← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يزل، ولا يزال متصفاً بها؛ وأما استواؤه على العرش فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته .. . ٤ ومنها: وصف القرآن بأنه آيات بينات، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: ٧]؛ لأن هذا التشابه يكون متشابهاً على بعض الناس دون بعض؛ ولأنه يُحمل على المحكم، فيكون الجميع محكماً، كما قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ... ﴾ [آل عمران: ٧] الآية .. فالحاصل: أن القرآن. ولله الحمد. آيات بينات؛ ولكنه يحتاج إلى قلب ينفتح لهذا القرآن حتى يتبين؛ أما قلب يكره القرآن، ثم يأتي بما يُشتَبه فيه ليضرب القرآن بعضه ببعض فهذا لا يتبين له أبداً؛ إنما يتبين الهدى من القرآن لمن أراد الهدى؛ وأما من لم يرده فلا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ .. ٥. ومن فوائد الآية: أنه لا يكفر بالقرآن إلا الفاسق .. ٦. ومنها: أن من كفر به فهو فاسق ... ٧ ومنها: إطلاق الفاسق على الكافر؛ وعلى هذا يكون الفسق على نوعين:. فسق أكبر مخرج عن الملة، كما في قوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ١٩، ٢٠] الآية؛ ووجه الدلالة أنه تعالى جعل الفسق هنا مقابلاً للإيمان .. والثاني: فسق أصغر لا يخرج من الإيمان؛ ولكنه ينافي

стр. 387

العدالة، كقوله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]: فعطف ﴿الفسوق﴾ على ﴿الكفر﴾؛ والعطف يقتضي المغايرة .. مسألة: - تنقسم آيات الله تعالى إلى قسمين: كونية، وشرعية؛ فالكونية مخلوقاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والإنسان، وغير ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين﴾ [الروم: ٢٢]؛ وأما الشرعية فهي ما أنزله الله تعالى على رسله من الشرائع، كقوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته﴾ [الجمعة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم .. ﴾ [سبأ: ٤٣] الآية، وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها .. القرآن (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة: ١٠٠) (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠١) التفسير: .. ﴿١٠٠﴾ قوله تعالى: ﴿أوَ كلما﴾: الهمزة هنا للاستفهام؛

стр. 388

والواو للعطف؛ ومثل هذه الصيغة متكررة في القرآن كثيراً؛ وقد سبق الكلام عليها؛ أما ﴿كلما﴾ فإنها أداة شرط تفيد التكرار. أي كثرة وقوع شرطها، وجوابها؛ وكلما حصل الشرط حصل الجواب؛ فإذا قلت: "كلما جاء زيد فأكرمه" اقتضى تكرار إكرامه بتكرر مجيئه قلّ، أو كثر .. قوله تعالى: ﴿عاهدوا عهداً﴾؛ "العهد": الميثاق الذي يكون بين الطوائف سواء كان ذلك بين أمة مسلمة وأمة كافرة؛ أو بين أمتين مسلمتين؛ أو بين أمتين كافرتين؛ والضمير في ﴿عاهدوا﴾ يعود على اليهود؛ ﴿نبذه فريق منهم﴾: "النبذ": الطرح، والترك. أي ترك هذا العهد جماعة منهم. أي من اليهود. فطرحوه، ولم يفوا به؛ وهذا هو حال بني إسرائيل مع الله ، ومع عباد الله؛ فالله تعالى أخذ عليهم العهد، والميثاق؛ ومع ذلك نبذوا العهد، والميثاق؛ والنبي ﷺ عاهدهم، ونبذوا عهده .. قوله تعالى: ﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾: هذا الإضراب للانتقال من وصف إلى وصف: من وصف نقض العهد ونبذه، إلى وصف عدم الإيمان؛ فعليه يكون هذا الإضراب إثباتاً لما قبله، وزيادة وصف. وهو انتفاء الإيمان عن أكثرهم؛ لأن المؤمن حقيقة لا بد أن يفي بالعهد، كما قال الله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]، وأخبر النبي ﷺ أن آية المنافق ثلاث: "إذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر ... " (١)؛ ولو أنهم آمنوا ما نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله، أو الذي بينهم وبين عباد الله ...

стр. 389

﴿١٠١﴾ قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله﴾؛ ﴿لما﴾ هنا شرطية؛ وهي على أربعة أنحاء في اللغة العربية: شرطية؛ ونافية جازمة؛ وبمعنى "إلا"؛ وبمعنى "حين"؛ و ﴿من عند الله﴾ صفة لـ ﴿رسول﴾ أي رسول مرسل من عند الله. وهو محمد ﷺ قوله تعالى: ﴿مصدق لما معهم﴾ أي للذي معهم من التوراة إن كانوا من اليهود، ومن الإنجيل إن كانوا من النصارى؛ والحديث في هذه الآيات كلها عن اليهود؛ وتقدم معنى ﴿مصدق لما معهم﴾؛ فكان على اليهود، والنصارى أن يفرحوا بهذا القرآن؛ لأنه مؤيد لما معهم؛ ولكن الأمر كان بالعكس!!!. قوله تعالى: ﴿نبذ﴾ أي طرح بشدة ﴿فريق﴾ أي جماعة ﴿من الذين أوتوا﴾ أي أُعطوا؛ و ﴿الكتاب﴾: مفعول ثان لـ ﴿أوتوا﴾؛ ومفعولها الأول: الواو، وهي نائب الفاعل؛ و "أل" هنا للعهد الذهني؛ وهو بالنسبة لليهود التوراة؛ وبالنسبة للنصارى الإنجيل؛ و ﴿كتاب الله﴾ أي القرآن؛ وهو مفعول ﴿نبذ﴾؛ وأضيف إلى الله لأنه المتكلم به؛ فالقرآن الذي نقرؤه الآن هو كلام ربنا. ﵎. تكلم به حقيقة بلفظه، ومعناه، وسمعه منه جبريل، ثم أتى به إلى النبي ﷺ فنزل به على قلب النبي ﷺ حتى وعاه، وأداه إلى الصحابة؛ والصحابة أدوه إلى التابعين، وهكذا حتى بقي إلى يومنا هذا. ولله الحمد؛ وسمي القرآن كتاباً، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة؛ وفي الصحف التي بأيدي البشر .. قوله تعالى: ﴿وراء ظهورهم﴾ أي رموه بشدة وراء الظهر؛ وهو عبارة عن الانصراف التام عنه؛ لأنهم لو نبذوه أمامهم، أو عن اليمين، أو عن الشمال لكان من الجائز أن يكونوا يأخذون

стр. 390

به؛ لكن من ألقاه وراء ظهره كان ذلك أبلغ في التولي، والإعراض عنه، وعدم الرجوع إليه؛ لأن الشيء إذا خُلِّف وراء الظهر فإنه لا يرجع إليه .. قوله تعالى: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾: "كأن" لها معنى، ولها عمل؛ عملها: عمل "إنّ". تنصب الاسم، وترفع الخبر؛ وأما معناها: فهو هنا التشبيه. يعني كأنهم في نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم لا يعلمون أنه حق .. الفوائد: . ١ من فوائد الآيتين: أن اليهود لا يوثق منهم بعهد؛ لأنهم كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم .. . ٢ ومنها: أن نبذ فريق من الأمة يعتبر نبذاً من الأمة كلها. ما لم يتبرؤوا منه؛ فإن تبرؤوا منه فإنهم لا يلحقهم عاره؛ لكن إذا سكتوا فإن نبذ الفريق نبذ للأمة كلهم؛ وجه ذلك أن الله وبخ هؤلاء على نبذ فريق منهم مع أنهم لم يباشروه .. . ٣ ومنها: أن من أهل الكتاب من لم ينبذ كتاب الله وراء ظهره؛ بل آمن به كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود .. . ٤ ومنها: أن من نبذ العهد من هذه الأمة فقد ارتكب محظورين:. أحدهما: النفاق؛ لقول النبي ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف؛ وإذا اؤتمن خان" (١)، وفي

стр. 391

الحديث الآخر: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ... " (١)، وذكر منها: "إذا عاهد غدر" .. والمحظور الثاني: مشابهة اليهود .. . ٥ ومنها: أن رسالة النبي ﷺ حق؛ لقوله تعالى: (من عند الله). . ٦ ومنها: أن الرسول ﷺ قد أخبرت به الكتب السابقة؛ لقوله تعالى: (مصدق لما معهم). . ٧ ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تقرر ما سبق من رسالات الرسل، لقوله تعالى: (مصدق لما معهم) .. ٨ ومنها: أنه مع هذا البيان والوضوح، فإن فريقاً من الذين أوتوا الكتاب نبذوا هذا الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ .. . ٩. ومنها: أن نبذ من عنده كتاب وعلم أقبح ممن ليس عنده ذلك؛ ولهذا نص على قوله تعالى: ﴿فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾؛ لإظهار شدة القبح من هؤلاء في نبذهم؛ لأن النبذ مع العلم أقبح من النبذ مع الجهل .. . ١٠ ومنها: أن القرآن كلام الله، لأن الله تعالى أضافه إليه في قوله تعالى: (كتاب الله). . ١١ ومنها: توكيد قبح ما صنع هؤلاء المكذبون؛ لقوله تعالى: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾؛ لأنهم في الواقع يعلمون؛ ولكن

стр. 392

فعلهم كأنه فعل من لم يعلم؛ وكفر من علم أشد من كفر من لم يعلم .. . ١٢ ومنها: أن هذا النبذ الذي كان منهم لا يرجى بعده قبول؛ لقوله تعالى: ﴿وراء ظهورهم﴾؛ لأن النبذ لو كان أمامهم ربما يتلقونه بعد؛ كذلك لو كان عن اليمين، والشمال، لكن إذا كان وراء الظهر فمعناه استبعاد القبول منهم .. ١٣. ومنها: شدة كراهية اليهود للقرآن، واستهانتهم به، حيث نبذوه وراء ظهورهم .. القرآن (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠٢) التفسير: . ﴿١٠٢﴾ قوله تعالى: ﴿واتبعوا﴾ أي اليهود؛ و ﴿تتلو﴾ هنا ليست بمعنى "تقرأ"؛ لكنه من: تلاه يتلوه. بمعنى: "تبعه".؛ أي ما تَتْبعه الشياطين، وتأخذ به؛ ﴿على ملك سليمان﴾ أي في ملكه؛ أي في عهده؛ وإنما قال تعالى: ﴿على ملك سليمان﴾؛

стр. 393

لأن الله جمع له بين النبوة، والملك، ووهبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده: فسخر له الرياح، والجن، والشياطين؛ فإن سليمان ﵇ كان ملكاً نبياً رسولاً؛ وكل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهم أنبياء رسل؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك﴾ [غافر: ٧٨]؛ وعند اليهود. قاتلهم الله. أن سليمان ملك فقط؛ وهو لا ريب ملك، ونبي، ورسول؛ وسليمان كان بعد موسى ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ... ﴾ [البقرة: ٢٤٦] إلى قوله تعالى: ﴿وقتل داود جالوت﴾ [البقرة: ٢٥١]؛ وسليمان هو ابن داود. ﵉ ... قوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان﴾ أي بتعلم السحر؛ أو تعليمِه .. قوله تعالى: ﴿ولكنَّ الشياطينَ كفروا﴾ بتشديد نون ﴿لكنَّ﴾، ونصب ﴿الشياطينَ﴾؛ وفي قراءة سبعية بتخفيف نون ﴿لكن﴾ وإسكانها ثم كسرها تخلصاً من التقاء الساكنين؛ و ﴿الشياطينُ﴾ برفع النون؛ فعلى القراءة الأولى تكون الواو حرف عطف، و ﴿لكنّ﴾ حرف استدراك يعمل عمل "إنّ" ينصب الاسم، ويرفع الخبر، و ﴿الشياطينَ﴾ اسمها، وجملة: ﴿كفروا﴾ خبرها؛ وعلى قراءة التخفيف تكون الواو للعطف، و ﴿لكن﴾ حرف استدراك مبني على السكون حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين، و ﴿الشياطين﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿كفروا﴾ خبر المبتدأ .. وقوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين﴾ جمع شيطان؛ وجاءت بالجمع؛ لأن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض، ويعلم بعضهم

стр. 394

بعضاً؛ و ﴿كفروا﴾: فسَّر هذا بقوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾؛ و"السحر" في اللغة هو كل شيء خفيَ سببه، ولطف؛ ومنه قول الرسول ﷺ : "إن من البيان لسحراً" (١)؛ لأن البيان. وهو الفصاحة. يجذب النفوس، والأسماع حتى إن الإنسان يجد من نفسه ما يشده إلى سماع هذا البيان، والتأثر به، فيسحر الناس؛ لكن ليس هو السحر الذي ورد ذمه؛ وإنما المراد بالسحر المذموم: عُقَد، ورُقى ينفث فيها الساحر، فيؤثر في بدن المسحور، وعقله؛ وهو أنواع: منه ما يقتل؛ ومنه ما يمرض؛ ومنه ما يزيل العقل، ويخدر الإنسان؛ ومنه ما يغير حواس المرء، بحيث يسمع ما لم يكن، أو يشاهد الساكن متحركاً، أو المتحرك ساكناً؛ ومنه ما يجلب المودة؛ ومنه ما يوجب البغضاء؛ المهم أن السحر أنواع؛ وأهله يعرفون هذه الأنواع .. قوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ جملة حالية من الفاعل في ﴿كفروا﴾ يعني حال كونهم يعلمون الناس السحر؛ ويجوز أن تكون استئنافية لبيان نوع كفرهم .. قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ يعني واتبعوا أيضاً ما أنزل على الملكين؛ والجملة معطوفة على قوله: ﴿واتبعوا ما تتلو﴾؛ و ﴿الملَكين﴾ بفتح اللام تثنية ملَك؛ والفرق بين "ملَك" و"ملِك" أن "الملَك" بفتح اللام واحد الملائكة؛ و"الملِك" بكسر اللام: الحاكم الذي له سلطة؛

стр. 395

و "بابل" اسم لبلد في العراق؛ و ﴿هاروت وماروت﴾ عطف بيان على ﴿الملكين﴾ لبيان اسمهما؛ وهما اسمان أعجميان؛ والمنزَّل عليهما شيء من أنواع السحر .. قوله تعالى: ﴿وما يعلِّمان﴾ أي الملكان هاروت، وماروت ﴿من أحد﴾ أي أحداً؛ وزيدت ﴿مِن﴾ للتوكيد .. قوله تعالى: ﴿حتى يقولا إنما نحن فتنة﴾ أي اختبار للناس؛ ليتبين من يريد السحر ممن لا يريده .. قوله تعالى: ﴿فلا تكفر﴾ أي بتعلم السحر ﴿فيتعلمون﴾ أي الناس ﴿ما يفرقون به﴾ أي سحراً يفرقون به ﴿بين المرء وزوجه﴾؛ ويسمى هذا النوع من السحر "الصرف"؛ ويقابله سحر "العطف"؛ وهو من أشد أنواع السحر؛ لأنه يصل بصاحبه إلى الهيمان، والخبل .. قوله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد﴾ أي ما هؤلاء المتعلمون للسحر بضارين به أحداً ﴿إلا بإذن الله﴾ أي إلا بإذنه القدري. وهو بمعنى المشيئة.؛ و ﴿مِن﴾ في قوله تعالى: ﴿من أحد﴾ زائدة للتوكيد. قوله تعالى: ﴿ويتعلمون﴾ أي الناس من الملكين ﴿ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ أي ما مضرته محضة لا نفع فيها .. قوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾: الجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام الواقعة في جوابه، و "قد"؛ و ﴿لمن اشتراه﴾: اللام لام الابتداء؛ وهي معلِّقة للفعل ﴿علموا﴾ عن العمل؛ و "مَن" مبتدأ؛ وخبره جملة: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ أي نصيب؛ والجملة في محل نصب سدت

стр. 396

مسد مفعولَي ﴿علموا﴾ أي علم هؤلاء المتعلمون للسحر أن من ابتغاه بتعلمه ليس له نصيب في الآخرة؛ وعلموا ذلك من قول الملكين: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) قوله تعالى: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾: اللام موطئة للقسم؛ والتقدير: والله لبئس ما شروا به أنفسهم؛ و "بئس" فعل ماض لإنشاء الذم. وهو جامد.؛ ومثله: "نعم"، و"عسى"، و"ليس"؛ ويسمونها الأفعال الجامدة؛ لأنها لا تتغير عن صيغتها: فلا تكون مضارعاً، ولا أمراً؛ و ﴿ما﴾ اسم موصول؛ وهي فاعل "بئس"؛ والمخصوص بالذم محذوف؛ و ﴿شروا﴾ بمعنى باعوا في اللغة العربية؛ لأن الشراء بيع؛ و"الاشتراء" هو أخذ السلعة؛ فالمشتري طالب؛ والشاري جالب، قال الله : ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ [البقرة: ٢٠٧] يعني يبيعها؛ فقوله تعالى: ﴿لبئس ما شروا به أنفسهم﴾ أي باعوا به أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا السحر، الثمن الذي بذلوه في هذا السحر: أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة خسروا أنفسهم؛ صارت الدنيا الآن ليس لهم فيها ربح إطلاقاً؛ والآخرة ليس لهم فيها ربح أيضاً؛ فخسروا الدنيا، والآخرة .. قوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾: جملة شرطية؛ وجوابها محذوف تقديره: ما تعلَّموا السحر؛ يعني: لو كانوا من ذوي العلم المنتفعين بعلمهم ما تعلموا السحر؛ وهنا ينبغي للقارئ أن يبتدئ بـ ﴿لو﴾، وأن يقف على ﴿ما شروا به أنفسهم﴾؛ لأن الوصل يوهم أن محل الذم في حال علمهم؛ أما في حال عدم علمهم فليس مذموماً! وهذا خلاف المعنى المراد؛ إذ المعنى

стр. 397

المراد: توبيخهم، حيث عملوا عمل الجاهل؛ فقوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ نداء عليهم بالجهل .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾؛ ويدل على هذا أن أحدهم. وهو لبيد بن الأعصم. سحر النبي ﷺ . (١) ٢. ومنها: أن السحر من أعمال الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿ما تتلو الشياطين] .. . ٣ ومنها: أن الشياطين كانوا يأتون السحر على عهد سليمان مع قوة سلطانه عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ .. . ٤ ومنها: أن سليمان لا يقر ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان﴾؛ إذ لو أقرهم على ذلك. وحاشاه. لكان مُقراً لهم على كفرهم .. . ٥ ومنها: أن تعلم السحر، وتعليمه كفر؛ وظاهر الآية أنه كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، وقوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾؛ وهذا فيما إذا كان السحر عن طريق الشياطين؛ أما إذا كان عن طريق الأدوية، والأعشاب، ونحوها ففيه خلاف بين العلماء ..

стр. 398

واختلف العلماء. ﵏. هل تقبل توبته، أو لا؟ والراجح أنها تقبل فيما بينه وبين الله ؛ أما قتله فيرجع فيه إلى القواعد الشرعية، وما يقتضيه اجتهاد الحاكم .. . ٦ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد ييسر أسباب المعصية فتنةً للناس. أي ابتلاءً.، وامتحاناً؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة﴾؛ فإياك إياك إذا تيسرت لك أسباب المعصية أن تفعلها؛ واذكر قصة بني إسرائيل حين حُرِّم عليهم الصيد يوم السبت. أعني صيد البحر.؛ فلم يصبروا حتى تحيلوا على صيدها يوم السبت؛ فقال لهم الله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥]؛ واذكر قصة أصحاب محمد ﷺ حين ابتلاهم الله وهم محرِمون بالصيد تناله أيديهم، ورماحهم؛ فلم يُقدم أحد منهم عليه حتى يتبين لك حكمة الله. ﵎. في تيسير أسباب المعصية؛ ليبلوَ الصابر من غيره .. . ٧ ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس. وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه.؛ لقوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما فتنة فلا تكفر﴾؛ فإذا كانت عندك سلعة رديئة، وأراد أحد شراءها يجب عليك أن تُحذِّره ... ٨ ومنها: أنّ من عِظم السحر أن يكون أثره التفريق بين المرء، وزوجه؛ لقوله تعالى: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾؛ لأنه من أعظم الأمور المحبوبة إلى الشياطين، كما ثبت في الحديث الصحيح أن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول

стр. 399

فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: "نِعْم أنت" (١)؛ وفيه سحر مقابل لهذا: وهو الربط بين المرء، وزوجه؛ حتى إنه. والعياذ بالله. يُبتلى بالهيام؛ فلا يستطيع أن يعيش. ولا لحظة. إلا وزوجته أمامه؛ وبعضهم يقضي عليه هذا الأمر. نسأل الله العافية ... . ٩ ومن فوائد الآية: أن الأسباب. وإن عظمت. لا تأثير لها إلا بإذن الله ؛ لقوله تعالى: (وما هم بضارِّين به من أحد إلا بإذن الله) . ١٠ ومنها: أن قدرة الله فوق الأسباب؛ وأنه مهما وجدت الأسباب. والله لم يأذن. فإن ذلك لا يؤثر؛ وهذا لا يوجب لنا أن لا نفعل الأسباب؛ لأن الأصل أن الأسباب مؤثرة بإذن الله .. . ١١ ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي اللجوء إلى الله دائماً؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذن الله﴾؛ فإذا علمت أن كل شيء بإذن الله فإذاً تلجأ إليه في جلب المنافع، ودفع المضار .. ١٢. ومنها: أنّ تعلم السحر ضرر محض، ولا خير فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾؛ فأثبت ضرره، ونفى نفعه ... ١٣ ومنها: أن كفر الساحر كفر مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾

стр. 400

يعني: من نصيب؛ وليس هناك أحد ليس له نصيب في الآخرة إلا الكفار؛ فالمؤمن مهما عذب فإن له نصيباً من الآخرة .. . ١٤ ومنها: أن هؤلاء اليهود تعلموا السحر عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ .. . ١٥ ومنها: إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل؛ فإن الكافر لما لم يجعل لله نصيباً في دنياه لم يجعل الله له نصيباً من الآخرة .. . ١٦ ومنها: ذم هؤلاء اليهود بما اختاروه لأنفسهم؛ لقوله تعالى: (ولبئس ما شروا به أنفسهم) . ١٧ ومنها: أن صاحب العلم الذي يَنتفِع بعلمه هو الذي يحذر مثل هذه الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ يعني: لو كانوا ذوي علم نافع ما اشتروا هذا العلم الذي يضرهم، ولا ينفعهم؛ والذي علموا: أنّ من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق .. القرآن (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠٣) التفسير:. ﴿١٠٣﴾ قوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا﴾ أي بقلوبهم ﴿واتقوا﴾ أي بجوارحهم؛ فالإيمان بالقلب؛ والتقوى بالجوارح؛ هذا إذا جمع بينهما؛ وإن لم يجمع بينهما صار الإيمان شاملاً للتقوى، والتقوى شاملة للإيمان؛ لقول النبي ﷺ "التقوى

стр. 401

هاهنا" (١) وأشار إلى قلبه؛ والإيمان عند أهل السنة والجماعة: "التصديق مع القبول، والإذعان"؛ وإلا فليس بإيمان؛ و "التقوى" أصلها: وَقْوَى؛ وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في معناها؛ وإلا فبعضهم قال: "التقوى" أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله؛ وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ وبعضهم قال في تعريف "التقوى". (خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى) (واعمل كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى) (لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى) وقوله تعالى: ﴿ولو أنهم﴾: "أن" هنا مفتوحة الهمزة؛ و"أن" من الحروف المصدرية التي تؤول، وما بعدها بمصدر فاعل لفعل محذوف؛ والتقدير: لو ثبت أنهم آمنوا. أي إيمانهم .. قوله تعالى: ﴿لمثوبة﴾؛ "المثوبة"، و "الثواب" بمعنى الجزاء؛ وسمي بذلك؛ لأنه من ثاب يثوب: إذا رجع؛ لأن الجزاء كأنه عمَلُ الإنسان رجع إليه، وعاد إليه منفعته، وثمرته .. قوله تعالى: ﴿من عند الله﴾ أضافها الله إلى نفسه، وجعلها من عنده لأمرين:. الأول: أنها تكون أعظم مما يتصوره العبد؛ لأن العطاء من العظيم عظيم؛ فالعطية على حسب المعطي؛ عطية البخيل قليلة؛ وعطية الكريم كثيرة ..

стр. 402

الثاني: اطمئنان العبد على حصولها؛ لأن الله لا يخلف الميعاد .. قوله تعالى: ﴿خير﴾: الأَولى أن نقول: هي خيرية مطلقة. خير من كل شيء.؛ واللام في قوله: ﴿لمثوبة﴾ واقعة في جواب ﴿لو﴾؛ ويوقف عند قوله: ﴿لمثوبة من عند الله خير﴾؛ ولا توصل بما بعدها؛ لأنها لو وصلت به لاختل المعنى، حيث تكون مع الوصل: المثوبة خير بشرط العلم؛ والأمر ليس كذلك؛ وعلى هذا فجواب ﴿لو كانوا يعلمون﴾ محذوف تقديره: لآمنوا واتقوا .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: سعة حلم الله، حيث يعرض عليهم الإيمان، والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا﴾ يعني فيما مضى، وفيما يستقبل؛ وهذه من سنته أن يعرض التوبة على المذنبين؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ البروج: ١٠]: يُحَرِّقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿ثم لم يتوبوا .. . ٢ ومنها: أن الإيمان يُنال به ثواب الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير .. . ٣ ومنها: أن ثواب الله خير لمن آمن واتقى من الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير﴾ أي خير من كل شيء؛ قال رسول الله ﷺ : "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا، وما فيها (١) " ..

стр. 403

٤ ويؤخذ منها: ومن قوله تعالى عن الناصحين لمن تمنوا أن يكون لهم مثل ما لقارون: ﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً﴾ [القصص: ٨٠]، أنّ التقوى هي العمل الصالح .. . ٥ ومنها: أن فعل هؤلاء اليهود، واختيارهم لما فيه الكفر من تعلم السحر فعلُ الجاهل؛ لقوله تعالى: (لو كانوا يعلمون). القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة: ١٠٤) التفسير:. ﴿١٠٤﴾ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾: تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك. يعني استمع لها.؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١). وهذه الآية من النهي: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ يعني

стр. 404

لا تقولوا عند مخاطبة النبي ﷺ راعنا؛ و ﴿راعنا﴾ من المراعاة؛ وهي العناية بالشيء، والمحافظة عليه؛ وكان الصحابة إذا أرادوا أن يتكلموا مع الرسول ﷺ قالوا: "يا رسول الله، راعنا"؛ وكان اليهود يقولون: "يا محمد، راعنا"؛ لكن اليهود يريدون بها معنى سيئاً؛ يريدون "راعنا" اسم فاعل من الرعونة؛ يعني أن الرسول ﷺ راعن؛ ومعنى "الرعونة" الحمق، والهوج؛ لكن لما كان اللفظ واحداً وهو محتمل للمعنيين نهى الله المؤمنين أن يقولوه تأدباً، وابتعاداً عن سوء الظن؛ ولأن من الناس من يتظاهر بالإيمان. مثل المنافقين. فربما يقول: "راعنا" وهو يريد ما أرادت اليهود؛ فلهذا نُهي المسلمون عن ذلك .. قوله تعالى: ﴿وقولوا انظرنا﴾ يعني إذا أردتم من الرسول أن ينتظركم فلا تقولوا: ﴿راعنا﴾؛ ولكن قولوا: ﴿انظرنا﴾: فعل طلب؛ و"النظر" هنا بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠]، أي ما ينتظر هؤلاء .. قوله تعالى: ﴿واسمعوا﴾ فعل أمر من السمع بمعنى الاستجابة؛ أي اسمعوا سماع استجابة، وقبول، كما قال تعالى:

стр. 405

﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ [الأنفال: ٢١] يعني اسمعوا ما تؤمرون به فافعلوه، وما تنهون عنه فاتركوه .. قوله تعالى: ﴿وللكافرين عذاب أليم﴾؛ المراد بـ "الكافرين" هنا اليهود؛ و ﴿عذاب﴾ بمعنى عقوبة؛ و ﴿أليم﴾ بمعنى مؤلم .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: أنه ينبغي استعمال الأدب في الألفاظ؛ يعني أن يُتجنب الألفاظ التي توهم سبًّا، وشتماً؛ لقوله تعالى: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ... ٢ ومنها: أن الإيمان مقتضٍ لكل الأخلاق الفاضلة؛ لأن مراعاة الأدب في اللفظ من الأخلاق الفاضلة .. . ٣ ومنها: أن مراعاة الأخلاق الفاضلة من الإيمان .. . ٤ ومنها: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء أن يدل الناس على بدله المباح؛ فلا ينهاهم، ويجعلهم في حيرة .. . ٥ ومنها: وجوب الانقياد لأمر الله ورسوله؛ لقوله تعالى: (واسمعوا) . ٦ ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله، وأنها من أعمال الكافرين؛ لقوله تعالى: (وللكافرين عذاب أليم) القرآن (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (البقرة: ١٠٥)

стр. 406

التفسير: . ﴿١٠٥﴾ قوله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين﴾؛ ﴿ما﴾ نافية؛ و ﴿يود﴾ بمعنى يحب؛ و "الود" خالص المحبة؛ و ﴿مِن﴾ هنا لبيان الجنس؛ وليست للتبعيض؛ وعليه يصير المعنى أن أهل الكتاب كلهم كفار؛ ﴿ولا المشركين﴾ معطوفة على قوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب﴾ يعني: ما يود الذين كفروا من هؤلاء، ولا هؤلاء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولا المشركين﴾؛ لأنها لو كانت معطوفة على ﴿الذين كفروا﴾ لكانت بالرفع؛ فعلى هذا تكون ﴿من﴾ لبيان الجنس؛ أي الذين كفروا من هذا الصنف. الذين هم أهل الكتاب؛ وكذلك من المشركين .. قوله تعالى: ﴿أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾: ﴿أن ينزل﴾ مفعول ﴿يود﴾ يعني: ما يودون تنزيل خير؛ وقوله تعالى: ﴿من خير﴾: ﴿مِن﴾ زائدة إعراباً؛ و "الخير" هنا يشمل خير الدنيا، والآخرة، القليل والكثير؛ لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود، والنصارى، ومن المشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا؛ لأنهم ما يودون أن ينزل علينا أيّ خير؛ ولو تمكنوا أن يمنعوا العلم النافع عنا لفعلوا؛ وهذا ليس خاصاً بأهل الكتاب والمشركين في زمان الرسول ﷺ ؛ بل هو عام؛ ولهذا جاء بصيغة المضارع: ﴿ما يود﴾؛ وهو دال على الاستمرار .. وقوله تعالى: ﴿ينزَّل﴾ بتشديد الزاي؛ وفي قراءة بدون تشديد؛ والفرق بينهما أن "التنزيل": هو إنزاله شيئاً فشيئاً؛ وأما "الإنزال": فهو إنزاله جملة واحدة؛ هذا هو الأصل؛ فهم لا

стр. 407

يودون هذا، ولا هذا: لا أن ينزل علينا الخير جملة واحدة؛ ولا أن ينزل شيئاً فشيئاً .. قوله تعالى: ﴿والله يختص برحمته من يشاء﴾؛ "يختص" تستعمل لازمة، ومتعدية؛ فإن كانت لازمة فإن ﴿مَن﴾ فاعل ﴿يختص﴾؛ والمعنى على هذا: ينفرد برحمته من يشاء؛ كما تقول: اختصصت بهذا الشيء: أي انفردت به؛ وإن كانت متعدية فهي بمعنى: يخص برحمته من يشاء؛ وعلى هذا فتكون ﴿مَن﴾ مفعولاً به لـ ﴿يختص﴾؛ وعلى كلا الوجهين المعنى واحد: أي أن الله يخص برحمته من يشاء؛ فيختص بها .. وقوله تعالى: ﴿برحمته﴾ يشمل رحمة الدين، والدنيا؛ ومن ذلك رحمة الله بإنزال هذا الوحي على محمد ﷺ ؛ لأن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ هو من رحمة الله عليه، وعلينا، كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: ١٠٧). وقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾ هذا مقرون بالحكمة؛ يعني اختصاصه بالرحمة لمن يشاء مبني على حكمته ؛ فمن اقتضت حكمته ألا يختصه بالرحمة لم يرحمه .. قوله تعالى: ﴿والله ذو الفضل﴾ أي ذو العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة؛ و ﴿العظيم﴾ أي الواسع الكثير الكبير؛ فالعِظم هنا يعود إلى الكمية، وإلى الكيفية .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: بيان عداوة غير المسلمين للمسلمين؛ لأنه تعالى ذكر صنفين ينتظمان جميع الأصناف: أهل الكتاب.

стр. 408

وهم اليهود، والنصارى.؛ والمشركين. وهم كل أصحاب الأوثان.؛ فكل هؤلاء أعداء للمسلمين؛ لأنهم لا يودون الخير للمسلمين .. . ٢ ومنها: أنه يجب علينا أن نحذر من كل تصرف يصدر عن اليهود، والنصارى، والمشركين، ونتخذهم أعداءً، وأن نعلم أنهم بجميع تصرفاتهم يحاولون أن يمنعوا الخير عن المسلمين .. . ٣ ومنها: أن هؤلاء الكفار يودون أن يمنعوا عن المسلمين التقدم ... ٤ ومنها: أنه يحرم على المسلمين أن يُوَلُّوا هؤلاء الكفار أيّ قيادة؛ لأنهم ما داموا لا يودون لنا الخير فلن يقودونا لأيّ خير مهما كان الأمر؛ ولهذا يحرم أن يجعل لهم سلطة على المسلمين لا في تخطيط، ولا في نظام، ولا في أي شيء؛ بل يجب أن يكونوا تحت إمرة المسلمين، وتحت تدبيرهم ما أمكن؛ وإذا استعنا بهم فإنما نستعين بهم لإدراك مصالحنا وهم تحت سلطتنا؛ لأنهم لو استطاعوا أن يمنعوا القطر وينبوع الأرض عن المسلمين لفعلوا؛ إذاً فيجب علينا الحذر من مخططاتهم، وأن نكون دائماً على سوء ظن بهم؛ لأن إحسان الظن بهم في غير محله؛ وإنما يحمل عليه الذل، وضعف الشخصية، والخور، والجبن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾؛ وهي شاملة لخير الدنيا، والآخرة؛ فاليهود حسدوا المسلمين لما آمنوا بمحمد ﷺ ، ونزل عليهم هذا الكتاب .. . ٥ ومن فوائد الآية: أن خير الله لا يجلبه ودّ وادّ، ولا

стр. 409

يرده كراهة كاره؛ لقوله تعالى: ﴿والله يختص برحمته من يشاء﴾؛ فلا يمكن لهؤلاء اليهود، والنصارى، والمشركين أن يمنعوا فضل الله علينا؛ وعلى هذا جاء الحديث الصحيح: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك (١) " .. . ٦. ومنها: أن الإنسان الذي لا يود الخير للمسلمين فيه شبه باليهود، والنصارى؛ لأن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ... ٧ ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾؛ ومشيئته تعالى عامة في كل شيء سواء كان من أفعاله، أو من أفعال عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: ٢٩]؛ وأما ما يتعلق بأفعاله تعالى فالأمثلة عليه كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾ [فاطر: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿والله يفعل ما يشاء﴾، وغير ذلك من الآية .. . ٨ ومن فوائد الآية: إثبات الرحمة لله؛ لقوله تعالى: (برحمته)

стр. 410

٩ ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿يختص﴾؛ لأن التخصيص يدل على الإرادة .. . ١٠ ومنها: إثبات الفضل لله؛ لقوله تعالى: (ذو الفضل) . ١١ ومنها: إثبات أن فضله ليس كفضل غيره؛ ففضل غيره محدود؛ وأما فضل الله ففضل عظيم لا حدود له؛ فإن الله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم؛ ومن فضله ﵎ أنه خص هذه الأمة بخصائص عظيمة كثيرة ما جعلها لأحد سواها؛ منها ما جاء في حديث جابر في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ؛ وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي؛ وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (١) .. تنبيه:. لا يعارض هذه الآية قوله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة: ٨٢]؛ لأن هذه الآية في صنف معين من النصارى: وهم الذين منهم القسيسون، والرهبان الذين من

стр. 411

صفاتهم أنهم لا يستكبرون؛ فإذا وجد هذا الصنف في عهد الرسول، أو بعده انطبقت عليه الآية؛ لكن اختلفت حال النصارى منذ زمن بعيد؛ نسأل الله أن يعيد للمسلمين عزتهم وكرامتهم، حتى يعرفوا حقيقة عداوة النصارى، وغيرهم من أهل الكفر، فيعدوا لهم العدة .. القرآن (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ١٠٦) التفسير: . ﴿١٠٦﴾ قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ فيها ثلاث قراءات؛ الأولى: بفتح النون الأولى في ﴿نَنسخ﴾؛ وضمها في ﴿نُنسها﴾ بدون همز؛ والثانية: بفتح النون الأولى في ﴿نَنسخ﴾؛ وفتحها في ﴿نَنسأها﴾ مع الهمز؛ والثالثة بضم النون الأولى في ﴿نُنسخ﴾؛ وضمها في ﴿نُنسها﴾ بدون همز .. قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية ... ﴾؛ ﴿ما﴾: شرطية؛ وهي اسم شرط جازم يجزم فعلين؛ الأول: فعل الشرط: ﴿ننسخ﴾؛ والثاني: جوابه: ﴿نأت﴾؛ وأما قوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾ فهي معطوفة على (ننسخ) وقوله تعالى: ﴿ننسخ من آية أو ننسها﴾ بضمير الجمع للتعظيم؛ وليس للتعدد؛ لأن الله واحد؛ و"النسخ" معناه في اللغة: الإزالة؛ أو ما يشبه النقل؛ فالأول كقولهم: "نسخت

стр. 412

الشمس الظل" يعني أزالته؛ والثاني كقولهم: "نسخت الكتاب"؛ إذ ناسخ الكتاب لم يزله، ولم ينقله؛ وإنما نقش حروفه، وكلماته؛ لأنه لو كان "نسخ الكتاب" يعني نقله كان إذا نسخته انمحت حروفه من الأول؛ وليس الأمر كذلك؛ أما في الشرع: فإنه رفع حكم دليل شرعي، أو لفظه، بدليل شرعي؛ و ﴿مِن﴾ لبيان الجنس؛ لأن ﴿ما﴾ اسم شرط جازم مبهم؛ والمراد بـ "الآية" الآية الشرعية؛ لأنها محل النسخ الذي به الأمر والنهي دون الآية الكونية .. وقوله: ﴿ننسها﴾ من النسيان؛ وهو ذهول القلب عن معلوم؛ وأما ﴿ننسأها﴾ فهو من "النسأ"؛ وهو التأخير؛ ومعناه: تأخير الحكم، أو تأخير الإنزال؛ أي أن الله يؤخر إنزالها، فتكون الآية لم تنزل بعد؛ ولكن الله أبدلها بغيرها؛ وأما على قراءة ﴿ننسها﴾ فهو من النسيان؛ بمعنى نجعل الرسول ﷺ ينساها، كما في قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله﴾ [الأعلى: ٦. ٧]؛ والمراد به هنا رفع الآية؛ وليس مجرد النسيان؛ لأن مجرد النسيان لا يقتضي النسخ؛ فالنبي ﷺ قد ينسى بعض الآية؛ وهي باقية كما في الحديث: "أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه فقال له رجل: تركت آية كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : هلَّا أذكرتنيها (١) " .. قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾ هو جواب الشرط؛ والخيرية

стр. 413

هنا بالنسبة للمكلف؛ ووجه الخيرية. كما يقول العلماء. أن النسخ إن كان إلى أشد فالخيرية بكثرة الثواب؛ وإن كان إلى أخف فالخيرية بالتسهيل على العباد مع تمام الأجر؛ وإن كان بالمماثل فالخيرية باستسلام العبد لأحكام الله ، وتمام انقياده لها، كما قال تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣] .. قوله تعالى: ﴿أو مثلها﴾ أي نأتي بمثلها .. قوله تعالى: ﴿ألم تعلم﴾ الهمزة هنا للاستفهام؛ والمراد به التقرير؛ وكلما جاءت على هذه الصيغة فالاستفهام فيها للتقرير، مثل: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١]؛ فقوله تعالى: ﴿ألم تعلم﴾ يقرر الله المخاطَب. سواء قلنا: إنه الرسول ﷺ ؛ أو كل من يتأتى خطابه. بالاستفهام بأنه يعلم ﴿أن الله على كل شيء قدير﴾؛ يعني أنك قد علمت قدرة الله على كل شيء؛ ومنها القدرة على النسخ .. وقوله تعالى: ﴿قدير﴾: لما أريد بها الوصف جاءت على صيغة "فعيل"؛ لكن إذا أريد بها الفعل تكون بصيغة "الفاعل"، كما في قوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥]؛ و "القدرة" صفة تقوم بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز؛ و"القوة" صفة تقوم بالقوي بحيث يفعل الفعل بلا ضعف؛ إذاً المقابل للقدرة: العجز؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤]؛ والمقابل للقوة: الضعف، قال تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة﴾ [الروم:

стр. 414

٥٤]؛ والفرق الثاني بينهما: أن "القوة" يوصف بها من له إرادة، وما ليس له إرادة؛ فيقال: رجل قوي؛ وحديد قوي؛ وأما "القدرة" فلا يوصف بها إلا ذو إرادة؛ فلا يقال: حديد قادر .. تنبيه:. من هذا الموضع من السورة إلى ذكر تحويل القبلة في أول الجزء الثاني تجد أن كل الآيات توطئة لنسخ استقبال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ ولهذا تجد الآيات بعدها كلها في التحدث مع أهل الكتاب الذين أنكروا غاية الإنكار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: ثبوت النسخ، وأنه جائز عقلاً، وواقع شرعاً؛ وهذا ما اتفقت عليه الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني؛ فإنه زعم أن النسخ مستحيل؛ وأجاب عما ثبت نسخه بأن هذا من باب التخصيص؛ وليس من باب النسخ؛ وذلك لأن الأحكام النازلة ليس لها أمد تنتهي إليه؛ بل أمدها إلى يوم القيامة؛ فإذا نُسِخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ. أي أخرجناه من الحكم.؛ فمثلاً: وجوب مصابرة الإنسان لعشرة حين نزل كان واجباً إلى يوم القيامة شاملاً لجميع الأزمان؛ فلما نُسخ أخرج بعض الزمن الذي شمله الحكم، فصار هذا تخصيصاً؛ وعلى هذا فيكون الخلاف بين أبي مسلم وعامة الأمة خلافاً لفظياً؛ لأنهم متفقون على جواز هذا الأمر؛ إلا أنه يسميه تخصيصاً؛ وغيره يسمونه نسخاً؛ والصواب تسميته نسخاً؛ لأنه صريح القرآن: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾؛ ولأنه هو الذي جاء عن السلف ..

стр. 415

٢ ومن فوائد الآية: أن الناسخ خير من المنسوخ؛ لقوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾؛ أو مماثل له عملاً. وإن كان خيراً منه مآلاً.؛ لقوله تعالى: (أو مثلها) . ٣ ومنها: أن أحكام الله تختلف في الخيرية من زمان إلى زمان؛ بمعنى أنه قد يكون الحكم خيراً للعباد في وقت؛ ويكون غيره خيراً لهم في وقت آخر .. . ٤ ومنها: عظمة الله لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ﴾: فإن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو أهل العظمة ... ٥. ومنها: إثبات تمام قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾؛ ومن ذلك أنه قادر على أن ينسخ ما يشاء .. . ٦ ومنها: أن قدرة الله عامة شاملة؛ لقوله تعالى: (أن الله على كل شيء قدير). . ٧ ومنها: أن القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية؛ فالأمور القدرية الكونية الله قادر عليها؛ فإذا كان قادراً عليها فكذلك الأمور الشرعية المعنوية؛ وهذا هو الحكمة في قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ بعد ذكر النسخ .. . ٨ ومنها: أن الشريعة تابعة للمصالح؛ لأن النسخ لا يكون إلا لمصلحة؛ فإن الله لا يبدل حكماً بحكم إلا لمصلحة .. قد يقول قائل: ما الفائدة إذاً من النسخ إذا كانت مثلها والله تعالى حكيم لا يفعل شيئاً إلا لحكمة؟ فالجواب: أن الفائدة اختبار المكلف بالامتثال؛ لأنه إذا امتثل

стр. 416

الأمر أولاً وآخراً، دل على كمال عبوديته؛ وإذا لم يمتثل دل على أنه يعبد هواه، ولا يعبد مولاه؛ مثال ذلك: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ هذا بالنسبة للمكلف ليس فيه فرق أن يتجه يميناً، أو شمالاً؛ إنما الحكمة من ذلك اختبار المرء بامتثاله أن يتجه حيثما وجه؛ أما المتجَه إليه، وكونه أولى بالاتجاه إليه فلا ريب أن الاتجاه إلى الكعبة أولى من الاتجاه إلى بيت المقدس؛ ولهذا ضل من ضل، وارتد من ارتد بسبب تحويل القبلة: قال الله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ﷺ ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فالإنسان يبتلى بمثل هذا النسخ؛ إن كان مؤمناً عابداً لله قال: سمعت وأطعت؛ وإن كان سوى ذلك عاند، وخالف: يقول: لماذا هذا التغيير! فيتبين بذلك العابد حقاً، ومن ليس بعابد ... ٩ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى وعد بأنه لا يمكن أن ينسخ شيئاً إلا أبدله بخير منه، أو مثله؛ ووعده صدق .. . ١٠ ومنها: ذكر ما يطمئن به العبد حين يخشى أن يقلق فكره؛ لقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) القرآن (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة: ١٠٧) التفسير: . ﴿١٠٧﴾ قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات

стр. 417

والأرض﴾ أي أن الله وحده الذي له ملك السموات، والأرض: ملك الأعيان، والأوصاف، والتدبير؛ فأعيان السموات، والأرض، وأوصافها ملك لله؛ و"التدبير" يعني أنه تعالى يملك التدبير فيها كما يشاء: لا معارض له، ولا ممانع؛ و ﴿السموات﴾ جمع سماء؛ ويُطلق على العلو، وعلى السقف المحفوظ. وهو المراد هنا.؛ وهي سبع سموات كما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية؛ و ﴿الأرض﴾ أي جنس الأرضين، فيشمل السبع كلها .. قوله تعالى: ﴿وما لكم من دون الله﴾ أي من سواه؛ ﴿من ولي﴾: فعيل بمعنى مفعل؛ أي ما من أحد يتولاكم فيجلب لكم الخير؛ ﴿ولا نصير﴾ أي ولا ناصر يدفع عنكم الشر؛ و ﴿مِن﴾: حرف جر زائد إعراباً؛ ولكنه أصلي المعنى؛ إذ إن الغرض منه التنصيص على العموم؛ يعني ما لكم أيّ ولي .. الفوائد:. ١ من فوائد الآية: تقرير عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾؛ ولا يرد على هذا إضافة الملك للإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]؛ فإن هذه الإضافة ليست على سبيل الإطلاق؛ لأن ملك الإنسان للأشياء ملك محدود، وناقص، وقاصر؛ محدود من حين استيلائه عليه إلى أن يخرج عن ملكه ببيع، أو هبة، أو موت، أو غير ذلك؛ كذلك هو ناقص: فهو لا يملك التصرف فيه كما يشاء؛ بل تصرفه مقيد بما يباح له شرعاً؛ ولهذا لو أراد أن يحرق ملكه لم يملك ذلك؛ كذلك أيضاً ملك

стр. 418

الإنسان قاصر؛ فهو لا يملك إلا ما تحت يده؛ فلا يشمل ملك الآخرين .. . ٢ ومن فوائد الآية: اختصاص ملك السموات، والأرض بالله؛ وهذا مأخوذ من تقديم الخبر، حيث إن تقديم الخبر يدل على الحصر؛ لقوله تعالى: ﴿له ملك السموات والأرض﴾ .. . ٣ ومنها: أن من ملك الله أنه ينسخ ما يشاء، ويثبت؛ فكأن قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ تعليل لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾؛ فالمالك للسموات والأرض يتصرف فيهما كما شاء .. . ٤ ومنها: أنه لا أحد يدفع عن أحد أراد الله به سوءاً؛ لقوله تعالى: ﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير . ٥ ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه في طلب الولاية، والنصر .. فإذا قال قائل: إن الله يقول: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٢]، ويقول تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ [التوبة: ٤٠]؛ فأثبت نصراً لغير الله .. فالجواب: أن إثبات النصر لغير الله إثبات للسبب فقط؛ وليس نصراً مستقلاً؛ والنصر المستقل من عند الله؛ أما انتصار بعضنا ببعض فإنه من باب الأخذ بالأسباب؛ وليس على وجه الاستقلال ... ٦ ومن فوائد الآية: أن ما يريده الإنسان فهو إما جلب منفعة يحتاج إلى ولي يجلبها له؛ وإما دفع مضرة يحتاج إلى نصير يدفعها عنه ..

стр. 419

القرآن (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (البقرة: ١٠٨) التفسير: . ﴿١٠٨﴾ قوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسألوا﴾؛ ﴿أم﴾ هنا منقطعة بمعنى "بل" وهمزة الاستفهام؛ أي: بل أتريدون؛ والإضراب هنا ليس للإبطال؛ لأن الأول ليس بباطل؛ بل هو باق؛ فالإضراب هنا إضراب انتقال؛ و "الإرادة" هنا بمعنى المشيئة؛ وإن شئت فقل: بمعنى المحبة؛ والخطاب هنا قيل: إنه لليهود حينما سألوا النبي ﷺ آيات يأتي بها؛ وقيل: إنه للمشركين؛ لقوله تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠]؛ وقيل: إنه للمسلمين؛ والآية صالحة للأقوال كلها؛ لأن محمداً ﷺ رسول للجميع؛ لكن تخصيصها باليهود يبعده قوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾؛ فمعنى الآية: أتريدون أن توردوا الأسئلة على رسولكم كما كان بنو إسرائيل تورد الأسئلة على رسولها؛ ولا شك أن الاستفهام هنا يراد به الإنكار على من يكثرون السؤال على النبي ﷺ .. قوله تعالى: ﴿رسولكم﴾: أضافه إليهم، مع أنه في آيات كثيرة أضافه الله إلى نفسه: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم﴾ [المائدة: ١٥]؛ والجمع بين ذلك: أن كل واحدة من الإضافتين تنزل على حال: فهو رسول الله باعتبار أنه أرسله؛ ورسولنا باعتبار أنه أرسل إلينا؛ والمراد به محمد ﷺ بالإجماع ..

стр. 420

قوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾ أي كما سأل بنو إسرائيل موسى من قبل، كقولهم: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥]، وقولهم: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وغير ذلك؛ فبنو إسرائيل هم المشهورون بالأسئلة، والتعنت، والإعجاز؛ أما هذه الأمة فإنها قد أدَّبها الله فأحسن تأديبها: لا يسألون إلا عن أمر لهم فيه حاجة .. قوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ أي يأخذ الكفر بديلاً عن الإيمان؛ ﴿فقد ضل﴾ أي تاه ﴿سواء السبيل﴾ أي وسط الطريق؛ يعني يخرج عن وسط الطريق إلى حافات الطريق، وإلى شعبها؛ وطريق الله واحد؛ وعليك أن تمشي في سواء الصراط. أي وسطه. حتى لا تعرض نفسك للضلال .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: إنكار كثرة الأسئلة لرسول الله ﷺ ؛ لأن الاستفهام: ﴿أم تريدون﴾ يقصد به الإنكار؛ وقد قال النبي ﷺ محذراً من ذلك: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" (١)؛ وصح عن النبي ﷺ : "أن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته" (٢)؛ فهذا نهي، وإنكار على الذين يسألون

стр. 421

رسول الله ﷺ مسائل؛ والمطلوب من المسلم في زمن الوحي أن يسكت حتى ينزل ما أراد الله من أمر أو نهي ... ٢ ومن فوائد الآية: تأكيد ذم هذا النوع من الأسئلة؛ لقوله تعالى: ﴿رسولكم﴾؛ فكأنه أراد أنه لما كان رسولكم، فالذي ينبغي منكم عدم إعناته بالأسئلة .. . ٣ ومنها: أن إرسال محمد ﷺ من مصالحنا، ومنافعنا؛ لقوله تعالى: (رسولكم) .. . ٤ ومنها: أن كثرة الأسئلة للنبي ﷺ فيها مشابهة لليهود؛ لقوله تعالى: (كما سئل موسى من قبل). . ٥ ومنها: أنه لا ينبغي إلقاء السؤال إلا لمصلحة: إما رجل وقعت له مسألة يسأل عن حكمها؛ أو طالب علم يتعلم ليستنتج المسائل من أصولها؛ أما الأسئلة لمجرد استظهار ما عند الإنسان فقط؛ أو أقبح من ذلك من يستظهر ما عند الإنسان ليضرب آراء العلماء بعضها ببعض، وما أشبه ذلك؛ أو لأجل إعنات المسؤول، وإحراجه؛ فكل هذا من الأشياء المذمومة التي لا تنبغي .. . ٦ ومن فوائد الآية: ذم بني إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى ﷺ ، حيث إن الله ذكرهم في هذه الآية على سبيل الذم .. . ٧ ومنها: أن اليهود كانوا سألوا موسى عن أشياء فكانت العاقبة فيها وخيمة: فقد سألوا عن أشياء بينت لهم؛ لكنهم لم يعملوا بها؛ فكانت نتيجة السؤال الخيبة .. . ٨ ومنها: إثبات رسالة موسى ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾ يعني: وهو رسول ..

стр. 422

٩ ومنها: ذم من استبدل الكفر بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل؛ وهذا يشمل من بقي على كفره بعد عرض الإيمان عليه، ومن ارتد بعد إيمانه؛ فإنه في الحقيقة تبديل؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة؛ فإذا كفر فقد تبدل الكفر بالإيمان .. . ١٠ ومنها: أن من اختار الكفر على الإيمان فهو ضال .. . ١١ ومنها: عكس هذه المسألة: أن من يتبدل الإيمان بالكفر فقد هُدي إلى سواء السبيل ... ١٢ ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة في عمله، وأنه مجبر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ .. . ١٣ ومنها: أنه يجب على السائل أن يعمل بما أجيب به؛ لأنه إذا علم ولم يعمل فقد تبدل الكفر بالإيمان من بعد ما تبين له أنكر؛ فالواجب على المرء إذا سأل من يثق به أن يعمل بقوله؛ ولهذا قال العلماء: ومن سأل مفتياً ملتزماً بقوله حرم عليه أن يسأل غيره؛ لأنه حين سأله كان يعتقد أن الذي يقوله هو الشرع؛ فإذا كان يعتقد هذا فلا يسأل غيره؛ نعم، إذا سأل إنساناً يثق به بناءً على أن فتواه هو الشرع، وأفتاه، ولكنه سمع في مجلس عالم آخر حكماً نقيض الذي أُفتي به مدعَّماً بالأدلة، فحينئذ له أن ينتقل؛ بل يجب عليه؛ أو سأل عالماً مقتنعاً بقوله للضرورة. لأنه ليس عنده في البلد أعلم منه. على نية أنه إذا وجد أعلم منه سأله؛ فهذا أيضاً يجوز أن يسأل غيره إذا وجد أعلم منه ..

стр. 423

القرآن (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ١٠٩) التفسير:. ﴿١٠٩﴾ قوله تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً﴾؛ ﴿ود﴾ بمعنى أحب؛ بل إن "الود" خالص المحبة؛ والمعنى: أن كثيراً من أهل الكتاب يودون بكل قلوبهم أن يردوكم كفاراً؛ أي يرجعوكم كفاراً؛ وعلى هذا فـ ﴿يردونكم﴾ تنصب مفعولين؛ الأول: الكاف في ﴿يردونكم﴾؛ والثاني: ﴿كفاراً﴾؛ و ﴿أهل الكتاب﴾ هم اليهود، والنصارى؛ والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ التوراة، والإنجيل؛ و ﴿لو﴾ هنا مصدرية؛ وضابطها أن تقع بعد "ود" ونحوها؛ و ﴿من بعد إيمانكم﴾ أي من بعد أن ثبت الإيمان في قلوبكم .. قوله تعالى: ﴿حسداً﴾ مفعول لأجله عامله: ﴿ود﴾؛ أي ودوا من أجل الحسد؛ يعني هذا الود لا لشيء سوى الحسد؛ لأن ما أنتم عليه نعمة عظيمة؛ وهؤلاء الكفار أعداء؛ والعدو يحسد عدوه على ما حصل له من نعمة الله؛ و "الحسد" تمني زوال نعمة الله على الغير سواء تمنى أن تكون له، أو لغيره، أو لا لأحد؛ فمن تمنى ذلك فهو الحاسد؛ وقيل: "الحسد" كراهة نعمة الله على الغير .. قوله تعالى: ﴿من عند أنفسهم﴾ أي هذه المودة التي يودونها ليست لله، ولا من الله؛ ولكن من عند أنفسهم ..

стр. 424

قوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين﴾ أي من بعد ما ظهر ﴿لهم﴾ أي لهؤلاء الكثيرين؛ ﴿الحق﴾ أي ما أنتم عليه من الحق؛ و "الحق" هو الشيء الثابت؛ فإن وصف به الحكم فالمراد به العدل؛ وإن وصف به الخبر فالمراد به الصدق؛ فـ ﴿الحق﴾ الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام؛ ودين الإسلام على هذا؛ وما جاء به الرسول ﷺ على هذا؛ فإن أخباره صدق، وأحكامه عدل .. قوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾: الخطاب للمؤمنين عامة؛ ويدخل فيهم الرسول ﷺ ؛ و "العفو" بمعنى ترك المؤاخذة على الذنب؛ كأنه من عفا الأثر: إذا زال لتقادمه؛ و ﴿اصفحوا﴾: قيل: إنه من باب عطف المترادفين، كقول الشاعر: (فألفى قولها كذباً وميناً) و"الكذب" و"المين" معناهما واحد؛ ولكن الصواب أن بين "العفو"، و "الصفح" فرقاً؛ فـ "العفو" ترك المؤاخذة على الذنب؛ و "الصفح" الإعراض عنه؛ مأخوذ من صفحة العنق؛ وهو أن الإنسان يلتفت، ولا كأن شيئاً صار. يوليه صفحة عنقه.؛ فـ "الصفح" معناه الإعراض عن هذا بالكلية وكأنه لم يكن؛ فعلى هذا يكون بينهما فرق؛ فـ "الصفح" أكمل إذا اقترن بـ "العفْو" .. قوله تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ أي بأمر سوى ذلك؛ وهو الأمر بالقتال .. قوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ أي لا يعتريه عجز في كل شيء فعله .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: بيان شدة عداوة اليهود، والنصارى

стр. 425

للأمة الإسلامية؛ وجه ذلك أن كثيراً منهم يودون أن يردوا المسلمين كفاراً حسداً من عند أنفسهم .. . ٢ ومنها: أن الكفر بعد الإسلام يسمى ردة؛ لقوله تعالى: ﴿لو يردونكم﴾؛ ولهذا الذي يكفر بعد الإسلام لا يسمى باسم الدين الذي ارتد إليه؛ فلو ارتد عن الإسلام إلى اليهودية، أو النصرانية لم يعط حكم اليهود، والنصارى .. . ٣ ومنها: أن الحسد من صفات اليهود، والنصارى ... ٤ ومنها: تحريم الحسد؛ لأن مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة؛ لقول النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (١)؛ واعلم أن الواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله، ولا يكره ما أنعم الله به على الآخرين، أو يتمنى زواله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]؛ والحاسد لا يزداد بحسده إلا ناراً تتلظى في جوفه؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونه كارهاً لنعمة الله على هذا الغير مضاد لله في حكمه؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا المحسود؛ ثم إن الحاسد
следующие страницы →