فالجواب: أن نقول بحسب ما يظهر لنا ــ والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية.
الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد؛ لو قال: «ما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وما أنزل إلى موسى ... وما أنزل إلى النبيين» تكررت أربع مرات؛ ومعلوم أن من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر الإمكان.
أما الحكمة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باقٍ إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات؛ فالنصارى يقولون: عيسى بن مريم يُحيي الموتى، ويفعل كذا، ويفعل كذا؛ وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه، وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك؛ فبين الله في هذا أن هذه الأمة تؤمن بما أوتوا من وحي وآيات.
قوله تعالى: ﴿وما أوتي النبيون من ربهم﴾ من باب عطف العام على الخاص؛ والمراد بما أوتوه: ما أظهره الله على أيديهم من الآيات الكونية، وما أوحاه إليهم من الآيات الشرعية؛ و ﴿من ربهم﴾: ﴿من﴾ للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله؛ وإضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص؛ وإلا فالله رب كل شيء؛ لكن هذه ربوبية خاصة.
قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ هذه الجملة داخلة في مقول القول؛ يعني: قولوا آمنا على هذا الوجه؛ ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ أي في الإيمان؛ وليس في الاتّباع؛ والضمير في ﴿منهم﴾ يعود على الأنبياء.
قوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾؛ ﴿له﴾ الضمير يعود
стр. 527
على الله يعني: ونحن لله؛ وقدمه على عامله لإفادة الحصر، ومناسبة رؤوس الآي؛ و «الإسلام» هنا هو الاستسلام لله ظاهراً، وباطناً.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: وجوب الإيمان بالله، وما أنزل إلينا ... إلى آخر ما ذكر في هذه الآية؛ لقوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله ... ﴾ الآية.
٢ ــ ومنها: أن الذين يؤمنون بوجود الله لكن يشركون معه غيره في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته لم يكونوا مؤمنين.
٣ ــ ومنها: أن الذين يؤمنون بالله، وبربوبيته، وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره ليسوا بمؤمنين.
٤ ــ ومنها: أن الذين يؤمنون بوجود الله، وربوبيته، وألوهيته لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون ــ إما أن ينكروا الأسماء، والصفات؛ وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات؛ وإما أن ينكروا بعض الصفات ــ هؤلاء لم يؤمنوا بالله حق الإيمان، وإيمانهم ناقص.
٥ ــ ومنها: أن الكتب التي أوتيها الرسل قد نزلت من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا﴾، ولقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥].
٦ ــ ومنها: الإشارة إلى البداءة بالأهم ــ وإن كان متأخراً؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ مع أن ما أنزل إلينا متأخر عما سبق.
стр. 528
٧ ــ ومنها: الإيمان بما أوتي النبيون من الآيات الكونية، والآيات الشرعية.
٨ ــ ومنها: أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، على حد سواء في أصل الإيمان؛ وأما الشرائع فلكلٍّ منهم جعل الله شرعة ومنهاجاً، كما قال تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]؛ فنحن مأمورون باتّباع شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان؛ أما في الإيمان بأنهم رسل من عند الله، وأنهم صادقون بما جاءوا به فإنا لا نفرق بين أحد منهم؛ لقوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾، وقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥].
٩ ــ ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله ؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾.
١٠ ــ ومنها: أن الرسل ليسوا مستقلين بهذه الآيات؛ فلا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات، أو بهذا الوحي؛ فهم يتلقون من الله؛ حتى الرسول ﷺ إذا طُلب منه الآيات لا يستطيع أن يأتي بها؛ ولهذا لما اقترح المكذبون عدة آيات قال تعالى: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وقال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين﴾ [العنكبوت: ٥٠]، أي فلا أملك أن آتي بالآيات.
١١ ــ ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يشعر أنه هو وإخوانه كنفس واحدة، كما قال النبي ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد
стр. 529
بعضه بعضاً» (١) وشبّك بين أصابعه؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾: فأتى بضمير الجمع: ﴿قولوا آمنا بالله ... ونحن ... ﴾.
١٢ ــ ومنها: أن الإسلام لا بد أن يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ لإطلاقه في قوله تعالى: ﴿مسلمون﴾؛ فيستسلم قلب المرء لله ــ ﵎ ــ محبة، وتعظيماً، وإجلالاً؛ ويستسلم لسانه لما أمره الله أن يقول؛ وتستسلم جوارحه لما أمره الله تعالى أن يفعل.
القرآن
( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: ١٣٧)
التفسير:
﴿١٣٧﴾ قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا﴾ أي اليهود، والنصارى؛ لأن هذه الآيات كلها متتابعة: ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى ... قولوا آمنا بالله ... فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ... ﴾.
قوله تعالى: ﴿بمثل ما آمنتم به﴾: اختلف المعربون في الباء، وفي «مثل» أيهما الزائد؟ فقيل: إن «مثل» هي الزائدة، وأن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا؛ وأن «مثل» زائدة
стр. 530
إعراباً لا معنًى؛ وأن المعنى: أنهم إن آمنوا بما آمنتم به إيماناً مماثلاً لإيمانكم؛ فعلى هذا تكون الزيادة في كلمة «مثل»؛ وقيل: إن الزائد هو الباء - حرف الجر-؛ وأن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم - أي مثل إيمانكم -؛ والباء الثانية أيضاً زائدة؛ فصار قولان: الأول: أن الزائد «مثل»؛ والثاني أن الزائد الباء؛ والجميع اتفقوا على أن المراد الزيادة الإعرابية؛ وليست الزيادة المعنوية؛ لأنه ليس في القرآن ما هو زائد معنى - أي لا فائدة فيه -؛ والمعروف أن الأسماء لا تزاد؛ وأما الزيادة في الحروف فكثيرة؛ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها؛ والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها؛ ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه؛ ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن أن تزاد الأسماء؛ لأنها جاءت لمعنى في ذاتها؛ بخلاف الحرف؛ فعلى هذا تكون الزيادة في الباء - أي فإن آمنوا مثل ما آمنتم -؛ أي مثل إيمانكم؛ وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد - أي إن آمنوا إيماناً مطابقاً لإيمانكم مماثلاً له من كل الوجوه فقد اهتدوا -.
قوله تعالى: ﴿فقد اهتدوا﴾ أي سلكوا سبيل الهداية؛ و «الهداية» هنا هداية العلم، والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفِّقوا، واهتدوا؛ والهداية هنا مطلقة كما أن المسلمين الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة.
قوله تعالى: ﴿وإن تولوا﴾: «التولي» الإعراض؛ أي عن الإيمان بمثل ما آمنتم به.
стр. 531
قوله تعالى: ﴿فإنما هم في شقاق﴾ جملة اسمية للدلالة على الاستمرار، والثبوت؛ وأتت بـ «إنما» الدالة على الحصر؛ أي فما حالهم إلا الشقاق؛ و ﴿في﴾ للظرفية ــ كأن الشقاق محيط بهم من كل جانب منغمسون فيه ــ؛ و «الشقاق» بمعنى الخلاف؛ وهو في كل معانيه يدور على هذا ــ حتى في قوله تعالى: ﴿وإن الظالمين لفي شقاق بعيد﴾: فبعضهم قال: «الشقاق» هنا بمعنى الضلال؛ ولكن الصحيح أن معناه: الخلاف؛ فكلما جاءت في القرآن فمآلها إلى الخلاف؛ ولكنها أشد، حيث تفيد الاختلاف مع طلب المشقة على الخصم؛ ويدل لهذا أن أصل معنى «الشقاق» أن يكون أحد الطرفين في شق، والثاني في شق آخر؛ وبهذا يكون الخلاف.
وكأن الإنسان إذا سمع ﴿فإنما هم في شقاق﴾ قد يهاب، ويخاف؛ فطمأن الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿فسيكفيكهم الله﴾؛ هذه الجملة فيها فعل، وفاعل، ومفعولان؛ الفاعل: لفظ الجلالة؛ والفعل: ﴿يكفي﴾؛ والمفعول الأول: الكاف؛ والمفعول الثاني: الهاء؛ والسين هنا يقول العلماء: إنها للتنفيس، وتفيد شيئين هما تحقق الوقوع، وقرب الوقوع؛ بخلاف «سوف» فإنها تفيد التحقق؛ ولكن مع مهلة.
قوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾؛ ﴿السميع﴾ من أسماء الله؛ و ﴿العليم﴾ أيضاً من أسمائه ﵎؛ وسبق تفسيرهما.
قد يقول قائل: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: «وهو القوي العزيز» لأنه قال: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ فما هو الجواب عن ختمها
стр. 532
بالسمع، والعلم؟ فالظاهر لي - والله أعلم - أنه لما كان تدبير الكيد للرسول ﷺ من هؤلاء قد يكون بالأقوال، وقد يكون بالأفعال؛ والتدبير أمر خفي ليس هو حرباً يعلن حتى نقول: ينبغي أن يقابل بقوة، وعزة؛ قال تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ أي حتى الأمور التي لا يُدرى عنها، ولا يبرزونها، ولا يظهرون الحرابة للرسول ﷺ فإن الله سميع عليم بها؛ هذا ما ظهر لي - والله أعلم -.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون إيمان اليهود، والنصارى مثل إيمان النبي ﷺ ، وأمته حقيقة، ووصفاً.
٢ ــ ومنها: أن ما خالف ما عليه النبي ﷺ فهو ضلال؛ لأن الله علق الاهتداء بأن يؤمنوا بمثل ما آمن به الرسول ﷺ وأمته.
٣ ــ ومنها: أنه لا حجة لمن تولى عن شريعة النبي ﷺ إلا الشقاق، والمجادلة بالباطل؛ لقوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾.
٤ ــ ومنها: وقوع الشقاق بين أهل الكتاب، والمسلمين؛ وعليه فلا يمكن أن يتفق المسلمون وأهل الكتاب؛ فتبطل دعوة أهل الضلال الذين يدْعون إلى توحيد الأديان؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما هم في شقاق﴾؛ فاليهود، والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق؛ وهذا الشقاق لا بد أن يؤدي إلى عداوة، وبغضاء؛ وبالتالي إلى قتال؛ وهكذا وقع: فالمسلمون قاتلوا اليهود، وقاتلوا النصارى - الروم كلهم نصارى -؛ ومن بعد ذلك
стр. 533
قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية؛ وسيقاتلونهم أيضاً مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم؛ ولا بد من هذا في المستقبل بإذن الله؛ وسنقاتل اليهود حتى يختبئ اليهودي بالحجر، والشجر فينادي: «يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» (١) فلا يبَلِّغ عنهم.
٥ ــ ومن فوائد الآية: الوعيد الشديد لهؤلاء المتولين عن شريعة النبي ﷺ ؛ لقوله: ﴿فسيكفيكهم الله﴾.
٦ ــ ومنها: تكفل الله لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا، فإن الله سيكفيه إياهم عن قرب؛ لقوله تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله﴾؛ والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب: فإن الرسول ﷺ لم يُتوفَّ حتى أجلى اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم في خيبر، وأبقاهم فيها عمالاً؛ وفي خلافة أمير المؤمنين عمر ﵁ أجلاهم من خيبر؛ فكفى الله المؤمنين شرهم ــ والحمد لله ــ.
٧ ــ ومن فوائد الآية: الإشارة إلى التوكل على الله ــ ﵎ ــ في الدعوة إليه، وفي سائر الأمور؛ لأنه إذا كان وحده هو الكافي فيجب أن يكون التوكل والاعتماد عليه وحده؛ ولهذا قال الله : ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: ٣].
٨ ــ ومنها: إثبات الاسمين الكريمين ﴿السميع﴾، و ﴿العليم﴾، وما يتضمناه من الصفات والمعاني العظيمة.
٩ ــ ومنها: أنه يجب على المرء مراقبة الله
стр. 534
في جميع أقواله؛ لأن الله سامع لها لا يخفى عليه الصوت مهما خفي؛ بل هو يعلم ما توسوس به نفس الإنسان - وإن لم يتكلم به
١٠ ــ ومنها: مراقبة الله في السر، والعلن؛ وذلك؛ لأن مقتضى اسمه الكريم: ﴿العليم﴾ أنه يعلم كل شيء.
القرآن
( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البقرة: ١٣٨)
التفسير:
﴿١٣٨﴾ قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾؛ «الصبغة» معناها اللون؛ وقالوا: المراد بـ ﴿صبغة الله﴾ دين الله؛ وسمي «الدين» صبغة لظهور أثره على العامل به؛ فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه: يظهر على صفحات وجهه، ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها؛ فهو بمنزلة الصبغ للثوب يظهر أثره عليه؛ وقيل: سمي صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب؛ ولا يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعاً: فهو صبغة للزومه؛ وهو صبغة أيضاً لظهور أثره على العامل به.
ووجه نصب ﴿صبغة الله﴾: قيل: إنها مصدر معنوي؛ لقوله تعالى: ﴿آمنا﴾ في قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله﴾؛ فإن ﴿آمنا﴾ معناها الدين، وأن التقدير: تدينا دين الله؛ ولا ريب أن هذا بعيد؛ لأن ﴿آمنا﴾ في آية أخرى قبلها؛ ويبعد أن يكون هذا متعلقاً بها؛ ولأنه فُصِل بينهما بفواصل كثيرة؛ إذاً هو منصوب على
стр. 535
الإغراء - يعني: الزموا صبغة الله، ولا يصدنكم هؤلاء عن دينكم -؛ وأضيفت «الصبغة» إلى الله؛ لأنها منه: فإن الشريعة جاءت من الله؛ ولا أحد يشرع للخلق إلا خالقهم.
قوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾: الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي لا أحد أحسن من الله صبغة؛ وذلك؛ لأن دين الله مشتمل على المصالح، ودرء المفاسد؛ ولا يوجد دين يشتمل على هذا إلا ما جاء من عند الله، سواء كان الدين الإسلامي الذي جاء به محمد ﷺ ، أو الأديان الأخرى ما دامت قائمة لم تنسخ؛ ومجيء الاستفهام بمعنى النفي أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن التحدي؛ فإن القائل إذا قال: «ليس مثل زيد بشر» ليس كقوله: «مَنْ مثل زيد مِن البشر؟!»؛ الثاني أبلغ: كأنه يتحدى المخاطَب أن يأتي بأحد مثله.
قوله تعالى: ﴿ونحن له عابدون﴾: الضمير ﴿نحن﴾ يعود على النبي ﷺ ، وأصحابه؛ وتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿له عابدون﴾ على عامله هنا له فائدتان؛ أولهما: لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ والثانية: معنوية؛ وهي الحصر، والاختصاص؛ فهو كقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥]؛ و «العبادة» التذلل لله بفعل أوامره محبة له، واجتناب نواهيه تعظيماً له مع شعور الإنسان بمنزلته، وأن منزلته أن يكون عبداً لله .
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله .
٢ ــ ومنها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله سبحانه وتعالى
стр. 536
أضافه إلى نفسه؛ وكل ما يضاف إلى الله فإنه حق.
٣ ــ ومنها: أن دين الله أحسن الأديان، وأكملها، وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾.
٤ ــ ومنها: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له عابدون﴾؛ فقدم المعمول لإفادة الحصر؛ وعبادة الله فخر، وشرف للعبد؛ ولهذا جاء وصف العبودية في المقامات العليا لرسول الله ﷺ ، فجاءت في مقام الدفاع عنه في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]؛ وفي مقام تكريمه بالإسراء في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام رسالته، مثل قوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً﴾ [الكهف: ١]؛ ويقول الشاعر في معشوقته:
(لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي) ٥ ــ ومن فوائد الآية: أن العقل يقضي بالتزام الدين؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾؛ فإن العقل يهدي إلى التزام الأحسن؛ كل إنسان له عقل سليم فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن.
القرآن
( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) (البقرة: ١٣٩)
стр. 537
التفسير:
﴿١٣٩﴾ قوله تعالى: ﴿قل أتحاجُّوننا في الله﴾: الخطاب في قوله تعالى: ﴿قل﴾ موجه إلى رسول الله ﷺ ؛ و ﴿أتحاجوننا في الله﴾ موجه للذين يحاجون الرسول ﷺ من اليهود، والنصارى؛ و «المحاجة» هي أن يدلي كل خصم بحجته لينقض حجة الخصم الآخر.
قوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ أي أننا لا نسأل عنكم، ولا تُسألون عنا؛ كل له عمله؛ وسيجازيه الله به يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿ونحن له مخلصون﴾ أي لله مخلصون؛ و «الإخلاص» تنقية الشيء من كل الشوائب التي قد تَعْلَق به؛ فالمعنى: أننا مخلصون لله الدينَ لا نشرك به شيئاً.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾.
٢ ــ ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾؛ فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه.
٣ ــ ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا﴾ أي فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم.
٤ ــ ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة في العمل؛ لهذا قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو
стр. 538
منهم» (١)؛ وهنا قال تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾: فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.
٥ ــ ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿ونحن له مخلصون﴾.
القرآن
( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: ١٤٠)) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة: ١٤١)
التفسير:
﴿١٤٠﴾ قوله تعالى: ﴿أم تقولون إن إبراهيم ... ﴾؛ ﴿أم﴾ هنا للإضراب؛ والمعنى: بل أتقولون؛ وهو إضراب انتقال؛ وليس إضراب إبطال؛ والمعنى أنه انتقل من توبيخ هؤلاء الذين يحاجون في الله إلى توبيخ آخر؛ وهو دعواهم أن هؤلاء الرسل الكرام كانوا هوداً، أو نصارى؛ وهذه دعوى كاذبة؛ فليس هؤلاء هوداً، ولا نصارى؛ بل إن الله قال موبخاً لهؤلاء مبيناً ضلالهم ــ الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهودياً، أو نصرانياً ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون﴾ [آل عمران: ٦٥]؛ فكيف
стр. 539
يكون يهودياً أو نصرانياً وكتاب اليهود والنصارى لم ينزل إلا من بعد إبراهيم؟!!!
قوله تعالى: ﴿وإسماعيل﴾: هو أكبر أولاد إبراهيم؛ وهو الذي أمر الله أباه أن يذبحه؛ والقصة مبسوطة في سورة الصافات.
قوله تعالى: ﴿وإسحاق﴾: هو أخو إسماعيل؛ وهو الولد الثاني لإبراهيم ﷺ ؛ ﴿ويعقوب﴾: هو ابن إسحاق؛ وهو الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل؛ ﴿والأسباط﴾ سبق الكلام على بيانهم (١).
قوله تعالى: ﴿كانوا هوداً أو نصارى﴾ يعني كانوا على ملة اليهودية، والنصرانية؛ وهذا من سفه هؤلاء اليهود الذين يدعون ذلك؛ لأن أصل اليهودية، والنصرانية حدثت بعد هؤلاء؛ فكيف يكون هؤلاء هوداً، أو نصارى؟!!!
ثم أبطل الله تعالى دعواهم بطريق آخر فقال: ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾؛ ومن المعلوم أنه لا أحد أعلم من الله ؛ ولكن الله قال ذلك إلزاماً للخصم حتى يتبين بطلان ما ادعاه؛ وهو كقوله تعالى: ﴿آلله خير أم ما يشركون﴾؛ ومن المعلوم أن الله خير مما يشركون؛ لكن من أجل إفحام الخصم، وإلزامه بما هو ظاهر لا إشكال فيه.
قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾ يعني لا أحد أظلم في كتمان الشهادة ممن كتم شهادة عنده من الله؛ وهؤلاء اليهود والنصارى كتموا الشهادة عندهم من الله؛ لأن الله ﵎ أخبر عن نبيه محمد ﷺ ، وذكر أوصافه
стр. 540
في التوراة، والإنجيل، كما قال الله ﵎ في سورة الأعراف: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ فهذه أوصاف النبي ﷺ في التوراة والإنجيل معلومة لبني إسرائيل؛ ولكنهم يكتمون هذه الشهادة؛ ولا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله تعالى في كتمان الشهادة؛ وإن كان المشرك أظلم الظالمين؛ لكن اسم التفضيل يختص بالشيء المعين الذي يشترك فيه المفضل، والمفضل عليه.
قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ يعني أن الله لا يغفل عما يعمل هؤلاء؛ بل هو جل وعلا عالم به، وسوف يحاسبهم عليه.
﴿١٤١﴾ قوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ... ﴾ الآية: قد سبق الكلام على نظيرها، وفوائدها.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود، والنصارى أن إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، كانوا هوداً أو نصارى؛ فهذه الدعوى باطلة؛ بل وصفُ هؤلاء الإسلام؛ فإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط ليسوا هوداً، ولا نصارى؛ بل هم مسلمون لله .
٢ ــ ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾.
стр. 541
٣ ــ ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله، وصفاته الذين يقولون: «إن هذا جائز عقلاً على الله؛ فنقر به؛ وهذا يمتنع عقلاً على الله؛ فلا نقر به» كالمعتزلة، والأشاعرة، ونحوهم؛ نقول لهم كلهم في الجواب: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾: أأنتم أعلم بما يجوز على الله، ويمتنع عليه، ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه، ويجب له، ويجوز له؟!!! وهذه في الحقيقة حجة ملزمة مفحمة مقحمة لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: «يجب لله كذا؛ يمتنع عليه كذا»؛ نقول: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾.
٤ ــ ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾؛ فإن العالم بشريعة الله عنده شهادة من الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ [آل عمران: ١٨]؛ فكل إنسان يكتم علماً فقد كتم شهادة عنده من الله؛ ثم إن في هذا عظم إثمه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾.
٥ ــ ومنها: كمال علم الله، ومراقبته لعباده؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾.
٦ ــ ومنها: ثبوت الصفات المنفية؛ وهي ما نفاه الله عن نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ فإن هذه صفة منفية، وليست ثبوتية؛ والصفات المنفية متضمنة لإثبات كمال ضدها؛ فلكمال مراقبته، وعلمه ليس بغافل عما نعمل.
٧ ــ ومنها: تخويف الإنسان، وإنذاره من المخالفة؛ لقوله
стр. 542
تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ فإياك والمخالفة؛ مثلما تهدد إنساناً بشيء تقول: لست بغافل عنك.
٨ ــ ومنها: إضافة العمل إلى العامل؛ ففيه رد على الجبرية الذين يقولون: «إن الإنسان مجبر على عمله»؛ لقوله تعالى: ﴿عما تعملون﴾.
القرآن
( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة: ١٤٢)
التفسير:
﴿١٤٢﴾ قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾؛ ﴿سيقول﴾: السين للتنفيس؛ وإذا دخلت على المضارع أخلصته للمستقبل؛ المضارع إذا دخلت عليه «لم» أخلصته للماضي؛ وإذا دخلت عليه السين أخلصته للمستقبل؛ وإذا كان مجرداً فهو صالح للحاضر، والمستقبل؛ و ﴿سيقول﴾ تفيد أيضاً مع الاستقبال تحقيق وقوع هذا الشيء، وتفيد أيضاً قرب هذا الشيء؛ بخلاف «سوف» فإنها تدل على المستقبل البعيد؛ و ﴿السفهاء﴾ جمع سفيه؛ وهو الذي لا يحسن التصرف لنفسه؛ وكل من خالف الحكمة في تصرفه فهو سفيه؛ فهؤلاء السفهاء سفهاء في دينهم؛ وقد يكونون في المال جيدين؛ وسفه الدين بينه الله بقوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠].
стр. 543
وقوله تعالى: ﴿من الناس﴾ بيان للسفهاء؛ وهي في موضع نصب على الحال - يعني حال كونهم من الناس قوله تعالى: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ في موضع نصب على أنها مقول القول؛ و ﴿ما﴾ اسم استفهام؛ يعني: أيّ شيء صرفهم ﴿عن قبلتهم﴾ أي ما يستقبلون؛ فقبلة الإنسان ما يستقبله؛ والمراد بها بيت المقدس؛ لأن الرسول ﷺ أول ما قدم المدينة صار متجهاً إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً؛ أو سبعة عشر شهراً (١) - يعني إما سنة وأربعة أشهر؛ أو سنة وخمسة أشهر؛ إذا كان مستقبلاً لبيت المقدس تكون الكعبة خلفه تماماً؛ لهذا يقول ابن عمر: «رأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام» (٢).
قوله تعالى: ﴿التي كانوا عليها﴾ أي قبل أن يتجهوا إلى الكعبة؛ فأخبر الله بما سيقول هؤلاء السفهاء، وأعلمه بالرد عليهم.
قوله تعالى: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾؛ ﴿لله﴾: خبر مقدم؛ و ﴿المشرق﴾ مبتدأ مؤخر؛ وتقديم الخبر وهو حقه التأخير ــ يفيد الحصر؛ يعني: لله وحده المشرق، والمغرب؛
стр. 544
فهو الذي يوجه إن شاء إلى المشرق؛ وإن شاء إلى المغرب؛ وإن شاء إلى الشمال؛ وإن شاء إلى الجنوب؛ وخص المشرق، والمغرب؛ لأن منهما تطلع الشمس، وتغرب؛ و ﴿المشرق﴾: مكان شروق الشمس، والقمر، والنجوم؛ و ﴿المغرب﴾ محل غروبها.
قوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾ أي يدِلّ، ويوفق؛ و ﴿من يشاء﴾ مفعول ﴿يهدي﴾؛ وهي عامة؛ ولكن كل شيء قيد بمشيئة الله فهو مقرون بالحكمة: يهدي من يشاء ممن هو أهل للهداية؛ و «المشيئة» هي الإرادة الكونية: فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن.
قوله تعالى: ﴿إلى صراط مستقيم﴾؛ «الصراط» الطريق الواسع الذي يسهل سلوكه؛ والمراد به هنا شريعة الله التي شرعها لعباده، و «المستقيم» الذي لا اعوجاج فيه.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: علم الله تعالى بما سيكون؛ لقوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء﴾.
٢ ــ ومنها: تحقق وقوع خبر الله ؛ لأنهم قالوا ذلك.
٣ ــ ومنها: من اعترض على حكم الله فهو سفيه.
٤ ــ ومنها: تسلية النبي ﷺ ، وأصحابه، حيث أخبر الله تعالى أنه لا يعترض عليه في ذلك إلا سفيه.
٥ ــ ومنها: إعلام المرء بما يتوقع أن يكون ليستعد له؛ ومن ذلك أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: «إنك
стр. 545
تأتي قوماً أهل كتاب»؛ ليكون مستعداً (١).
٦ ــ ومنها: جواز تعليل الأحكام الشرعية بمقتضى الربوبية لإسكات الناس حتى لا يحصل منازعة؛ إذا قال أحد: لماذا كذا؟ قلت: الله ربك يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد؛ «لماذا أحل كذا، وحرم كذا؟» تقول: لأنه ربك؛ «لماذا توجه الناس من المشرق إلى المغرب؛ من المغرب إلى المشرق؛ من بيت المقدس إلى الكعبة؟» قلت: لأن ذلك بمقتضى ربوبية الله: ﴿لله المشرق والمغرب﴾.
٧ ــ من فوائد الآية: أن العدو يحتج على عدوه بما يثير نعرته، ويلزمه؛ لقوله تعالى: ﴿عن قبلتهم﴾؛ لم يقولوا: عن القبلة؛ كأنهم يقولون: كنتم تتولون ذلك فما الذي صرفكم عنه؟!! وهكذا قد يثير شعور الإنسان حتى يبقى على ما هو عليه، وكأنهم قالوا: بالأمس تختارونها، واليوم تنكرونها، وتنبذونها؛ فالخصم دائماً يُهيج خصمه بما يثير نعرته؛ ليوافقه فيما ذهب إليه.
٨ ــ من فوائد الآية: عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى: ﴿لله المشرق والمغرب﴾؛ فهو المالك للجهات يُصرِّف إليها العباد كيف يشاء؛ ونحن ليس علينا إلا السمع، والطاعة؛ أينما وجهنا توجهنا؛ هذا المهم؛ لا أن تتجه إلى كذا، أو إلى كذا؛ فالسجود لغير الله شرك؛ وكان بالنسبة للملائكة حين أمرهم الله بالسجود لآدم طاعة، وعبادة؛ وقتل النفس بغير حق ــ ولا سيما قتل الولد ــ من أكبر الكبائر؛ وحين أمر الله تعالى
стр. 546
إبراهيم أن يذبح ابنه كان قربة، وعبادة؛ فالاعتبار بطاعة الله .
٩ ــ من فوائد الآية: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾.
فإن قال قائل: هل في ذلك حجة للجبرية في قولهم: إن العبد مجبر على عمله؟
فالجواب: أنه لا حجة لهم في ذلك؛ لأن الاحتجاج ببعض القرآن دون بعض كفر به؛ فالقرآن من متكلم واحد؛ فمطلقه في موضع يقيد في موضع آخر؛ بل إن سنة الرسول ﷺ تقيد القرآن، وتبينه، وتخصصه؛ فإذاً لا دليل في هذه الآية للجبرية إلا من نظر بعين أعور؛ لأن الأعور ينظر من جانب العين الصحيحة؛ لكن من جانب العين العوراء لا يرى؛ والواجب أن ينظر الإنسان إلى النصوص بعينين ثاقبتين؛ وليس بعين واحدة؛ وقد دلت النصوص من الكتاب، والسنة على أن الإنسان له إرادة، واختيار، وقدرة، وأضافت أعماله إليه؛ وحينئذ لا يمكن أن يكون مجبراً.
١٠ ــ من فوائد الآية: أن الهداية بيد الله؛ لقوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾، ومنها: أنْ هدَى هذه الأمة إلى القبلة التي يرضاها الرسول ﷺ .
١١ ــ ومنها: الثناء على هذه الأمة؛ لأنها التي على صراط مستقيم؛ لأن أول من يدخل في قوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ هؤلاء الذين تولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة.
١٢ ــ ومنها: أن معارضة الشرع كما أنه سفه، فهو أيضاً
стр. 547
ضلال؛ لأن الشرع هو الصراط المستقيم ــ وهو الهداية؛ وما سواه ضلال، واعوجاج.
١٣ ــ ومنها: فضيلة هذه الأمة، حيث هداها الله إلى استقبال بيته الذي هو أول بيت وضع الناس.
القرآن
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ١٤٣)
التفسير:
﴿١٤٣﴾ قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾؛ الكاف هنا اسم بمعنى «مثل» في محل نصب على المفعولية المطلقة ــ أي: مثلَ ذلك؛ والمشار إليه ما سبق؛ وهو جعل القبلة إلى الكعبة؛ أي: مثلَ هذا الجعل الذي جعلنا لكم ــ وهو اتجاهكم إلى القبلة ــ جعلناكم أمة وسطاً.
وقوله تعالى: ﴿جعلناكم﴾ أي صيرناكم؛ والكاف مفعوله الأول؛ و ﴿أمة﴾ مفعوله الثاني؛ و ﴿أمة﴾ هنا بمعنى جماعة؛ وتطلق في القرآن على أربعة معانٍ، وسبق بيانها (١)؛ و ﴿وسطاً﴾ أي عدلاً خياراً.
قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾؛ اللام في قوله: ﴿لتكونوا﴾ للتعليل؛ وليست للعاقبة؛ والفرق بين لام العاقبة،
стр. 548
ولام التعليل: أن لام العاقبة تدخل على أمر غير مراد؛ لكن النتيجة آلت إليه؛ ولام التعليل تدخل على أمر مراد ليكون علة للحكم؛ و ﴿شهداء﴾ جمع شهيد؛ أي تشهدون على الناس بأن الرسل قد بلغتهم؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر.
قوله تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾: النبي ﷺ يشهد على أمته بأنه بلغ البلاغ المبين.
قوله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها﴾ وهي استقبال بيت المقدس ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾: المراد علم ظهور، أو علم يترتب عليه الجزاء؛ لأن علم الله الكائن في الأزل لا يترتب عليه الجزاء حتى يُمتحن العبد، ويُنظر؛ أو علم ظهور ــ أي علم بأن الشيء حصل، فيعلمه أنه حاصل؛ وأما العلم به قبل وقوعه فهو علم بأنه سيحصل؛ وفرق بين العلم بالشيء أنه سيحصل، والعلم بأنه قد حصل؛ وقد قال بعض أهل المعاني: إن ﴿لنعلم﴾ هنا بمعنى الماضي ــ أي إلا لعلمنا؛ والمعنى: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه؛ وهذا ــ وإن كان له وجه من حيث اللفظ؛ وهو أن يعبر بالمضارع عن الماضي أحياناً ــ لكنه ضعيف هنا من حيث المعنى؛ إذ لا حكمة من ذلك؛ لأنه يكون معنى الآية: وما جعلنا هذا إلا لأننا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه؛ وحينئذ يقال: إذاً ما الفائدة؟! لأنه لا يناسب أن الله ما جعل هذه القبلة إلا لأنه قد علم من يبقى على دينه، ومن لا يبقى؛ فالصواب الوجهان الأولان؛ وأحسنهما أن يكون المراد بالعلم هنا الذي يترتب عليه الجزاء؛ لأنه الواضح وليس فيه تكلف.
وذكر بعض المعربين أن «نعلم» هنا ضمن معنى «نميز» بدليل
стр. 549
قوله تعالى: ﴿ممن ينقلب﴾؛ مثل: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ [الأنفال: ٣٧]؛ فقالوا: إن مثل هذا التقييد يدل على أن هذا الفعل للتمييز ــ أي لنميز من يتبع ممن ينقلب على عقبيه؛ وليس هذا ببعيد أن يكون الفعل ضمن معنى «نميز» مع أنه دال على العلم؛ إذ لا تمييز إلا بعد العلم؛ والفعل إذا ضمن معنى فعل آخر فإنه يدل على معناه الأصلي، وعلى معناه المضمن.
وقوله تعالى: ﴿وما جعلنا﴾: ﴿ما﴾ نافية؛ و ﴿جعلنا﴾ يحتمل أن تكون بمعنى «صيرنا»؛ أو بمعنى «شرعنا»؛ فعلى الاحتمال الأول تحتاج إلى مفعولين؛ وعلى الثاني لا تحتاج إلى مفعولين؛ و «الجعل» يأتي بمعنى الشرع في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ [المائدة: ١٠٣] أي ما شرع؛ وعلى هذا المعنى لا يبقى في الآية أيّ إشكال؛ يعني: ما شرعنا القبلة التي كنت عليها ــ وهي اتجاهك إلى بيت المقدس ــ إلا لنعلم من يتبع الرسول إذا صرفناك عنها ممن ينقلب على عقبيه؛ أما على احتمال أن تكون بمعنى «صيرنا» فإنها تحتاج إلى مفعولين؛ الأول: ﴿القبلة﴾؛ والتقدير: وما صيرنا القبلة التي كنت عليها قبلةً.
وقوله تعالى: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾؛ ﴿إلا﴾ أداة حصر؛ وهذا الاستثناء من أعم الأحوال؛ إذا كان الاستثناء مفرغاً يقولون: إنه استثناء من أعم الأحوال ــ يعني: ما جعلنا بأي حال من الأحوال هذه القبلة إلا لهذه الحال فقط لنعلم من يتبع؛ والمراد بـ ﴿الرسول﴾ محمد ﷺ ؛ وأظهر وصفه في موضع الإضمار تنويهاً بصدقه، وحثاً على اتباعه؛ إذ مقتضى السياق ــ لولا ذلك ــ أن يقال: إلا لنعلم من يتبعه.
стр. 550
والأصل في «الاتباع» المشي خلف الإنسان؛ وهو يختلف باختلاف السياق: إن تعلق بأمور حسية فمعناه: أنك تمشي خلفه في الشارع، وما أشبه ذلك؛ وإن تعلق بأمور معنوية يكون المراد به التأسي بأفعاله، وأقواله؛ وهنا علق بأمور معنوية؛ فيكون المراد به التأسي بأقواله وأفعاله.
وقوله تعالى: ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾ أشد مما لو قال: ممن لم يتبع الرسول؛ لأن الانقلاب على العقب أشد نفوراً، واستنكاراً ممن وقف.
قوله تعالى: ﴿وإن كانت لكبيرة﴾؛ الضمير يعود على الواقعة؛ يعني: وإن كانت هذه الواقعة ــ وهي تحويل القبلة ــ لكبيرة؛ و ﴿إن﴾ هنا مخففة من الثقيلة؛ واسمها ضمير الشأن؛ والتقدير: وإنها كانت لكبيرة؛ واللام هنا للتوكيد؛ ويجوز أن نقول: إنها للفصل بين «إنْ» النافية، و «إنْ» المخففة؛ و ﴿كبيرة﴾ أي عظيمة شاقة؛ فالكبَر يراد به الشيء الشاق العظيم؛ ومنه قوله ﷺ في صاحبَي القبرين: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» (١)، أي في أمر شاق عليهما.
قوله تعالى: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾؛ ﴿الذين﴾ اسم موصول؛ والعائد ضمير منصوب محذوف؛ والتقدير: إلا على الذين هداهم الله؛ والمراد بالهداية هنا هداية العلم، وهداية التوفيق؛ أما كونها هداية العلم فلأن الذين يخشون الله هم العلماء، كما قال الله
стр. 551
تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] أي العلماء به، وبأسمائه، وصفاته، وبأحكامه؛ هذه هي هداية العلم؛ لأنهم إذا علموا خشوا الله ، ولم يكرهوا شريعته، ولم يكبر ذلك عليهم، ولم يشق؛ كذلك هداية التوفيق ــ وهي المهمة: إذا وفق العبد للانقياد لله سهل عليه دينه، وصار أيسر عليه من كل شيء، كما قال تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٥ ــ ٧].
قوله تعالى: ﴿هدى الله﴾: أضاف الفعل إلى نفسه؛ لأن كل شيء بقضاء الله، وقدره.
قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾؛ اللام في قوله تعالى: ﴿ليضيع﴾ يسمونها لام الجحود؛ و «الجحود» يعني النفي؛ وهذه اللام لها ضابط؛ وهو أن تقع بعد «كون» منفي؛ فاللام التي تأتي بعد «كون» منفي تسمى لام الجحود؛ هذا من جهة الإعراب؛ أما من جهة المعنى فكلما جاءت «ما كان الله ... » في القرآن فهي الأمر الممتنع غاية الامتناع؛ مثل: «لا ينبغي»، أو «ما ينبغي» فالمراد أنه ممتنع مستحيل، كقوله تعالى: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً﴾ [مريم: ٩٢] أي ممتنع مستحيل؛ وقوله ﷺ : «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» (١)، المعنى: أنه مستحيل.
قوله تعالى: ﴿ليضيع إيمانكم﴾؛ «يضيع» بمعنى يتركه سدًى
стр. 552
بدون مجازاة عليه؛ والمراد بـ ﴿إيمانكم﴾ صلاتهم إلى بيت المقدس؛ وهذا عام للذين ماتوا قبل تحويل القبلة، ومن بقوا حتى حولت؛ وقد ذكر بعض المفسرين أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود صاروا يقولون للمسلمين: الذين صلوا منكم قبل تحويل القبلة ضاعت صلاتهم، وليس لهم فيها ثواب؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾.
قوله تعالى: ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾؛ ﴿لرؤوف﴾ فيها قراءتان: ﴿لرؤف﴾ بحذف الواو بعد الهمزة؛ و ﴿لرؤوف﴾ بإثبات الواو بعد الهمزة؛ وكلتاهما قراءتان سبعيتان؛ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين؛ أحدهما: ﴿إنّ﴾؛ والثاني: اللام، و ﴿لرؤوف﴾ قال العلماء: إن الرأفة أشد الرحمة؛ فهي رحمة خاصة؛ و ﴿رحيم﴾ أي متصف بالرحمة؛ وقالوا: إنه قدمت ﴿لرؤوف﴾ على ﴿رحيم﴾ ــ مع أن «الرؤوف» أبلغ ــ من أجل مراعاة الفواصل؛ وقال تعالى: ﴿رحيم﴾ لأن هذا يتعلق بفعله ــ أي برحمته الخلق.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: فضيلة هذه الأمة حيث هداها الله إلى استقبال بيته الذي هو أول بيت وضع للناس؛ وروى الإمام أحمد في مسنده أن مما يحسدنا عليه اليهود القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها؛ فهم يحسدوننا على هذه الخصلة؛ وكذلك على يوم الجمعة، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين (١)؛ المهم أن استقبال
стр. 553
القبلة مما حسدونا عليه؛ لأن الكعبة أول بيت وضع للناس، وأعظم بيت في الأرض؛ ولا يوجد بيت قصده ركن من أركان الإسلام للحج إلا الكعبة؛ ولذلك حسدنا اليهود عليها، وأثاروا ضجة عظيمة على التولي عن قبلتهم إلى الكعبة، وصاروا مع من يناصرهم من المشركين؛ أحدثوا أمراً عظيماً حتى إن بعض المسلمين ارتد ــ والعياذ بالله ــ عن الإسلام لما سمع من زخرف القول من هؤلاء اليهود، وغيرهم.
٢ ــ ومن فوائد الآية: فضل هذه الأمة على جميع الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿وسطاً﴾.
٣ ــ ومنها: عدالة هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾؛ والشهيد قوله مقبول؛ والمراد بـ «الأمة» هنا أمة الإجابة؛ ومن هنا نعرف حذق أهل الفقه، حيث قالوا: إن «العدل» من استقام على دين الله؛ يعني: هذه الأمة أمة وسط إذا كانت على دين الرسول ﷺ فتكون شهيداً، وتقبل شهادتها إذا استقامت على دين الله، وكانت أمة حقيقية؛ فعليه يؤخذ من هذا حدّ «العدل»: أن العدل من استقام على دين الله.
٤ ــ من فوائد الآية: أن هذه الأمة تشهد على الأمم يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾؛ والشهادة تكون في الدنيا، والآخرة؛ فإذا حشر الناس، وسئل الرسل: هل
стр. 554
بلغتم؟ فيقولون: نعم؛ ثم تسأل الأمم: هل بُلِّغتم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير، ولا نذير؛ ما جاءنا من أحد؛ فيقال للرسول: من يشهد لك؟ فيقول: «محمد، وأمته»؛ يُستشهدون يوم القيامة، ويَشهدون؛ فيكونون شهداء على الناس.
فإذا قال قائل: كيف تشهد وهي لم تر؟ نقول: لكنها سمعت عمن خبره أصدق من المعاينة ــ صلوات الله وسلامه عليه.
٥ ــ من فوائد الآية: أن نبينا ﷺ يكون شهيداً علينا يوم القيامة ــ شهيداً علينا بالعدالة؛ وقيل: شهيداً علينا بأنه بلغ البلاغ المبين؛ وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال يوم عرفة في أعظم مجمع حصل له مع الصحابة: «ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد؛ ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد؛ ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد» (١)؛ فأشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ؛ نعم؛ لقد بلغ البلاغ المبين ﷺ ، فترك أمته على المحجة البيضاء؛ وما مات حتى أكمل الله به الدين؛ وما بقي شيء يحتاج الناس إليه في دينهم صغيراً كان، أو كبيراً إلا بينه ﷺ بياناً واضحاً - والحمد لله - فالرسول ﷺ شهيد على هذه الأمة؛ قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ [النساء: ٤١]، يعني: كيف تكون الحال في ذلك اليوم عظيم؛ ولهذا لما قرأ ابن مسعود على النبي ﷺ ، ووصل
стр. 555
إلى هذه الآية قال له النبي ﷺ : «حسبك» يعني: قف؛ قال: «فإذا عيناه ﷺ تذرفان» (١)؛
لأن الأمر عظيم؛ فالنبي ﷺ شهيد علينا؛ يشهد بأننا بُلِّغنا، وأقيمت علينا الحجة، وما بقي لنا عذر بأيّ وجه من الوجوه؛ ولهذا لا عذر لأحد بعد أن يتبين له الهدى أن يشاق الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ [النساء: ١١٥].
٦ ــ ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾.
٧ ــ ومنها: أنه لا رسول بعده؛ لأن «أل» هنا للعهد، وهو يخاطب هذه الأمة؛ فالرسول المعهود فيها واحد؛ وهو محمد ﷺ ؛ ويلزم من ذلك أن لا يكون بعده رسول.
٨ ــ ومنها: أن الله قد يمتحن العباد بالأحكام الشرعية إيجاباً، أو تحريماً، أو نسخاً؛ لقوله تعالى: ﴿ما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فلينتبه الإنسان لهذا؛ فإن الله قد يبتليه بالمال بأن يعطيه مالاً ليبلوه أيقوم بواجبه، أم لا؛ وهذه محنة؛ لأن غالب من ابتلي بالمال طغى من وجه، وشح من وجه آخر؛ ثم اعتدى في تمول المال؛ فضَلَّ في تموله، والتصرف فيه، وتصريفه؛ وقد
стр. 556
يبتليه بالعلم؛ فيرزقه علماً ليبلوه أيعمل به، أم لا؛ ثم هل يعلمه الناس، أم لا؛ ثم هل يدعو به إلى سبيل الله، أم لا؛ فليحذر من آتاه الله علماً أن يخل بواحد من هذه الأمور.
وكذلك قد يمتحن العباد بالأحكام الكونية؛ ومنها ما يجري على العبد من المصائب.
ومن امتحانه بهما أن الله حرم الصيد على المحرِم، ثم أرسله على الصحابة وهم محرِمون حتى تناله أيديهم، ورماحهم.
٩ ــ ومن فوائد الآية: وجوب اتباع الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لنعلم من يتبع الرسول فالله امتحن العباد ليعلم هل يتبعون الرسول؛ والصحابة ﵃ اتبعوا الرسول ﷺ في ذلك أشد الاتباع: جاءهم رجل وهم يصلون الفجر في قباء وهم ركوع، فقال: «إن النبي ﷺ قد أُنزل عليه الليلة القرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام؛ فاستداروا إلى الكعبة» (١)؛ هذا هو الاتباع العظيم؛ وكذلك فعل بنو سلمة في مسجد القبلتين (٢)؛ إذاً فاتباع الرسول واجب؛ وإلا لما احتيج إلى محنة الناس عليه.
١٠ ــ ومن فوائد الآية: إثبات علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿لنعلم﴾؛ وعلم الله محيط بكل شيء، كما قال تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢].
стр. 557
١١ ــ ومنها: أن الردة عن الإسلام انقلاب؛ لقوله تعالى: ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فإن بعض الذين أسلموا ارتدوا حينما تحولت القبلة إلى الكعبة؛ وقالوا: «إن محمداً ليس على يقين من أمره: بالأمس له قبلة؛ واليوم له قبلة»؛ وما علموا أن ذلك مما يؤيد رسالته؛ لأن الإنسان الكذاب يحرص على أن لا يتراجع؛ لأن التراجع وصمة فيه؛ لكن الإنسان الصدوق لا يهتم أن يقول ما أوحي إليه، سواء وافق ما كان عليه أولاً، أو خالف.
١٢ ــ ومنها: أن التقدم حقيقة إنما يكون بالإسلام، وأن الرجعية حقيقة إنما تكون بمخالفة الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فإن هذا حقيقة الرجوع على غير هدًى؛ لأن الذي ينقلب على عقبيه لا يبصر ما وراءه؛ فمن قال للمتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله رجعيون، قلنا له: بل أنت الرجعي حقيقة؛ لأن الله سمى مخالفة الرسول ﷺ انقلاباً على العقب؛ ولا أبلغ من هذا الرجوع أن الإنسان يرجع على عقبيه رجوعاً أعمى ــ والعياذ بالله ــ لا يدري ما وراءه.
١٣ ــ ومن فوائد الآية: أن تغيير القبلة شاق إلا على طائفة معينة من الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾؛ وهذا يقع كثيراً للإنسان: تشق عليه بعض الأوامر الشرعية، واجتناب بعض النواهي الشرعية؛ لكن بتمام الإيمان تزول هذه المشقة، وتكون سهلة؛ والعلماء اختلفوا: أيهما أفضل رجل يفعل العبادة بمشقة، ويترك المعصية بمشقة؛ وآخر يفعل العبادة بيسر، ويترك المعصية بيسر؛ قال بعض العلماء: الأول أفضل؛ لأنه مجاهد يجاهد نفسه، فيتعب؛ وقال آخرون: بل
стр. 558
الثاني أفضل؛ لأن العبادة كأنها امتزجت بدمه ولحمه، حتى صارت سجية له، ويسيرة عليه لا ينشرح صدره إلا بها؛ والصحيح أن يقال: أما الذي يفعلها بسهولة، ويسر، وانقياد فهذا أكمل حالاً بلا شك؛ لأنه مطمئن بالإيمان فرح بالطاعة؛ أما الثاني فحاله أدنى؛ ولكنه يؤجر على مجاهدة نفسه على الطاعة؛ وعلى ترك المعصية؛ على أن هذا الثاني الذي قلنا: إنه مفضول، وله أجر المشقة ربما يمن الله عليه ــ وهو أكرم الأكرمين ــ حتى تكون العبادة في نفسه سهلة، ويفعلها بارتياح؛ وهذا هو معنى قول بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله؛ فالإنسان قد يفعل العبادة في البداية بمشقة، ويكون عنده نوع من التعب في تنفيذها؛ لكن إذا علم الله من نيته صدق القصد والطلب، يسر الله له الطاعة حتى كانت سجية له.
١٤ ــ ومن فوائد الآية: إظهار منة الله على من هداه الله؛ لأنه نسب الهداية إليه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾؛ وهذه أعظم منة منَّ الله بها عليه أن هداه للإسلام؛ فيجب أن يشعر بها الإنسان؛ لا يمنّ بدينه على ربه؛ بل يعتقد أن المنة لله عليه، كما قال تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ [الحجرات: ١٧]؛ فكم من أناس ضلوا عن الحق مع بيانه، ووضوحه؛ وهم كثيرون؛ بل هم الأكثر، كما قال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: ١١٦]؛ وانظر إلى الفضل، والكرم: هو الذي منّ علينا بالهداية، ثم يقول في سورة الرحمن: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]؛ فكأننا نحن الذين أحسنا؛ فأحسن إلينا بالجزاء مع
стр. 559
أن له الإحسان أولاً، وآخراً؛ هو الذي أحسن إلينا أولاً، وأحسن إلينا آخراً؛ ولكن هذه مِن منَّته ، ومِن شكره لسعي عبده، كما قال تعالى: ﴿إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً﴾ [الإنسان: ٢٢].
١٥ ــ ومن فوائد الآية: أن الله لا يضيع أجر عمل عامل إذا كان مبنياً على الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾؛ كل عمل تعمله صادر عن إيمانه فإنه لن يضيع؛ ستجده مسجلاً ــ قولاً كان، أو فعلاً، أو همّاً بالقلب، كما قال النبي ﷺ : «من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة» (١).
١٦ ــ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «الرؤوف» و «الرحيم»، وما تضمناه من الصفة؛ وهي الرأفة، والرحمة.
١٧ ــ ومنها: إثبات عموم الرحمة لكل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾؛ وهذه هي الرحمة العامة التي بها يعيش الناس في دنياهم برزق الله من طعام، وشراب، وكسوة، وغيرها؛ وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ وبها يحصل سعادة الدنيا، والآخرة، كالعلم والإيمان المثمرَين لطاعة الله، ورسوله.
١٨ ــ ومنها: أن العمل من الإيمان، لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾؛ فإنها فسرت بالصلاة إلى بيت المقدس؛ وهذا مذهب أهل السنة والجماعة: أن العمل داخل في
стр. 560
الإيمان؛ وهذا أحد أدلتهم؛ ومن الدليل على ذلك قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ فأفضلها قول: لا إله إلا الله؛ وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق؛ والحياء شعبة من الإيمان» (١)؛ فقول: «لا إله إلا الله» من أعمال اللسان؛ و «إماطة الأذى عن الطريق» من أعمال الجوارح؛ وقوله ﷺ : «الحياء شعبة من الإيمان» من أعمال القلوب؛ كما أن الإيمان أيضاً يطلق على الاعتقاد؛ لقوله ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» (٢)؛ فقوله ﷺ : «أن تؤمن بالله» هذا اعتقاد القلب؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يشمل: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح؛ ووجه كون الأعمال من الإيمان أنها صادرة عن إيمان؛ الإيمان هو الذي حمل عليها، ولهذا لا يعد عمل المنافق من الإيمان؛ عمل المنافق ــ صلاته، وذكره لله؛ ونفقاته ــ لا يُعَدّ من الإيمان؛ لأنه صادر عن غير إيمان.
القرآن
( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة: ١٤٤)
التفسير:
﴿١٤٤﴾ قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾؛
стр. 561
﴿قد﴾ هنا للتحقيق؛ و ﴿نرى﴾ فعل مضارع عبر به عن الماضي؛ لأن النبي ﷺ كان يكرر تقلب وجهه في السماء؛ فأتى بالفعل المضارع للدلالة على استمرار رؤية الله له كما استمر تقلب وجه النبي ﷺ في السماء ترقباً لنزول جبريل بتحويل القبلة إلى الكعبة؛ وقيل: إنه فعل مضارع على بابه، فيكون إخباراً بأن الله سيرى تقلب وجهه، ثم يحوله إلى القبلة التي يرضاها؛ وهذا أقرب إلى ظاهر اللفظ.
قوله تعالى: ﴿فلنولينك﴾ الفاء للتفريع؛ لأن ما بعدها مفرع على ما قبلها؛ واللام موطئة للقسم؛ فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدر، واللام، والنون؛ وقوله: ﴿فلنولينك﴾ أي فلنوجهنَّك؛ وقيل: فلنحولنَّك إلى ﴿قبلة ترضاها﴾؛ ونكِّرت ﴿قبلة﴾ للتعظيم؛ و ﴿ترضاها﴾ أي تطمئن إليها، وتحبها، وتقبلها؛ والرسول ﷺ قَبِل القبلة الأولى، ورضيها قبل أن يحول إلى الكعبة؛ لكنه يحب أن يحول إلى الكعبة.
قوله تعالى: ﴿فول وجهك﴾ أي استقبل بوجهك؛ و «وجه» مفعول أول؛ و ﴿شطر﴾ مفعول ثان؛ والمراد بـ «الشطر» هنا الجهة؛ يعني: جهة المسجد الحرام؛ والمراد بـ «الوجه» جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن مستقبلاً لها.
قوله تعالى: ﴿المسجد الحرام﴾؛ «المسجد» في الأصل مكان السجود؛ وقيل: إن «المسجَد» بفتح الجيم: مكان السجود؛ و «المسجِد» بكسر الجيم: المكان المعد للسجود؛ فيكون بينهما فرق: هو أن المكان المبني المعَدّ للسجود يسمى مسجِداً ــ بالكسر ــ
стр. 562
وأما المكان الذي سجدت فيه بالفعل فيسمى مسجَداً ــ بالفتح.
وقوله تعالى: ﴿الحرام﴾ صفة مشبهة من الحُرم؛ وهو المنع؛ وسمي «حراماً»؛ لأنه يمنع فيه من أشياء لا تمنع في غيره، ولأنه محترم معظم؛ والمراد به الكعبة، وما حولها من البناء المعروف.
قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ عدل عن الخطاب للنبي ﷺ إلى الخطاب لأمته؛ لأن الخطاب الموجه للنبي ﷺ خطاب له، وللأمة؛ إذ إنه الإمام؛ والخطاب إذا وجه للإمام فهو خطاب له، ولمن اتبعه؛ ونظير ذلك أن الوزير مثلاً يقول للقائد: اتجه إلى كذا؛ المعنى: اتجه، ومن يتبعك من الجنود؛ فهكذا الخطاب الموجه للرسول ﷺ يكون له، وللأمة؛ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١]؛ فخاطب النبي ﷺ أولاً، ثم قال تعالى: ﴿إذا طلقتم﴾؛ لأن الحكم له، ولأمته.
قوله تعالى: ﴿حيث﴾ ظرف مكان لكنها شرطية زيدت عليها ﴿ما﴾ لفظاً لا معنًى للتوكيد؛ و ﴿كنتم﴾ فعل الشرط؛ وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿فولوا وجوهكم﴾.
قوله تعالى: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾؛ المراد بـ ﴿الكتاب﴾ الجنس؛ وهو التوراة، والإنجيل؛ والذين أوتوه هم اليهود، والنصارى.
قوله تعالى: ﴿ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾؛ اللام للتوكيد؛ فالجملة إذاً مؤكدة بـ ﴿إن﴾، واللام؛ و «العِلم» إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً للواقع.
стр. 563
وقوله تعالى: ﴿أنه الحق﴾ أي استقبالك المسجد الحرام الحق؛ و ﴿الحق﴾ معناه الشيء الثابت؛ فإن أضيف إلى الخبر فهو الصدق؛ وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل؛ قال الله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً﴾ [الأنعام: ١١٥].
قوله تعالى: ﴿من ربهم﴾؛ «الرب» الخالق المالك الكامل السلطان المدبر لجميع الأمور.
قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾؛ ﴿ما﴾ هنا حجازية؛ لأن القرآن بلغة قريش؛ والدليل على هذا قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿ما هذا بشراً﴾ [يوسف: ٣١]؛ ولم يقل: «بشر»؛ فالقرآن بلغة قريش؛ وقريش حجازيون؛ و ﴿ما﴾ عندهم تعمل عمل «ليس».
وقوله تعالى: ﴿بغافل﴾: الباء زائدة إعراباً مفيدة معنًى ــ وهو التوكيد؛ و ﴿غافل﴾ خبر ﴿ما﴾ منصوب بها؛ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ و «الغفلة» اللهو والسهو عن الشيء.
وقوله تعالى: ﴿عما يعملون﴾: «ما» اسم موصول تفيد العموم؛ يعني: عن أيّ عمل يعملونه سواء كان يتعلق بالجوارح، أو يتعلق بالقلوب؛ فيشمل الاعتقاد، ويشمل القول، والفعل.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: إثبات رؤية الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾.
٢ ــ ومنها: أن النظر إلى السماء ليس سوء أدب مع الله؛ لقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء لكن في الصلاة لا يرفع بصره إلى السماء؛ لورود الوعيد الشديد به.
стр. 564
٣ ــ ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء.
٤ ــ ومنها: كمال عبودية الرسول ﷺ لربه، حيث كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لكنه لم يفعل حتى أُمر بذلك.
٥ ــ ومنها: إثبات عظمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿فلنولينك قبلة﴾؛ فإن ضمير الجمع للتعظيم.
٦ ــ ومنها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿ترضاها﴾ مع قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾.
٧ ــ ومنها: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾.
٨ ــ ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء حيث عبر به عن سائر الجسم.
٩ ــ ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه؛ لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾؛ فإذا ولّى الإنسان وجهه شطر المسجد الحرام فسيكون نظره تلقاء وجهه غالباً؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: ماذا ينظر إليه المصلي حال القيام؟ فالمشهور عن المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه؛ وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده - وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة؛ واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين أن النبي ﷺ كان يطأطئ رأسه، وينظر إلى موضع سجوده (١)؛ ولأنه أظهر في الخشوع؛ وقال بعض
стр. 565
العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظران إلى موضع السجود؛ وأما المأموم فينظر إلى إمامه - بكسر الهمزة؛ واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري؛ وهي أن الرسول ﷺ حينما صلى صلاة الكسوف، وأخبر أصحابه بأنه عرضت عليه الجنة والنار قال لهم: «وذلك حين رأيتموني تقدمت وتأخرت» (١)؛ وهذا دليل على أنهم ينظرون إليه؛ ومنها أنه لما صنع له المنبر قام يصلي عليه، فكان يقوم، ويركع؛ فإدا أراد السجود نزل، وسجد على الأرض؛ وقال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلَّموا صلاتي» (٢)؛
وهذا دليل على أنهم ينظرون إليه؛ ومنها أيضاً أنهم لما أخبروا أن الرسول ﷺ كان يقرأ في صلاة السر؛ قيل لهم: بم تعرفون ذلك؟ قالوا: «باضطراب لحيته» (٣)؛ وهذه كلها في الصحيح؛ فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الائتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم، وقد يجلس ساهياً مثلاً؛ فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به؛ أما الإمام، والمنفرد فإنهما ينظران