﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾؛ والعلة الثانية: ﴿ولأتم نعمتي عليكم والثالثة: ﴿ولعلكم تهتدون﴾؛ وسيأتي بيان أنواع الهداية.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: تكرير الأمر الهام؛ وذلك لتثبيته، وتَسِرَّ به النفوس، وبيان أهميته.
٢ ــ ومنها: وجوب استقبال الكعبة أينما كان الإنسان؛ قال أهل العلم: من أمكنه مشاهدة الكعبة فالواجب إصابة عينها؛ ومن لم تمكنه كفى استقبال جهتها؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ وسبق ذكر ما يستثنى من ذلك عند قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية.
٣ ــ ومنها: دفع ملامة اللائمين ما أمكن؛ لقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾.
٤ ــ ومنها: أن الظالم لا يدفع ملامته شيء؛ بمعنى أنه سيلوم وإن لم يكن محل لوم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾.
٥ ــ ومنها: أن أهل الباطل يحاجون في الحق لإبطاله؛ ولكن حججهم باطلة.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يعرف شبه المخالفين التي يدعونها حججاً لِيَنْقَضَّ عليهم منها، فيبطلها؛ قال الله تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾ [الأنبياء: ١٨].
٦ ــ ومن فوائد الآية: وجوب تنفيذ شريعة الله ، وألا يخشى الإنسان لومة لائم.
стр. 597
٧ ــ ومنها: وجوب خشية الله تعالى؛ لأنه هو الذي بيده النفع، والضرر.
٨ ــ ومنها: نعمة الله ــ ﵎ ــ على هذه الأمة، وفضله، وإحسانه؛ لقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾.
٩ ــ ومنها: إثبات حكمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولأتم ... ولعلكم تهتدون﴾.
١٠ ــ ومنها: أن تنفيذ أوامر الله، وخشيته سبب للهداية؛ والهداية نوعان: هداية علمية؛ وهداية عملية؛ ويقال: هداية الإرشاد؛ وهداية التوفيق.
فـ «الهداية العلمية» معناها أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه لأمور دينه ودنياه.
و «الهداية العملية» أن يوفق للعمل بهذا العلم.
الأولى: وسيلة، والثانية: غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل؛ بل إن العلم بدون عمل يكون وبالاً على صاحبه؛ والهداية هنا شاملة للعلمية، والعملية؛ ووجه كونها شاملة: أنهم لم يعلموا أن مرضاة الله بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علمهم الله؛ ثم إن الله وفقهم للعمل به؛ فلم يمانعوا أبداً؛ بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلون صلاة الفجر وكانوا متجهين إلى بيت المقدس، فاستداروا إلى الكعبة؛ فصار الإمام نحو الجنوب، والمأمومون نحو الشمال؛ هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمره الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات، والمضايقات يدل على قوة إيمانهم، وثقتهم بربهم ؛ وهكذا يجب على كل مؤمن إذا
стр. 598
جاء أمر الله أن يمتثل الأمر؛ وسيجعل الله له من أمره يسراً؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾.
١١ ــ ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾.
القرآن
( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٥١)
التفسير:
﴿١٥١﴾ قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم﴾؛ هذه أيضاً منّة رابعة وجهت إلى المؤمنين؛ والثلاث قبلها هي: قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ يعني أن نعمة الله علينا بالتوجه إلى الكعبة بدلاً عن بيت المقدس عظيمة، كما أن نعمته علينا بالرسول ﷺ عظيمة؛ و «الإرسال» بمعنى البعث؛ يعني أنه مرسل من الله .
قوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾ يعني: يقرأ عليكم آياتنا؛ فيأتي بها كما سمع.
قوله تعالى: ﴿ويزكيكم﴾ أي ويطهركم، وينمي أخلاقكم، ودينكم.
стр. 599
قوله تعالى: ﴿ويعلمكم الكتاب﴾ أي القرآن؛ وكان العرب أُميين لا يقرؤون، ولا يكتبون إلا النادر منهم.
قوله تعالى: ﴿والحكمة﴾: هي أسرار الشريعة، وحسن التصرف بوضع كل شيء في موضعه اللائق به - بعد أن كانوا في الجاهلية يتصرفون تصرفاً أهوج من عبادة الأصنام، وقتل الأولاد، والبغي على العباد ...
قوله تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ أي من أمور الدين، والدنيا؛ وهذه الجملة لتقرير ما سبق من تعليمهم الكتاب، والحكمة.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: بيان نعمة الله تعالى علينا بإرسال الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً﴾؛ لأن هذه الآية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ فإن هذا من تمام النعمة؛ وذلك أن الله خلق الخلق ليُعبَد بما شرع؛ ولا يمكن أن نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به، وهذا مما لا يرضاه إلا بواسطة الرسل؛ ولو أن الإنسان وكِل إلى عقله في العبادة ما عرف كيف يعبد الله؛ ولو وكِل إلى عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله: لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب؛ ولو أن الإنسان وكل إلى عقله في العبادة ما كانت أمتنا أمة واحدة؛ فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؛ ومَثَل يسير يبين ذلك: لو أُمرنا بالتطهر للصلاة ــ ولم يبين لنا الكيفية ــ لتنازع الناس في ذلك؛ وأخذ كلٌّ برأيه؛ فافترقت الأمة؛ فلولا أن الله
стр. 600
أبان لنا كيف نعبده ما عرفنا كيف نعبده، فهذا من نعمة الله علينا من إرسال هذا الرسول محمداً ﷺ الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر ﵁: «تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا عندنا منه علم» (١)؛ حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول ﷺ .
٢ ــ ومن فوائد الآية: أن كون الرسول مِنّا يقتضي أن تكون قريش أول من يصدق به؛ لأنهم يعرفونه، ويعرفون نسبه، ويعرفون أمانته؛ ولهذا وبخهم الله تعالى على الكفر به، ووصْفِه بالضلال، والجنون، فقال جل وعلا: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ٢]، وقال جل وعلا: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ [التكوير: ٢٢].
٣ ــ ومنها: أن النبي ﷺ بلغ جميع ما أوحي إليه على وجه الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾؛ فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها؛ ولهذا القرآن ــ والحمد لله ــ مبين لفظه، ومعناه؛ ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباهاً نسبياً بحيث يشتبه على شخص دون الآخر، أو في حال دون الأخرى؛ قال الله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٧ ــ ١٩].
٤ ــ ومنها: أن من فوائد رسالة النبي ﷺ حصول العلم؛
стр. 601
لأن هذه الآيات كلها علم؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾.
٥ ــ ومنها: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو من آيات الله الدالة على كمال ربوبيته، وسلطانه، ورحمته، وحكمته سواء كان من الآيات الكونية، أو الشرعية؛ لكن منها ما هو بيِّن ظاهر؛ ومنها ما يخفى على كثير من الناس إلا الراسخين في العلم؛ ومنها ما هو بيْن ذلك.
٦ ــ ومنها: أن الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ كلها تزكية للأمة، وتنمية لأخلاقها، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة؛ ولهذا كان من القواعد المقررة في الشريعة أنها تأتي بالمصالح الخالصة، أو الراجحة، وتنهى عن المفاسد الخالصة، أو الراجحة؛ فالخمر فيه مصالح، ومفاسد؛ لكن مفاسده راجحة؛ ولهذا حرم؛ الحجر على السفيه فيه مصالح، وفيه مفاسد؛ لكن مصالحه راجحة؛ فلذلك قدمت المصالح؛ أو مصالح خالصة ــ فليس فيها مفاسد، كعبادة الله مثلاً؛ هذه قاعدة الشريعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ويزكيكم﴾.
٧ ــ ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به؛ لقوله تعالى: ﴿ويزكيكم﴾
٨ ــ ومنها: أن وظيفة الرسول ﷺ ، ومهمته التي جاء بها أنه يعلمنا الكتاب والحكمة.
٩ ــ ومنها: الرد على أهل التأويل، وأهل التجهيل؛ لقوله تعالى: ﴿يعلمكم الكتاب﴾ ــ أهل التأويل الذين يؤولون آيات الصفات ــ لأنه لو كان هذا التأويل من العلم لعلمنا إياه النبي ﷺ ؛ فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول ﷺ ؛ وأهل التجهيل ــ وهم طائفة
стр. 602
يقولون: «إن الرسول ﷺ ، وأصحابه، والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات، وأحاديثها؛ فلا يدرون ما معناها؛ حتى النبي ﷺ يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري معناها»!!!
١٠ ــ ومن فوائد الآية: أن الرسول ﷺ علم الأمة لفظ القرآن، ومعناه؛ ولهذا إذا استشكل الصحابة شيئاً من المعنى سألوه، فعلمهم؛ ولكن الغالب أنهم لا يستشكلون؛ لأنه نزل بلغتهم، وفي عصرهم، يعرفون معناه، ومغزاه، وأسبابه.
١١ ــ ومنها: اشتمال الشريعة على الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة﴾؛ فالشريعة متضمنة للحكمة تضمناً كاملاً؛ فما من شيء من مأموراتها، ولا منهياتها، إلا وهو مشتمل على الحكمة؛ لكن هنا حكمة لازمة لكل حكم؛ وهو طاعة الله ورسوله؛ فإن هذه أعظم حكمة؛ وهي ثابتة فيما نعقل حكمته، وفيما لا نعقلها؛ ولهذا لما قالت المرأة لعائشة ﵂: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١)؛ فبينت الحكمة من ذلك؛ وهو طاعة الله، ورسوله؛ وهذه حكمة لازمة في كل حكم سواء عقل معناه، أو لم يُعقَل.
стр. 603
١٢ ــ ومن فوائد الآية: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ وهو مما يدل على نقص الإنسان، حيث كان الأصل فيه الجهل؛ قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ [النحل: ٧٨]؛ ثم قال : ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨]؛ فبين طرق العلم: ﴿السمع والبصر﴾؛ وبهما الإدراك؛ و ﴿الأفئدة﴾؛ وبها الوعي، والحفظ.
١٣ ــ ومنها: فضل الله ، حيث علمنا ما لم نكن نعلم؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ وهذا عام في كل ما نحتاج إلى العلم به من أمور الدنيا، والآخرة.
إذا قال قائل: «اضربوا لنا مثلاً» فماذا نقول؟
فالجواب: أن كل الشريعة مثال؛ فإننا لا نعرف كيف نصلي إلا بتعليم الرسول ﷺ ؛ ولا كيف نتوضأ، ولا مقدار الواجب في الأموال من الزكاة، ولا مَن تُصرف إليهم الزكاة، ولا غير ذلك من أمور الشريعة إلا بتعليم الرسول ﷺ ؛ وهناك أحكام قدرية لا نعرفها أيضاً علمنا الله إياها، كابتداء الكون، ونهايته: كخلق السموات، والأرض؛ واليوم الآخر؛ إذاً فعلومنا الشرعية، والقدرية متلقاة من الرسول ﷺ ؛ وليس لنا علم بها قبل تعليم النبي ﷺ .
القرآن
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (البقرة: ١٥٢)
стр. 604
التفسير:
﴿١٥٢﴾ قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾؛ «اذكروني» فعل أمر؛ فيه نون الوقاية؛ والياء مفعول به؛ والواو فاعل؛ وجواب فعل الأمر: ﴿أذكركم﴾.
فقوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ عمل، وجزاء؛ العمل: ما أفاده قوله تعالى: ﴿اذكروني﴾؛ والجزاء: ما أفاده قوله تعالى: ﴿أذكركم﴾؛ وذِكر الله يكون بالقلب، واللسان، والجوارح.
وقوله تعالى: ﴿فاذكروني﴾ فيها قراءة بفتح الياء؛ وقراءة بإسكانها؛ لأن ياء المتكلم من حيث اللغة العربية يجوز إسكانها، وفتحها، وحذفها تخفيفاً؛ لكنها في القرآن تتوقف على السماع.
قوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾؛ ﴿اشكروا﴾ فعل أمر من «شكر»؛ أي قوموا بالشكر؛ واللام للاختصاص؛ و «الشكر» هو القيام بطاعة المنعم؛ وقد اختلف علماء العربية هل: ﴿واشكروا لي﴾ بمعنى «اشكروني»؛ أي أن الفعل يتعدى بنفسه تارة، وباللام أخرى؛ أو أن بينهما فرقاً؟ فقال بعضهم: هي بمعناها، فيقال: شكره؛ ويقال: شكر له؛ وقال بعضهم: إنها ليست بمعناها؛ وأن «شكر» تتعدى بنفسها دائماً، وأن المفعول هنا في نحو ﴿واشكروا لي﴾ محذوف؛ يعني: اشكروا لي ما أنعمت عليكم، أو نعمتي، أو ما أشبه ذلك؛ والخلاف في هذا قريب؛ لأن الجميع متفقون على أن المراد شكر الله على نعمته.
стр. 605
قوله تعالى: ﴿ولا تكفرون﴾؛ ﴿لا﴾ ناهية؛ والنون هنا نون الوقاية، وليست نون الإعراب؛ ومثله قوله تعالى: ﴿فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون﴾ [الذاريات: ٥٩]؛ ولهذا كانت مكسورة فيهما؛ و ﴿لا تكفرون﴾ أي لا تجحدوني، أو تجحدوا نعمتي؛ بل قوموا بشكرها، وإعلانها، وإظهارها.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: وجوب ذكر الله؛ للأمر به؛ مطلق الذكر واجب: يجب على كل إنسان أن يذكر ربه؛ بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله فيه، ولا يصلي على النبي إلا كان عليه ترة ــ أي خسارة، وحسرة يوم القيامة؛ فالعبد مأمور بذكر الله؛ لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام؛ وإلى واجب من واجباته؛ وإلى سنة من سننه ــ بحسب ما تقتضيه الأدلة؛ إنما مطلق الذكر حكمه أنه واجب.
٢ ــ ومنها: أن مَنْ ذَكر الله ذكره الله؛ لقوله تعالى: ﴿أذكركم﴾؛ وكون الله يذكرك أعظم من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (١)؛ وذكر الله يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ فالأصل ذكر القلب كما
стр. 606
قال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (١) فالمدار على ذكر القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾ [الكهف: ٢٨؛ وذكر الله باللسان، أو بالجوارح بدون ذكر القلب قاصر جداً، كجسد بلا روح؛ وصفة الذكر بالقلب التفكر في آيات الله، ومحبته، وتعظيمه، والإنابة إليه، والخوف منه، والتوكل عليه، وما إلى ذلك من أعمال القلوب؛ وأما ذكر الله باللسان فهو النطق بكل قول يقرب إلى الله؛ وأعلاه قول: «لا إله إلا الله»؛ وأما ذكر الله بالجوارح فبكل فعل يقرب إلى الله: القيام في الصلاة، والركوع، والسجود، والجهاد، والزكاة، كلها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعاً لله؛ وحينئذٍ تكون ذاكراً لله بهذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ قال بعض العلماء: أي لما تضمنته من ذكر الله أكبر؛ وهذا أحد القولين في هذه الآية.
٣ ــ ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد؛ وذكر الله للعبد أمر له شأن كبير عظيم؛ فليس الشأن بأن تذكر الله، أو أن تحب الله؛ ولكن الشأن أن يذكرك الله ، وأن يحبك الله ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فقال تعالى: ﴿يحببكم الله﴾ لأن هذا هو الغاية المطلوبة.
стр. 607
٤ ــ ومنها: وجوب الشكر؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾؛ و «الشكر» يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ ولا يكون إلا في مقابلة نعمة؛ فسببه أخص من سبب «الحمد»؛ ومتعلَّقه أعم من متعلق «الحمد»؛ فيختلفان إذاً من حيث السبب؛ ويختلفان من حيث المتعلق؛ سبب «الحمد» كمال المحمود، وإنعام المحمود؛ فإذا كان سببه إنعام المحمود كان «الحمد» من «الشكر»؛ أما «الشكر» فسببه واحد؛ وهو نعمة المشكور؛ وأما متعلق «الحمد» فيكون باللسان فقط؛ وأما متعلق «الشكر» فثلاثة: يكون باللسان، والقلب، والجوارح؛ وعليه قول الشاعر:
(أفادتكم النعماء مني ثلاثة - يدي ولساني والضمير المحجبا) فـ «يدي» هذا الشكر بالجوارح؛ و «لساني» هذا الشكر باللسان ــ يعني القول؛ و «الضمير المحجبا» يعني القلب.
والشكر بالقلب أن يعتقد الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله وحده؛ فيحب الله لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه» (١)؛ فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله أحب الله ؛ لأن النفوس مجبولة على محبة من يحسن إليها.
стр. 608
وأما الشكر باللسان فأن يتحدث الإنسان بنعمه لا افتخاراً؛ بل شكراً؛ قال الله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]؛ وقال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» (١).
وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له؛ فإن هذا من شكر النعمة.
٥ ــ ومن فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾ يعني مخلصين لله ؛ لأن الشكر طاعة؛ والطاعة لا بد فيها من الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف: ١١٠].
٦ ــ ومنها: تحريم كفر النعمة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تكفرون﴾ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمة فإنه يحب أن يرى أثر نعمته عليه؛ فإذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه:
أولاً: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفاً بعلمه، وعمله به.
ثانياً: بنشر علمه ما استطاع، سواء كان ذلك على وجه العموم، أو الخصوص.
ثالثاً: أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم في الدعوة إلى الله بقدر ما يستطيع حتى في
стр. 609
المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى وليمة مثلاً، ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم؛ وبعض أهل العلم يكون معه كتاب، فيقرأ الكتاب على الحاضرين، فيستفيد، ويفيد؛ وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا، فصاروا يرقبونه منه؛ أما إذا لم يعوِّدهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده ــ سؤالاً مثلاً ــ حتى ينفتح المجال للناس، ويسألون، وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها؛ وهذا لا شك أنه حرمان ــ وإن كانوا لا يأثمون إذا لم يأتوا بما يوجب الإثم؛ فالذي ينبغي لطالب العلم ــ حتى وإن لم يُسأل ــ أن يورد هو سؤالاً لأجل أن يفتح الباب للحاضرين، فيسألوا؛ وقد جاء جبريل إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها؛ وقال النبي ﷺ : «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (١)؛ مع أن الذي يجيب الرسول ﷺ ؛ ولكن جعله معلماً وهو يسأل؛ لأنه هو السبب في هذا التعليم.
القرآن
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: ١٥٣)
التفسير:
﴿١٥٣﴾ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ سبق أن الكلام إذا صدَّر بالنداء فهو دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء
стр. 610
يوجب التفات المخاطب إلى مناديه؛ وسبق بيان فوائد تصدير الخطاب بوصف الإيمان (١).
قوله تعالى: ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾ أي اجعلوا الصبر عوناً لكم؛ وكذلك استعينوا بالصلاة؛ وسبق الكلام على نظير هذه الجملة (٢).
قوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾: هذه بشرى عظيمة لمن صبر؛ وقال تعالى: ﴿مع الصابرين﴾ لوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الصلاة من الصبر؛ لأنها صبر على طاعة الله.
الوجه الثاني: أن الاستعانة بالصبر أشق من الصلاة؛ لأن الصبر مُرّ:
(الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته - لكن عواقبه أحلى من العسل) فهو مرٌّ يكابده الإنسان، ويعاني، ويصابر، ويتغير دمه حتى من يراه يقول: هذا مريض.
الوجه الثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى بدليل أنه ثبت عن النبي ﷺ أن الإنسان المصلي يناجي ربه، وأن الله قِبل وجهه (٣) - وهو على عرشه .
стр. 611
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ... ﴾.
٢ ــ ومنها: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾.
٣ ــ ومنها: بيان الآثار الحميدة للصلاة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين العبد في أموره.
٤ ــ ومنها: جواز الاستعانة بغير الله فيما يمكن أن يعين فيه؛ لقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ وجاء في الحديث: «وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة» (١).
٥ ــ ومنها: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا ... ﴾ إلخ.
٦ ــ ومنها: فضيلة الصبر؛ لأنه يعين على الأمور؛ والصبر ثقيل جداً على النفس؛ لأن الإنسان إذا أصابه ضيق، أو بلاء ثقل عليه تحمله، فاحتاج إلى الصبر؛ ولهذا قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ [هود: ٤٩]؛ فقال تعالى: ﴿فاصبر﴾ إشارة إلى أن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر، وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازع، ويضاد؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤]؛ إذاً الصبر
стр. 612
شاق على النفوس؛ لكن يجب على الإنسان أن يصبر؛ ولهذا من لم يوفق للصبر فاته خير كثير؛ والذي يصبر أيضاً غالباً ينتظر الفرج لا سيما إذا صبر بإخلاص، وحسن نية؛ وانتظار الفرج عبادة، وباب للفرج؛ لقول النبي ﷺ : «واعلم أن النصر مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر يسراً» (١)؛ لأنه إذا كان منتظراً للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول، وأن دوام الحال من المحال؛ فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا هان عليه الصبر كثيراً؛ وهذه لا شك من الخصال الحميدة التي جاء بها الإسلام، ودليل على أن الأمور تسهل بالصبر؛ مهما بلغتك الأمور اصبر، فتهون؛ ولهذا جعل الله الصبر عوناً.
٧ ــ ومن فوائد الآية: أن في الصبر تنشيطاً على الأعمال، والثبات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾؛ فإذا آمن الإنسان بأن الله معه ازداد نشاطاً، وثباتاً؛ وكون الله مع الإنسان مسدداً له، ومؤيداً له، ومصبِّراً له، لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ ولهذا لما جاء النبي ﷺ إلى قوم يتناضلون قال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان؛ قال الآخرون: يا رسول الله، إذا كنت معهم فلا نناضل؛ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم» (٢).
٨ ــ ومن فوائد الآية: إثبات معية الله ؛ ومعيته تعالى نوعان:
стр. 613
النوع الأول: عامة لجميع الخلق، ومقتضاها الإحاطة بهم علماً، وقدرة، وسلطاناً، وسمعاً، وبصراً، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ لقوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧].
والنوع الثاني: خاصة؛ ومقتضاها مع الإحاطة: النصر، والتأييد؛ وهي نوعان: مقيدة بوصف، كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]؛ ومقيدة بشخص، كقوله تعالى لموسى، وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله عن نبيه محمد ﷺ : ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠].
القرآن
( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (البقرة: ١٥٤)
التفسير:
﴿١٥٤﴾ قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا﴾؛ ﴿لا﴾ ناهية؛ ولهذا جزمت الفعل؛ وعلامة جزمه حذف النون.
قوله تعالى: ﴿لمن يقتل في سبيل الله﴾ أي فيمن يقتل في سبيل الله؛ وهو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
قوله تعالى: ﴿أموات﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم أموات.
стр. 614
فإن قال قائل: كيف لا نقول أموات وقد ماتوا؟
فالجواب: أن المراد هنا: لا تقولوا: أموات موتاً مطلقاً - دون الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد؛ فهذا موجود؛ ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكانوا باقين يأكلون، ويشربون؛ ولكن الموت المطلق لم يقع منهم بدليل الإضراب الإبطالي في قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾ يعني: بل هم أحياء؛ فـ ﴿أحياء﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ وهي جمع «حي»؛ والمراد: أحياء عند ربهم، كما في أية آل عمران؛ وهي حياة برزخية لا نعلم كيفيتها؛ ولا تحتاج إلى أكل، وشرب، وهواء، يقوم به الجسد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولكن لا تشعرون﴾ أي لا تشعرون بحياتهم؛ لأنها حياة برزخية غيبية؛ ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: النهي عن القول بأن الذين قتلوا في سبيل الله أموات؛ وهو يشمل القول بالقلب - وهو الاعتقاد، والقول باللسان - وهو النطق.
٢ - ومنها: التنبيه على الإخلاص في القتال؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وقد سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١)؛ وهذه مسألة
стр. 615
مهمة؛ لأن كثيراً من الناس قد يقصد أن هذا جهاد، فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله؛ لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله - أي في الطريق الموصل إلى الله أبلغ.
٣ - ومن فوائد الآية: إثبات حياة الشهداء؛ لكنها حياة برزخية لا تماثل حياة الدنيا؛ بل هي أجلّ، وأعظم، ولا تعلم كيفيتها.
٤ - ومنها: أن ثواب الله للعامل أجلُّ، وأعلى؛ وذلك؛ لأن الشهيد عرض نفسه للموت ابتغاء ثواب الله؛ فأثابه الله، حيث جعله حياً بعد موته حياة برزخية أكمل من حياة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩].
٥ - ومنها: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه إذا دفن الإنسان رد الله عليه روحه، وجاءه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه (١).
٦ ــ ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله تعالى: ﴿بل إحياء﴾.
٧ ــ ومنها: أن أحوال البرزخ، وعالم الغيب غير معلومة لنا، ولا نشعر بها إلا ما علمنا الله ورسوله.
стр. 616
القرآن
( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: ١٥٥ - ١٥٦)
التفسير:
﴿١٥٥﴾ قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ... ﴾ هذه مصائب خمس؛ والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، والنون؛ والتقدير: واللَّهِ لنبلونكم؛ والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح؛ و «نبلو» بمعنى نختبر.
وقوله تعالى: ﴿بشيء﴾: التنكير هنا للتقليل؛ ويحتمل أن يكون للتكثير.
وقوله تعالى: ﴿من الخوف﴾ أي الذُّعْر؛ وهو شامل للخوف العام، والخوف الخاص؛ الخوف العام: كأن تكون البلاد مهددة بعدو؛ والخوف الخاص: كأن يكون الإنسان يبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه.
وقوله تعالى: ﴿والجوع﴾: هو خلو البطن من الطعام مع شدة اشتهائه؛ وهو ضد «الشِّبع»؛ وله أسباب؛ السبب الأول: قلة الطعام؛ والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام؛ والسبب الثالث: أن يصاب الإنسان بمرض يمنعه من الطعام إما لقلة الشهية؛ وإما للعجز عن استساغه لسدَدٍ في الحلق، أو قروح في المعدة، أو غير ذلك؛ والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه؛ بل كل المصائب لا يدرك أثرها إلا من جربها؛ أما من لم يجرب فإنه لا يشعر بآثار المصائب؛ ولهذا قيل: وبضدها تتبين الأشياء.
стр. 617
قوله تعالى: ﴿ونقص من الأموال﴾؛ ﴿الأموال﴾ جمع «مال»؛ وهو كل ما يتموله الإنسان من نقود، ومتاع، وحيوان.
قوله تعالى: ﴿والأنفس﴾ جمع «نفس»؛ والمراد: الأرواح، كالأمراض الفتاكة التي تهلك بها أمم، مثل الطاعون، وغيره.
قوله تعالى: ﴿والثمرات﴾ جمع «ثمرة»؛ وهي ما ينتج من أشجار النخيل، والأعناب، وغيرهما، بأن تأتي كوارث تنقص بها هذه الثمار، أو تتلف.
قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾ أي أخبرهم بما يسرهم؛ وسبق معنى الصبر، وأقسامه (١).
﴿١٥٦﴾ قوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة﴾، أي من هذه المصائب التي ذكرها في الآية الأولى.
قوله تعالى: ﴿قالوا﴾ أي بقلوبهم، وألسنتهم ﴿إنا لله﴾: اللام للملك؛ يعني إنا ملك لله يفعل بنا ما يشاء.
قوله تعالى: ﴿وإنا إليه راجعون﴾ أي صائرون في جميع أمورنا دنيا، وأخرى؛ فنرجو الذي أصابنا بهذه المصيبة عند رجوعنا إليه أن يجزينا بأفضل منها؛ فهم جمعوا هنا بين الإقرار بالربوبية في قولهم: ﴿إنا لله﴾، وبين الإقرار، والإيمان بالجزاء الذي يستلزم العمل الصالح؛ لأنهم يقولون: ﴿وإنا إليه راجعون﴾؛ فنحن نرجو ثوابه مع أنه فعل بنا ما هو ملكه، وبيده؛ وتقديم المتعلق يفيد الحصرَ ــ أي راجعون إليه لا إلى غيره، ومناسبةَ رؤوس الآي.
стр. 618
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآيتين: ابتلاء العباد بما ذكر الله من الخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، وهو لمن وقع به ظاهر؛ ولغيرهم يكون الابتلاء بالاعتبار، والخوف أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين ابتلوا.
٢ ــ ومنها: أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: صابر، وساخط؛ وقد جاء في الحديث: «من رضي فله الرضا؛ ومن سخط فله السخط» (١)؛ فالصبر على المصائب واجب؛ وقد ذكر العلماء أن للإنسان عند المصيبة أربعة مقامات:
المقام الأول: الصبر ــ وهو واجب.
المقام الثاني: الرضا ــ وهو سنة على القول الراجح؛ والفرق بينه، والصبر، أن الصابر يتجرع مرارة الصبر، ويشق عليه ما وقع؛ ولكنه يحبس نفسه عن السخط؛ وأما الراضي: فإن المصيبة باردة على قلبه لم يتجرع مرارة الصبر عليه؛ فهو أكمل حالاً من الصابر.
المقام الثالث: الشكر: بأن يشكر الله على المصيبة.
فإن قيل: كيف يشكره على المصيبة؟
فالجواب: أن ذلك من وجوه:
стр. 619
منها: أن ينسبها إلى ما هو أعظم منها؛ فينسب مصيبة الدنيا إلى مصيبة الدين؛ فتكون أهون؛ فيشكر الله أن لم يجعل المصيبة في الأشد.
ومنها: احتساب الأجر على المصيبة بأنه كلما عظم المصاب كثر الثواب؛ ولهذا ذكروا عن بعض العابدات أنها أصيبت بمصيبة، ولم يظهر عليها أثر الجزع؛ فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.
المقام الرابع: السخط - وهو محرم - بل من كبائر الذنوب؛ فقد قال النبي ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (١).
٣ - ومن فوائد الآيتين: البشرى للصابرين.
٤ - ومنها: أن من سمة الصابرين تفويض أمرهم إلى الله بقلوبهم، وألسنتهم إذا أصابتهم المصائب؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.
٥ - ومنها: مشروعية هذا القول؛ وقد جاءت السنة بزيادة: «اللهم أْجُرني في مصيبتي» - أي أثبني عليها - «وأخلف لي» بقطع الهمزة - أي اجعل لي خلفاً «خيراً منها» (٢) والدليل على هذا قصة
стр. 620
أم سلمة ﵂: كانت تحب زوجها ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة؛ ولما مات - وكان النبي ﷺ قد حدثها بهذا الحديث - قالت: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها»؛ فكانت تفكر في نفسها، وتقول: من يصير خيراً من أبي سلمة!!! وهي مؤمنة في نفسها أن ما قاله النبي ﷺ حق؛ لكن لا تدري من هو؛ وما كان يجول في فكرها أن الرسول ﷺ سيكون هو الخلف؛ فأخلف الله لها خيراً من زوجها؛ فإذا قالها الإنسان مؤمناً محتسباً أجرَه الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها.
القرآن
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: ١٥٧)
التفسير:
﴿١٥٧﴾ قوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾؛ الإشارة إلى ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ... ﴾ [البقرة: ١٥٦] إلخ؛ وجاءت بلفظ الإشارة للبعيد للدلالة على علو مرتبتهم، ومنزلتهم، ومقامهم؛ و ﴿عليهم﴾ خبر مقدم؛ و ﴿صلوات﴾ مبتدأ مؤخر؛ ولكنه مبتدأ ثانٍ؛ والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول: ﴿أولئك﴾.
وقوله تعالى: ﴿صلوات﴾ اختلف العلماء في معناها؛ ولكن أصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى؛ والمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعاً لذكرهم، وإعلاءً لشأنهم.
стр. 621
وقوله تعالى: ﴿ورحمة﴾ عطفها على ﴿الصلوات﴾ من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الثناء عليهم في الملأ الأعلى من الرحمة.
قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المهتدون﴾، «أولاء» اسم إشارة تعود إلى ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦]؛ وهي مفيدة للحصر؛ وطريقه: ضمير الفصل؛ و ﴿المهتدون﴾ أي الذين اهتدوا إلى طريق الحق؛ فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: بيان حكمة الله فيما يبتلي به العباد.
٢ ــ ومنها: عظم ثواب الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾.
٣ ــ ومنها: إثبات رحمة الله ؛ وهي صفة حقيقية ثابتة لله؛ بها يرحم من يشاء من عباده؛ ومن آثارها حصول النعم، واندفاع النقم.
٤ ــ ومنها: الثناء على الصابرين بأنهم هم المهتدون الذين اهتدوا إلى ما فيه رضا الله وثوابه.
القرآن
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٥٨)
стр. 622
التفسير:
﴿١٥٨﴾ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة﴾: جبلان معروفان؛ يقال للصفا: جبل أبي قبيس؛ وللمروة: قُعَيقعان؛ وهما شرقي الكعبة؛ وقد كانت أم إسماعيل ﵂ تصعد عليهما لتتحسس هل حولها أحد؛ وذلك بعد أن نفد منها التمر، والماء، وتقلص لبنها، وجاع ابنها؛ والقصة مطولة في صحيح البخاري.
قوله تعالى: ﴿من شعائر الله﴾، ﴿من﴾ للتبعيض ــ يعني بعض شعائر الله؛ و «الشعائر» جمع شعيرة؛ وهي التي تكون عَلَماً في الدين؛ يعني: من معالم الدين الظاهرة؛ لأن العبادات منها خفية: بَيْنَ الإنسان وربه؛ ومنها أشياء عَلَم ظاهر بيِّن ــ وهي الشعائر.
وقوله تعالى: ﴿من شعائر الله﴾ ليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر؛ بل المراد الطواف بهما من الشعائر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ وأضيفت الـ ﴿شعائر﴾ إلى ﴿الله﴾؛ لأنه هو الذي شرعها، وأثبتها، وجعلها طريقاً موصلاً إليه.
قوله تعالى: ﴿فمن حج البيت﴾؛ «حج» في اللغة بمعنى قصد؛ إذاً ﴿حج البيت﴾ أي قصده لأداء مناسك الحج؛ و ﴿البيت﴾ هو بيت الله؛ أي الكعبة.
قوله تعالى: ﴿أو اعتمر﴾؛ ﴿أو﴾ للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجاً؛ وإما أن يكون معتمراً؛ و «العمرة» في اللغة: الزيارة؛ والمراد بها زيارة البيت لأداء مناسك العمرة.
стр. 623
قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه﴾: «لا» نافية للجنس؛ و ﴿جناح﴾ اسمها؛ وخبرها ﴿أنْ﴾ وما دخلت عليه؛ أي لا جناح عليه في التطوف بهما؛ والـ ﴿جناح﴾ هو الإثم؛ يعني فلا إثم عليه في أن يتطوف بهما؛ وإنما نفى الإثم؛ لأنهم كانوا يتحرجون من الطواف بهما.
قوله تعالى: ﴿أن يطوَّف بهما﴾: ﴿يطوَّف﴾ أصلها يتطوف؛ ولكن قلبت التاء طاءً لعلة تصريفية؛ فصار ﴿يطوّف﴾؛ و ﴿بهما﴾ المراد: بينهما، كما تفسره سنة النبي ﷺ .
قوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً﴾ أي ازداد خيراً في الطاعة؛ ويشمل الواجب، والمستحب؛ وتخصيص التطوع بالمستحب اصطلاح فقهي؛ أما في الشرع فإنه يشمل الواجب، والمستحب؛ و ﴿من﴾ شرطية؛ و ﴿تطوع﴾ فعل الشرط؛ وجواب الشرط جملة: ﴿فإن الله شاكر عليم﴾؛ و ﴿خيراً﴾ يجوز في إعرابها وجهان؛ الوجه الأول: أن تكون منصوبة بنزع الخافض؛ والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم؛ والوجه الثاني: أن تكون مفعولاً لأجله ــ أي ومن تطوع لأجل الخير، وطلبه فإن الله شاكر عليم.
قوله تعالى: ﴿فإن الله شاكر﴾ أي فالله يشكر؛ وهو شاكر، وشكور؛ وشكره تعالى أنه يثيب العامل أكثر من عمله؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
قوله تعالى: ﴿عليم﴾ أي ذو علم؛ وعلمه تعالى محيط بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢]؛ وقرن العلم بالشكر لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع فإنه معلوم عند الله، ولا يمكن أن يضيع منه شيء؛ يعني: إذا عَلم
стр. 624
العامل أن الله تعالى شاكر، وأنه عليم، فإنه سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله سيجزيه على عمله بما وعده به، ويعطيه أكثر من عمله.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: مشروعية الطواف بين الصفا، والمروة؛ ويؤخذ ذلك من كونه من شعائر الله؛ وهل هو ركن، أو واجب، أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة؛ فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به؛ وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج يجبر بدم، ويصح الحج بدونه؛ وقال آخرون: إنه سنة، وليس بواجب.
والقول بأنه سنة ضعيف جداً؛ لأن قوله تعالى: ﴿من شعائر الله﴾ يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط؛ الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين.
بقي أن يكون متردداً بين الركن، والواجب؛ والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي ﷺ قال: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» (١)؛ وقالت عائشة: «والله! ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة» (٢).
стр. 625
فالأقرب أنه ركن؛ وليس بواجب؛ وإن كان الموفق ــ ﵀ ــ وهو من مشائخ مذهب الإمام أحمد ــ اختار أنه واجب يجبر بدم.
٢ ــ من فوائد الآية: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم بالطواف بالصفا، والمروة؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ وعلى هذا فلا ينافي أن يكون الطواف بينهما ركناً من أركان الحج، أو واجباً من واجباته، أو مشروعاً من مشروعاته؛ وذلك أن أناساً من الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية المذكورة في القرآن؛ وهي في المشلّل ــ مكان قرب مكة ــ فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة؛ فلما جاء الإسلام سألوا النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ فعلى هذا يكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج؛ لأنها من شعائر الله؛ وليس لبيان أصل الحكم.
وفيه سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما: وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فكانوا يطوفون بهما كما كانوا يطوفون بالبيت أيضاً، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا، والمروة؛ فقالوا: لو كان ذلك جائزاً لذكره الله ، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية؛ فلا نطوف؛ فأنزل الله هذه الآية.
وفيه أيضاً سبب ثالث؛ وهو أنه يقال: إنه كان فيهما
стр. 626
صنمان: إساف، ونائلة؛ وقيل: إنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في جوف الكعبة؛ فمسخهما الله حجارة؛ فكان من جهل العرب أن قالوا: «هذان مسخا حجارة؛ إذاً لا بد أن هناك سراً، وسبباً، فاخرجوا بهما عن الكعبة، واجعلوهما على الجبلين ــ الصفا، والمروة نطوف بهما، ونتمسح بهما»؛ وقد كان؛ وعلى هذا يقول أبو طالب:
(وحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إسافٍ ونائل) و «مفضى السيول» مجرى الوادي المعروف الذي بين الصفا، والمروة؛ فالحاصل أن هذه ثلاثة أسباب في نزول الآية؛ وأظهرها السبب الأول؛ على أنه لا مانع من تعدد الأسباب.
٣ ــ ومن فوائد الآية: أن الطواف بالصفا والمروة من طاعة الله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾.
٤ ــ ومنها: أن الطاعة خير؛ لقوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً﴾؛ ولا ريب أن طاعة الله خير للإنسان في حاله ومآله.
٥ ــ ومنها: إثبات اسم «الشاكر» لله؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر﴾.
٦ ــ ومنها: إثبات «العليم» اسماً لله؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر عليم﴾.
٧ ــ ومنها: إثبات صفة الشكر، والعلم؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر عليم﴾؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة؛ وعلى الحكم إن كان متعدياً، فقوله تعالى: ﴿عليم﴾ يدل على العلم ــ وهذه هي الصفة؛ ويدل على الحكم بأنه يعلم كل شيء.
стр. 627
القرآن
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ) (البقرة: ١٥٩)
التفسير:
﴿١٥٩﴾ قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون﴾ أي يخفون؛ لكنه لا يكون كتماً إلا حيث دعت الحاجة إلى البيان إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.
قوله تعالى: ﴿ما أنزلنا من البينات﴾؛ ﴿البينات﴾ جمع بينة؛ وهي صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: من الآيات البينات.
قوله تعالى: ﴿والهدى﴾: أي العلم النافع الذي يهتدي به الخلق إلى الله .
قوله تعالى: ﴿من بعد ما بيناه﴾ أي أظهرناه؛ ﴿للناس﴾ أي للناس عموماً ــ المؤمن، والكافر؛ فإن الله تعالى بين الحق لعموم الناس، كما قال تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]؛ فكل الناس قد بين الله لهم الحق؛ لكن منهم من اهتدى؛ ومنهم من بقي على ضلاله.
قوله تعالى: ﴿في الكتاب﴾: المراد به جميع الكتب؛ فهو للجنس؛ فما من نبي أرسله الله إلا ومعه كتاب، كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]، وكما قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣].
قوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾؛ ﴿أولئك﴾ مبتدأ؛ وجملة
стр. 628
﴿يلعنهم الله﴾ خبره؛ والمبتدأ الثاني، وخبره خبر «إن»؛ و ﴿يلعنهم الله﴾ أي يطردهم، ويبعدهم عن رحمته؛ لأن «اللعن» في اللغة: الطرد، والإبعاد.
قوله تعالى: ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾ أي يسألون لهم اللعنة؛ وهم أيضاً بأنفسهم يبغضونهم، ويعادونهم، ويبتعدون عنهم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن كتم العلم من كبائر الذنوب؛ يؤخذ من ترتيب اللعنة على فاعله؛ والذي يرتب عليه اللعنة لا شك أنه من كبائر الذنوب.
٢ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿يكتمون﴾؛ والكاتم مريد للكتم.
٣ - ومنها: أن ما أنزل الله من الوحي فهو بيِّن لا غموض فيه؛ وهدًى لا ضلالة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب﴾؛ والبيان ينقسم إلى قسمين: بيان مفصل؛ وبيان مجمل؛ فالمجمل هي القواعد العامة في الشريعة؛ والمفصل هو أن يبين الله قضية معينة مفصلة مثل آيات الفرائض في الأحكام؛ فإنها مفصلة مبيّنة لا يشذ عنها إلا مسائل قليلة؛ وهناك آيات مجملة عامة مثل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]: فهو بيان عام؛ وكذلك بعض القصص يذكرها الله مفصلة، وأحياناً مجملة؛ وكل هذا يعتبر بياناً.
٤ ــ ومن فوائد الآية: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم ألا يكون القرآن بياناً للناس؛ لأن الله أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية، وفعلية؛ فإذا
стр. 629
صرفت عن ظاهرها صار القرآن غير بيان؛ يكون الله ذكر شيئاً لا يريده؛ وهذا تعمية لا بيان؛ فيستفاد من هذه الآية الرد على أهل التأويل؛ والحقيقة أنهم ــ كما قال شيخ الإسلام ــ أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق، ومنه باطل؛ لكن طريقهم باطل لا حق فيه.
٥ ــ ومن فوائد الآية: الرد على أهل التفويض الذين يقولون: إن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلم الخلق معناها؛ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد.
٦ ــ ومنها: بيان فضل الله على عباده بما أنزله من البينات، والهدى؛ لأن الناس محتاجون إلى هذا؛ ولولا بيان الله وهدايته ما عرف الناس كيف يتوضؤون، ولا كيف يصلون، ولا كيف يصومون، ولا كيف يحجون؛ ولكن من فضل الله أن الله بيّن ذلك.
٧ ــ ومنها: إثبات علو الله؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزلنا﴾؛ والنزول إنما يكون من أعلى؛ وعلو الله بذاته ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
٨ ــ ومنها: قبح هذ الكتمان الذي سلكه هؤلاء؛ لأنه كتمان بعد بيان؛ ليس لهم أن يقولوا: «ما تكلمنا؛ لأنّ الأمر مشتبه علينا»؛ فالإنسان الذي لا يتكلم بالشيء لاشتباه الأمر عليه قد يعذر؛ لكن الذي لا يتكلم مع أن الله بينه للناس يكون هذا أعظم قبحاً ــ والعياذ بالله.
٩ ــ ومنها: وجوب نشر العلم عند الحاجة إليه سواء ظهرت
стр. 630
الحاجة بلسان الحال، أو بلسان المقال، ولسان الحال: أن ترى إنساناً يعمل عملاً ليس على الوجه المرضي؛ فهذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق؛ ولسان المقال: أن يسألك سائل عن علم وأنت تعلمه؛ فيجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم؛ أما إذا كنت لا تعلم فإنه يجب أن تقول: «لا أدري»، أو «لا أعلم»؛ كذلك لو رأيت الناس عمّ فيهم الجهل في مسألة من أمور الدين؛ فهنا الحاجة داعية إلى البيان؛ فيجب أن تبين.
١٠ ــ ومن فوائد الآية: أن الكتب السماوية كلها بيان للناس، لأن قوله تعالى: ﴿في الكتاب﴾ المراد به الجنس لا العهد؛ فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله؛ لم يترك الحق غامضاً؛ بل بينه لأجل أن تقوم الحجة على الخلق؛ لأنه لو كان الأمر غامضاً لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر.
١١ ــ ومنها: أن الرجوع في بيان الحق إلى الكتب المنزلة.
١٢ ــ ومنها: أن هؤلاء الكاتمين ملعونون؛ يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾.
١٣ ــ ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله ؛ وهي كل فعل يتعلق بمشيئته، مثل النزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده؛ والاستواء على العرش؛ والضحك؛ والكلام؛ والتعجب؛ وما إلى ذلك؛ كل فعل يتعلق بمشيئة الله فإنه من الأفعال الاختيارية؛ و «اللعن» منها؛ ويدل على أنه منها أن له سبباً؛ وما كان له سبب فإنه يوجَد بالسبب، ويعدم بعدمه؛ إذاً فاللعن من الأفعال الاختيارية.
١٤ ــ ومنها: جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم؛ لقوله
стр. 631
تعالى: ﴿يلعنهم اللاعنون﴾؛ لأن من معنى ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ الدعاء عليهم باللعنة؛ تقول: اللهم العنهم؛ ولا يلعن الشخص المعين؛ بل على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز - ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يُدرى ماذا يموت عليه؛ قد يهديه الله، كما قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وأما لعنه بعد موته أيجوز، أم لا يجوز؟ فقد يقال: إنه لا يجوز لقول النبي ﷺ : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)؛ وهذا عام؛ ثم إنه قد يثير ضغائن، وأحقاد من أقاربه، وأصحابه، وأصدقائه؛ فيكون في ذلك مفسدة؛ ثم إن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (٢)؛ وأيّ خير في كونك تلعن واحداً كافراً قد مات؛ وأما طريقته فالواجب التنفير عنها، والقدح فيها، وذمها؛ أما هو شخصياً فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه - وإن كان المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر.
١٥ ــ ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم، حيث كان من الكبائر؛ وكتم العلم يتحقق عند الحاجة إلى بيانه إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال؛ فإن من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار إلا أن يكون السائل متعنتاً، أو يريد الإيقاع بالمسؤول، أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض، أو يترتب على إجابته مفسدة، فلا يجاب حينئذ؛ وليس هذا من كتم العلم؛ بل هو من مراعاة المصالح، ودرء المفاسد.
стр. 632
مسألة:
دفع الفتوى ــ وهو أن يحوِّل المستفتي إلى غيره، فيقول: اسأل فلاناً، أو اسأل العلماء - اختلف فيها أهل العلم: هل يجوز، أو لا يجوز؟ والصحيح أنه لا يجوز؛ إلا عند الاشتباه فيجب؛ أما إذا كان الأمر واضحاً فإنه لا يجوز؛ لأنه يضيع الناس لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفتي أناس جهال يضلون الناس؛ فإنه هنا تتعين عليه الفتوى؛ ويستعين الله ، ويسأل الله الصواب والتوفيق.
١٦ ــ ومن فوائد الآية: استحقاق الكاتمين للعنة الله، ولعنة اللاعنين.
قد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل، لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون.
فالجواب: لا، لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائماً به على الوجه الأكمل؛ قد تقول: «قام القائمون» بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه؛ فمعنى ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ أي الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها؛ فهم ذوو علم بالمستحِق، وذوي حكمة في توجيه اللعنة إليه؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ... ﴾ [النساء: ١٣٦] الآية؛ فناداهم باسم الإيمان، وأمرهم به؛ أي بتحقيقه، والثبات عليه.
إذاً هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات، والهدى مع ظهوره، وبيانه يستحقون - والعياذ بالله - هذا الجزاء الوخيم من الله، ومن عباد الله؛ وعكس ذلك الذين يبينون الحق - نسأل الله أن يجعلنا منهم؛ فهؤلاء يكون لهم المودة، والمحبة من الله، ومن أولياء الله؛
стр. 633
وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل أن العالم يستغفر له أهل السموات والأرض حتى الحيتان في الماء (١)؛
لأن الذي يبين شريعة الله يُلقي الله في قلوب عباده مودته، ومحبته، والقبول له حتى في السماء؛ ونحن نعلم ذلك - وإن لم يرد به نص خاص - عن طريق القياس الجلي: فإذا كان الله يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه، ومن عباده؛ وهو الذي سبقت رحمته غضبه، فالذين يبينون البينات، والهدى يستحقون أن يثني الله عليهم بدلاً من اللعنة، ويقربهم بدلاً من البعد.
١٧ ــ ومن فوائد الآية: أنه يجب على من قال قولاً باطلاً، ثم تبين له بطلانه أن يبينه للناس إلا إذا كان اختلاف اجتهاد فلا يلزمه أن يبين بطلان ما سبق؛ لأنه لا يدري أيّ الاجتهادين هو الصواب.
стр. 634
القرآن
( إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: ١٦٠)
التفسير:
﴿١٦٠﴾ قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾: الاستثناء هنا متصل؛ لأنه استثناء من الكاتمين؛ يعني إلا إذا تابوا؛ و «التوبة» في اللغة الرجوع؛ وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته؛ والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن كتمان ما أنزل الله إلى بيانه، ونشره.
قوله تعالى: ﴿وأصلحوا﴾ أي أصلحوا عملهم ﴿وبينوا﴾ أي وضحوا للناس ما كتموا من العلم ببيانه، وبيان معانيه؛ لأنه لا يتم البيان إلا ببيان المعنى؛ ﴿فأولئك﴾ يعني الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا ﴿أتوب عليهم﴾ أي أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان؛ أحدهما: توفيق العبد للتوبة؛ الثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾.
قوله تعالى: ﴿وأنا التواب﴾ صيغة مبالغة، ونسبة؛ لأن «فعال» تأتي للمبالغة، وتأتي للنسبة: فإن قيدت بمعمول فهي للمبالغة؛ وإن أطلقت فهي للنسبة؛ أو نقول: هي للمبالغة، والنسبة بكل حال إلا أن يمنع من ذلك مانع، كقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ فإن هذه للنسبة؛ ولا تصح للمبالغة لفساد المعنى بذلك؛ لأنها لو كانت للمبالغة لكان المنفي عن الله كثرة الظلم مع أنه جل وعلا ﴿لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة
стр. 635
يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ [النساء: ٤٠]؛ وقوله تعالى: ﴿التواب﴾ تصلح للأمرين جميعاً؛ فهو موصوف بالتواب؛ وهو ذو توبة على جميع العباد؛ وكذلك موصوف بكثرة توبته ، وكثرة من يتوب عليهم: كم يفعل الإنسان من ذنب، ويتوب، فيتوب الله عليه! وكم من أناس أذنبوا، فتابوا، فتاب الله عليهم! فلهذا جاء بلفظ: ﴿التواب﴾.
وقوله تعالى: ﴿الرحيم﴾ سبق الكلام عليه؛ وجمع بين التوبة والرحمة؛ لأن بالرحمة يكون الإحسان؛ وبالتوبة يكون زوال العقوبة؛ فجمع الله بينهما؛ فهو يتوب؛ وإذا تاب رحم التائب، ويسَّره لليسرى، وسهل له أمور الخير؛ فحصل على الخير العظيم.
وفي هذه الآية التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ... ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ [البقرة: ١٥٩]؛ ولم يقل: «نلعنهم»؛ وللالتفات فائدتان:
الأولى: تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا تغير نسق الكلام أوجب أن ينتبه المخاطب لما حصل من التغيير.
والفائدة الثانية: تكون بحسب السياق: ففي هذه الآية: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ الفائدة: التعظيم؛ لأن قوله: ﴿يلعنهم الله﴾ أبلغ في التعظيم من «أولئك نلعنهم»؛ لأن المتكلم إذا تحدث عن نفسه بصيغة الغائب صار أشد هيبة، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا، وكذا؛ وأمر الملك بكذا، وكذا ــ ويعني نفسه.