وقومه متَّبِعون؛ وكذلك غيره من رؤساء الكفر، والضلال، فإنهم أيضاً متَّبَعون؛ ومن تبعهم فهو متّبِع، فهؤلاء يتبرأ بعضهم من بعض؛ وقد ذكر الله مناقشة بعضهم لبعض، ومحاجة بعضهم بعضاً في عدة آيات.
ولا يشمل قوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ من اتبع أئمة الهدى؛ فالمتبعون للرسل لا يتبرأ منهم الرسل؛ والمتبعون لأئمة الهدى لا يتبرأ منهم أئمة الهدى؛ لقوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧]؛ فالأخلاء، والأحبة يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض إلا المتقين.
قوله تعالى: ﴿ورأوا العذاب﴾؛ أمامنا الآن فعل ماض في ﴿تبرأ﴾، وفعل ماض في ﴿رأوا﴾ ــ مع أن هذا الأمر مستقبل ــ؛ لكن لتحقق وقوعه عبر عنه بالماضي؛ وهذا كثير في القرآن.
وقوله تعالى: ﴿ورأوا العذاب﴾ أي رأوه بأعينهم، كما قال تعالى: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ [الكهف: ٥٣]؛ و ﴿العذاب﴾ هو العقوبة التي يعاقب الله بها من يستحقها.
قوله تعالى: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾؛ الباء هنا إما أن تكون بمعنى «عن»؛ أو تكون صلة بمعنى أنهم متشبثون بها الآن، ثم تنقطع بهم كما ينقطع الحبل بمن تمسك به للنجاة من الغرق؛ و ﴿الأسباب﴾ جمع سبب؛ وهو ما يتوصل به إلى غيره؛ والمراد بها هنا كل سبب يؤملون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين، مثل قولهم: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقول
стр. 667
فرعون لقومه: ﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩]؛ فهذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظناً منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تقطعت بهم؛ ولا يجدون سبيلاً إلى الوصول إلى غاياتهم؛ وفسر ابن عباس ﵄ ﴿الأسباب﴾ هنا بالمودة؛ أي تقطعت بهم المودة؛ وهذا التفسير على سبيل التمثيل؛ والآية أعم من ذلك؛ ووجه تفسير ابن عباس ﵄ أن الآية في سياق محبة هؤلاء المشركين لأصنامهم.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم؛ لقوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا﴾؛ ولو كانوا ينفعونهم لم يتبرؤوا منهم.
٢ ــ ومنها: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع؛ بل يتعداه إلى البراءة منهم، والتباعد عنهم؛ وهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبياً.
٣ ــ ومنها: ثبوت العقاب؛ لقوله تعالى: ﴿ورأوا العذاب﴾.
ويتفرع عليه ثبوت البعث.
٤ ــ ومنها: أن الله يجمع يوم القيامة بين الأتباع والمتبوعين توبيخاً، وتنديماً لهم؛ ويتبرأ بعضهم من بعض؛ لأن هذا ــ لا شك ــ أعظم حسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه وجهاً لوجه.
٥ ــ ومنها: أن جميع الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله، تتقطع بأصحابها يوم القيامة، وتزول، ولا تنفعهم.
стр. 668
٦ ــ ومنها: أن من استغاث بالرسل، أو غيرهم من المخلوقات فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد ضل في دينه، وسفه في عقله، وأتى الشرك الأكبر.
القرآن
( وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة: ١٦٧)
التفسير:
﴿١٦٧﴾ قوله تعالى: ﴿وقال الذين اتبعوا﴾: هم الأتباع.
قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾؛ ﴿لو﴾ هنا ليست شرطية؛ ولكنها للتمني؛ يعني: ليت لنا كرة فنتبرأ؛ والدليل على أنها للتمني أن الفعل نصب بعدها؛ وهو منصوب بـ «أنْ» المضمرة بعد الفاء السببية؛ و «لو» تأتي في اللغة العربية على ثلاثة أوجه: تكون شرطية؛ وتكون للتمني؛ وتكون مصدرية؛ فـ ﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿وودوا لو تكفرون﴾ [الممتحنة: ٢] مصدرية؛ و ﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] شرطية؛ ﴿لو﴾ في قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾ للتمني؛ ومثلها قوله تعالى: ﴿فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾ [الشعراء: ١٠٢].
و «الكرة» الرجوع إلى الشيء؛ والمراد هنا: الرجوع إلى الدنيا؛ فنتبرأ منهم في الدنيا إذا رجعنا كما تبرءوا منا هنا في الآخرة؛ فنجازيهم بما جازونا به؛ لكن أنى لهم ذلك!!! فهذا التمني لا ينفعهم؛ ولذلك قال الله : ﴿كذلك
стр. 669
يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾؛ و ﴿كذلك﴾: الكاف: اسم بمعنى «مثل»؛ وهي مفعول مطلق عامله الفعل بعده؛ وهذا كثيراً ما يأتي في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقوله تعالى: ﴿يريهم﴾ من: أرى يُري؛ فزيادة الهمزة جعلتها تنصب ثلاثة مفاعيل؛ الأول: الضمير، والثاني: ﴿أعمالهم﴾؛ والثالث: ﴿حسرات﴾؛ و ﴿حسرات﴾ جمع حسرة؛ وهي الندم مع الانكماش، والحزن؛ فهؤلاء الأتباع شعورهم بالندم، والخيبة، والخسران لا يتصور؛ فالأعمال التي عملوها لهؤلاء المتبوعين صارت - والعياذ بالله - خسارة عليهم، وندماً؛ ضاعت بها دنياهم، وآخرتهم؛ وهذا أعظم ما يكون من الحسرة.
قوله تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾، أي أنهم خالدون فيها.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرءوا من متبوعيهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة؛ وهو غير ممكن؛ وما يزيدهم هذا إلا حسرة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.
٢ ــ ومنها: تحسر هؤلاء، وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح؛ فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسراً لا نظير له لا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن العتبى منه.
стр. 670
٣ ــ ومنها: إثبات نكال الله بهم؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.
٤ ــ ومنها: أن المشركين مخلدون في النار لا يخرجون منها؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾؛ وقد ذكر الله الخلود الأبدي في النار في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء؛ وفي سورة الأحزاب؛ وفي سورة الجن؛ وبه يبطل قول من ادعى أن النار تفنى؛ لأن خلود الماكث الأبدي يدل على خلود مكانه.
٥ ــ ومنها: إثبات النار، وأنها حق.
القرآن
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة: ١٦٨)
التفسير:
﴿١٦٨﴾ هذه الآية جاءت في سورة البقرة؛ وسورة البقرة مدنية؛ وقد سبق أنه جاء أيضاً مثلها: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ وقد ذكر كثير من المؤلفين في أصول التفسير أن الغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٠٤]؛ لأن الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة صارت المدينة بلاد إسلام؛ وهي أول بلد إسلامي يحكمه المسلمون في هذه الرسالة؛ فصار التوجه إليها بالخطاب بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ لكنها ليست قاعدة؛ ولكنها ضابط يخرج منه بعض
стр. 671
المسائل؛ لأن من السور المدنية فيها ﴿يا أيها الناس﴾، كسورة النساء، وسورة الحجرات.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾؛ ﴿الناس﴾ أصلها: الأناس؛ وحذفت الهمزة منها تخفيفاً؛ والمراد بـ ﴿الناس﴾ بنو آدم.
قوله تعالى: ﴿كلوا مما في الأرض﴾؛ «مِن» يحتمل أن تكون لبيان الجنس؛ ويحتمل أن تكون للتبعيض؛ لكن كونها لبيان الجنس أولى؛ ويرجحه قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة: ٢٩]؛ أي كلوا من هذا ما شئتم؛ ويشمل كل ما في الأرض من أشجار، وزروع، وبقول، وغيرها؛ ومن حيوان أيضاً؛ لأنه في الأرض.
قوله تعالى: ﴿حلالًا﴾: منصوبة على الحال من «ما»؛ أي كلوه حال كونه حلالاً - أي محللاً -؛ فهي بمعنى اسم المفعول؛ و ﴿طيباً﴾ حال أخرى - يعني: حال كون طيباً - مؤكد لقوله تعالى: ﴿حلالًا﴾؛ ويحتمل أن يكون المراد بـ «الحلال» ما كان حلالاً في كسبه؛ وبـ «الطيب» ما كان طيباً في ذاته؛ لقول الله : ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى في الميتة، ولحم الخنزير: ﴿فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ وهذا أولى؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد.
قوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾؛ ﴿لا﴾ ناهية؛ و «اتباع الخطوات» معناه: أن يتابع الإنسان غيره في عمله، كمتبع الأثر الذي يتبع أثر البعير، وأثر الدابة، وما أشبهها؛ و ﴿خطوات الشيطان﴾ أي أعماله التي يعملها، ويخطو إليها؛ وهو شامل للشرك فما دونه؛ فإن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ قال
стр. 672
تعالى: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾ [النور: ٢١]؛ فكل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان سواء كان عن استكبار، أو تكذيب، أو استهزاء، أو غير ذلك؛ لأنه يأمر به، وينادي به، ويدعو إليه؛ و ﴿الشيطان﴾ من: شطن؛ فالنون أصلية؛ وليس من «شاط»؛ لأنه مصروف في القرآن؛ قال تعالى: ﴿وما هو بقول شيطانٍ رجيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥]؛ ولو كان من «شاط» لكانت النون زائدة، والألف زائدة؛ فيكون ممنوعاً من الصرف؛ إلا أنه قد يقال: لا يمنع من الصرف؛ لأن مؤنثه: شيطانة؛ والذي يمنع من الصرف إذا كان مؤنثه «فعلى»، كـ «سكران»، و «سكرى»؛ ومعنى «شطن» بعُد؛ فسمي الشيطان بذلك لبعده عن رحمة الله .
قوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾؛ محل هذه الجملة استئنافية تعليل لما قبلها؛ والعدو ضد الصديق؛ وإن شئت فقل: ضد الولي؛ لقوله تعالى: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾؛ وقد حده الفقهاء ﵏ بقولهم: من سره مساءة شخص؛ أو غمه فرحه فهو عدو؛ فالعدو من يحزن لفرحك، ويُسَرّ لحزنك.
وقوله تعالى: ﴿مبين﴾ أي ظاهر العداوة؛ وقد كان عدواً لأبينا آدم ﷺ ؛ فما زالت عداوته إلى قيام الساعة؛ وقال تعالى عنه: ﴿لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً * ولأضلنَّهم ولأمنينَّهم ولآمرنَّهم فليبتكنَّ آذان الأنعام ولآمرنَّهم فليغيرنَّ خلق الله﴾ [النساء: ١١٨، ١١٩]، ثم قال تعالى: ﴿ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً﴾ [النساء: ١١٩].
стр. 673
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: إظهار منة الله على عباده، حيث أباح لهم جميع ما في الأرض من حلال طيب؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾.
٢ ــ ومنها: أن الأصل فيما في الأرض الحل والطيب حتى يتبين أنه حرام.
٣ ــ ومنها: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾؛ وهم داخلون في هذا الخطاب؛ ومخاطبتهم بفروع الشريعة هو القول الصحيح؛ ولكن ليس معنى خطابهم بها أنهم ملزمون بها في حال الكفر؛ لأننا ندعوهم أولاً إلى الإسلام، ثم نلزمهم بأحكامه؛ وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ والدليل على الأول قوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ [التوبة: ٥٤]؛ فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؛ هذا عبث، وظلم؛ وأما الدليل على الثاني فقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]؛ ولهذا لم يأمر النبي ﷺ أحداً ممن أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات حال كفره؛ والفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها - كما قال أهل العلم - زيادة عقوبتهم في الآخرة؛ وهذا يدل عليه قوله تعالى: (إلا أصحاب اليمين* في جنات يتساءلون* عن المجرمين* ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين* وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين﴾ [المدثر: ٣٩ ــ ٤٧].
٤ ــ ومن فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله
стр. 674
تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾؛ ومن ذلك الأكل بالشمال، والشرب بالشمال؛ لقول النبي ﷺ : «لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (١)؛ ومن اتباع خطوات الشيطان القياس الفاسد؛ لأن أول من قاس قياساً فاسداً هو إبليس؛ لأن الله لما أمره بالسجود لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد: قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ [ص~: ٣٨]؛ يعني: فكان الأولى هو الذي يسجد؛ فهذا قياس في مقابلة النص؛ فاسد الاعتبار؛ ومن اتباع خطوات الشيطان أيضاً الحسد؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسداً لآدم؛ وهو أيضاً دأب اليهود، كما قال تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩]؛ وكل خُلق ذميم، أو عمل سوء، فإنه من خطوات الشيطان.
٥ ــ ومن فوائد الآية: تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾؛ فإن الجملة مؤكدة بـ «إن».
٦ ــ ومنها: ظهور بلاغة القرآن؛ وذلك لقرن الحُكم بعلته؛ فإن قرن الحكم بعلته له فوائد؛ منها معرفة الحكمة؛ ومنها زيادة طمأنينة المخاطب؛ ومنها تقوية الحكم؛ ومنها عموم الحكم بعموم العلة ــ يعني القياس ــ؛ مثاله قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فإن مقتضى هذا التعليل أن كل ما كان نجساً فهو محرم.
стр. 675
٧ ــ ومنها: التحذير الشديد من اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾؛ وما أظن أحداً عاقلاً يؤمن بعداوة أحد ويتبعه أبداً.
القرآن
( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٦٩)
التفسير:
﴿١٦٩﴾ قوله تعالى: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء﴾؛ ﴿إنما﴾ أداة حصر؛ و «الحصر» إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه، كما لو قلت: «إنما القائم زيد»؛ أثبتَّ القيام لزيد، ونفيته عمن سواه؛ يعني ما يأمركم إلا بالسوء والفحشاء ... إلخ.
وقوله تعالى: ﴿يأمركم﴾ أي الشيطان؛ والخطاب للناس جميعاً؛ لأن الآيات كلها سياقها للناس.
وقوله تعالى: ﴿بالسوء﴾ أي كل ما يسوء من المعاصي الصغيرة؛ أي السيئات؛ و ﴿الفحشاء﴾ أي المعاصي الكبيرة، كالزنا؛ فهو يأمر بهذا، وبهذا؛ مع أن المعاصي الصغار تقع مكفّرة بالأعمال الصالحة إذا اجتنبت الكبائر؛ لكنه يأمر بها؛ لأنه إذا فعلها الإنسان مرة بعد أخرى فإنه يفسق، ويقسو قلبه؛ ثم لا ندري أتقوى هذه الأعمال الصالحة على تكفير السيئات، أم يكون فيها خلل، ونقص يمنع من تكفيرها السيئات.
قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿بالسوء﴾ يعني أن الشيطان يأمركم أن تقولوا
стр. 676
على الله ما لا تعلمون ــ أي تنسبوا إليه القول من غير علم ــ؛ وعطْف ﴿أن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ على ﴿السوء والفحشاء﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ فإنه داخل إما في السوء، أو الفحشاء؛ وهو أيضاً إلى الفحشاء أقرب.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن للشيطان إرادة، وأمراً؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يأمركم﴾.
٢ ــ ومنها: أن الشيطان لا يأمر بالخير؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء﴾؛ وهذا حصر بـ ﴿إنما﴾؛ وهو يوازن: ما يأمركم إلا بالسوء والفحشاء.
٣ ــ ومنها: أن الإنسان إذا وقع في قلبه همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان، فليستعذ بالله منه؛ لقوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
٤ ــ ومنها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾؛ والقول على الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قاله؛ هذا جائز؛ ويصل إلى حد الوجوب إذا دعت الحاجة إليه.
القسم الثاني: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال خلافه؛ فهذا حرام؛ وهذا أشد الأقسام لما فيه من محادة الله.
القسم الثالث: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله؛ وهذا حرام أيضاً.
стр. 677
فصار القول على الله حراماً في حالين؛ إحداهما: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله، أم لم يقله؛ والثانية: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال خلافه.
وقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ يشمل القول على الله في ذاته، كالقائلين أنه ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا فوق العالم، ولا تحت؛ هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ بل بما يُعلم أن الأمر بخلافه.
ويشمل القول على الله في أسمائه، مثل أن يقول: إن أسماء الله أعلام مجردة لا تحمل معاني، ولا صفات: فهو سميع بلا سمع؛ وبصير بلا بصر؛ وعليم بلا علم؛ فهو عليم بذاته ــ لا بعلم هو وصفه
ويشمل أيضاً من قال في صفات الله ما لا يعلم، مثل أن يثبتوا بعض الصفات دون بعض، فيقولون فيما نفوه: أراد به كذا، ولم يرد به كذا؛ فقالوا على الله بلا علم من وجهين:
الوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم.
والثاني: أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده؛ فقالوا مثلاً: ﴿استوى على العرش﴾ [الأعراف: ٥٤] بمعنى استولى عليه؛ قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم؛ والثاني: إثباتهم أنها بمعنى الاستيلاء بلا علم.
كذلك يشمل القول على الله بلا علم في أفعاله، مثل أن يثبتوا أسباباً لم يجعلها الله أسباباً، كمثل المنجمين، والخرَّاصين، وشبههم؛ هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته؛
стр. 678
فيقولون: سبب وجود هذا وهذا كذا؛ وهو لا يُعلم أنه سبب له كوناً، ولا شرعاً.
ويشمل أيضاً القول على الله بلا علم في أحكامه؛ مثل أن يقول: «هذا حرام» وهو لا يعلم أن الله حرمه؛ أو «واجب» وهو لا يعلم أن الله أوجبه؛ وهم كثيرون جداً؛ ومنهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذي يظنون أنهم علماء وليس عندهم علم؛ ومن الأشياء التي مرت عليّ قريباً، وهي غريبة: أن رجلاً ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق؛ فقال له: «طلق امرأتك طلقتين؛ أنا لا أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]»؛ فقال له الرجل: «اكتب أني طلقت امرأتي مرتين»؛ وهذا جهل مركب منافٍ لمعنى الآية؛ لأن معناها أن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة هو الطلقة الأولى، والطلقة الثانية؛ فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
فالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان؛ والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف، والسيادة، والجاه؛ وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله ، ولم يتقدم بين يدي الله ورسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم.
فإذا قال قائل: ألستم تبيحون الفتوى بالظن عند تعذر اليقين؟
فالجواب: بلى؛ بشرط أن يكون لهذا الظن أساس شرعي ــ من اجتهاد، أو تقليد لمن هو أهل لذلك ــ يبنى عليه؛ فإذا أفتينا بالظن لتعذر اليقين فقد أفتينا بما أذن الله لنا فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله
стр. 679
نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ ومعلوم أن القول بغلبة الظن خير من التوقف؛ وكثير من مسائل الفقه التي تكلم فيها الفقهاء، واختلفوا فيها من هذا الباب؛ لأنها لو كانت يقينية لم يحصل فيها اختلاف؛ ثم إن الشيء قد يكون يقيناً عند شخص لإيمانه، وكثرة علمه، وقوة فهمه؛ ومظنوناً عند آخر لنقصه في ذلك.
٥ ــ ومنها: تحريم الفتوى بلا علم؛ فإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله؛ وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].
٦ ــ ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله، وصفاته؛ لأنهم قالوا على الله بلا علم.
٧ ــ ومنها: وجوب تعظيم الله ؛ لأنه تعالى حرم القول عليه بلا علم تعظيماً له، وتأدباً معه؛ وقد قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ [الحجرات: ١].
القرآن
( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة: ١٧٠)
التفسير:
﴿١٧٠﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم﴾؛ ﴿قيل﴾ مبني
стр. 680
أصلها «قُوِل»؛ لكن صار فيها إعلال؛ وهي أن الواو مكسورة فقلبت ياءً، فكُسر ما قبلها للمناسبة؛ و ﴿لهم﴾ أي للكفار.
قوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل الله﴾ عقيدةً، وقولاً، وفعلاً؛ و ﴿ما﴾ اسم موصول يفيد العموم فتشمل جميع ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب، والحكمة؛ وقد قال كثير من أهل العلم: «الحكمة» هي السنة؛ فإذا قيل لهم هذا القول لا يلينون، ولا يُقبلون؛ بل يكابرون.
قوله تعالى: ﴿قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾؛ ﴿بل﴾ هذه للإضراب الإبطالي؛ يعني: قالوا مبطلين هذا القول الذي قيل لهم: ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾؛ ﴿ما﴾ اسم موصول؛ ﴿ألفينا﴾ أي وجدنا، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا﴾ [لقمان: ٢١]؛ والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
وقوله تعالى: ﴿ما ألفينا عليه آباءنا﴾ يعني ما وجدناهم عليه من العقيدة والعمل، حقاً كان أو باطلاً؛ و ﴿آباءنا﴾ يشمل الأدنى منهم، والأبعد؛ وجوابهم هذا باطل خطأ؛ ولهذا أبطله الله تعالى في قوله: ﴿أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون﴾؛ والمعنى: أيتبعون آباءهم ولو كان آباؤهم في هذه الحال التي لا يستحقون أن يُتَّبعوا فيها لا يعقلون شيئاً؛ والمراد بالعقل هنا عقل الرشد؛ لا عقل الإدراك؛ فآباؤهم أذكياء، ويدركون ما ينفعهم، وما يضرهم؛ لكن ليس عندهم عقل رشد - وهو حسن تصرف -.
وقوله تعالى: ﴿شيئاً﴾ نكرة في سياق النفي؛ والنكرة في سياق النفي للعموم؛ فإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئاً حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا
стр. 681
يحسنون التصرف: فهم يبيعون، ويشترون، ويتحرون الأفضل، والأحسن لهم؟ فيقال: هذا ليس بشيء بالنسبة إلى ما يتعلق بأمور الآخرة؛ أو يقال: إن المراد بهذا العموم الخصوص؛ أي لا يعقلون شيئاً من أمور دينهم لأن المقام هنا مقام منهاج، وعمل، وليس مقام دنيا، وبيع، وشراء؛ فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿شيئاً﴾ شيئاً من أمور الآخرة؛ وكلا الاحتمالين يرجع إلى معنى واحد.
قوله تعالى: ﴿ولا يهتدون﴾ أي لا يعملون عمل العالم المهتدي؛ وبهذا انتفى عنهم الرشد في العمل؛ والعلم في طريق العمل وهؤلاء الذين بهذا الوصف لا يعقلون ولا يهتدون لا يستحقون أن يتبعوا؛ ولهذا جاءت همزة الإنكار في قوله تعالى (أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)؛ وأقرب شبه لهؤلاء الآية التي بعدها.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى؛ لقوله تعالى: ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾؛ مع أن آباءهم لا عقل عندهم، ولا هدى.
٢ ــ ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء؛ والواجب أن الإنسان إذا قيل له: «اتبع ما أنزل الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا».
٣ ــ ومنها: أنه لا يجب الانقياد إلا لما أنزل الله ــ وهو الكتاب، والحكمة ــ.
٤ ــ ومنها: بيان عناد هؤلاء المستكبرين الذين إذا قيل لهم: ﴿اتبعوا ما أنزل الله﴾ قالوا: ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ دون أن يقيموا برهاناً على صحته.
стр. 682
٥ ــ ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: ﴿لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون﴾.
القرآن
( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (البقرة: ١٧١)
التفسير:
﴿١٧١﴾ قوله تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾ يعني كمثل الراعي الذي ينادي.
قوله تعالى: ﴿بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً﴾ وهم البهائم؛ فهؤلاء مثلهم كمثل إنسان يدعو بهائم لا تفهم إلا الصوت دعاءً، ونداءً؛ و «الدعاء» إذا كان يدعو شيئاً معيناً باسمه؛ و «النداء» يكون للعموم؛ هناك بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه؛ والنداء العام لجميع البهائم هذا لا يختص به واحدة دون أخرى؛ فتقبل الإبل جميعاً؛ لكن مع ذلك لا تقبل على أساس أنها تعقل، وتفهم، وتهتدي؛ ربما يناديها لأجل أن ينحرها؛ هؤلاء الكفار مثلهم ــ في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذه الحال التي عليها آباؤهم ــ كمثل هذا الناعق بالماشية التي لا تسمع إلا دعاءً، ونداءً.
قوله تعالى: ﴿صم﴾ جمع أصم؛ وهو الذي لا يسمع؛ وهي خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: هم صم؛ و ﴿بكم﴾ جمع أبكم؛ وهو الذي لا ينطق؛ و ﴿عمي﴾ جمع أعمى؛ وهو الذي لا
стр. 683
يبصر؛ أي فهم صم عن سماع الحق؛ ولكن سماع غيره لا فائدة منه؛ فهو كالعدم؛ وهم بُكم لا ينطقون بالحق؛ ونطقهم بغير الحق كالعدم؛ لعدم نفعه؛ وهم كذلك عُمي لا يبصرون الحق؛ وإبصارهم غير الحق لا ينتفعون به.
قوله تعالى: ﴿فهم لا يعقلون﴾ أي لكونهم صماً بكماً عمياً فهم لا يعقلون عقل رشد ــ وإن كان عندهم عقل إدراك ــ؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل؛ ورتب الله انتفاء العقل عنهم على كونهم صماً بكماً عمياً؛ لأن هذه الحواس وسيلة العقل والإدراك.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي لا تسمع إلا صوتاً دعاءً، ونداءً؛ لا تسمع شيئاً تعقله، وتعرف فائدته، ومضرة مخالفته.
٢ ــ ومنها: أن هؤلاء قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من حق، ولا يقولون به؛ فهُمْ: ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾.
٣ ــ ومنها: أن لهؤلاء أمثالاً يدعون بدعوى الجاهلية، كأولئك الذين يدعون إلى القومية: فإن مثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً، ونداءً؛ وهذه الدعوى لا يفكر الدعاة لها فيما يترتب عليها من تفريق المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وكونهم يجعلون الرابطة هي اللغة، أو القومية، فيدخل فيها غير المسلم ممن تشملهم القومية، ويخرج بها مسلمون كثيرون ممن لا تشملهم القومية؛ لكن الرابطة الدينية التي قال الله سبحانه وتعالى
стр. 684
فيها: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]؛ هذه تدخل جميع المؤمنين ــ ولو من غير العرب ــ؛ وتخرج من ليس بمؤمن ــ ولو كان عربياً ــ؛ فهذا إبراهيم ﵇ قال الله عنه: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم﴾ [التوبة: ١١٤]؛ وقد حثنا الله على التأسي بإبراهيم ﵇، حيث قال : ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: ٤]، ولما قال نوح ﵇: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق﴾ [هود: ٤٥] قال الله له: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ [هود: ٤٥]؛ فكون الناس انجرفوا في هذه الدعوى الباطلة ــ دعوى القومية ــ هو داخل في هذه الآية: أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً.
القرآن
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: ١٧٢)
التفسير:
﴿١٧٢﴾ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ سبق الكلام على ذكر فوائد تصدير الخطاب بالنداء، وبوصف الإيمان
стр. 685
للمنادى؛ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى.
قوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾: الأمر هنا للامتنان، والإباحة؛ و ﴿مِن﴾ هنا الظاهر أنها لبيان الجنس؛ لا للتبعيض؛ والمراد بـ «الطيب»: الحلال في عينه، وكسبه؛ وقيل: المراد بـ «الطيب»: المستلذ، والمستطاب.
قوله تعالى: ﴿واشكروا لله﴾؛ «الشكر» في اللغة: الثناء؛ وفي الشرع: القيام بطاعة المنعم؛ وإنما فسرناها بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله﴾» (١)؛ فالشكر الذي أُمر به المؤمنون بإزاء العمل الصالح الذي أُمر به المرسلون؛ والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
قوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾؛ ﴿إن﴾ شرطية؛ وفعل الشرط: ﴿كنتم﴾؛ و ﴿إياه﴾ مفعول لـ ﴿تعبدون﴾ مقدم؛ وجملة: ﴿تعبدون﴾ خبر كان؛ وجواب الشرط: قيل: إنه لا يحتاج في مثل هذا التعبير إلى جواب؛ وهو الصحيح؛ وقيل: إن جوابها محذوف يفسره ما قبله؛ والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له؛ و «العبادة» هي التذلل لله بالطاعة؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ مأخوذة من قولهم: طريق معبَّد ــ يعني مذللاً للسالكين ــ؛ يعني: إن كنتم تعبدونه حقاً فكلوا من رزقه، واشكروا له.
стр. 686
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، حيث وجَّه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾.
٢ ــ ومنها: الأمر بالأكل من طيبات ما رزق الله؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾؛ وهو للوجوب إن كان الهلاك، أو الضرر بترك الأكل.
٣ ــ ومنها: أن الخبائث لا يؤكل منها؛ لقوله تعالى: ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾؛ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾.
٤ ــ ومنها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله؛ وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط؛ لقوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧].
٥ ــ ومنها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾؛ فإذا كان هذا الرزق من الله فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بها.
٦ ــ ومنها: وجوب الشكر لله؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لله﴾.
٧ ــ ومنها: وجوب الإخلاص لله في ذلك؛ يؤخذ ذلك من اللام في قوله تعالى: ﴿لله﴾.
٨ ــ ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾.
٩ ــ ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ يؤخذ ذلك من تقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿إياه تعبدون﴾.
стр. 687
١٠ ــ ومنها: إثبات رحمة الله بعباده من وجهين:
أولاً: من أمره إياهم بالأكل من الطيبات؛ لأن بذلك حفظاً لصحتهم.
ثانياً: من قوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾؛ فإن الرزق بلا شك من رحمة الله.
١١ ــ ومنها: الرد على الجبرية من قوله تعالى: ﴿كلوا﴾، و ﴿اشكروا﴾، و ﴿تعبدون﴾؛ كل هذه أضيفت إلى فعل العبد؛ فدل على أن للعبد فعلاً يوجه إليه الخطاب بإيجاده؛ ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إليه بإيجاده من تكليف ما لا يطاق.
١٢ ــ ومنها: التنديد بمن حرموا الطيبات، كأهل الجاهلية الذين حرموا السائبة، والوصيلة، والحام.
القرآن
( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ١٧٣)
التفسير:
مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة؛ لأنه لما أمر بالأكل من الطيبات بين ما حرم علينا من الخبائث.
﴿١٧٣﴾ قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾؛ ﴿إنما﴾ أداة حصر؛ و «الحصر» إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه؛ فالتحريم محصور في هذه الأشياء؛ والمعنى: ما حرم عليكم
стр. 688
إلا الميتة ... ؛ و «التحريم» بمعنى المنع؛ ومعنى ﴿حرم عليكم﴾ أي منعكم ــ أي حرم عليكم أكلها ــ؛ والدليل أنه حرم أكلها الآية التي قبلها: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ ثم قال تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾؛ فكأنه قال: «كلوا» ثم استثنى فقال: ﴿إنما حرم عليكم الميتة ... ﴾ أي فلا تأكلوها؛ و ﴿الميتة﴾ في اللغة ما مات حتف أنفه ــ يعني بغير فعل من الإنسان ــ؛ أما في الشرع: فهي ما مات بغير ذكاة شرعية، كالذي مات حتف أنفه؛ أو ذبح على غير اسم الله؛ أو ذبح ولم ينهر الدم؛ أو ذكاه من لا تحل تذكيته، كالمجوسي، والمرتد.
قوله تعالى: ﴿والدم﴾ يعني: وحرم عليكم الدم؛ و «الدم» معروف؛ والمراد به هنا الدم المسفوح دون الذي يبقى في اللحم، والعروق، ودم الكبد، والقلب؛ لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥].
قوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾ أي: وحرم عليكم لحم الخنزير؛ و «الخنزير» حيوان معروف قذر؛ قيل: إنه يأكل العذرات.
قوله تعالى: ﴿وما أهلَّ به لغير الله﴾ يعني: وحرم عليكم ما أهلَّ به لغير الله؛ و «الإهلال» هو رفع الصوت؛ ومنه الحديث: «إذا استهل المولود ورث» (١)؛ والمراد به هنا ما ذكر عليه اسم
стр. 689
غير الله عند ذبحه مثل أن يقول: «باسم المسيح»، أو «باسم محمد»، أو «باسم جبريل»، أو «باسم اللات»، ونحو ذلك.
قوله تعالى: ﴿فمن اضطر﴾: فيها قراءتان: بكسر النون؛ وضمها؛ فأما الكسر فعلى القاعدة من أنه إذا التقى ساكنان كسر الأول منهما؛ وأما الضم فمن أجل الإتباع لضمة الطاء؛ و ﴿مَن﴾ هنا شرطية؛ و ﴿اضطر﴾ فعل ماضٍ مبني لما لم يسم فاعله؛ أي ألجأته الضرورة للأكل؛ والضرورة فوق الحاجة؛ فالحاجة كمال؛ والضرورة ضرورية يكون الضرر منها.
قوله تعالى: ﴿غير باغٍ ولا عادٍ﴾ بنصب ﴿غير﴾ على الحال من نائب الفاعل في ﴿اضطر﴾؛ و «الباغي» الطالب لأكل الميتة من غير ضرورة؛ و «العادي» المتجاوز لقدر الضرورة؛ هذا هو الراجح في تفسيرهما؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣]؛ والله أباح لنا الميتة بثلاثة شروط:
١ - الضرورة.
٢ - أن لا يكون مبتغياً - أي طالباً لها -.
٣ - أن لا يكون متجاوزاً للحد الذي تندفع به الضرورة.
وبناءً على هذا ليس له أن يأكل حتى يشبع إلا إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب؛ وهذا هو الصحيح؛ ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأكل ما يسد رمقه، ويأخذ شيئاً منها يحمله معه ــ إن اضطر إليه أكل، وإلا تركه ــ لكان قولاً جيداً.
стр. 690
قوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾: هذا جواب ﴿مَن﴾؛ وقرن بالفاء؛ لأن الجملة اسمية؛ وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية وجب قرنها بالفاء؛ وقوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ أي فلا عقوبة عليه، أو فلا جناح.
قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾؛ هذا تعليل للحكم؛ فالحكم انتفاء الإثم؛ والعلة: ﴿إن الله غفور رحيم﴾؛ ﴿غفور﴾ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة - وقد ورد أن من صيغ المبالغة «فعول» - لكثرة مغفرته ، وكثرة من يغفر لهم؛ فالكثرة هنا واقعة في الفعل، وفي المحل؛ في الفعل: كثرة غفرانه لذنوب عباده؛ وفي المحل: كثرة المغفور لهم؛ ويحتمل أن تكون صفة مشبهة؛ و «الغفور» مأخوذ من الغَفْر؛ وهو الستر مع الوقاية؛ وليس الستر فقط؛ ومنه سمي «المغفر» الذي يغطى به الرأس عند الحرب؛ لأنه يتضمن الستر، والوقاية؛ ويدل لذلك قوله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وحاسبه: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١).
وقوله تعالى: «الرحيم» صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة؛ والرحمة صفة من صفات الله الذاتية الفعلية؛ فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية؛ وباعتبار تجدد من يرحمه الله صفة فعلية؛ ولهذا علقها الله بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١] فهي صفة حقيقية ثابتة لله ؛ وأهل التأويل ــ والأصح أن نسميهم أهل التحريف ــ يقولون: إن الرحمة غير حقيقية؛ وأن المراد
стр. 691
برحمة الله إحسانه؛ أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة؛ وإما بالفعل؛ وهذا لا شك أنه خطأ؛ وحجتهم: أنهم يقولون: إن الرحمة رقة، ولين؛ والرقة، واللين لا تناسبان عظمة الخالق ؛ فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فإنها تليق به ؛ ولا تتضمن نقصاً؛ فهو ذو رحمة بالغة، وسلطان تام؛ فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين.
وهنا مسائل تتعلق بالآية:
١ ــ نجاسةُ الميتة حسيةٌ.
٢ ــ الذي يعيش في البر والبحر يعطى حكم البر تغليباً لجانب الحظر.
٣ ــ بالنسبة لميتة الآدمي ــ إذا اضطر إليها الإنسان ــ اختلف فيها أهل العلم ــ؛ فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يجوز أن يأكلها ــ ولو اضطر ــ؛ وقالت الشافعية: «إنه يجوز أكلها عند الضرورة» ــ وهو الصحيح ــ.
٤ ــ كل المحرمات إذا اضطر إليها، وزالت بها الضرورة كانت مباحة؛ قلنا: «وزالت بها الضرورة» احترازاً مما لا تزول به الضرورة، كما إذا ما اضطر الإنسان إلى أكل سمّ ــ فلا يجوز أن يأكل ــ؛ لأنه لا تزول بها ضرورته؛ بل يموت به؛ ولو اضطر إلى شرب خمر لعطش لم يحل له؛ لأنه لا تزول به ضرورته؛ ولذلك لو احتاج إلى شربه لدفع لقمة غص بها حلّ له؛ لأنه تزول به ضرورته.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير لله.
стр. 692
٢ ــ ومنها: أن التحريم والتحليل إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم﴾.
٣ ــ ومنها: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿إنما﴾؛ لأنها أداة حصر؛ لكن هذا الحصر قد بُين أنه غير مقصود؛ لأن الله حرم في آية أخرى غير هذه الأشياء: حرم ما ذبح على النصب - وليس من هذه الأشياء -؛ وحرم النبي ﷺ كل ذي ناب من السباع (١)، وكل ذي مخلب من الطير (٢) - وليس داخلاً في هذه الأشياء -؛ وحرم النبي ﷺ الحمر الأهلية (٣) - وليس داخلاً في هذه الأشياء -؛ فيكون هذا الحصر غير مقصود بدلالة القرآن، والسنة.
٤ ــ ومن فوائد الآية: تحريم جميع الميتات؛ لقوله تعالى: ﴿والميتة﴾؛ و «أل» هذه للعموم إلا أنه يستثنى من ذلك السمك، والجراد ــ يعني ميتة البحر، والجراد ــ؛ للأحاديث الواردة في ذلك؛ والمحرم هنا هو الأكل؛ لقول النبي ﷺ في الميتة: «إنما حرم
стр. 693
أكلها» (١)؛ ويؤيده أن الله قال هنا: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]، ثم قال تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾؛ لأن السياق في الأكل؛ ويدخل في تحريم أكل الميتة جميع أجزائها.
٥ ــ ومن فوائد الآية: تحريم الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: ﴿والدم﴾.
٦ ــ ومنها: تحريم لحم الخنزير؛ لقوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾؛ وهو شامل لشحمه، وجميع أجزائه؛ لأن اللحم المضاف للحيوان يشمل جميع أجزائه؛ لا يختص به جزء دون جزء؛ اللهم إلا إذا قُرن بغيره، مثل أن يقال: «اللحم، والكبد»، أو «اللحم، والأمعاء»، فيخرج منه ما خصص.
٧ ــ ومنها: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾.
٨ ــ ومنها: تحريم ما ذبح لغير الله ــ ولو ذكر اسم الله عليه ــ، مثل أن يقول: «بسم الله والله أكبر؛ اللهم هذا للصنم الفلاني»؛ لأنه أهل به لغير الله.
٩ ــ ومنها: أن الشرك قد يؤثر الخبثَ في الأعيان ــ وإن كانت نجاسته معنوية ــ؛ هذه البهيمة التي أَهل لغير الله بها نجسة خبيثة محرمة؛ والتي ذكر اسم الله عليها طيبة حلال؛ تأمل خطر
стр. 694
الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوسات؛ وهو جدير بأن يكون كذلك؛ لهذا قال الله : ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] مع أن بدن المشرك ليس بنجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي، وفساد عقيدته وطويته صار مؤثراً حتى في الأمور المحسوسة.
١٠ ــ ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله.
١١ ــ ومنها: أن الضرورة تبيح المحظور؛ لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾؛ ولكن هذه الضرورة تبيح المحرم بشرطين:
الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناول المحرم.
الشرط الثاني: زوال الضرورة به حيث يندفع الضرر.
فإن كان يمكن دفع الضرورة بغيره لم يكن حلالاً، كما لو كان عنده ميتة ومذكاة، فإن الميتة لا تحل حينئذ؛ لأن الضرورة تزول بأكل المذكاة؛ ولو كان عطشان، وعنده كأس من خمر لم يحل له شربها؛ لأن ضرورته لا تزول بذلك؛ إذا لا يزيده شرب الخمر إلا عطشاً؛ ولهذا لو غص بلقمة، وليس عنده ما يدفعها به إلا كأس خمر كان شربها لدفع اللقمة حلالاً.
١٢ ــ ومن فوائد الآية: إثبات رحمة الله ؛ لأن من رحمة الله أن أباح المحَرَّمَ للعبد لدفع ضرورته.
١٣ ــ ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها على أحد الاحتمالين؛ فإن حل الميتة للمضطر يحتمل حالين:
الأولى: أن نقول: إن الله على كل شيء قدير؛ فالذي
стр. 695
جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة، مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل حال حلها، ثم أصبحت بعد تحريمها خبيثة لا تؤكل؛ فالله هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء؛ فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطر عبده إليها طيبة.
الحال الثانية: أنها ما زالت على كونها خبيثة؛ لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة؛ وتكون الضرورة واقية من مضرتها؛ فتناولها للضرورة مباح؛ وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية منه.
والحالان بينهما فرق؛ لأنه على الحال الأولى انقلبت من الرجس إلى الطهارة؛ وعلى الحال الثانية هي على رجسيتها لكن هناك ما يقي مضرتها - وهو الضرورة -؛ وهذه الحال أقرب؛ لأنه لو كان عند الضرورة يزول خبثها لكانت طيبة تحل للمضطر، وغيره؛ ويؤيده الحس: فإن النفس كلما كانت أشد طلباً للشيء كان هضمه سريعاً، بحيث لا يتضرر به الجسم؛ وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعاماً على طعام يتأخر هضم الأول، والثاني - مع ما يحصل فيه من الضرر -؛ لكن إذا أكلت طعاماً وأنت جائع فإنه ينهضم بسرعة؛ ويشهد لهذا ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد؛ فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر؛ فأكل منه النبي ﷺ ، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي ﷺ : «تأكل تمراً وبك رمد» ـ لأن المعروف أن التمر يزيد في وجع العين - فقال: «إني أمضَغ من ناحية أخرى» (١) أي إذا
стр. 696
كانت اليمنى هي المريضة بالرمد أمضغه على الجانب الأيسر؛ فضحك النبي ﷺ ، ومكنه من أكله؛ قال ابن القيم ﵀: «إن الحكمة في أن الرسول مكنه - مع أن العادة أن هذا ضرر -؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول بها الضرر: ينهضم سريعاً، ويتفاعل مع الجسم، ويذهب ضرره».
١٤ ــ ومن فوائد الآية: أن من تناول المحرم بدون عذر فهو آثم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾؛ فعُلم منها أن من كان غير مضطر فعليه إثم.
١٥ ــ ومن فوائد الآية عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص؛ لقوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد فإنهم قالوا: إن المراد بـ «الباغي» الخارج عن الإمام؛ و «العادي» العاصي بسفره؛ وقالوا: إن العاصي بسفره؛ أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخصة من رخص السفر: فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح الخف ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، ولا يفطر في رمضان؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم تفصيله في كتب الفقه.
تنبيه:
قد يقال إنه يستفاد من إباحة المحرم عند الضرورة: وجوب تناوله؛ لأن المحرم لا ينتهك إلا بواجب؛ وهذه قاعدة ذهب إليها بعض أهل العلم: قال: إن المحرم إذا انتهك فهو دليل على الوجوب، مثلما قالوا في وجوب الختان: فقد أخذ بعض العلماء الوجوب من هذه القاعدة، قالوا: إن الأصل أن قطع الإنسان شيئاً من بدنه حرام؛ والختان قطع شيء من بدنه؛ ولا ينتهك المحرم إلا لشيء واجب؛ فقرروا وجوب الختان من هذه القاعدة؛ ولكنها
стр. 697
غير مطردة؛ ولهذا يجوز للمسافر أن يفطر في رمضان؛ والفطر انتهاك محرم مع أن الفطر ليس بواجب.
١٧ ــ ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الرحيم»، وما تضمناه من صفة.
١٨ ــ ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله المتعدية يستفاد منها ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها؛ فالأسماء المتعدية تتضمن الاسم، والصفة، والأثر - الذي هو الحكم المترتب عليه -؛ والعلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر - وهو الحكم -؛ لأنه لكونه غفوراً رحيماً غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته، ورحمه بحلها؛ فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله تدل على «الذات» الذي هو المسمى؛ و «الصفة»؛ و «الحكم»، كما قال بذلك أهل العلم ﵏.
تنبيه:
ما أهل به لغير الله أنواع:
النوع الأول: أن يهل بها لغير الله فقط، مثل أن يقول: باسم جبريل، أو محمد، أو غيرهما؛ فالذبيحة حرام بنص القرآن ــ ولو ذبحها لله ــ.
النوع الثاني: أن يهل بها لله، ولغيره، مثل أن يقول: «باسم الله واسم محمد»؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لأنه اجتمع مبيح، وحاظر؛ فغلب جانب الحظر.
النوع الثالث: أن يهل بها باسم الله، وينوي به التقرب، والتعظيم لغيره؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لأنه شرك.
وهل يكون ذبح الذبيحة للضيف إهلالاً بها لغير الله؟
стр. 698
الجواب: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل بلا شك، كما لو ذبح الذبيحة لأولاده ليأكلوها، وإن قصد بذلك التقرب إليه، وتعظيمه تعظيم عبادة فإنه شرك، كالمذبوح على النصب تماماً، فلا يحل أكلها؛ وقد كان بعض الناس ــ والعياذ بالله ــ إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين تعظيماً له ــ لا ليأكلها، ثم تترك للناس ــ؛ وهذا يكون قد ذبح على النصب؛ فلا يحل أكله ــ ولو ذكر اسم الله عليه ــ.
النوع الرابع: أن لا يهل لأحد ــ أي لم يذكر عليها اسم الله، ولا غيره؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولقول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا» (١).
القرآن
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَاّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة: ١٧٤)
التفسير:
﴿١٧٤﴾ قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ... ﴾: جملة
стр. 699
مكونة من ﴿إن﴾ الدالة على التوكيد؛ و ﴿الذين﴾ اسمها؛ و ﴿أولئك﴾: «أولاء» مبتدأ ثانٍ؛ وجملة: ﴿ما يأكلون﴾ خبر المبتدأ الثاني؛ والجملة من المبتدأ، والخبر خبر ﴿إن﴾.
وقوله تعالى: ﴿يكتمون ما أنزل الله﴾ أي يخفون؛ ﴿من الكتاب﴾: «أل» إما أن تكون للعهد؛ أو للجنس؛ فإن قلنا: «للعهد» فالمراد بها التوراة؛ ويكون المراد بـ ﴿الذين يكتمون﴾ اليهود؛ لأنهم كتموا ما علموه من صفات النبي ﷺ ؛ وإن قلنا: إن «أل» للجنس، شمل جميع الكتب: التوراة، والإنجيل، وغيرها؛ ويكون ﴿الذين يكتمون﴾ يشمل اليهود، والنصارى، وغيرهما؛ وهذا أرجح لعمومه.
وقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله من الكتاب﴾ أي على رسله؛ فإن الله يقول: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فكل رسول فإن معه كتاباً من الله يهدي به الناس.
قوله تعالى: ﴿ويشترون به﴾ يعني يأخذون بما أنزل الله؛ ويجوز أن يكون الضمير عائداً على الكتم؛ يعني يأخذون بهذا الكتم.
قوله تعالى: ﴿ثمناً قليلاً﴾: هذا الثمن إما المال؛ وإما الجاه، والرياسة؛ وكلاهما قليل بالنسبة لما في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾: الاستثناء هنا مفرغ؛ والإشارة للبعيد لبعد مرتبتهم، وانحطاطها، والتنفير منها.
قوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ يعني لا يكلمهم تكليم رضا؛ فالنفي هنا ليس نفياً لمطلق الكلام؛ ولكنه للكلام المطلق
стр. 700
ــ الذي هو كلام الرضا؛ ﴿ولا يزكيهم﴾ أي لا يثني عليهم بخير.
قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم﴾؛ «فعيل» هنا بمعنى مفعِل؛ و «مؤلم» أي موجع؛ والعذاب هو النكال، والعقوبة.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: وجوب نشر العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون﴾؛ ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.
٢ ــ ومنها: أن الكتب منزلة من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله من الكتاب﴾.
٣ ــ ومنها: علو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله﴾؛ فإن لازم النزول من عنده أن يكون عالياً.
٤ ــ ومنها: أن هذا الوعيد على من جمع بين الأمرين: ﴿يكتمون﴾، و ﴿يشترون﴾؛ فأما من كتم بدون اشتراء؛ أو اشترى بدون كتم فإن الحكم فيه يختلف؛ إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله : ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩]؛ وهذا يدل على أن كتمان ما أنزل الله من كبائر الذنوب؛ ولكن لا يستحق ما ذُكر في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وأما الذين يشترون بما أنزل الله من الكتاب ثمناً قليلاً بدون كتمان فقد قال الله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥، ١٦].
стр. 701
فالناس في كتمان ما أنزل الله ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من يكتم العلم بخلاً به، ومنعاً لانتفاع الناس به.
والقسم الثاني: من يكتم العلم، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي من مال، أو جاه، أو رئاسة، أو غير ذلك.
والقسم الثالث: من يكتم العلم بخلاً به، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي؛ فيجمع بين الأمرين؛ وهذا شر الأقسام؛ وهو المذكور في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وقد تبين عقوبة كل واحد من هذه الأقسام فيما سبق.
أما من أظهر العلم لله، وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام؛ وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه، وحاله، وقلمه، ما أنزل الله ؛ والذي يكتم خوفاً إذا كان سيبين في موضع آخر فلا بأس؛ أما الذي يكتم مطلقاً فهذا لا يجوز؛ فيجب أن يبين ولو قُتل ــ إذا كان يتوقف بيان الحق على ذلك ــ، كما جرى لبعض أهل السنة الذين صبروا على القتل في بيانها لتعينه عليهم.
٥ ــ ومن فوائد الآية: أن متاع الدنيا قليل ــ ولو كثر ــ؛ لقوله تعالى: ﴿ويشترون به ثمناً قليلاً﴾.
٦ ــ ومنها: إطلاق المسبَّب على السبب؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ هم لا يأكلون النار؛ ولكن يأكلون المال؛ لكنه مال سبب للنار.
٧ ــ ومنها: إقامة العدل في الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾؛ فجعل عقوبتهم من النار بقدر ما أكلوه من الدنيا الذي أخذوه عوضاً عن العلم.
٨ ــ ومنها: إثبات كلام الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا
стр. 702
يكلمهم الله﴾؛ لأنه لو كان لا يتكلم لا معهم، ولا مع غيرهم، لم يكن في نفي تكليمه إياهم فائدة؛ فنفيه لتكليمه هؤلاء يدل على أنه يكلم غيرهم؛ وقد استدل الشافعي ــ ﵀ ــ بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم﴾ [المطففين: ١٥] أي الفجار ﴿عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] برؤية الأبرار له؛ لأنه ما حجب هؤلاء في حال السخط إلا لرؤية الأبرار في حال الرضا؛ إذ لو كان لا يُرى مطلقاً لم يكن لذكر حجب الفجار فائدة؛ وكلام الله هو الحرف، والمعنى؛ فالله يتكلم بكلام بحروف، وصوت؛ وأدلة هذا، وتفصيله مذكور في كتب العقائد.
٩ ــ ومن فوائد الآية: أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾؛ لأن تخصيصه بيوم القيامة يدل على أنه يتعلق بمشيئته؛ وهذه هي الصفات الفعلية؛ لكن أصل الكلام صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً.
١٠ ــ ومنها: إثبات يوم القيامة.
١١ ــ ومنها: أن يوم القيامة يُزَكى فيه الإنسان؛ وذلك بالثناء القولي، والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١)؛ وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه، ويَشهد الناسُ كلهم على أنه من المؤمنين؛ وهذه تزكية بلا شك.
١٢ ــ ومنها: غلظ عقوبة هؤلاء بأن الله تعالى لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم؛ والمراد كلام الرضا؛ وأما كلام الغضب
стр. 703
فإن الله تعالى يكلم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾.
١٣ ــ ومنها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم﴾.
١٤ ــ ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألماً نفسياً، وألماً جسمانياً؛ فأما الألم النفسي فدليله قوله تعالى: ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾؛ فهذا من أبلغ ما يكون من الإذلال الذي به الألم النفسي؛ وأما الألم البدني فدليله قول الله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الحج: ١٩، ٢٢].
القرآن
( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) (البقرة: ١٧٥)
التفسير:
﴿١٧٥﴾ قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾: المشار إليهم: ﴿الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً﴾ [البقرة: ١٧٤]؛ و ﴿اشتروا﴾ بمعنى
стр. 704
اختاروا؛ ولكنه عبر بهذا؛ لأن المشتري طالب راغب في السلعة؛ فكأن هؤلاء ــ والعياذ بالله ــ طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري؛ و ﴿الضلالة﴾ هنا كتمان العلم؛ فإنه ضلال؛ وأما «الهدى» فهو بيان العلم ونشره.
وقوله تعالى: ﴿بالهدى﴾: الباء هنا للعوض؛ ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ سواء كان نقداً، أم عيناً غير نقد؛ فإذا قلت: اشتريت منك ديناراً بثوب، فالثمن الثوب؛ وقال بعض الفقهاء: الثمن هو النقد مطلقاً؛ والصحيح الأول؛ والثمن الذي دفعه هؤلاء هو الهدى؛ فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله - لأخذ الضلالة.
قوله تعالى: ﴿والعذاب بالمغفرة﴾؛ فهم أيضاً اشتروا العذاب بالمغفرة؛ ولو أنهم بينوا، وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة؛ ولكنهم كتموا، فجُوزوا بالعذاب.
قوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾؛ «ما» تعجبية مبتدأ؛ وجملة ﴿أصبرهم﴾ خبرها؛ والمعنى: شيء عظيم أصبرهم؛ أو ما أعظم صبرهم على النار؛ وهذا التعجب يتوجه عليه سؤالان:
السؤال الأول: أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى: أيرشدنا إلى أن نتعجب ــ وليس هو موصوفاً بالعجب؛ أو أنه من الله ــ؟
السؤال الثاني: أن قوله: ﴿فما أصبرهم﴾ يقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون؛ ولهذا يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]؛ وينادون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] أي ليهلكنا؛ ومن قال هكذا فليس بصابر؟
стр. 705
والجواب عن السؤال الأول: ــ وهو أهو تعجب، أو تعجيب ــ: فقد اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من رأى أنه تعجب من الله ؛ لأنه المتكلم به هو الله؛ والكلام ينسب إلى من تكلم به؛ ولا مانع من ذلك لا عقلاً، ولا سمعاً ــ أي لا مانع يمنع من أن الله يعجب؛ وقد ثبت لله العجب بالكتاب، والسنة؛ فقال الله تعالى في القرآن: ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾ [الصافات: ١٢] بضم التاء؛ وهذه القراءة سبعية ثابتة عن النبي ﷺ ؛ والتاء فاعل يعود على الله المتكلم؛ وأما السنة ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه» (١)؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت بالكتاب، والسنة؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالماً بالأمر من قبل ــ وهو محال على الله ــ؟
فالجواب: أن سبب العجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل، حيث خرج عن نظائره، كما تقول: «عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها، وظهورها»؛