← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

﴿قد﴾ هنا للتحقيق؛ و ﴿نرى﴾ فعل مضارع عبر به عن الماضي؛ لأن النبي ﷺ كان يكرر تقلب وجهه في السماء؛ فأتى بالفعل المضارع للدلالة على استمرار رؤية الله له كما استمر تقلب وجه النبي ﷺ في السماء ترقباً لنزول جبريل بتحويل القبلة إلى الكعبة؛ وقيل: إنه فعل مضارع على بابه، فيكون إخباراً بأن الله سيرى تقلب وجهه، ثم يحوله إلى القبلة التي يرضاها؛ وهذا أقرب إلى ظاهر اللفظ. قوله تعالى: ﴿فلنولينك﴾ الفاء للتفريع؛ لأن ما بعدها مفرع على ما قبلها؛ واللام موطئة للقسم؛ فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدر، واللام، والنون؛ وقوله: ﴿فلنولينك﴾ أي فلنوجهنَّك؛ وقيل: فلنحولنَّك إلى ﴿قبلة ترضاها﴾؛ ونكِّرت ﴿قبلة﴾ للتعظيم؛ و ﴿ترضاها﴾ أي تطمئن إليها، وتحبها، وتقبلها؛ والرسول ﷺ قَبِل القبلة الأولى، ورضيها قبل أن يحول إلى الكعبة؛ لكنه يحب أن يحول إلى الكعبة. قوله تعالى: ﴿فول وجهك﴾ أي استقبل بوجهك؛ و «وجه» مفعول أول؛ و ﴿شطر﴾ مفعول ثان؛ والمراد بـ «الشطر» هنا الجهة؛ يعني: جهة المسجد الحرام؛ والمراد بـ «الوجه» جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن مستقبلاً لها. قوله تعالى: ﴿المسجد الحرام﴾؛ «المسجد» في الأصل مكان السجود؛ وقيل: إن «المسجَد» بفتح الجيم: مكان السجود؛ و «المسجِد» بكسر الجيم: المكان المعد للسجود؛ فيكون بينهما فرق: هو أن المكان المبني المعَدّ للسجود يسمى مسجِداً ــ بالكسر ــ

стр. 562

وأما المكان الذي سجدت فيه بالفعل فيسمى مسجَداً ــ بالفتح. وقوله تعالى: ﴿الحرام﴾ صفة مشبهة من الحُرم؛ وهو المنع؛ وسمي «حراماً»؛ لأنه يمنع فيه من أشياء لا تمنع في غيره، ولأنه محترم معظم؛ والمراد به الكعبة، وما حولها من البناء المعروف. قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ عدل عن الخطاب للنبي ﷺ إلى الخطاب لأمته؛ لأن الخطاب الموجه للنبي ﷺ خطاب له، وللأمة؛ إذ إنه الإمام؛ والخطاب إذا وجه للإمام فهو خطاب له، ولمن اتبعه؛ ونظير ذلك أن الوزير مثلاً يقول للقائد: اتجه إلى كذا؛ المعنى: اتجه، ومن يتبعك من الجنود؛ فهكذا الخطاب الموجه للرسول ﷺ يكون له، وللأمة؛ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١]؛ فخاطب النبي ﷺ أولاً، ثم قال تعالى: ﴿إذا طلقتم﴾؛ لأن الحكم له، ولأمته. قوله تعالى: ﴿حيث﴾ ظرف مكان لكنها شرطية زيدت عليها ﴿ما﴾ لفظاً لا معنًى للتوكيد؛ و ﴿كنتم﴾ فعل الشرط؛ وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿فولوا وجوهكم﴾. قوله تعالى: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾؛ المراد بـ ﴿الكتاب﴾ الجنس؛ وهو التوراة، والإنجيل؛ والذين أوتوه هم اليهود، والنصارى. قوله تعالى: ﴿ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾؛ اللام للتوكيد؛ فالجملة إذاً مؤكدة بـ ﴿إن﴾، واللام؛ و «العِلم» إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً للواقع.

стр. 563

وقوله تعالى: ﴿أنه الحق﴾ أي استقبالك المسجد الحرام الحق؛ و ﴿الحق﴾ معناه الشيء الثابت؛ فإن أضيف إلى الخبر فهو الصدق؛ وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل؛ قال الله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً﴾ [الأنعام: ١١٥]. قوله تعالى: ﴿من ربهم﴾؛ «الرب» الخالق المالك الكامل السلطان المدبر لجميع الأمور. قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾؛ ﴿ما﴾ هنا حجازية؛ لأن القرآن بلغة قريش؛ والدليل على هذا قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿ما هذا بشراً﴾ [يوسف: ٣١]؛ ولم يقل: «بشر»؛ فالقرآن بلغة قريش؛ وقريش حجازيون؛ و ﴿ما﴾ عندهم تعمل عمل «ليس». وقوله تعالى: ﴿بغافل﴾: الباء زائدة إعراباً مفيدة معنًى ــ وهو التوكيد؛ و ﴿غافل﴾ خبر ﴿ما﴾ منصوب بها؛ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ و «الغفلة» اللهو والسهو عن الشيء. وقوله تعالى: ﴿عما يعملون﴾: «ما» اسم موصول تفيد العموم؛ يعني: عن أيّ عمل يعملونه سواء كان يتعلق بالجوارح، أو يتعلق بالقلوب؛ فيشمل الاعتقاد، ويشمل القول، والفعل. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: إثبات رؤية الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾. ٢ ــ ومنها: أن النظر إلى السماء ليس سوء أدب مع الله؛ لقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء لكن في الصلاة لا يرفع بصره إلى السماء؛ لورود الوعيد الشديد به.

стр. 564

٣ ــ ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء. ٤ ــ ومنها: كمال عبودية الرسول ﷺ لربه، حيث كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لكنه لم يفعل حتى أُمر بذلك. ٥ ــ ومنها: إثبات عظمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿فلنولينك قبلة﴾؛ فإن ضمير الجمع للتعظيم. ٦ ــ ومنها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿ترضاها﴾ مع قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾. ٧ ــ ومنها: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾. ٨ ــ ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء حيث عبر به عن سائر الجسم. ٩ ــ ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه؛ لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾؛ فإذا ولّى الإنسان وجهه شطر المسجد الحرام فسيكون نظره تلقاء وجهه غالباً؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: ماذا ينظر إليه المصلي حال القيام؟ فالمشهور عن المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه؛ وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده - وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة؛ واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين أن النبي ﷺ كان يطأطئ رأسه، وينظر إلى موضع سجوده (١)؛ ولأنه أظهر في الخشوع؛ وقال بعض

стр. 565

العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظران إلى موضع السجود؛ وأما المأموم فينظر إلى إمامه - بكسر الهمزة؛ واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري؛ وهي أن الرسول ﷺ حينما صلى صلاة الكسوف، وأخبر أصحابه بأنه عرضت عليه الجنة والنار قال لهم: «وذلك حين رأيتموني تقدمت وتأخرت» (١)؛ وهذا دليل على أنهم ينظرون إليه؛ ومنها أنه لما صنع له المنبر قام يصلي عليه، فكان يقوم، ويركع؛ فإدا أراد السجود نزل، وسجد على الأرض؛ وقال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلَّموا صلاتي» (٢)؛ وهذا دليل على أنهم ينظرون إليه؛ ومنها أيضاً أنهم لما أخبروا أن الرسول ﷺ كان يقرأ في صلاة السر؛ قيل لهم: بم تعرفون ذلك؟ قالوا: «باضطراب لحيته» (٣)؛ وهذه كلها في الصحيح؛ فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الائتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم، وقد يجلس ساهياً مثلاً؛ فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به؛ أما الإمام، والمنفرد فإنهما ينظران

стр. 566

إلى موضع السجود؛ وهذا القول أقرب؛ ولا سيما إذا كان المأموم محتاجاً إلى ذلك، كما لو كان لا يسمع، فيريد أن ينظر إلى الإمام ليقتدي به، أو نحو ذلك. لكن يستثنى من ذلك إذا كان جالساً؛ فإنه ينظر إلى موضع إشارته؛ لقول عبد الله بن الزبير: «كان النبي ﷺ لا يجاوز بصره إشارته» (١)؛ ومما يستثنى من ذلك عند بعضهم: إذا كنت في المسجد الحرام ويمكنك مشاهدة الكعبة؛ فإنك تنظر إلى الكعبة؛ ومنها إذا كنت في خوف وحولك العدو؛ فإنك تنظر إلى جهة العدو؛ فهذه المسائل الثلاث تستثنى؛ والراجح في مسألة الكعبة أن المصلي لا ينظر إليها حال صلاته؛ لعدم الدليل على ذلك؛ ولأنه ربما ينشغل به عن صلاته، لا سيما إذا كان الناس يطوفون حولها؛ وأما استثناء الصلاة حال الخوف فصحيح؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿وخذوا حذركم﴾؛ وقد ورد عن النبي ﷺ أنه بعث طليعة؛ فكان يصلي وهو يلتفت إلى الشعب هل جاء الطليعة أم لا (٢).

стр. 567

١٠ ــ ومن فوائد الآية: عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام - أي ذي الحرمة والتعظيم - ولهذا كان من يدخله آمناً، ولا يدخله أحد إلا بإحرام وجوباً إن كان لم يؤد الفرض؛ أو استحباباً إن كان قد أداه - بخلاف غيره؛ فكل شيء فيه حياة فهو آمن داخل الحرم - حتى الجماد: فالشجر آمن لا يجوز قطعه في الحرم؛ والصيد آمن لا يقتل في الحرم؛ بل ولا ينفر من مكانه. ١١ ــ ومنها: وجوب الاتجاه إلى القبلة في أيّ مكان كان الإنسان: من بر، أو بحر، أو جو؛ لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ ويشمل من كان في مكة، ومن كان بعيداً عنها، ومن كان في جوف الكعبة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم﴾؛ إذاً إذا كان في جوف الكعبة يستقبل أمام وجهه من أيّ الجهات كان؛ إلا أن بعض أهل العلم يقول: لا يستقبل الباب إذا كان مفتوحاً ما لم يكن له عتبة؛ لأنه لابد من شاخص يكون بين يديه حتى يصح أن يقال: إنه ولّى وجهه شطره؛ وإذا كنا خارج الكعبة ــ ولكن في المسجد ــ فإنا ندور حوله؛ لأننا لو استقمنا في صف مستقيم لم نوَلّ وجوهنا شطره؛ ويكون من خرج عن مسامتته ولّى وجهه جهة غيره؛ لأنه محصور الآن؛ وإذا ابتعدنا فإن بعض العلماء يقول: إن كنت في مكة فاستقبل المسجد؛ وإن كنت خارج مكة فاستقبل مكة؛ لكن هذا

стр. 568

تقريبي؛ إنما الصواب في هذه المسألة أن من أمكنه مشاهدة عين الكعبة وجب عليه استقبال العين ــ لا يخرج عن مسامتتها؛ ومن لا يمكن مشاهدتها لبعد، أو حيلولة شيء دونها استكفى بالجهة؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ويسقط استقبال القبلة في مواضع؛ منها: أـ عند صلاة النفل في سفر؛ فيصلي حيث كان وجهه. ب ــ عند الخوف الشديد إذا كان لا يمكن استقبال القبلة. ج ــ إذا كان عاجزاً عن استقبال القبلة لمرض ــ أو صلب ــ يعني: لو صلب إلى غير القبلة، أو نحو ذلك. أما إذا اشتبهت عليه القبلة فعليه أن يجتهد إن كان بمكان يصح فيه الاجتهاد؛ فإن أصاب فذاك؛ وإن أخطأ فهو معذور؛ إذاً فالاشتباه لا يُستثنى؛ لأن حقيقة الأمر أنه لا يجوز أن يصلي إلا وهو يعتقد أنه إلى القبلة؛ بخلاف الذي ذكرنا؛ فالعاجز يعرف أن القبلة خلفه، فيصلي إلى غير القبلة؛ وكذلك في شدة الخوف؛ وكذلك المتنفل في السفر. ١٢ - ومنها مراعاة الشريعة اجتماع المسلمين على وجهة واحدة؛ لأنه تعالى قال: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ فالمسلمون في أقطار الدنيا كلها يتجهون إلى قبلة واحدة؛ هذا توحيد؛ ولا سيما أنهم يتجهون هذا الاتجاه، ويتحدون هذا الاتحاد في أعظم مشعر عملي، أو في أعظم فريضة عملية ــ وهي الصلاة؛ فيدل هذا على أن الشرع يراعي مراعاة تامة توحيد المسلمين في دينهم، وتوحيدهم في الاتجاه البدني، وكذلك في الاتجاه القلبي الفكري.

стр. 569

١٣ - ومنها بيان عناد اليهود والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾؛ ولكن مع ذلك شنعوا على النبي ﷺ تشنيعاً عظيماً حين توجه إلى الكعبة بأمر ربه. ١٤ ــ ومنها: أن ما كان من عند الله فهو حق؛ لقوله تعالى: ﴿أنه الحق﴾ مضافاً إلى الله: ﴿من ربهم﴾. ١٥ ــ ومنها: أن هؤلاء المعاندين من أهل الكتاب يعاندون مع علمهم التام، ومع إقرارهم بربوبية الله ؛ فهم يعلمون أن الرسول ﷺ سيستقبل الكعبة؛ وهم علموا ذلك مما جاء في كتبهم من وصف الرسول ﷺ بأن هذا النبي الأمي سوف يتجه إلى الكعبة؛ وكان عليهم حيث أقروا بربوبية الله لهم، وعلموا الحق أن ينقادوا له، وأن يكونوا أولى الناس باتباعه؛ لأن من أقر بربوبية الله لزم أن يقر بأحكامه، ويلتزم بها؛ لأن الرب له الملك المطلق يتصرف كيف يشاء؛ ولهذا أضاف الربوبية هنا إليهم: ﴿من ربهم﴾؛ لإقامة الحجة عليهم حيث يعترفون بربوبيته. ١٦ ــ ومن فوائد الآية: انتفاء غفلة الله عن أعمالهم المتضمن لكمال علمه، وإحاطته بهم؛ ولا يكفي أن نقول: انتفاء الغفلة فقط؛ بل نقول: المتضمن لكمال العلم، والإحاطة؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾. ١٧ ــ ومنها: صحة تقسيم الصفات إلى ثبوتية، ومنفية؛ لأن التي في الآية هنا منفية ــ وهي قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾ فالصفات المنفية: كل صفة صُدِّرت بما يدل على النفي

стр. 570

بأيّ أداة كانت، مثل قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿ولم يعيَ بخلقهن﴾ [الأحقاف: ٣٣]؛ واعلم أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي؛ وإنما يراد بها مع النفي: ضدها؛ فإذا قال الله تعالى عن نفسه: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] فالمراد: نفي اللغوب، وإثبات كمال قوته، وقدرته. ١٨ ــ ومن فوائد الآية: تهديد هؤلاء المعاندين الذين أوتوا الكتاب، وعلموا الحق، ولم يتبعوه؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾؛ ويشبه هؤلاء من بعض الوجوه من يتعصب لمذهبه ــ ولو علم أن الحق في خلافه ــ إحساناً للظن بمن قلدهم؛ ولو أتيتهم بكلام من كلام مشايخهم قالوا: على العين والرأس! ولهذا أكثر شيخ الإسلام ــ ﵀ ــ في «الفتوى الحموية» النقول عن العلماء من الأشاعرة، وغيرهم؛ وقال: «إنه ليس كل من نقلنا قوله فإننا نقول به؛ ولكن لما كان بعض الطوائف منتحلاً إلى إمام أو مذهب، صار لو أُتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم" وهذا من الدعوة بالحكمة فإنه يقنع المعارض بما لا يمكنه نفيه ومعارضته إذا أتى إليه بشيء من كلام مقلده لا يمكنه أن يحيد عنه وهؤلاء المتعصبون للمذاهب إذا قلنا لهم هذا الإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد والإمام أبوحنيفة كلهم ينكرون تقليدهم مع مخالفة الكتاب، والسنة، ويقولون: «اضربوا بأقوالنا عُرض الحائط إذا خالفت الكتاب، والسنة»؛ ولهم عبارات في هذا المعنى كثيرة؛ وإذا كانوا يقولون هكذا فإن الذين يتعصبون لهم مع مخالفة الدليل لم يقلدوهم

стр. 571

حقيقة؛ ولو قلدوهم حقيقة لكانوا إذا بين لهم الدليل أخذوا به كما أمر به هؤلاء الأئمة؛ لكنهم لم يقلدوهم حقيقة؛ بل تعصبوا تعصباً لا يحمدون عليه ما دام قام الدليل على خلافه؛ أما إذا لم يقم الدليل عند الإنسان ــ سواء كان ممن يطلب الدليل، ويستطيع أن يعرف الحكم بالأدلة؛ أو لم يكن كذلك ــ فهذا على كل حال يعذر إذا قلد من يرى أنه أقرب إلى الحق؛ أما مع وضوح الدليل، وبيانه فإن التقليد حرام؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن التقليد بمنزلة أكل الميتة يحل للضرورة، أما مع وجود لحم مذكّى فلا تأكل الميتة؛ فمع وجود الدليل من الكتاب، والسنة، وتبينه للإنسان فإنه لا يحل له أن يقلد؛ ولهذا لم يأمر الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم فقال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر﴾ [النحل: ٤٣، ٤٤]؛ أما إذا كنا نعلم بالبينات، والزبر فلا نسألهم؛ ونأخذ من البينات، والزبر. القرآن ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: ١٤٥) التفسير: ﴿١٤٥﴾ في قوله تعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ أمران متنازعان: قسَم، وشرط؛ قَسَم

стр. 572

مدلول عليه باللام؛ لأن اللام واقعة في جواب القسم المقدر ــ أي: والله لئن؛ والثاني المنازع للقسَم: «إن» الشرطية؛ وكل من القسم، والشرط يحتاج إلى جواب؛ فجواب القسم: ﴿ما تبعوا قبلتك﴾؛ والمحذوف جواب الشرط؛ لأن الشرط مؤخر؛ فاستغنى عن جوابه بجواب القسم؛ يقول ابن مالك: (واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم) وقوله تعالى: ﴿أتيت﴾ بمعنى جئت؛ و ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ يعني اليهود، والنصارى؛ و ﴿بكل آية﴾ الباء للمصاحبة؛ والمعنى: مصطحباً كل آية؛ ويحتمل أن تكون الباء للتقوية ــ أي: تعدية الفعل؛ و «الآية» العلامة على صدق ما أتيت به إليهم؛ يعني: إن أتيتهم بكل آية تدل على صدق ما أتيت به ﴿ما تبعوا قبلتك﴾ أي الكعبة؛ لعنادهم، واستكبارهم. قوله تعالى: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾: الواو هنا استئنافية؛ لأننا لو جعلناها عاطفة على قوله تعالى: ﴿ما تبعوا قبلتك﴾ لصار المعنى: وما أنت بتابع قبلتهم في حال إتيانك بالآيات التي تدل على صدق ما جئت به؛ ومعلوم أن الرسول ﷺ لا يمكن أن يتبع قبلتهم مطلقاً؛ وهذا هو السر في التعبير - والله أعلم بالجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿وما أنت بتابع﴾، وفي الكلام عنهم أتى بالجملة الفعلية في قوله تعالى: ﴿ما تبعوا قبلتك﴾. قوله تعالى: ﴿وما بعضهم﴾ أي الذين أوتوا الكتاب ﴿بتابع قبلة بعض﴾: فاليهود لا تتبع قبلة النصارى؛ والنصارى لا تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار؛ واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق؛ ولهذا يكذبون عيسى ﷺ .

стр. 573

قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾: نقول فيها مثلما قلنا في قوله تعالى: ﴿ولئن أتيت﴾؛ ففيها قَسَم، وشرط؛ والجواب للقسم ــ وهو قوله تعالى: ﴿إنك إذاً ... ﴾؛ والخطاب للنبي ﷺ ؛ و «إن» الشرطية لا تستلزم وقوع شرطها؛ وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: هل من الممكن أن الرسول ﷺ يتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم؟ الجواب: لا يمكن؛ و «إن» الشرطية لا تستلزم وقوع جواب شرطها: ألم يقل الله : ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥]؛ وإشراك النبي ﷺ لا يمكن أبداً وقوعه؛ وكذلك قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١]؛ ووجود الولد لله لا يمكن. وقوله تعالى: ﴿أهواءهم﴾ جمع هوى، وهو الميل؛ ومنه يقال للنجم: «هوى» إذا مال، وسقط؛ ويطلق «الهوى» في الغالب على الميل عن الحق؛ ويقابله «الهدى»؛ فيقال: اتبعَ الهوى بعد الهدى؛ وإن صح الحديث وهو قول الرسول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» (١) - فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر. قوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ متعلق

стр. 574

بـ ﴿اتبعت﴾؛ يعني: إذا وقع هذا الاتباع بعد العلم فإنه يكون الظالم؛ وقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك﴾ وردت في القرآن على ثلاثة أوجه؛ هذا أحدها؛ والثاني ﴿بعد ما جاءك من العلم﴾؛ والثالث: ﴿بعد الذي جاءك من العلم﴾، أما ﴿بعدما جاءك من العلم﴾، و ﴿بعد الذي ... ﴾ فلا فرق بينهما إلا أنه عبر بـ ﴿ما﴾ عن ﴿الذي﴾؛ وأما ﴿من بعد ما جاءك﴾ فهي أبلغ من قوله تعالى: ﴿بعد الذي جاءك﴾؛ لأن ﴿مِن﴾ تدل على أنه جاءه العلم، وتمهل، وحصل هذا الأمر بعد مجيء العلم؛ نظير ذلك قوله تعالى: ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ [فصلت: ٥]؛ فهو أشد مما لو قالوا: «بيننا وبينك حجاب»؛ لأن ﴿مِن﴾ تدل على مسافة قبل الحجاب، ثم حجاب، والمراد بـ «العلم» الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ . قوله تعالى: ﴿إنك إذاً لمن الظالمين﴾: أكدت بـ ﴿إن﴾ واللام؛ وهذه الجملة جواب القسم؛ و ﴿إذاً﴾ ظرف؛ وهنا أدوات ثلاث: إذ، وإذا، وإذاً؛ وهذه الأدوات الثلاثة تنازعت الأزمنة: «إذ» للماضي؛ و «إذا» للمستقبل؛ و «إذاً» للحاضر؛ فمعنى ﴿إنك إذاً﴾ أي إنك في حال اتباعك أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم ﴿لمن الظالمين﴾ أي المعتدين الذين نقصوا الواجب عليهم من اتباع الحق دون الأهواء. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن الرسول ﷺ كان حريصاً على هداية الخلق؛ لأن قوله تعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية﴾ دليل على أنه ﷺ كان يعرض الآيات، ويبين الحقائق؛ ولكن لا ينتفعون بها.

стр. 575

٢ ــ ومنها: شدة عناد هؤلاء الذين أوتوا الكتاب؛ وأنهم مهما أوتوا من الآيات فإنهم لن ينصاعوا لها، ولن يتبعوها. ٣ ــ ومنها: أن الذين أوتوا الكتاب لن يتبعوا قبلة الرسول ﷺ ؛ وإذا كان كذلك فلن يتبعوا دينه؛ لأن القبلة بعض الدين؛ فمتى كفروا بها فهو كفر بالدين كله. ٤ ــ ومنها: أن الكعبة قبلة للمسلمين خاصة؛ لأنه تعالى أضاف استقبالها إليهم؛ ولكن الظاهر ــ والله أعلم ــ أن الكعبة قبلة لكل الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً﴾ [آل عمران: ٩٦ وهكذا قال شيخ الإسلام: إن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء؛ لكن أتباعهم من اليهود، والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة. ٥ ــ ومنها: وجوب الانقياد للحق إذا ظهرت آياته؛ لأن هذه الآية سيقت مساق الذم؛ فدل هذا على وجوب اتباع الحق إذا تبينت الآيات. ٦ ــ ومنها: أن النبي ﷺ مستحيل أن يكون تابعاً لقبلتهم؛ لأن قبلتهم التي يدعونها لم تثبت شرعاً؛ ثم لو فرض أنها جاءت في شرائعهم فإنها نُسِخت بقبلة الإسلام. ٧ ــ ومنها: أنه يستحيل شرعاً أن يتبع المسلم طريقة اليهود، والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾؛ وجه الاستحالة: أن الجملة جاءت بالاسمية المؤكدة بحرف الجر في سياق النفي؛ فالمؤمن حقيقة لا يمكن أن يتابع أعداء الله، ولا أن يأخذ بآرائهم، وأفكارهم، واتجاهاتهم؛ وقد حمى النبي ﷺ ذلك غاية الحماية، حيث قال: «من تشبه

стр. 576

بقوم فهو منهم» (١)، حتى نحذر ونبعد عن التشبه بأعداء الله، والتقليد لهم سواء في أمور العبادة، أو في أمور العادة؛ فإن التشبه بأعداء الله حرام: وقد يؤدي إلى الكفر، والشرك ــ والعياذ بالله. ٨ ــ ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضاً؛ بل يضلل بعضهم بعضاً؛ فاليهود يرون النصارى ليسوا على شيء من الدين؛ والنصارى يرون اليهود ليسوا على شيء من الدين أيضاً؛ كل منهم يضلل الآخر فيما بينهم؛ كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ [البقرة: ١٤٥]؛ فقبلة اليهود إلى بيت المقدس ــ إلى الصخرة؛ وقبلة النصارى إلى المشرق يتجهون نحو الشمس؛ لكنهم على الإسلام يد واحدة بعضهم لبعض وليّ، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة: ٥١]؛ لأنهم كلهم أعداء للإسلام. ٩ ــ ومن فوائد الآية: أن اتباع اليهود والنصارى اتباع للهوى لا للهدى؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾. ١٠ ــ ومنها: أن اليهود والنصارى ليسوا على هدى، حيث جعل الله ما هم عليه هوى، وليس بهدى. ١١ ــ ومنها: أن الإنسان لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾؛ فالإنسان قد يتابع غيره جهلاً؛ فلا يؤاخذ به ــ وإن كان يسمى ضالاً؛ لكنه

стр. 577

ليس بظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة؛ لا يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه. ١٢ ــ ومنها: التلطف في الخطاب للرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لمن الظالمين﴾؛ لأنك لو قلت لرجل: «أنت رجل ظالم» لكان أشد وقعاً من قولك له: أنت من الظالمين؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿عبس وتولى﴾ [عبس: ١ عندما تقرؤها تظن أن العابس والمتولي غير الرسول ﷺ ؛ تظن أنه رجل آخر؛ ولكن المراد به الرسول ﷺ . ١٣ ــ ومنها: بيان أن العلم حقيقة هو علم الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾: أتى بـ «أل» المفيدة للكمال؛ ولا شك أن العلم الكامل الذي هو محل الحمد والثناء هو العلم بالشريعة؛ ولذلك نقول: إن عصر النبوة هو عصر العلم؛ وليس عصرنا الآن هو عصر العلم الذي يمدح على الإطلاق؛ لكن ما كان منه نافعاً في الدين فإنه يمدح عليه لهذا. ١٤ ــ ومنها: أن الظلم، والعدل، وغير ذلك مقرون بالأعمال؛ لا بالأشخاص؛ بمعنى أنه ليس بين الله تعالى وأحد من الخلق شيء يحابيه، ويراعيه به؛ كل من خالفه فهو ظالم؛ فلا نقول مثلاً: هذا قريب من الرسول ﷺ تكفر سيئاته لقربه من الرسول ﷺ ؛ أو نقول: هذا إنسان من قريش من سلالة الأشراف ــ من سلالة بني هاشم ــ تكفّر عنه سيئاته؛ فإذا كان الرسول ﷺ يقول الله له: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾؛ فما بالك بمن دون الرسول ﷺ !!! فلا أحد يحابى من قِبل الله عزّ وجلّ

стр. 578

من أجل نسبه، أو حسبه، أو جاهه بين الناس: قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]. ١٥ ــ ومن فوائد الآية: قد يرد التعليق على شرط لا يمكن تحققه؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾؛ فهذا الشرط لا يمكن أن يقع من رسول الله ﷺ . ١٦ ــ ومنها: تحذير الأمة من اتباع أهواء غير المؤمنين؛ وجه ذلك أنه إذا كان هذا الوصف يكون للرسول ﷺ لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى؛ فعلينا أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله؛ فالواجب على علماء الأمة أن يحذِّروها مما وقعت فيها الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ويبينوا لهم أن اتباع أهوائهم هو الظلم؛ والظلم ظلمات يوم القيامة؛ والظلم مرتع مبتغيه وخيم. القرآن ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٤٦) التفسير: ﴿١٤٦﴾ قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾؛ ﴿الذين﴾ مبتدأ؛ والخبر جملة: ﴿يعرفونه﴾؛ والضمير الهاء المفعول يعود إلى النبي ﷺ ؛ و ﴿كما﴾؛ الكاف للتشبيه؛ و «ما» مصدرية ــ أي كمعرفة أبنائهم.

стр. 579

قوله تعالى: ﴿آتيناهم﴾ أي أعطيناهم؛ والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ التوراة، والإنجيل؛ والذين أوتوهما اليهود، والنصارى؛ وإنما كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، إلى آخر ما ذكر من أوصافه التي عرفوه بها كما يعرفون أبناءهم؛ وعبَّر بقوله تعالى: ﴿يعرفونه﴾ بالفعل المضارع؛ لأن معرفتهم به تتجدد كلما تأملوا آياته، وصفاته؛ وعبر بقوله تعالى: ﴿يعرفونه﴾؛ لأن الغالب أن «العلم» يعبر به عن الأمور المعقولة التي تدرك بالحس الباطن، و «المعرفة» يعبر بها عن الأمور المحسوسة المدركة بالحس الظاهر؛ فأنا أقول لك: «أعرفت فلاناً»؛ ولا أقول لك: «أعلمت فلاناً»؛ لكن أقول: «أعرفت فلاناً فعلمت ما فعل»؛ فهنا جعلنا العلم في الفعل؛ و ﴿أبناءهم﴾ جمع ابن؛ وخصه دون البنت؛ لأن تعلق الإنسان بالذّكَر أقوى من تعلقه بالأنثى؛ فهو به أعرف. قوله تعالى: ﴿وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ يعني طائفة منهم تكتم الحق ــ أي يخفونه، فلا يبينونه؛ ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف تبينون الهدى لمحمد، وأصحابه؟! إذا بينتموه يحاجوكم به عند الله أفلا تعقلون! فهم يتواصون بالكتمان ــ والعياذ بالله. وقوله تعالى: ﴿وهم يعلمون﴾ في موضع نصب على الحال من فاعل يكتمون ــ وهو الواو؛ يعني: يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه الحق؛ وهذا أبلغ في الذم، وأقبح في الفعل أن يكونوا كاتمين للحق وهم يعلمون.

стр. 580

الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن النبي ﷺ معروف عند أهل الكتاب معرفة تامة؛ وذلك كما جاء في كتبهم، كما قال الله ــ ﵎: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ٢ ــ ومنها: أنه لا عذر ولا حجة لأهل الكتاب في إنكارهم رسالة النبي ﷺ ؛ لأنهم أوتوا من وصفه ما يعرفونه به كما يعرفون أبناءهم. ٣ ــ ومنها: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت؛ لقوله تعالى: ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾؛ فهو يعرف الابن أكثر مما يعرف البنت لقوة تعلقه به. ٤ ــ ومنها: الاحتراس في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿وإن فريقاً منهم﴾؛ لأن كتمان الحق لم يكن من جميعهم؛ بل من فريق منهم؛ وطائفة أخرى لا تكتم الحق؛ فإن من النصارى من آمن، كالنجاشي؛ ومن اليهود ــ كعبد الله بن سلام ــ مَن آمن، ولم يكتم الحق. ٥ ــ ومنها: شدة اللوم، والذم لهؤلاء الذين يكتمون الحق؛ لأنهم يكتمونه مع العلم به؛ فهم عامدون ظالمون؛ وهذا أشد قبحاً من كتمان الإنسان ما يكون متردداً فيه.

стр. 581

القرآن ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (البقرة: ١٤٧) التفسير: ﴿١٤٧﴾ قوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾؛ ﴿الحق﴾ مبتدأ؛ و ﴿من ربك﴾ خبره؛ وهنا الجملة لتقرير ما سبق؛ يعنى أن الحق ثابت، وحاصل من ربك؛ وقيل: إن ﴿الحق﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هذا الحق من ربك. وهنا الربوية خاصة؛ لأن الله رب العالمين؛ لكن أضافها إلى النبي ﷺ ؛ لأن المقام يقتضيه، حيث هو مقام التثبيت، والنصرة؛ فلولا أن الله ثبَّت الرسول ﷺ لكان كما قال الله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]؛ و «الرب» هو الخالق المالك المدَبِّر: هو الذي خلق الخلق كله؛ وهو مالك الخلق كله؛ وهو المدبر للخلق كله. قوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾؛ ﴿لا﴾ ناهية؛ والفعل بعدها مبني على الفتح في محل جزم؛ وإنما بني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد؛ لأن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد صار مبنياً على الفتح دائماً؛ والخطاب هنا للرسول ﷺ ؛ وهذا النهي يراد به التثبيت؛ إذ لا يمكن وقوع الامتراء من النبي ﷺ ؛ كما أن أمر المؤمن بالإيمان يراد به الثبوت، والاستمرار عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من

стр. 582

قبل﴾ [النساء: ١٣٦]، كما أن الشرط قد يعلق بما لا يمكن وقوعه كما سبق في قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾ [البقرة: ١٤٥]. قوله تعالى: ﴿من الممترين﴾: معنى «الامتراء»: الشك. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن ما جاء من عند الله فهو حق؛ لقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾. ٢ ــ ومنها: أنه ما دام الحق من الله فإنه يجب أن يؤمن الإنسان به، وأن لا يلحقه في ذلك شك، ولا مرية. ٣ ــ ومنها: أن كل شيء خالف ما جاء عن الله فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون﴾ [يونس: ٣٢]. ٤ ــ ومنها: تقوية الرسول ﷺ على ما هو عليه من الحق ــ وإن كتمه أهل الكتاب ــ لأن الإنسان بشر؛ لما أنكر هؤلاء الذين أوتوا الكتاب الحق قد يعتري الإنسان شيء من الشبهة ــ وإن كان بعيداً؛ فبين الله أن ما جاء به هو الحق؛ لقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾. ٥ ــ ومنها: عناية الله بالنبي بذكره بالربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿من ربك﴾. ٦ - ومنها: أن الشك ينافي الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾. ٧ - ومنها: أنه قد ينهى عن الشيء مع استحالة وقوعه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾؛ فإن النبي ﷺ لا يمكن أن يكون من الممترين.

стр. 583

٨ - ومنها: عناية الله بالرسول ﷺ بالتثبيت؛ لأن قوله تعالى له: ﴿الحق من ربك﴾ يقتضي ثباته عليه؛ وقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ يقتضي استمراره على هذا الثبات؛ ولا شك أن في هذا من تأييد الرسول ﷺ ، وتثبيته ما هو ظاهر. القرآن ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ١٤٨) التفسير: ﴿١٤٨﴾ قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾؛ الوجهة، والجهة، والوجه، معناها متقارب؛ أي: لكل واحد من الناس جهة يتولاها؛ وهذا شامل للجهة الحسية، والمعنوية؛ مثال الحسية: اختلاف الناس إلى أين يتجهون في صلاتهم: فمنهم من يتجه نحو المشرق؛ ومنهم من يتجه نحو بيت المقدس؛ ومنهم من يتجه إلى الكعبة؛ واختلاف الناس كذلك في اتجاههم في العمل: فمنهم من يتجه للتجارة؛ ومنهم من يتجه للحدادة؛ ومنهم من يتجه للنجارة ... وهكذا؛ ومثال المعنوية: اختلاف الناس في الملل، والنحل، وما أشبه ذلك. وقوله تعالى: ﴿هو موليها﴾ فيها قراءتان؛ الأولى: بكسر اللام، وياء ساكنة بعدها - ﴿مولِّيها﴾ - على أنها اسم فاعل؛ والقراءة الثانية: بفتح اللام، وألف بعدها - ﴿مولَّاها﴾ - على أنها

стр. 584

اسم مفعول؛ فالمعنى على القراءة الأولى: هو متجه إليها؛ والمعنى على القراءة الثانية: هو موجَّه إليها إما شرعاً؛ وإما قدراً؛ وإما شرعاً وقدراً؛ وجملة: ﴿هو موليها﴾، أو ﴿هو مولاها﴾ في محل رفع صفة لـ ﴿وجهة﴾؛ وليس المراد بهذه الجملة إقرار أهل الكفر على كفرهم؛ وإنما المراد - والله أعلم - تسلية المؤمنين، وتثبيتهم على ما هم عليه من الحق؛ لأن لكل أحد وجهة ولَاّه الله إياها حسب ما تقتضيه حكمته. قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أمر من الاستباق؛ والمراد به التسابق إلى الخيرات؛ وتعدّى بنفسه دون حرف الجر كأنه ضُمِّن معنى افعلوا على وجه المسابقة؛ وفائدة تضمين الفعل فعلاً آخر لأجل أن يدل التضمين على المعنيين، كقوله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦]. قوله تعالى: ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً﴾؛ «أين» شرطية؛ و «ما» زائدة للتوكيد؛ و ﴿تكونوا﴾ فعل الشرط مجزوم بحذف النون؛ والواو فاعل؛ لأن «كان» هنا تامة؛ وليست ناقصة؛ يعني: أينما توجدوا يأت بكم الله؛ و ﴿يأت﴾ جواب الشرط مجزوم بحذف الياء؛ والكسرة قبلها دليل عليها. وقوله تعالى: ﴿أينما تكونوا﴾ في برّ، أو بحر، أو جوّ فإن الله يأتي بكم جميعاً، وذلك يوم القيامة، حيث يحشر الله الأولين، والآخرين في مقام واحد. قوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾: هذه جملة خبرية مؤكدة بـ ﴿إن﴾؛ عامة في كل شيء من موجود، أو معدوم؛ و «القدرة» صفة تقوم بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز.

стр. 585

الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن الأمم قد تختلف مناهجها ــ وإن اتفقت على أصل واحد؛ وهو الإسلام؛ ونعني بـ «الإسلام» المعنى العام؛ وهو الاستسلام لله بشرائعه القائمة التي لم تُنسَخ. ٢ ــ ومنها: أن الإنسان يجب عليه أن يتبع الحق أينما كان؛ ولا ينظر إلى كثرة المخالف؛ لا يقل: الناس على كذا فكيف أشذ عنهم! بل يجب عليه أن يتبع الحق؛ لأن قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة﴾ يشمل الوجهة الشرعية، والوجهة القدرية؛ يعني ما وجه الله العباد إليه شرعاً، وما وجههم إليه قدراً؛ الوجهة القدرية معروفة: فمن الناس من يهديه الله تعالى فيكون اتجاهه إلى الحق؛ ومن الناس من يُخذَل فيَضل، ويكون اتجاهه إلى الباطل؛ فالوجهة التي يتبعها المشركون، واليهود، والنصارى، وما أشبه ذلك هذه وجهة قدرية؛ أما شرعية فلا؛ لأن الله ما شرع الكفر أبداً؛ ولا شرع شيئاً من خصال الكفر؛ والوجهة الشرعية: اختلاف الشرائع بين الناس؛ فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقاً؛ فإنها الحق من الله. ٣ ــ ومن فوائد الآية: وجوب المسابقة إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾. ٤ ــ ومنها: أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأن الاستباق إلى الخير لا يكون إلا بالمبادرة إلى فعله؛ فهذه الآية مما يستدل به على أن الأمر المطلق للفورية. ٥ ــ ومنها: البلاغة التامة في قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ دون «استبقوا إلى الخيرات» - وإن كان بعض الناس

стр. 586

يقولون: إنها نُزِع منها حرف الجر؛ وليس بصحيح؛ لأن ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ يشمل الاستباق إليها، والاستباق فيها؛ فليس معناه: إذا وصلت إلى الخير فإنك تقف؛ بل حتى في نفس فعلك الخير كن مسابقاً؛ وهذا يشبهه قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]؛ فالمطلوب أن يصل الإنسان إلى الصراط، ويستمر فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]. ٦ ــ ومن فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بالخلق أينما كانوا؛ لقوله تعالى: ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً﴾. ٧ ــ ومنها: الإشارة إلى البعث؛ لأن الإتيان بالجميع يكون يوم القيامة. ٨ ــ ومنها: إثبات عموم قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤]. وهناك كلمة يقولها بعض الناس فيقول: «إن الله على ما يشاء قدير»؛ وهذا لا ينبغي: أولاً: لأنه خلاف إطلاق النص؛ فالنص مطلق. ثانياً: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة بما يشاء الله دون ما لم يشأ؛ والله قادر على ما يشاء، وعلى ما لا يشاء. ثالثاً: أنه قد يفهم منه مذهب المعتزلة القدرية الذين قالوا: «إن الله لا يشاء أفعال العبد؛ فهو غير قادر عليها». ولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، فنقول: إن الله على كل شيء قدير؛ أما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين

стр. 587

فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، كما في قوله تعالى: ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ [الشورى: ٢٩]؛ فإن ﴿إذا يشاء﴾ عائدة على «الجمع»؛ لا على «القدرة»؛ فهو قدير على الشيء شاءه، أم لم يشأه؛ لكن جمعه لا يقع إلا بالمشيئة؛ ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله ، فقال: «ولكني على ما أشاء قادر» (١)؛ لأنه يتكلم عن فعل معين؛ ولهذا قال: «قادر»: أتى باسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة ــ «قدير» ــ الدالة على الاتصاف بالقدرة. القرآن ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: ١٤٩) التفسير: ﴿١٤٩﴾ قوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾؛ ما أعظم هذا الحدث؛ ولهذا أكده الله عدة مرات؛ ﴿من﴾ حرف جر؛ و ﴿حيث﴾ مبنية على الضم؛ قال ابن مالك في عدّ المبنيات: (كأينَ أمسِ حيثُ والساكن كمْ) و ﴿خرجت﴾: الخطاب هنا إما أن يكون للرسول ﷺ ؛ وإما أن يكون لكل من يتأتى خطابه؛ أي من حيث خرجت أيها الإنسان ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي مستقبلاً له؛ وذلك عند

стр. 588

الصلاة؛ و ﴿شطر المسجد﴾ أي جهة المسجد؛ و ﴿المسجد الحرام﴾ هو المسجد الذي فيه الكعبة؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ... » (١)؛ بل لقوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥]؛ ووصِف بالحرام لاحترامه، وتعظيمه. قوله تعالى: ﴿وإنه﴾ أي توليك شطر المسجد الحرام ﴿للحق﴾ اللام هنا للتوكيد؛ فالجملة هنا مؤكدة بمؤكدين؛ أحدهما: «إن»؛ والثاني: اللام؛ و «الحق» هو الشيء الثابت؛ لأنه محقوق ــ أي مثبت؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ [يونس: ٩٦]: ﴿حقت﴾ بمعنى ثبتت، ووجبت. قوله تعالى: ﴿من ربك﴾ تقدم الكلام عليها، وأنها ربوبية خاصة. قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل﴾: الباء حرف جر زائد للتوكيد؛ والأولى أن نقول: «الباء للتوكيد» فقط؛ ولا نقول: «زائد»؛ لئلا يفهم السامع أن في القرآن ما ليس له معنى؛ و ﴿غافل﴾ خبر ﴿ما﴾ منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر؛ و «الغفلة» الذهول. قوله تعالى: ﴿عما تعملون﴾ بالتاء: خطاب للمسلمين؛ وفي قراءة: ﴿عما يعملون﴾ بالياء: خطاب لهؤلاء الذين اعترضوا على

стр. 589

النبي ﷺ ؛ فإن الله تعالى ليس بغافل عنهم؛ بل سوف يجازيهم بما يستحقون. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: وجوب التوجه إلى المسجد الحرام أينما كان الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾؛ وسبق ذكر ما يستثنى من ذلك عند قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء ... ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية (١). ٢ ــ ومنها: تكرار الأمر الهام لتثبيته، والثبات عليه، ودفع المعارضة فيه؛ لأنه كلما كرر كان مقتضاه أن الأمر ثابت محكم يجب الثبوت عليه؛ وكون المسلمين ينقلون من وجهة إلى وجهة في القبلة أمر هام له شأن عظيم؛ ولهذا ارتد من ارتد من الناس حين حوِّلت القبلة. ٣ ــ ومنها: إثبات حرمة المسجد الحرام، وتعظيمه؛ لقوله تعالى: ﴿المسجد الحرام﴾؛ فالمسجد محترم معظم؛ حتى ما حوله صار محترماً معظماً؛ فالبلد كله آمن حتى الأشجار التي لا إحساس لها آمنة في هذا المكان؛ ولهذا حرم النبي ﷺ أن يختلى خلاها، أو يعضد شوكها (٢)، أو يقطع شجرها (٣)، كل هذا لاحترام هذا المكان، وتعظيمه.

стр. 590

٤ ــ ومنها: أن التوجه إلى الكعبة هو الحق؛ لقوله تعالى: ﴿وإنه للحق من ربك﴾ فأثبت فيه الحقية مؤكداً بـ ﴿إن﴾، واللام. ٥ ــ ومنها: كمال علم الله ، ومراقبته لخلقه؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾. ٦ ــ ومنها: إضافة العمل إلى الإنسان، فيكون فيه رد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿عما تعملون﴾؛ ولا شك أن الإنسان يضاف إليه عمله؛ وعمله: كسبه - إن كان في الخير - واكتسابه - إن كان في الشر - كما قال تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦]. والناس في هذه المسألة ــ أعني مسألة أعمال العباد ــ ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من يرون أن الإنسان مجبر على العمل؛ لا يفعل شيئاً باختيار أبداً؛ وما فعله الاختياري إلا كفِعله الاضطراري: فمن نزل من السطح على الدرج درجة درجة هو كمن سقط بدون علمه من أعلى السطح؛ وهذا مذهب الجبرية من الجهمية؛ وهو مذهب باطل ترده الأدلة السمعية، والعقلية. القسم الثاني: من يرون أن الإنسان مستقل بعمله، وأن الله لا يصرِّف العبد إطلاقاً؛ فالعبد له الحرية الكاملة في عمله، ولا تعلق لمشيئة الله به، ولا تعلق لتقدير الله، وخلقه بعمل الإنسان، وهذا مذهب المعتزلة القدرية؛ وهو مذهب باطل للأدلة السمعية، والعقلية.

стр. 591

وكلا القسمين مع بطلانهما يلزم عليهما لوازم باطلة. القسم الثالث: يرون أن فعل العبد باختياره؛ وله تعلق بمشيئة الله؛ فمتى فعل العبد الفعل علمنا أن الله تعالى قد شاءه، وقدره؛ وأنه لا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريد؛ بل كل ما وقع فهو مراد لله مخلوق له؛ ووجه كون فعل العبد مخلوقاً لله: أن الإنسان مخلوق لله؛ وفعله كائن بأمرين: بعزيمة صادقة؛ وقدرة؛ والله هو الذي خلق العزيمة الصادقة، والقدرة؛ فالإنسان بصفاته، وأجزائه، وجميع ما فيه كله مخلوق لله . هذا القول الوسط هو الذي تجتمع فيه الأدلة جميعاً؛ لأن الذين قالوا: «إن الإنسان مجبر» أخذوا بدليل واحد، وأطلقوا من أيديهم الدليل الآخر؛ والذين قالوا: «إنه مستقل» أخذوا بدليل واحد، وأطلقوا الدليل الثاني من أيديهم؛ لكن أهل السنة، والجماعة ــ والحمد لله ــ أخذوا بأيديهم بالدليلين؛ وقالوا: الإنسان يفعل باختياره؛ ولكن تصرفه تحت مشيئة الله ؛ ولهذا إذا وقع الأمر بغير اختياره رُفع عنه حكمه: فالنائم لا حكم لفعله، ولا لقوله؛ والمكره على الشيء لا حكم لفعله، ولا لقوله؛ بل أبلغ من ذلك: الجاهل بالشيء لا حكم لفعله مع أنه قد قصد الفعل؛ لكنه لجهله يعفى عنه؛ كل ذلك يدل على أن الله رحيم بعباده. القرآن ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (البقرة: ١٥٠)

стр. 592

التفسير: ﴿١٥٠﴾ قوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ هذه الجملة تقدم الكلام عليها؛ وكررت للتوكيد، وبيان الأهمية، والتوطئة لما بعدها؛ وهو قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾؛ ﴿لئلا اللام هنا للتعليل اقترنت بها «أن» المصدرية، و «لا» النافية؛ و ﴿يكون﴾ فعل مضارع منصوب بـ «أن» المصدرية؛ ولا يضر الحيلولة بين الناصب والمنصوب بـ «لا» النافية؛ و ﴿حجة﴾ اسم ﴿يكون﴾ إن كانت ناقصة؛ أو فاعل إن كانت تامة؛ والمراد بـ «الناس» كل من احتج على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى الكعبة؛ وقد احتج على المسلمين في هذه المسألة اليهود، والمشركون، والمنافقون؛ فالحجة التي احتج بها اليهود لها جهتان: الأولى: أنهم قالوا: إن الرجل ترك ملتنا إلى ملة آبائه. والجهة الثانية: أنه لو بقي على استقبال بيت المقدس لقالوا: ليس هذا النبي هو الذي جاء وصفه في التوراة. وأما حجة المشركين فقالوا: إنه متبع هواه؛ فقد داهن اليهود أول أمره، ثم عاد، واستقبل الكعبة؛ وقالوا: «هذا الرجل خالفنا في عقيدتنا وخالفنا في ملتنا حين هاجر إلى المدينة، ثم رجع إلى قبلتنا؛ فسيرجع إلى ديننا». وأما حجة المنافقين فقالوا: إن هذا الرجل لا يثبت على دينه؛ ولو كان نبياً حقاً لثبت على دينه. وهذه عادة أهل الباطل يموِّهون، ويقلبون الحق باطلاً؛ لأنهم يريدون غرضاً سيئاً؛ بل إن تحوله إلى استقبال الكعبة مع

стр. 593

هذه الاعتراضات، والمضايقات دليل على أنه رسول الله حقاً فاعل ما يؤمر به. وقوله تعالى: ﴿عليكم﴾: الضمير يعود على الرسول ﷺ والمؤمنين؛ لأن كل حجة يُحتج به على الرسول للتلبيس وإبطال الدعوة، فهي في الحقيقة حجة على جميع أتباعه؛ لأن أتباعه إنما تبعوه لأنه على الحق؛ فإذا جاء من يُلَبِّس صار ذلك تلبيساً على جميعهم ــ التابع، والمتبوع. وقوله تعالى: ﴿حجة﴾ أي حجة باطلة؛ ولا يلزم من الاحتجاج قبوله، كما قال تعالى: ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم﴾ [الشورى: ١٦] أي باطلة. قوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾؛ المراد بهم المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوون للحق مهما تبين؛ واختلف في الاستثناء أهو متصل، أم منقطع؟ فمنهم من قال: إنه متصل؛ ومنهم من قال: إنه منقطع، و ﴿إلا بمعنى «لكن»؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة؛ لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم، ومخاصمتهم؛ ومن قال: «إنه متصل» قال: يكون ﴿الذين ظلموا﴾ مستثنى من «الناس»؛ لأن الناس منهم ظالم؛ ومنهم من ليس بظالم؛ والأقرب عندي ــ والله أعلم ــ أن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ هذا عام شامل؛ لكن من ظلَم من اليهود، أو المشركين، فإنه لن يرعوي بهذه الحكمة التي أبانها الله . قوله تعالى: ﴿فلا تخشوهم واخشوني﴾ يعني مهما قال الذين ظلموا من كلام، ومهما قالوا من زخارف القول، ومهما

стр. 594

ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم؛ و «الخشية»، و «الخوف» متقاربان؛ إلا أن أهل العلم يقولون: إن الفرق أن «الخشية» لا تكون إلا عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] بخلاف «الخوف»: فقد يخاف الإنسان من المخوف وهو لا يعلم عن حاله؛ والفرق الثاني: أن «الخشية» تكون لعظم المخشيّ؛ و «الخوف» لضعف الخائف ــ وإن كان المخوف ليس بعظيم، كما تقول مثلاً: الجبان يخاف من الجبان ــ يخاف أن يكون شجاعاً؛ وعلى كل حال إن صح هذا الفرق فهو ظاهر؛ لكن الفرق الأول واضح؛ وهو أن «الخشية» إنما تكون عن علم. وأتى بالأمر ﴿واخشوني﴾ بعد النهي؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية؛ أزِلْ الموانع أولاً، ثم أثبت؛ فأولاً فرِّغ قلبك من كل خشية لغير الله، ثم مكن خشية الله من قلبك؛ فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلاً؛ فإذا كان المحل قابلاً فحينئذٍ يكون الوارد عليه وارداً على شيء لا ممانعة فيه؛ والأمر هنا للوجوب بلا شك؛ الواجب على المرء أن يخشى الله وحده. قوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ معطوفة على قوله تعالى: ﴿لئلا يكون﴾؛ وإتمام الشيء: بلوغ غايته؛ والغالب أنه يكون في الكمال؛ و «النعمة» هي ما ينعَم به الإنسان؛ ويقال: «نِعمة» بكسر النون؛ ويقال: «نَعمة» بالفتح؛ لكن الغالب في نعمة الخير أن تكون بالكسر؛ و «النَّعمة» بالفتح: التنعم من غير شكر، كما قال تعالى: ﴿ونعمة كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وذرني والمكذبين أولي النَّعمة﴾ [المزمل: ١١] ونزلت هذه الآية في أول الهجرة عند تحويل القبلة ــ يعني

стр. 595

في السنة الثانية ــ ولا يعارضها قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]؛ وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع؛ لأن المراد في آية المائدة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ الإتمام العام في كل الشريعة؛ أما هنا: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]: في هذه الشريعة الخاصة ــ وهي استقبال الكعبة بدلاً عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن الرسول ﷺ كان يقلب وجهه في السماء ينتظر متى يؤمر بالتوجه إلى الكعبة؛ فلا شك أنه من نعمة الله أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي ــ كما قال بعض أهل العلم ــ هو قبلة جميع الأنبياء، كما ذكره شيخ الإسلام ــ ﵀ ــ ويحتمل وجهاً آخر في الجمع بين الآيتين: بأن هذه الآية جاءت بصيغة المضارع الدال على الاستمرار؛ وآية المائدة بصيغة الماضي الدال على الانتهاء. وأضاف الله النعمة إليه؛ لأنه صاحبها: هو الذي يسديها، ويولِيها على عباده؛ ولولا نعم الله العظيمة ما بقي الناس طرفة عين؛ وانظر إلى قوله تعالى: ﴿إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة]؛ في النعمة قال: ﴿أنعمت عليهم﴾؛ لأن النعمة من الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣]؛ وأما الغضب على المخالف في دين الله فيكون من الله، ومن أولياء الله من الرسل، وأتباعهم. وقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾؛ «لعل» هنا للتعليل؛ أي: تكتسبون علماً، وعملاً؛ وهذه هي العلة الثالثة؛ العلة الأولى:

стр. 596

﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾؛ والعلة الثانية: ﴿ولأتم نعمتي عليكم والثالثة: ﴿ولعلكم تهتدون﴾؛ وسيأتي بيان أنواع الهداية. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: تكرير الأمر الهام؛ وذلك لتثبيته، وتَسِرَّ به النفوس، وبيان أهميته. ٢ ــ ومنها: وجوب استقبال الكعبة أينما كان الإنسان؛ قال أهل العلم: من أمكنه مشاهدة الكعبة فالواجب إصابة عينها؛ ومن لم تمكنه كفى استقبال جهتها؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ وسبق ذكر ما يستثنى من ذلك عند قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. ٣ ــ ومنها: دفع ملامة اللائمين ما أمكن؛ لقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾. ٤ ــ ومنها: أن الظالم لا يدفع ملامته شيء؛ بمعنى أنه سيلوم وإن لم يكن محل لوم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾. ٥ ــ ومنها: أن أهل الباطل يحاجون في الحق لإبطاله؛ ولكن حججهم باطلة. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يعرف شبه المخالفين التي يدعونها حججاً لِيَنْقَضَّ عليهم منها، فيبطلها؛ قال الله تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾ [الأنبياء: ١٨]. ٦ ــ ومن فوائد الآية: وجوب تنفيذ شريعة الله ، وألا يخشى الإنسان لومة لائم.

стр. 597

٧ ــ ومنها: وجوب خشية الله تعالى؛ لأنه هو الذي بيده النفع، والضرر. ٨ ــ ومنها: نعمة الله ــ ﵎ ــ على هذه الأمة، وفضله، وإحسانه؛ لقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾. ٩ ــ ومنها: إثبات حكمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولأتم ... ولعلكم تهتدون﴾. ١٠ ــ ومنها: أن تنفيذ أوامر الله، وخشيته سبب للهداية؛ والهداية نوعان: هداية علمية؛ وهداية عملية؛ ويقال: هداية الإرشاد؛ وهداية التوفيق. فـ «الهداية العلمية» معناها أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه لأمور دينه ودنياه. و «الهداية العملية» أن يوفق للعمل بهذا العلم. الأولى: وسيلة، والثانية: غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل؛ بل إن العلم بدون عمل يكون وبالاً على صاحبه؛ والهداية هنا شاملة للعلمية، والعملية؛ ووجه كونها شاملة: أنهم لم يعلموا أن مرضاة الله بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علمهم الله؛ ثم إن الله وفقهم للعمل به؛ فلم يمانعوا أبداً؛ بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلون صلاة الفجر وكانوا متجهين إلى بيت المقدس، فاستداروا إلى الكعبة؛ فصار الإمام نحو الجنوب، والمأمومون نحو الشمال؛ هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمره الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات، والمضايقات يدل على قوة إيمانهم، وثقتهم بربهم ؛ وهكذا يجب على كل مؤمن إذا

стр. 598

جاء أمر الله أن يمتثل الأمر؛ وسيجعل الله له من أمره يسراً؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾. ١١ ــ ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾. القرآن ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٥١) التفسير: ﴿١٥١﴾ قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم﴾؛ هذه أيضاً منّة رابعة وجهت إلى المؤمنين؛ والثلاث قبلها هي: قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ يعني أن نعمة الله علينا بالتوجه إلى الكعبة بدلاً عن بيت المقدس عظيمة، كما أن نعمته علينا بالرسول ﷺ عظيمة؛ و «الإرسال» بمعنى البعث؛ يعني أنه مرسل من الله . قوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾ يعني: يقرأ عليكم آياتنا؛ فيأتي بها كما سمع. قوله تعالى: ﴿ويزكيكم﴾ أي ويطهركم، وينمي أخلاقكم، ودينكم.

стр. 599

قوله تعالى: ﴿ويعلمكم الكتاب﴾ أي القرآن؛ وكان العرب أُميين لا يقرؤون، ولا يكتبون إلا النادر منهم. قوله تعالى: ﴿والحكمة﴾: هي أسرار الشريعة، وحسن التصرف بوضع كل شيء في موضعه اللائق به - بعد أن كانوا في الجاهلية يتصرفون تصرفاً أهوج من عبادة الأصنام، وقتل الأولاد، والبغي على العباد ... قوله تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ أي من أمور الدين، والدنيا؛ وهذه الجملة لتقرير ما سبق من تعليمهم الكتاب، والحكمة. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: بيان نعمة الله تعالى علينا بإرسال الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً﴾؛ لأن هذه الآية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ فإن هذا من تمام النعمة؛ وذلك أن الله خلق الخلق ليُعبَد بما شرع؛ ولا يمكن أن نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به، وهذا مما لا يرضاه إلا بواسطة الرسل؛ ولو أن الإنسان وكِل إلى عقله في العبادة ما عرف كيف يعبد الله؛ ولو وكِل إلى عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله: لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب؛ ولو أن الإنسان وكل إلى عقله في العبادة ما كانت أمتنا أمة واحدة؛ فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؛ ومَثَل يسير يبين ذلك: لو أُمرنا بالتطهر للصلاة ــ ولم يبين لنا الكيفية ــ لتنازع الناس في ذلك؛ وأخذ كلٌّ برأيه؛ فافترقت الأمة؛ فلولا أن الله

стр. 600

أبان لنا كيف نعبده ما عرفنا كيف نعبده، فهذا من نعمة الله علينا من إرسال هذا الرسول محمداً ﷺ الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر ﵁: «تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا عندنا منه علم» (١)؛ حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول ﷺ . ٢ ــ ومن فوائد الآية: أن كون الرسول مِنّا يقتضي أن تكون قريش أول من يصدق به؛ لأنهم يعرفونه، ويعرفون نسبه، ويعرفون أمانته؛ ولهذا وبخهم الله تعالى على الكفر به، ووصْفِه بالضلال، والجنون، فقال جل وعلا: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ٢]، وقال جل وعلا: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ [التكوير: ٢٢]. ٣ ــ ومنها: أن النبي ﷺ بلغ جميع ما أوحي إليه على وجه الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾؛ فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها؛ ولهذا القرآن ــ والحمد لله ــ مبين لفظه، ومعناه؛ ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباهاً نسبياً بحيث يشتبه على شخص دون الآخر، أو في حال دون الأخرى؛ قال الله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٧ ــ ١٩]. ٤ ــ ومنها: أن من فوائد رسالة النبي ﷺ حصول العلم؛
следующие страницы →