تعالى: ﴿يلعنهم اللاعنون﴾؛ لأن من معنى ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ الدعاء عليهم باللعنة؛ تقول: اللهم العنهم؛ ولا يلعن الشخص المعين؛ بل على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز - ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يُدرى ماذا يموت عليه؛ قد يهديه الله، كما قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وأما لعنه بعد موته أيجوز، أم لا يجوز؟ فقد يقال: إنه لا يجوز لقول النبي ﷺ : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)؛ وهذا عام؛ ثم إنه قد يثير ضغائن، وأحقاد من أقاربه، وأصحابه، وأصدقائه؛ فيكون في ذلك مفسدة؛ ثم إن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (٢)؛ وأيّ خير في كونك تلعن واحداً كافراً قد مات؛ وأما طريقته فالواجب التنفير عنها، والقدح فيها، وذمها؛ أما هو شخصياً فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه - وإن كان المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر.
١٥ ــ ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم، حيث كان من الكبائر؛ وكتم العلم يتحقق عند الحاجة إلى بيانه إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال؛ فإن من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار إلا أن يكون السائل متعنتاً، أو يريد الإيقاع بالمسؤول، أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض، أو يترتب على إجابته مفسدة، فلا يجاب حينئذ؛ وليس هذا من كتم العلم؛ بل هو من مراعاة المصالح، ودرء المفاسد.
стр. 632
مسألة:
دفع الفتوى ــ وهو أن يحوِّل المستفتي إلى غيره، فيقول: اسأل فلاناً، أو اسأل العلماء - اختلف فيها أهل العلم: هل يجوز، أو لا يجوز؟ والصحيح أنه لا يجوز؛ إلا عند الاشتباه فيجب؛ أما إذا كان الأمر واضحاً فإنه لا يجوز؛ لأنه يضيع الناس لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفتي أناس جهال يضلون الناس؛ فإنه هنا تتعين عليه الفتوى؛ ويستعين الله ، ويسأل الله الصواب والتوفيق.
١٦ ــ ومن فوائد الآية: استحقاق الكاتمين للعنة الله، ولعنة اللاعنين.
قد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل، لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون.
فالجواب: لا، لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائماً به على الوجه الأكمل؛ قد تقول: «قام القائمون» بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه؛ فمعنى ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ أي الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها؛ فهم ذوو علم بالمستحِق، وذوي حكمة في توجيه اللعنة إليه؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ... ﴾ [النساء: ١٣٦] الآية؛ فناداهم باسم الإيمان، وأمرهم به؛ أي بتحقيقه، والثبات عليه.
إذاً هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات، والهدى مع ظهوره، وبيانه يستحقون - والعياذ بالله - هذا الجزاء الوخيم من الله، ومن عباد الله؛ وعكس ذلك الذين يبينون الحق - نسأل الله أن يجعلنا منهم؛ فهؤلاء يكون لهم المودة، والمحبة من الله، ومن أولياء الله؛
стр. 633
وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل أن العالم يستغفر له أهل السموات والأرض حتى الحيتان في الماء (١)؛
لأن الذي يبين شريعة الله يُلقي الله في قلوب عباده مودته، ومحبته، والقبول له حتى في السماء؛ ونحن نعلم ذلك - وإن لم يرد به نص خاص - عن طريق القياس الجلي: فإذا كان الله يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه، ومن عباده؛ وهو الذي سبقت رحمته غضبه، فالذين يبينون البينات، والهدى يستحقون أن يثني الله عليهم بدلاً من اللعنة، ويقربهم بدلاً من البعد.
١٧ ــ ومن فوائد الآية: أنه يجب على من قال قولاً باطلاً، ثم تبين له بطلانه أن يبينه للناس إلا إذا كان اختلاف اجتهاد فلا يلزمه أن يبين بطلان ما سبق؛ لأنه لا يدري أيّ الاجتهادين هو الصواب.
стр. 634
القرآن
( إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: ١٦٠)
التفسير:
﴿١٦٠﴾ قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾: الاستثناء هنا متصل؛ لأنه استثناء من الكاتمين؛ يعني إلا إذا تابوا؛ و «التوبة» في اللغة الرجوع؛ وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته؛ والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن كتمان ما أنزل الله إلى بيانه، ونشره.
قوله تعالى: ﴿وأصلحوا﴾ أي أصلحوا عملهم ﴿وبينوا﴾ أي وضحوا للناس ما كتموا من العلم ببيانه، وبيان معانيه؛ لأنه لا يتم البيان إلا ببيان المعنى؛ ﴿فأولئك﴾ يعني الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا ﴿أتوب عليهم﴾ أي أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان؛ أحدهما: توفيق العبد للتوبة؛ الثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾.
قوله تعالى: ﴿وأنا التواب﴾ صيغة مبالغة، ونسبة؛ لأن «فعال» تأتي للمبالغة، وتأتي للنسبة: فإن قيدت بمعمول فهي للمبالغة؛ وإن أطلقت فهي للنسبة؛ أو نقول: هي للمبالغة، والنسبة بكل حال إلا أن يمنع من ذلك مانع، كقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ فإن هذه للنسبة؛ ولا تصح للمبالغة لفساد المعنى بذلك؛ لأنها لو كانت للمبالغة لكان المنفي عن الله كثرة الظلم مع أنه جل وعلا ﴿لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة
стр. 635
يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ [النساء: ٤٠]؛ وقوله تعالى: ﴿التواب﴾ تصلح للأمرين جميعاً؛ فهو موصوف بالتواب؛ وهو ذو توبة على جميع العباد؛ وكذلك موصوف بكثرة توبته ، وكثرة من يتوب عليهم: كم يفعل الإنسان من ذنب، ويتوب، فيتوب الله عليه! وكم من أناس أذنبوا، فتابوا، فتاب الله عليهم! فلهذا جاء بلفظ: ﴿التواب﴾.
وقوله تعالى: ﴿الرحيم﴾ سبق الكلام عليه؛ وجمع بين التوبة والرحمة؛ لأن بالرحمة يكون الإحسان؛ وبالتوبة يكون زوال العقوبة؛ فجمع الله بينهما؛ فهو يتوب؛ وإذا تاب رحم التائب، ويسَّره لليسرى، وسهل له أمور الخير؛ فحصل على الخير العظيم.
وفي هذه الآية التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ... ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ [البقرة: ١٥٩]؛ ولم يقل: «نلعنهم»؛ وللالتفات فائدتان:
الأولى: تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا تغير نسق الكلام أوجب أن ينتبه المخاطب لما حصل من التغيير.
والفائدة الثانية: تكون بحسب السياق: ففي هذه الآية: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ الفائدة: التعظيم؛ لأن قوله: ﴿يلعنهم الله﴾ أبلغ في التعظيم من «أولئك نلعنهم»؛ لأن المتكلم إذا تحدث عن نفسه بصيغة الغائب صار أشد هيبة، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا، وكذا؛ وأمر الملك بكذا، وكذا ــ ويعني نفسه.
стр. 636
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن توبة الكاتمين للعلم لا تكون إلا بالبيان، والإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾: ثلاثة شروط:
الأول: التوبة؛ وهي الرجوع عما حصل من الكتمان.
الثاني: الإصلاح لما فسد بكتمانهم؛ لأن كتمانهم الحق حصل به فساد.
الثالث: بيان الحق غاية البيان.
وبهذا تبدل سيئاتهم حسنات.
٢ ــ ومن فوائد الآية: أن كل ذنب ــ وإن عظم ــ إذا تاب الإنسان منه فإن الله يتوب عليه.
٣ ــ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله ، وهما ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾؛ ﴿التواب﴾ على من أذنب؛ ﴿الرحيم﴾ على من أخلص، وعمل؛ فالرحمة تجلب الخير؛ والتوبة تدفع الشر.
٤ ــ ومنها: إثبات صفتين من صفات الله؛ وهما التوبة، والرحمة.
٥ ــ ومنها: إثبات حكمين من هذين الاسمين: أن الله يتوب، ويرحم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فأولئك أتوب عليهم﴾.
٦ ــ ومنها: توكيد الحكم بما يوجبه؛ لقوله تعالى: ﴿وأنا التواب الرحيم﴾.
٧ ــ ومنها: كثرة توبة الله، وكثرة من يتوب عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿التواب﴾.
стр. 637
والتوبة هي الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته؛ فيرجع من الشرك إلى التوحيد؛ ومن الزنى إلى العفاف؛ ومن الاستكبار إلى الذل، والخضوع؛ ومن كل معصية إلى ما يقابلها من الطاعة؛ وشروطها خمسة: الإخلاص لله ؛ والندم على الذنب؛ والإقلاع عنه في الحال؛ والعزم على أن لا يعود؛ وأن تكون التوبة في وقت تقبل فيه.
الشرط الأول: الإخلاص لله بأن يكون قصده بالتوبة رضا الله، وثواب الآخرة، وألا يحمله على التوبة خوف مخلوق، أو رجاء مخلوق، أو علو مرتبة، أو ما أشبه ذلك.
الشرط الثاني: الندم على ما جرى منه من الذنب؛ ومعنى «الندم» أن يتحسر الإنسان أن وقع منه هذا الذنب.
الشرط الثالث: الإقلاع عن المعصية؛ وهذا يدخل فيه أداء حقوق العباد إليهم؛ لأن من لم يؤد الحق إلى العباد فإنه لم يقلع؛ فهو ليس شرطاً مستقلاً ــ كما قاله بعض العلماء؛ ولكنه شرط داخل في الإقلاع؛ إذ إن من لم يؤد الحق إلى أهله لم يقلع عن المعصية.
الشرط الرابع: أن يعزم ألا يعود؛ فإن لم يعزم فلا توبة، وليس من الشرط ألا يعود فإذا صحت التوبة، ثم عاد إلى الذنب لم تبطل توبته الأولى؛ لكنه يحتاج إلى تجديد التوبة.
الشرط الخامس: أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه؛ يعني أن تكون في وقت قبول التوبة؛ وذلك بأن تكون قبل حضور الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ فإذا كان بعد حضور الموت لم تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء:
стр. 638
١٨]؛ وإذا كانت بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]؛ وقول النبي ﷺ : «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة؛ ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (١).
وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال؛ الأول: أنها تصح؛ والثاني: أنها تصح إن كان الذنب من غير الجنس؛ والثالث: لا تصح؛ والصحيح أنها تصح من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لكن لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق؛ فلا يستحق وصف التائب، ولا يدخل في مدح التائبين؛ لأن توبته مقيدة من هذا الذنب المعين؛ ومثال ذلك: إذا تاب رجل من الزنى لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم فإن توبته من الزنى تصح على القول الراجح؛ لكن لا يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق؛ وعلى القول بأنها تصح إذا كانت من غير الجنس: فإنها لا تصح؛ وإذا تاب من الزنى مع الإصرار على الربا فإنها تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه؛ إلا على القول الثالث الذي يقول لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب.
стр. 639
٨ ــ ومن فوائد الآية: عظم الكتمان؛ لأن الله ذكر لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، والبيان؛ لأن كتمهم لِما أنزل الله يتضمن إفساداً في الأرض، وإضلالاً للخلق؛ فتوبتهم منه لا تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي ﷺ ، وقالوا: «ليس هو بالرسول الذي سيبعث»؛ فسيضل من الناس بناءً على قولهم عالَم؛ فلا يكفي أن يتوبوا، ويندموا، ويقلعوا، ويُسْلِموا، حتى يصلحوا ما أفسدوا من الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق؛ وإلا لم تصح التوبة.
٩ ــ ومن فوائد الآية: عظم العلم، وأنه حمل ثقيل، وعبء عظيم على من حمَّله الله إياه، وأن الإنسان على خطر إذا لم يقم بواجبه من البيان؛ وسبق أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون، إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.
القرآن
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (البقرة: ١٦١)
(خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) (البقرة: ١٦٢)
التفسير:
الآيتان قبلها في العلماء الذين كتموا الحق؛ وهذه في الكفار الذين استكبروا عن الحق.
﴿١٦١﴾ قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا﴾: «الكَفْر» في اللغة بمعنى الستر؛ ومنها كُفُرَّى النخل ــ أي وعاء طلعه ــ لستره الطلع؛ والمراد بالكُفر في القرآن والسنة: جحد ما يجب لله سبحانه وتعالى
стр. 640
من الطاعة، والانقياد؛ وهو نوعان: إما تكذيب؛ وإما استكبار.
قوله تعالى: ﴿وماتوا وهم كفار﴾ معطوفة على ﴿كفروا﴾ فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول التي لا محل لها من الإعراب؛ وجملة ﴿وهم كفار﴾ حالية من الفاعل في ﴿ماتوا﴾؛ يعني أنهم ــ والعياذ بالله ــ استمروا على كفرهم إلى الموت، فلم يزالوا على الكفر، ولم يتوبوا، ولم يرجعوا؛ وخبر ﴿إن﴾ جملة ﴿أولئك عليهم لعنة الله﴾: ﴿أولئك﴾ مبتدأ ثانٍ؛ و ﴿عليهم﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لعنة﴾؛ و ﴿لعنة﴾ مبتدأ ثالث؛ والجملة من المبتدأ الثالث، وخبره خبر المبتدأ الثاني: ﴿أولئك﴾؛ والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره خبر ﴿إن﴾.
وقوله تعالى: ﴿لعنة الله﴾ أي طرده، وإبعاده عن رحمته؛ ﴿والملائكة﴾ أي ولعنة الملائكة؛ والملائكة عالم غيبي خُلِقوا من نور؛ وهم محجوبون عن الإنس؛ وربما يرونهم إما على الصورة التي خلقوا عليها، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلِق عليها له ستمائة جناح (١) قد سد الأفق (٢)؛ وإما على صورة أخرى، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورة
стр. 641
دحية الكلبي (١)؛ وهم عباد لله لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون؛ يسبحون الليل والنهار لا يفترون؛ لا يأكلون، ولا يشربون؛ صُمْدٌ - أي لا أجواف لهم؛ والملائكة ﵈ لهم وظائف، وأعمال خصهم الله بها؛ فإسرافيل، وميكائيل، وجبريل موكلون بما فيه الحياة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللهم رب جَبرائيل وميكائيل وإسرافيل ... » (٢)
الحديث؛ لأن هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة؛ والبعث من النوم حياة؛ ولهذا ناسب أن يكون هذا الاستفتاح في أول عمل يعمله الإنسان بعد أن توفاه الله بالنوم؛ وهؤلاء الثلاثة أحدهم مكلف بما فيه حياة القلوب - وهو جبريل - والثاني بما فيه حياة الأبدان - وهو إسرافيل - والثالث بما فيه حياة النبات - وهو ميكائيل - وأفضلهم جبريل - ولهذا امتدحه الله بقوله تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠]، وبقوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ [مريم: ١٧]؛ فجبريل أفضل الملائكة على الإطلاق.
قوله تعالى: ﴿والناس أجمعين﴾ أي عليهم لعنة الناس أجمعين؛ يلعنهم الناس ــ والعياذ بالله، ويمقتونهم ولا سيما في يوم القيامة؛ فإن هؤلاء يكونون مبغضين عند جميع الخلق؛ فهم أعداء الله .
﴿١٦٢﴾ قوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ أي في هذه اللعنة ــ
стр. 642
والعياذ بالله؛ والمراد فيما يترتب عليها؛ فإنهم خالدون في النار التي تكون بسبب اللعنة.
قوله تعالى: ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾؛ أي لا يخففه الله ؛ وحذف الفاعل للعلم به.
قوله تعالى: ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي لا يمهلون؛ بل يؤخذون بالعقاب؛ من حين ما يموتون وهم في العذاب؛ ويحتمل أن المراد لا ينظرون بالعين؛ فلا ينظرون نظر رحمة، وعناية بهم؛ وهذا قد يؤيَّد بقوله تعالى: ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]؛ فإن هذا من احتقارهم، وازدرائهم أنهم يوبخون بهذا القول.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآيتين: أن الكافر مستحق للعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين.
٢ ــ ومنها: أنه تشترط لثبوت هذا أن يموت على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾؛ فلو رجعوا عن الكفر إلى الإسلام ارتفعت عنهم هذه العقوبة.
٣ ــ ومنها: إثبات الملائكة.
٤ ــ ومنها: أن الكافر يلعنه الكافر؛ لقوله تعالى: ﴿والناس أجمعين﴾؛ وقد أخبر الله تعالى عن أهل النار أنه كلما دخلت أمة لعنت أختها، وقال تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب﴾ [البقرة: ١٦٦] إلخ؛ فالكافر ــ والعياذ بالله ــ ملعون حتى ممن شاركه في كفره.
٥ ــ ومنها: أن الذين يموتون وهم كفار مخلدون في لعنة الله، وطرده، وإبعاده عن رحمته.
стр. 643
٦ ــ ومنها: أن العذاب لا يخفف عنهم، ولا يوماً واحداً؛ ولهذا يقول الله : ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]؛ لم يسألوا أن يرفع العذاب؛ ولم يسألوا أن يخفف دائماً؛ بل يخفف ولو يوماً واحداً من أبد الآبدين؛ يتمنون هذا؛ يتوسلون بالملائكة إلى الله أن يخفف عنهم يوماً واحداً من العذاب؛ ولكن يوبخون إذا سألوا هذا: ﴿قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى﴾ [غافر: ٥٠]؛ فما يستطيع أحد أن يتصور كيف تكون حسرتهم حينئذٍ؛ يقولون: ليتنا فعلنا؛ ليتنا صدقنا؛ ليتنا اتبعنا الرسول؛ ولهذا يقولون: ﴿بلى﴾؛ لا يستطيعون أن ينكروا أبداً؛ ﴿قالوا فادعوا﴾ [غافر: ٥٠] أي أنتم؛ ولكن دعاء لا يقبل، كما قال تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [غافر: ٥٠] أي في ضياع ــ والعياذ بالله؛ والمقصود أنه لا يخفف عنهم العذاب.
٧ ــ من فوائد الآيتين: أنهم لا ينظرون؛ إما أنه من النظر؛ أو من الإنظار؛ فهم لا يمهلون ولا ساعة واحدة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١]؛ فمن يوم يجيئونها تفتح؛ أما أهل الجنة فإذا جاءوها لم تفتح فور مجيئهم، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١]؛ لأنهم لا يدخلونها إلا بالشفاعة، وبعد أن يقتص من بعضهم لبعض؛ فإذا جاءوها هذبوا، ونقوا، ثم شفع النبي ﷺ في دخول الجنة؛ وحينئذ تفتح أبوابها.
القرآن
( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: ١٦٣)
стр. 644
التفسير:
﴿١٦٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإلهكم﴾ الخطاب للبشر كلهم؛ أي أيها الناس معبودكم الحق الذي تكون عبادته حقاً؛ و ﴿إله﴾ بمعنى مألوه؛ فهي بمعنى اسم المفعول؛ و «المألوه» معناه المعبود حباً، وتعظيماً ــ وهو إله واحد؛ و ﴿إلهكم﴾ مبتدأ؛ و ﴿إله﴾ خبر؛ و ﴿واحد﴾ صفة لـ ﴿إله﴾؛ وجملة ﴿إلهكم إله واحد﴾ طرفها الأول معرفة؛ والثاني نكرة موصوفة، ومؤكد بالوحدانية يعني أن إله الخلق إله واحد؛ ووحدانيته بالألوهية متضمنة لوحدانيته بالربوبية؛ إذ لا يُعبد إلا من يُعلم أنه رب.
ثم أكد هذه الجملة الاسمية بجملة تفيد الحصر، فقال: ﴿لا إله إلا هو﴾؛ وهذه الجملة توكيد لما قبلها في المعنى؛ فإنه لما أثبت أنه إله واحد نفى أن يكون معه إله.
وقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ أي لا معبود حق إلا هو؛ وعلى هذا تكون ﴿لا﴾ نافية للجنس؛ وخبرها محذوف؛ والتقدير: لا إله حق إلا هو؛ وإنما قدرنا «حق»؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]؛ ولهذا قال الله تعالى عن هذه الآلهة: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم: ٢٣]؛ وقد زعم بعضهم أن تقدير الخبر «موجود»؛ وهذا غلط واضح؛ لأنه يختل به المعنى اختلالاً كبيراً من وجهين:
الوجه الأول: أن هناك آلهة موجودة سوى الله؛ لكنها باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]، وكما قال تعالى: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم
стр. 645
التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك﴾ [هود: ١٠١]، وكما قال تعالى: ﴿فلا تدع مع الله إلهاً آخر﴾ [الشعراء: ٢١٣].
الوجه الثاني: أنه يقتضي أن الآلهة المعبودة من دون الله هي الله، ولا يخفى فساد هذا؛ وعليه فيتعين أن يكون التقدير: «لا إله حق»، كما فسرناه.
قوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ خبر ثالث، ورابع لقوله تعالى: ﴿إلهكم﴾؛ ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو الرحمن الرحيم؛ فألوهيته مبنية على الرحمة؛ وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]؛ فإن ذكر هذين الاسمين بعد الربوبية يدل على أن ربوبيته مبنية على الرحمة.
وقوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ اسمان من أسماء الله؛ أحدهما يدل على سعة رحمته ــ وهو ﴿الرحمن﴾؛ والثاني يدل على إيصال الرحمة ــ وهو ﴿الرحيم﴾؛ وأسماء الله لها ثلاث دلالات: دلالة مطابقة؛ ودلالة تضمن؛ ودلالة التزام؛ فدلالة الاسم على الذات، والصفة دلالة مطابقة؛ ودلالته على الذات وحدها، أو الصفة وحدها دلالة تضمن؛ ودلالته على ما يستلزمه من الصفات الأخرى دلالة التزام؛ مثال ذلك «الخالق»: فهو دال على ذات متصفة بالخلق؛ وعلى صفة الخلق؛ فدلالتها على الأمرين دلالة مطابقة؛ وعلى أحدهما دلالة تضمن؛ وهي تدل على صفة العلم، والقدرة دلالة التزام؛ إذ لا خلق إلا بعلم وقدرة.
و «الرحمة» تنقسم إلى عامة، وخاصة؛ فالعامة هي التي تشمل جميع الخلق؛ والخاصة تختص بالمؤمنين.
стр. 646
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن إله الخلق إله واحد ــ وهو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾.
٢ ــ ومنها: إثبات اسم «الإله»، و «الواحد» لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾؛ وقد جاء في قوله تعالى: ﴿لله الواحد القهار﴾ [إبراهيم: ٤٨]: فأثبت اسم «الواحد» .
٣ ــ ومنها: اختصاص الألوهية بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾.
فإن قال قائل: إن هؤلاء المشركين قد يفتنون بهذه الآلهة، فيدعونها، ثم يأتيهم ما دعوا به؛ فما هو الجواب؟
فالجواب: عن هذا أن هذه الأصنام لم توجد ما دعوا به قطعاً؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم من دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]، ولقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ [فاطر: ١٤]؛ فيكون حصول ما دعوا به من باب الفتنة التي يضل بها كثير من الناس؛ والذي أوجدها هو الله ؛ لكن قد يُمتحَن الإنسان بتيسير أسباب المعصية ابتلاءً من الله ؛ فيكون هذا الشيء حصل عند دعاء هذه الأصنام لا به.
٤ ــ ومنها: كفر النصارى القائلين بتعدد الآلهة؛ لأن قولهم تكذيب للقرآن؛ بل وللتوراة، والإنجيل؛ بل ولجميع الرسل؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي
стр. 647
أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (١).
٥ ــ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما ﴿الرحمن الرحيم﴾.
٦ ــ ومنها: إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من الصفة ــ وهو الرحمة ــ والحكم: أنه يرحم بهذه الرحمة.
٧ ــ ومنها: أنه قد يكون للاسم من أسماء الله معنًى إذا انفرد؛ ومعنًى إذا انضم إلى غيره؛ لأن ﴿الرحمن﴾ لو انفرد لدل على الصفة، والحكم؛ وإذا جمع مع ﴿الرحيم﴾ جُعل ﴿الرحمن﴾ للوصف؛ و ﴿الرحيم﴾ للفعل.
القرآن
( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة: ١٦٤)
التفسير:
﴿١٦٤﴾ قوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾؛ ﴿السموات﴾ جمع سماء، وتقدم أنها سبع؛ و ﴿الأرض﴾ مفرد يراد به الجنس؛ فيشمل السبع؛ و ﴿خلق السموات والأرض﴾ أي إيجادهما من عدم؛ ويشمل ذلك بقاءهما، وكيفيتهما، وكل ما
стр. 648
يتعلق بهما من الشيء الدال على علم الله ، وقدرته، وحكمته، ورحمته.
وقوله تعالى: ﴿والأرض﴾ يشمل ما أودع الله فيها من المنافع، حيث جعلها متضمنة، ومشتملة على جميع ما يحتاج الخلق إليه في حياتهم، وبعد مماتهم، كما قال تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً * أحياءً وأمواتاً﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] إلى آخر الآيات؛ ما ظنك لو جعل الله هذه الأرض شفافة كالزجاج، فدفن فيها الأموات ينظر الأحياء إلى الأموات ــ فلا تكون كفاتاً لهم! وما ظنك لو جعل الله هذه الأرض صلبة كالحديد، أو أشد فلا يسهل علينا أن تكون كفاتاً لأمواتنا، ولا لنا أيضاً في حياتنا! ثم هذه الأرض أودع الله فيها من المصالح، والمعادن شيئاً لم نستطع الوصول إليه حتى الآن.
قوله تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ يعني في الإضاءة، والظلمة؛ في الحر، والبرد؛ في النصر، والخذلان؛ في كل شيء يتعلق بالليل، والنهار؛ هذه الليالي، والأيام التي تدور على العالم كم فَنِي فيها من حي! كم فيها من حي! كم عز فيها من ذليل! كم ذل فيها من عزيز! كم حصل فيها من حوادث لا يعلمها إلا الله! هذا الاختلاف كله آيات تدل على تمام سلطان الله ، وعلى تفرده بالوحدانية .
واختلاف الليل، والنهار أيضاً في الطول، والقصر، كما قال تعالى: ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ [الحج: ٦١] على وجه خفي لا يشعر الناس به: يزداد شيئاً فشيئاً، وينقص شيئاً فشيئاً ــ ليست الشمس تطلع فجأة من مدار السرطان، وفي اليوم التالي مباشرة من مدار الجدي! ولكنها تنتقل بينهما شيئاً
стр. 649
فشيئاً حتى يحصل الالتئام، والتوازن، وعدم الكوارث؛ فلو انتقلت فجأة من مدار السرطان إلى مدار الجدي لهلك الناس من حر شديد إلى برد شديد؛ والعكس بالعكس؛ ولكن الله ــ جل وعلا ــ بحكمته، ورحمته جعلها تنتقل حتى يختلف الليل والنهار على حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته.
قوله تعالى: ﴿والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾؛ ﴿الفلك﴾ هي السفينة؛ وتطلق على المفرد، كما في هذه الآية؛ وعلى الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢] و ﴿تجري﴾ أي تسير؛ ﴿في البحر﴾ أي في جوف البحر: فالغواصات تجري في البحر بما ينفع الناس وهي في جوفه؛ لأنه يقاتل بها الأعداء، وتحمى بها البلاد؛ وهذا مما ينفع الناس؛ ويجوز أن تكون ﴿في﴾ بمعنى «على» أي على سطح البحر، كقوله تعالى: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام﴾ [الشورى: ٣٢]؛ وهذه أيضاً من آيات الله؛ سفن محملة بالآدميين، والأمتعة، والأرزاق، تجري على سطح الماء بدون تقلب، أو إزعاج غالباً! هذا من آيات الله؛ وقد حدث في عصرنا هذا ما هو أعظم آية، وأكبر منه؛ وهو الفلك الذي يجري في الهواء؛ فإذا أشار الله إلى شيء من آياته في أمر فما هو أعظم منه يكون أقوى دلالة على ذلك؛ وها هو الطير مسخراً في جو السماء لا يمسكه إلا الله من آيات الله، كما قال تعالى: ﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ [النحل: ٧٩]؛ هذه الطيور لا تحمل إلا نفسها، فجعلها الله آية؛ فكيف بهذه الطائرات! تكون أعظم، وأعظم.
стр. 650
وقوله تعالى: ﴿بما ينفع الناس﴾: الباء هنا للمصاحبة ــ أي مصحوبة بما ينفع الناس من الأرزاق، والبضائع، والأنفس، والذخائر، وغيرها؛ لأن ﴿ما﴾ اسم موصول يفيد العموم؛ فالفلك آية من آيات الله الدالة على كمال قدرته، وكمال رحمته، وتسخيره، كما قال تعالى في أخرى: ﴿وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار﴾ [إبراهيم: ٣٢].
ومن حكمة الله أنه قدر في الأرض أقواتها ــ يعني جعل قدْراً هنا، وقدْراً هنا، وقدْراً هنا؛ لأجل أن ينتفع الناس؛ فهناك ناس لا تكثر عندهم البقول، والخضروات، وما أشبه ذلك؛ يأتيهم من أرض أخرى؛ وهناك ناس يكثر عندهم نوع من النخيل لا يوجد في مكان آخر، فينقل إلى المكان الآخر، فيتبادل الناس الأرزاق، وينتفع الناس، ويتحركون ــ كل فيما قدر له.
قوله تعالى: ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ يعني: وفيما أنزل الله من السماء من ماء آيات لقوم يعقلون؛ والمراد بـ ﴿السماء﴾ هنا العلو؛ لأن المطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء، والأرض؛ وليس من السماء نفسها.
وقوله تعالى: ﴿من ماء﴾ بيان لـ ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿وما أنزل الله﴾؛ والمراد به المطر الذي أنزله الله من السماء؛ وفيه آيات عظيمة؛ منها كونه ينزل من السماء؛ فإن الذي حمله إلى السماء هو الله ؛ كذلك كونه ينزل رذاذاً هذا من آيات الله الدالة على رحمته؛ لأنه لو كان ينزل صباً لأهلك العالم؛ وكونه ينزل من السماء لا يجري من الأرض هذا أيضاً من آيات الله؛ لأجل أن ينتفع به سهول الأرض، وجبالها؛ ولو كان يجري من
стр. 651
الأرض لغرق الأسفل قبل أن يصل إلى الأعلى؛ كذلك من آيات الله كونه ينزل لا حاراً، ولا بارداً؛ البردُ ذكره الله تعالى في سياق يدل على أنه نوع من الانتقام، فقال تعالى: ﴿وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾ [النور: ٤٣]؛ وإن كان الله قد يجعله رحمة؛ لكن الغالب أنه انتقام.
قوله تعالى: ﴿فأحيا به الأرض﴾: الذي يحيى هو النبات الذي فيها ــ وليس الأرض؛ و ﴿بعد موتها﴾ أي بعد أن كانت يابسة هامدة لا نبات فيها؛ ولهذا قال الله في آية أخرى: ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣]؛ وفي إحياء النبات آيات كثيرة: آيات دالة على الرحمة؛ وآيات دالة على الحكمة؛ وآيات دالة على القدرة.
آيات دالة على الرحمة: لما في هذا الإحياء من المنافع العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ [النازعات: ٣١، ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صباً ... ﴾ [عبس: ٥٤، ٢٥] إلى قوله تعالى: ﴿متاعاً لكم ولأنعامكم﴾؛ فكم من نعم كثيرة في هذه الزروع التي أحياها الله بالمطر لنا، ولأنعامنا قوتاً، ودواءً، وغير ذلك.
وآيات دالة على الحكمة: وهو أن حياة الأرض جاءت بسبب - وهو الماء الذي نزل؛ فمنه نأخذ أن الله - جل وعلا - يخلق بحكمة، ويقدّر بحكمة؛ الله - جل وعلا - قادر على أن يقول للأرض: «أنبتي الزرع» فتنبت بدون ماء؛ لكن كل شيء
стр. 652
مقرون بسبب؛ فكونه جلا وعلا ربط إحياء الأرض بنزول الماء يدل على الحكمة، وأن كل شيء له نظام خاص لا يتعداه منذ خُلق إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.
وآيات دالة على القدرة: وهي أنك ترى الأرض خاشعة هامدة سوداء شهباء ما فيها شيء؛ فإذا أنزل الله عليها المطر؛ تأتي إليها بعد نحو شهر تجدها تهتز أزهاراً، وأوراقاً، وأشجاراً: قال تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾ [فصلت: ٣٩]؛ وهذه قدرة عظيمة؛ واللَّهِ! لو أن البشر من أولهم إلى آخرهم اجتمعوا على أن يخرجوا ورقة واحدة من حبة لما استطاعوا؛ وحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ أليس هذا دليلاً على القدرة العظيمة!!!
قوله تعالى: ﴿وبث فيها﴾ أي نشر، وفرق؛ وهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿أنزل﴾ أي: وفيما بث في الأرض من كل دابة آيات لقوم يعقلون؛ و ﴿من كل دابة﴾ أي من كل ما يدب على الأرض من صغير، وكبير، وعاقل، وبهيم؛ وأتى بـ ﴿كل﴾ لإفادة العموم الشامل لجميع الأجناس، والأنواع، والأفراد؛ ففي الأرض دواب لا يَعلَم بأنواعها، ولا أجناسها - فضلاً عن أفرادها - إلا الذي خلقها يعلم هذه الأجناس، وأنواعها، وأفرادها، وأحوالها، وكل ما يصلحها؛ ففيها من آيات الله الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وعلمه، وحكمته ما يبهر العقول؛ تجد هذه الدواب المختلفة المتنوعة، والحشرات الصغيرة كيف هداها الله لما خلقت له؛ قال تعالى: ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] حتى إنك لترى الماء يدخل في
стр. 653
جحر النمل، فترى النملة تخرج من هذا الجحر حاملة أولادها! ماذا ترجو من هذه الأولاد؟! لكن رحمة أرحم الراحمين أن جعل في قلب هذه النملة رحمة لتحمل أولادها عن الغرق؛ كذلك أيضاً السباع الضارية التي تأكل ما دون أولادها من الحيوان: تجدها تحنو على ولدها، وتربيه؛ حتى إذا استقل بنفسه صار عدواً لها، أو صارت عدوة له؛ فالهرة تربي أولادها؛ فإذا استغنوا عنها طردتهم، وصارت عدوة لأولادها؛ فهذا من آيات الله ؛ ترى بعض الدواب تدب على الأرض؛ ولكن لا تكاد تدرك جسمها صغراً فضلاً عن أعضائها، وعما في جوفها؛ ومع ذلك فهي عايشة، وتعرف مصالحها، وتعرف جحرها تأوي إليه؛ فهذه من آيات الله ؛ ومن درس في علم الأحياء وجد من هذا ما يبهر العقول؛ فما بث الله في الأرض من الدواب من أجناسها، وأنواعها، وأفرادها فيه من آيات الله ما لا يحصى؛ لأن في كل شيء منه آية؛ وهو لا يحصى أنواعاً، أو أجناساً فضلاً عن أفرادٍ؛ وهذه الدواب تنقسم باعتبار مصالح الخلق
إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما فيه مصلحة خالصة، أو راجحة.
الثاني: ما فيه مضرة خالصة، أو راجحة؛ لكن مضرتها لها حِكَم كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.
الثالث: ما لا مضرة فيه، ولا مصلحة؛ ولكن فيه دلالة على كمال الله .
قوله تعالى: ﴿وتصريف الرياح﴾ أي تنويعها في اتجاهها، وشدتها، ومنافعها؛ و ﴿الرياح﴾ جمع ريح؛ وهي الهواء؛ وفي
стр. 654
قراءة: ﴿الريح﴾ بالإفراد؛ والمراد به الجنس؛ والتصريف يشمل تصريفها من حيث الاتجاه؛ تصريفها من حيث الشدة، وعدمها؛ تصريفها من حيث المنافع، وعدمها؛ فمن حيث الاتجاه جعلها الله متجهة جنوباً، وشمالاً، وغرباً، وشرقاً؛ وهذه هي أصول الجهات؛ وهناك جهات أخرى تكون بينها؛ وتسمى النكبة؛ لأنها ليست في الاستقامة في الشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب؛ فهي نكباء - ناكبة عن الاتجاه الأصلي.
وفي تصريف هذه الرياح آيات: لو بقيت الريح في اتجاه واحد لأضرت بالعالم؛ لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدةَ بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى، والجراثيم، وغيرها؛ كذلك أيضاً في تصريفها آيات بالنسبة للسحاب فبعضها يجمع السحاب؛ وبعضها يفرقه؛ وبعضها يلقحه؛ وبعضه يدره، فيمطر، كما قال تعالى: ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء﴾ [الروم: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين﴾ [الحجر: ٢٢]؛ قال المفسرون: تلقح في السحاب؛ وفي تصريف الرياح أيضاً آيات للسفن الشراعية؛ وفيه أيضاً آيات في إهلاك الناس، وإنجاء آخرين: أهلك الله به عاداً، وطرد به الأحزاب عن رسول الله ﷺ ؛ وأنجى الله رسول الله ﷺ بهذه الريح من شر الأحزاب؛ ومن تدبر هذا عرف ما فيها من قدرة الله، ورحمته، وعزته، وحكمته؛ لو أن جميع مكائن الدنيا كلها اجتمعت، وصارت على أقوى ما يكون من نَفْث هواء لا يمكن أن تحرك ساكناً إلا فيما حولها فقط؛ لكن أن تصل من أقصى
стр. 655
الشمال إلى الجنوب، أو بالعكس فلا؛ والله - جل وعلا - يقول للشيء إذا أراده: ﴿كن فيكون﴾ [البقرة: ١١٧]؛ فتجد الرياح شديدة شمالية؛ وفي لحظة تنعكس، وتكون جنوبية شديدة؛ هذه تمام القدرة العظيمة، حيث يدبر الله هذه الرياح بأمر لا يستطيعه البشر؛ ولهذا صار تصريف الرياح آية من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته؛ ثم إن في تصريفها أيضاً مصالح للسفن الجوية؛ لأن لها تأثيراً على الطائرات - كما يقولون؛ وكذلك بالنسبة للسيارات لها تأثير.
قوله تعالى: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأرض﴾ أي وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض آيات لقوم يعقلون؛ و ﴿السحاب﴾ هو هذا الغمام، والمزن؛ وسمي سحاباً؛ لأنه ينسحب انسحاباً في الجو بإذن الله؛ و ﴿المسخر﴾ أي المذلل بأمر الله لمصالح الخلق؛ ومن الآيات فيه أنه دال على القدرة، والرحمة، والحكمة:
أما دلالته على القدرة: فلأنه لا يستطيع أحد أن يفرقه إلا الله؛ ولا يستطيع أحد أن يوجهه إلى أي جهة إلا الله؛ ثم من يستطيع أن يجعل هذا السحاب أحياناً متراكماً حتى يكون مثل الجبال السود يوحش من يراه؛ وأحياناً يكون خفيفاً؛ وأحياناً يكون سريعاً؛ وأحياناً يكون بطيئاً؛ وأحياناً لا يتحرك؛ لأنه يسير بأمر الله.
وأما دلالته على الحكمة: فلأنه يأتي من فوق الرؤوس حتى يكون شاملاً لما ارتفع من الأرض، وما انهبط منها؛ ويأتي قطرات حتى لا ينهدم البنيان، ولا تشقق الأرض.
стр. 656
وأما دلالته على الرحمة: فلما يحصل من آثاره من نبات الأرض المختلف الذي يعيش عليه الإنسان، والبهائم.
وقوله تعالى: ﴿بين السماء والأرض﴾؛ المراد بـ ﴿السماء﴾ السقف المرفوع؛ و ﴿الأرض﴾: أرضنا هذه؛ وهذه البينية لا تقتضي الملاصقة، ولا المماسة - كما هو ظاهر؛ وبهذا يعرف الرد على الذين أنكروا قول الرسول ﷺ : «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» (١)، وقالوا: «لو كان هذا حقيقة للزم أن تكون أصابع الرحمن داخل أجوافنا؛ وهذا مستحيل؛ فيكون ظاهر الخبر مستحيلاً، ويصرف إلى معنى أن الله يقلب القلوب دون أن تكون بين أصابعه»؛ ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ وقد تبين بهذه الآية الكريمة أن البينية لا تستلزم الملاصقة، والمماسة؛ وعليه فلا يكون من لازم كون القلوب بين أصابع الرحمن أن تكون أصابعه داخل أجوافنا؛ ويقال أيضاً: بدر بين مكة والمدينة - هذا في المكان، وبينهما مسافة واضحة.
قوله تعالى: ﴿لآيات﴾ اللام للتوكيد؛ و «آيات» اسم ﴿إنّ﴾ مؤخر منصوب بها؛ و «آيات» جمع آية؛ وهي العلامة المعيِّنة لمعلومها؛ وصارت تلك آيات؛ لأنها دالة على كمال علم الله، وقدرته، ورحمته، وحكمته، وسلطانه، وغير ذلك من مقتضى ربوبيته.
قوله تعالى: ﴿لقوم يعقلون﴾ أي لهم عقول؛ والمراد هنا عقل الرشد الحامل لمن اتصف به على الانتفاع بالعقل؛ فالإنسان العاقل حقاً إذا تأمل هذه الأشياء وجد أن فيها آيات تدل على
стр. 657
خالقها - جل وعلا -، وموجدها، وعلى ما تضمنته من صفات كماله؛ أما الإنسان المعرض - وإن كان ذكاؤه قوياً - فإنه لا ينتفع بها - ولهذا وصف الله الكفار بأنهم لا يعقلون مع أنهم في العقل الإدراكي - يدركون به ما ينفعهم، وما يضرهم - عقلاء؛ لكن نفاه الله عنهم لعدم انتفاعهم به، وعدم عقلهم الرشدي الذي يرشدهم إلى ما فيه مصلحتهم.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: عظم خلق السموات، والأرض؛ لقوله تعالى: ﴿لآيات﴾؛ فلولا أنه عظيم ما كان آيات.
٢ ــ ومنها: أن السموات متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات﴾.
٣ ــ ومنها: أن السموات مخلوقة؛ فهي إذاً كانت معدومة من قبل؛ فليست أزلية.
ويتفرع على هذه الفائدة الرد على الفلاسفة الذين يقولون بقدم الأفلاك ــ يعنون أنها غير مخلوقة، وأنها أزلية أبدية؛ ولهذا أنكروا انشقاق القمر في عهد النبي ﷺ ، وقالوا: إن الأفلاك العلوية لا تقبل التغيير، ولا العدم؛ وفسروا قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] بأن المراد ظهور العلم، والنور برسالة النبي ﷺ ؛ ولا شك أن هذا تحريف باطل مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة في انشقاق القمر انشقاقاً حسياً.
٤ ــ ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه السموات والأرض ليصل إلى الآيات التي فيها؛ فيكون من الموقنين.
стр. 658
٥ ــ ومنها: أن الآيات في خلق السموات، والأرض متنوعة بحسب ما تدل عليه من القدرة، والحكمة، والرحمة، وما إلى ذلك.
٦ ــ ومنها: ما في اختلاف الليل، والنهار من الآيات، والعبر التي سبق بيان شيء منها؛ لقوله تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾.
٧ ــ ومنها: أن اختلاف الليل، والنهار من رحمة الله، وحكمته.
٨ ــ ومنها: ما في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من آيات الله، ونعمه؛ وسبق تفصيل ذلك.
٩ ــ ومنها: ما تضمنه إنزال المطر من السماء؛ ففيه آيات عظيمة سبقت الإشارة إليها.
١٠ ــ ومنها: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ من الآيات؛ وسبق الكلام عليها؛ وهي آيات عظيمة دالة على كمال القدرة، والرحمة، والعظمة، وعلى إحياء الله الموتى.
١١ ــ ومنها: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ من الآيات التي سبق بيان شيء منها.
١٢ ــ ومنها: ما في تصريف الرياح من الآيات التي سبق ذكر شيء منها.
١٣ ــ ومنها: ما في السحاب المسخر بين السماء، والأرض من الآيات العظيمة؛ وسبق ذكر شيء منها.
١٤ ــ ومنها: مدح العقل، وأنه به يستظهر الإنسان الآيات
стр. 659
التي تزيده إيماناً، ويقيناً؛ لقوله تعالى: ﴿لقوم يعقلون﴾
١٥ ــ ومنها: أن الناس ينقسمون في هذه الآيات إلى قسمين: قسم يعقل ما فيها من الآيات، ويستدل به على ما لله فيها من كمال الصفات؛ وقسم لا يعقلون ذلك، وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤].
القرآن
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة: ١٦٥)
التفسير:
لما ذكر الله : ﴿وإلهكم إله واحد ... ﴾، واستدل على ألوهيته بما في خلق السموات، والأرض، وما ذكر من الآيات، بيّن بعد ذلك أن من الناس ــ مع هذه الآيات الواضحة ــ من يتخذ من دون الله أنداداً.
﴿١٦٥﴾ قوله تعالى: ﴿ومن الناس﴾؛ ﴿مِن﴾ بمعنى بعض؛ ﴿مَن يتخذ﴾؛ ﴿مَن﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر؛ وعند بعض النحويين أن ﴿مِن﴾ مبتدأ؛ وأن ﴿مَن﴾ خبره؛ لكن المشهور ما قلناه أولاً.
وقوله تعالى: ﴿من يتخذ من دون الله أنداداً﴾ أي من يجعل من دون الله آلهة أنداداً؛ و ﴿أنداداً﴾ جمع ندّ؛ وهو الشبيه النظير؛
стр. 660
لأنه من: نادّه ينادّه إذا كان نظيراً له مكافئاً له.
قوله تعالى: ﴿يحبونهم كحب الله﴾ أي يحبون تلك الأنداد؛ وجاء الضمير جمعاً للعاقل دون أن يأتي بضمير المؤنث - مع أن الأكثر من هذه الأنداد أنها لا تعقل؛ وغير العاقل يكون ضميره مؤنثاً - باعتبار عقيدة عابديها؛ لأنهم يعتقدون أنها تنفع وتضر.
وجملة: ﴿يحبونهم﴾ صفة لأنداد؛ ويحتمل أن تكون استئنافية لبيان معنى اتخاذهم أنداداً.
وقوله تعالى: ﴿كحب الله﴾ أي كحبهم لله؛ أو كحب المؤمنين لله؛ والأول أظهر؛ ولهذا جعلوهم أنداداً - أي هؤلاء جعلوا هذه الأصنام مساوية لله في المحبة فيحبونهم كحب الله -؛ فهم يحبون هذه الأصنام، ويعتقدون أنها تنفع، وتضر؛ ولا فرق في ذلك بين من يتخذ محبوباً إلى الله ، أو غير محبوب إليه؛ فمن اتخذ النبي ﷺ نداً لله في المحبة، والتعظيم، كمن اتخذ صنماً من شجر، أو حجر؛ لأن النبي ﷺ ، وهذا الصنم كلاهما لا يستحق أن يكون نداً لله ؛ ولهذا لما نزلت: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وكان ظاهر الآية يشمل الأنبياء الذين عُبدوا من دون الله، استثناهم الله في قوله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]- ولو عُبِدوا من دون الله -؛ وقال النبي ﷺ لرجل قال له: «ما شاء الله وشئت»: «أجعلتني لله نداً!!! بل ما شاء الله وحده» (١)؛ فأنكر عليه أن يجعله نداً لله.
стр. 661
قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حباً لله﴾؛ ﴿الذين﴾: مبتدأ؛ و ﴿أشد﴾: خبره؛ و ﴿حباً﴾: تمييز؛ لأنها بعد أفعل تفضيل؛ و ﴿أشد﴾ اسم تفضيل يقتضي مفضلاً، ومفضلاً عليه؛ فالمفضل: حب الذين آمنوا لله؛ والمفضل عليه: إما حب هؤلاء لأصنامهم؛ فيكون المعنى: أن الذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء لأصنامهم؛ وإما أن المفضل عليه حب هؤلاء لله؛ فيكون المعنى: أن الذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء لله؛ وكلا الاحتمالين صحيح؛ أما الأول فلأن حب المؤمنين لله يكون في السراء، والضراء؛ وحب هؤلاء لأصنامهم في السراء فقط؛ وعند الضراء يلجؤون إلى الله ؛ فإذاً ليس حبهم الأصنام كحب المؤمنين لله ؛ ثم إن بعضهم يصرح، فيقول: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»؛ وأما الاحتمال الثاني في الآية فوجه التفضيل ظاهر؛ لأن حب المؤمنين لله خالص لا يشوبه شيء؛ وحب هؤلاء لله مشترك: يحبون الله، ويجعلون معه الأصنام نداً.
قوله تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾ فيها قراءات؛ أولاً: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يَرون العذاب﴾ بياء الغيبة في ﴿يرى﴾، وبفتح الياء في ﴿يَرون﴾؛ ثانياً: ﴿ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾ بتاء الخطاب في ﴿ترى﴾، وبفتح الياء في ﴿يَرون﴾؛ وبضمها: ﴿يُرون﴾؛ فالقراءات إذاً ثلاث.
قوله تعالى: ﴿الذين ظلموا﴾؛ الظلم في الأصل هو النقص؛ ومنه قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً﴾ [الكهف: ٣٣] أي لم تنقص؛ ولكنه يختلف بحسب السياق؛ فقوله تعالى: ﴿الذين ظلموا﴾ هنا: أي الذين نقصوا الله حقه، حيث جعلوا له أنداداً؛ وهم أيضاً ظلموا أنفسهم - أي نقصوها
стр. 662
حقها -؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩، ١٠]؛ فالنفس أمانة عندك؛ فإذا عصيت ربك فإنك ظالم لنفسك.
قوله تعالى: ﴿إذ يرون العذاب﴾؛ ﴿إذ﴾ ظرف بمعنى «حين»؛ أي حين يرون العذاب؛ وقال بعض المعربين: ﴿إذ﴾ هنا بمعنى «إذا»؛ وتأتي «إذ» بمعنى «إذا»؛ لأنها إذا تعلقت بمضارع لا تكون للماضي؛ إذ إن الماضي للماضي؛ والمضارع للمستقبل؛ فهنا الآية للمستقبل؛ فتكون «إذ» بمعنى «إذا»؛ ونظيرها قوله تعالى: ﴿إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر: ٧١] أي إذا الأغلال في أعناقهم؛ فكلمة ﴿إذ﴾ إذا كان العامل فيها فعلاً مضارعاً فهي للمستقبل بمعنى «إذا»؛ والحكمة في كونها جاءت للماضي - وهي في الحقيقة للمستقبل - بيان تحقق وقوعه؛ فصار المستقبل كأنه أمر ماض؛ ونظيره في «الفعل» قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل: ١]؛ ﴿أتى﴾ بمعنى المستقبل؛ لأنه قال: ﴿فلا تستعجلوه﴾؛ ولو كان قد أتى لم يصح أن يقال: ﴿فلا تستعجلوه﴾.
قوله تعالى: ﴿إذ يرون العذاب﴾؛ على قراءة ﴿يَرون﴾ بفتح الياء الرؤية هنا بصرية؛ ولهذا لم تنصب إلا مفعولاً واحداً؛ وكذلك على قراءة ﴿يُرون﴾ بضم الياء هي بصرية؛ لكنها تعدت إلى مفعولين بالهمزة؛ فهي رباعية؛ لأنها من: أراه يريه؛ فـ ﴿يُرون﴾ أي يُجعلون يَرون؛ وأصل «أراه»: «أرآه» لكن حذفت الهمزة تخفيفاً؛ والحاصل أن ﴿يُرون﴾ هي رؤية بصرية - أي
стр. 663
يريهم الله العذاب -؛ و ﴿العذاب﴾ معناه العقوبة - والعياذ بالله - التي تحصل لهم على أفعالهم.
قوله تعالى: ﴿أن القوة لله جميعاً﴾؛ اللام هنا للاختصاص - يعني أن المختص بالقوة الكاملة من جميع الوجوه هو الله -؛ و ﴿جميعاً﴾ حال من ﴿القوة﴾؛ أي حال كونها جميعاً؛ فلا يشذ منها شيء؛ فكل القوة لله .
قوله تعالى: ﴿وأن الله شديد العذاب﴾ معطوفة على قوله تعالى: ﴿أن القوة لله جميعاً﴾؛ و ﴿شديد العذاب﴾ أي قوي العقوبة.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن بعض الناس يجعل لله نداً في المحبة يحبه كحب الله؛ لقوله تعالى: ﴿يحبونهم كحب الله﴾
٢ ــ ومنها: أن محبة الله من العبادة؛ لأن الله جعل من سوّى غيره فيها مشركاً متخذاً لله نداً؛ فالمحبة من العبادة؛ بل هي أساس العبادة؛ لأن أساس العبادة مبني على الحب، والتعظيم؛ فبالحب يفعل المأمور؛ وبالتعظيم يجتنب المحظور؛ هذا إذا اجتمعا؛ وإن انفرد أحدهما استلزم الآخر.
٣ ــ ومنها: أن من جعل لله نداً في المحبة فهو ظالم؛ لقوله تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾.
٤ ــ ومنها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿إذ يرون العذاب﴾.
٥ ــ ومنها: إثبات القوة لله؛ لقوله تعالى: ﴿أن القوة لله جميعاً﴾؛ فإن قيل: كيف يتفق قوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ مع أن للمخلوق قوة؟
стр. 664
فالجواب: أن قوة المخلوق ليست بشيء عند قوة الخالق؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ [النساء: ١٣٩ مع أن الله أثبت للمخلوق عزة؛ وهكذا نقول في بقية الصفات التي يشترك فيها الخالق والمخلوق في أصل الصفة.
٦ ــ ومنها: أن المؤمن محب لله أكثر من محبة هؤلاء لأصنامهم؛ لقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حباً﴾.
٧ ــ ومنها: أنه كلما ازداد إيمان العبد ازدادت محبته لله؛ وجه ذلك أن الله رتب شدة المحبة على الإيمان؛ وقد عُلم أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف، وينقص بنقصه؛ فكلما ازداد الإنسان إيماناً بالله ازداد حباً له.
٨ ــ ومنها: شدة عذاب الله لهؤلاء الظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿وأن الله شديد العذاب﴾؛ فإن قيل: كيف يكون الله شديد العذاب مع أنه أرحم من الوالدة بولدها؟
فالجواب: أن هذا من كمال عزه، وسلطانه، وعدله، وحكمته؛ لأنه أنذر مستحق العذاب، وأعذر منهم بإرسال الرسل؛ فلم يبق لهم حجة توجب تخفيف العذاب عنهم؛ فلو رحم هؤلاء الكافرين به لكان لا فرق بينهم والمؤمنين به.
وشدة عذاب الله لهؤلاء مذكور في القرآن، والسنة: قال الله تعالى: ﴿وإن يستغيثوا﴾ [الكهف: ٢٩] أي أهل النار ﴿يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه﴾ [الكهف: ٢٩]؛ فما بالك لو وصلت إلى الأمعاء؟!!؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: ﴿وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]؛ ومع ذلك تتقطع، وتلتئم بسرعة كما
стр. 665
قال تعالى في جلودهم: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها﴾ [النساء: ٥٦]؛ و ﴿كلما﴾ تفيد التكرار؛ وجوابها يفيد الفورية؛ والحكمة: ﴿ليذوقوا العذاب﴾ [النساء: ٥٦]؛ وقال تعالى: ﴿إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾ [الدخان: ٤٣ ــ ٤٨]؛ ويقال له أيضاً: تبكيتاً، وتوبيخاً، وتنديماً، وتلويماً، ﴿ذق﴾؛ ويذكّر أيضاً بحاله في الدنيا فيقال له: ﴿إنك أنت العزيز الكريم﴾؛ فحينئذ يتقطع ألماً، وحسرة؛ ولا شك أن المؤمنين يسرون بعذاب أعداء الله؛ فعذابهم رحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون﴾.
القرآن
( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) (البقرة: ١٦٦)
التفسير:
﴿١٦٦﴾ قوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا﴾؛ ﴿إذ﴾ ظرف عامله محذوف؛ والتقدير: اذكر إذ تبرأ؛ والمراد بالذكر هنا: الذكر للغير، والتذكر أيضاً؛ فالله يُذكِّرنا، ويأمرنا أيضاً أن نذكر لغيرنا؛ و ﴿تبرأ﴾ أي تخلى، وبعُد ﴿الذين اتُّبِعوا﴾: وهم الرؤساء، والسادة يتبرءون من ﴿الذين اتَّبعوا﴾: وهم الأتباع، والضعفاء، وما أشبههم؛ فمن ذلك مثلاً: رؤساء الكفر يدعون الناس إلى الكفر، مثل فرعون: فقد دعا إلى الكفر؛ فهو متَّبَع؛
стр. 666
وقومه متَّبِعون؛ وكذلك غيره من رؤساء الكفر، والضلال، فإنهم أيضاً متَّبَعون؛ ومن تبعهم فهو متّبِع، فهؤلاء يتبرأ بعضهم من بعض؛ وقد ذكر الله مناقشة بعضهم لبعض، ومحاجة بعضهم بعضاً في عدة آيات.
ولا يشمل قوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ من اتبع أئمة الهدى؛ فالمتبعون للرسل لا يتبرأ منهم الرسل؛ والمتبعون لأئمة الهدى لا يتبرأ منهم أئمة الهدى؛ لقوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧]؛ فالأخلاء، والأحبة يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض إلا المتقين.
قوله تعالى: ﴿ورأوا العذاب﴾؛ أمامنا الآن فعل ماض في ﴿تبرأ﴾، وفعل ماض في ﴿رأوا﴾ ــ مع أن هذا الأمر مستقبل ــ؛ لكن لتحقق وقوعه عبر عنه بالماضي؛ وهذا كثير في القرآن.
وقوله تعالى: ﴿ورأوا العذاب﴾ أي رأوه بأعينهم، كما قال تعالى: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ [الكهف: ٥٣]؛ و ﴿العذاب﴾ هو العقوبة التي يعاقب الله بها من يستحقها.
قوله تعالى: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾؛ الباء هنا إما أن تكون بمعنى «عن»؛ أو تكون صلة بمعنى أنهم متشبثون بها الآن، ثم تنقطع بهم كما ينقطع الحبل بمن تمسك به للنجاة من الغرق؛ و ﴿الأسباب﴾ جمع سبب؛ وهو ما يتوصل به إلى غيره؛ والمراد بها هنا كل سبب يؤملون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين، مثل قولهم: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقول
стр. 667
فرعون لقومه: ﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩]؛ فهذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظناً منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تقطعت بهم؛ ولا يجدون سبيلاً إلى الوصول إلى غاياتهم؛ وفسر ابن عباس ﵄ ﴿الأسباب﴾ هنا بالمودة؛ أي تقطعت بهم المودة؛ وهذا التفسير على سبيل التمثيل؛ والآية أعم من ذلك؛ ووجه تفسير ابن عباس ﵄ أن الآية في سياق محبة هؤلاء المشركين لأصنامهم.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم؛ لقوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا﴾؛ ولو كانوا ينفعونهم لم يتبرؤوا منهم.
٢ ــ ومنها: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع؛ بل يتعداه إلى البراءة منهم، والتباعد عنهم؛ وهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبياً.
٣ ــ ومنها: ثبوت العقاب؛ لقوله تعالى: ﴿ورأوا العذاب﴾.
ويتفرع عليه ثبوت البعث.
٤ ــ ومنها: أن الله يجمع يوم القيامة بين الأتباع والمتبوعين توبيخاً، وتنديماً لهم؛ ويتبرأ بعضهم من بعض؛ لأن هذا ــ لا شك ــ أعظم حسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه وجهاً لوجه.
٥ ــ ومنها: أن جميع الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله، تتقطع بأصحابها يوم القيامة، وتزول، ولا تنفعهم.
стр. 668
٦ ــ ومنها: أن من استغاث بالرسل، أو غيرهم من المخلوقات فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد ضل في دينه، وسفه في عقله، وأتى الشرك الأكبر.
القرآن
( وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة: ١٦٧)
التفسير:
﴿١٦٧﴾ قوله تعالى: ﴿وقال الذين اتبعوا﴾: هم الأتباع.
قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾؛ ﴿لو﴾ هنا ليست شرطية؛ ولكنها للتمني؛ يعني: ليت لنا كرة فنتبرأ؛ والدليل على أنها للتمني أن الفعل نصب بعدها؛ وهو منصوب بـ «أنْ» المضمرة بعد الفاء السببية؛ و «لو» تأتي في اللغة العربية على ثلاثة أوجه: تكون شرطية؛ وتكون للتمني؛ وتكون مصدرية؛ فـ ﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿وودوا لو تكفرون﴾ [الممتحنة: ٢] مصدرية؛ و ﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] شرطية؛ ﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾ للتمني؛ ومثلها قوله تعالى: ﴿فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾ [الشعراء: ١٠٢].
و «الكرة» الرجوع إلى الشيء؛ والمراد هنا: الرجوع إلى الدنيا؛ فنتبرأ منهم في الدنيا إذا رجعنا كما تبرءوا منا هنا في الآخرة؛ فنجازيهم بما جازونا به؛ لكن أنى لهم ذلك!!! فهذا التمني لا ينفعهم؛ ولذلك قال الله : ﴿كذلك
стр. 669
يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾؛ و ﴿كذلك﴾: الكاف: اسم بمعنى «مثل»؛ وهي مفعول مطلق عامله الفعل بعده؛ وهذا كثيراً ما يأتي في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقوله تعالى: ﴿يريهم﴾ من: أرى يُري؛ فزيادة الهمزة جعلتها تنصب ثلاثة مفاعيل؛ الأول: الضمير، والثاني: ﴿أعمالهم﴾؛ والثالث: ﴿حسرات﴾؛ و ﴿حسرات﴾ جمع حسرة؛ وهي الندم مع الانكماش، والحزن؛ فهؤلاء الأتباع شعورهم بالندم، والخيبة، والخسران لا يتصور؛ فالأعمال التي عملوها لهؤلاء المتبوعين صارت - والعياذ بالله - خسارة عليهم، وندماً؛ ضاعت بها دنياهم، وآخرتهم؛ وهذا أعظم ما يكون من الحسرة.
قوله تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾، أي أنهم خالدون فيها.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرءوا من متبوعيهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة؛ وهو غير ممكن؛ وما يزيدهم هذا إلا حسرة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.
٢ ــ ومنها: تحسر هؤلاء، وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح؛ فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسراً لا نظير له لا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن العتبى منه.
стр. 670
٣ ــ ومنها: إثبات نكال الله بهم؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.
٤ ــ ومنها: أن المشركين مخلدون في النار لا يخرجون منها؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾؛ وقد ذكر الله الخلود الأبدي في النار في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء؛ وفي سورة الأحزاب؛ وفي سورة الجن؛ وبه يبطل قول من ادعى أن النار تفنى؛ لأن خلود الماكث الأبدي يدل على خلود مكانه.
٥ ــ ومنها: إثبات النار، وأنها حق.
القرآن
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة: ١٦٨)
التفسير:
﴿١٦٨﴾ هذه الآية جاءت في سورة البقرة؛ وسورة البقرة مدنية؛ وقد سبق أنه جاء أيضاً مثلها: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ وقد ذكر كثير من المؤلفين في أصول التفسير أن الغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٠٤]؛ لأن الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة صارت المدينة بلاد إسلام؛ وهي أول بلد إسلامي يحكمه المسلمون في هذه الرسالة؛ فصار التوجه إليها بالخطاب بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ لكنها ليست قاعدة؛ ولكنها ضابط يخرج منه بعض