← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فالناس في كتمان ما أنزل الله ثلاثة أقسام: القسم الأول: من يكتم العلم بخلاً به، ومنعاً لانتفاع الناس به. والقسم الثاني: من يكتم العلم، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي من مال، أو جاه، أو رئاسة، أو غير ذلك. والقسم الثالث: من يكتم العلم بخلاً به، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي؛ فيجمع بين الأمرين؛ وهذا شر الأقسام؛ وهو المذكور في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وقد تبين عقوبة كل واحد من هذه الأقسام فيما سبق. أما من أظهر العلم لله، وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام؛ وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه، وحاله، وقلمه، ما أنزل الله ؛ والذي يكتم خوفاً إذا كان سيبين في موضع آخر فلا بأس؛ أما الذي يكتم مطلقاً فهذا لا يجوز؛ فيجب أن يبين ولو قُتل ــ إذا كان يتوقف بيان الحق على ذلك ــ، كما جرى لبعض أهل السنة الذين صبروا على القتل في بيانها لتعينه عليهم. ٥ ــ ومن فوائد الآية: أن متاع الدنيا قليل ــ ولو كثر ــ؛ لقوله تعالى: ﴿ويشترون به ثمناً قليلاً﴾. ٦ ــ ومنها: إطلاق المسبَّب على السبب؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ هم لا يأكلون النار؛ ولكن يأكلون المال؛ لكنه مال سبب للنار. ٧ ــ ومنها: إقامة العدل في الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾؛ فجعل عقوبتهم من النار بقدر ما أكلوه من الدنيا الذي أخذوه عوضاً عن العلم. ٨ ــ ومنها: إثبات كلام الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا

стр. 702

يكلمهم الله﴾؛ لأنه لو كان لا يتكلم لا معهم، ولا مع غيرهم، لم يكن في نفي تكليمه إياهم فائدة؛ فنفيه لتكليمه هؤلاء يدل على أنه يكلم غيرهم؛ وقد استدل الشافعي ــ ﵀ ــ بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم﴾ [المطففين: ١٥] أي الفجار ﴿عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] برؤية الأبرار له؛ لأنه ما حجب هؤلاء في حال السخط إلا لرؤية الأبرار في حال الرضا؛ إذ لو كان لا يُرى مطلقاً لم يكن لذكر حجب الفجار فائدة؛ وكلام الله هو الحرف، والمعنى؛ فالله يتكلم بكلام بحروف، وصوت؛ وأدلة هذا، وتفصيله مذكور في كتب العقائد. ٩ ــ ومن فوائد الآية: أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾؛ لأن تخصيصه بيوم القيامة يدل على أنه يتعلق بمشيئته؛ وهذه هي الصفات الفعلية؛ لكن أصل الكلام صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً. ١٠ ــ ومنها: إثبات يوم القيامة. ١١ ــ ومنها: أن يوم القيامة يُزَكى فيه الإنسان؛ وذلك بالثناء القولي، والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١)؛ وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه، ويَشهد الناسُ كلهم على أنه من المؤمنين؛ وهذه تزكية بلا شك. ١٢ ــ ومنها: غلظ عقوبة هؤلاء بأن الله تعالى لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم؛ والمراد كلام الرضا؛ وأما كلام الغضب

стр. 703

فإن الله تعالى يكلم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾. ١٣ ــ ومنها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم﴾. ١٤ ــ ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألماً نفسياً، وألماً جسمانياً؛ فأما الألم النفسي فدليله قوله تعالى: ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾؛ فهذا من أبلغ ما يكون من الإذلال الذي به الألم النفسي؛ وأما الألم البدني فدليله قول الله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الحج: ١٩، ٢٢]. القرآن ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) (البقرة: ١٧٥) التفسير: ﴿١٧٥﴾ قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾: المشار إليهم: ﴿الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً﴾ [البقرة: ١٧٤]؛ و ﴿اشتروا﴾ بمعنى

стр. 704

اختاروا؛ ولكنه عبر بهذا؛ لأن المشتري طالب راغب في السلعة؛ فكأن هؤلاء ــ والعياذ بالله ــ طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري؛ و ﴿الضلالة﴾ هنا كتمان العلم؛ فإنه ضلال؛ وأما «الهدى» فهو بيان العلم ونشره. وقوله تعالى: ﴿بالهدى﴾: الباء هنا للعوض؛ ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ سواء كان نقداً، أم عيناً غير نقد؛ فإذا قلت: اشتريت منك ديناراً بثوب، فالثمن الثوب؛ وقال بعض الفقهاء: الثمن هو النقد مطلقاً؛ والصحيح الأول؛ والثمن الذي دفعه هؤلاء هو الهدى؛ فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله - لأخذ الضلالة. قوله تعالى: ﴿والعذاب بالمغفرة﴾؛ فهم أيضاً اشتروا العذاب بالمغفرة؛ ولو أنهم بينوا، وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة؛ ولكنهم كتموا، فجُوزوا بالعذاب. قوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾؛ «ما» تعجبية مبتدأ؛ وجملة ﴿أصبرهم﴾ خبرها؛ والمعنى: شيء عظيم أصبرهم؛ أو ما أعظم صبرهم على النار؛ وهذا التعجب يتوجه عليه سؤالان: السؤال الأول: أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى: أيرشدنا إلى أن نتعجب ــ وليس هو موصوفاً بالعجب؛ أو أنه من الله ــ؟ السؤال الثاني: أن قوله: ﴿فما أصبرهم﴾ يقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون؛ ولهذا يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]؛ وينادون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] أي ليهلكنا؛ ومن قال هكذا فليس بصابر؟

стр. 705

والجواب عن السؤال الأول: ــ وهو أهو تعجب، أو تعجيب ــ: فقد اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من رأى أنه تعجب من الله ؛ لأنه المتكلم به هو الله؛ والكلام ينسب إلى من تكلم به؛ ولا مانع من ذلك لا عقلاً، ولا سمعاً ــ أي لا مانع يمنع من أن الله يعجب؛ وقد ثبت لله العجب بالكتاب، والسنة؛ فقال الله تعالى في القرآن: ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾ [الصافات: ١٢] بضم التاء؛ وهذه القراءة سبعية ثابتة عن النبي ﷺ ؛ والتاء فاعل يعود على الله المتكلم؛ وأما السنة ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه» (١)؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت بالكتاب، والسنة؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالماً بالأمر من قبل ــ وهو محال على الله ــ؟ فالجواب: أن سبب العجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل، حيث خرج عن نظائره، كما تقول: «عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها، وظهورها»؛

стр. 706

وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ، واللوم؛ ومن المفسرين من قال: إن المراد بالعجب: التعجيب؛ كأنه قال: اعجب أيها المخاطب من صبرهم على النار؛ وهذا وإن كان له وجه لكنه خلاف ظاهر الآية. وأما الجواب عن السؤال الثاني: - وهو كيف يتعجب من صبرهم مع أنهم لم يصبروا على النار - فقال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سبباً لها من كتمان العلم صاروا كأنهم صبروا عليها، مثلما يقال للرجل الذي يفعل أشياء ينتقد فيها: ما أصبرك على لوم الناس لك مع أنه ربما لم يلوموه أصلاً؛ لكن فعل ما يقتضي اللوم؛ يصير معنى: ﴿ما أصبرهم على النار﴾ أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجبة للنار صاروا كأنهم يصبرون على النار؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما تفيده الآيات الكثيرة، فيعبر بالعمل عن الجزاء؛ لأنه سببه المترتب عليه؛ و ﴿النار﴾ هي الدار التي أعدها الله للكافرين والظالمين؛ لكن الظلم إن كان ظلم الكفر فهم مخلدون فيها؛ وإن كان ظلماً دون الكفر فإنهم مستحقون للعذاب بحسب حالهم. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن سبب ضلال هؤلاء وكتمانهم الحق أنهم لم يريدوا الهدى؛ وإنما أرادوا الضلال والفساد ــ والعياذ بالله ــ؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا ... ﴾ إلخ. ٢ ــ ومنها: الرد على الجبرية؛ لإضافة الفعل إلى الفاعل. ٣ ــ ومنها: أن كتمان العلم أو بيانه لغرض من الدنيا من

стр. 707

الضلال؛ وذلك؛ لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر، والتبليغ، ولأنه جهل على نفسه، حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم؛ فإنه ــ أعني العلم ــ ليس كالمال؛ المال يفنى؛ والعلم يبقى؛ أرأيت الآن في الصحابة ﵃ أناس أغنياء أكثر غنًى من أبي هريرة ﵁ وذِكر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر، والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي ﷺ من أحاديث أكثر وأعظم؛ ثم أرأيت منزلة الإمام أحمد بن حنبل، ونحوه من الأئمة مع من في عهدهم من الخلفاء، والوزراء، والأغنياء، هل بقي ذكرهم، كما بقي ذكر هؤلاء الأئمة؟!! فكتمان العلم لا شك أنه ضلالة في الإنسان، وجهالة. ٤ ــ ومن فوائد الآية: أن عقوبة الله لهم ليست ظلماً منه؛ بل هم الذين تسببوا لها، حيث اشتروا الضلالة بالهدى؛ والله ليس بظلام للعبيد. ٥ ــ ومنها: أن نشر العلم، وإظهاره، وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان، واختيارهم العذاب على المغفرة، والضلالة على الهدى؛ فدل ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب؛ كما أن الذنوب أيضاً تحول بين الإنسان، والعلم، فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان، والمغفرة؛ وقد استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان، والعلم بقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً * واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦]؛ فقال

стр. 708

تعالى: ﴿لتحكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿واستغفر الله﴾؛ فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم ــ وهو ظاهر ــ؛ وبقوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به﴾ [المائدة: ١٣]؛ لأن الذنوب ــ والعياذ بالله ــ رين على القلوب، كما قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٤]؛ فإذا كانت ريناً عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين، وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية. ٦ ــ ومن فوائد الآية: إثبات العجب لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ ــ على أحد الاحتمالين ــ؛ وهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بمشيئته فهي من الصفات الفعلية. فإذا قال قائل: ما دليلكم على أن العجب يتعلق بمشيئته؟ فالجواب: أن له سبباً؛ وكل ما له سبب فإنه متعلق بالمشيئة؛ لأن وقوع السبب بمشيئة الله؛ فيكون ما يتفرع عنه كذلك بمشيئة الله. ٧ ــ ومنها: توبيخ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله؛ لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾؛ وكان الأجدر بهم أن يتخذوا وقاية من النار لا وسيلة إليها. ٨ ــ ومنها: الإشارة إلى شدة عذابهم، كما يقال في شخص أصيب بمرض عظيم: «ما أصبره على هذا المرض»، أي أنه مرض عظيم يؤدي إلى التعجب من صبر المريض عليه.

стр. 709

القرآن ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (البقرة: ١٧٦) التفسير: ﴿١٧٦﴾ قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب﴾: المشار إليه ما ذكر من جزائهم؛ أي ذلك الجزاء الذي يجازون به؛ ﴿بأن﴾: الباء هنا للسببية؛ والرابط هنا بين السبب، والمسبَّب واضح جداً؛ لأنه ما دام الكتاب نازلاً بالحق فمن اللائق بهذا الكتاب المنزل بالحق أن لا يُكتم؛ الحق يجب أن يبين؛ فلما أخفاه هؤلاء استحقوا هذا العذاب؛ ومعنى: ﴿نزل الكتاب بالحق﴾ أن ما نزل به حق، وأنه نازل من عند الله حقاً؛ و ﴿الكتاب﴾ المراد به الجنس: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وغيرها من الكتب التي أنزلها الله. قوله تعالى: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب﴾ بكسر همزة ﴿إن﴾ لوقوع اللام في خبرها؛ أي اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله بحق؛ وهذا الاختلاف يشمل الاختلاف في أصله: فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر، والاختلافَ فيما بينهم أي فيما بين أحد الطرفين: فمنهم من استقام في تأويله؛ ومنهم من حرف في تأويله على غير مراد الله . قوله تعالى: ﴿لفي شقاق بعيد﴾ أي: لفي جانب بعيد عن الحق؛ وهذا البعد يختلف: فمنهم من يكون بعيداً جداً؛ ومنهم من يكون دون ذلك.

стр. 710

الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن﴾؛ والباء للسببية؛ وقد ذكر بعض أهل العلم أن في القرآن أكثر من مائة موضع كلها تفيد إثبات العلة؛ خلافاً للجبرية ــ الذين يقولون: «إن فعل الله ليس لحكمة؛ بل لمجرد المشيئة». ٢ ــ ومنها: الثناء على كتب الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بأن الله نزَّل الكتاب بالحق﴾. ٣ ــ ومنها: ثبوت العلو لله ؛ لقوله تعالى: ﴿بأن الله نزَّل الكتاب﴾. ٤ ــ ومنها: أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق بعيد لا تتقارب أقوالهم ــ وإن تقاربت أبدانهم. ٥ ــ ومنها: أن الاختلاف ليس رحمة؛ بل إنه شقاق، وبلاء؛ وبه نعرف أن ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» (١) لا صحة له؛ وليس الاختلاف برحمة؛ بل قال الله : ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨] أي فإنهم ليسوا مختلفين؛ نعم؛ الاختلاف رحمة بمعنى: أن من خالف الحق لاجتهاد فإنه مرحوم بعفو الله عنه؛ فالمجتهد من هذه الأمة إن أصاب فله أجران؛ وإن أخطأ فله أجر واحد؛ والخطأ معفو عنه؛ وأما أن يقال هكذا على الإطلاق: «إن الاختلاف رحمة» فهذا مقتضاه أن نسعى إلى الاختلاف؛ لأنه هو

стр. 711

سبب الرحمة على مقتضى زعم هذا المروي!!! فالصواب أن الاختلاف شر. القرآن (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: ١٧٧) التفسير: ﴿١٧٧﴾ قوله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾: في هذه الآية قراءتان: ﴿ليس البِرَّ﴾ بفتح الراء؛ و ﴿ليس البِرُّ﴾ بضم الراء؛ فأما على قراءة الرفع فإن ﴿البرُّ﴾ تكون اسم ﴿ليس﴾، و ﴿أن تولوا﴾ خبرها؛ وأما على قراءة النصب فتكون ﴿البرَّ﴾ خبر ﴿ليس﴾، و ﴿أن تولوا﴾ اسمها مؤخراً؛ يعني تقدير الكلام على الأول: ليس البرُّ توليتَكم وجوهكم؛ والتقدير على الثاني: ليس البرَّ توليتُكم ــ بالرفع. و «البر» في الأصل الخير الكثير؛ ومنه سمي «البَرّ» لسعته، واتساعه؛ ومنه «البَرّ» اسم من أسماء الله، كما قال تعالى: ﴿إنّا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾ [الطور: ٢٨]؛ ومعنى الآية: ليس الخير، أو كثرة الخير، والبركة أن يولي الإنسان

стр. 712

وجهه قبل المشرق ــ أي جهة المشرق؛ أي جهة المغرب. وهذه الآية نزلت توطئة لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ فبين الله أنه ليس البر أن يتوجه ... الإنسان إلى هذا، أو هذا؛ ليس هذا هو الشأن؛ الشأن إنما هو في الإيمان بالله ... إلخ؛ أما الاتجاه فإنه لا يكون خيراً إلا إذا كان بأمر الله؛ ولا يكون شراً إلا إذا كان مخالفاً لأمر الله؛ فأيّ جهة توجهتم إليها بأمر الله فهو البر؛ وجاءت الآية بذكر المشرق، والمغرب؛ لأن أظهر، وأبين الجهات هي جهة المشرق، والمغرب. قوله تعالى: ﴿ولكن البر﴾: فيها قراءاتان؛ الأولى: ﴿ولكنِ البرُّ﴾ بالرفع؛ وعلى هذا تكون ﴿لكن﴾ مهملة غير عاملة؛ والقراءة الثانية التي في المصحف: ﴿ولكنَّ البرَّ﴾ بتشديد نون ﴿لكنَّ﴾، فتكون عاملة. قوله تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله ... ﴾: ﴿البر﴾ عمل؛ و ﴿من آمن﴾ عامل؛ فكيف يصح أن يكون العامل خبراً عن العمل؟ في هذا أوجه: الوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف؛ والتقدير: ولكن البر بر من آمن بالله ... إلخ. الوجه الثاني: أن الآية على سبيل المبالغة؛ وليس فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال: «رجل عدل» بمعنى أنه عادل. الوجه الثالث: أن نجعل ﴿البر﴾ بمعنى البارّ؛ فيكون مصدراً بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البارَّ حقيقة القائمَ بالبر من آمن بالله ...

стр. 713

وقوله تعالى: ﴿من آمن بالله﴾؛ تقدم أن «الإيمان» في اللغة بمعنى التصديق؛ لكنه إذا قرن بالباء صار تصديقاً متضمناً للطمأنية، والثبات، والقرار؛ فليس مجرد تصديق؛ ولو كان تصديقاً مطلقاً لكان يقال: آمنه - أي صدقه؛ لكن «آمن به» مضمنة معنى الطمأنينة، والاستقرار لهذا الشيء؛ وإذا عديت باللام - مثل: ﴿فآمن له لوط﴾ [العنكبوت: ٢٦]- فمعناه أنها تضمنت معنى الاستسلام والانقياد. قوله تعالى: ﴿واليوم الآخر﴾: هو يوم القيامة؛ وسمي آخراً؛ لأنه ليس بعده يوم. قوله تعالى: ﴿والملائكة﴾ جمع ملَك؛ وهم عالَم غيبي خلقهم الله من نور، وذللهم لعبادته، وهم لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم أجسام ذوو عقول؛ لقوله تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة﴾ [فاطر: ١]؛ ولقوله تعالى في وصف جبريل: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾ [التكوير: ١٩ ــ ٢١]. قوله تعالى: ﴿والكتاب﴾؛ المراد به الجنس؛ فيشمل كل كتاب أنزله الله على كل رسول. قوله تعالى: ﴿والنبيين﴾ يدخل فيهم الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، ولا عكس: قال الله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣]. قوله تعالى: ﴿وآتى﴾ بالمد؛ بمعنى أعطى؛ إذاً هي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: ﴿المال﴾؛ والمفعول الثاني: قوله

стр. 714

تعالى: ﴿ذوي القربى﴾، وما عطف عليه؛ و (المال): كل عين مباحة النفع سواء كان هذا المال نقداً، أو ثياباً، وطعاماً، أو عقاراً، أو أي شيء. قوله تعالى: (على حبه) حال من فاعل (آتى)، يعني حال كونه محباً له لحاجته إليه، كالجائع؛ أو لتعلق نفسه به، مثل أن يعجبه جماله، أو قوته، أو ما أشبه ذلك. قوله تعالى: ﴿ذوي القربى﴾ أي أصحاب القرابة؛ والمراد قرابة المعطي؛ وبدأ بهم قبل كل الأصناف؛ لأن حقهم آكد؛ وقد ذكروا أن القرابة ما جمع بينك وبينهم الجد الرابع. قوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ جمع يتيم؛ وهو من مات أبوه قبل بلوغه من ذكر، أو أنثى؛ فأما من ماتت أمه فليس بيتيم؛ ومن بلغ فليس بيتيم؛ وسمي يتيماً من اليتم؛ وهو الانفراد؛ ولهذا إذا صارت القصيدة جميلة، أو قوية يقولون: هذه الدرة اليتيمة - يعني أنها منفردة ليس لها نظير. قوله تعالى: ﴿والمساكين﴾ جمع مسكين؛ وهو الفقير؛ سمي بذلك لأن الفقر أسكنه، وأذله؛ والفقر - أعاذنا الله منه - لا يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة؛ هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ليس على المستوى الذي يمكنه من التكلم؛ ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي ﷺ : «رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» (١). واعلم أن الفقير بمعنى المسكين؛ والمسكين بمعنى الفقير؛

стр. 715

إلا إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر؛ فالفقير أشد حاجة، كما في آية الصدقة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ لأن الله بدأ به؛ ويُبدأ بالأحق فالأحق، والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء؛ ويجمعهما - أعني الفقير، والمسكين - أن كلاً منهما ليس عنده ما يكفيه وعائلته من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، ومنكح، ومركوب. قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾؛ «السبيل» بمعنى الطريق؛ والمراد بـ ﴿ابن السبيل﴾ الملازم للطريق؛ وهو المسافر؛ والمسافر يكون في حاجة غالباً، فيحتاج إلى من يعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظاً من الزكاة؛ فابن السبيل هو المسافر؛ وزاد العلماء قيداً؛ قالوا: المسافر المنقطع به السفر ــ أي انقطع به السفر؛ فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة؛ فهو والمقيم على حدٍّ سواء؛ فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر. قوله تعالى: ﴿والسائلين﴾ جمع سائل؛ وهو المستجدي الذي يطلب أن تعطيه مالاً؛ وإنما كان إعطاؤه من البر؛ لأن معطيه يتصف بصفة الكرماء؛ ولذلك كان النبي ﷺ لا يُسأل على الإسلام شيئاً إلا أعطاه؛ والسائل نوعان؛ سائل بلسان المقال: وهو الذي يقول للمسؤول: أعطني كذا؛ وسائل بلسان الحال: وهو الذي يُعَرِّض بالسؤال، ولا يصرح به، مثل أن يأتي على حال تستدعي إعطاءه. قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ أي في إعتاق الرقاب، أو فكاكها من الأسر.

стр. 716

قوله تعالى: ﴿وأقام الصلاة﴾ هذه معطوفة على ﴿آمن﴾ التي هي صلة الموصول؛ فيكون التقدير: ومن أقام الصلاة؛ و ﴿الصلاة﴾ المراد بها الفرض، والنفل؛ وإقامتها الإتيان بها مستقيمة؛ لأن أقام الشيء يعني جعله قائماً مستقيماً؛ وليس المراد بإقامة الصلاة الإعلام بالقيام إليها؛ واعلم أن «الصلاة» من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فمعناها في اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وصلّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادْعُ لهم بالصلاة، فقل: صلى الله عليكم؛ ولكنها في الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم. قوله تعالى: ﴿وآتى الزكاة﴾ أي أعطى الزكاة مستحقها؛ و «الزكاة» أيضاً من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فالزكاة في اللغة من زكا يزكو - أي نما، وزاد؛ وبمعنى الصلاح؛ ومنه قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ٩] أي أصلحها، وقومها؛ لكن في الشرع «الزكاة» هي التعبد ببذل مال واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة؛ وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال، وتنمي الثواب؛ تنمي الخُلُق بأن يكون الإنسان بها كريماً من أهل البذل، والجود، والإحسان؛ وهذا لا شك من أفضل الأخلاق شرعاً، وعادة؛ وتنمي المال بالبركة، والحماية، والحفظ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال» (١)؛ وتزكي الثواب، كما قال تعالى:

стр. 717

﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله تعالى يأخذها بيمنيه، فيربيها، كما يربي الإنسان فلوه حتى تكون مثل الجبل» (١). قوله تعالى: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾؛ ﴿إذا﴾ هنا مجردة من الشرطية؛ فهي ظرفية محضة - يعني: الموفون بعهدهم وقت العهد؛ أي في الحال التي يعاهدون فيها؛ فإذا عاهدوا وفوا. قوله تعالى: ﴿والصابرين﴾: فيه إشكال من حيث الإعراب؛ لأن الذي قبله مرفوع؛ وهو غير مرفوع؛ يقول بعض العلماء؛ إنه منصوب بفعل محذوف، والتقدير: وأخص الصابرين؛ والبلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه؛ فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد لم يحصل له انتباه، كما يحصل عند تغير السياق. و «الصبر» ليس بذل شيء؛ ولكنه تحمل شيء؛ وما سبق كله بذل شيء؛ فهو مختلف من حيث النوع: ﴿من آمن ... وأقام ... وآتى ... ﴾ كل هذه أفعال؛ لكن ﴿الصابرين﴾ ليس فعلاً؛ ولكنه تحمُّل. و «الصبر» في اللغة الحبس؛ ومنه قولهم: فلان قُتل صبراً

стр. 718

ــ أي حبساً؛ وأما في الشرع فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة. قوله تعالى: ﴿في البأساء والضراء وحين البأس﴾: ﴿البأساء﴾ شدة الفقر؛ ومنه «البؤس» يعني الفقر؛ و ﴿الضراء﴾: المرض؛ و ﴿حين البأس﴾: شدة القتل؛ فهم صابرون في أمور لهم فيها طاقة، وأمور لا طاقة لهم بها؛ ﴿في البأساء﴾ يعني: في حال الفقر؛ لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، ولا يشكون أمرهم لغير الله؛ بل يصبرون عن المعصية: لا يسرقون، ولا يخونون، ولا يكذبون، ولا يغشون؛ ولا تحملهم الضراء - المرض، وما يضر أبدانهم - على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره؛ بل هم دائماً يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً؛ كذلك حين البأس يصبرون، ولا يولون الأدبار - وهذا صبر على الطاعة؛ فتضمنت هذه الآية: ﴿الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس﴾ الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر عن المعصية؛ وعلى الأقدار المؤلمة؛ وعلى الطاعة؛ والترتيب فيها للانتقال من الأسهل إلى الأشد. قوله تعالى: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾؛ هذه شهادة من الله ؛ وهي أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد ؛ والمشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات؛ والإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبتهم. وقوله تعالى: ﴿الذين صدقوا﴾ أي صدقوا الله، وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك؛ والصدق هو مطابقة الشيء للواقع؛ فالمخبر بشيء إذا كان خبره موافقاً للواقع صار

стр. 719

صادقاً؛ والعامل الذي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص، واتباع صار عمله صادقاً؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباءً صادقاً. قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المتقون﴾ أي القائمون بالتقوى؛ و «التقوى» هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى؛ وتأمل كيف جاءت هذه الجملة بالجملة الاسمية المؤكدة؛ الجملة اسمية لدلالتها على الثبوت، والاستمرار؛ لأن الجملة الاسمية تدل على أنها صفة ملازمة للمتصف بها؛ وهذه الجملة مؤكدة بضمير الفصل: ﴿هم﴾؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد سبق ذكرها (١). وقوله تعالى: ﴿وأولئك هم المتقون﴾: هؤلاء جمعوا بين البر والتقوى؛ البر: بالصدق؛ والتقوى: بهذا الوصف: ﴿أولئك هم المتقون﴾؛ وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي ﷺ : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر؛ وإن البر يهدي إلى الجنة» (٢)؛ فجمعوا بين البر والتقوى؛ فهذا ما أمر الله به في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]؛ وكرر الإشارة مرة ثانية من باب التأكيد، والمدح، والثناء كأن كل جملة من هاتين الجملتين مستقلة.

стр. 720

الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن البر حقيقة هو الإيمان بالله ... إلخ؛ والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بربوبيته؛ والإيمان بألوهيته؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته: أما الإيمان بوجوده: فإنه دل عليه الشرع، والحس، والعقل، والفطرة: أـ دلالة الشرع على وجوده واضحة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب. ب ــ دلالة الحس: فإن الله يدعى، ويجيب؛ وهذا دليل حسي على وجوده ــ ﵎، كما في سورة الأنبياء، وغيرها من إجابة دعوة الرسل فور دعائهم، كقوله تعالى: ﴿ونوحاً إذا نادى من قبل فاستجبنا له﴾ [الأنبياء: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤]. ج ــ دلالة العقل: أنّ ما من حادث إلا وله محدث، كما قال : ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: ٣٥]؛ هذا الكون العظيم بما فيه من النظام، والتغيرات، والأحداث لا بد أن يكون له موجِد مُحدِث يحدث هذه الأشياء ــ وهو الله ؛ إذ لا يمكن أن تَحدث بنفسها؛ لأنها قبل الوجود عدم؛ والعدم ــ كاسمه لا وجود له؛ ولا يمكن أن يحدثها مخلوق لِما فيها من العظم والعبر. د ــ دلالة الفطرة: فإن الإنسان لو ترك وفطرته لكان مؤمناً بالله؛ والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض

стр. 721

ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ حتى غير الإنسان مفطور على معرفة الرب . وأما الإيمان بربوبيته: فهو الإيمان بأنه وحده الخالق لهذا الكون المالك له المدبر له؛ وقد دل عليه ما سبق من الأدلة على وجوده؛ وقد أقر بذلك المشركون، كما في قوله تعالى: ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله﴾؛ إلى غيرها من الآيات الكثيرة. وأما الإيمان بألوهيته: فهو الإيمان بأنه لا إله في الوجود حق إلا الله وكل ما سواه من الآلهة باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ [الحج: ٦٢]، فالله هو الإله الحق. وأما الإيمان بأسمائه، وصفاته: فهو الإيمان بما أثبته الله لنفسه، أو أثبتته له رسله من الأسماء والصفات إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ ... وقوله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ [النحل: ٦٠] ووجه الدلالة: تقديم الخبر في الآيتين؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ٢ ــ ومن فوائد الآية: أن طاعة الله من البر. ٣ ــ ومنها: أن الإيمان باليوم الآخر من البر؛ ويشمل كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، كفتنة القبر، ونعيمه، وعذابه، وقيام الساعة، والبعث، والحساب، والصراط، والميزان، والكتب باليمين، أو الشمال، والجنة، وما ذُكر من

стр. 722

نعيمها، والنار، وما ذكر من عذابها، وغير ذلك مما جاء في الكتاب، والسنة عن هذه الأمور مفصلاً أحياناً، ومجملاً أحياناً. والإيمان باليوم الآخر يستلزم الاستعداد له بالعمل الصالح، ولهذا يقرن الله الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به تعالى كثيراً لأن نتجية هذا الإيمان أن يقوم العبد بطاعته ؛ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخرة، ولكن لا يستعد له فدعواه ناقصة؛ ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد؛ كما أنه لو قيل مثلاً لإنسان عنده حَبٌّ: إنه سينزل اليوم مطر، فظلَّل الحَبّ؛ معلوم أن الذي لا يؤمن بهذا الكلام لن يغطيه؛ كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو، فشدد في الحراسة؛ إذا آمن بأنه سيأتي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن؛ فإذا لم يشدد في الحراسة علمنا أنه لم يؤمن به. ٤ ــ ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالملائكة من البر؛ ويشمل الإيمان بذواتهم، وصفاتهم، وأعمالهم إجمالاً فيما علمناه إجمالاً، وتفصيلاً فيما علمناه تفصيلاً؛ واعلم أن الملائكة - عليهم الصلاة السلام - منهم من عُين لنا، وعرفناه باسمه؛ ومنهم من لم يعين؛ فمن عين لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه كما عين، مثل «جبريل» ﵇؛ وإسرافيل؛ ومالك - خازن النار -؛ ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ (١) - ففيه نظر -؛

стр. 723

وميكائيل؛ وملك الموت - ولكننا لا نعرف اسمه؛ بعض الناس يقولون: عزرائيل؛ ولكن لم يصح هذا؛ وهاروت، وماروت؛ ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله؛ ومنهم من لم نعلم؛ لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مكرمون، وممتثلون لأمر الله ، لهم نصيب من تدبير الخلق بإذن الله؛ منهم الموكل بالقطر، والنبات؛ والموكل بالنفخ في الصور؛ وفيهم ملائكة موكلة بالأجنة؛ وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم؛ وملائكة موكلة بحفظ بني آدم؛ كما قال تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]؛ لكن كل هذا بأمر الله وبإذنه؛ وليس لهم منازعة لله ، ولا معاونة في أي شيء من الكون؛ قال الله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣ فنفى جميع ما يتعلق به المشركون: ﴿لا يملكون مثقال ذرة﴾ [سبأ: ٢٢] انفراداً؛ ﴿وما لهم فيهما من شرك﴾ [سبأ: ٢٢] مشاركة؛ ﴿وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: ٢٢] معاونة؛ ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ: ٢٣]: فنفى الشفاعة، والوساطة إلا بإذنه، ثم قال تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ [سبأ: ٢٣]: وهم الملائكة إذا

стр. 724

سمعوا الوحي صعقوا؛ فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون؛ لكنهم يمتثلون أمر الله . ٥ ــ ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالكتب من البر؛ وكيفيته أن نؤمن بأن كل كتاب أنزله الله على أحد من رسله فهو حق: صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام؛ ولكننا لا نكلف بالعمل بما فيها فيما جاءت شريعتنا بخلافه؛ واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥] أي مع هؤلاء الرسل، وقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ فما من رسول إلا معه كتاب؛ والكتب المعروفة لدينا هي التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى، والقرآن الكريم؛ وصحف موسى اختلف العلماء أهي التوراة أو غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها؛ ومنهم من قال: إنها هي؛ وأما ما لم نعلم به فنؤمن به إجمالاً؛ فتقول بقلبك، ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل رسول؛ ثم إن المراد أن نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتاباً يسمى التوراة؛ وعلى عيسى كتاباً يسمى الإنجيل؛ وعلى داود كتاباً يسمى الزبور؛ أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك؛ لأنه محرف، ومغير، ومبدل؛ لكن تؤمن بأن له أصلاً نزل على هؤلاء الرسل. ٦ ــ ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالنبيين من البر؛ فنؤمن بكل نبي أوحى الله إليه؛ فمن علمنا منهم نؤمن به بعينه؛ والباقي إجمالاً؛ وقد ورد في حديث صححه ابن حبان أن عدة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً؛ وأن عدة الأنبياء مائة وأربعة

стр. 725

وعشرون ألفاً (١)؛ فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به؛ وإن لم يصح فإن الله تعالى يقول: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر: ٧٨]؛ ونحن لا نكلف الإيمان إلا بما بلغنا؛ فالذين علمناهم من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم؛ والذين لم

стр. 726

نعلمهم نؤمن بهم إجمالاً، كما قال تعالى: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ وقد ذكر في القرآن أربعة وعشرون رسولاً؛ قال تعالى: ﴿ووهبنا له﴾ [الأنعام: ٨٤] أي إبراهيم: ﴿إسحاق ويعقوب كلًّا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلًّا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٤ ــ ٨٦]؛ فهؤلاء ثمانية عشر؛ ويبقى شعيب، وصالح، وهود، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد ﷺ . ٧ ــ ومن فوائد الآية: أن إعطاء المال على حبه من البر؛ وكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به وقال: إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ وعندما سمع أبو طلحة هذه الآية تصدق ببستانه الذي هو أحب شيء إليه من ماله؛ لا لأنه بستانه فقط؛ ولكن لأن الرسول ﷺ كان يأتي إليه، ويشرب فيه من ماء طيب، وكان قريباً من مسجد الرسول ﷺ ؛ ولما نزلت الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ذهب إلى الرسول ﷺ وقال: «يا رسول الله، إن الله أنزل هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾؛ وإن أحب مالي إليّ «بيرُحاء»؛ وإني أضعها صدقة إلى الله ورسوله؛ فقال النبي ﷺ : بخ! بخ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح! أرى أن تجعله في الأقربين» (١).

стр. 727

٨ ــ ومن فوائد الآية: أن إعطاء ذوي القربى أولى من إعطاء اليتامى، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم، فقال تعالى: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى﴾؛ فلو سأل سائل: هل الأفضل أن أعطي القرابة، أو اليتامى؟ لقلنا: أعطِ القرابة؛ اللهم إلا إن يكون هناك ضرورة في اليتامى ترجح إعطاءهم؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ تقديم صلة الرحم على العتق (١)؛ واعلم أن الحكم إذا علق بوصف تختلف أفراده فيه قوة وضعفاً، فإنه يزداد قوة بقوة ذلك الوصف؛ فإذا كان معلقاً بالقرابة فكل من كان أقرب فهو أولى؛ وأقرب الناس إليك، وأحقهم بالبر: أمك، وأبوك. ٩ ــ ومن فوائد الآية: أن لليتامى حقاً؛ لأن الله امتدح من آتاهم المال؛ لقوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ سواء كانوا فقراء، أم أغنياء. ١٠ ــ ومنها: إثبات رحمة الله ، حيث ندب إلى إتيان المال لليتامى، والمساكين؛ لأن هذا لا شك من الرحمة بهم. ١١ ــ ومنها: أن لابن السبيل حقاً - ولو كان غنياً في بلده. ١٢ ــ ومنها: أن إعطاء السائل من البر - وإن كان غنياً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والسائلين﴾. فإذا قال قائل: إذا كان مؤتي المال للسائلين من أهل البر فكيف يتفق، والتحذير من سؤال الناس؟ فالجواب: أنه لا معارضة؛ لأن الجهة منفكة؛ فالممدوح: المعطي؛ والمحذَّر: السائل المعطى؛ فإذا انفكت الجهة فلا تعارض؛ فلو رأيت مبتلى بهذه المهنة - وهي مهنة سؤال الناس -

стр. 728

فأعطه إذا سألك، ثم انصحه، وحذره؛ لتكون مؤتياً للمال، وناصحاً للسائل؛ لأن بعض الناس - والعياذ بالله - نعلم علم اليقين - أو يغلب على الظن المؤكد - أنه غني؛ وإنما سأل الناس تكثراً؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أن: «من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل، أو ليستكثر» (١)؛ وأنه «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم» (٢). ١٣ ــ ومن فوائد الآية: أن إعتاق الرقاب من البر؛ لقوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾؛ والمال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة؛ وإنما يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ ﴿في﴾ الدالة على الظرفية؛ والرقاب ذكر أهل العلم أنها ثلاثة أنواع: أـ عبد مملوك تشتريه، وتعتقه. ب ــ مكاتب اشترى نفسه من سيده، فأعنته في كتابته. ج ــ أسير مسلم عند الكفار، فافتديته؛ وكذلك لو أسر عند غير الكفار، مثل الذين يختطفون الآن ــ والعياذ بالله؛ إذا طلب المختطفون فدية فإنه يفك من الزكاة؛ لأن فيها فك رقبة من القتل. ١٤ ــ ومنها: أن إقامة الصلاة من البر؛ لقوله تعالى: ﴿وأقام الصلاة﴾.

стр. 729

١٥ ــ ومنها: أن إيتاء الزكاة للمستحقين لها من البر. ١٦ ــ ومنها: الثناء على الموفين بالعهد، وأن الوفاء به من البر؛ والعهد عهدان: عهد مع الله ؛ وعهد مع الخلق. فالعهد الذي مع الله بينه بقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [المائدة: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠]؛ فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به رباً، فنرضى بشريعته؛ بل بأحكامه الكونية، والشرعية؛ هذا العهد الذي بيننا، وبين ربنا. أما العهد الذي بيننا، وبين الناس فأنواعه كثيرة جداً غير محصورة؛ منها العقود، مثل عقد البيع، وعقد الإجارة، وعقد الرهن، وعقد النكاح، وغير ذلك؛ لأنك إذا عقدت مع إنسان التزمت بما يقتضيه ذلك العقد؛ إذاً فكل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ ومن العهود بين الخلق؛ ما يجري بين المسلمين وبين الكفار؛ وهو ثلاثة أنواع: مؤبد؛ ومقيد؛ ومطلق؛ فأما المؤبد فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الجهاد؛ وأما المقيد فبحسب الحاجة ــ وإن

стр. 730

طالت المدة على القول الراجح ــ لأنه عهد دعت إليه الحاجة؛ فيتقيد بقدرها؛ وقيل: لا تجوز الزيادة فيه على عشرة سنوات؛ لأن الأصل وجوب قتال الكفار، وأبيح العهد في عشر سنوات تأسياً برسول الله ﷺ في صلح الحديبية؛ والصحيح الأول؛ ويجاب عن عهد الحديبية بأن الحادثة لا تقتضي الزيادة؛ وأما المطلق فهو الذي لم يؤبد، ولم يحدد؛ وهو جائز على القول الراجح عند الحاجة إليه؛ فمتى وجد المسلمون الحاجة إليه عقدوه؛ وإذا زالت الحاجة عاملوا الكفار بما تقتضيه الحال؛ ولا حجة للكفار فيه؛ لأنه مطلق. والمعاهدون من الكفار لهم ثلاث حالات؛ الحال الأولى: أن يستقيموا لنا؛ الحالة الثانية: أن يخونوا؛ الحال الثالثة: أن نخاف منهم الخيانة؛ فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم؛ ولا يمكن أن نخون أبداً؛ لقوله تعالى (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين) [التوبة: ٧]؛ وإن خانوا انقض عهدهم، ووجب قتالهم؛ لقوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم) [التوبة: ١٢]؛ وإن خفنا منهم الخيانة وجب أن ننبذ إليهم عهدهم على سواء؛ لقوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]: نخبرهم أن لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة؛ ومن العهد أيضاً ما يقع بين الإنسان وبين غيره من الالتزامات غير العقود، مثل الوعد؛ فإن الوعد من العهد؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب الوفاء بالوعد، أو لا يجب؛ والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب الوفاء بالوعد؛ لأنه داخل في العهد، ولأن إخلاف الوعد من علامات

стр. 731

النفاق؛ وإذا كان كذلك فلا يجوز للمؤمن أن يتحلى بأخلاق المنافقين. ١٧ ــ ومن فوائد الآية: أن الصبر من البر؛ وهو ثلاثة أنواع: الأول: الصبر على طاعة الله، بأن يتحمل الصبر على الطاعة من غير ضجر، ولا كراهة. الثاني: الصبر عن معصية الله، بأن يحمل نفسه على الكف عن معصية الله إذا دعته نفسه إليها. الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة التي لا تلائم الطبيعة بأن لا يتسخط من المقدور، ولا يتضجر؛ بل يحبس نفسه عن ذلك: قال الله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ ــ ١٥٧]. وأعلى هذه الأنواع: الصبر على طاعة الله؛ لأن فيه تحملاً، ونوعاً من التعب بفعل الطاعة؛ ثم الصبر عن المعصية؛ لأن فيه تحملاً، وكفاً عن المعصية؛ والكف أهون من الفعل؛ ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة، لأنه على شيء لا اختيار للعبد فيه، ولهذا قيل: «إمّا أن تصبر صبر الكرام، وإمّا أن تسلوَ سلوّ البهائم». ١٨ ــ ومن فوائد الآية: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾؛ فصدقهم مع الله، حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين؛ وأنهم أقاموا

стр. 732

الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات؛ وأما صدقهم مع الخلق يدخل في قوله تعالى: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾؛ وهذا من علامات الصدق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾؛ فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق. ١٩ ــ ومن فوائد الآية أن ما ذكر من تقوى الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وأولئك هم المتقون﴾؛ وسبق أنها إذا جمعت مع البر صارت التقوى ترك المحرمات، وصار البر فعل المأمورات؛ وإذا افترقا دخل أحدهما في الآخر؛ وفي هذه الآية قال تعالى: ﴿وأولئك هم المتقون﴾ مع أنهم قائمون بالبر؛ فدل هذا على أن القيام بالبر من التقوى؛ لأن حقيقة الأمر أن القائم بالبر يرجو ثواب الله، ويخشى عقاب الله. ٢٠ ــ ومنها: أن هؤلاء فقط هم المتقون؛ ونفهم ذلك من الحصر وطريقه هنا أمران: أـ تعريف طرفي الجملة. ب ــ ضمير الفصل. تنبيه: ظاهر الآية الكريمة العموم في إتيان المال لهؤلاء المذكورين في الآية: القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب؛ فظاهر الآية العموم للمسلمين، والكافرين؛ لكنه غير مراد؛ بل هي خاصة بالمسلم؛ وأما الكافر فلا بأس من بره، والإحسان إليه بشرط أن يكون ممن لا يقاتلوننا في ديننا، ولم يخرجونا من ديارنا؛ لقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله

стр. 733

عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨]؛ وعلى هذا فإذا كان الكافر يقاتلنا بنفسه بأن يكون هذا الرجل المعين مقاتلاً، أو يقاتلنا حكماً، مثل أن يكون من دولة تقاتل المسلمين فإنه لا يجوز بره، ولا إعطاؤه المال؛ لأنه مستعد حكماً للقتال: إذا أمرته دولته بقتال فإنه يلبي؛ وما دام حرباً للمسلمين فإنه يريد إعدام المسلمين، وليس أهلاً للإحسان إليه. القرآن ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة: ١٧٨) التفسير: ﴿١٧٨﴾ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ سبق الكلام على ذكر فوائد تصدير الخطاب بالنداء بوصف الإيمان للمنادى. قوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾؛ أي فُرض، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾؛ وسمي الفرض مكتوباً؛ لأن الكتابة تثَبِّت الشيء، وتوثقه؛ قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قوله تعالى: ﴿القصاص﴾ هذه نائب فاعل؛ والقصاص يشمل إزهاق النفس، وما دونها؛ قال الله تعالى في سورة المائدة:

стр. 734

﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال النبي ﷺ في كسر الربيع سن جارية من الأنصار: «كتاب الله القصاص» (١)؛ ولكنه تعالى هنا قال: ﴿في القتلى﴾؛ وفي سورة المائدة: في القتل، وفيما دونه: ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين ... ﴾ [المائدة: ٤٥] إلخ. و «قتلى» جمع قتيل، مثل «جرحى» جمع جريح؛ و «أسرى» جمع أسير؛ وقوله تعالى: ﴿في القتلى﴾ أي في شأن القتلى؛ وليس في القتلى أنفسهم؛ لأن القتيل مقتول؛ فلا قصاص؛ لكن في شأنهم؛ والذي يُقتص منه هو القاتل. وبعد العموم في قوله تعالى: ﴿القصاص في القتلى﴾ بدأ بالتفصيل فقال تعالى: ﴿الحر بالحر﴾؛ ﴿الحر مبتدأ؛ و ﴿بالحر﴾ خبر؛ يعني الحر يقتل بالحر؛ والباء هنا إما للبدلية؛ وإما للعوض؛ يعني الحر بدل الحر؛ أو الحر عوض الحر؛ و ﴿الحر﴾ هو الذي ليس بمملوك. قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾ أي العبد يقتل بالعبد؛ و ﴿العبد﴾ هو المملوك. قوله تعالى: ﴿والأنثى بالأنثى﴾ أي الأنثى تقتل بالأنثى. قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾؛ «مَن» هذه شرطية؛ والفاء عاطفة ومفرِّعة أيضاً، تفيد أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها.

стр. 735

وقوله تعالى: ﴿فمن عفي له﴾: المعفو عنه القاتل؛ و ﴿من أخيه﴾ المراد به المقتول ــ أي من دم أخيه فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص؛ وحينئذ على العافي اتباع بالمعروف عند قبض الدية، بحيث لا يتبع عفوه منًّا، ولا أذًى؛ و ﴿شيء﴾ نكرة في سياق الشرط؛ فتعم كل شيء قليلاً كان، أو كثيراً. وقوله تعالى: ﴿فاتباع﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب اتباع بالمعروف؛ والاتباع بالمعروف يكون على ورثة المقتول؛ يعني إذا عفوا فعليهم أن يَتَّبعوا القاتل بالمعروف. قوله تعالى: ﴿وأداء إليه﴾ أي على القاتل إيصال إلى العافي عن القصاص؛ وهي معطوفة على «اتباع»؛ والضمير في ﴿إليه﴾ يعود إلى العافي بإحسان؛ والمؤدَّى: ما وقع الاتفاق عليه. قوله تعالى: ﴿بإحسان﴾ أي يكون الأداء بإحسان وافياً بدون مماطلة؛ والباء للمصاحبة - يعني أداءً مصحوباً بالإحسان - وإنما نص على «الإحسان» هنا؛ و «المعروف» هناك؛ لأن القاتل المعتدي لا يكفّر عنه إلا الإحسان ليكون في مقابلة إساءته؛ أما أولئك العافون فإنهم لم يجنوا؛ بل أحسنوا حين عدلوا عن القتل إلى الدية. قوله تعالى: [ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾: المشار إليه كل ما سبق من وجوب القصاص، ومن جواز العفو؛ تخفيف من الله في مقابل وجوب القصاص؛ وقد ذكر ابن عباس ﵄ أن بني إسرائيل فرض الله عليهم القصاص فرضاً؛

стр. 736

وهذه الأمة خفف عنها؛ فلم يجب عليها القصاص؛ لأن الإنسان قد يكون لديه رحمة بالقاتل؛ وقد يكون القاتل من أقاربه؛ وقد يكون اعتبارات أخرى فلا يتمكن من تنفيذ القصاص في حقه؛ فخفف على هذه الأمة - ولله الحمد. وقوله تعالى: ﴿من ربكم﴾: «الرب» معناه الخالق المالك المدبر لخلقه كما يشاء على ما تقتضيه حكمته. وقوله تعالى: [ورحمة﴾ أي بالجميع: بالقاتل - حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول - حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض؛ لأن من الجائز أن يكون الواجب إما القصاص؛ أو العفو مجاناً؛ لكن من رحمة الله أنه أباح هذا، وهذا؛ فهو رحمة بالجميع. قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾: ﴿من﴾ اسم شرط؛ وفعل الشرط: ﴿اعتدى﴾؛ وجوابه: ﴿فله عذاب أليم﴾؛ المشار إليه في قوله تعالى: ﴿بعد ذلك﴾: التنازل عن القصاص بأخذ الدية، أو قبولها؛ و ﴿عذاب﴾ بمعنى عقوبة؛ و ﴿أليم﴾ بمعنى مؤلم - يعني: موجع؛ والمعنى: أن من اعتدى من أولياء المقتول بعد العفو فله عذاب أليم - ويحتمل أن يكون المراد: من اعتدى من أولياء المقتول، ومن القاتل. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أهمية القصاص؛ لأن الله وجه الخطاب به إلى المؤمنين؛ وصدره بالنداء المستلزم للتنبيه؛ وتصدير الخطاب بالنداء فائدته التنبيه، وأهمية الأمر. ٢ ــ ومنها: أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان؛ لأن الخطاب موجه للمؤمنين.

стр. 737

٣ ــ ومنها: أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان؛ فما كان من مقتضى الإيمان تنفيذه فإنه يقتضي نقص الإيمان بتركه. ٤ ــ ومنها: وجوب التمكين من القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾. ٥ ــ ومنها: مراعاة التماثل بين القاتل، والمقتول؛ لقوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾. ٦ ــ ومنها: أن الحر يقتل بالحر - ولو اختلفت صفاتهما، كرجل عالم عاقل غني جواد شجاع قتل رجلاً فقيراً أعمى أصم أبكم زمِناً جباناً جاهلاً فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾. ٧ ــ ومنها: أن العبد يقتل بالحر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر. ٨ ــ ومنها: أن العبد يقتل بالعبد - ولو اختلفت قيمتهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾؛ فلو قتل عبد يساوي مائة ألف عبداً لا يساوي إلا عشرة دراهم فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾. ٩ ــ ومنها: أن العبد إذا قتل وكان قاتله حراً فإنه لا يقتل به؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، وقول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس ... » (١)؛ وهذا القول

стр. 738

هو الصواب؛ والقول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد إذا كان مالكاً له؛ لقول النبي ﷺ : «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» (١)؛ وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر: «أولاً»: للاختلاف فيه؛ و «ثانياً»: أن يقال: إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه فمن باب أولى أن يقتل به من ليس بسيد له؛ وأما حديث: «لا يقتل حر بعبد» (٢) فضعيف. ١٠ ــ ومنها: أن الأنثى تقتل بالأنثى - ولو اختلفت

стр. 739

صفاتهما - لعموم قوله تعالى: ﴿والأنثى بالأنثى﴾. ١١ ــ ومنها: أن الأنثى تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالأنثى فإنها من باب أولى تقتل بالرجل؛ ودلالة الآية عليه من باب مفهوم الأولوية. ١٢ ــ ومنها: أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنه أعلى منها؛ هذا مفهوم الآية؛ والصواب أنه يقتل بها؛ لأن النبي ﷺ قتل يهودياً كان قتل جارية على أوضاح لها - رض رأسها بين حجرين (١)؛ فرض النبي ﷺ رأسه بين حجرين؛ وهذا يدل أن قتله كان قصاصاً؛ لا لنقض العهد - كما قيل به. ١٣ - ومنها: جواز العفو عن القصاص إلى الدية؛ لقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ... ) إلخ؛ وهل له أن يعفو مجاناً؟ الجواب: نعم؛ له ذلك؛ لأن الله ندب إلى العفو فقال: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾ [التغابن: ١٤]، وقال في وصف أهل الجنة: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ لكن العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفاً

стр. 740

بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فساداً، وإفساداً فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه. ١٤ ــ ومن فوائد الآية: أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ وهي نكرة تعم القليل، والكثير؛ لأنها في سياق الشرط؛ وعلى هذا فلو كان لأحد ورثة المقتول جزء من ألف جزء من التركة، ثم عفا عن القصاص انسحب العفو على الجميع؛ لأن الجزء الذي عفا عنه لا قصاص فيه؛ والقصاص لا يتبعض؛ إذ لا يمكن قتل القاتل إلا جزءاً من ألف جزء منه. ١٥ ــ ومنها: أن دية العمد على القاتل؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ ولا شك أن المعفو عنه هو القاتل؛ وقد أمر بالأداء. ١٦ ــ ومنها: أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ فجعل الله المقتول أخاً للقاتل؛ ولو خرج من الإيمان لم يكن أخاً له. ١٧ ــ ومنها: الرد على طائفتين مبتدعتين؛ وهما الخوارج، والمعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان؛ لكن الخوارج يصرحون بكفره؛ والمعتزلة يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين: الإيمان، والكفر ــ فلا هو كافر؛ ولا هو بمؤمن؛
следующие страницы →