرف جر؛ و "ما" اسم استفهام دخل عليه حرف جر، فوجب حذف ألفها للتخفيف؛ والاستفهام للإنكار، والتوبيخ؛ يعني لو كنتم صادقين بأنكم تؤمنون بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء الله؛ لأن قتلهم لأنبياء الله مستلزم لكفرهم بهم. أي
стр. 364
بأنبياء الله؛ ﴿من قبل﴾ أي من قبل بعثة الرسول ﷺ
وقوله تعالى: ﴿أنبياء﴾ فيها قراءتان: ﴿أنبئاء﴾ بالهمزة؛ و ﴿أنبياء﴾ بالياء، مثل: "النبي"، و "النبيء"؛ و"النبيء" جمعه أنبئاء؛ و"النبي" جمعه أنبياء ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿آمنوا بما أنزل الله﴾؛ لأن ما أنزل الله هو القرآن. وهو كلام؛ والكلام ليس عيناً قائمة بذاتها؛ بل هو صفة في غيره؛ فإذا كان صفة في غيره، وهو نازل من عند الله لزم أن يكون كلام الله ..
. ٢ ومنها: علوّ الله ؛ لأنه إذا كان القرآن كلامه، وهو نازل من عنده دلَّ على علوّ المتكلم به
. ٣ ومنها: كذب اليهود في قولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾؛ لأنهم لو آمنوا به لآمنوا بمحمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ... ﴾ [الأعراف: ١٥٧] إلخ ..
. ٤ ومنها: عتوّ اليهود، وعنادهم؛ لأنهم يقولون: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا ...
٥ ومنها: أن من دُعي إلى الحق من هذه الأمة، وقال: "المذهب كذا، وكذا". يعني ولا أرجع عنه ففيه شبه من اليهود. لأن الواجب إذا دعيت إلى الحق أن تقول: "سمعنا وأطعنا"؛ ولا تعارضه بأي قول كان، أو مذهب ..
. ٦ ومنها: وجوب قبول الحق من كل من جاء به ..
стр. 365
٧ ومنها: إفحام الخصم بإقامة الحجة عليه من فعله؛ ووجه ذلك أن الله أقام على اليهود الحجة على فعلهم؛ لأنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا وهم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاءوا بالكتاب إليهم؛ فإن قولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ ليس بحق؛ لأنه لو كانوا مؤمنين حقيقة ما قتلوا الأنبياء؛ ولهذا قال تعالى: (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين).
القرآن
(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة: ٩٢)
التفسير:
. ﴿٩٢﴾ قوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم موسى﴾: الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام الموطئة للقسم. وهي للتوكيد؛ و "قد" وهي هنا للتحقيق؛ لأنها دخلت على الماضي؛ و ﴿جاءكم﴾: الخطاب لليهود؛ والدليل على أنه لليهود قوله تعالى: ﴿موسى﴾؛ لأن موسى نبيهم؛ وهنا خاطبهم باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص؛ إذ إن موسى لم يأت هؤلاء الذين كانوا في عهد الرسول ﷺ لكنه أتى بني إسرائيل الذين هؤلاء منهم ..
قوله تعالى: ﴿بالبينات﴾: الباء للمصاحبة، أو للتعدية؛ يعني: جاءكم مصحوباً بالبينات؛ أو أن البينات هي التي جيء بها، فتكون للتعدية؛ و "البينات" صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: بالآيات البينات. أي بالعلامات الدالة على رسالته؛
стр. 366
ومنها: اليد، والعصا، والحجر، وفلق البحر، والجراد الذي أرسل على آل فرعون، والسنون، وأشياء كثيرة، مثل القمل، والضفادع، والدم ..
قوله تعالى: ﴿ثم﴾: تفيد الترتيب بمهلة. يعني ثم بعد أن مضى عليكم وقت أمكنكم أن تتأملوا في هذه الآيات، وأن تعرفوها: الذي حصل أنكم لم ترفعوا بها رأساً: ﴿اتخذتم العجل﴾: "اتخذ" من أفعال التصيير، كقوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلًا﴾ [النساء: ١٢٥] يعني صيَّره؛ إذاً هي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ، والخبر؛ المفعول الأول: ﴿العجل﴾؛ والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلهاً؛ وحذف للعلم به، كما قال ابن مالك في الألفية:.
(وحذف ما يعلم جائز و ﴿العجل﴾ هو ولد البقرة،) وليس عجلاً من حيوان؛ ولكنه عجل من حلي: صنعوا من الحلي مجسماً كالعجل، وجعلوا فيه ثقباً تدخله الريح، فيكون له صوت كخوار الثور، فأغواهم السامري، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى فنسي؛ لأن موسى كان قد ذهب منهم لميقات ربه على أنه ثلاثون يوماً، فزاد الله تعالى عشراً، فصار أربعين يوماً؛ فقال لهم السامري: إن موسى ضلّ عن إلهه؛ ولهذا تخلف، فلم يرجع؛ فهو قد ضلّ، ولم يهتد إلى إلهه؛ فهذا إلهكم، وإله موسى، فاتَّخِذوه إلهاً ..
قوله تعالى: ﴿من بعده﴾ أي من بعد ذهاب موسى لميقات ربه؛ لأن موسى رجع إليهم، وقال للسامري عن إلهه: ﴿لنحرقنه ثم لننسفنَّه في اليم نسفاً﴾ [طه: ٩٧]؛ وجرى هذا: فحرقه موسى ﷺ ، ونسفه في البحر.
стр. 367
قوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾ أي معتدون؛ وأصل الظلم النقص، كما في قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً﴾ [الكهف: ٣٣]؛ وسمي العدوان ظلماً؛ لأنه نقص في حق المعتدى عليهم؛ وجملة: ﴿وأنتم ظالمون﴾ حال في موضع النصب من فاعل ﴿اتخذتم﴾ أي والحال أنكم ظالمون؛ وهذا أبلغ في القبح: أن يعمل الإنسان العمل القبيح وهو يعلم أنه ظالم ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: إقامة البرهان على عناد اليهود؛ ووجه ذلك أنه قد جاءهم موسى بالبينات، فاتخذوا العجل إلهاً ..
٢. ومنها: سفاهة اليهود، وغباوتهم، لاتخاذهم العجل إلهاً مع أنهم هم الذين صنعوه ..
. ٣ ومنها: أن اليهود اغتنموا فرصة غياب موسى مما يدل على هيبتهم له؛ لقوله تعالى: ﴿من بعده﴾ يعني من بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه ..
. ٤ ومنها: أن اليهود عبدوا العجل عن ظلم، وليس عن جهل؛ لقوله تعالى: (وأنتم ظالمون)
القرآن
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٩٣)
стр. 368
التفسير:
. ﴿٩٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾: ﴿إذ﴾ تأتي في القرآن كثيراً؛ والمعربون يعربونها بأنها مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: اذكر؛ وإذا كان الخطاب لأكثر من واحد يقدر: اذكروا، أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم؛ و "الميثاق": العهد؛ وسمي العهد ميثاقاً؛ لأنه يتوثق به ..
قوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ وهو الجبل المعروف؛ رفعه الله على رؤوسهم تهديداً لهم؛ فجعلوا يشاهدونه فوقهم كأنه ظلة؛ فسجدوا خوفاً من الله ، وجعلوا ينظرون إلى الجبل وهم يتضرعون إلى الله بكشف كربتهم؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم عن اليهود أنهم يرون أن أفضل سجدة يسجدون لله بها أن يسجدوا وقد أداروا وجوههم إلى السماء؛ يقولون: هذه السجدة أنجانا الله بها؛ فهي أشرف سجدة عندنا ..
قوله تعالى: ﴿خذوا﴾ فعل أمر؛ وهو في محل نصب مقولاً لقول محذوف. أي: قلنا: خذوا. ﴿ما أتيناكم﴾ أي ما أعطيناكم؛ والمراد به التوراة ﴿بقوة﴾ أي بجدٍّ، ونشاط؛ فالجد: العزيمة الثابتة؛ والنشاط: القوة في التنفيذ؛ ﴿واسمعوا﴾ أي سماع قبول، واستجابة؛ فأمروا بأن يأخذوا بالتوراة بقوة، وأن يسمعوا، ويستجيبوا، وينقادوا؛ وكان الجواب: ﴿قالوا سمعنا﴾ أي بآذاننا؛ ﴿وعصينا﴾ أي بأفعالنا؛ فما سمعوا السمع الذي طُلب منهم؛ ولكنهم استكبروا عنه؛ وظاهر الآية الكريمة أنهم قالوا ذلك لفظاً: ﴿سمعنا وعصينا﴾؛ وقال بعضهم: قالوا: ﴿سمعنا﴾ بألسنتهم، وعصوا بأفعالهم؛ فيكون التعبير بالعصيان هو عبارة عن أفعالهم،
стр. 369
وأنهم لم يقولوا بألسنتهم: ﴿وعصينا﴾؛ وهذا ضعيف؛ لأن الواجب حمل اللفظ على ظاهره حتى يقوم دليل صحيح على أنه غير مراد، ولأنه لا يمتنع أن يقولوا: "سمعنا وعصينا" بألسنتهم وهم الذين قالوا لموسى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥]؛ فالذين تجرأوا أن يقولوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ يتجرءون أن يقولوا: ﴿سمعنا وعصينا﴾ بألسنتهم؛ وكأن الذين قالوا: إن المراد بالمعصية هنا فعل المعصية؛ وليس معناه أنهم قالوا بألسنتهم: ﴿وعصينا﴾ كأنهم قالوا: إنهم التزموا بهذا والجبل فوق رؤوسهم؛ ومن كان هذه حاله لا يمكن أن يقول: "سمعنا، وعصينا" والجبل فوقه؛ ويمكن الجواب عن هذا بأنهم قالوا ذلك بعد أن فُرِّج عنهم؛ و"العصيان": هو الخروج عن الطاعة بترك المأمور، أو فعل المحظور؛ فمن ترك الجماعة وهي واجبة عليه فهو عاصٍ؛ ومن زنى، أو سرق، أو شرب الخمر فهو أيضاً عاصٍ لله. ورسوله ..
قوله تعالى: ﴿وأُشربوا في قلوبهم العجل﴾: قال بعضهم: إنه على تقدير مضاف؛ والتقدير: أشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأن العجل نفسه لا يمكن أن يشرب في القلب؛ ومعنى ﴿أشربوا﴾: أنه جُعل هذا الحب كأنه ماء سقي به القلب؛ إذاً امتزج بالقلب كما يمتزج الماء بالمدر إذا أشرب إياه؛ والمدر هو الطين اليابس؛ فهذا القلب أشرب فيه حب العجل، ولكن عبر بالعجل عن حبه؛ لأنه أبلغ؛ فكأن نفس العجل دخل في قلوبهم؛ والذي أشرب هذا في قلوبهم هو الله ؛ ولكن من بلاغة القرآن أن ما يكرهه الله يعبر عنه غالباً بالبناء لما لم يسم
стр. 370
فاعله؛ لأن النبي ﷺ يقول: "والشر ليس إليك" (١)، وقال الله تعالى عن الجن: ﴿وأنَّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً﴾ [الجن: ١٠]؛ ففي الشر قالوا: ﴿أريد﴾، ولم ينسبوه إلى الله؛ أما الرشد فنسبوه إلى الله ..
قوله تعالى: ﴿بكفرهم﴾: الباء هنا للسببية؛ أي بسبب كفرهم بالله السابق على عبادة العجل؛ لأنهم قد نووا الإثم قبل أن يقعوا فيه؛ فصاروا كفاراً به، ثم أشربوا في قلوبهم العجل حتى صاروا لا يمكن أن يتحولوا عنه: قال لهم هارون ﷺ ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري﴾ [طه: ٩٠]؛ ولكن كان جوابهم لهارون: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه: ٩١]؛ فأصروا؛ لأنهم أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ..
قوله تعالى: ﴿قل﴾: يخاطب الله النبي ﷺ أو يخاطب كل من يصح توجيه الخطاب إليه. أي قل أيها النبي؛ أو قل أيها المخاطب؛ ﴿بئسما يأمركم به إيمانكم﴾: "بئس" فعل ماض يراد به إنشاء الذم؛ و "ما" نكرة مبنية على السكون في محل نصب تمييز، يعني: بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم عبادةُ العجل؛ يعني: إذا كان عبادة العجل هو مقتضى إيمانكم فإن إيمانكم قد أمركم بأمر قبيح؛ يعني: أين إيمانكم وأنتم قد أشرب في قلوبكم العجل؟! وأن هذا الإيمان الذي زعمتموه هو الذي حبب إليكم عبادة العجل، وعبدتموه ..
стр. 371
قوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي صادقين في دعوى الإيمان؛ و ﴿إن﴾ شرطية، والمقصود بها التحدي؛ يعني: إن كنتم مؤمنين حقيقة فكيف يأمركم إيمانكم بهذا العمل القبيح!!!.
الفوائد:.
. ١ من فوائد الآية: أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ... ﴾ إلخ ..
. ٢ ومنها: أن بني إسرائيل ما آمنوا إلا عن كره؛ لأنهم لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور ..
. ٣ ومنها: بيان قدرة الله ..
. ٤ ومنها: أن أمر الكون كله بيد الله ، وأنه قادر على خرق العادات؛ لقوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور ..
. ٥ ومنها: وجوب تلقي شريعة الله بالقوة دون الكسل والفتور، لقوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ ..
. ٦ ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾؛ وهذا أبلغ ما يكون في العتوّ؛ لأنه كان يمكن أن يكون العصيان عن جهل؛ لكنهم قالوا: ﴿سمعنا وعصينا﴾ ..
. ٧ ومنها: أن السمع نوعان: سمع استجابة، وسمع إدراك؛ مثال الأول: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا﴾؛ ومثال الثاني: (سمعنا وعصينا).
٨ ومنها: أن المؤمن حقاً لا يأمره إيمانه بالمعاصي؛
стр. 372
لقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يعني إن كنتم مؤمنين حقاً ما اتخذتم العجل إلهاً ..
. ٩ ومنها: أن الشر لا يسنده الله تعالى إلى نفسه؛ بل يذكره بصيغة المبني لما لم يُسمَّ فاعله؛ لقوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم﴾؛ ولهذا نظير من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وأنَّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً﴾ [الجن: ١٠]؛ والنبي ﷺ يقول: "والشر ليس إليك" (١)؛ فالشر في المفعول. لا في الفعل؛ الخير والشر كل من خلْق الله ؛ لكن الشر بالنسبة لإيجاد الله له هو خير، وليس بشر؛ لأن الله ما أوجده إلا لحكمة بالغة، وغاية محمودة. وإن كان شراً. لكن الشر في المفعولات. أي المخلوقات؛ وأما نفس الفعل فهو ليس بشر؛ أرأيت الرجل يكوي ابنه بالنار. والنار مؤلمة محرقة. لكنه يريد أن يُشفى. فهذا المفعول الواقع من الفاعل شر مؤلم محرق لكن غايته محمودة. وهو شفاء الولد؛ فيكون خيراً باعتبار غايته ..
. ١٠ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد يبتلي العبد، فيملأ قلبه حباً لما يكرهه الله ؛ لقوله تعالى:
(وأشربوا في قلوبهم العجل).
. ١١ ومنها: أن الإيمان الحقيقي لا يحمل صاحبه إلا على طاعة الله؛ لقوله تعالى: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين).
стр. 373
القرآن
(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: ٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة: ٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة: ٩٦)
التفسير:
. ﴿٩٤. ٩٥﴾ قوله تعالى: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس﴾: ﴿كانت﴾ هنا ناقصة، وخبرها يجوز أن يكون الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿لكم﴾؛ وتكون ﴿خالصة﴾ حالاً من ﴿الدار﴾. يعني: حال كونها خالصة من دون الناس؛ ويجوز أن يكون الخبر: ﴿خالصة﴾؛ والمعنى واحد؛ والمراد بـ ﴿الدار الآخرة﴾ الجنة؛ وإنما قال تعالى ذلك؛ لأنهم قالوا: "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، وبعدها تخلفوننا أنتم في النار؛ ونكون نحن في الجنة". هذا كلام اليهود؛ والذي يقول هذا الكلام يدعي أن الدار الآخرة خالصة. أي خاصة. له من دون الناس، وأن المستحق للنار منهم يدخلها أياماً معدودة، ثم يخرج إلى الجنة ..
قوله تعالى: ﴿فتمنوا الموت﴾ أي اطلبوا حصوله ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي في دعواكم أن الدار الآخرة خالصة لكم من دون الناس؛ لأنها حينئذٍ تكون لكم خيراً من الدنيا؛ فتمنوا الموت لتصلوا إليها؛ وهذا تحدٍّ لهم؛ ولهذا قال الله تعالى هنا: ﴿ولن يتمنوه أبداً﴾؛ وفي سورة الجمعة قال تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبداً﴾ [الجمعة: ٧] وذلك؛ لأنهم يعلمون كذب دعواهم أن لهم الدار الآخرة خالصة ..
стр. 374
وظاهر الآية الكريمة على ما فسرنا أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يتحداهم بأنه إن كانت الدار الآخرة لهم كما يزعمون فليتمنوا الموت لِيَصِلوا إليها؛ وهذا لا شك هو ظاهر الآية الكريمة؛ وهو الذي رجحه ابن جرير، وكثير من المفسرين؛ وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿فتمنوا الموت﴾ أي فباهلونا، وتمنوا الموت لمن هو كاذب منا؛ فتكون هذه مثل قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ [آل عمران: ٦١]؛ فيكون المعنى: تمنوا الموت عن طريق المباهلة؛ ورجح هذا ابن كثير؛ وضعف الأول بأنه لو كان المراد: تمنوا حصول الموت لكانوا يحتجون أيضاً علينا نحن، ويقولون: أنتم أيضاً إن كنتم تقولون: إن الدار الآخرة لكم فتمنوا الموت؛ لأن تحديكم إيانا بذلك ليس بأولى من تحدينا إياكم به؛ لأنكم أنتم أيضاً تقولون: إن الدار الآخرة لكم، وأن اليهود بعد بعثة الرسول ﷺ في النار؛ فتمنوا الموت أنتم أيضاً، والجواب عن ذلك أنا لم ندع أن الدار الآخرة خالصة لنا من دون الناس؛ بل نؤمن بأن الدار الآخرة لكل من آمن وعمل صالحاً سواء كان من هذه الأمة أم من غيرها؛ وهذا المعنى الذي نحا إليه ابن كثير. ﵀. مخالف لظاهر السياق؛ فلا يعوَّل عليه؛ وقد عرفت الانفكاك منه ...
﴿٩٦﴾ قوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾؛ اللام في ﴿لتجدنهم﴾ موطئة للقسم؛ والنون للتوكيد؛ وعليه تكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، والنون؛ والضمير
стр. 375
الهاء يعود على اليهود؛ و ﴿أحرص﴾ اسم تفضيل؛ و "الحرص" هو أن يكون الإنسان طامعاً في الشيء مشفقاً من فواته؛ والحرص يستلزم بذل المجهود؛ ولهذا قال الرسول ﷺ "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" (١)؛ ونكر ﴿حياة﴾ ليفيد أنهم حريصون على أيّ حياة كانت. وإن قلّت؛ حتى لو لم يأتهم إلا لحظة فهم أحرص الناس عليها ..
قوله تعالى: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ أي الشرك الأكبر؛ واختلف المفسرون فيها؛ فمنهم من قال: هو مستأنف، والكلام منقطع عما قبله؛ والتقدير: ومن الذين أشركوا من يود أحدهم لو يعمر ... ؛ وهذا وإن كان محتملاً لفظاً، لكنه في المعنى بعيد جداً؛ ومنهم من قال: إنه معطوف على قوله تعالى: ﴿الناس﴾ يعني: ولتجدنهم أحرص الناس، وأحرص من الذين أشركوا؛ يعني: اليهود أحرص من المشركين على الرغم من أن اليهود أهل كتاب يؤمنون بالبعث، وبالجنة، وبالنار؛ والمشركون لا يؤمنون بذلك، والذي لا يؤمن بالبعث يصير أحرص الناس على حياة؛ لأنه يرى أنه إذا مات انتهى أمره، ولا يعود؛ فتجده يحرص على هذه الحياة التي يرى أنها هي رأس ماله؛ وهذا القول هو الصواب ..
قوله تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾؛ "الود" خالص المحبة؛ والضمير في ﴿أحدهم﴾ يعود على المشركين لا غير. على القول الأول: أي أن قوله تعالى: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ مستأنف؛ وعلى القول الثاني: يحتمل أن يكون الضمير عائداً على اليهود؛ ويصير انقطع الكلام عند قوله تعالى:
стр. 376
﴿أشركوا﴾؛ ويحتمل أن يكون عائداً إلى المشركين؛ ويرجحه أمران:.
أحدهما: أن الضمير في الأصل يعود إلى أقرب مذكور؛ والمشركون هنا أقرب ..
والثاني: أنه إذا كان المشرك يود أن يعمر ألف سنة، وكان اليهودي أحرص منه على الحياة، فيلزم أن يكون اليهودي يتمنى أن يعمر أكثر من ألف سنة ..
وقوله تعالى: ﴿لو يعمر﴾ أي لو يزاد في عمره؛ و"العمر" هو الحياة؛ و ﴿لو﴾ هنا مصدرية؛ وكلما جاءت بعد "ود" فهي مصدرية، كما في قوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ [القلم: ٩]، وقوله تعالى:
﴿يودوا لو أنهم بادون في الأعراب﴾ [الأحزاب: ٢٠]؛ ومعنى "مصدرية" أنها بمعنى "أنْ" تؤول، وما بعدها بمصدر، فيقال في الآية. ﴿يود أحدهم لو يعمَّر ألف سنة﴾: يود أحدهم تعميره ألف سنة؛ و "السنة" هي العام؛ والمراد بها هنا السنة الهلالية. لا الشمسية. لأن الكلمات إذا أطلقت تحمل على الاصطلاح الشرعي؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦]؛ فالميقات الذي وضع الله للعباد إنما هو بالأشهر الهلالية، كما قال تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]، وكما قال تعالى في القمر: ﴿وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ [يونس: ٥] ..
قوله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب﴾ أي بدافعه، ومانعه؛ ﴿أن يعمر﴾: ﴿أن﴾، والفعل بعدها فاعل "زحزح"؛
стр. 377
والتقدير: وما هو بمزحزحه تعميره؛ لأن "مزحزح" اسم فاعل يعمل عمل فعله؛ والمعنى أنه لو عُمِّر ألف سنة، أو أكثر وهو مقيم على معصية الله تعالى فإن ذلك لن يزحزحه من العذاب؛ بل إن الإنسان إذا ازداد عمره وهو في معصية الله ازداد عذابه؛ ولهذا جاء في الحديث: "شرُّكم من طال عمره، وساء عمله" (١).
قوله تعالى: ﴿والله بصير بما يعملون﴾: ﴿بصير﴾ هنا بمعنى عليم؛ أي أنه جَلَّ وعلا عليم بكل ما يعملونه في السر، والعلانية من عمل صالح، وعمل سيء ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيات: تكذيب اليهود الذين قالوا: "لنا الآخرة، ولكم الدنيا، لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة"؛ ووجهه: أن الله تعالى قال لهم: ﴿فتمنوا الموت﴾، وقد قال تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم
٢. ومنها: أنَّ الكافر يكره الموت لما يعلم من سوء العاقبة؛ لقوله تعالى: (بما قدمت أيديهم).
. ٣ ومنها: إثبات السببية. تؤخذ من الباء في قوله تعالى: (بما قدمت أيديهم).
. ٤ منها: إثبات علم الله تعالى للمستقبل؛ لقوله تعالى:
стр. 378
﴿ولن يتمنوه أبداً﴾؛ فوقع الأمر كما أخبر به ..
. ٥ ومنها: جواز تخصيص العموم لغرض؛ لقوله تعالى: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ فخص علمه بالظالمين تهديداً لهم ..
. ٦ ومنها: أن اليهود أحرص الناس على حياة ...
٧ ومنها: إبطال قولهم: "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة"، ثم يخرجون منها، ويكونون في الجنة؛ لأن من كان كذلك لا يكره الموت ..
. ٨ ومنها: أن الناس يتفاوتون في الحرص على الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿أحرص﴾؛ و ﴿أحرص﴾ اسم تفضيل
. ٩ ومنها: أن المشركين من أحرص الناس على الحياة، وأنهم يكرهون الموت؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ مما يدل على أنهم في القمة في كراهة الموت ما عدا اليهود ..
١٠. ومنها: أن طول العمر لا يفيد المرء شيئاً إذا كان في معصية الله؛ لقوله تعالى: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر).
. ١١ ومنها: غَوْرُ فهم السلف حين كرهوا أن يُدْعَى للإنسان بالبقاء؛ فإن الإمام أحمد كره أن يقول للإنسان: "أطال الله بقاءك"؛ لأن طول البقاء قد ينفع، وقد يضر؛ إذاً الطريق السليم أن تقول: "أطال الله بقاءك على طاعة الله"، أو نحو ذلك ..
. ١٢ ومنها: أن الله محيط بأعمال هؤلاء كغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿والله بصير بما يعملون﴾؛ والبصر هنا بمعنى العلم؛ ويمكن أن يكون بمعنى الرؤية؛ قال النبي ﷺ "لو
стр. 379
كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١)؛ فأثبت لله بصراً؛ لكن تفسيره بالعلم أعم ..
القرآن
(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٩٧) (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨)
التفسير:.
﴿٩٧﴾ قوله تعالى: ﴿قل﴾ أي يا محمد؛ ويجوز أن يكون المراد: كل من يتوجه إليه الخطاب؛ ﴿من كان عدواً لجبريل﴾ أي معادياً له؛ "وجبريل" هو الملَك الموكل بالوحي؛ وكان اليهود يعادونه، ويقولون: "إنه ينْزل بالعذاب"؛ ﴿فإنه نزله على قلبك﴾: فيه إعرابان: الأول: أن الجملة جواب الشرط؛ ووجه ارتباطه بفعل الشرط من الناحية المعنوية تأكيد ذم هؤلاء اليهود المعادين لجبريل، كأنه لم يكن فيه ما يوجب العداوة إلا أنه نزله على قلبك؛ وهذا يشبه تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول القائل:.
(ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب) فالمعنى: من كان عدواً لجبريل فلا موجب لعداوته إلا أنه نزله. أي القرآن. على قلبك؛ وهذا الوصف يقتضي ولايته. لا عداوته؛ وقيل: إن جواب الشرط محذوف؛ والتقدير: من كان
стр. 380
عدواً لجبريل فليمت غيظاً؛ لكن الإعراب الأول أصح، وأبلغ ..
وقوله تعالى: ﴿على قلبك﴾ أي قلب النبي ﷺ ؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين * على قلبك﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]؛ وإنما كان نزوله على قلبه؛ لأن القلب محل العقل، والفهم، كما قال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ [الحج: ٤٦] ..
قوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾ أي بإذنه الكوني القدري؛ ﴿مصدقا لما بين يديه﴾: حال من الضمير. الهاء. في قوله تعالى ﴿نزله﴾؛ يعني نزله حال كونه مصدقاً لما بين يديه. أي لما سبقه من الكتب، كالتوراة، والإنجيل، وغيرهما من الكتب التي أخبرت عن نزول القرآن؛ وسبق بيان معنى تصديق القرآن لما بين يديه.
قوله تعالى: ﴿وهدًى﴾ أي دلالة؛ ﴿وبشرى﴾ أي بشارة؛ و"البشارة" الإخبار بما يسر؛ وقد تأتي في الإخبار بما يضر، مثل قوله تعالى: ﴿فبشره بعذاب أليم﴾ [لقمان: ٧]؛ و ﴿للمؤمنين﴾ متعلق بـ ﴿بشرى﴾؛ وإنما كان بشرى للمؤمنين خاصة؛ لأنهم الذين قبلوه، وانتفعوا به؛ "المؤمنون" أي الذين آمنوا بما يجب الإيمان به مع القبول، والإذعان؛ لأن الإيمان يدل على أمن، واستقرار؛ ولهذا قال بعض العلماء: إنه يكون في الأمور الغيبية دون الأمور المحسوسة ..
. ﴿٩٨﴾ قوله تعالى: ﴿من كان عدواً لله﴾ أي معادياً له مستكبراً عن عبادته ..
قوله تعالى: ﴿وملائكته﴾ يعني وعدواً لملائكته؛ و "الملائكة" جمع ملَك؛ وهم عالم غيبي خلقهم الله من نور،
стр. 381
وسخرهم لعبادته يسبحون الليل، والنهار لا يفترون؛ ومنهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل الذين كان النبي ﷺ يذكر أسماءهم في افتتاح صلاة الليل (١) ..
قوله تعالى: ﴿ورسله﴾ جمع رسول؛ وهم الذين أوحى الله تعالى إليهم بشرع، وأمرهم بتبليغه؛ أولهم نوح، وآخرهم محمد. صلى الله عليهم وسلم أجمعين ..
قوله تعالى: ﴿وجبريل وميكال﴾: معطوف على قوله تعالى: ﴿وملائكته﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ وعطف الخاص على العام يدل على شرف الخاص؛ فجبريل موكل بالوحي من الله إلى الرسل؛ و ﴿ميكال﴾ هو ميكائيل الموكل بالقطر، والنبات؛ وخص هذين الملكين؛ لأن أحدهما موكل بما تحيى به القلوب وهو جبريل؛ والثاني موكل بما تحيى به الأرض وهو ميكائيل ..
قوله تعالى: ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾: هذا جواب الشرط: من كان عدواً لله فالله عدو له؛ ومن كان عدواً للملائكة فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لرسله فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لجبريل فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لميكائيل فإن الله عدو له؛ وهنا أظهر في موضع الإضمار لفائدتين؛ إحداهما: لفظية؛ والثانية: معنوية؛ أما الفائدة اللفظية: فمناسبة رؤوس الآي؛ وأما الفائدة المعنوية فهي تتضمن ثلاثة أمور: الأول: الحكم على أن من كان عدواً لله ومن ذُكر، بأنه يكون كافراً؛ يعني: الحكم على هؤلاء بالكفر؛ الثاني: أن كل كافر سواء كان سبب كفره
стр. 382
معاداة الله، أو لا، فالله عدو له، ثالث: بيان العلة. وهي في هذه الآية: الكفر ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: أن من الناس من يكون عدواً لملائكة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قل من كان عدواً لجبريل﴾: ووجه ذلك: أن مثل هذا لكلام لو لم يكن له أصل لكان لغواً من القول؛ والقرآن منزه عن هذا اللغو ..
. ٢ ومنها: فضيلة جبريل. ﵊. لأن الله تعالى دافع عنه ..
. ٣ ومنها: ذكر الوصف الذي يستحق أن يكون به ولياً لجبريل؛ لقوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾ يعني: ومن كان هذه وظيفته فإنه يستحق أن يكون ولياً ..
. ٤. ومنها: إثبات علوّ الله ؛ لقوله تعالى: ﴿فإنه نزله﴾؛ وإنما نزل به من عند الله؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى ..
. ٥ ومنها: أن النبي ﷺ قد وعى القرآن وعياً كاملاً لا يتطرق إليه الشك؛ لقوله تعالى: ﴿نزله على قلبك﴾؛ لأن ما نفذ إلى القلب حلّ في القلب؛ وإذا حلّ في القلب فهو في حرز مكين ..
. ٦ ومنها: أن هذا القرآن إنما نزل بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿نزله على قلبك بإذن الله﴾؛ والإذن هنا كوني؛ وقد ذكر العلماء أن إذن الله تعالى نوعان:.
كوني: وهو المتعلق بالخلق، والتكوين، ولا بد من وقوع
стр. 383
ما أذِن الله تعالى فيه بهذا المعنى؛ مثاله قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ [البقرة: ١٠٢] وقوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾ [التغابن: ١١] ..
والثاني شرعي: وهو ما يتعلق بالشرع، والعبادة؛ مثاله قوله تعالى: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]؛ وقوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١]؛ والفرق بينهما أن المأذون به شرعاً قد يقع، وقد لا يقع؛ وأما المأذون به قدراً فواقع لا محالة؛ ومن جهة أخرى: أن المأذون به شرعاً محبوب إلى الله ؛ والمأذون به قدراً قد يكون محبوباً، وقد يكون غير محبوب ..
٧. ومن فوائد الآيتين: أن القرآن بشرى للمؤمنين؛ وعلامة ذلك أنك تنتفع به؛ فإذا وجدت نفسك منتفعاً به حريصاً عليه تالياً له حق تلاوته فهذا دليل على الإيمان، فتناله البشرى؛ وكلما رأى الإنسان من نفسه كراهة القرآن، أو كراهة العمل به، أو التثاقل في تطبيقه فليعلم أنه إنما فاقد للإيمان بالكلية، أو أن إيمانه ناقص ..
. ٨. ومنها: أن من عادى الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿من كان عدواً لله﴾، ثم قال تعالى: (فإن الله عدوّ للكافرين).
. ٩ ومنها: أن من كان عدواً للملائكة، أو للرسل فإنه عدو لله؛ لأن الملائكة رسل الله، كما قال تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ [فاطر: ١]؛ والرسل البشريون أيضاً رسل لله؛ فمن عادى ملائكة الله من جبريل أو غيره، أو عادى الرسل من محمد أو غيره فقد عادى الله ..
стр. 384
فإن قيل: فهل من عادى المؤمنين يكون معادياً لله؟
فالجواب: هذا محل توقف في دلالة الآية عليه؛ اللهم إلا إذا عادى المؤمنين لكونهم تمسكوا بشريعة الرسل؛ فهذا يظهر أن الله يكون عدواً لهم، لأن من عاداهم إنما فعل ذلك بسبب أنهم تمسكوا بما جاءت به الرسل؛ فكان حقيقة معاداتهم أنهم عادوا رسل الله، كما قال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣] أي مبغضك، ومبغض ما جئت به من السنة هو الأبتر؛ وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى في الحديث القدسي قال: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" (١) ..
١٠. ومن فوائد الآيتين: أن كل كافر فاللَّه عدوّ له؛ لقوله تعالى: (فإن الله عدوّ للكافرين)
١١. ومنها: إثبات صفة العداوة من الله. أي أن الله يعادي؛ وهي صفة فعلية كالرضا، والغضب، والسخط، والكراهة؛ و "المعاداة" ضدها الموالاة الثابتة للمؤمنين، كما قال الله تعالى: (الله وليّ الذين آمنوا) (البقرة: ٢٥٧)
القرآن
(وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) (البقرة: ٩٩)
التفسير:
. ﴿٩٩﴾ قوله تعالى: ﴿ولقد﴾: سبق الكلام عليها؛ ﴿أنزلنا
стр. 385
إليك﴾: الإنزال إنما يكون من الأعلى إلى الأسفل؛ وذلك؛ لأن القرآن كلام الله؛ والله تعالى فوق عباده ..
قوله تعالى: ﴿آيات﴾ جمع آية؛ والآية في اللغة: العلامة، لكنها في الحقيقة أدق من مجرد العلامة؛ لأنها تتضمن العلامة، والدليل؛ فكل آية علامة. ولا عكس؛ لكن العلماء. ﵏. قد يفسرون الشيء بما يقاربه، أو يلازمه. وإن كان بينهما فرق، كتفسيرهم "الريب" بالشك في قوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة:] مع أن "الريب" أخص من مطلق الشك؛ لأنه شك مع قلق؛ وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة "أصول التفسير" ..
قوله تعالى: ﴿بينات﴾ جمع بينة؛ وهن الواضحات في ذاتها، ودلالتها ..
وقوله تعالى: ﴿وما يكفر بها﴾ أي بهذه الآيات البينات؛ ﴿إلا الفاسقون﴾ أي الخارجون عن شريعة الله؛ فالمراد بـ "الفسق" هنا الفسق الأكبر، كقوله تعالى في سورة السجدة: ﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ٢٠]
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن القرآن وحي من الله ..
. ٢ ومنها: عظمة القرآن؛ لأن الله أضافه إليه، وجعله آية ..
٣. ومنها: ثبوت علوّ الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات﴾؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى؛ وعلوّ الله من صفاته الذاتية اللازمة له التي لم
стр. 386
يزل، ولا يزال متصفاً بها؛ وأما استواؤه على العرش فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته ..
. ٤ ومنها: وصف القرآن بأنه آيات بينات، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: ٧]؛ لأن هذا التشابه يكون متشابهاً على بعض الناس دون بعض؛ ولأنه يُحمل على المحكم، فيكون الجميع محكماً، كما قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ... ﴾ [آل عمران: ٧] الآية ..
فالحاصل: أن القرآن. ولله الحمد. آيات بينات؛ ولكنه يحتاج إلى قلب ينفتح لهذا القرآن حتى يتبين؛ أما قلب يكره القرآن، ثم يأتي بما يُشتَبه فيه ليضرب القرآن بعضه ببعض فهذا لا يتبين له أبداً؛ إنما يتبين الهدى من القرآن لمن أراد الهدى؛ وأما من لم يرده فلا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ ..
٥. ومن فوائد الآية: أنه لا يكفر بالقرآن إلا الفاسق ..
٦. ومنها: أن من كفر به فهو فاسق ...
٧ ومنها: إطلاق الفاسق على الكافر؛ وعلى هذا يكون الفسق على نوعين:.
فسق أكبر مخرج عن الملة، كما في قوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ١٩، ٢٠] الآية؛ ووجه الدلالة أنه تعالى جعل الفسق هنا مقابلاً للإيمان ..
والثاني: فسق أصغر لا يخرج من الإيمان؛ ولكنه ينافي
стр. 387
العدالة، كقوله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]: فعطف ﴿الفسوق﴾ على ﴿الكفر﴾؛ والعطف يقتضي المغايرة ..
مسألة: -
تنقسم آيات الله تعالى إلى قسمين: كونية، وشرعية؛ فالكونية مخلوقاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والإنسان، وغير ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين﴾ [الروم: ٢٢]؛ وأما الشرعية فهي ما أنزله الله تعالى على رسله من الشرائع، كقوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته﴾ [الجمعة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم .. ﴾ [سبأ: ٤٣] الآية، وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها ..
القرآن
(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة: ١٠٠)
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠١)
التفسير: ..
﴿١٠٠﴾ قوله تعالى: ﴿أوَ كلما﴾: الهمزة هنا للاستفهام؛
стр. 388
والواو للعطف؛ ومثل هذه الصيغة متكررة في القرآن كثيراً؛ وقد سبق الكلام عليها؛ أما ﴿كلما﴾ فإنها أداة شرط تفيد التكرار. أي كثرة وقوع شرطها، وجوابها؛ وكلما حصل الشرط حصل الجواب؛ فإذا قلت: "كلما جاء زيد فأكرمه" اقتضى تكرار إكرامه بتكرر مجيئه قلّ، أو كثر ..
قوله تعالى: ﴿عاهدوا عهداً﴾؛ "العهد": الميثاق الذي يكون بين الطوائف سواء كان ذلك بين أمة مسلمة وأمة كافرة؛ أو بين أمتين مسلمتين؛ أو بين أمتين كافرتين؛ والضمير في ﴿عاهدوا﴾ يعود على اليهود؛ ﴿نبذه فريق منهم﴾: "النبذ": الطرح، والترك. أي ترك هذا العهد جماعة منهم. أي من اليهود. فطرحوه، ولم يفوا به؛ وهذا هو حال بني إسرائيل مع الله ، ومع عباد الله؛ فالله تعالى أخذ عليهم العهد، والميثاق؛ ومع ذلك نبذوا العهد، والميثاق؛ والنبي ﷺ عاهدهم، ونبذوا عهده ..
قوله تعالى: ﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾: هذا الإضراب للانتقال من وصف إلى وصف: من وصف نقض العهد ونبذه، إلى وصف عدم الإيمان؛ فعليه يكون هذا الإضراب إثباتاً لما قبله، وزيادة وصف. وهو انتفاء الإيمان عن أكثرهم؛ لأن المؤمن حقيقة لا بد أن يفي بالعهد، كما قال الله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]، وأخبر النبي ﷺ أن آية المنافق ثلاث: "إذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر ... " (١)؛ ولو أنهم آمنوا ما نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله، أو الذي بينهم وبين عباد الله ...
стр. 389
﴿١٠١﴾ قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله﴾؛ ﴿لما﴾ هنا شرطية؛ وهي على أربعة أنحاء في اللغة العربية: شرطية؛ ونافية جازمة؛ وبمعنى "إلا"؛ وبمعنى "حين"؛ و ﴿من عند الله﴾ صفة لـ ﴿رسول﴾ أي رسول مرسل من عند الله. وهو محمد ﷺ
قوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾ أي للذي معهم من التوراة إن كانوا من اليهود، ومن الإنجيل إن كانوا من النصارى؛ والحديث في هذه الآيات كلها عن اليهود؛ وتقدم معنى ﴿مصدق لما معهم﴾؛ فكان على اليهود، والنصارى أن يفرحوا بهذا القرآن؛ لأنه مؤيد لما معهم؛ ولكن الأمر كان بالعكس!!!.
قوله تعالى: ﴿نبذ﴾ أي طرح بشدة ﴿فريق﴾ أي جماعة ﴿من الذين أوتوا﴾ أي أُعطوا؛ و ﴿الكتاب﴾: مفعول ثان لـ ﴿أوتوا﴾؛ ومفعولها الأول: الواو، وهي نائب الفاعل؛ و "أل" هنا للعهد الذهني؛ وهو بالنسبة لليهود التوراة؛ وبالنسبة للنصارى الإنجيل؛ و ﴿كتاب الله﴾ أي القرآن؛ وهو مفعول ﴿نبذ﴾؛ وأضيف إلى الله لأنه المتكلم به؛ فالقرآن الذي نقرؤه الآن هو كلام ربنا. ﵎. تكلم به حقيقة بلفظه، ومعناه، وسمعه منه جبريل، ثم أتى به إلى النبي ﷺ فنزل به على قلب النبي ﷺ حتى وعاه، وأداه إلى الصحابة؛ والصحابة أدوه إلى التابعين، وهكذا حتى بقي إلى يومنا هذا. ولله الحمد؛ وسمي القرآن كتاباً، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة؛ وفي الصحف التي بأيدي البشر ..
قوله تعالى: ﴿وراء ظهورهم﴾ أي رموه بشدة وراء الظهر؛ وهو عبارة عن الانصراف التام عنه؛ لأنهم لو نبذوه أمامهم، أو عن اليمين، أو عن الشمال لكان من الجائز أن يكونوا يأخذون
стр. 390
به؛ لكن من ألقاه وراء ظهره كان ذلك أبلغ في التولي، والإعراض عنه، وعدم الرجوع إليه؛ لأن الشيء إذا خُلِّف وراء الظهر فإنه لا يرجع إليه ..
قوله تعالى: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾: "كأن" لها معنى، ولها عمل؛ عملها: عمل "إنّ". تنصب الاسم، وترفع الخبر؛ وأما معناها: فهو هنا التشبيه. يعني كأنهم في نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم لا يعلمون أنه حق ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: أن اليهود لا يوثق منهم بعهد؛ لأنهم كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم ..
. ٢ ومنها: أن نبذ فريق من الأمة يعتبر نبذاً من الأمة كلها. ما لم يتبرؤوا منه؛ فإن تبرؤوا منه فإنهم لا يلحقهم عاره؛ لكن إذا سكتوا فإن نبذ الفريق نبذ للأمة كلهم؛ وجه ذلك أن الله وبخ هؤلاء على نبذ فريق منهم مع أنهم لم يباشروه ..
. ٣ ومنها: أن من أهل الكتاب من لم ينبذ كتاب الله وراء ظهره؛ بل آمن به كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود ..
. ٤ ومنها: أن من نبذ العهد من هذه الأمة فقد ارتكب محظورين:.
أحدهما: النفاق؛ لقول النبي ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف؛ وإذا اؤتمن خان" (١)، وفي