← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفْئاً أحدٌ» (١)؛ فهذا من أعظم العدوان؛ وهو يشير كما تقدم في التفسير إلى ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمشركين؛ وقد أبطل الله هذه الدعوى الكاذبة من ستة أوجه: الوجه الأول: في قوله تعالى: ﴿سبحانه﴾؛ فإن تنزهه عن النقص يقتضي أن يكون منزهاً عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقصد به الإعانة، ودفع الحاجة، أو بقاء العنصر؛ والله منزه عن ذلك؛ ومنزه أيضاً عن المماثلة؛ ولو كان له ولد لكان مثيلاً له. الوجه الثاني: في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾؛ وعموم ملكه يستلزم استغناءه عن الولد. الوجه الثالث: في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾، والمملوك لا يكون ولداً للمالك؛ حتى إنه شرعاً إذا ملك الإنسان ولده يعتق عليه؛ فالمملوك لا يمكن أن يكون ولداً للمالك؛ فالله خالق؛ وما سواه مخلوق؛ فكيف يكون المخلوق ولداً للخالق! الوجه الرابع: في قوله تعالى: ﴿كل له قانتون﴾؛ ووجهه أن العباد كلهم خاضعون ذليلون؛ وهذا يقتضي أنهم مربوبون لله عابدون له؛ والعبد لا يكون ولداً لربه. الوجه الخامس: في قوله تعالى: ﴿بديع السموات والأرض﴾؛ ووجهه أنه مبدع السموات والأرض؛

стр. 457

فالقادر على خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق إنساناً بلا أب، كما قال تعالى: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧]. الوجه السادس: في قوله تعالى: ﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾؛ ومن كان هذه قدرته فلا يستحيل عليه أن يوجد ولداً بدون أب. فبطلت شبهتهم التي يحتجون بها على أن لله ولداً. ٢ ــ ومن فوائد الآيتين: امتناع أن يكون لله ولد؛ لهذه الوجوه الستة. ٣ ــ ومنها: عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾. ٤ ــ ومنها: أن الله لا شريك له في ملكه؛ لتقديم الخبر في قوله تعالى: ﴿له ما في السموات والأرض﴾؛ وتقديم الخبر يفيد الاختصاص. ٥ ــ ومنها: أن كل من في السموات، والأرض قانت لله؛ والمراد القنوت العام ــ وهو الخضوع للأمر الكوني ــ؛ والقنوت يطلق على معنيين؛ معنى عام وخاص؛ «المعنى الخاص» هو قنوت العبادة، والطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أمَّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً﴾ [الزمر: ٩]، وكما في قوله تعالى: ﴿وصدَّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [التحريم: ١٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ و «المعنى العام» هو قنوت الذل العام؛ وهذا شامل لكل من في السموات، والأرض، كما في هذه الآية:

стр. 458

﴿كل له قانتون﴾؛ حتى الكفار بهذا المعنى قانتون لله ؛ لا يخرجون عن حكمه الكوني. ٦ ــ ومن فوائد الآيتين: عظم قدرة الله ببدع السموات، والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة. ٧ ــ ومنها: حكمة الله بأن هذه السموات، والأرض على نظام بديع عجيب؛ قال تعالى: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣]؛ هذا النظام الواسع الكبير العظيم لا يختل، ولا يتغير على مر السنين، والأعوام؛ فتدل على قدرة باهرة بالغة، وحكمة عظيمة بالغة: كل شيء منظم تنظيماً بديعاً متناسباً، فلا يصطدم شيء بشيء فيفسده؛ ولا يغير شيء شيئاً؛ بل كل سائر حسب ما أمره الله به؛ قال الله تعالى: ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢]؛ إذاً ﴿بديع السموات والأرض﴾ يستفاد منها القوة، والقدرة، والحكمة. ٨ ــ ومن فوائد الآيتين: أن السموات عدد؛ لأن الجمع يدل على العدد؛ وقد بيَّن الله في القرآن، وثبتت السنة، وأجمع المسلمون على أن السماء جرم محسوس؛ وليس كما قال أهل الإلحاد: إن الذي فوقنا فضاء لا نهاية له؛ وأما الأرض فلم تأت في القرآن إلا مفردة؛ لكن أشار الله إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ وصرحت السنة بذلك في قوله ﷺ : «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» (١).

стр. 459

٩ ــ ومن فوائد الآيتين: أن الله لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عن أمره شيء؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾. ١٠ ــ ومنها: إثبات القول لله؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما يقول له﴾. ١١ ــ ومنها: أن قول الله بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾؛ و ﴿له﴾ صريحة في توجيه القول للمقول له؛ ولولا أنه يسمعه لما صار في توجيهه له فائدة؛ ولهذا يسمعه الموجه إليه الأمر، فيمتثل، ويكون. ١٢ ــ ومنها: أن قول الله بحروف؛ لقوله تعالى: ﴿كن﴾؛ وهي كلمة بحرفين. فإن قال قائل: كيف يمكن أن نتصور هذا ونحن نقول: ليس كمثله شيء؛ وأنتم تقولون: إنه بحروف؟ قلنا: نعم؛ الحروف هي الحروف؛ لكن كيفية الكلام، وحقيقة النطق بها ــ أو القول ــ لا يماثل نطق المخلوق، وقوله؛ ومن هنا نعرف أننا لا نكون ممثِّلة إذا قلنا: إنه بحرف، وصوت مسموع؛ لأننا نقول: صوت ليس كأصوات المخلوقين؛ بل هو حسب ما يليق بعظمته، وجلاله. ١٣ ــ ومن فوائد الآيتين: أن الجماد خاضع لله ؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ يشمل الأمور المتعلقة بالحيوان، والمتعلقة بالجماد؛ فالجماد إذا قال الله تعالى له: ﴿كن﴾ كان.

стр. 460

١٤ ــ ومنها: أنه ليس بين أمر الله بالتكوين، وتكونه تراخٍ؛ بل يكون على الفورية؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فيكون﴾: بالفاء؛ والفاء تدل على الترتيب، والتعقيب. القرآن ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (البقرة: ١١٨) التفسير: ﴿١١٨﴾ قوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ أي ليسوا من ذوي العلم ﴿لولا يكلمنا الله﴾ أي هلاّ يكلمنا الله بتصديق الرسل ﴿أو تأتينا آية﴾ أي علامة على صدقهم؛ وهذا منهم على سبيل التعنت والعناد؛ فالتعنت قولهم: ﴿لولا يكلمنا الله﴾؛ والعناد قولهم: ﴿أو تأتينا آية﴾؛ لأن الرسل أتوا بالآيات التي يؤمن على مثلها البشر؛ وأعظمها القرآن الكريم الذي نزل على محمد ﷺ ؛ وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا. قوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾؛ أي مثلَ هذا القول قال الذين من قبلهم؛ وعلى هذا يكون ﴿مثل قولهم﴾ توكيداً لقوله تعالى: ﴿كذلك﴾؛ أي مثل هذا القول الذي اقترحوه قد اقترحه من قبلهم: قوم موسى قالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥]؛ فهذا دأب المكذبين للرسل ينكرون، ويقترحون؛ وقد أُتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه.

стр. 461

قوله تعالى: ﴿تشابهت قلوبهم﴾: الأولون، والآخرون قلوبهم متشابهة في رد الحق، والعناد، والتعنت، والجحود؛ من أول ما بعثت الرسل إلى خاتمهم محمد ﷺ ــ بل وإلى يوم القيامة ــ فقلوب أهل الكفر، والعناد متشابهة؛ إنما يختلف الأسلوب؛ قد يقترح هؤلاء شيئاً؛ وهؤلاء شيئاً آخر؛ لكن الكلام على جنس الاقتراح، وعدم قبولهم للحق. قوله تعالى: ﴿قد بينا﴾ أي أظهرنا؛ لأن «بان» بمعنى ظهر؛ و «بيَّن» بمعنى أظهر؛ و ﴿الآيات﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها؛ فكل علامة تعين مدلولها تسمى آية؛ فآيات الله هي العلامات الدالة عليه. قوله تعالى: ﴿لقوم يوقنون﴾ متعلقة بقوله تعالى: ﴿بينا﴾؛ و «الإيقان» هو العلم الذي لا يخالجه شك. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن أهل الباطل يجادلون بالباطل؛ لأن طلبهم الآيات التي يعينونها ما هو إلا تعنت واستكبار؛ ففي الآيات التي جاءت بها الرسل ما يؤمن على مثلها البشر؛ ثم إنهم لو جاءت الآيات على ما اقترحوا لم يؤمنوا إذا حقت عليهم كلمة ربهم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]. ٢ ــ ومنها: وصف من لم يَنقَدْ للحق بالجهل؛ لقوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾؛ فكل إنسان يكابر الحق، وينابذه فإنه أجهل الناس.

стр. 462

٣ ــ ومنها: أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف، وصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿لولا يكلمنا الله فهم خير في هذا ممن يدعون أن كلام الله هو المعنى القائم في نفسه. ٤ ــ ومنها: أنه ما من رسول إلا وله آية؛ لأن قولهم: ﴿أو تأتينا آية﴾ هذا مدَّعى غيرهم؛ إذ إن من لم يأت بآية لا يلام من لم يصدقه؛ مثلاً إذا جاء رجل يقول: «أنا رسول الله؛ آمنوا بي وإلا قتلتكم، واستحللت نساءكم، وأموالكم» فلا نطيعه؛ ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين؛ لكن الرسل تأتي بالآيات؛ ما من رسول إلا وأعطاه الله تعالى من الآيات ما يؤمن على مثلها البشر؛ فالله تعالى لا يرسل الرسل، ويتركهم بدون تأييد. ٥ ــ ومن فوائد الآية: أن أقوال أهل الباطل تتشابه؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ وقوله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣]؛ وأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول ﷺ من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، كما قال تعالى: ﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٣٢]؛ واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن، والسنة هؤلاء رجعيون؛ هؤلاء دراويش لا يعرفون شيئاً. ٦ ــ ومن فوائد الآية: أن الأقوال تابعة لما في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾؛ فلتشابه القلوب تشابهت الأقوال؛ ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد

стр. 463

كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (١). ٧ ــ ومنها: تشابه قلوب الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿تشابهت قلوبهم﴾. ٨ ــ ومنها: تسلية الرسول ﷺ ؛ لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وتخف عليه المصيبة، كما قال تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩]؛ فالله تعالى يسلي رسوله ﷺ بأن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله. ٩ ــ ومنها: إبطال دعوى قولهم: ﴿أو تأتينا آية﴾ في قوله تعالى: ﴿قد بينا الآيات﴾. ١٠ ــ ومنها: أنه لا ينتفع بالآيات إلا الموقنون؛ لقوله تعالى: ﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾؛ وأما غير الموقنين فلا تتبين لهم الآيات لما في قلوبهم من الريب والشك. ١١ ــ ومنها: أن الموقن قد يتبين له من الآيات ما لم يتبين لغيره؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧]. ١٢ ــ ومنها: أن الآيات تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية، وآيات كونية؛ فالآيات الشرعية: ما جاءت به الرسل من الوحي؛ والقسم الثاني آيات كونية: وهي مخلوقات الله الدالة عليه، وعلى ما تقتضيه

стр. 464

أسماؤه، وصفاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، وغيرها: (وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد) ١٣ ــ ومنها: زيادة العلم باليقين؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ ؛ فكلما ازداد يقينك تبين لك من آيات الله ما لم يتبين لغيرك، فيزداد علمك؛ فباليقين يزداد العلم؛ قال تعالى: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ [المدثر: ٣١]؛ فكلما كان الإنسان أقوى يقيناً كان أكثر علماً؛ وكلما ازداد علمه ازداد يقينه؛ فهما متلازمان. القرآن ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) (البقرة: ١١٩) التفسير: ﴿١١٩﴾ قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك﴾؛ «إن» للتوكيد؛ اسمها «نا» لكن حذفت النون لتوالي الأمثال؛ مع أن الأصل أنها لا تحذف: «إننا»؛ لكن لا نقول اسمها الألف؛ إذ إن الألف لا تكون ضميراً إلا إذا اتصلت بفعل، مثل: قالا، قاما، وما أشبه ذلك؛ وحذف المرسل إليه لإفادة العموم؛ لأن النبي ﷺ مرسل إلى العالمين؛ وغيره من الرسل إلى قومهم خاصة. قوله تعالى: ﴿بالحق﴾؛ الباء هنا للمصاحبة، أو الملابسة؛ يعني أرسلناك متلبساً بالحق؛ أو أن المعنى: حاملاً الحق في هذه الرسالة؛ والآية تحتمل المعنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق؛ والثاني: أن ما أرسلت به حق؛ والمعنيان كلاهما صحيح؛

стр. 465

فتحمل الآية عليهما؛ فالرسول ﷺ رسالته حق؛ وعليه فالباء للملابسة؛ والرسول ﷺ ما أرسل به فهو حق؛ وعلى هذا فالباء للمصاحبة ــ يعني أن رسالتك مصحوبة بالحق ــ؛ لأن ما جئت به حق؛ والحق هو الثابت المستقر؛ وهو ضد الباطل؛ والحق بالنسبة للأخبار الصدق؛ وبالنسبة للأحكام العدل. قوله تعالى: ﴿بشيراً﴾ من البشارة؛ وهي الإخبار بما يسر؛ وقد تقع فيما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]. قوله تعالى: ﴿ونذيراً﴾ من الإنذار؛ وهو الإعلام بالمكروه؛ أي بما يخاف منه. والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر ــ وهو الجنة ــ؛ ومنذر بما يخاف منه ــ وهو النار و ﴿بشيراً﴾ حال من الكاف في ﴿أرسلناك﴾؛ و ﴿نذيراً﴾ حال أخرى بواسطة حرف العطف؛ فجمع الله له بين كونه مبشراً، ومنذراً؛ لأن ما جاء به أمر، ونهي؛ والمناسب للأمر: البشارة؛ وللنهي: الإنذار؛ فعليه تكون رسالة النبي ﷺ جامعة بين البشرى، وبين الإنذار؛ والأمر، والنهي؛ إذاً فالرسول مبشر للمتقين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ ومنذر للكافرين أن لهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. قوله تعالى: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾؛ في ﴿تسأل﴾ قراءتان؛ إحداهما بالرفع على أن ﴿لا﴾ نافية؛ والفعل مبني لما لم يسم فاعله؛ يعني: ولا تُسأل أنت عن أصحاب الجحيم؛ أي لا يسألك الله عنهم؛ لأنك بلَّغت؛ والحساب

стр. 466

على الله؛ والقراءة الثانية: بالجزم على أن ﴿لا﴾ ناهية؛ و ﴿تَسألْ﴾: فعل مضارع مبني للفاعل مجزوم بها؛ والمعنى: لا تَسأل عن أصحاب الجحيم بما هم عليه من العذاب؛ فإنهم في حال لا يتصورها الإنسان؛ وهذا غاية ما يكون من الإنذار لهؤلاء المكذبين المخالفين الذين هم أصحاب الجحيم؛ فالنهي هنا للتهويل؛ والقراءتان سبعيتان جامعتان للمعنيين؛ و ﴿أصحاب﴾ جمع صاحب؛ وهو الملازم؛ و ﴿الجحيم﴾ النار العظيمة؛ وهي لها أسماء كثيرة منها: النار، والسعير، وجهنم، والجحيم؛ كل ذلك لاختلاف أوصافها؛ وإلا فهي واحدة. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: الرد على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لولا يكلمنا الله ... ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق﴾. ٢ ــ ومنها: ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك﴾. ٣ ــ ومنها: أن النبي ﷺ رسول صادق؛ وليس برب؛ لأن الرسول لا يمكن أن يكون له مقام المرسِل. ٤ ــ ومنها: أن رسالة النبي ﷺ متضمنة لأمر، ونهي، وتبشير، وإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿بشيراً ونذيراً﴾؛ والحكمة من ذلك ظاهرة؛ وذلك لأن الإنسان قد يهون عليه فعل الأوامر، ويشق عليه ترك المنهيات؛ أو بالعكس؛ فلو كانت الشريعة كلها أوامر ما تبين الابتلاء في كفّ الإنسان نفسه عن المحارم، ولو كانت كلها نواهي ما تبين ابتلاء الإنسان بحمل نفسه على الأوامر؛ فكان الابتلاء بالأمر، والنهي غاية الحكمة؛ فالشيخ

стр. 467

الكبير يهون عليه ترك الزنى؛ ولذلك كانت عقوبته على الزنى أشد من عقوبة الشاب؛ المهم أن الابتلاء لا يتم إلا بتنويع التكليف؛ فمثلاً الصلاة تكليف بدني؛ والزكاة بذل للمحبوب؛ والصيام ترك محبوب؛ والحج تكليف بدني، ومالي. ٥ ــ ومن فوائد الآية: أن وظيفة الرسل الإبلاغ؛ وليسوا مكلفين بعمل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم﴾. وعلى القراءة الثانية نستفيد فائدة ثانية؛ وهي شدة عذاب أصحاب الجحيم ــ والعياذ بالله ــ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم﴾. القرآن ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة: ١٢٠) التفسير: ﴿١٢٠﴾ قوله تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾: كان النبي ﷺ يحب أن يتألف اليهود، والنصارى؛ والذي يحب أن يتألفهم يحب أن يرضوا عنه؛ فبين الله أن هؤلاء اليهود والنصارى قوم ذوو عناد؛ لا يمكن أن يرضوا عنك مهما تألفتهم؛ ومهما ركنت إليهم بالتألف ــ لا بالمودة ــ فإنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم؛ ولهذا كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنهَ عنه؛ ثم بعد ذلك

стр. 468

كان يأمر بمخالفتهم؛ و ﴿لا﴾ هنا للتوكيد؛ وليست مستقلة؛ فإنها لو حذفت، وقيل: «ولن ترضى عنك اليهود والنصارى» لاستقام الكلام؛ لكنها زيدت للتوكيد؛ لأجل ألا يظن الظان أن المراد أن الجميع لا يرضون مجتمعين؛ مع أن الواقع أن كل طائفة لن ترضى؛ ونظير ذلك في زيادة «لا»: قوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧]: فإنها تفيد ما أفادته «لا» في قوله تعالى: ﴿ولا النصارى و ﴿حتى﴾: حرف غاية؛ وهي تنصب المضارع بنفسها عند الكوفيين؛ وبـ «أن» المقدرة عند البصريين؛ و ﴿ملتهم﴾ أي دينهم الذي كانوا عليه؛ فاليهود لن يرضوا عنك حتى تكون يهودياً، والنصارى لن ترضى عنك حتى تكون نصرانياً؛ ولكن الجواب الوحيد لهؤلاء الذين يقولون: «لا نرضى عنك حتى تتبع ملتنا»، قوله تعالى: ﴿قل أي مجيباً لهم في عدم اتباع ملتهم ﴿إن هدى الله هو الهدى﴾ أي ليس الهدى ما أنتم عليه؛ بل إن هدى الله وحده هو الهدى؛ و ﴿هو﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب؛ وقوله تعالى: ﴿الهدى﴾ خبر ﴿إن﴾؛ أما اسمها فهو قوله تعالى: ﴿هدى الله﴾. قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾: الخطاب للرسول ﷺ ؛ أو لكل من يتأتى خطابه؛ ولكن الأقرب أنه للرسول ﷺ ؛ و ﴿لئن اتبعت﴾ جملة فيها شرط، وقسم؛ وإذا اجتمعا ــ أي الشرط، والقسم فإنه يحذف جواب المؤخر منهما؛ قال ابن مالك في الألفية: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم والقسَم دلت عليه اللام في قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت﴾؛ إذ إن التقدير: «والله لئن اتبعت»؛ والشرط «إن». والجواب: ﴿ما

стр. 469

لك من الله ... ﴾؛ وهو جواب القسم بناءً على القاعدة التي أشار إليها ابن مالك؛ ولأنه لو كان جواب الشرط لوجب اقترانه بالفاء؛ لأنه نُفي بـ ﴿ما﴾؛ وجواب الشرط قيل: إنه محذوف دل عليه جواب القسم؛ وقيل: إنه لا يحتاج إليه لتمام الكلام بدونه؛ وهذا القول هو الراجح ــ أنه لا يحتاج إليه لتمام الكلام بدونه ــ؛ والدليل على ذلك؛ أنه لم يأت ذكره في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ فإذا لم يأت في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية دل على أن الكلام مستغن عنه. قوله تعالى: ﴿بعد الذي جاءك من العلم﴾ يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي ﷺ سواء كان القرآن، أو السنة؛ فالذي جاء إلى الرسول ﷺ عِلم. قوله تعالى: ﴿ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾: ﴿ما﴾ نافية؛ و ﴿لك﴾ جار ومجرور خبر مقدم؛ و ﴿وليّ﴾ مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد إعراباً؛ وأصلها: «ما لك من الله وليٌّ»؛ وجملة: ﴿ما لك من الله﴾ لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب القسم؛ و «الولي» هو الذي يتولى غيره بحفظه، وصيانته؛ فالمعنى: ما أحد يتولى حفظك سوى الله ؛ و «النصير» هو الذي يدفع الشر؛ أي: ولا أحد يتولى نصرك، فيدفع عنك الشر سوى الله . الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: بيان عناد اليهود، والنصارى، حيث لا يرضون عن أحد إلا إذا اتبع دينهم.

стр. 470

٢ ــ ومنها: أن من كان لا يرضى إلا بذلك فسيحاول إدخال غير اليهود، والنصارى في اليهودية، والنصرانية. ٣ ــ ومنها: الحذر من اليهود، والنصارى؛ إذ لا يرضون لأحد حتى يكون يهودياً؛ أو نصرانياً. ٤ ــ ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله تعالى: ﴿ملتهم﴾؛ وهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة؛ أما باعتبار أنواعه فإنه ملل: اليهودية ملة؛ والنصرانية ملة؛ والبوذية ملة؛ وهكذا بقية الملل؛ ولكن كل هذه الملل باعتبار مضادة الإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر؛ فتكون جنساً، والملل أنواعاً. ٥ ــ ومنها: الرد على أهل الكفر بهذه الكلمة: ﴿هدى الله هو الهدى﴾؛ والمعنى: إن كان معكم هدى الله فأنتم مهتدون؛ وإلا فأنتم ضالون. ٦ ــ ومنها: أن ما عدا هدى الله ضلال؛ قال الله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون﴾ [يونس: ٣٢]؛ فكل ما لا يوافق هدى الله فإنه ضلال؛ وليس ثمة واسطة بين هدى الله، والضلال. ٧ ــ ومنها: أن البدع ضلالة؛ لقوله تعالى: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾؛ وقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤]؛ فليس بعد الهدى إلا الضلال؛ ولقول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة» (١). ٨ ــ ومنها: تحريم اتباع أهواء اليهود، والنصارى؛ لقوله

стр. 471

تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من وليّ ولا نصير﴾. ٩ ــ ومنها: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس ديناً؛ بل هو هوى؛ لقوله تعالى: ﴿أهواءهم﴾؛ ولم يقل ملتهم كما في الأول؛ ففي الأول قال تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾؛ لأنهم يعتقدون أنهم على ملة، ودين؛ ولكن بيَّن الله تعالى أن هذا ليس بدين، ولا ملة؛ بل هوى؛ وليسوا على هدًى؛ إذ لو كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم؛ ولوجب عليهم جميعاً أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ؛ لكن دينهم هوى، وليس هدًى؛ وهكذا كل إنسان يتبع غير ما جاءت به الرسل ــ عليهم الصلوات والسلام ــ، ويتعصب له؛ فإن ملته هوى، وليست هدًى. ١٠ ــ ومن فوائد الآية: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أشد ضلالة؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ... ﴾ الآية. ١١ ــ ومنها: أن ما جاء إلى الرسول سواء كان القرآن، أو السنة فهو علم؛ فالنبي ﷺ كان أمياً ــ لا يقرأ، ولا يكتب ــ، كما قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت: ٤٨]؛ ولكن الله تعالى أنزل عليه هذا الكتاب حتى صار بذلك نبياً جاء بالعلم النافع، والعمل الصالح. ١٢ ــ ومنها: أن من أراد الله به سوءاً فلا مرد له؛ لقوله تعالى: ﴿ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾. ١٣ ــ ومنها: أنك إذا اتبعت غير شريعة الله فلا أحد

стр. 472

يحفظك من الله؛ ولا أحد ينصرك من دونه ــ حتى لو كثر الجنود عندك؛ ولو كثرت الشُرَط؛ ولو اشتدت القوة ــ؛ لأن النصر والولاية تكون بالهداية باتباع هدى الله ، كما قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢] فالأمن إنما يكون بالإيمان، وعدم الظلم. ١٤ ــ ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفاً، ورجاءً؛ لأنك متى علمت أنه ليس لك وليّ، ولا نصير فلا تتعلق إلا بالله؛ فلا تعلق قلبك أيها المسلم إلا بربك. القرآن ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة: ١٢١) التفسير: ﴿١٢١﴾ قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ مبتدأ؛ وجملة؛ ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ قيل: إنها خبر المبتدأ؛ وعلى هذا فتكون الجملة الثانية: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ استئنافية؛ وقيل: إن قوله تعالى: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ جملة حالية، وأن جملة: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ خبر المبتدأ؛ والأقرب الإعراب الثاني؛ لأن الكلام هنا عن الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ : لا يؤمنون به إلا من يتلو الكتاب حق تلاوته سواء التوراة، أو الإنجيل، أو القرآن؛ وعلى هذا فقيد الذي آتيناه الكتاب بكونهم يتلونه حق التلاوة

стр. 473

أحسن ــ يعني: أن من أوتي الكتاب، وصار على هذا الوصف ــ يتلوه حق تلاوته ــ فهو الذي يؤمن به ــ. وقوله تعالى: ﴿آتيناهم الكتاب﴾ أي أعطيناهم الكتاب؛ والإيتاء هنا إيتاء شرعي، وكوني؛ لأن الله تعالى قدر أن يعطيهم الكتاب، فأعطاهم إياه؛ وهو أيضاً إيتاء شرعي؛ لأنه فيه الشرائع، والبيان؛ والمراد بمن آتاهم الكتاب: إما هذه الأمة؛ أو هي، وغيرها؛ وهذا هو الأرجح ــ أنه شامل لكل من آتاه الله الكتاب ــ؛ و ﴿الكتاب﴾ المراد به الجنس؛ فيشمل القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وغيرها من كتب الله . قوله تعالى: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾؛ «التلاوة» تطلق على تلاوة اللفظ ــ وهي القراءة ــ؛ وعلى تلاوة المعنى وهي التفسير ــ؛ وعلى تلاوة الحكم ــ وهي الاتِّباع ــ؛ هذه المعاني الثلاثة للتلاوة داخلة في قوله تعالى: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾؛ فـ «التلاوة اللفظية» قراءة القرآن باللفظ الذي يجب أن يكون عليه معرباً كما جاء لا يغير؛ و «التلاوة المعنوية» أن يفسره على ما أراد الله؛ ونحن نعلم مراد الله بهذا القرآن؛ لأنه جاء باللغة العربية، كما قال لله تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٥]؛ وهذا المعنى في اللغة العربية هو ما يقتضيه هذا اللفظ؛ فنكون بذلك قد علمنا معنى كلام الله ؛ و «تلاوة الحكم» امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار. وقوله تعالى: ﴿حق تلاوته﴾ هذا من باب إضافة الوصف إلى موصوفه ــ يعني: التلاوة الحق ــ؛ أي التلاوة الجِد، والثبات، وعدم الانحراف يميناً، أو شمالاً؛ وهو من حيث الإعراب: مفعول مطلق؛

стр. 474

لأنه مضاف إلى مصدر، كما قال ابن مالك في الألفية: (كجِدَّ كل الجِدِّ) قوله تعالى: ﴿ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾؛ ﴿من﴾ شرطية جازمة؛ ﴿يكفر﴾ مجزوم على أنه فعل الشرط؛ ﴿به﴾ أي بالكتاب؛ وجملة: ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾ هي جواب الشرط؛ واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية؛ والجملة الاسمية إذا كانت جواباً للشرط وجب اقترانها بالفاء؛ وأتى بالجملة الاسمية المفيدة للثبوت، والاستمرار؛ وأتى بضمير الفصل ﴿هم﴾ لإفادة الحصر، والتوكيد؛ يعني: فأولئك الذين كفروا به هم الخاسرون لا غيرهم؛ وأصل «الخسران» النقص؛ ولهذا يقال: ربح؛ ويقال في مقابله: خسر؛ فهؤلاء هم الذي حصل عليهم النقص لا غيرهم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زائلة، وفانية، فلا تنفعهم. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: منة الله على من آتاه الله تعالى الكتاب، فتلاه حق تلاوته. ٢ ــ ومنها: أنه ليس مجرد إتيان الكتاب فضيلة للإنسان؛ بل الفضيلة بتلاوته حق تلاوته. ٣ ــ ومنها: أن للإيمان علامة؛ وعلامته العمل؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ بعد قوله : ﴿يتلونه حق تلاوته﴾. ٤ ــ ومنها: أن من خالف القرآن في شيء كان ذلك دليلاً على نقص إيمانه؛ لقوله تعالى: ﴿يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به﴾؛ فمعنى ذلك: إذا لم يتلوه حق تلاوته فإنهم لم يؤمنوا به؛ بل نقص من إيمانهم بقدر ما نقص من تلاوتهم له.

стр. 475

٥ ــ ومنها: أن تلاوة القرآن نوعان؛ تلاوة حق؛ وتلاوة ناقصة ليست تامة؛ فالتلاوة الحق أن يكون الإنسان تالياً للفظه، ولمعناه عاملاً بأحكامه مصدقاً بأخباره؛ فمن استكبر أو جحد فإنه لم يتله حق تلاوته. ٦ ــ ومنها: أن الكافر بالقرآن مهما أصاب من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾؛ يكون خاسراً ــ ولو نال من الدنيا من أموال، وبنين، ومراكب فخمة، وقصور مشيدة ــ؛ لأن هذه كلها سوف تذهب، وتزول؛ أو هو يزول عنها، ولا تنفعه؛ واذكر قصة قارون، واتل قول الله تعالى: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ [الزمر: ١٥]؛ فإذاً يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ [المنافقون: ٩]؛ ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ [المنافقون: ٩] يعني: ولو ربحوا في دنياهم. ٧ ــ ومن فوائد الآية: علوّ مرتبة من يتلون الكتاب حق تلاوته؛ للإشارة إليهم بلفظ البعيد: ﴿أولئك يؤمنون به﴾. القرآن ( يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: ١٢٢) (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة: ١٢٣)

стр. 476

التفسير: ﴿١٢٢﴾ قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ... ﴾ الآية؛ سبق الكلام على نظيرها، وفوائدها. ﴿١٢٣﴾ قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً﴾: سبق الكلام على نظيرها. قوله تعالى: ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئاً﴾ أي لا تغني نفس عن نفس شيئاً؛ فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئاً؛ لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسَنَسْلَم بهم من النار، أو من عذاب هذا اليوم؛ و ﴿شيئاً﴾ نكرة في سياق النفي، فتعم أيّ شيء؛ ولا يرد على هذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السُّنة؛ فإن هذه الآية مخصوصة بها. قوله تعالى: ﴿ولا يُقبَل منها﴾ أي من النفس؛ والذي يَقبل، أو يَردّ هو الله ؛ و ﴿عدل﴾ أي ما يعدل به العذاب عن نفسه ــ وهو الفداء ــ؛ فـ «العدل» معناه الشيء المعادِل، كما قال الله ــ ﵎ ــ: ﴿أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥] أي ما يعادله من الصيام؛ وهنا: لو أتت بالفداء لا يقبل. قوله تعالى: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾؛ «الشفاعة» هي التوسط للغير بدفع مضرة، أو جلب منفعة؛ سميت بذلك؛ لأن الشافع إذا انضم إلى المشفوع له، صار شِفعاً بعد أن كان وتراً؛ فالشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها: شفاعة لدفع مضرة؛ والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة؛ شفاعة في جلب منفعة. قوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾: مع أن السياق يرجع إلى مفرد في قوله تعالى: ﴿نفس عن نفس﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا يقبل

стр. 477

منها﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا تنفعها﴾؛ جاء الكلام هنا بصيغة الجمع باعتبار المعنى؛ لأن قوله تعالى: ﴿لا تجزي نفس عن نفس﴾ للعموم؛ والعموم يدل على الجمع، والكثرة؛ ثم إن هنا مناسبة لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ ومراعاة الفواصل أمر ورد به القرآن ــ حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل ــ، كما في قوله تعالى في سورة طه؛ ﴿قالوا آمنا برب العالمين * رب هارون وموسى﴾ [الشعراء: ٤٧، ٤٨]؛ لأن سورة طه كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة؛ فمراعاة الفواصل إذاً من بلاغة القرآن. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: إثبات يوم القيامة، وأن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه. ٢ ــ ومنها: أن ذلك اليوم لا تغني نفس عن نفس شيئاً؛ حتى الوالد لا يجزي عن ولده شيئاً؛ ولا المولود يجزي عن والده شيئاً، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً﴾. ٣ ــ ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل؛ قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾. ٤ ــ ومنها: ثبوت أصل الشفاعة في ذلك اليوم؛ لقوله تعالى: ﴿لا تنفعها شفاعة﴾؛ وثبت أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف أن يُقضى بينهم (١)، وأنه ﷺ يشفع في أهل الكبائر أن لا

стр. 478

يدخلوا النار (١)؛ وفيمن دخل النار أن يخرج منها (٢)؛ فعلى هذا يكون العموم في قوله تعالى: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ مخصوصاً بما ثبتت به السنة من الشفاعة. ٥ ــ ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨]. ٦ ــ ومنها: أنه لا ينصر أحد أحداً من عذاب الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾. القرآن ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: ١٢٤) التفسير: ﴿١٢٤﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه﴾؛ ﴿إبراهيم﴾ مفعول مقدم؛ و ﴿ربه﴾ فاعل مؤخر؛ فالمبتلي هو الله؛ والمبتلى هو إبراهيم؛ والابتلاء هو الاختبار، والامتحان؛ و ﴿إبراهيم﴾ بكسر الهاء، وياء بعدها؛ وفيها قراءة: ﴿إبراهام﴾ بفتح الهاء، وألف بعدها؛ وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم: وهي من الربوبية

стр. 479

الخاصة؛ فالربوبية بإزاء العبودية؛ فكما أن العبودية نوعان ــ خاصة، وعامة ــ فالربوبية أيضاً نوعان: خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قول السحرة: ﴿آمنا برب العالمين﴾ [الأعراف: ١٢١]: هذه عامة؛ ﴿رب موسى وهارون﴾ [الشعراء: ٤٨]: هذه خاصة؛ ولا شك أن ربوبية الله للرسل ــ ولا سيما أولو العزم منهم؛ وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام ــ أخص الربوبيات. قوله تعالى: ﴿بكلمات﴾؛ هذه الكلمات ــ التي هي محل الابتلاء، والاختبار ــ أطلقها الله ؛ فهي كلمات كونية؛ وشرعية؛ أو جامعة بينهما؛ واختلف المفسرون في هذه الكلمات؛ وأصح الأقوال فيها أن كل ما أمره به شرعاً، أو قضاه عليه قدراً، فهو كلمات؛ فمن ذلك أنه ابتُلي بالأمر بذبح ابنه، فامتثل؛ لكن الله رفع ذلك عنه حين استسلم لربه؛ وهذا من الكلمات الشرعية؛ وهذا امتحان من أعظم الامتحانات؛ ومن ذلك أن الله امتحنه بأن أوقدت له النار، وأُلقي فيها؛ وهذا من الكلمات الكونية؛ وصبر، واحتسب؛ فأنجاه الله منها، وقال تعالى: ﴿يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩]؛ وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر، ومصابرة، أو أمره به فهو داخل في قوله تعالى: ﴿بكلمات﴾. قوله تعالى: ﴿إني جاعلك﴾ أي مصيرك؛ وهي تنصب مفعولين؛ لأنها مشتقة من «جعل» التي بمعنى «صيّر»؛ والمفعول الأول: الكاف التي في محل جر بالإضافة؛ والمفعول الثاني: ﴿إماماً﴾. وقوله تعالى: ﴿للناس إماماً﴾ عامة فيمن أتى بعده: فإنه

стр. 480

صار إماماً حتى لخاتم الرسل محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين﴾ [النحل: ١٢٣]؛ و «الإمام» مَن يُقتدى به سواء في الخير، أو في الشر؛ لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير. فإذا قال قائل: أرُونا دليلاً على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون﴾ [القصص: ٤١]، وقول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (١)؛ وهذا لأنه إمام. قوله تعالى: ﴿ومن ذريتي﴾ أي واجعل من ذريتي إماماً؛ وهنا ﴿مِن﴾ يحتمل أنها لبيان الجنس؛ وبناءً على ذلك تصلح ﴿ذريتي﴾ لجميع الذرية؛ يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة؛ ويحتمل أنها للتبعيض؛ وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إماماً؛ والكلام يحتمل هذا، وهذا؛ ولكن سواء قلنا؛ إنها لبيان الجنس؛ أو للتبعيض؛ فالله تعالى أعطاه ذلك مقيداً، فقال تعالى: ﴿لا ينال﴾ أي لا يصيب ﴿عهدي﴾ أي تعهدي لك بهذا ﴿الظالمين﴾؛ و ﴿عهدي﴾ فاعل؛ و ﴿الظالمين﴾ مفعول به؛ أي أجعل من ذريتك إماماً؛ ولكن الظالم من ذريتك لا يدخل في ذلك. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن الله قد يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه) وكما أنه يبتلي

стр. 481

بعض العباد بتكليفات خاصة شرعية، فإنه قد يبتليهم بأحكام كونية، مثل: مرض، مصائب في المال، أو في الأهل؛ وما أشبه ذلك. ٢ ــ ومنها: فضيلة إبراهيم ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿ربه﴾ حيث أضاف ربوبيته إلى إبراهيم ــ وهي ربوبية خاصة ــ؛ ولقوله تعالى: ﴿فأتمهن﴾؛ ولقوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾. ٣ ــ ومنها: أن من أتم ما كلفه الله به كان من الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾؛ فإنه لما أتمَّهن جوزي على ذلك بأن جُعل للناس إماماً. ٤ ــ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو لذريته بالإمامة، والصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿قال ومن ذريتي﴾؛ وإبراهيم طلب أن يكون من ذريته أئمة، وطلب أن يكون من ذريته من يقيم الصلاة: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ [إبراهيم: ٤٠]. ٥ ــ ومنها: أن الظالم لا يستحق أن يكون إماماً؛ والمراد: الظلم الأكبر ــ الذي هو الكفر ــ؛ لقوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾. ٦ ــ ومنها: أن الظلم ينزل بأهله إلى أسفل سافلين؛ لا يجعلهم في قمة؛ بل ينزلهم إما في الدنيا؛ وإما في الآخرة. القرآن ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة: ١٢٥) التفسير: ﴿١٢٥﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس

стр. 482

وأمناً﴾؛ ﴿إذ﴾ للظرفية؛ وهي متعلقة بمحذوف تقديره: «اذكر»؛ يعني: اذكر يا محمد للناس هذا الأمر الذي صيرناه للناس؛ و ﴿جعلنا﴾ أي صيرنا؛ و ﴿البيت﴾: «أل» هنا للعهد الذهني؛ والمراد به الكعبة؛ لأنها بيت الله ؛ وأتى هنا بـ «أل» للتفخيم والتعظيم؛ يعني: البيت المعهود الذي لا يُجهل، ولا يُنسى جعلناه مثابة ... ؛ و «المثابة» بمعنى المرجع؛ أي يثوب الناس إليه، ويرجعون إليه من كل أقطار الدنيا سواء ثابوا إليه بأبدانهم، أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجاً، أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم؛ والذين يتجهون إليه كل يوم بصلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم فإنهم لا يزالون يتذكرون هذا البيت في كل يوم، وليلة؛ بل استقباله من شروط صحة صلاتنا. وقوله تعالى: ﴿أمناً﴾ أي وجعلناه أمناً للناس؛ أي مكان أمن يأمن الناس فيه على دمائهم، وأموالهم ــ حتى أشجار الحرم، وحشيشه آمن من القطع ــ. قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى﴾ أي صيِّروا، واجعلوا؛ وفيها قراءتان؛ إحداهما: بفعل الأمر: ﴿اتخِذوا﴾؛ والثانية: بفعل الماضي: ﴿اتخَذوا﴾ أي: واتخذ الناس؛ وعلى الأولى: اتخذوا أنتم من مقام إبراهيم مصلًّى؛ و ﴿مِن﴾ هنا لبيان الجنس؛ ويجوز أن تُضمَّن «في»؛ يعني: واتخذوا في هذا المقام مكاناً للصلاة؛ و «المقام» مكان القيام؛ ويطلق إطلاقين: إطلاقاً عاماً - وهو مكان قيام إبراهيم للعبادة -؛ وإطلاقاً خاصاً ــ وهو مقامه لبناء الكعبة ــ؛ فعلى الإطلاق الأول يكون جميع مواقف الحج، ومشاعر الحج من مقام إبراهيم: عرفة؛ مزدلفة؛

стр. 483

الجمرات؛ الصفا، والمروة ... إلخ؛ وعلى الإطلاق الثاني الخاص يكون المراد الحجر المعين الذي قام عليه إبراهيم ﷺ ليرفع قواعد البيت؛ وهو هذا المقام المشهور المعروف للجميع. وقوله: ﴿مصلًّى﴾ مفعول أول لـ ﴿اتخذوا﴾ منصوب بالفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر؛ والتنوين الذي فيه عوض عن الألف المحذوفة؛ والمفعول الثاني: هو الجار والمجرور المقدم؛ و «المصلى» مكان الصلاة؛ وهل المراد بالصلاة الصلاة اللغوية؛ أو الصلاة الشرعية المعروفة؟ يحتمل هذا، وهذا؛ فإن قلنا بالأول شمل جميع مناسك الحج؛ لأنها كلها محل للدعاء؛ وإن قلنا بالثاني اختص بالركعتين بعد الطواف خلف المقام؛ ويؤيده أن النبي ﷺ حين فرغ من طوافه تقدم إلى مقام إبراهيم، وقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾، وصلى ركعتين (١)؛ والقول بالعموم أشمل؛ ويجاب عن فعل النبي ﷺ بأنه فسر المعنى ببعض أفراده؛ وهذا لا يقتضي التخصيص عند أهل التحقيق من الأصوليين. قوله تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم﴾؛ «العهد» الوصية بما هو هام؛ وليست مجرد الوصية؛ بل لا تكون عهداً إلا إذا كان الأمر هاماً؛ ومنه عهْد أبي بكر بالخلافة إلى عمر؛ ومعلوم أن أهم ما يكون من أمور المسلمين العامة الخلافة. قوله تعالى: ﴿وإسماعيل﴾: هو ابن إبراهيم؛ وهو أبو العرب؛ وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني: هو الذي أمر الله

стр. 484

إبراهيم أن يذبحه؛ وهو الذي قال لأبيه: ﴿يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢]؛ وقول من قال: «إنه إسحاق» بعيد؛ وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل: لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه أبو العرب عمهم؛ ولكن من تأمل آيات «الصافات» تبين له ضعف هذا القول. قوله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي﴾؛ ﴿أنْ﴾ تفسيرية؛ لأنّ ﴿عهدنا﴾ فيه معنى القول دون حروفه؛ أي أنّ العهد هو قوله تعالى: ﴿طهرا بيتي ... ﴾؛ و ﴿طهرا﴾ فعل أمر؛ و ﴿بيتي﴾ المراد به الكعبة؛ وأضافها الله إلى نفسه إضافة تشريف؛ والمراد تطهير البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية. قوله تعالى: ﴿للطائفين﴾ أي للذين يطوفون بالبيت؛ فاللام هذه للتعليل ــ أي لأجلهم ــ؛ والثاني: ﴿العاكفين﴾ أي الذين يقيمون فيه للعبادة؛ والثالث: ﴿الركع السجود﴾ أي الذين يصلون فيه؛ وعبر عن الصلاة بالركوع، والسجود؛ لأنهما ركنان فيها؛ فإذا أطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلاً على أن هذا الجزء ركن فيها لا تصح بدونه؛ و ﴿الركع﴾ جمع راكع؛ و ﴿السجود﴾ جمع ساجد؛ وهنا بدأ بـ ﴿الطائفين﴾؛ لأن عبادتهم خاصة بهذا المسجد؛ ثم بـ ﴿العاكفين﴾؛ لأن عبادتهم خاصة بالمساجد؛ لكنها أعم من الطائفين؛ وثلّث بـ ﴿الركع السجود﴾؛ لأن ذلك يصح بكل مكان بالأرض؛ لقوله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» (١)؛ فإذاً يكون الله بدأ بالأخص فالأخص.

стр. 485

الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: فضيلة البيت الحرام من وجهين: أنه مثابة؛ وأمن. ٢ ــ ومنها: ظهور رحمة الله؛ فإنه لما جعل هذا البيت مثابة، والناس لابد أن يرجعوا إليه رحمهم بأن جعله أمناً؛ وإنما أحلها الله لرسوله ﷺ ساعة من نهار للضرورة؛ وهي ساعة الفتح؛ ثم قال ﷺ : «وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس»؛ ثم أورد ﷺ سؤالاً قال فيه: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» (١)؛ والحكم لله العلي الكبير: أذِن للرسول في تلك الساعة؛ ولكنه لم يأذن لأحد بعده كما لم يأذن لأحد قبله؛ ولهذا نُهي عن حمل السلاح في الحرم حتى يبقى كل إنسان آمناً؛ ولما طعن ابن عمر ــ ﵄ ــ وهو على راحلته في منى ــ طعنه أحد الخوارج بسنان الرمح في أخمص قدمه حتى لزقت قدمه بالركاب جاءه الحجاج يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟! فقال ابن عمر: أنت أصبتني! قال: وكيف؟ قال: «حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم» (٢)؛ وبهذا

стр. 486

تعرف عظم جرم أولئك الذين يوقعون المخاوف بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم ــ والعياذ بالله ــ من أعظم الناس جرماً؛ لأن الله جعل هذا البلد آمناً في كل وقت؛ فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أُمِّن ــ والله أعلم ــ إلا لأجلها. ٣ ــ ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون كل مكان مثابة للناس أمناً؛ ولهذا كره أهل العلم أن يحمل السلاح في المساجد؛ قالوا: لأن المساجد محل أمن؛ لكن إذا كان المراد من حمل السلاح حفظ الأمن كان مأموراً به. ٤ ــ ومنها: وجوب اتخاذ المصلى من مقام إبراهيم؛ لقوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى﴾؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ فإن قلنا بأن المراد بالمقام جميع مناسك الحج فلا إشكال؛ لأن فيه ما لا يتم الحج إلا به كالوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة؛ ومنه ما يصح الحج بدونه مع وجوبه كالمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات؛ ومنه ما يصح الحج بدونه وليس بواجب، كصلاة الركعتين بعد الطواف على المشهور؛ وإذا قلنا: المراد به الركعتان بعد الطواف صار فيه إشكال: فإن جمهور العلماء على أنهما سنة؛ وذهب الإمام مالك إلى أنهما واجبتان؛ والذي ينبغي للإنسان: أن لا يدعهما؛ لأن الرسول ﷺ فسر الآية بهما، حيث تقدم إلى مقام إبراهيم بعد الطواف، فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. ٥ ــ ومنها: أن الله يثيب العامل بأكثر من عمله؛ فإبراهيم ﷺ لما أتم الكلمات جعله الله تعالى إماماً للناس، وأمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلًّى؛ وهذا بعض من إمامته.

стр. 487

٦ ــ ومنها: وجوب تطهير البيت من الأرجاس الحسية، والمعنوية؛ لقوله تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا﴾؛ والعهد هو الوصية بالأمر الهام؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]؛ ولهذا لا يجوز للمشركين وغيرهم من أهل الكفر أن يدخلوا أميال الحرم؛ لأنهم إذا دخلوها قربوا من المسجد الحرام والله تعالى يقول: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. ٧ ــ ومن فوائد الآية: اشتراط طهارة مكان الطواف؛ لقوله تعالى: ﴿للطائفين﴾. ٨ ــ ومنها: اشتراط طهارة لباس الطائفين من باب أولى، وأنه لا يجوز أن يطوف بثوب نجس؛ لأن ملابسة الإنسان للثياب ألصق من ملابسته للمكان. ٩ ــ ومنها: أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿وطهرا بيتي للطائفين﴾؛ ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد الحرام، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان ــ مثلاً ــ أن يطوف حول المسجد الحرام من خارج فإنه لا يجزئ؛ لأنه يكون حينئذ طائفاً بالمسجد لا بالكعبة؛ أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق أو تحت، فهؤلاء يجزئهم الطواف؛ وعلى هذا يجب الحذر من الطواف في المسعى، أو فوقه؛ لأن المسعى ليس من المسجد؛ إذ لو كان من المسجد لكانت المرأة إذا حاضت بعد الطواف لا تسعى؛ لأنه يلزم من سعيها أن تمكث في المسجد.

стр. 488

١٠ ــ ومن فوائد الآية: فضيلة هذه العبادات الأربع: الطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود؛ وأن الركوع والسجود أفضل هيئة في الصلاة؛ فالركوع أفضل هيئة من القيام؛ والسجود أفضل منه؛ والقيام أفضل من الركوع، والسجود بما يُقرأ فيه؛ ولهذا نُهي المصلي أن يقرأ القرآن راكعاً، أو ساجداً؛ فإنَّ ذِكْر القيام كلام الله؛ وهو أفضل من كل شيء؛ وذكر الركوع والسجود هو التسبيح؛ وهو أقل حرمة من القرآن؛ ولذلك حل الذكر للجنب دون قراءة القرآن، ويجوز مس الورقات التي فيها الذكر بغير وضوء دون مس المصحف؛ فالله حكيم: جعل لكل ركن من أركان الصلاة ميزة يختص بها؛ فالقيام اختصه بفضل ذكره؛ والركوع والسجود بفضل هيئتهما. تنبيه: اختلف المؤرخون: هل كان الحجر الذي كان يرفع عليه إبراهيم ﷺ بناءَ الكعبة لاصقاً بالكعبة، أو كان منفصلاً عنها في مكانه الآن؛ فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقاً بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا الموضع عمر بن الخطاب ﵁؛ وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة؛ أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي ﷺ فالظاهر أنه لا يجوز أن يغير؛ لأن النبي ﷺ أقره؛ وإذا أقره النبي ﷺ فليس لنا أن نؤخره عنه؛ وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة بناءً على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقاً بالكعبة، ثم أُخِّر؛

стр. 489

وهذا لا شك أنه لو أُخِّر عن مكانه فيه دفع مفسدة ــ وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في المواسم؛ وفيه نوع مفسدة ــ وهي أنه يبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم؛ فهذه المصالح متعارضة هنا: هل الأولى بقاؤه في مكانه؟ أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يبقى ما كان على ما كان، وحذراً من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة؛ ومسألة تضييق المصلين على الطائفين هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت؛ أو بالمنع بالقهر إذا لم تفد؛ وفي ظني أنها قلّت في السنوات الأخيرة بعض الشيء؛ لأن الناس صار عندهم وعي. القرآن (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ١٢٦) التفسير: ﴿١٢٦﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ أي اذكر إذ قال إبراهيم: ﴿رب اجعل﴾ أي صيِّر ﴿هذا﴾ أي مكة ﴿بلداً آمناً﴾؛ «البلد» اسم لكل مكان مسكون سواء كان ذلك مدينة كبيرة، أو مدينة صغيرة؛ كله يسمى بلداً؛ وقد سمى الله مكة بلداً، كما في قوله تعالى: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: ٣]؛ وسماها الله تعالى قرية، كما في قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم﴾ [محمد: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿آمناً﴾: قال بعض المفسرين: أي آمناً مَن

стр. 490

فيه؛ لأن البلد نفسه لا يوصف بالأمن، والخوف؛ «البلد» أرض، وبناء؛ وإنما الذي يكون آمناً: أهلُه؛ أما هو فيكون أمْناً؛ والذي ينبغي هو أن يبقى على ظاهره، وأن يكون البلد نفسه آمناً؛ وإذا أمِنَ البلد أمِن مَن فيه ــ وهو أبلغ ــ؛ لأنه مثلاً لو جاء أحد، وهدم البناء ما كان البناء آمناً، وصار البناء عرضة لأن يتسلط عليه من يُتلفه؛ فكون البلد آمناً أبلغ من أن نفسره بـ «آمناً أهله»؛ لأنه يشمل البلد، ومن فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وارزق أهله﴾؛ لأن البلد لا يرزق. قوله تعالى: ﴿ارزق﴾ فعل دعاء؛ ومعناه: أعطِ؛ و ﴿أهله﴾ مفعول أول؛ و ﴿من الثمرات﴾ مفعول ثانٍ؛ و ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ بدل من قوله: ﴿أهله﴾ ــ بدل بعض من كل ــ؛ و «الإيمان» في اللغة: التصديق؛ وفي الشرع: التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته؛ و ﴿اليوم الآخر﴾ هو يوم القيامة؛ وسمي آخراً؛ لأنه لا يوم بعده؛ وسبق بيان ذلك. قوله تعالى: ﴿قال ومن كفر﴾؛ القائل هو الله ؛ فأجاب الله تعالى دعاءه؛ يعني: وأرزق من كفر أيضاً؛ فهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿من آمن﴾؛ ولكنه تعالى قال في الكافر: ﴿فأمتعه قليلاً .. ﴾ إلخ. قوله تعالى: ﴿فأمتعه﴾ فيها قراءتان؛ الأولى بفتح الميم، وتشديد التاء؛ والثانية بإسكان الميم، وتخفيف التاء؛ و «الإمتاع» و «التمتيع» معناهما واحد؛ وهو أن يعطيه ما يتمتع به؛ و «المتعة»: البلغة التي تلائم الإنسان.

стр. 491

قوله تعالى: ﴿قليلاً﴾: القلة هنا تتناول الزمان، وتتناول عين الممتَّع به؛ فالزمن قصير: مهما طال بالإنسان العمر فهو قليل؛ قال الله : ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥]؛ كذلك عين الممتع به قليل؛ كل ما يحصل للإنسان من هذه الدنيا من اللذة، والمتاع قليل بالنسبة للآخرة، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لموضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (١)؛ ومع قلته فهو مشوب بكدر سابق، ولاحق، كما قال الشاعر: (فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُساء ويوم نُسَرُّ) ويقول الآخر: (لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم) وإذا شئت أن تعرف حقيقة الأمر فقس ما بقي من حياتك بما مضى؛ الآن كلنا يعرف أننا خلفنا أياماً كثيرة؛ فما خلفنا بالأمس كأنه لا شيء؛ نحن الآن في الوقت الذي نحن فيه؛ وأما ما مضى فكأنه لم يكن؛ ولهذا قال النبي ﷺ واصفاً الدنيا: «إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها» (٢): إنسان اطمأن قليلاً تحت ظل شجرة، ثم ارتحل! هذه الدنيا كلها.

стр. 492

قوله تعالى: ﴿ثم أضطره إلى عذاب النار﴾ أي ألجئه إلى عذاب النار؛ وإنما جعل الله ذلك إلجاءً؛ لأن كل إنسان يفر من عذاب النار؛ لكنه لا بد له منه إن كان من أهل النار؛ لأنه هو الذي فعل الأسباب التي توجبه؛ و «العذاب» العقوبة التي يتألم بها المرء؛ و ﴿النار﴾ اسم معروف. قوله تعالى: ﴿وبئس المصير﴾؛ ﴿بئس﴾ فعل ماضٍ جامد إنشائي يراد به الذم؛ و ﴿المصير﴾ فاعل ﴿بئس﴾؛ والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي؛ أي: وبئس المصير هي؛ لأنه لو لم تقدر هذا لم تكن الجملة عائدة على ما سبق؛ و ﴿المصير﴾ بمعنى مكان الصيرورة؛ أي المرجع الذي يصير إليه الإنسان. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: التنويه بفضل إبراهيم؛ لأن قوله تعالى: ﴿وإذ قال﴾ سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قال؛ ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه، والإعلام ما أمر به. ٢ ــ ومنها: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته؛ فلا أحد يستغني عن الدعاء أبداً؛ لقوله تعالى: ﴿رب اجعل ... ﴾ إلخ. ٣ ــ ومنها: أن للدعاء أثراً في حصول المقصود سواء كان دفع مكروه، أو جلب محبوب؛ لأنه لولا أن للدعاء أثراً لكان الدعاء عبثاً؛ وقول من يقول: «لا حاجة للدعاء: إن كان الله كتب هذا فهو حاصل، دعوت أو لم أدعُ؛ وإن كان الله لم يكتبه فلن يحصل، دعوت أو لم أدعُ»، فإن جوابنا عن هذا أن نقول: إن الله قد كتبه بناءً على دعائك؛ فإذا لم تدع لم يحصل، كما أنه لو

стр. 493

قال: «لن آكل الطعام؛ فإن أراد الله لي الحياة فسوف أحيا ــ ولو لم آكل؛ وإن كان يريد أن أموت فسوف أموت ــ ولو ملأت بطني إلى حلقومي»؛ نقول: لكن الأكل سبب للحياة؛ فإنكار أن يكون الدعاء سبباً إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أُخبرنا به، وفيما شاهدناه، وفيما جرى علينا أن الله يقدِّر الأشياء بالدعاء؛ فالله تعالى قص علينا في القرآن قصصاً كثيرة فيها إجابة للدعاء؛ كذلك يجري للإنسان نفسه أشياء يدعو الله بها فيشاهدها رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعائه؛ فإذاً الشرع، والواقع كلاهما يبطل دعوى من أنكر تأثير الدعاء. ٤ ــ ومن فوائد الآية: رأفة إبراهيم ﷺ بمن يؤم هذا البيت؛ لأن جعل البيت آمناً يتضمن الإرفاق بمن أمّه من الناس. ٥ ــ ومنها: رأفة إبراهيم ﷺ أيضاً، حيث سأل الله أن يرزق أهله من الثمرات؛ لقوله تعالى: ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾. ٦ ــ ومنها: أدب إبراهيم ﷺ ، حيث لم يعمم في هذا الدعاء؛ فقال: ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن﴾ خوفاً من أن يقول الله له: «من آمن فأرزقه»، كما قال تعالى حين سأله إبراهيم أن يجعل من ذريته أئمة: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ فتأدب في طلب الرزق: أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد؛ لكن المسألة صارت على عكس الأولى: الأولى خصص الله دعاءه؛ وهذا بالعكس: عمم. ٧ ــ ومنها: أن رزق الله شامل للمؤمن، والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾؛ فالرزق عام شامل للمؤمن، والكافر؛ بل للإنسان، والحيوان، كما قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا

стр. 494

على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها﴾ [هود: ٦]؛ وأنت ترى بعض الخشاش في الأرض ما حوله شيء، ولكن ييسر الله له الرزق يُجلب إليه من حيث لا يشعر، ولا يحتسب؛ ويُذكر في هذه الأمور قصص غريبة، ويشاهَد بعض الحيوانات الصغيرة الصماء العمياء يَجلب الله لها رزقاً كلما احتاجت إلى ذلك، فتأكله؛ والله على كل شيء قدير. ٨ ــ ومن فوائد الآية: أنه يجب علينا أن نتخذ من هذا الوقت القصير عملاً كثيراً ينفعنا في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿فأمتعه قليلاً﴾؛ والعمل اليسير ــ ولله الحمد ــ يثمر ثمرات كثيرة في الآخرة يضاعف بعشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ٩ ــ ومنها: إثبات عذاب النار. ١٠ ــ ومنها: إثبات كلام الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قال﴾؛ وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ والدليل على أنه بحرف أن قوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾ مثلاً مكوَّن من حروف؛ والدليل على أنه بصوت مسموع: المحاورة مع إبراهيم؛ فلولا أن إبراهيم يسمع صوتاً لم تكن محاورة. ١١ ــ ومنها: إثبات سمع الله؛ لأنه يسمع إبراهيم وهو يكلمه . ١٢ ــ ومنها: إثبات اليوم الآخر. ١٣ ــ ومنها: الثناء على النار بهذا الذم، وأنها بئس المصير؛ فكل إنسان يسمع هذا من كلام الله سوف ينفر من هذه النار، ولا يعمل عمل أهلها.

стр. 495

القرآن ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: ١٢٧) التفسير: ﴿١٢٧﴾ لما ذكر الله أنه جعل هذا البيت مثابة للناس بيَّن الله تعالى كيف نشأ هذا البيت، فقال تعالى: ﴿وإذ يرفع ... ﴾. قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع﴾؛ ﴿إذ﴾ ظرف عاملها محذوف؛ والتقدير: واذكر إذ يرفع؛ و ﴿يرفع﴾ فعل مضارع؛ والمضارع للحاضر، أو للمستقبل؛ ورفع البيت ماضٍ؛ لكنه يعبَّر بالمضارع عن الماضي على حكاية الحال كأن إبراهيم يرفع الآن، يعني: ذكِّرهم بهذه الحال التي كأنها الآن مشاهدة أمامهم. قوله تعالى: ﴿إبراهيم﴾ فيها قراءتان؛ إحداهما: بكسر الهاء بعدها ياء؛ والثانية: بفتح الهاء بعدها ألف: ﴿إبراهام قوله تعالى: ﴿القواعد﴾ مفعول ﴿يرفع﴾؛ جمع قاعدة؛ وقاعدة الشيء أساسه. قوله تعالى: ﴿من البيت﴾ بيان للقواعد؛ وهي في محل نصب على الحال؛ والمراد بـ ﴿البيت﴾ الكعبة، كما سبق. قوله تعالى: ﴿وإسماعيل﴾ عطفاً على قوله تعالى: ﴿إبراهيم﴾؛ فهو مشارك لأبيه في رفع القواعد؛ وأخّر ذكر إسماعيل؛ لأن الأصل: إبراهيم؛ وإسماعيل مُعِين؛ هذا الظاهر ــ والله أعلم ــ. قوله تعالى: ﴿ربنا تقبل منا﴾؛ «رب» منادى حذفت منه «يا»
следующие страницы →