رسول الله ﷺ مسائل؛ والمطلوب من المسلم في زمن الوحي أن يسكت حتى ينزل ما أراد الله من أمر أو نهي ...
٢ ومن فوائد الآية: تأكيد ذم هذا النوع من الأسئلة؛ لقوله تعالى: ﴿رسولكم﴾؛ فكأنه أراد أنه لما كان رسولكم، فالذي ينبغي منكم عدم إعناته بالأسئلة ..
. ٣ ومنها: أن إرسال محمد ﷺ من مصالحنا، ومنافعنا؛ لقوله تعالى: (رسولكم) ..
. ٤ ومنها: أن كثرة الأسئلة للنبي ﷺ فيها مشابهة لليهود؛ لقوله تعالى: (كما سئل موسى من قبل).
. ٥ ومنها: أنه لا ينبغي إلقاء السؤال إلا لمصلحة: إما رجل وقعت له مسألة يسأل عن حكمها؛ أو طالب علم يتعلم ليستنتج المسائل من أصولها؛ أما الأسئلة لمجرد استظهار ما عند الإنسان فقط؛ أو أقبح من ذلك من يستظهر ما عند الإنسان ليضرب آراء العلماء بعضها ببعض، وما أشبه ذلك؛ أو لأجل إعنات المسؤول، وإحراجه؛ فكل هذا من الأشياء المذمومة التي لا تنبغي ..
. ٦ ومن فوائد الآية: ذم بني إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى ﷺ ، حيث إن الله ذكرهم في هذه الآية على سبيل الذم ..
. ٧ ومنها: أن اليهود كانوا سألوا موسى عن أشياء فكانت العاقبة فيها وخيمة: فقد سألوا عن أشياء بينت لهم؛ لكنهم لم يعملوا بها؛ فكانت نتيجة السؤال الخيبة ..
. ٨ ومنها: إثبات رسالة موسى ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿كما سئل موسى من قبل﴾ يعني: وهو رسول ..
стр. 422
٩ ومنها: ذم من استبدل الكفر بالإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل؛ وهذا يشمل من بقي على كفره بعد عرض الإيمان عليه، ومن ارتد بعد إيمانه؛ فإنه في الحقيقة تبديل؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة؛ فإذا كفر فقد تبدل الكفر بالإيمان ..
. ١٠ ومنها: أن من اختار الكفر على الإيمان فهو ضال ..
. ١١ ومنها: عكس هذه المسألة: أن من يتبدل الإيمان بالكفر فقد هُدي إلى سواء السبيل ...
١٢ ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة في عمله، وأنه مجبر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ ..
. ١٣ ومنها: أنه يجب على السائل أن يعمل بما أجيب به؛ لأنه إذا علم ولم يعمل فقد تبدل الكفر بالإيمان من بعد ما تبين له أنكر؛ فالواجب على المرء إذا سأل من يثق به أن يعمل بقوله؛ ولهذا قال العلماء: ومن سأل مفتياً ملتزماً بقوله حرم عليه أن يسأل غيره؛ لأنه حين سأله كان يعتقد أن الذي يقوله هو الشرع؛ فإذا كان يعتقد هذا فلا يسأل غيره؛ نعم، إذا سأل إنساناً يثق به بناءً على أن فتواه هو الشرع، وأفتاه، ولكنه سمع في مجلس عالم آخر حكماً نقيض الذي أُفتي به مدعَّماً بالأدلة، فحينئذ له أن ينتقل؛ بل يجب عليه؛ أو سأل عالماً مقتنعاً بقوله للضرورة. لأنه ليس عنده في البلد أعلم منه. على نية أنه إذا وجد أعلم منه سأله؛ فهذا أيضاً يجوز أن يسأل غيره إذا وجد أعلم منه ..
стр. 423
القرآن
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ١٠٩)
التفسير:.
﴿١٠٩﴾ قوله تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً﴾؛ ﴿ود﴾ بمعنى أحب؛ بل إن "الود" خالص المحبة؛ والمعنى: أن كثيراً من أهل الكتاب يودون بكل قلوبهم أن يردوكم كفاراً؛ أي يرجعوكم كفاراً؛ وعلى هذا فـ ﴿يردونكم﴾ تنصب مفعولين؛ الأول: الكاف في ﴿يردونكم﴾؛ والثاني: ﴿كفاراً﴾؛ و ﴿أهل الكتاب﴾ هم اليهود، والنصارى؛ والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ التوراة، والإنجيل؛ و ﴿لو﴾ هنا مصدرية؛ وضابطها أن تقع بعد "ود" ونحوها؛ و ﴿من بعد إيمانكم﴾ أي من بعد أن ثبت الإيمان في قلوبكم ..
قوله تعالى: ﴿حسداً﴾ مفعول لأجله عامله: ﴿ود﴾؛ أي ودوا من أجل الحسد؛ يعني هذا الود لا لشيء سوى الحسد؛ لأن ما أنتم عليه نعمة عظيمة؛ وهؤلاء الكفار أعداء؛ والعدو يحسد عدوه على ما حصل له من نعمة الله؛ و "الحسد" تمني زوال نعمة الله على الغير سواء تمنى أن تكون له، أو لغيره، أو لا لأحد؛ فمن تمنى ذلك فهو الحاسد؛ وقيل: "الحسد" كراهة نعمة الله على الغير ..
قوله تعالى: ﴿من عند أنفسهم﴾ أي هذه المودة التي يودونها ليست لله، ولا من الله؛ ولكن من عند أنفسهم ..
стр. 424
قوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين﴾ أي من بعد ما ظهر ﴿لهم﴾ أي لهؤلاء الكثيرين؛ ﴿الحق﴾ أي ما أنتم عليه من الحق؛ و "الحق" هو الشيء الثابت؛ فإن وصف به الحكم فالمراد به العدل؛ وإن وصف به الخبر فالمراد به الصدق؛ فـ ﴿الحق﴾ الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام؛ ودين الإسلام على هذا؛ وما جاء به الرسول ﷺ على هذا؛ فإن أخباره صدق، وأحكامه عدل ..
قوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾: الخطاب للمؤمنين عامة؛ ويدخل فيهم الرسول ﷺ ؛ و "العفو" بمعنى ترك المؤاخذة على الذنب؛ كأنه من عفا الأثر: إذا زال لتقادمه؛ و ﴿اصفحوا﴾: قيل: إنه من باب عطف المترادفين، كقول الشاعر:
(فألفى قولها كذباً وميناً) و"الكذب" و"المين" معناهما واحد؛ ولكن الصواب أن بين "العفو"، و "الصفح" فرقاً؛ فـ "العفو" ترك المؤاخذة على الذنب؛ و "الصفح" الإعراض عنه؛ مأخوذ من صفحة العنق؛ وهو أن الإنسان يلتفت، ولا كأن شيئاً صار. يوليه صفحة عنقه.؛ فـ "الصفح" معناه الإعراض عن هذا بالكلية وكأنه لم يكن؛ فعلى هذا يكون بينهما فرق؛ فـ "الصفح" أكمل إذا اقترن بـ "العفْو" ..
قوله تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ أي بأمر سوى ذلك؛ وهو الأمر بالقتال ..
قوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ أي لا يعتريه عجز في كل شيء فعله ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان شدة عداوة اليهود، والنصارى
стр. 425
للأمة الإسلامية؛ وجه ذلك أن كثيراً منهم يودون أن يردوا المسلمين كفاراً حسداً من عند أنفسهم ..
. ٢ ومنها: أن الكفر بعد الإسلام يسمى ردة؛ لقوله تعالى: ﴿لو يردونكم﴾؛ ولهذا الذي يكفر بعد الإسلام لا يسمى باسم الدين الذي ارتد إليه؛ فلو ارتد عن الإسلام إلى اليهودية، أو النصرانية لم يعط حكم اليهود، والنصارى ..
. ٣ ومنها: أن الحسد من صفات اليهود، والنصارى ...
٤ ومنها: تحريم الحسد؛ لأن مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة؛ لقول النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (١)؛ واعلم أن الواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله، ولا يكره ما أنعم الله به على الآخرين، أو يتمنى زواله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]؛ والحاسد لا يزداد بحسده إلا ناراً تتلظى في جوفه؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونه كارهاً لنعمة الله على هذا الغير مضاد لله في حكمه؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا المحسود؛ ثم إن الحاسد
стр. 426
أو الحسود. مهما أعطاه الله من نعمة لا يرى لله فضلاً فيها؛ لأنه لابد أن يرى في غيره نعمة أكثر مما أنعم الله به عليه، فيحتقر النعمة؛ حتى لو فرضنا أنه تميز بأموال كثيرة، وجاء إنسان تاجر، وكسب مكسباً كبيراً في سلعة معينة تجد هذا الحاسد يحسده على هذا المكسب بينما عنده ملايين كثيرة؛ وكذلك أيضاً بالنسبة للعلم: بعض الحاسدين إذا برز أحد في مسألة من مسائل العلم تجده. وإن كان أعلم منه.
يحسده على ما برز به؛ وهذا يستلزم أن يحتقر نعمة الله عليه؛ فالحسد أمره عظيم، وعاقبته وخيمة؛ والناس في خير، والحسود في شر: يتتبع نعم الله على العباد؛ وكلما رأى نعمة صارت جمرة في قلبه؛ ولو لم يكن من خُلُق الحسد إلا أنه من صفات اليهود لكان كافياً في النفور منه ..
. ٥ ومن فوائد الآية: علم اليهود، والنصارى أن الإسلام منقبة عظيمة لمتبعه؛ لقوله تعالى: ﴿حسداً﴾؛ لأن الإنسان لا يحسد إلا على شيء يكون خيراً، ومنقبة؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ [البقرة: ١٠٥] ..
. ٦ ومنها: وجوب الحذر من اليهود، والنصارى؛ ما دام كثير منهم يودون لنا هذا فإنه يجب علينا أن نحذر منهم ..
. ٧ ومنها: بيان خبث طوية هؤلاء الذين يودون لنا الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿من عند أنفسهم﴾؛ ليس من كتاب، ولا من إساءة المسلمين إليهم؛ ولكنه من عند أنفسهم: أنفس خبيثة تود الكفر للمسلمين حسداً ..
. ٨ ومنها: أن هؤلاء الذين يودون الكفر للمسلمين قد تبين
стр. 427
لهم الحق؛ فلو كانوا جاهلين بأن المسلمين على حق، وقالوا: "لا نريد أن نكون على دين مشكوك فيه" لكان لهم بعض العذر؛ ولكنهم قد تبين لهم الحق، وعلموا أن الرسول ﷺ حق، وأن دينه حق، وأن المؤمنين على حق؛ ومع ذلك فهم يودون هذه المودة، ويسعون بكل سبيل أن يصلوا إلى غايتهم؛ فمن أحب شيئاً سعى في تحصيله؛ فكثير من هؤلاء اليهود والنصارى يسعون بكل ما يستطيعون من قوة مادية، أو أخلاقية، أو غيرهما ليردوا المسلمين بعد الإيمان كفاراً ..
. ٩ ومن فوائد الآية: مراعاة الأحوال، وتطور الشريعة، حيث قال تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ ...
١٠ ومنها: أن الذم إنما يقع على من تبين له الحق؛ وأما الجاهل فهو معذور بجهله إذا لم يقصر في طلب العلم ..
١١. ومنها: جواز مهادنة الكفار إذا لم يكن للمسلمين قوة ..
. ١٢ ومنها: إثبات الحكمة لله ، حيث أمر بالعفو، والصفح إلى أن يأتي الله بأمره؛ لأن الأمر بالقتال قبل وجود أسبابه، وتوفر شروطه من القوة المادية والبشرية، ينافي الحكمة ..
. ١٣ ومنها: الرد على منكري قيام الأفعال الاختيارية بالله ؛ والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله فعال لما يريد فعلاً يليق بجلاله وعظمته، وما تقتضيه حكمته؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ ..
. ١٤ ومنها: ثبوت القدرة لله ، وأنها شاملة لكل شيء؛ لقوله تعالى: (إن الله على كل شيء قدير)
стр. 428
١٥ ومنها: الرد على المعتزلة القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ وإذا كان مستقلاً بعمله لزم من ذلك أن الله لا يقدر على تغييره؛ لأنه إن قدر على تغييره صار العبد غير مستقل ..
. ١٦ ومنها: بشارة المؤمنين بأن الله سيغير حالهم المقتضية للعفو والصفح، إلى قوة يستطيعون بها جهاد العدو ..
. ١٧ ومنها: اتباع الحكمة في الدعوة إلى الله بالصبر، والمصابرة حتى يتحقق النصر، وأنْ تعامَل كل حال بما يناسبها ..
القرآن
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: ١١٠)
التفسير:
. ﴿١١٠﴾ قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ يعني أدوا الصلاة على وجه الكمال؛ لأن إقامة الشيء جعله قيماً معتدلاً مستقيماً؛ فمعنى ﴿أقيموا الصلاة﴾ أي ائتوا بها كاملة بشروطها، وواجباتها، وأركانها، ومكملاتها.
قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي أعطوها؛ وهنا حذف المفعول الثاني؛ والتقدير: وآتوا الزكاة مستحقيها؛ و ﴿الزكاة﴾ المفعول الأول؛ ومستحقوها قد بينهم الله في سورة براءة في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... ﴾ إلخ [التوبة: ٦٠] ..
стр. 429
و"الزكاة" في اللغة النماء، والزيادة؛ ومنه قولهم: "زكا الزرع" إذا نما، وزاد؛ وفي الشرع هي دفع مال مخصوص لطائفة مخصوصة تعبداً لله ؛ وسميت زكاة؛ لأنها تزكي الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ فهي تزكي الإنسان في أخلاقه، وعقيدته، وتطهره من الرذائل؛ لأنها تخرجه من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد، والكرماء؛ وتكفِّر سيئاته ..
قوله تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم﴾؛ ﴿ما﴾ شرطية؛ لأنها جزمت فعل الشرط، وجوابه ..
قوله تعالى: ﴿من خير﴾ يشمل ما يقدمه من المال، والأعمال؛ وهو بيان للمبهم في اسم الشرط ..
ضعف إلى أضعاف كثيرة، كما قال تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١].
قوله تعالى: ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾؛ هذه الجملة مؤكدة بـ ﴿إن﴾ مع أن الخطاب ابتدائي؛ إذ إنه لم يوجه إلى متردد، ولا منكر؛ والخطاب إذا لم يوجه لمنكر، ولا متردد فإنه يسمى ابتدائياً؛ والابتدائي لا يؤكد؛ لأنه لا حاجة لذلك؛ ولكنه قد يؤكد لا باعتبار حال المخاطب؛ لكن باعتبار أهمية مدلوله؛ فهنا له أهمية عظيمة: أن الله يخبرنا أنه بكل ما نعمل بصير؛ و ﴿ما﴾ اسم موصول يفيد العموم؛ أي بما نعمل قلبياً،
стр. 430
وبدنياً؛ قولياً، وفعلياً؛ لأن القلوب لها أعمال كالمحبة، والخوف، والرجاء، والرغبة، وما أشبه ذلك؛ و ﴿بما تعملون﴾ متعلقة بـ ﴿بصير﴾؛ وقدمت عليها لغرضين؛ الأول: مراعاة الفواصل؛ لأن التي قبلها فاصلة بالراء: ﴿قدير﴾، وبعدها: ﴿بصير﴾؛ والثاني: من أجل الحصر؛ والحصر هنا وإن كان يقلل من العموم لكنه يفيد الترهيب والترغيب؛ لأنه إذا قيل: أيهما أعظم في التهديد أو الترغيب، أن نقول: إن الله بصير بكل شيء مما نعمل، ومما لا نعمل؛ أو أنه بصير بما نعمل فقط؟
فالجواب: أن الأول أعم؛ والثاني أبلغ في التهديد، أو الترغيب؛ وهو المناسب هنا؛ كأنه يقول: لو لم يكن الله بصيراً إلا بأعمالكم فإنه كاف في ردعكم، وامتثالكم؛ و ﴿بصير﴾ ليس من البصر الذي هو الرؤية؛ لكن من البصر الذي بمعنى العلم؛ لأنه أشمل حيث يعم العمل القلبي، والبدني؛ والعمل القلبي لا يدرك بالرؤية.
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: وجوب إقامة الصلاة؛ والصلاة تشمل الفريضة والنافلة؛ ومن إقامة الفرائض كثرة النوافل؛ لأنه جاء في الحديث (١) أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة؛ ما من إنسان إلا وفي فريضته نقص؛ لكن هذه النوافل تكملها، وترقعها ..
. ٢ ومنها: وجوب إيتاء الزكاة. يعني لمستحقيها ...
стр. 431
٣ ومنها: أن الصلاة أوكد من الزكاة؛ ولهذا يقدمها الله عليها في الذكر ..
. ٤ ومنها: أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة من أسباب النصر؛ لأن الله ذكرها بعد قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ [البقرة: ١٠٩]؛ وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤٠، ٤١] ..
. ٥ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتشاغل بالأهم فالأهم مع الدعوة إلى الله ..
. ٦ ومنها: أن كل خير يقدمه العبد لربه فإنه سيجد ثوابه عنده ...
٧ ومنها: أن الثواب عام لجميع الأعمال صغيرها، وكبيرها؛ لقوله تعالى: ﴿من خير﴾؛ فإنها نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم؛ فأيّ خير قدمته قليلاً كان، أو كثيراً ستجد ثوابه؛ قال الرسول ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (١) ..
. ٨ ومنها: الترغيب في فعل الخير، حيث إن الإنسان يجد ثوابه عند ربه مدخراً له. وهو أحوج ما يكون إليه ...
. ٩ ومنها: أن الإنسان إذا قدم خيراً فإنما يقدمه لنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾؛ ولهذا ليس له من ماله إلا ما أنفق لله؛ وما أخره فلوارثه ..
стр. 432
١٠ ومنها: عموم علم الله بكل ما نعمل ..
. ١١ ومنها: التحذير من المخالفة؛ لقوله تعالى: (إن الله بما تعملون بصير)
القرآن
(وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: ١١١)
التفسير:
. ﴿١١١﴾ قوله تعالى: ﴿وقالوا﴾ أي اليهود، والنصارى؛ ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً﴾: هذا قول اليهود؛ ﴿أو نصارى﴾: هذا قول النصارى ..
قوله تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾ أي تلك المقالة؛ و ﴿أمانيهم﴾ جمع أمنية؛ وهي ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه ..
قوله تعالى: ﴿قل﴾ أي يا محمد؛ ﴿هاتوا﴾: فعل أمر؛ لأن ما دل على الطلب، ولحقته العلامة فهو فعل أمر؛ يقال: "هاتي" للمرأة؛ "هاتيا" للاثنين؛ والأمر هنا للتحدي، والتعجيز؛ ﴿برهانكم﴾ أي دليلكم؛ مِن "برهن على الشيء": إذا بينه؛ أو من "بَرَه الشيء": إذا وضح بالعلامة؛ فعلى الأول تكون النون أصلية؛ وعلى الثاني تكون النون زائدة؛ وعلى القولين جميعاً فـ "البرهان" هو الذي يتبين به حجة الخصم؛ يعني ما نقبل كلامكم إلا إذا أقمتم عليه الدليل؛ فإذا أقمتم عليه الدليل فهو على العين، والرأس ..
قوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾ يعني أن هذا أمر لا يمكن
стр. 433
وقوعه؛ فهو تحدٍّ، كقوله تعالى: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم﴾ [البقرة: ٩٤، ٩٥]؛ فإذا كانوا صادقين في زعمهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، أو نصارى فليأتوا بالبرهان؛ ولن يأتوا به؛ إذاً يكونون كاذبين.
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان ما كان عليه اليهود، والنصارى من الإعجاب بما هم عليه من الدين ..
. ٢ ومنها: تعصب اليهود، والنصارى؛ وتحجيرهم لفضل الله ...
٣ ومنها: أن ما ادعوه كذب؛ لقوله تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾؛ فعلى قول هؤلاء اليهود يكون النصارى، والمسلمون لن يدخلوا الجنة؛ وقد سبق أن قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ثم تخلفوننا فيها؛ وعلى قول النصارى لا يدخل اليهود، ولا المسلمون الجنة؛ أما اليهود فصحيح: فإنهم كفروا بعيسى، وبمحمد؛ ومن كفر بهما فإنه لن يدخل الجنة؛ وأما بالنسبة للمسلمين فغير صحيح؛ بل المسلمون هم أهل الجنة؛ وأما اليهود والنصارى الذين لم يتبعوا رسول الله ﷺ فهم أهل النار؛ لقول النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (١)؛ فالحاصل أن هذا القول. وهو قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. كذب من الطرفين؛
стр. 434
ولهذا قال تعالى: ﴿تلك أمانيهم﴾؛ وقال النبي ﷺ : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (١)
" ..
. ٤ ومن فوائد الآية: أن من اغتر بالأماني، وطمع في المنازل العالية بدون عمل لها ففيه شَبه من اليهود، والنصارى ..
. ٥ ومنها: عدل الله في مخاطبة عباده، حيث قال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾؛ لأن هذا من باب مراعاة الخصم، وأنه إن كان لكم بينة فهاتوها؛ وهذا لا شك من أبلغ ما يكون من العدل؛ وإلا فالحكم لله العلي الكبير ..
. ٦ ومنها: أن هؤلاء لا برهان لهم على ما ادعَوه بدليل أنهم لم يأتوا به ..
. ٧ ومنها: أنهم كاذبون؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾؛ ولو كان لهم أدنى حيلة بما يبرر قولهم، ويصدِّقه لأتوا بها ..
стр. 435
القرآن
(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: ١١٢)
التفسير:
. ﴿١١٢﴾ قوله تعالى: ﴿بلى﴾: هذا إبطال للنفي في قولهم: ﴿لن يدخل ... ﴾ إلخ؛ وإن كان بعض المفسرين يقول: إن ﴿بلى﴾ هنا بمعنى "بل"؛ ولكن نقول: ﴿بلى﴾ هنا حرف جواب تفيد إبطال النفي؛ يعني لما قالوا: ﴿لن يدخل الجنة ... ﴾ إلخ قال الله تعالى: ﴿بلى﴾ أي يدخل الجنة من ليس هوداً، أو نصارى؛ وبينه بقوله تعالى: ﴿من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره﴾؛ ﴿من﴾ شرطية؛ وهي مبتدأ؛ وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿فله أجره﴾؛ والمراد بـ "الوجه" القصد، والنية، والإرادة؛ "أسلم وجهه لله" أي جعل اتجاهه، وقصده، وإرادته خالصاً لله ؛ وعبر بـ "الوجه" لأنه الذي يدل على قصد الإنسان؛ ولهذا يقال: أين كان وجه فلان؟ يعني: أين كان قصده، واتجاهه ..
وقوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾: الجملة في محل نصب على الحال من فاعل ﴿أسلم﴾؛ يعني: أسلم والحال أنه محسن. أي متبع لشريعة الله ظاهراً، وباطناً ...
قوله تعالى: ﴿فله أجره﴾ أي ثوابه؛ وشبَّهه بالأجر؛ لأن الله التزم به للعامل ..
قوله تعالى: ﴿عند ربه﴾: أضاف العندية إليه لفائدتين:.
الفائدة الأولى: أنه عظيم؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم؛ ولهذا جاء في حديث أبي بكر الذي علمه الرسولُ ﷺ إياه أنه
стр. 436
قال: "فاغفر لي مغفرة من عندك (١) " ..
والفائدة الثانية: أن هذا محفوظ غاية الحفظ، ولن يضيع؛ لأنك لا يمكن أن تجد أحداً أحفظ من الله؛ إذاً فلن يضيع هذا العمل؛ لأنه في أمان غاية الأمان ..
وأضافه إلى وصف الربوبية ليبين كمال عناية الله بالعامل، وإثابته عليه؛ فالربوبية هنا من الربوبية الخاصة
قوله تعالى: ﴿ولا خوف عليهم﴾ أي فيما يستقبل من أمرهم ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي فيما مضى من أمرهم.
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن أهل الجنة هم الذين جمعوا بين وصفين؛ الأول: الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿من أسلم وجهه لله﴾؛ والثاني: اتباع شرعه؛ لقوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾ ..
. ٢ ومنها: أن إخلاص النية وحده لا يكفي في تبرير التعبد لله؛ لقوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾؛ وعلى هذا فمن قال: إنه يحب الله، ويخلص له وهو منحرف في عبادته فإنه لا يدخل في هذه الآية لاختلال شرط الإحسان ..
ويتفرع على هذه الفائدة أن أهل البدع لا ثواب لهم على بدعهم. ولو مع حسن النية.؛ لعدم الإحسان الذي هو المتابعة؛ والأجر مشروط بأمرين: الأول: إسلام الوجه لله؛ والثاني: الإحسان ..
. ٣ ومن فوائد الآية: الدلالة على الشرطين الأساسيين في
стр. 437
العبادة؛ وهما الإخلاص؛ والمتابعة للرسول ﷺ ...
٤ ومنها: ثبوت الأجر في الآخرة، وأن العمل لن يضيع؛ لقوله تعالى: (فله أجره عند ربه)
. ٥ ومنها: أن الجزاء من جنس العمل ..
. ٦ ومنها: عظم الثواب؛ لإضافته إلى الله في قوله تعالى: (عند ربه)
. ٧ ومنها: انتفاء الخوف، والحزن لمن تعبد لله بهذين الوصفين؛ وهما الإخلاص والمتابعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ (الأنعام: ٨٢)
. ٨. ومنها: حسن عاقبة المؤمنين بانتفاء الخوف، والحزن عنهم؛ وغير المؤمنين تُملأ قلوبهم رعباً، وحزناً؛ قال تعالى: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦]، وقال تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ [مريم: ٣٩] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تحسر هؤلاء الذين لم يهتدوا إلى صراط الحميد ..
. ٩ ومن فوائد الآية: الحث على الإخلاص لله في العبادة، واتباع الشرع فيها؛ لأن الله إنما أخبرنا بهذا الثواب لمن أخلص، واتبع الشريعة من أجل أن نقوم بذلك؛ وليس لمجرد الخبر؛ وهكذا يقال في كل ما أخبر الله به من ثواب على طاعة، أو عقاب على معصية؛ فإنه إنما يراد به الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية ..
стр. 438
القرآن
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة: ١١٣)
التفسير:
. ﴿١١٣﴾ قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء﴾ يعني على شيء من الدين ..
قوله تعالى: ﴿وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ يعني على شيء من الدين ..
وإنما قالت اليهود ذلك؛ لأنهم يكفرون بعيسى، ولا يرون شريعته ديناً؛ وقالت النصارى: ﴿ليست اليهود على شيء﴾؛ لأنهم يرون أن الدين الحق ما كانوا عليه، واليهود قد كفروا به؛ أما عن دعوى اليهود فإنها باطلة على كل تقدير؛ لأن النصارى بلا شك على دين قبل بعثة النبي ﷺ ؛ وأما دعوى النصارى في اليهود فحق؛ لأن دينهم نسخ بما جاء به عيسى؛ إذ إنهم يجب عليهم أن يؤمنوا بعيسى؛ فإذا كذبوه لم يكونوا على شيء من الدين؛ بل هم كفار ..
قوله تعالى: ﴿وهم يتلون الكتاب﴾: الجملة هذه حالية؛ والضمير ﴿هم﴾ يعود على اليهود، والنصارى؛ يعني: والحال أن هؤلاء المدعين كلهم ﴿يتلون الكتاب﴾ يعني يقرؤونه؛ والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ الجنس، فيشمل التوراة، والإنجيل؛ و "كتاب" فعال بمعنى مفعول؛ لأن الكتب المنزلة من السماء تكتب وتُقرأ؛ ولا سيما أن التوراة كتبها الله بيده ..
стр. 439
قوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾؛ قال المعربون: إن الكاف في مثل هذا التعبير اسم بمعنى "مثل"، وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة؛ وأن "ذلك" اسم إشارة يشير إلى المصدر؛ أي مثلَ ذلك القول قال: ﴿الذين لا يعلمون﴾؛ يعني: الذين لم يقرؤوا كتاباً؛ وكلمة ﴿مثل قولهم﴾ تأكيد لـ ﴿كذلك﴾؛ قالوا: لأن العامل الواحد لا ينصب معمولين بمعنى واحد ..
وقوله تعالى: ﴿الذين لا يعلمون﴾؛ قال بعض المفسرين: المراد بهم كفار قريش. أهل الجاهلية.؛ فإنهم قالوا: إن محمداً ﷺ ليس على دين، وليس على شيء؛ وقال بعض المفسرين: إنهم أمم سابقة؛ وقال بعض المفسرين: إنهم طوائف من اليهود، والنصارى؛ يعني أن الذين يتلون الكتاب من اليهود، والنصارى قالوا مثل قول الذين لا يعلمون منهم؛ فاستوى قول عالمهم، وجاهلهم؛ والأحسن أن يقال: إن الآية عامة. مثل ما اختاره ابن جرير، وغيره.؛ والقاعدة أن النص من الكتاب، والسنة إذا كان يحتمل معنيين لا منافاة بينهما، ولا يترجح أحدهما على الآخر فإنه يحمل على المعنيين جميعاً؛ لأنه أعم في المعنى؛ وهذا من سعة كلام الله ، وكلام رسوله ﷺ ، وشمول معناهما؛ وهذه قاعدة مهمة ينبغي أن يحتفظ بها الإنسان ..
قوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ الفاء حرف عطف؛ ولفظ الجلالة مبتدأ؛ وجملة: ﴿يحكم﴾ في محل رفع خبر المبتدأ؛ و ﴿يحكم﴾ للمستقبل؛ و "الحكم" معناه القضاء، والفصل بين الشيئين؛ والله. ﵎. يوم القيامة يقضي بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون؛ فيبين لصاحب الحق حقه، ويجزيه
стр. 440
به؛ و ﴿يوم القيامة﴾ هو اليوم الذي يبعث فيه الناس؛ وسمي بذلك لأمور ثلاثة سبق ذكرها (١) ..
قوله تعالى: ﴿فيما كانوا فيه يختلفون﴾ أي في الخلاف الواقع بينهم؛ ومعلوم أن هناك خلافاً بين اليهود، والنصارى؛ بل النصارى الآن مختلفون في مللهم بعضهم مع بعض اختلافاً جوهرياً في الأصول؛ واليهود كذلك على خلاف؛ وكذلك المسلمون عامة مع الكفار؛ والذي يحكم بينهم هو الله يوم القيامة ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: أن الأمم الكافرة يكفِّر بعضها بعضاً؛ فهم أعداء بعضهم لبعض من جهة؛ وأولياء بعضهم لبعض من جهة أخرى: بالنسبة لنا هم بعضهم لبعض وليّ؛ وبالنسبة لما بينهم بعضهم لبعض عدو؛ فالإسلام عدو مشترك لليهودية، والنصرانية، وسائر الكفار؛ فيجب أن يتولى بعضنا بعضاً ..
. ٢ ومنها: شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿وهم يتلون الكتاب﴾؛ فهذه الجملة تفيد زيادة القبح فيما قالوه، حيث قالوا ذلك وهم يتلون الكتاب، ويعرفون الحق؛ فالنصارى تتلو التوراة، وتعرف أن اليهود تدين بالتوراة. وهم على دين صحيح قبل بعثة عيسى.؛ واليهود أيضاً يتلون الإنجيل، ويعرفون أن عيسى حق؛ لكنهم كفروا استكباراً؛ ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع العلم به أعظم قبحاً من الذي ينكر الحق مع الجهل به؛ لأن هذا معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل ينكر
стр. 441
الحق للجهل به؛ ثم إذا تبين له الحق اتبعه إذا كان المانع له من اتباعه الجهل؛ لكن العالم لا عذر له ..
. ٣ ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة؛ ولأهميته يقرنه الله كثيراً بالإيمان به ...
٤ ومنها: إثبات الحكم لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم﴾؛ وحكم الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي، وكوني، وجزائي؛ فالشرعي: مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ والكوني: مثل قوله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠]؛ والجزائي: مثل هذه الآية: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾؛ والحكم الجزائي هو ثمرة الحكم الشرعي؛ لأنه مبني عليه: إن خيراً فخير؛ وإن شراً فشر؛ هذا الحكم يوم القيامة بين الناس إما بالعدل؛ أو بالفضل؛ ولا يمكن أن يكون بالظلم؛ لقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً" (١)؛ هذا بالنسبة لحقوق الله؛ أما بالنسبة لحقوق الخلق فيما بينهم فيقضى بينهم بالعدل ..
فإذا قال قائل: إذا كان الله تعالى يجزي المؤمنين بالفضل،
стр. 442
فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ [يونس: ٤]؟
فالجواب: أن هذا هو الذي أوجبه الله على نفسه؛ والفضل زيادة؛ والمقام مقام تحذير ...
٥ ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اختلفوا في الحق، والباطل، سوف يكون القضاء بينهم يوم القيامة بين يدي الله ؛ فيجزي صاحب الحق بعمله، ويجزي صاحب الباطل بعمله؛ لقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾، وقوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١]؛ ولهذا لا يوجد حكم يبين للخصم أن الحق له دون خصمه إلا في هذا؛ فالقاضي مثلاً لا يقول لأحد الخصمين: "لن يكون لخصمك سبيل عليك" حتى يتبين، ويأتي كلٌّ بحجته؛ لكن هنا بيّن الله أن الكافرين ليس لهم سبيل على المؤمنين؛ لأن الحجة واضحة للجميع ..
* * *
انتهى المجلد الأول من التفسير ويليه المجلد الثاني بإذن الله
وبدايته تفسير الآية ١١٤ من سورة البقرة
تفسير سورة البقرة من الآيه ١١٤ إلى الآيه ٢٠٧
стр. 443
القرآن
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَاّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: ١١٤)
التفسير: ـ
﴿١١٤﴾ قوله تعالى: ﴿ومن أظلم﴾: ﴿من﴾ اسم استفهام؛ وهي مبتدأ؛ و ﴿أظلم﴾ خبرها؛ والاستفهام هنا بمعنى النفي؛ يعني لا أحد أظلم؛ والميزان الذي يبيِّن أن الاستفهام بمعنى النفي أنك لو حذفت الاستفهام، وأقمت النفي مقامه لصح؛ والفائدة من تحويل النفي إلى الاستفهام أنه أبلغ في النفي؛ إذ إن الاستفهام الذي بمعنى النفي مشرب معنى التحدي؛ كأنه يقول: بيِّنوا لي أيّ أحد أظلم من كذا وكذا.
وقوله تعالى: ﴿أظلم﴾ اسم تفضيل من الظلم؛ وأصله في اللغة النقص؛ وهو أن يفرط الإنسان فيما يجب؛ أو يعتدي فيما يحرم؛ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً﴾ [الكهف: ٣٣] أي لم تنقص؛ وهو في الشرع بهذا المعنى؛ لأن الظلم عبارة عن تفريط في واجب، أو انتهاك لمحرم وهذا نقص
قوله تعالى: ﴿ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾: «مِن» حرف جر؛ و ﴿مَن﴾ اسم موصول؛ أي من الذي منع؛ وأضيفت المساجد إلى الله ؛ لأنها محل عبادته؛ فتكون الإضافة هنا من باب التشريف.
стр. 444
وقوله تعالى: ﴿مساجد الله﴾ منصوب على أنه مفعول ﴿منع﴾؛ و ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾ بدل منه.
قوله تعالى: ﴿وسعى في خرابها﴾ معطوف على ﴿منع﴾؛ يعني جمع وصفين: منع المساجد أن يذكر فيها اسمه؛ والسعي في خرابها؛ والخراب هو الفساد، كما قال تعالى: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم﴾ [الحشر: ٢].
قوله تعالى: ﴿أولئك﴾ اسم إشارة يعود إلى الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعوا في خرابها؛ ﴿ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ يحتمل ثلاثة معان:
الأول: ما كان ينبغي لهؤلاء أن يدخلوها إلا خائفين فضلاً عن أن يمنعوا عباد الله؛ لأنهم كافرون بالله ؛ فليس لهم حق أن يدخلوا المساجد إلا خائفين.
الثاني: أن هذا خبر بمعنى النهي؛ يعني: لا تدعوهم يدخلوها - إذا ظهرتم عليهم - إلا خائفين.
الثالث: أنها بشارة من الله أن هؤلاء الذين منعوا المساجد - ومنهم المشركون الذين منعوا النبي ﷺ المسجد الحرام - ستكون الدولة عليهم، ولا يدخلونها إلا وهم ترجف قلوبهم.
قوله تعالى: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ أي ذل، وعار ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ أي عقوبة عظيمة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن المعاصي تختلف قبحاً؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم﴾؛ و ﴿أظلم﴾ اسم تفضيل؛ واسم التفضيل يقتضي مفضَّلاً، ومفضَّلاً عليه؛ وكما أن المعاصي تختلف، فكذلك الطاعات تختلف: بعضها أفضل من بعض؛ وإذا كانت الأعمال
стр. 445
تختلف فالعامل نتيجة لها يختلف؛ فبعض الناس أقوى إيماناً من بعض؛ وبهذا نعرف أن القول الصحيح قول أهل السنة، والجماعة في أن الإيمان يزيد، وينقص، والناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً لا في الكسب القلبي، ولا في الكسب البدني: فإن الناس يتفاوتون في اليقين؛ ويتفاوتون في الأعمال الظاهرة من قول أو فعل.
يتفاوتون في اليقين: فإن الإنسان نفسه تتفاوت أحواله بين حين وآخر؛ في بعض الأحيان يصفو ذهنه وقلبه حتى كأنما يشاهد الآخرة رأي عين؛ وفي بعض الأحيان تستولي عليه الغفلة، فيَقِلُّ يقينه؛ ولهذا قال الله تعالى لإبراهيم: ﴿أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ وتفاوت الناس في العلم، واليقين أمر معلوم: فلو أتى رجل، وقال: «قدم فلان» - والرجل ثقة عندي - صار عندي علم بقدومه؛ فإذا جاء آخر، وقال: «قدم فلان» ازداد علمي؛ فإذا جاء الثالث ازداد علمي أكثر؛ فإذا رأيتُه ازداد علمي؛ فالأمور العلمية تتفاوت في إدراك القلوب لها.
أيضاً يتفاوت الناس في الأقوال: فالذي يسبِّح الله عشر مرات أزيد إيماناً ممن يسبِّحه خمس مرات؛ وهذه زيادة كمية الإيمان؛ كذلك يتفاوت الناس في الأعمال من حيث جنس العمل: فالمتعبد بالفريضة أزيد إيماناً من المتعبد بالنافلة؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» (١)؛ فبهذا يكون القول الصواب بلا ريب قول أهل السنة، والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
стр. 446
٢ ــ ومن فوائد الآية: جواز منع دخول المساجد لمصلحة؛ لقوله تعالى: ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾؛ ومنع مساجد الله له أسباب؛ فتارة تمنع المساجد من أن تمتهن فرشها، أو أرضها، أو كتبها، أو مصاحفها؛ فتغلَّق الأبواب حماية لها؛ وتارة تغلق أبوابها خوفاً من الفتنة، كما لو اجتمع فيها قوم لإثارة الفتن، والتشويش على العامة؛ فتغلق منعاً لهؤلاء من الاجتماع؛ وتارة تغلق لترميمها، وإصلاحها؛ وتارة تغلق خوفاً من سرقة ما فيها؛ ففي كل هذه الصور إغلاقها مباح، أو مطلوب.
٣ ــ ومنها: تحريم منع المساجد من أن يذكر فيها اسم الله سواء كان ذكر الله: صلاة، أو قراءة للقرآن، أو تعليماً للعلم، أو غير ذلك.
وأخذ بعض العلماء من هذه الآية: تحريم التحجر؛ وهو أن يضع شيئاً في الصف، فيمنع غيره من الصلاة فيه، ويخرج من المسجد؛ قالوا: لأن هذا منع المكان الذي تحجره بالمسجد أن يذكر فيه اسم الله؛ لأن هذا المكان أحق الناس به أسبق الناس إليه؛ وهذا قد منع من هو أحق بالمكان منه أن يذكر فيه اسم الله؛ وهذا مأخذ قوي؛ ولا شك أن التحجر حرام: أن الإنسان يضع شيئاً، ويذهب، ويبيع، ويشتري، ويذهب إلى بيته يستمتع بأولاده، وأهله؛ وأما إذا كان الإنسان في نفس المسجد فلا حرج أن يضع ما يحجز به المكان بشرط ألا يتخطى الرقاب عند الوصول إليه، أو تصل إليه الصفوف؛ فيبقى في مكانه؛ لأنه حينئذ يكون قد شغل مكانين.
٤ - ومن فوائد الآية: شرف المساجد؛ لإضافتها إلى الله؛
стр. 447
لقوله تعالى: ﴿مساجد الله﴾؛ والمضاف إلى الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون أوصافاً؛ أو أعياناً؛ أو ما يتعلق بأعيان مخلوقة؛ فإذا كان المضاف إلى الله وصفاً فهو من صفاته غير مخلوق، مثل كلام الله، وعلم الله؛ وإذا كان المضاف إلى الله عيناً قائمة بنفسها فهو مخلوق وليس من صفاته، مثل مساجد الله، وناقة الله، وبيت الله؛ فهذه أعيان قائمة بنفسها إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق لخالقه على وجه التشريف؛ ولا شيء من المخلوقات يضاف إلى الله إلا لسبب خاص به؛ ولولا هذا السبب ما خص بالإضافة؛ وإذا كان المضاف إلى الله ما يتعلق بأعيان مخلوقة فهو أيضاً مخلوق؛ وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩]؛ فإن الروح هنا مخلوقة؛ لأنها تتعلق بعين مخلوقة.
٥ - ومن فوائد الآية: أن المصلَّيات التي تكون في البيوت، أو الدوائر الحكومية لا يثبت لها هذا الحكم؛ لأنها مصلَّيات خاصة؛ فلا يثبت لها شيء من أحكام المساجد.
٦ - ومنها: أنه لا يجوز أن يوضع في المساجد ما يكون سبباً للشرك؛ لأن ﴿مساجد الله﴾ معناها موضع السجود له؛ فإذا وضع فيها ما يكون سبباً للشرك فقد خرجت عن موضوعها، مثل أن نقبر فيها الموتى؛ فهذا محرم؛ لأن هذا وسيلة إلى الشرك.
٧ - ومنها: وجوب تطهير المساجد؛ وهذا مأخوذ من إضافتها إلى الله تلك الإضافة القاضية بتشريفها، وتعظيمها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركَّع السجود﴾.
٨ - ومنها: أن الناس فيها سواء؛ لأن الله تعالى أضافها إلى
стр. 448
نفسه: ﴿مساجد الله﴾؛ والناس عباد الله - بالنسبة إلى الله في المسجد سواء -؛ فكل من أتى إلى هذه المساجد لعبادة الله فإنه لا فرق بينه وبين الآخرين.
وهنا نقول: إن للعالِم الحق أن يتخذ مكاناً يجعله لإلقاء الدرس، وتعليم الناس؛ لكنه إذا أقيمت الصلاة لا يمنع الناس - هو، وغيره سواء -.
٩ - ومنها: أن ذكر الله لا بد أن يكون باسمه، فتقول: لا إله إلا الله؛ سبحان الله؛ سبحان ربك رب العزة عما يصفون؛ سبحان ربي العظيم؛ فالذكر باللسان لا يكون إلا باسم الله؛ أما ذكر القلب فيكون ذكراً لله، وذكراً لأسمائه؛ فقد يتأمل الإنسان في قلبه أسماء الله، ويتدبر فيها، ويكون ذكراً للاسم؛ وقد يتأمل في أفعال الله ، ومخلوقاته، وأحكامه الشرعية.
أما ذكره بالضمير المفرد فبدعة، وليس بذكر، مثل طريقة الصوفية الذين يقولون: أفضل الذكر أن تقول: «هو»، «هو»؛ «هو»، «هو»؛ قالوا: لأنك لا تشاهد إلا الله ــ والعياذ بالله؛ فهم يرون أن أكمل حال الإنسان هو الفناء ــ أي يفنى عن مشاهدة ما سوى الله، بحيث إنه ما شاهد إلا الله؛ ويقولون: ليس بلازم أن تقول: «لا إله إلا الله»: تثبت إلهين: واحد منفي، والثاني مثبت! بل قل: «هو»، «هو»، «هو»؛ فهذا لا شك من البدع؛ وليس ذكراً لله ؛ بل هو من المنكر.
١٠ - ومن فوائد الآية: تحريم تخريب المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿وسعى في خرابها﴾؛ ويشمل الخراب الحسي، والمعنوي؛ لأنه قد يتسلط بعض الناس - والعياذ بالله - على هدم المساجد حسًّا بالمعاول، والقنابل؛ وقد يخربها معنًى، بحيث
стр. 449
ينشر فيها البدع والخرافات المنافية لوظيفة المساجد.
١١ ــ ومنها: البشارة للمؤمنين بأن العاقبة لهم، وأن هؤلاء الذين منعوهم لن يدخلوها إلا وهم خائفون؛ وهذا على أحد الاحتمالات التي ذكرناها.
١٢ ــ ومنها: أن عقوبة من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، الخزي والعار في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة.
١٣ ــ ومنها: أن الذنب إذا كان فيه تعدٍّ على العباد فإن الله قد يجمع لفاعله بين العقوبتين: عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة؛ عقوبة الدنيا ليشفي قلب المظلوم المعتدى عليه؛ ولا شك أن الإنسان إذا اعتدى عليك، ثم رأيت عقوبة الله فيه أنك تفرح بأن الله اقتص لك منه؛ أما إذا كان في حق الله فإن الله تعالى لا يجمع عليه بين عقوبتين؛ لقوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠].
١٤ ــ ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.
١٥ ــ ومنها: أن عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا، كما أن نعيم الآخرة أكمل من نعيم الدنيا؛ ولكن الله يُري عباده نموذجاً من هذا، ومن هذا؛ لأنه لا يستقيم فهم الوعيد، ولا فهم الوعد، إلا بمشاهدة نموذج من ذلك؛ لو كان الله توعد بالنار، ونحن لا ندري ما هي النار، فلا نخاف إلا خوفاً إجمالياً عاماً؛ وكذلك لو وعد بالنعيم والجنة، ولا نعرف نموذجاً من هذا النعيم، لم يكن الوعد به حافزاً للعمل.
стр. 450
القرآن
( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١١٥)
التفسير:
﴿١١٥﴾ قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾؛ اللام للاختصاص؛ يعني أن الله مختص بملك المشرق، والمغرب؛ وأما من سواه فملكه محدود؛ و ﴿المشرق﴾ مكان الشروق؛ و ﴿المغرب﴾ مكان الغروب؛ وقد وردت المشرق، والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: مفردة، ومثناة، وجمع؛ فجاءت مفردة هنا فقال تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾؛ وجاءت مثناة في قوله تعالى: ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ [الرحمن: ١٧]، وجمعاً في قوله تعالى: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ [المعارج: ٤٠]؛ والجمع بين هذه الأوجه الثلاثة أن نقول: أما «المشرق» فلا ينافي «المشارق»، ولا «المشرقين»؛ لأنه مفرد محلى بـ «أل»؛ فهو للجنس الشامل للواحد، والمتعدد؛ وأما ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾، و ﴿رب المشارق والمغارب﴾ فالجمع بينهما أن يقال: إن جمع ﴿المشارق﴾، و ﴿المغارب﴾ باعتبار الشارق، والغارب؛ لأن الشارق، والغارب كثير: الشمس، والقمر، والنجوم؛ كله له مشرق، ومغرب؛ فمن يحصي النجوم! أو باعتبار مشرق كل يوم، ومغربه؛ لأن كل يوم للشمس مشرق، ومغرب؛ وللقمر مشرق، ومغرب؛ وثنَّى باعتبار مشرق الشتاء، ومشرق الصيف؛ فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب؛ ومشرق الصيف في أقصى الشمال؛ وبينهما مسافات عظيمة لا يعلمها إلا الله؛ وسورة «الرحمن» أكثر ما فيها بصيغة التثنية؛
стр. 451
فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر المشرق، والمغرب بصيغة التثنية؛ أما عند العظمة فذكرت بالجمع: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيراً منهم وما نحن بمسبوقين﴾ [المعارج: ٤٠، ٤١]؛ فقوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ أي مشرق كل شارق؛ ومغرب كل غارب؛ ويحتمل أن المراد له كل شيء؛ لأن ذكر المشرق والمغرب يعني الإحاطة والشمول.
قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾؛ «أين» شرطية؛ و «ما» زائدة للتوكيد؛ و ﴿تولوا﴾ فعل الشرط مضارع مجزوم بأداة الشرط؛ وعلامة جزمه حذف النون؛ وقوله تعالى: ﴿فثم وجه الله﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط؛ و ﴿ثم﴾ اسم إشارة يشار به للبعيد؛ وهو ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ ﴿وجه﴾ مبتدأ مؤخر؛ والجملة من المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط.
قوله تعالى: ﴿تولوا﴾ أي تتجهوا؛ ﴿فثم﴾ أي فهناك؛ والإشارة إلى الجهة التي تولوا إليها؛ و ﴿وجه الله﴾: اختلف فيه المفسرون من السلف، والخلف، فقال بعضهم: المراد به وجه الله الحقيقي؛ وقال بعضهم: المراد به الجهة: ﴿فثم وجه الله﴾ يعني: في المكان الذي اتجهتم إليه جهة الله ؛ وذلك؛ لأن الله محيط بكل شيء؛ ولكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن ذلك هو الأصل؛ وليس هناك ما يمنعه؛ وقد أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قِبَل وجه المصلي (١)؛ والمصلُّون حسب مكانهم
стр. 452
يتجهون؛ فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال؛ وأهل الشام إلى الجنوب؛ وأهل المشرق إلى المغرب؛ وأهل المغرب إلى الشرق؛ وكل يتجه جهة؛ لكن الاتجاه الذي يجمعهم الكعبة؛ وكل يتجه إلى وجه الله؛ وعلى هذا يكون معنى الآية: أنكم مهما توجهتم في صلاتكم فإنكم تتجهون إلى الله سواء إلى المشرق، أو إلى المغرب، أو إلى الشمال، أو إلى الجنوب.
قوله تعالى: ﴿إن الله واسع عليم﴾؛ «الواسع» يعني واسع الإحاطة، وواسع الصفات؛ فهو واسع في علمه، وفي قدرته، وسمعه، وبصره، وغير ذلك من صفاته؛ و ﴿عليم﴾ أي ذو علم؛ وعلمه محيط بكل شيء.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: انفراد الله بالملك؛ لتقديم الخبر في قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾.
٢ ــ ومنها: عموم ملك الله؛ لأن المشرق والمغرب يحتويان كل شيء.
٣ ــ ومنها: إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾.
٤ ــ ومنها: عموم ملك الله تعالى للمشرق، والمغرب خلقاً وتقديراً؛ وله أن يوجه عباده إلى ما شاء منهما من مشرق ومغرب؛ فله ملك المشرق والمغرب توجيهاً؛ وقد سبق أن قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها ... ﴾ [البقرة: ١٠٦] إلى آيات نسخ القبلة كله تمهيد لتحويل القبلة؛ فكأن الله تعالى يقول: لله المشرق والمغرب فإذا شاء جعل اتجاه القبلة إلى المشرق؛ وإذا
стр. 453
شاء جعله إلى المغرب؛ فأينما تولوا فثم وجه الله.
٥ ــ ومنها: إثبات الوجه لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فثم وجه الله﴾.
٦ ــ ومنها: أن الله تعالى له مكان لقوله تعالى: ﴿فثم﴾؛ لأن «ثم» إشارة إلى المكان؛ ولكن مكانه في العلو؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته؛ قال النبي ﷺ للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء» (١).
٧ ــ ومنها: إبطال بدعتين ضالتين؛ إحداهما بدعة الحلولية القائلين بأن الله تعالى في كل مكان بذاته؛ فإن قول هؤلاء باطل يبطله السمع، والعقل، والفطرة أيضاً؛ الثانية: قول النفاة المعطلة الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم، ولا خارجه؛ ولا فوق العالم، ولا تحته؛ ولا يمين العالم، ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عن العالم؛ وهذا القول قال بعض أهل العلم: لو قيل لنا: صفوا لنا العدم ما وجدنا وصفاً أدق من هذا.
٨ ــ ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: ﴿واسع﴾، و ﴿عليم﴾.
٩ ــ ومنها: إثبات سعة الله، وعلمه؛ ونستفيد صفة ثالثة من جمع السعة والعلم؛ للإشارة إلى أن علم الله واسع بمعنى أنه لا يفوته شيء من كل معلوم لا في الأرض، ولا في السماء.
стр. 454
القرآن
( وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) (البقرة: ١١٦)) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة: ١١٧)
التفسير:
﴿١١٦﴾ قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولداً﴾ أي قالت النصارى، واليهود، والمشركون، اتخذ الله ولداً؛ اليهود قالت: عُزير ابن الله؛ والنصارى قالت: المسيح ابن الله؛ والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله؛ فنزه الله نفسه عن ذلك بقوله تعالى: ﴿سبحانه﴾ أي تنزيهاً له أن يكون له ولد؛ لأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته؛ وهو مالك لجميع المخلوقات، كما قال تعالى مبطلاً هذه الدعوى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾؛ ومن له ملك السموات والأرض، لا يحتاج إلى ولد؛ ولأنه لو كان له ولد لكان الولد مماثلاً له؛ والله ليس كمثله شيء.
قوله تعالى: ﴿كل له قانتون﴾ أي كل له خاشع ذليل؛ لأنه مملوك؛ والله ــ ﵎ ــ هو المالك؛ وهذا من الاستدلال بالعقل على كذب دعوى هؤلاء أن له ولداً.
﴿١١٧﴾ قوله تعالى: ﴿بديع﴾: فعيل بمعنى مُفعل؛ أي مبدع؛ ولها نظير في اللغة العربية، مثل قول الشاعر:
(أم الريحانةَ الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع) فـ «السميع» بمعنى المسمِع؛ ﴿بديع السموات والأرض﴾ أي موجدهما على غير مثال سابق.
стр. 455
قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ أي إذا أراد أن يقضي أمراً؛ والفعل يأتي بمعنى إرادته المقارنة له، مثل قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] أي إذا أردت قراءته؛ والدليل على تأويل ﴿قضى﴾ بمعنى «أراد أن يقضي» هو قوله تعالى في آية أخرى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]؛ على أنه يصلح أن يكون ﴿إذا قضى أمراً ... ﴾ بمعنى إذا فعل شيئاً فإنما يقول تعالى له عند فعله: ﴿كن فيكون﴾؛ يعني أن فعله للشيء يكون بعد قوله : ﴿كن﴾ من غير تأخر؛ لأنه ليس أمراً شاقاً عليه؛ و ﴿أمراً﴾ واحد الأمور؛ يعني الشؤون؛ أي إذا قضى شأناً من شؤونه فإن ذلك لا يصعب عليه: ﴿فإنما يقول له كن﴾؛ أي لا يقول له إلا «كن» مرة واحدة بدون تكرار؛ و ﴿كن﴾ هنا تامة من «كان» بمعنى حدث؛ ﴿فيكون﴾ أي فيحدث كما أمره الله على ما أراد الله .
وفي قوله تعالى: ﴿فيكون﴾ قراءتان؛ هما النصب، والرفع؛ فعلى قراءة النصب تكون جواباً للأمر: ﴿كن﴾ أي فبسبب ذلك يكون؛ وتكون الفاء للسببية؛ وعلى قراءة الرفع تكون للاستئناف؛ أي فهو يكون.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآيتين: بيان عتوّ الإنسان وطغيانه، حيث سبَّ الله هذه السبَّة العظيمة، فقال: إن الله اتخذ ولداً!!! في الحديث الصحيح القدسي: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك؛ وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: إنه
стр. 456
لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفْئاً أحدٌ» (١)؛ فهذا من أعظم العدوان؛ وهو يشير كما تقدم في التفسير إلى ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمشركين؛ وقد أبطل الله هذه الدعوى الكاذبة من ستة أوجه:
الوجه الأول: في قوله تعالى: ﴿سبحانه﴾؛ فإن تنزهه عن النقص يقتضي أن يكون منزهاً عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقصد به الإعانة، ودفع الحاجة، أو بقاء العنصر؛ والله منزه عن ذلك؛ ومنزه أيضاً عن المماثلة؛ ولو كان له ولد لكان مثيلاً له.
الوجه الثاني: في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾؛ وعموم ملكه يستلزم استغناءه عن الولد.
الوجه الثالث: في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾، والمملوك لا يكون ولداً للمالك؛ حتى إنه شرعاً إذا ملك الإنسان ولده يعتق عليه؛ فالمملوك لا يمكن أن يكون ولداً للمالك؛ فالله خالق؛ وما سواه مخلوق؛ فكيف يكون المخلوق ولداً للخالق!
الوجه الرابع: في قوله تعالى: ﴿كل له قانتون﴾؛ ووجهه أن العباد كلهم خاضعون ذليلون؛ وهذا يقتضي أنهم مربوبون لله عابدون له؛ والعبد لا يكون ولداً لربه.
الوجه الخامس: في قوله تعالى: ﴿بديع السموات والأرض﴾؛ ووجهه أنه مبدع السموات والأرض؛
стр. 457
فالقادر على خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق إنساناً بلا أب، كما قال تعالى: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧].
الوجه السادس: في قوله تعالى: ﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾؛ ومن كان هذه قدرته فلا يستحيل عليه أن يوجد ولداً بدون أب.
فبطلت شبهتهم التي يحتجون بها على أن لله ولداً.
٢ ــ ومن فوائد الآيتين: امتناع أن يكون لله ولد؛ لهذه الوجوه الستة.
٣ ــ ومنها: عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾.
٤ ــ ومنها: أن الله لا شريك له في ملكه؛ لتقديم الخبر في قوله تعالى: ﴿له ما في السموات والأرض﴾؛ وتقديم الخبر يفيد الاختصاص.
٥ ــ ومنها: أن كل من في السموات، والأرض قانت لله؛ والمراد القنوت العام ــ وهو الخضوع للأمر الكوني ــ؛ والقنوت يطلق على معنيين؛ معنى عام وخاص؛ «المعنى الخاص» هو قنوت العبادة، والطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أمَّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً﴾ [الزمر: ٩]، وكما في قوله تعالى: ﴿وصدَّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [التحريم: ١٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ و «المعنى العام» هو قنوت الذل العام؛ وهذا شامل لكل من في السموات، والأرض، كما في هذه الآية:
стр. 458
﴿كل له قانتون﴾؛ حتى الكفار بهذا المعنى قانتون لله ؛ لا يخرجون عن حكمه الكوني.
٦ ــ ومن فوائد الآيتين: عظم قدرة الله ببدع السموات، والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة.
٧ ــ ومنها: حكمة الله بأن هذه السموات، والأرض على نظام بديع عجيب؛ قال تعالى: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣]؛ هذا النظام الواسع الكبير العظيم لا يختل، ولا يتغير على مر السنين، والأعوام؛ فتدل على قدرة باهرة بالغة، وحكمة عظيمة بالغة: كل شيء منظم تنظيماً بديعاً متناسباً، فلا يصطدم شيء بشيء فيفسده؛ ولا يغير شيء شيئاً؛ بل كل سائر حسب ما أمره الله به؛ قال الله تعالى: ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢]؛ إذاً ﴿بديع السموات والأرض﴾ يستفاد منها القوة، والقدرة، والحكمة.
٨ ــ ومن فوائد الآيتين: أن السموات عدد؛ لأن الجمع يدل على العدد؛ وقد بيَّن الله في القرآن، وثبتت السنة، وأجمع المسلمون على أن السماء جرم محسوس؛ وليس كما قال أهل الإلحاد: إن الذي فوقنا فضاء لا نهاية له؛ وأما الأرض فلم تأت في القرآن إلا مفردة؛ لكن أشار الله إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ وصرحت السنة بذلك في قوله ﷺ : «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» (١).
стр. 459
٩ ــ ومن فوائد الآيتين: أن الله لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عن أمره شيء؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾.
١٠ ــ ومنها: إثبات القول لله؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما يقول له﴾.
١١ ــ ومنها: أن قول الله بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾؛ و ﴿له﴾ صريحة في توجيه القول للمقول له؛ ولولا أنه يسمعه لما صار في توجيهه له فائدة؛ ولهذا يسمعه الموجه إليه الأمر، فيمتثل، ويكون.
١٢ ــ ومنها: أن قول الله بحروف؛ لقوله تعالى: ﴿كن﴾؛ وهي كلمة بحرفين.
فإن قال قائل: كيف يمكن أن نتصور هذا ونحن نقول: ليس كمثله شيء؛ وأنتم تقولون: إنه بحروف؟ قلنا: نعم؛ الحروف هي الحروف؛ لكن كيفية الكلام، وحقيقة النطق بها ــ أو القول ــ لا يماثل نطق المخلوق، وقوله؛ ومن هنا نعرف أننا لا نكون ممثِّلة إذا قلنا: إنه بحرف، وصوت مسموع؛ لأننا نقول: صوت ليس كأصوات المخلوقين؛ بل هو حسب ما يليق بعظمته، وجلاله.
١٣ ــ ومن فوائد الآيتين: أن الجماد خاضع لله ؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ يشمل الأمور المتعلقة بالحيوان، والمتعلقة بالجماد؛ فالجماد إذا قال الله تعالى له: ﴿كن﴾ كان.
стр. 460
١٤ ــ ومنها: أنه ليس بين أمر الله بالتكوين، وتكونه تراخٍ؛ بل يكون على الفورية؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فيكون﴾: بالفاء؛ والفاء تدل على الترتيب، والتعقيب.
القرآن
( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (البقرة: ١١٨)
التفسير:
﴿١١٨﴾ قوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ أي ليسوا من ذوي العلم ﴿لولا يكلمنا الله﴾ أي هلاّ يكلمنا الله بتصديق الرسل ﴿أو تأتينا آية﴾ أي علامة على صدقهم؛ وهذا منهم على سبيل التعنت والعناد؛ فالتعنت قولهم: ﴿لولا يكلمنا الله﴾؛ والعناد قولهم: ﴿أو تأتينا آية﴾؛ لأن الرسل أتوا بالآيات التي يؤمن على مثلها البشر؛ وأعظمها القرآن الكريم الذي نزل على محمد ﷺ ؛ وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا.
قوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾؛ أي مثلَ هذا القول قال الذين من قبلهم؛ وعلى هذا يكون ﴿مثل قولهم﴾ توكيداً لقوله تعالى: ﴿كذلك﴾؛ أي مثل هذا القول الذي اقترحوه قد اقترحه من قبلهم: قوم موسى قالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥]؛ فهذا دأب المكذبين للرسل ينكرون، ويقترحون؛ وقد أُتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه.