← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قوله تعالى: ﴿قليلاً﴾: القلة هنا تتناول الزمان، وتتناول عين الممتَّع به؛ فالزمن قصير: مهما طال بالإنسان العمر فهو قليل؛ قال الله : ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥]؛ كذلك عين الممتع به قليل؛ كل ما يحصل للإنسان من هذه الدنيا من اللذة، والمتاع قليل بالنسبة للآخرة، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لموضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (١)؛ ومع قلته فهو مشوب بكدر سابق، ولاحق، كما قال الشاعر: (فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُساء ويوم نُسَرُّ) ويقول الآخر: (لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم) وإذا شئت أن تعرف حقيقة الأمر فقس ما بقي من حياتك بما مضى؛ الآن كلنا يعرف أننا خلفنا أياماً كثيرة؛ فما خلفنا بالأمس كأنه لا شيء؛ نحن الآن في الوقت الذي نحن فيه؛ وأما ما مضى فكأنه لم يكن؛ ولهذا قال النبي ﷺ واصفاً الدنيا: «إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها» (٢): إنسان اطمأن قليلاً تحت ظل شجرة، ثم ارتحل! هذه الدنيا كلها.

стр. 492

قوله تعالى: ﴿ثم أضطره إلى عذاب النار﴾ أي ألجئه إلى عذاب النار؛ وإنما جعل الله ذلك إلجاءً؛ لأن كل إنسان يفر من عذاب النار؛ لكنه لا بد له منه إن كان من أهل النار؛ لأنه هو الذي فعل الأسباب التي توجبه؛ و «العذاب» العقوبة التي يتألم بها المرء؛ و ﴿النار﴾ اسم معروف. قوله تعالى: ﴿وبئس المصير﴾؛ ﴿بئس﴾ فعل ماضٍ جامد إنشائي يراد به الذم؛ و ﴿المصير﴾ فاعل ﴿بئس﴾؛ والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي؛ أي: وبئس المصير هي؛ لأنه لو لم تقدر هذا لم تكن الجملة عائدة على ما سبق؛ و ﴿المصير﴾ بمعنى مكان الصيرورة؛ أي المرجع الذي يصير إليه الإنسان. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: التنويه بفضل إبراهيم؛ لأن قوله تعالى: ﴿وإذ قال﴾ سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قال؛ ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه، والإعلام ما أمر به. ٢ ــ ومنها: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته؛ فلا أحد يستغني عن الدعاء أبداً؛ لقوله تعالى: ﴿رب اجعل ... ﴾ إلخ. ٣ ــ ومنها: أن للدعاء أثراً في حصول المقصود سواء كان دفع مكروه، أو جلب محبوب؛ لأنه لولا أن للدعاء أثراً لكان الدعاء عبثاً؛ وقول من يقول: «لا حاجة للدعاء: إن كان الله كتب هذا فهو حاصل، دعوت أو لم أدعُ؛ وإن كان الله لم يكتبه فلن يحصل، دعوت أو لم أدعُ»، فإن جوابنا عن هذا أن نقول: إن الله قد كتبه بناءً على دعائك؛ فإذا لم تدع لم يحصل، كما أنه لو

стр. 493

قال: «لن آكل الطعام؛ فإن أراد الله لي الحياة فسوف أحيا ــ ولو لم آكل؛ وإن كان يريد أن أموت فسوف أموت ــ ولو ملأت بطني إلى حلقومي»؛ نقول: لكن الأكل سبب للحياة؛ فإنكار أن يكون الدعاء سبباً إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أُخبرنا به، وفيما شاهدناه، وفيما جرى علينا أن الله يقدِّر الأشياء بالدعاء؛ فالله تعالى قص علينا في القرآن قصصاً كثيرة فيها إجابة للدعاء؛ كذلك يجري للإنسان نفسه أشياء يدعو الله بها فيشاهدها رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعائه؛ فإذاً الشرع، والواقع كلاهما يبطل دعوى من أنكر تأثير الدعاء. ٤ ــ ومن فوائد الآية: رأفة إبراهيم ﷺ بمن يؤم هذا البيت؛ لأن جعل البيت آمناً يتضمن الإرفاق بمن أمّه من الناس. ٥ ــ ومنها: رأفة إبراهيم ﷺ أيضاً، حيث سأل الله أن يرزق أهله من الثمرات؛ لقوله تعالى: ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾. ٦ ــ ومنها: أدب إبراهيم ﷺ ، حيث لم يعمم في هذا الدعاء؛ فقال: ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن﴾ خوفاً من أن يقول الله له: «من آمن فأرزقه»، كما قال تعالى حين سأله إبراهيم أن يجعل من ذريته أئمة: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ فتأدب في طلب الرزق: أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد؛ لكن المسألة صارت على عكس الأولى: الأولى خصص الله دعاءه؛ وهذا بالعكس: عمم. ٧ ــ ومنها: أن رزق الله شامل للمؤمن، والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾؛ فالرزق عام شامل للمؤمن، والكافر؛ بل للإنسان، والحيوان، كما قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا

стр. 494

على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها﴾ [هود: ٦]؛ وأنت ترى بعض الخشاش في الأرض ما حوله شيء، ولكن ييسر الله له الرزق يُجلب إليه من حيث لا يشعر، ولا يحتسب؛ ويُذكر في هذه الأمور قصص غريبة، ويشاهَد بعض الحيوانات الصغيرة الصماء العمياء يَجلب الله لها رزقاً كلما احتاجت إلى ذلك، فتأكله؛ والله على كل شيء قدير. ٨ ــ ومن فوائد الآية: أنه يجب علينا أن نتخذ من هذا الوقت القصير عملاً كثيراً ينفعنا في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿فأمتعه قليلاً﴾؛ والعمل اليسير ــ ولله الحمد ــ يثمر ثمرات كثيرة في الآخرة يضاعف بعشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ٩ ــ ومنها: إثبات عذاب النار. ١٠ ــ ومنها: إثبات كلام الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قال﴾؛ وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ والدليل على أنه بحرف أن قوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾ مثلاً مكوَّن من حروف؛ والدليل على أنه بصوت مسموع: المحاورة مع إبراهيم؛ فلولا أن إبراهيم يسمع صوتاً لم تكن محاورة. ١١ ــ ومنها: إثبات سمع الله؛ لأنه يسمع إبراهيم وهو يكلمه . ١٢ ــ ومنها: إثبات اليوم الآخر. ١٣ ــ ومنها: الثناء على النار بهذا الذم، وأنها بئس المصير؛ فكل إنسان يسمع هذا من كلام الله سوف ينفر من هذه النار، ولا يعمل عمل أهلها.

стр. 495

القرآن ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: ١٢٧) التفسير: ﴿١٢٧﴾ لما ذكر الله أنه جعل هذا البيت مثابة للناس بيَّن الله تعالى كيف نشأ هذا البيت، فقال تعالى: ﴿وإذ يرفع ... ﴾. قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع﴾؛ ﴿إذ﴾ ظرف عاملها محذوف؛ والتقدير: واذكر إذ يرفع؛ و ﴿يرفع﴾ فعل مضارع؛ والمضارع للحاضر، أو للمستقبل؛ ورفع البيت ماضٍ؛ لكنه يعبَّر بالمضارع عن الماضي على حكاية الحال كأن إبراهيم يرفع الآن، يعني: ذكِّرهم بهذه الحال التي كأنها الآن مشاهدة أمامهم. قوله تعالى: ﴿إبراهيم﴾ فيها قراءتان؛ إحداهما: بكسر الهاء بعدها ياء؛ والثانية: بفتح الهاء بعدها ألف: ﴿إبراهام قوله تعالى: ﴿القواعد﴾ مفعول ﴿يرفع﴾؛ جمع قاعدة؛ وقاعدة الشيء أساسه. قوله تعالى: ﴿من البيت﴾ بيان للقواعد؛ وهي في محل نصب على الحال؛ والمراد بـ ﴿البيت﴾ الكعبة، كما سبق. قوله تعالى: ﴿وإسماعيل﴾ عطفاً على قوله تعالى: ﴿إبراهيم﴾؛ فهو مشارك لأبيه في رفع القواعد؛ وأخّر ذكر إسماعيل؛ لأن الأصل: إبراهيم؛ وإسماعيل مُعِين؛ هذا الظاهر ــ والله أعلم ــ. قوله تعالى: ﴿ربنا تقبل منا﴾؛ «رب» منادى حذفت منه «يا»

стр. 496

النداء؛ وأصله: يا ربنا؛ حذفت «يا» النداء للبداءة بالمدعو المنادى ــ وهو الله ــ؛ وجملة: ﴿ربنا تقبل منا﴾ عاملها محذوف تقديره: «يقولان»؛ وجملة: «يقولان» في موضع نصب على الحال؛ ودعَوَا الله باسم «الرب»؛ لأن إجابة الدعاء من شأن الربوبية؛ لأنها خلق وإيجاد. قوله تعالى: ﴿ربنا تقبل منا﴾ يعني كل واحد يقول بلسانه: ربنا تقبل منا؛ هذا ظاهر اللفظ؛ و «القبول» أخذ الشيء، والرضا به؛ ومنه ما يذكره الفقهاء في قولهم: ينعقد البيع بالإيجاب، والقبول؛ فتقبُّلُ الله للعمل أن يتلقاه بالرضا، فيرضى عن فاعله؛ وإذا رضي الله تعالى عن فاعله فلا بد أن يثيبه الثواب الذي وعده إياه. قوله تعالى: ﴿إنك أنت السميع العليم﴾: هذه الجملة تعليل لطلب القبول؛ يعني: نسألك أن تقْبل لأنك أنت السميع العليم: تسمع أقوالنا، وتعلم أحوالنا؛ وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين؛ أحدهما: «إنّ»؛ والثاني: ﴿أنت﴾؛ ومن المعلوم أن ضمير الفصل يفيد التوكيد؛ وضمير الفصل لا محل له من الإعراب؛ و ﴿السميع﴾ خبر «إن»؛ وقوله تعالى: ﴿العليم﴾ أي ذو العلم. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: فضل عمارة الكعبة؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يذكر هذه الحادثة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ يرفع ... ﴾ إلخ. ٢ ــ ومنها: فضل إبراهيم، وإسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، حيث قاما برفع هذه القواعد. ٣ ــ ومنها: أن من إحكام البناء أن يؤسس على قواعد؛

стр. 497

لقوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد﴾؛ وإذا بني على غير قاعدة فإنه ينهار. ٤ ــ ومنها: جواز المعاونة في أفعال الخير. ٥ ــ ومنها: أهمية القبول، وأن المدار في الحقيقة عليه؛ وليس على العمل؛ فكم من إنسان عمل أعمالاً كثيرة وليس له من عمله إلا التعب، فلم تنفعه؛ وكم من إنسان عمل أعمالاً قليلة قبلت فنفعه الله بها؛ ولهذا جاء في الحديث: «رب صائم حظه من صيامه الجوع، والظمأ؛ ورب قائم حظه من قيامه السهر» (١). ٦ ــ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما ﴿السميع﴾، و ﴿العليم﴾؛ وكل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفاته؛ بل على صفتين أحياناً، أو أكثر ــ ما يلزم من إثبات الصفة التي يدل عليها الاسم ــ؛ مثال ذلك: «الخالق» دل على صفة الخلق؛ وصفة الخلق تستلزم ثبوت صفة العلم، والقدرة؛ وقد يدل الاسم على الأثر إذا كان ذلك الاسم متعدياً؛ مثاله: ﴿السميع﴾ يدل على صفة السمع، ويدل على أن الله يسمع كل صوت يحدث. ٧ ــ ومن فوائد الآية: إثبات السمع لله ؛ وينقسم السمع إلى قسمين: سمع بمعنى سماع الأصوات؛ وسمع بمعنى الإجابة؛ فمثال الأول قوله ﵎: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقوله تعالى: ﴿قد

стр. 498

سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]؛ ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ [إبراهيم: ٣٩] أي مستجيب الدعاء؛ وكذلك قول المصلي: «سمع الله لمن حمده» ــ يعني استجاب لمن حمده ــ؛ والسمع الذي هو بمعنى سماع الأصوات من صفاته الذاتية؛ والسمع بمعنى الاستجابة من صفاته الفعلية؛ لأن الاستجابة تتعلق بمشيئته: إن شاء استجاب لمن حمده؛ وإن شاء لم يستجب؛ وأما سماع الأصوات فإنه ملازم لذاته ــ لم يزل، ولا يزال سميعاً ــ؛ إذ إن خلاف السمع الصمم؛ والصمم نقص؛ والله منزه عن كل نقص؛ وكلا المعنيين يناسب الدعاء: فهو يسمع صوت الداعي، ويستجيب دعاءه. والسمع ــ أعني سماع الأصوات ــ تارة يفيد تهديداً؛ وتارة يفيد إقراراً، وإحاطة؛ وتارة يفيد تأييداً. يفيد تهديداً، كما في قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ... ﴾ [آل عمران: ١٨١] الآية، وقوله تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف: ٨٠] ويفيد إقراراً، وإحاطة، كما في قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]؛ ويفيد تأييداً، كما في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]. ٨ ــ ومن فوائد الآية: إثبات العلم لله ــ ﵎ ــ جملةً، وتفصيلاً؛ موجوداً، أو معدوماً؛ ممكناً، أو واجباً، أو مستحيلاً؛ مثال علمه بالجملة: قوله تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢]،

стр. 499

وقوله تعالى: ﴿الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً﴾ [طه: ٩٨]، ومثال علمه بالتفصيل: قوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]؛ ومثال علمه بالموجود: ما أخبر الله به عن علمه بما كان، مثل قول الله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ ومثال علمه بالمعدوم الذي قد وجِد: ما علمه الله من أحوال الماضين؛ ومثال علمه بالمعدوم الذي لم يوجد بعد: ما علمه الله من أحوال القيامة، ومآل الخلق؛ ومثال علمه بالممكن: ما علمه الله من الحوادث الواقعة من الإنسان؛ ومثال علمه بالواجب: ما علمه الله من كمال صفاته؛ ومثال علمه بالمستحيل: قوله تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. واعلم أن من أنكر علم الله فهو كافر سواء أنكره فيما يتعلق بفعله، أو فيما يتعلق بخلقه؛ فلو قال: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العبد فهو كافر، كما لو قال: إن الله لا يعلم ما يفعله بنفسه؛ ولهذا كفَّر أهل السنة والجماعة غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم أفعال العباد؛ فالذي ينكر علم الله بأفعال العباد لا شك أنه كافر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦]، ويقول : ﴿أم يحسبون أنا لا نعلم سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ [الزخرف: ٨٠]؛ فالذي يقول: إن الله لا يعلم

стр. 500

أفعال العباد فإنه كافر بهذه الآيات؛ ولهذا قال الشافعي في القدرية: «ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خُصِموا؛ وإن أنكروه كفروا»؛ وإيمانك بهذا يوجب لك مراقبته، والخوف منه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؛ لأنك متى علمت أنه عالم بك فإنك تخشاه؛ تستحيي منه عند المخالفة؛ وترغب فيما عنده عند الموافقة. ٩ ــ ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته المناسبة لما يدعو به؛ لقوله تعالى: ﴿إنك أنت السميع العليم﴾. ١٠ ــ ومنها: أن الدعاء يكون باسم «الرب»؛ لأن إجابة الدعاء من شأن الربوبية؛ لأنها خَلْق، وإيجاد. القرآن ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: ١٢٨) التفسير: ﴿١٢٨﴾ قوله تعالى: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين﴾: أتى بالواو عطفاً على قوله تعالى: ﴿ربنا تقبل منا﴾ يعني ربنا واجعلنا مع قبولك مسلمين لك؛ و ﴿اجعلنا﴾ أي صيِّرنا. قوله تعالى: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ يعني واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك؛ فأتى بـ ﴿من﴾ التي للتبعيض؛ والمراد بـ ﴿ذريتنا﴾ من تفرعوا منهما؛ فذرية الإنسان من تفرعوا منه. قوله تعالى: ﴿أمة مسلمة لك﴾ هذه الأمة هي أمة

стр. 501

محمد ﷺ ؛ لأنه لا يصدق على أحد أنه من ذرية إبراهيم، وإسماعيل إلا أمة محمد ﷺ ؛ لأن اليهود، والنصارى ليسوا من بني إسماعيل؛ بل من بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. قوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ أي بيِّنها لنا حتى نراها؛ و «المناسك» جمع منسك؛ وهو هنا مكان العبادة. قوله تعالى: ﴿وتب علينا﴾ أي وفقنا للتوبة فنتوب؛ والتوبة من العبد: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة؛ ومن الله : هي توفيق العبد للتوبة، ثم قبولها منه. قوله تعالى: ﴿إنك أنت التواب الرحيم﴾: هذا من باب التوسل بأسماء الله المناسبة للمطلوب؛ و ﴿التواب﴾ صيغة مبالغة لكثرة من يتوب الله عليهم، وكثرة توبته على العبد نفسه؛ و ﴿الرحيم﴾ أي الموصوف بالرحمة التي يرحم بها من يشاء من عباده. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: شدة افتقار الإنسان إلى ربه، حيث كرر كلمة: ﴿ربنا﴾؛ وأنه بحاجة إلى ربوبية الله الخاصة التي تقتضي عناية خاصة. ٢ ــ ومنها: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله؛ وإلا هلك؛ لقوله تعالى: ﴿واجعلنا مسلمين﴾؛ فإنهما مسلمان بلا شك: فهما نبيَّان؛ ولكن لا يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؛ قال الله للرسول ﷺ : ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥].

стр. 502

٣ ــ ومنها: أهمية الإخلاص؛ لقوله تعالى: ﴿مسلمين لك﴾: ﴿لك﴾ تدل على إخلاص الإسلام لله ، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه﴾ [البقرة: ١١٢]. ٤ ــ ومنها: أن الإسلام يشمل كل استسلام لله ، ظاهراً وباطناً. ٥ ــ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾؛ وقال إبراهيم ﷺ في آية أخرى: ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾؛ فالذرية صلاحها لها شأن كبير بالنسبة للإنسان. ٦ ــ ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ يعني: أعلمنا بها. ٧ ــ ومنها: أن الأصل في العبادات أنها توقيفية ــ يعني: الإنسان لا يتعبد لله بشيء إلا بما شرع ــ؛ لقوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾. ٨ ــ ومنها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعَوَا الله أن يريهما مناسكهما؛ فلولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتَعبدا بدون هذا السؤال. ٩ ــ ومنها: افتقار كل إنسان إلى توبة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وتب علينا﴾؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير. ١٠ ــ ومنها: إثبات ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾ اسمين من أسماء الله ، وما تضمناه من صفة.

стр. 503

١١ ــ ومنها: مشروعية التوسل إلى الله بأسمائه، وصفاته؛ لأن قوله تعالى: ﴿إنك أنت التواب الرحيم﴾ تعليل للطلب السابق؛ فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه. ١٢ ــ ومنها: أن التوسل بأسماء الله يكون باسم مطابق لما دعا به؛ لقوله تعالى: ﴿وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾، ولقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. تنبيه: إن قال قائل: كيف يستقيم أن يسأل إبراهيم، وإسماعيل ربهما أن يجعلهما مسلمين له مع أنهما كانا كذلك؟ فالجواب: أن المراد بذلك تثبيتهما على الإسلام؛ لأن الإنسان من حيث هو إنسان لا يأمن العاقبة؛ أو يقال: إن المراد تقوية إسلامهما بالإخلاص لله ، والانقياد لطاعته؛ أو يقال: إنهما قالا ذلك توطئة لما بعدها في قولهما: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾؛ والأول أقوى الاحتمالات. القرآن ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة: ١٢٩) التفسير: ﴿١٢٩﴾ قوله تعالى: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك﴾، أي أرسل فيهم رسولاً مرسَلاً من عندك يقرأ

стр. 504

عليهم آياتك، ويبينها لهم، كما قال الله ــ ﵎ ــ: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. قوله تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي القرآن، وما فيه من أخبار صادقة نافعة، وأحكام عادلة؛ ﴿والحكمة قيل: هي السنة؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ [النساء: ١١٣]؛ ويحتمل أن يكون المراد بها معرفة أسرار الشريعة المطهرة، وأنها شريعة كاملة صالحة لكل زمان، ومكان. قوله تعالى: ﴿ويزكيهم﴾ أي ينمي أخلاقهم، ويطهرها من الرذائل. قوله تعالى: ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾؛ ﴿أنت﴾: ضمير فصل لا محل له من الإعراب؛ و ﴿العزيز﴾ خبر ﴿إن﴾؛ و ﴿الحكيم﴾ خبر ثان؛ والكاف اسم ﴿إن﴾؛ و ﴿العزيز﴾ أي ذو العزة؛ و «العزة» بمعنى القهر، والغلبة؛ فهو ذو قوة، وذو غلبة: لا يغلبه شيء، ولا يعجزه شيء؛ و ﴿الحكيم﴾ أي ذو الحُكم، والحكمة. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراهيمُ وإسماعيلُ الله أن يبعث فيهم الرسول. ٢ ــ ومنها: أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته؛ لقوله تعالى: ﴿رسولاً منهم﴾؛ لأنهم يعرفونه، كما قال تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ٥٣]؛ فتأمل قوله تعالى:

стр. 505

﴿ما ضل صاحبكم﴾ [النجم: ٥٣]، حيث أضافه إليهم؛ يعني: صاحبكم ــ الذي تعرفونه، وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته ــ ما ضل، وما غوى. ٣ ــ ومنها: أن الرسول ﷺ جعل الله فيه من الخير أنه يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾. ٤ ــ ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تتضمن ذكر آيات الله الكونية، والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوةً، ومعنًى، وتتضمن أيضاً الحكمة ــ وهي معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم﴾. ٥ ــ ومنها: أن ما جاء به النبي ﷺ يزكي الأخلاق، ويطهرها من كل رذيلة، كما قال ﷺ «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١)؛ وهكذا كانت شريعة الرسول ﷺ : تنمية للأخلاق الفاضلة، وتطهيراً من كل رذيلة؛ فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير؛ كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه فإن الإسلام يأمر به ــ وهذه تزكية ــ؛ وينهى عن ضد ذلك؛ ينهى عن الإثم، والقطيعة، والعدوان، والعقوق، والكذب، والغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق ــ وهذه أيضاً تزكية ــ.

стр. 506

وحال الناس قبل الإسلام بالنسبة للعبادة لا تَسأل! شرك، وكفر؛ وبالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تَسأل أيضاً عن حالهم! القوي يأكل الضعيف؛ والغني يأكل الفقير؛ ويأكلون الربا أضعافاً مضاعفة؛ يُغيِر بعضهم على بعض؛ يتعايرون بالأنساب؛ يدعون بدعوى الجاهلية ... إلخ. جاء الإسلام، وهدم كل هذا؛ ومن تدبر التاريخ قبل بعثه ﷺ وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة، وحالهم بعدها؛ وظهر له معنى قوله تعالى: ﴿ويزكيهم﴾. ٦ ــ ومنها: أن هذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي ﷺ لهذه المعاني الجليلة مما يدل على كمال شريعته. ٧ ــ ومنها: إثبات العزة، والحكمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾. ٨ ــ ومنها: إثبات هذين الاسمين لله: ﴿العزيز﴾، و ﴿الحكيم﴾. ٩ ــ ومنها: مناسبة العزة، والحكمة لبعث الرسول؛ وهي ظاهرة جداً؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة: قال الله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨٠]؛ للمؤمنين عرباً كانوا، أو عجماً؛ من كان مؤمناً بالله قائماً بأمر الله فإن له العزة؛ ومن لم يكن كذلك فاته من العزة بقدر ما أخل به من الإيمان، والعمل الصالح؛ ولهذا يجب أن تكون رابطة الإيمان أقوى الروابط بين المؤمنين؛ لأنه لا يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير برابطة أقوى من هذه الرابطة.

стр. 507

القرآن ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (البقرة: ١٣٠) التفسير: ﴿١٣٠﴾ قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾؛ ﴿مَن﴾ اسم استفهام يراد به النفي؛ وهو مبتدأ؛ وجملة: ﴿يرغب﴾ خبره؛ ولا نقول: ﴿مَن﴾ هنا شرطية؛ نعم، لو كانت الآية: «ومن يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه» صارت شرطية؛ لكن الأول أبلغ. قوله تعالى: ﴿يرغب عن ملة إبراهيم﴾: يقال: رغب في كذا؛ ورغب عنه؛ والفرق أن «رغب فيه» يعني طلبه؛ و «رغب عنه» يعني تركه، واجتنبه؛ هنا: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم﴾ يعني تركها؛ و «الملة» بمعنى الدين - أي دين إبراهيم -؛ ودين إبراهيم ﷺ أنه كان حنيفاً مسلماً لله، ولم يكن من المشركين؛ و ﴿إبراهيم﴾ هو الخليل ﷺ الذي هو أبو الأنبياء، وأشرفهم بعد رسول الله ﷺ ، وجعله الله إماماً، قال الله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً [النحل: ١٢٠]، وجعل ملته هي الملة الحنيفية؛ فإذا كان كذلك فلا أحد يرغب عن الملة الحنيفية القويمة. قوله تعالى: ﴿إلا من سفه نفسه﴾ أي أوقعها في سفه؛ و «السفه» ضد الرشد؛ وقيل: معناه: جهل نفسه أي جهل ما يجب لها، فضيعها؛ ولنا أن نقول: إن التعبير بما يحتمل الوجهين فيه نكتة عظيمة؛ وهي أن يكون التعبير صالحاً للأمرين؛ فكأنه

стр. 508

ناب عن جملتين؛ فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة؛ وسفيه إن تعمد المخالفة. قوله تعالى: ﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا﴾: الجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة؛ وهي القسم المقدر؛ واللام؛ و «قد»؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم؛ والتقدير: وواللَّهِ لقد. وقوله تعالى: ﴿اصطفيناه﴾ افتعال من الصفوة؛ فأصل هذه المادة من صفا يصفو؛ ومعنى ﴿اصطفيناه في الدنيا اخترناه، وجعلناه صفياً من الخلق: اصطفاه الله في الدنيا على كل الأنبياء ما عدا محمداً ﷺ ؛ واتخذه الله خليلاً. قوله تعالى: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾: ﴿إنه﴾: «إنّ» واسمها؛ و ﴿لمن الصالحين﴾: خبرها؛ وهذه الجملة مؤكدة بـ «إن» واللام فقط؛ و ﴿في الآخرة﴾: في موضع نصب على الحال؛ أي إنه في حال كونه في الآخرة؛ لمن الصالحين؛ في الدنيا اصطفاه الله، واختاره؛ وفي الآخرة يكون من الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم لنفسه ولخلقه. وهنا ذكر الله تعالى الاصطفاء في الدنيا، والصلاح في الآخرة؛ فهل هنا نكتة لتغاير الحالين، أو لا؟ الجواب: يبدو لي ــ والله أعلم ــ أن هناك نكتة؛ وهي أن الدنيا دار شهوات، وابتلاء؛ فلا يصبر عن هذه الشهوات، ولا على هذا الابتلاء إلا واحد دون الآخر؛ فإذا أخلص الإنسان نفسه لله صار صفوة من عباد الله؛ والآخرة ليست هكذا؛ الآخرة حتى الكفار يؤمنون؛ ولكن الفرق بين من يكون من الصالحين، وغير الصالحين؛ لأنهم إذا عرضوا على النار قيل لهم: ﴿أليس

стр. 509

هذا بالحق قالوا بلى وربنا﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقيل لهم: ﴿أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى﴾ [غافر: ٥٠]؛ وقالوا: ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ [يس: ٥٢] ... وهكذا ما يدل على أنهم مؤمنون؛ لكنهم ليسوا من الصالحين؛ فإن كانت هذه هي النكتة فذلك من فضل الله؛ وإن لم تكن إياها فالعلم عند الله؛ ولا بد أن يكون هناك نكتة جهلناها. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من سفه نفسه﴾. ٢ ــ ومنها: أن مخالفة هذه الملة سفه؛ مهما كان الإنسان حكيماً في قوله فإنه يعتبر سفيهاً إذا لم يلتزم بشريعة الله. ٣ ــ ومنها: فضيلة إبراهيم ــ ﵊ ــ، حيث اصطفاه الله، واختاره على العالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا﴾. ٤ ــ ومنها: إثبات الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وإنه في الآخرة﴾. ٥ ــ ومنها: أن الصلاح وصف للأنبياء، ومن دونهم؛ فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبع الرسول بأنه صالح؛ ولهذا كانت الأنبياء ــ عليهم الصلاة والسلام ــ يحيون الرسول ﷺ ليلة المعراج بقولهم: «مرحباً بالأخ الصالح، والنبي الصالح» (١)؛ فوصفوه بالصلاح.

стр. 510

٦ ــ ومنها: أن المخالفين للرسل سفهاء؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، وقوله في المنافقين: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ [البقرة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢]؛ فإنهم ــ وإن كانوا أذكياء، وعندهم علم بالصناعة، والسياسة ــ هم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط. القرآن ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (البقرة: ١٣١) التفسير: ﴿١٣١﴾ قوله تعالى: ﴿إذ قال له ربه أسلم﴾؛ هذا من الثناء على إبراهيم؛ ﴿إذ﴾: يحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿ولقد اصطفيناه﴾ أي: ولقد اصطفيناه إذ قال له ربه؛ ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف، والتقدير: اذكر إذ قال له ربه؛ فيكون أمراً للرسول ﷺ أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم ﷺ عليها. قوله تعالى: ﴿أسلمت﴾ يشمل إسلام الباطن، والظاهر. قوله تعالى: ﴿لرب العالمين﴾ يتضمن توحيد الربوبية، والأسماء، والصفات؛ وما أكثر الذين أُمروا بالإسلام ولم يسلموا: تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف من بني آدم كلهم في النار، وواحد من ألف في الجنة؛ لأنهم أُمروا بالإسلام، ولم يسلموا.

стр. 511

الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: فضيلة إبراهيم ﷺ ، حيث لم يتوانَ، ولم يستكبر؛ فبادَر بقوله: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ حين قال له ربه : ﴿أسلم﴾ ولم يستكبر؛ بل أقر؛ لأنه مربوب لرب العالمين. ٢ ــ ومنها: إثبات ربوبية الله العامة لكل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿لرب العالمين﴾. ٣ ــ ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سُمّوا «عالمين»، حيث إنهم عَلَم على خالقهم. ٤ ــ ومنها: المناسبة بين قوله تعالى: ﴿أسلمت﴾، و ﴿رب﴾؛ كأن هذا علة لقوله تعالى: ﴿أسلمت﴾؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يُسْلَم له؛ الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون؛ قال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]؛ فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقروناً بالربوبية. القرآن ﴿(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة: ١٣٢) التفسير: ﴿١٣٢﴾ قوله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾؛ ﴿وصى﴾ فيها قراءتان؛ إحداهما بهمزة مفتوحة مع تخفيف

стр. 512

الصاد: ﴿أَوصَى﴾، والثانية بحذف الهمزة مع تشديد الصاد: ﴿وصَّى﴾؛ أما ﴿إبراهيم﴾ ففيها قراءتان؛ إحداهما بكسر الهاء بعدها ياء: ﴿إبراهيم﴾؛ والثانية بفتح الهاء بعدها ألف: ﴿إبراهام﴾؛ وقراءة: ﴿أوصى﴾ لا تنطبق عليها الشروط الثلاثة في القراءة، والمجموعة في البيتين، وهما: ﴿وكل ما وافق وجه نحو وكان للرسم احتمالاً يحوي وصح نقلاً فهو القُران فهذه الثلاثة الأركان﴾ فقوله تعالى: ﴿وصى﴾، و ﴿أوصى﴾ لم تتفق في الرسم؛ إذاً الشروط أو الأركان التي ذكرت بناءً على الأغلب. قوله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم﴾: الضمير «ها» يعود على هذه الكلمة العظيمة؛ وهي ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: ١٣١]؛ ويجوز أن يكون الضمير يعود على الملة ــ أي: وصى بهذه الملة ــ؛ والمعنى واحد؛ لأن ﴿ملة إبراهيم﴾ [البقرة: ١٣٠] هي ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: ١٣١]؛ و «التوصية» العهد المؤكّد في الأمر الهام. قوله تعالى: ﴿بنيه﴾ مفعول ﴿وصى﴾؛ ولهذا نُصبت بالياء؛ لأنها ملحق بجمع المذكر السالم. قوله تعالى: ﴿ويعقوب﴾ معطوفة على ﴿إبراهيم﴾ فهي مرفوعة؛ يعني: وكذلك وصى بها يعقوب بنيه؛ وسمي يعقوب: قيل: لأنه عقب إسحاق؛ وقيل: إنه اسم غير عربي، ومثله لا يطلب له اشتقاق. قال يعقوب: ﴿يا بني﴾ أي يا أبنائي؛ وإنما ناداهم بوصف البنوة ترفقاً معهم ليكون أدعى إلى القبول.

стр. 513

قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى﴾ أي اختار ﴿لكم﴾ أي لأجلكم ﴿الدين﴾ أي العبادة، والعمل؛ ويطلق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٤] المراد بـ ﴿الدين﴾ الجزاء؛ وفي قوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣]؛ «الدين»: العبادة؛ فالدين يطلق على هذا، وعلى هذا ــ على العمل، وعلى الجزاء عليه ــ؛ ومنه قولهم: كما تدين تدان ــ يعني كما تعمل تُجازى. قوله تعالى: ﴿فلا تموتن﴾ الفاء للتفريع؛ أي فعلى هذا الاختيار تمسكوا بهذا الدين؛ و «لا» ناهية؛ و ﴿تموتن﴾ مجزوم بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة؛ والنون هنا التي فيها للتوكيد؛ وأصلها: «تموتونَنَّ»: حذفت النون للجزم فصارت «تموتونّ»؛ ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين؛ لأن الحرف المشدد أوله ساكن؛ والواو ساكنة؛ فحذفت الواو؛ قال ابن مالك: ﴿إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق وإن يكن ليناً فحذفه استحق﴾ قوله تعالى: ﴿إلا وأنتم مسلمون﴾ جملة حالية يراد بها استمرارهم على الإسلام إلى الممات. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها إبراهيم، ويعقوب؛ فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين؛ ويعقوب أبو الإسرائيليين؛ فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها، حيث جعلاها مما يوصى به. ٢ ــ ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداءً بإبراهيم، ويعقوب.

стр. 514

٣ ــ ومنها: أن الله اختار لعباده من الدين ما هو أقوم بمصالحهم؛ لقوله تعالى: ﴿اصطفى لكم الدين﴾؛ فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله لعباده. ٤ ــ ومنها: أنه ينبغي التلطف في الخطاب؛ لقوله تعالى: ﴿يا بنيّ﴾؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم. ٥ ــ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعاهد نفسه دائماً حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. ٦ ــ ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. القرآن (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: ١٣٣) التفسير: ﴿١٣٣﴾ قوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء﴾؛ ﴿أم﴾ هنا منقطعة؛ و «المنقطعة» يقول المعربون: إنها بمعنى «بل» وهمزة الاستفهام؛ فمعنى ﴿أم كنتم﴾: بل أكنتم؛ والضمير في ﴿كنتم﴾ يعود على اليهود الذين ادعوا أنهم على الحق، وأنّ هذه وصية أبيهم يعقوب، فالتزَموا ما هم عليه؛ ويحتمل أن يكون عائداً على

стр. 515

جميع المخاطبين، ويكون المقصود بذلك الإعلام بما حصل من يعقوب حين حضره الموت؛ وهذا الاحتمال أولى؛ لأنه لا يوجد هنا دليل على أنه يعود على اليهود؛ بل الآية كلها عامة؛ وهي أيضاً منقطعة عن اليهود بآيات سابقة كثيرة؛ فالمعنى: تقرير ما وصى به يعقوب حين موته؛ و ﴿شهداء﴾ جمع شهيد، أو شاهد ــ بمعنى حاضر ــ. قوله تعالى: ﴿إذ حضر يعقوب الموت﴾؛ ﴿إذ﴾ ظرف مبنية على السكون في محل نصب ــ أي وقت حضور يعقوب الموت ــ؛ و ﴿يعقوب﴾ منصوبة؛ لأنها مفعول به مقدم؛ و ﴿الموت﴾ فاعل مؤخر؛ لأن الحاضر الموت؛ والمحضور يعقوب. قوله تعالى: ﴿إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي﴾؛ ﴿إذ﴾ بدل من ﴿إذ﴾ الأولى: يعني: إذ حضر إذ قال؛ يعني: أم كنتم شهداء إذ قال لبنيه: «ما تعبدون من بعدي» حين حضره الموت؛ وبنو يعقوب هم يوسف، وإخوته: أحد عشر رجلاً؛ حضر يعقوب الموت، فكان أولاده حاضرون، فقال لهم: ﴿ما تعبدون من بعدي﴾ أي من بعد موتي ﴿قالوا نعبد إلهك﴾: بدؤوا به؛ لأنهم يخاطبونه؛ ﴿وإله آبائك﴾ جمع أب؛ ثم بينوا الآباء بقولهم: ﴿إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾؛ ﴿إبراهيم﴾ بالنسبة إلى يعقوب جدّ؛ و ﴿إسماعيل﴾ بالنسبة إليه عم؛ و ﴿إسحاق بالنسبة إليه أب مباشر؛ أما إطلاق الأبوة على إبراهيم، وعلى إسحاق فالأمر فيه ظاهر؛ لأن إسحاق أبوه، وإبراهيم جده؛ والجد أب؛ بل قال الله لهذه الأمة: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: ٧٨]؛ وهي بينها وبين إبراهيم عالَم؛ لكن الإشكال في عدِّهم إسماعيل من

стр. 516

آبائه مع أنه عمهم؛ فيقال كما قال النبي ﷺ لعمر ﵁: «أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه» (١)؛ و «الصنو» الغصنان أصلهما واحد؛ فذُكر مع الآباء؛ لأن العم صنو الأب؛ وكما قال الرسول ﷺ : «الخالة بمنزلة الأم» (٢)؛ كذلك نقول: العم بمنزلة الأب؛ وقيل: إن هذا من باب التغليب، وأن الأب لا يطلق حقيقة على العم إلا مقروناً بالأب الحقيقي؛ وعلى هذا فلا يكون فيها إشكال إطلاقاً؛ لأن التغليب سائغ في اللغة العربية، فيقال: «القمران»؛ والمراد بهما الشمس، والقمر؛ ويقال: «العُمَرانِ»؛ وهما أبو بكر، وعمر. وقوله تعالى: ﴿إبراهيم﴾ بدل من ﴿آبائك﴾؛ أو عطف بيان؛ وفيها قراءة: ﴿إبراهام﴾ بفتح الهاء بعدها ألف. قوله تعالى: ﴿إلهاً واحداً﴾ أي نعبده؛ و ﴿إلهاً﴾ هذه حال؛ يسمونها حال موطئة؛ ولكنها بناءً على أن «إله»، و «الله» غير مشتق؛ والصحيح أنه مشتق، وأنه بمعنى مألوه؛ وعليه فتكون حالاً مؤسسة حقيقية؛ وليست موطئة؛ لأن الحال الموطئة التي تكون تمهيداً لمشتق، مثل: ﴿قرآناً عربياً﴾ [يوسف: ٢] فإن «قرآن» غير مشتقة؛ والحال ــ كما تقدم ــ تكون مشتقة و ﴿واحداً﴾ حال أخرى مكررة. قوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾؛ ﴿نحن﴾ مبتدأ؛

стр. 517

و ﴿مسلمون﴾ خبره؛ و ﴿له﴾ جار ومجرور متعلقة بـ ﴿مسلمون﴾ قدمت عليها لإفادة الحصر ــ من حيث المعنى؛ ولمراعاة فواصل الآيات ــ من حيث اللفظ؛ و ﴿نحن له مسلمون﴾ أي منقادون لأمر هذا الإله الواحد ، وشرعه. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن التوحيد وصية الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك. ٢ ــ ومنها: أن الموت حق حتى على الأنبياء؛ قال الله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ٣ ــ ومنها: جواز الوصية عند حضور الأجل؛ لقوله تعالى: ﴿إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك﴾؛ وهذا كالوصية لهم؛ ولكنه يشترط أن يكون الموصي يعي ما يقول؛ فإن كان لا يعي ما يقول فإنه لا تصح وصيته. ٤ ــ ومنها: رجحان القول الصحيح بأن الجدّ أب في الميراث؛ لقوله تعالى: ﴿آبائك إبراهيم﴾. ٥ ــ ومنها: أنه يجوز إطلاق اسم الأب على العم تغليباً؛ لقوله تعالى: ﴿وإسماعيل﴾. ٦ ــ ومنها: أن أبناء يعقوب كانوا على التوحيد، حيث قالوا: ﴿نعبد إلهك وإله آبائك﴾؛ وهذا لا شك توحيد منهم. ٧ ــ ومنها: أن النفوس مجبولة على اتباع الآباء؛ لكن إن كان على حق فهو حق؛ وإن كان على باطل فهو باطل؛ لقولهم: ﴿وإله آبائك﴾؛ ولهذا الذين حضروا وفاة أبي طالب قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب.

стр. 518

٨ ــ ومنها: أهمية التوحيد، والعناية به؛ لقوله تعالى: ﴿ما تعبدون من بعدي﴾. ٩ ــ ومنها: أن العبادة والألوهية معناهما واحد؛ لكن العبادة باعتبار العابد؛ والألوهية باعتبار المعبود؛ ولهذا كان أهل العلم يسمون التوحيد توحيد العبادة؛ وبعضهم يقول: توحيد الألوهية. ١٠ ــ ومنها: إخلاص الإسلام لله، حيث قال تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾؛ وجه الإخلاص: تقديم المعمول في ﴿له﴾؛ لأنه متعلق بـ ﴿مسلمون﴾؛ فهو معمول له؛ وقد عُلم أن تقديم المعمول يفيد الحصر. ١١ ــ ومنها: إثبات الوحدانية لله في قوله تعالى: ﴿إلهاً واحداً﴾. القرآن ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة: ١٣٤) التفسير: ﴿١٣٤﴾ قوله تعالى: ﴿تلك آمة قد خلت﴾: المشار إليه إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن سبق؛ وكان اليهود يجادلون النبي ﷺ في هؤلاء؛ فبين الله تعالى أن هذه أمة قد مضت ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ فلا تنالون مما كسبوا شيئاً؛ ولا ينالون مما كسبتم شيئاً.

стр. 519

و «الأمة» هنا بمعنى طائفة؛ وتطلق في القرآن على عدة معانٍ؛ المعنى الأول: الطائفة، كما هنا؛ المعنى الثاني: الحقبة من الزمن، مثل قوله تعالى: ﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥] يعني: بعد حقبة من الزمن؛ والمعنى الثالث: الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠]؛ والمعنى الرابع: الطريق، والملة، مثل قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ [الزخرف: ٢٢]. قوله تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ أي لا تُسألون عن أعمال من سبقكم؛ لأن لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئاً؛ لقوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت ... ﴾ الآية؛ يعني هم مضوا، وأسلموا لله؛ وأنتم أيها اليهود الموجودون في عهد الرسول ﷺ عليكم أن تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم. ٢ ــ ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة؛ لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ فنحن معنيون الآن بأنفسنا؛ ويُذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ــ ﵀ ــ أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم: «هذه دماء طهر الله سيوفنا منها؛ فنحن نطهر ألسنتنا منها»؛ هذه كلمة عظيمة؛ فعلى هذا النزاع فيما جرى بين معاوية، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وما أشبه ذلك لا محل له؛ لكن الذي يجب أن نعتني به حاضر الأمة؛ هذا الذي يجب أن يبين فيه الحق، ويبطَل فيه

стр. 520

الباطل؛ ونقول: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠]. ٣ ــ ومن فوائد الآية: أن الإنسان وعملَه؛ لقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾؛ فلا أحد يعطى من عمل أحد، ولا يؤخذ منه؛ قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨]. ٤ ــ ومنها: أن الآخِر لا يُسأل عن عمل الأول؛ ولكن الأول قد يُسأل عن عمل الآخر، كما قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ [القصص: ٤١]؛ فقد يكون الأول صاحب بدعة، ويُتَّبَع على بدعته؛ فيكون دالاً على ضلالة؛ فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ لكن الآخر لا يسأل عن عمل الأول؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)؛ وفي لفظ: «فتؤذوا الأحياء» (٢). ٥ ــ ومن فوائد الآية: إثبات عدل الله ، وأنه لا يؤاخذ أحداً بما لم يعمله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾. ٦ ــ ومنها: إثبات السؤال، وأن الإنسان سيُسأل؛ لقوله

стр. 521

تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾؛ منطوق الآية: نفي السؤال عن عمل الغير؛ ومفهومها: ثبوت السؤال عن عمل العامل، وأنه مسؤول عن العمل. القرآن ( وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة: ١٣٥) التفسير: ﴿١٣٥﴾ قوله تعالى: ﴿وقالوا﴾: الضمير يعود على اليهود، والنصارى، يخاطبون المسلمين؛ ﴿كونوا هوداً﴾ يعني من اليهود على ملتهم؛ و «هود» جمع هائد، مثل «عود» جمع عائد؛ والذين يقولون: ﴿كونوا هوداً﴾ هم اليهود؛ وقوله تعالى: ﴿أو نصارى﴾ يقوله النصارى؛ أي كونوا نصارى ــ أي على ملتهم ــ. قوله تعالى: ﴿تهتدوا﴾ مجزوم على أنه جواب الأمر؛ أي تكونوا مهتدين. قال الله تعالى في جواب من يدعو إلى اليهودية من اليهود، أو النصرانية من النصارى: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾؛ ﴿بل﴾ هنا للإضراب الإبطالي؛ لأنها تبطل ما سبق؛ يعني: بل لا نتبع، ولا نكون هوداً، ولا نصارى؛ بل ملة إبراهيم؛ وبهذا التقدير يتبين لنا على أيّ وجه نصب ﴿ملة﴾؛ فهي مفعول لفعل محذوف تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم؛ و «الملة» بمعنى الدين كما سبق؛ وملة إبراهيم هي التوحيد؛ يعني نتبع توحيد الله ،

стр. 522

والإسلام له؛ لأن إبراهيم لما قال له ربه : ﴿أسلم﴾ [البقرة: ١٣١]؛ قال: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: ١٣١]. وقوله تعالى: ﴿حنيفاً﴾ منصوب على الحال من إبراهيم؛ وهي حال لازمة بدليل قوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾. قوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾: هذا توكيد لقوله تعالى: ﴿حنيفاً﴾؛ لأن «الحنيف» المائل عما سوى التوحيد؛ مأخوذ من حنف الذئب ــ أي ميله؛ فهو مائل عن كل ما سوى التوحيد؛ إذاً ﴿وما كان من المشركين﴾ يكون توكيداً لهذه الحال توكيداً معنوياً لا إعرابياً؛ يعني أنه ﷺ ما كان فيما مضى من المشركين، ولا فيما يستقبل؛ لأن «كان» لا تدل على الحدث؛ تدل على اتصاف اسمها بخبرها، مثل: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٩٦]؛ فقوله تعالى: ﴿وما كان﴾ يعني أن هذا الوصف منتف عنه؛ وقوله تعالى: ﴿من المشركين﴾ يعم انتفاء الشرك الأصغر والأكبر عنه؛ هذه هي الملة التي يتبعها الرسول ﷺ ، ونتبعها نحن ــ إن شاء الله ؛ ونرجو الله أن نموت عليها؛ هذه هي الملة الحنيفية الحقيقية التي توصل العبد إلى ربه، كما قال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣]. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن أهل الباطل يدْعون إلى ضلالهم، ويدَّعون فيه الخير؛ ﴿كونوا هوداً أو نصارى هذه دعوة إلى ضلال؛ ﴿تهتدوا﴾: ادعاء أن ذلك خير؛ وهكذا أيضاً قد ورث هؤلاء اليهود من ضل من هذه الأمة، كأهل البدع في العقيدة،

стр. 523

والقدر، والإيمان ــ الذين ادعوا أنهم على حق، وأن من سلك طريقهم فقد اهتدى؛ قال النبي ﷺ : «لتركبن سَنن من كان قبلكم» (١). ٢ ــ ومن فوائد الآية: أن كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود، والنصارى؛ دعاة السفور الآن يقولون: اتركوا المرأة تتحرر؛ اتركوها تبتهج في الحياة؛ لا تقيدوها بالغطاءِ، وتركِ التبرج، ونحو ذلك؛ أعطوها الحرية؛ وهكذا كل داع إلى ضلالة سوف يطلي هذه الضلالة بما يغر البليد فهو شبيه باليهود، والنصارى. ٣ ــ ومنها: مقابلة الباطل بالحق؛ لقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾؛ إذ لابد للإنسان من أن يسير على طريق؛ لكن هل هو حق، أو باطل؟! بين الله أن كل ما خالف الحق فهو باطل في قوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾. ٤ ــ ومنها: الثناء على إبراهيم ﵇ من وجوه ثلاثة: أولاً: إمامته؛ ووجهها: أننا أمرنا باتباعه؛ والمتبوع هو الإمام. ثانياً: أنه حنيف؛ والحنيف هو المائل عن كل دين سوى الإسلام. ثالثاً: أنه ليس فيه شرك في عمله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾. ٥ ــ ومن فوائد الآية: أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾.

стр. 524

٦ ــ ومنها: أن ملة إبراهيم ﷺ أفضل الملل؛ وهي التوحيد، والحنيفية السمحة؛ لقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾. ٧ ــ ومنها: أن اليهودية والنصرانية نوع من الشرك؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾ في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدل على أنهما نوع من الشرك؛ كل من كفر بالله ففيه نوع من الشرك؛ لكن إن اتخذ إلهاً فهو شرك حقيقة، وواقعاً؛ وإلا فإنه شرك باعتبار اتباع الهوى. القرآن ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: ١٣٦) التفسير: ﴿١٣٦﴾ قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله﴾: الخطاب للرسول ﷺ ، وأمته جميعاً؛ والمراد بالقول هنا القول باللسان، وبالقلب؛ فالقول باللسان: نطقه؛ والقول بالقلب: اعتقاده؛ و «الإيمان» ــ كما سبق ــ هو التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بانفراده بالربوبية؛ والألوهية؛ والأسماء، والصفات. قوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا﴾ يعني وآمنا بما أنزل إلينا؛ فـ ﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر عطفاً على لفظ الجلالة: ﴿الله﴾؛ وقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا﴾ يشمل

стр. 525

القرآن ــ وهو منزل ــ؛ ويشمل السنة أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ [النساء: ١١٣]: فإن ﴿الحكمة﴾ [البقرة: ٢٦٩] هي السنة. قوله تعالى: ﴿وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾؛ ﴿إبراهيم﴾ منزل إليه؛ لأنه نبي رسول؛ والذي أنزل إليه هي الصحف التي ذكرها الله تعالى في موضعين من القرآن: ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ [الأعلى: ١٩]، ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم: ٣٦، ٣٧]؛ و ﴿إسماعيل﴾ نبي منزل إليه قطعاً؛ ولم نعلم ما الذي أنزل إليه بالتحديد؛ و ﴿إسحاق ويعقوب﴾ أيضاً منزل إليهما؛ لكن لم يذكر لنا ما الذي أنزل إليهما؛ و ﴿الأسباط﴾ جمع سِبْط؛ قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف؛ وقيل: هم الأنبياء الذين بعثوا في أسباط بني إسرائيل الذين لم يذكروا بأسمائهم. قوله تعالى: ﴿وما أوتي موسى وعيسى﴾ يعني: وما أعطوا من الآيات الشرعية، والكونية؛ الشرعية كالتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى؛ والكونية كاليد والعصا لموسى؛ وكإخراج الموتى من قبورهم بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله لعيسى؛ ونص على موسى، وعيسى؛ لأنهما أفضل أنبياء بني إسرائيل. هنا قد يسأل سائل: لِمَ عبر الله تعالى بقوله: ﴿وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل﴾، وفي موسى وعيسى قال تعالى: ﴿وما أوتي موسى وعيسى﴾؛ فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير؟

стр. 526

فالجواب: أن نقول بحسب ما يظهر لنا ــ والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية. الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد؛ لو قال: «ما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وما أنزل إلى موسى ... وما أنزل إلى النبيين» تكررت أربع مرات؛ ومعلوم أن من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر الإمكان. أما الحكمة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باقٍ إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات؛ فالنصارى يقولون: عيسى بن مريم يُحيي الموتى، ويفعل كذا، ويفعل كذا؛ وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه، وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك؛ فبين الله في هذا أن هذه الأمة تؤمن بما أوتوا من وحي وآيات. قوله تعالى: ﴿وما أوتي النبيون من ربهم﴾ من باب عطف العام على الخاص؛ والمراد بما أوتوه: ما أظهره الله على أيديهم من الآيات الكونية، وما أوحاه إليهم من الآيات الشرعية؛ و ﴿من ربهم﴾: ﴿من﴾ للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله؛ وإضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص؛ وإلا فالله رب كل شيء؛ لكن هذه ربوبية خاصة. قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ هذه الجملة داخلة في مقول القول؛ يعني: قولوا آمنا على هذا الوجه؛ ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ أي في الإيمان؛ وليس في الاتّباع؛ والضمير في ﴿منهم﴾ يعود على الأنبياء. قوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾؛ ﴿له﴾ الضمير يعود

стр. 527

على الله يعني: ونحن لله؛ وقدمه على عامله لإفادة الحصر، ومناسبة رؤوس الآي؛ و «الإسلام» هنا هو الاستسلام لله ظاهراً، وباطناً. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: وجوب الإيمان بالله، وما أنزل إلينا ... إلى آخر ما ذكر في هذه الآية؛ لقوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله ... ﴾ الآية. ٢ ــ ومنها: أن الذين يؤمنون بوجود الله لكن يشركون معه غيره في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته لم يكونوا مؤمنين. ٣ ــ ومنها: أن الذين يؤمنون بالله، وبربوبيته، وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره ليسوا بمؤمنين. ٤ ــ ومنها: أن الذين يؤمنون بوجود الله، وربوبيته، وألوهيته لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون ــ إما أن ينكروا الأسماء، والصفات؛ وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات؛ وإما أن ينكروا بعض الصفات ــ هؤلاء لم يؤمنوا بالله حق الإيمان، وإيمانهم ناقص. ٥ ــ ومنها: أن الكتب التي أوتيها الرسل قد نزلت من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا﴾، ولقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥]. ٦ ــ ومنها: الإشارة إلى البداءة بالأهم ــ وإن كان متأخراً؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ مع أن ما أنزل إلينا متأخر عما سبق.

стр. 528

٧ ــ ومنها: الإيمان بما أوتي النبيون من الآيات الكونية، والآيات الشرعية. ٨ ــ ومنها: أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، على حد سواء في أصل الإيمان؛ وأما الشرائع فلكلٍّ منهم جعل الله شرعة ومنهاجاً، كما قال تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]؛ فنحن مأمورون باتّباع شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان؛ أما في الإيمان بأنهم رسل من عند الله، وأنهم صادقون بما جاءوا به فإنا لا نفرق بين أحد منهم؛ لقوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾، وقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ٩ ــ ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله ؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾. ١٠ ــ ومنها: أن الرسل ليسوا مستقلين بهذه الآيات؛ فلا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات، أو بهذا الوحي؛ فهم يتلقون من الله؛ حتى الرسول ﷺ إذا طُلب منه الآيات لا يستطيع أن يأتي بها؛ ولهذا لما اقترح المكذبون عدة آيات قال تعالى: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وقال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين﴾ [العنكبوت: ٥٠]، أي فلا أملك أن آتي بالآيات. ١١ ــ ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يشعر أنه هو وإخوانه كنفس واحدة، كما قال النبي ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد

стр. 529

بعضه بعضاً» (١) وشبّك بين أصابعه؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾: فأتى بضمير الجمع: ﴿قولوا آمنا بالله ... ونحن ... ﴾. ١٢ ــ ومنها: أن الإسلام لا بد أن يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ لإطلاقه في قوله تعالى: ﴿مسلمون﴾؛ فيستسلم قلب المرء لله ــ ﵎ ــ محبة، وتعظيماً، وإجلالاً؛ ويستسلم لسانه لما أمره الله أن يقول؛ وتستسلم جوارحه لما أمره الله تعالى أن يفعل. القرآن ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: ١٣٧) التفسير: ﴿١٣٧﴾ قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا﴾ أي اليهود، والنصارى؛ لأن هذه الآيات كلها متتابعة: ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى ... قولوا آمنا بالله ... فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ... ﴾. قوله تعالى: ﴿بمثل ما آمنتم به﴾: اختلف المعربون في الباء، وفي «مثل» أيهما الزائد؟ فقيل: إن «مثل» هي الزائدة، وأن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا؛ وأن «مثل» زائدة

стр. 530

إعراباً لا معنًى؛ وأن المعنى: أنهم إن آمنوا بما آمنتم به إيماناً مماثلاً لإيمانكم؛ فعلى هذا تكون الزيادة في كلمة «مثل»؛ وقيل: إن الزائد هو الباء - حرف الجر-؛ وأن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم - أي مثل إيمانكم -؛ والباء الثانية أيضاً زائدة؛ فصار قولان: الأول: أن الزائد «مثل»؛ والثاني أن الزائد الباء؛ والجميع اتفقوا على أن المراد الزيادة الإعرابية؛ وليست الزيادة المعنوية؛ لأنه ليس في القرآن ما هو زائد معنى - أي لا فائدة فيه -؛ والمعروف أن الأسماء لا تزاد؛ وأما الزيادة في الحروف فكثيرة؛ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها؛ والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها؛ ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه؛ ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن أن تزاد الأسماء؛ لأنها جاءت لمعنى في ذاتها؛ بخلاف الحرف؛ فعلى هذا تكون الزيادة في الباء - أي فإن آمنوا مثل ما آمنتم -؛ أي مثل إيمانكم؛ وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد - أي إن آمنوا إيماناً مطابقاً لإيمانكم مماثلاً له من كل الوجوه فقد اهتدوا -. قوله تعالى: ﴿فقد اهتدوا﴾ أي سلكوا سبيل الهداية؛ و «الهداية» هنا هداية العلم، والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفِّقوا، واهتدوا؛ والهداية هنا مطلقة كما أن المسلمين الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة. قوله تعالى: ﴿وإن تولوا﴾: «التولي» الإعراض؛ أي عن الإيمان بمثل ما آمنتم به.
следующие страницы →