وهذه الأمة خفف عنها؛ فلم يجب عليها القصاص؛ لأن الإنسان قد يكون لديه رحمة بالقاتل؛ وقد يكون القاتل من أقاربه؛ وقد يكون اعتبارات أخرى فلا يتمكن من تنفيذ القصاص في حقه؛ فخفف على هذه الأمة - ولله الحمد.
وقوله تعالى: ﴿من ربكم﴾: «الرب» معناه الخالق المالك المدبر لخلقه كما يشاء على ما تقتضيه حكمته.
وقوله تعالى: [ورحمة﴾ أي بالجميع: بالقاتل - حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول - حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض؛ لأن من الجائز أن يكون الواجب إما القصاص؛ أو العفو مجاناً؛ لكن من رحمة الله أنه أباح هذا، وهذا؛ فهو رحمة بالجميع.
قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾: ﴿من﴾ اسم شرط؛ وفعل الشرط: ﴿اعتدى﴾؛ وجوابه: ﴿فله عذاب أليم﴾؛ المشار إليه في قوله تعالى: ﴿بعد ذلك﴾: التنازل عن القصاص بأخذ الدية، أو قبولها؛ و ﴿عذاب﴾ بمعنى عقوبة؛ و ﴿أليم﴾ بمعنى مؤلم - يعني: موجع؛ والمعنى: أن من اعتدى من أولياء المقتول بعد العفو فله عذاب أليم - ويحتمل أن يكون المراد: من اعتدى من أولياء المقتول، ومن القاتل.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أهمية القصاص؛ لأن الله وجه الخطاب به إلى المؤمنين؛ وصدره بالنداء المستلزم للتنبيه؛ وتصدير الخطاب بالنداء فائدته التنبيه، وأهمية الأمر.
٢ ــ ومنها: أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان؛ لأن الخطاب موجه للمؤمنين.
стр. 737
٣ ــ ومنها: أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان؛ فما كان من مقتضى الإيمان تنفيذه فإنه يقتضي نقص الإيمان بتركه.
٤ ــ ومنها: وجوب التمكين من القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾.
٥ ــ ومنها: مراعاة التماثل بين القاتل، والمقتول؛ لقوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾.
٦ ــ ومنها: أن الحر يقتل بالحر - ولو اختلفت صفاتهما، كرجل عالم عاقل غني جواد شجاع قتل رجلاً فقيراً أعمى أصم أبكم زمِناً جباناً جاهلاً فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾.
٧ ــ ومنها: أن العبد يقتل بالحر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر.
٨ ــ ومنها: أن العبد يقتل بالعبد - ولو اختلفت قيمتهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾؛ فلو قتل عبد يساوي مائة ألف عبداً لا يساوي إلا عشرة دراهم فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾.
٩ ــ ومنها: أن العبد إذا قتل وكان قاتله حراً فإنه لا يقتل به؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، وقول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس ... » (١)؛ وهذا القول
стр. 738
هو الصواب؛ والقول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد إذا كان مالكاً له؛ لقول النبي ﷺ : «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» (١)؛
وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر: «أولاً»: للاختلاف فيه؛ و «ثانياً»: أن يقال: إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه فمن باب أولى أن يقتل به من ليس بسيد له؛ وأما حديث: «لا يقتل حر بعبد» (٢) فضعيف.
١٠ ــ ومنها: أن الأنثى تقتل بالأنثى - ولو اختلفت
стр. 739
صفاتهما - لعموم قوله تعالى: ﴿والأنثى بالأنثى﴾.
١١ ــ ومنها: أن الأنثى تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالأنثى فإنها من باب أولى تقتل بالرجل؛ ودلالة الآية عليه من باب مفهوم الأولوية.
١٢ ــ ومنها: أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنه أعلى منها؛ هذا مفهوم الآية؛ والصواب أنه يقتل بها؛ لأن النبي ﷺ قتل يهودياً كان قتل جارية على أوضاح لها - رض رأسها بين حجرين (١)؛ فرض النبي ﷺ رأسه بين حجرين؛ وهذا يدل أن قتله كان قصاصاً؛ لا لنقض العهد - كما قيل به.
١٣ - ومنها: جواز العفو عن القصاص إلى الدية؛ لقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ... ) إلخ؛ وهل له أن يعفو مجاناً؟ الجواب: نعم؛ له ذلك؛ لأن الله ندب إلى العفو فقال: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾ [التغابن: ١٤]، وقال في وصف أهل الجنة: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ لكن العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفاً
стр. 740
بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فساداً، وإفساداً فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه.
١٤ ــ ومن فوائد الآية: أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ وهي نكرة تعم القليل، والكثير؛ لأنها في سياق الشرط؛ وعلى هذا فلو كان لأحد ورثة المقتول جزء من ألف جزء من التركة، ثم عفا عن القصاص انسحب العفو على الجميع؛ لأن الجزء الذي عفا عنه لا قصاص فيه؛ والقصاص لا يتبعض؛ إذ لا يمكن قتل القاتل إلا جزءاً من ألف جزء منه.
١٥ ــ ومنها: أن دية العمد على القاتل؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ ولا شك أن المعفو عنه هو القاتل؛ وقد أمر بالأداء.
١٦ ــ ومنها: أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ فجعل الله المقتول أخاً للقاتل؛ ولو خرج من الإيمان لم يكن أخاً له.
١٧ ــ ومنها: الرد على طائفتين مبتدعتين؛ وهما الخوارج، والمعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان؛ لكن الخوارج يصرحون بكفره؛ والمعتزلة يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين: الإيمان، والكفر ــ فلا هو كافر؛ ولا هو بمؤمن؛
стр. 741
لكن اتفق الجميع على أنه مخلد في النار.
١٨ ــ ومنها: أنه يجب الاتباع بالمعروف ــ يعني يجب على أولياء المقتول إذا عفوا إلى الدية ألا يتسلطوا على القاتل؛ بل يتبعونه بالمعروف بدون أذية، وبدون منة؛ لقوله تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف﴾؛ والخطاب لأولياء المقتول.
١٩ ــ ومنها: وجوب الأداء على القاتل بالإحسان، لقوله تعالى: ﴿وأداء إليه بإحسان﴾.
٢٠ ــ ومنها: أن الله خفف عن هذه الأمة بجواز العفو، ورحمهم بجواز أخذ العوض؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾: تخفيف على القاتل؛ ورحمة بأولياء المقتول، حيث أذن لهم أن يأخذوا عوضاً؛ وإلا لقيل لهم: إما أن تعفوا مجاناً؛ وإما أن تأخذوا بالقصاص.
٢١ ــ ومنها: إثبات الرحمة لله؛ وهي رحمة حقيقية تستلزم حصول النعم، واندفاع النقم؛ وأهل التعطيل يفسرونها بـ «الإنعام» الذي هو مفعول الرب؛ أو بـ «إرادة الإنعام»؛ وينكرون حقيقة الرحمة؛ وقد ضلوا في ذلك: فإن الإنعام، أو إرادته من آثار الرحمة، وليسا إياها.
٢٢ ــ ومنها: أن المعتدي بعد انتهاء القصاص، أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم سواء كان من أولياء المقتول، أو من القاتل؛ لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾.
القرآن
( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ١٧٩)
стр. 742
التفسير:
﴿١٧٩﴾ قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾؛ ﴿لكم﴾ خبر مقدم؛ و ﴿حياة﴾ مبتدأ مؤخر؛ و ﴿القصاص هو قتل القاتل بمن قتله؛ فـ «أل» فيه للعهد؛ و ﴿حياة﴾ نكرة للتعظيم؛ والمعنى: حياة كبرى، أو عظمى.
قوله تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾ أي يا أصحاب العقول؛ وإنما خاطبهم بذلك؛ لأن الحكم يحتاج إلى تعقل، وتدبر حتى يتبين مطابقته للعقل.
قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾؛ «لعل» للتعليل؛ والمعلَّل ثبوت القصاص؛ يعني: أوجبنا القصاص، وكتبناه عليكم من أجل أن تتقوا العدوان بالقتل؛ فإن الإنسان إذا علم أنه مقتول بالقتل سيتقي القتل بلا شك.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: الحكمة العظمى في القصاص؛ وهي الحياة الكاملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾.
فإن قيل: كيف يكون لنا في القصاص حياة مع أننا قتلنا القاتل؛ فزدنا إزهاق نفس أخرى؟.
فالجواب: نعم؛ يكون لنا في القصاص حياة بأن القتلة إذا علموا أنه سيقتص منهم امتنعوا عن القتل؛ فكان في ذلك تقليل للقتل، وحياة للأمة؛ ولهذا جاءت منكرة للدلالة على عظم هذه الحياة؛ فالتنكير هنا للتعظيم ــ يعني حياة عظيمة شاملة للمجتمع كله؛ أما بالنسبة للقاتل فيقتل؛ لكن قتل القاتل حياة للجميع.
стр. 743
٢ ــ ومن فوائد الآية: أن يُفعل بالجاني كما فَعل؛ لأن بذلك يتم القصاص؛ فإذا قتل بسكين قُتل بمثلها؛ أو بحجر قُتل بمثله؛ أو بسمّ قُتل بمثله؛ وهكذا.
٣ ــ ومنها: أن كون القصاص حياة يحتاج إلى تأمل وعقل، لقوله تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾.
٤ ــ ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يؤمن بأحكام الشريعة دون تردد؛ وإذا رأى ما يستبعده في بادئ الأمر فليتأمل وليتعقل حتى يتبين له أنه عين الحكمة، والمصلحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾؛ فأتى بالنداء المقتضي للانتباه.
٥ ــ ومنها: أن من فوائد القصاص أن يتقي الجناة القتل؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]؛ واتقاؤهم للقتل من تقوى الله.
تنبيه:
اعلم بأن للقصاص شروطاً لثبوته؛ وشروطاً لاستيفائه مذكورة على التفصيل في كتب الفقه؛ فليرجع إليها.
القرآن
( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٨٠)
التفسير:
﴿١٨٠﴾ قوله تعالى: ﴿كتب﴾ أي فُرض؛ فهو فعل مبني لما لم يسم فاعله؛ وفاعله معلوم ــ وهو الله ؛ ونائب
стр. 744
الفاعل قوله تعالى: ﴿الوصية﴾؛ إنما لم يؤنث الفعل لكون نائب الفاعل مؤنثاً تأنيثاً مجازياً؛ وللفصل بينه وبين عامله.
قوله تعالى: ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ يريد بذلك - والله أعلم - إذا مُرض الإنسان مرض الموت؛ أما إذا حضره بمعنى أنه كان في سياق الموت فإن في ذلك تفصيلاً يأتي - إن شاء الله - في الفوائد.
قوله تعالى: ﴿إن ترك خيراً﴾: قال العلماء: أي مالاً كثيراً؛ و ﴿الوصية﴾ هي العهد إلى غيره بشيء هام؛ ﴿للوالدين﴾ يعني بذلك الأم، والأب؛ و ﴿الأقربين﴾: من سواهما من القرابة؛ والمراد بهم الأدنون، كالإخوة، والأعمام، ونحوهم؛ ﴿بالمعروف﴾ أي بما عرفه الشرع، وأقره؛ وهو الثلث فأقل؛ ﴿حقاً﴾ أي مؤكداً؛ وهو مصدر حذف عامله؛ والتقدير: أحق ذلك حقاً؛ ﴿على المتقين﴾ أي المتصفين بالتقوى؛ و «التقوى» هي اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: وجوب الوصية للوالدين والأقربين لمن ترك مالاً كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾؛ واختلف العلماء ــ ﵏ ــ هل هذا منسوخ بآيات المواريث؛ أم هو محكم، وآيات المواريث خصصت؟ على قولين؛ فأكثر العلماء على أنه منسوخ؛ ولكن القول الراجح أنه ليس بمنسوخ؛ لإمكان التخصيص؛ فيقال: إن قوله تعالى: ﴿للوالدين والأقربين﴾ مخصوص بما إذا كانوا وارثين؛ بمعنى أنهم إذا كانوا وارثين فلا
стр. 745
وصية لهم اكتفاءً لما فرضه الله لهم من المواريث؛ وتبقى الآية على عمومها فيمن سوى الوارث.
٢ ــ ومن فوائد الآية: جواز الوصية للصحيح، والمريض، ومن حضره الموت؛ ولكن النصوص تدل على أن من حضره الموت ينقسم إلى قسمين:
الأول: من بقي معه عقله ووعيه، فوصيته نافذة حسب الشروط الشرعية.
الثاني: من فقد وعيه وعقله، فلا تصح وصيته.
٣ ــ ومنها: جواز الوصية بما شاء من المال؛ لكن هذا مقيد بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : «أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا؛ قال: فالشطر؟ قال: لا؛ قال: فالثلث؟ قال: الثلث؛ والثلث كثير» (١)؛ وعلى هذا فلا يزاد في الوصية على ثلث المال؛ فتكون الآية مقيدة بالحديث.
٤ ــ ومنها: أن الوصية الواجبة إنما تكون فيمن خلّف مالاً كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿إن ترك خيراً﴾؛ فأما من ترك مالاً قليلاً فالأفضل أن لا يوصي إذا كان له ورثة؛ لقول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (٢).
стр. 746
٥ ــ ومنها: أن الوصية ليست مقيدة بجزء معين من المال؛ بل هي بالمعروف.
٦ ــ ومنها: أهمية صلة الرحم، حيث أوجب الله الوصية للوالدين والأقربين بعد الموت؛ لأن صلة الرحم من أفضل الأعمال المقربة إلى الله؛ فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي ﷺ : أنها أعتقت جارية لها؛ فقال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» (١)؛ فجعل النبي ﷺ صلة الرحم أعظم أجراً من العتق.
٧ ــ ومنها: تأكيد وجوب الوصية على من ترك مالاً كثيراً لمن ذُكر؛ وجه التوكيد قوله تعالى: ﴿حقاً على المتقين﴾.
٨ ــ ومنها: أن المتقين هم الذين يراعون فرائض الله؛ ولذلك وجه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿حقاً على المتقين﴾.
مسألة:
إذا قال قائل: كيف يكون الوالدان غير وارثين؟.
فالجواب: أن ذلك ممكن، مثل أن يكون الأب، أو الأم مخالفة في الدين؛ فإنه لا يرث فتوصي له.
كذلك بالنسبة للأقربين فإنهم قد لا يرثون لحجبهم بمن هو أولى منهم.
стр. 747
مسألة ثانية:
فإن قال قائل: إن الله فرض للأب السدس مثلاً؛ وللأم السدس؛ وللزوجة الربع؛ وللزوج النصف؛ وما أشبه ذلك؛ وهذا يقتضي أن يكون لهم فرضهم كاملاً؛ ومع تنفيذ الوصية ينقص من فرضهم بقدر الوصية؟.
فالجواب: أن الله بين أن حق الورثة من بعد وصية يوصى بها، أو دين؛ وعلى هذا فلا إشكال في الآية في تقدير أنصباء الورثة؛ وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة.
القرآن
( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٨١)
التفسير:
﴿١٨١﴾ قوله تعالى: ﴿فمن بدله﴾؛ الفاء عاطفة؛ و «مَن» شرطية؛ و «بدل» فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط؛ وجملة: ﴿فإنما إثمه﴾ جواب الشرط؛ واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية.
قوله تعالى: ﴿فمن بدله﴾ أي بدّل «الإيصاء» المفهوم من ﴿الوصية﴾؛ أي غيّره بنقص، أو زيادة، أو منعٍ؛ إن نقص فالضرر على الموصى له؛ وإن زاد فعلى الورثة؛ وإن منع فعلى الموصى له؛ كل هذه الصور الثلاث تدخل في قوله تعالى: ﴿فمن بدله﴾.
قوله تعالى: ﴿بعد ما سمعه﴾: قال أهل العلم: عبر بالسمع
стр. 748
عن العلم؛ لأن السمع من الحواس الظاهرة؛ والعلم من الإدراكات الباطنة - أي فمن بدله بعد أن يعلمه علم اليقين، كما لو سمعه بنفسه؛ ومعلوم أن العلم بالوصية لا يتوقف على السماع؛ قد يكون بالكتابة؛ وقد يكون بالمشافهة، والسماع؛ وقد يكون بشهادة الشهود؛ وما إلى ذلك.
قوله تعالى: ﴿فإنما إثمه﴾ الضمير يعود على التبديل.
قوله تعالى: ﴿على الذين يبدلونه﴾ أي يغيرونه؛ يعني: فهذا الإثم يعود على المبدل؛ لا على الموصي؛ ولا على الورثة وهذا إظهار في موضع الإضمار لأن مقتضى السياق أن يقال فإنما إثمه عليه لكن أظهر بالإشارة إلى استحقاق الإثم وأنه بالتبديل قوله تعالى " إن الله سميع عليم " جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب وفائدتها تحذير الموصي. والموصى إليه من المخالفة؛ وقد سبق الكلام على هذين الاسمين الكريمين، وما تضمناه من الصفات.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن من فعل الخير، ثم غُيِّر بعده كُتب له ما أراد؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾.
٢ ــ ومنها: أن من بدل الوصية جهلاً فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿بعد ما سمعه﴾؛ ويؤخذ من هذا ــ بل من باب أولى ــ أنه لو تصرف في الوصية تصرفاً خطأً وهو معتقد أنه على صواب فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه مُوَلَّى على التصرف فيها؛ فإذا أخطأ فلا ضمان إذا لم يكن هناك تفريط، أو تعدٍّ.
стр. 749
٣ ــ ومنها: تحريم تغيير الوصية؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾؛ فيجب العمل بوصية الموصي على حسب ما أوصى إلا أن يكون جنفاً أو إثماً.
٤ ــ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «السميع» و «العليم»؛ وما تضمناه من الصفة؛ والحكم الذي هو الأثر؛ فالسميع اسم؛ والسمع صفة؛ وكونه يسمع هو الأثر ــ أو الحكم؛ والعليم كذلك.
٥ ــ ومنها: إحاطة الله بكل أعمال الخلق؛ لأن قوله تعالى: ﴿سميع عليم﴾ ذكر عقب التهديد في قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾؛ وهذا يدل على أن الله يسمع، ويعلم ما يبدله الوصي.
٦ ــ ومنها: الرد على الجبرية، وعلى القدرية؛ فالجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، ولا قدرة له، ولا اختيار؛ فأنكروا حكمة الله تعالى؛ لأنه إذا قيل بهذا القول الباطل انتفت حكمة الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب؛ وصار من فعل ما أمر به، أو ترك ما نُهي عنه ليس أهلاً للمدح؛ لأنه كالآلة ليس عنده قدرة، ولا اختيار؛ وكذلك أبطلوا حكمة الله في الجزاء؛ لأنه ــ على أصلهم ــ يجزي المحسن وهو غير محسن؛ ويعاقب العاصي وهو غير عاصٍ؛ والرد عليهم في قوله تعالى: ﴿فمن بدله﴾؛ فأضاف التبديل إلى الإنسان.
وأما القدرية فيقولون: «إن الإنسان مستقل بعمله، ولا تتعلق به إرادة الله، ولا قدرته، ولا خلقه»؛ وغلاتهم ينكرون العلم والكتابة، يقولون: «إن أفعال العباد غير معلومة لله، ولا مكتوبة
стр. 750
عنده»؛ وقالوا: «إن الأمر أُنُف أي مستأنف ــ لم يكن الله يعلم شيئاً مما نفعله؛ إلا إذا وقع علمه بعد رؤيته، أو سمعه»؛ وجه الرد عليهم إثبات العلم لله.
قال الشافعي، وغيره من السلف: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا؛ وإن أنكروه كفروا؛ فإما إذا قالوا: إن الله لا يعلم فكفرهم واضح لتكذيبهم القرآن؛ وأما إذا قالوا: إنه يعلم لكن لا يقدرها، ولا يخلقها، قيل لهم: هل وقعت على وفق معلومه، أو على خلاف معلومه؟ سيقولون: «على وفق معلومه»؛ وإذا كان على وفق معلومه لزم أن تكون مرادةً له؛ وإلا لما وقعت.
فالحاصل أن في الآية رداً على القدرية، والجبرية؛ وكل منهم غلا في جانب من جوانب القدر؛ فالجبرية غلو في إثبات القدر، وفرطوا في أفعال العباد؛ والقدرية غلو في إثبات فعل العبد، وفرطوا في علم الله، وإرادته؛ والوسط هو الخير؛ فأهل السنة، والجماعة يثبتون لله العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق؛ كما يثبتون للإنسان إرادة، وقدرة ــ لكن ذلك تابع لإرادة الله؛ وخلقه ــ؛ وتفاصيل ذلك مبسوط في علم العقائد.
القرآن
( فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ١٨٢)
التفسير:
﴿١٨٢﴾ قوله تعالى: ﴿فمن خاف﴾: ﴿من﴾ شرطية؛
стр. 751
و ﴿خاف﴾ فعل الشرط؛ وقوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ جواب الشرط.
وقوله تعالى: ﴿فمن خاف من موصٍ﴾ أي من توقع، أو اطلع.
قوله تعالى: ﴿جنفاً أو إثماً﴾: «الجنف» الميل عن غير قصد؛ و «الإثم» الميل عن قصد.
قوله تعالى: ﴿فأصلح بينهم﴾ أي فعَل صالحاً؛ أي حول الأمر إلى شيء صالح؛ وليس المعنى: أصلح الشقاق؛ لأنه قد لا يكون هناك شقاق؛ هذا القول وإن كان له وجهة نظر؛ لكن كلمة: ﴿بينهم﴾ تدل على أن المراد إصلاح الشقاق؛ إذ إن البينية لا تكون إلا بين شيئين؛ فعلى الوجه الأول يكون المراد بالإصلاح إزالة الفساد؛ وعلى الوجه الثاني يكون الإصلاح فيها إزالة الشقاق؛ لأن الغالب إذا أراد الوصي أن يغير الوصية بعد موت الموصي أن يحصل شقاق بينه، وبين الورثة؛ أو بينه، وبين الموصى له.
قوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ أي فلا عقوبة؛ وهذا كالمستثنى من قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه و ﴿لا﴾ نافية للجنس تعم القليل، والكثير.
قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾ جملة تعليلية للحكم؛ وقد سبق الكلام على هذين الاسمين الكريمين.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن من خاف جوراً أو معصية من موصٍ فإنه يصلح؛ وهذا يشمل ما إذا كان قبل موت الموصي، أو بعده؛
стр. 752
مثاله قبل موت الموصي: أن يستشهد الموصي، أو يستكتب شخصاً لوصيته، فيجد فيها جوراً، أو معصية، فيصلح ذلك؛ ومثاله بعد موته: أن يُطَّلع على وصية له تتضمن ما ذُكر فتُصْلح؛ مثال ذلك أن يوصي لوارث، فيُطَّلع على ذلك بعد موته، فتُصْلح الوصية إما باستحلال الوارث الرشيد؛ وإما بإلغائها إذا لم يمكن.
٢ ــ ومن فوائد الآية: رفع الإثم عن الوصي إذا أصلح لخوفه جنفاً، أو إثماً.
٣ ــ ومنها: فضيلة الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فأصلح بينهم﴾؛ فإن في الإصلاح درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة، والشحناء بين الموصى إليهم والورثة.
٤ ــ ومنها: أنه قد يعبر بنفي الإثم، أو نفي الجناح دفعاً عن توهمه؛ وعليه فلا ينافي المشروعية، كما في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوَّف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨ ولما كان تبديل الوصية إثماً نفى الله الإثم عمن أصلح؛ ثم تعود المسألة إلى القواعد العامة التي مقتضاها وجوب الإصلاح، ورفع الجنف، والإثم.
٥ ــ ومنها: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز؛ بل هو واجب بدليل آخر؛ وأما تغيير الوصية لما هو أفضل ففيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه لا يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه﴾ [البقرة: ١٨١]؛ ولم يستثن إلا ما وقع في إثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير؛ ومنهم من قال: بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله ، ونفع الموصى له، فكلما كان أقرب إلى الله،
стр. 753
وأنفع للموصى له كان أولى أيضاً؛ والموصي بشر قد يخفى عليه ما هو الأفضل؛ وقد يكون الأفضل في وقت ما غير الأفضل في وقت آخر؛ ولأن النبي ﷺ أجاز تحويل النذر إلى ما هو أفضل مع وجوب الوفاء به؛ فالرجل الذي جاء إليه، وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس؛ فقال ﷺ : «صلِّ ها هنا» فأعاد عليه فقال: «صل ها هنا» فأعاد الثالثة فقال ﷺ : «شأنك إذاً» (١)؛ والذي أرى في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها، كما لو كانت الوصية لزيد فقط؛ أو وقف وقفاً على زيد فإنه لا يجوز أن يغير لتعلق حق الغير المعين به؛ أما إذا كانت لغير معين - كما لو كانت لمساجد، أو لفقراء - فلا حرج أن يصرفها لما هو أفضل.
٦ ــ ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الرحيم»؛ وما تضمناه من وصف، وحكم.
القرآن
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ١٨٣)
стр. 754
التفسير:
﴿١٨٣﴾ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ سبق الكلام عليها.
قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ أي فُرض؛ والذي فَرضه هو الله ؛ و ﴿الصيام﴾ نائب فاعل مرفوع؛ وهو في اللغة الإمساك؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ [مريم: ٢٦] يعني إمساكاً عن الكلام بدليل قولها: ﴿فلن أكلم اليوم إنسياً﴾ [مريم: ٢٦]؛ وأما في الشرع فإنه التعبد لله بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
قوله تعالى: ﴿كما كتب﴾؛ «ما» مصدرية؛ والكاف حرف جر؛ وتفيد التشبيه؛ وهو تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس المكتوب بالمكتوب؛ والتشبيه بالفعل دون المفعول أمر مطرد، كما في قوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» (١): التشبيه هنا للرؤية بالرؤية؛ لا للمرئي بالمرئي؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى مصدر.
قوله تعالى: ﴿على الذين من قبلكم﴾ ــ أي من الأمم السابقة ــ يعم اليهود، والنصارى، ومن قبلهم؛ كلهم كتب عليهم
стр. 755
الصيام؛ ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت، والمدة.
وهذا التشبيه فيه فائدتان:
الفائدة الأولى: التسلية لهذه الأمة حتى لا يقال: كلفنا بهذا العمل الشاق دون غيرنا؛ لقوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩] يعني لن يخفف عنكم العذابَ اشتراكُكم فيه - كما هي الحال في الدنيا: فإن الإنسان إذا شاركه غيره في أمر شاق هان عليه؛ ولهذا قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً:
[ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي] [وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي] الفائدة الثانية: استكمال هذه الأمة للفضائل التي سبقت إليها الأمم السابقة؛ ولا ريب أن الصيام من أعظم الفضائل؛ فالإنسان يصبر عن طعامه، وشرابه، وشهوته لله ؛ ومن أجل هذا اختصه الله لنفسه، فقال تعالى: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي» (١).
قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾؛ «لعل» للتعليل؛ ففيها بيان الحكمة من فرض الصوم؛ أي تتقون الله ؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع.
стр. 756
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء؛ وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين؛ وأنّ تركه مخل بالإيمان.
٢ ــ ومنها: فرضية الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿كتب﴾.
٣ ــ ومنها: فرض الصيام على من قبلنا من الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾.
٤ ــ ومنها: تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به؛ لقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾
٥ ــ ومنها: استكمال هذه الأمة لفضائل من سبقها، حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجة الكمال كما ترقى إليها من سبقها.
٦ ــ ومنها: الحكمة في إيجاب الصيام؛ وهي تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾.
٧ ــ ومنها: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية؛ إذاً هذه الغاية غاية عظيمة؛ ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: ١٣١].
ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن: لا ينظر إلى المرأة الأجنبية؛ ولا يكلمها كلاماً
стр. 757
يتمتع به معها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة؛ فيجب اتقاء ذلك؛ حتى إن الرسول ﷺ أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته (١).
٨ - ومن فوائد الآية: حكمة الله بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة؛ منها ما هو مالي محض؛ ومنها ما هو بدني محض؛ ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي؛ ومنها ما هو كفّ ــ ليتم اختبار المكلف؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال؛ ومنهم من يكون بالعكس؛ ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب؛ ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس؛ فمن ثَم نوَّع الله بحكمته العبادات؛ فالصوم كف عن المحبوب قد يكون عند بعض الناس أشق من بذل المحبوب؛ ومن العجائب في زمننا هذا أن من الناس من يصبر على الصيام، ويعظمه؛ ولكن لا يصبر على الصلاة، ولا يكون في قلبه من تعظيم الصلاة ما في قلبه من تعظيم الصيام؛ تجده يصوم رمضان لكن الصلاة لا يصلي إلا من رمضان إلى رمضان ــ إن صلى في رمضان؛ وهذا لا شك خطأ في التفكير؛ لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صار هيناً على هذا الإنسان تركها؛ والصوم يكون عنده تركه صعباً؛ ولهذا إذا أرادوا ذم إنسان قالوا: إنه لا يصوم، ولا يصلي ــ يبدؤون بالصوم.
стр. 758
القرآن
( أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٤)
التفسير:
﴿١٨٤﴾ قوله تعالى: ﴿أياماً﴾ مفعول لقوله تعالى: ﴿الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ لأن الصيام مصدر يعمل عمل فعله ــ أي كتب عليكم أن تصوموا أياماً معدودات؛ و ﴿أياماً﴾: نكرة؛ والنكرة تفيد القلة، وتفيد الكثرة، وتفيد العظمة، وتفيد الهون ــ بحسب السياق؛ لما قرنت هنا بقوله تعالى: ﴿معدودات﴾ أفادت القلة؛ يعني: هذا الصيام ليس أشهراً؛ ليس سنوات؛ ليس أسابيع؛ ولكنه أيام معدودات قليلة؛ و ﴿معدودات﴾ من صيغ جمع القلة؛ لأن جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم من صيغ جمع القلة؛ يعني: فهي أيام قليلة.
قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ كالاستثناء من قوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ لأن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم﴾ [البقرة: ١٨٣] يشمل المريض، والمسافر، والقادر، والعاجز.
و ﴿من﴾ شرطية؛ و ﴿كان﴾ فعل الشرط؛ وجملة: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ جواب الشرط؛ و «عدة» مبتدأ، والخبر محذوف؛ والتقدير: فعليه عدة؛ ويجوز أن تكون «عدة» خبراً، والمبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب عدة؛ أو فالمكتوب عدة.
وقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ يعني مرضاً يشق به الصوم؛ أو يتأخر به البرء؛ أو يفوت به العلاج، كما لو قال له
стр. 759
الطبيب: خذ حبوباً كل أربع ساعات، وما أشبه ذلك؛ ودليل التخصيص بمرض يشق به الصوم ما يُفهم من العلة.
وقوله تعالى: ﴿أو على سفر﴾ أي السفر المبيح للفطر؛ والحكمة في التعبير بقوله: ﴿على سفر﴾ - والله أعلم أن المسافر قد يقيم في بلد أثناء سفره عدة أيام، ويباح له الفطر؛ لأنه على سفر، وليست نيته الإقامة، كما حصل للرسول ﷺ في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يوماً وهو يقصر الصلاة (١)، وأفطر حتى انسلخ الشهر (٢).
وقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ أي أيام مغايرة.
قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أي يستطيعونه، وقال بعض أهل العلم: ﴿يطيقونه﴾ أي يطوَّقونه؛ أي يتكلفونه، ويبلغ الطاقة منهم حتى يصبح شاقاً عليهم؛ وقال آخرون: إن في الآية حذفاً؛ والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية؛ وكلاهما ضعيف؛ والثاني أضعف؛ لأن هذا القول يقتضي تفسير المثبت بالمنفي؛ وتفسير الشيء بضده لا يستقيم؛ وأما القول الأول منهما فله وجه؛ لكن ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع يدل على ضعفه: «أنه أول ما كتب الصيام كان الإنسان مخيراً بين أن يصوم؛ أو يفطر، ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعده ﴿شهر
стр. 760
رمضان الذي أنزل فيه القرآن ... ﴾» (١)؛ وكذلك ظاهر الآية يدل على ضعفه؛ لأن قوله بآخرها: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ يدل على أنهم يستطيعون الصيام، وأنه خوطب به من يستطيع فيكون ظاهر الآية مطابقاً لحديث سلمة؛ وهذا هو القول الراجح أن معنى ﴿يطيقونه﴾: يستطيعونه.
قوله تعالى: ﴿فدية﴾ مبتدأ مؤخر خبره: ﴿على الذين يطيقونه﴾؛ و ﴿فدية﴾ أي فداء يفتدي به عن الصوم؛ والأصل أن الصوم لازم لك، وأنك مكلف به، فتفدي نفسك من هذا التكليف والإلزام بإطعام مسكين.
قوله تعالى: ﴿طعام مسكين﴾ عطف بيان لقوله تعالى: ﴿فدية﴾ أي عليهم لكل يوم طعام مسكين؛ وليس المعنى طعام مسكين لكل شهر؛ بل لكل يوم؛ ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: ﴿طعام مساكين﴾ بالجمع؛ فكما أن الأيام التي عليه جمع، فكذلك المساكين الذين يطعَمون لا بد أن يكونوا جمعاً.
وفي قوله تعالى: ﴿فدية طعام مساكين﴾ ثلاث قراءات؛ الأولى: ﴿فديةُ طعامِ مساكينَ﴾ بحذف التنوين في ﴿فديةُ﴾؛ وبجر الميم في ﴿طعام﴾؛ و ﴿مساكينَ﴾ بالجمع، وفتح النون بلا تنوين؛ الثانية: ﴿فديةٌ طعامُ مسكينٍ﴾؛ بتنوين ﴿فديةٌ﴾ مع الرفع؛ و ﴿طعامُ﴾ بالرفع؛ و ﴿مسكينٍ﴾ بالإفراد، وكسر النون المنونة؛
стр. 761
الثالثة: ﴿فديةٌ طعامُ مساكينَ﴾؛ بتنوين ﴿فديةٌ﴾ مع الرفع؛ و ﴿طعامُ﴾ بالرفع؛ و ﴿مساكينَ﴾ بالجمع، وفتح النون بلا تنوين.
وقوله تعالى: ﴿طعام مسكين﴾؛ المراد بالمسكين من لا يجد شيئاً يكفيه لمدة سنة؛ فيدخل في هذا التعريف الفقير؛ فإذا مر بك المسكين فهو شامل للفقير؛ وإذا مر بك الفقير فإنه شامل للمسكين؛ أما إذا جمعا فقد قال أهل العلم: إن بينهما فرقاً: فالفقير أشد حاجة من المسكين؛ الفقير هو الذي لا يجد نصف كفاية سنة؛ وأما المسكين فيجد النصف فأكثر دون الكفاية لمدة سنة.
وقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيراً﴾؛ ﴿تطوع﴾ فعل الشرط؛ وجوابه جملة: ﴿فهو خير له﴾؛ وقوله تعالى: ﴿خيراً﴾ منصوب على أنه مفعول مطلق؛ والتقدير: فمن تطوع تطوعاً خيراً؛ أي فمن فعل الطاعة على وجه خير فهو خير له؛ ويحتمل أن تكون ﴿خيراً﴾ مفعولاً لأجله؛ والمعنى: فمن تطوع يريد خيراً؛ والمراد على كلا التقديرين واحد؛ يعني: فمن فعل الطاعة يقصد بها الخير فهو خير له؛ ومعلوم أن الفعل لا يكون طاعة إلا إذا كان موافقاً لمرضاة الله بأن يكون خالصاً لوجهه موافقاً لشريعته؛ فإن لم يكن خالصاً لم يكن طاعة، ولا يقبل؛ وإن كان خالصاً على غير الشريعة لم يكن طاعة، ولا يقبل؛ لأن الأول شرك؛ والثاني بدعة.
قوله تعالى: ﴿فهو خير له﴾: اختلف في ﴿خير﴾ هل نقول: هي للتفضيل؛ أي خير له من سواه؛ أو نقول: إن ﴿خير﴾ اسم دال على مجرد الخيرية بدون مفضل، ومفضل عليه - وهذا هو الأقرب - ويكون المراد أن من تطوع بالفدية فهو خير له؛ ومطابقة هذا المعنى لظاهر الآية واضح.
стр. 762
قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾: المراد بالخير هنا التفضيل؛ يعني أن تصوموا خير لكم من الفدية؛ وهذا يمثل به النحويون للمبتدأ المؤول: فإن قوله تعالى: ﴿أن تصوموا﴾ فعل مضارع مسبوك مع ﴿أن المصدرية بمصدر؛ والتقدير: صومكم خير لكم - يعني من الفدية.
قوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾؛ هذه جملة مستأنفة؛ والمعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا؛ و ﴿إن﴾ ليست شرطية فيما قبلها - يعني ليست وصلية - كما يقولون؛ لأنه ليس المعنى: خيراً لنا إن علمنا؛ فإن لم نعلم فليس خيراً لنا؛ بل هو مستأنف؛ ولهذا ينبغي أن نقف على قوله تعالى: ﴿خير لكم﴾.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن الصوم أيامه قليلة؛ لقوله تعالى: ﴿أياماً معدودات].
٢ ــ ومنها: التعبير بكلمات يكون بها تهوين الأمر على المخاطب؛ لقوله تعالى: ﴿أياماً معدودات﴾.
٣ ــ ومنها: رحمة الله بعباده؛ لقلة الأيام التي فرض عليهم صيامها.
٤ ــ ومنها: أن المشقة تجلب التيسير؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ لأن المرض، والسفر مظنة المشقة.
٥ ــ ومنها: جواز الفطر للمرض؛ ولكن هل المراد مطلق المرض - وإن لم يكن في الصوم مشقة عليه؛ أو المراد المرض الذي يشق معه الصوم، أو يتأخر معه البرء؟ الظاهر الثاني؛ وهو
стр. 763
مذهب الجمهور؛ لأنه لا وجه لإباحة الفطر بمرض لا يشق معه الصوم، أو لا يتأخر معه البرء؛ هذا وللمريض حالات:
الأولى: أن لا يضره الصوم، ولا يشق عليه؛ فلا رخصة له في الفطر.
الثانية: أن يشق عليه، ولا يضره؛ فالصوم في حقه مكروه؛ لأنه لا ينبغي العدول عن رخصة الله.
الثالثة: أن يضره الصوم؛ فالصوم في حقه محرم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ [النساء: ٢٩].
٦ ــ ومن فوائد الآية: جواز الفطر في السفر؛ لقوله تعالى: ﴿أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ وللمسافر باعتبار صومه في سفره حالات ثلاث:
الأولى: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقاً؛ يعني: ليس فيه مشقة تزيد على صوم الحضر؛ ففي هذه الحال الصوم أفضل؛ وإن أفطر فلا حرج؛ ودليله أن الرسول ﷺ كان يصوم في السفر، كما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ؛ وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة» (١)؛ ولأن الصوم في السفر أسرع في إبراء ذمته؛ ولأنه أسهل عليه غالباً لكون الناس مشاركين له، وثقلِ القضاء غالباً؛ ولأنه يصادف شهر الصوم - وهو رمضان.
стр. 764
الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة؛ فهنا الأفضل الفطر؛ والدليل عليه أن النبي ﷺ كان في سفر، فرأى زحاماً، ورجلاً قد ظُلل عليه، فسأل عنه، فقالوا: صائم؛ فقال ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» (١)؛ فنفى النبي ﷺ البر عن الصوم في السفر.
فإن قيل: إن من المتقرر في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ وهذا يقتضي نفي البر عن الصوم في السفر مطلقاً؟.
فالجواب: أن معنى قولنا: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» يعني أن الحكم لا يختص بعين الذي ورد من أجله؛ وإنما يعم من كان مثل حاله؛ وقد نص على هذه القاعدة ابن دقيق العيد في شرح الحديث في العمدة؛ وهو واضح.
الحال الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة؛ فهنا يتعين الفطر؛ ودليله: ما ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ كان في سفر، فشُكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينتظرون ما يفعل؛ فدعا بماء بعد العصر، فشربه، والناس ينظرون؛ ثم جيء إلى النبي ﷺ ، وقيل له: إن بعض الناس قد صام فقال ﷺ : «أولئك العصاة! أولئك العصاة!» (٢)؛
стр. 765
والمعصية لا تكون إلا في فعل محرم؛ أو ترك واجب.
٧ ــ ومن فوائد الآية: أن السفر الذي يباح فيه الفطر غير مقيد بزمن، ولا مسافة؛ لإطلاق السفر في الآية؛ وعلى هذا يرجع فيه إلى العرف: فما عده الناس سفراً فهو سفر؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن تحديده بزمن، أو مسافة يحتاج إلى دليل.
٨ ــ ومنها: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه ــ وإن كان في بلده؛ فإنه يجوز أن يفطر؛ وكان أنس بن مالك يفعل ذلك، ويقول: «السنة» (١)؛ لكن هذا الحديث فيه مقال؛ لكن على رأي من أثبته يقول: الإنسان إذا عزم على سفر أصبح مفطراً فقالوا: هذا من خير من كونه يصوم ثم يفطر لأنه لم يدخل في العبادة أصلاً لكن جمهور أهل العلم على خلاف هذا القول وعلى
стр. 766
خلاف بينهم أيجوز لمن سافر في خلال اليوم أن يفطر الصحيح أنه يجوز لدلالة السنة على ذلك.
٩ ــ ومن فوائد الآية: أن الظاهرية استدلوا بها على أن من صام في السفر لم يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، فأوجب الله على المريض، والمسافر عدة من أيام أخر؛ فمن صام وهو مريض، أو مسافر صار كمن صام قبل دخول رمضان، وقالوا: «إن الآية ليست فيها شيء محذوف»؛ وهذا القول لولا أن السنة بينت جواز الصوم لكان له وجه قوي؛ لأن الأصل عدم الحذف؛ لكن أجاب الجمهور عن هذا بأن الحذف متعين، وتقدير الكلام: فمن كان مريضاً، أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر؛ لأن النبي ﷺ صام في رمضان في السفر والصحابة معه منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يعب أحد على أحد (١)؛ ولو كان الصوم حراماً ما صامه النبي ﷺ ، ولأنكر المفطر على الصائم.
١٠ ــ ومن فوائد الآية: أنه لو صام عن أيام الصيف أيام الشتاء فإنه يجزئ؛ لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر وجهه: أن ﴿أيام﴾ نكرة.
١١ ــ ومنها: حكمة الله في التدرج بالتشريع، حيث كان الصيام أول الأمر يخير فيه الإنسان بين أن يصوم، ويطعم؛ ثم تعين الصيام كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع ﵁.
стр. 767
١٢ ــ ومنها: أن من عجز عن الصيام عجزاً لا يرجى زواله فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً؛ ووجه الدلالة أن الله جعل الإطعام عديلاً للصيام حين التخيير بينهما؛ فإذا تعذر الصيام وجب عديله؛ ولهذا ذكر ابن عباس ﵄ أن هذه الآية في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام، فيطعمان عن كل يوم مسكيناً (١).
١٣ ــ ومنها: أنه يرجع في الإطعام في كيفيته ونوعه إلى العرف؛ لأن الله تعالى أطلق ذلك؛ والحكم المطلق إذا لم يكن له حقيقة شرعية يرجع فيه إلى العرف.
١٤ ــ ومنها: أنه لا فرق بين أن يملّك الفقير ما يطعمه، أو يجعله غداءً، أو عشاءً؛ لأن الكل إطعام؛ وكان أنس بن مالك حين كبر يطعم أدُماً، وخبزاً (٢).
١٥ ــ ومنها: أن ظاهر الآية لا يشترط تمليك الفقير ما يطعم؛ وهو القول الراجح؛ وقال بعض أهل العلم: إنه يشترط تمليكه؛ فيعطى مداً من البر؛ أو نصف صاع من غيره؛ وقيل: يعطى نصف صاع من البر، وغيره؛ واستدل القائلون بالفرق بين البر وغيره بما قاله معاوية في زكاة الفطر: «أرى المد من هذه - يعني البر - يعدل مدين من الشعير» (٣) فعدل به الناس، وجعلوا
стр. 768
الفطرة من البر نصف صاع (١)؛ واستدل القائلون بوجوب نصف صاع من البر، وغيره بحديث كعب بن عجرة ﵁ حين أذن له النبي ﷺ بحلق رأسه وهو محرم أن النبي ﷺ قال له مبيناً المجمل في قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال في الصدقة: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (٢)؛ ولم يفرق النبي ﷺ بين طعام وآخر.
١٦ ــ ومن فوائد الآية: أن طاعة الله ــ ﵎ ــ كلها خير؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيراً فهو خير له﴾.
١٧ ــ ومنها: ثبوت تفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ فينبني على ذلك أن الناس يتفاضلون في الأعمال؛ وهو ما دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والواقع؛ قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاًّ وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من
стр. 769
المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًّا وعد الله الحسنى وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً * درجات منه ومغفرة ورحمة﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]؛ والنصوص في هذا كثيرة.
١٨ ــ ومن فوائد الآية: التنبيه على فضل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾.
القرآن
( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة: ١٨٥)
التفسير:
﴿١٨٥﴾ قوله تعالى: ﴿شهر رمضان﴾؛ الشهر هو مدة ما بين الهلالين؛ وسمي بذلك لاشتهاره؛ ولهذا اختلف العلماء هل الهلال ما هلّ في الأفق - وإن لم يُرَ؛ أم الهلال ما رئي واشتهر؛ والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي - حتى يرى، ويتبين، ويُشهد إلا أن يكون هناك مانع من غيم، أو نحوه؛ و ﴿شهر﴾ مضاف؛ و ﴿رمضان﴾ مضاف إليه ممنوع من الصرف بسبب العلمية وزيادة الألف، والنون؛ مأخوذ
стр. 770
من الرَّمْض؛ واختلف لماذا سمي برمضان؛ فقيل: لأنه يرمض الذنوب - أي يحرقها؛ وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء؛ فسمي شهر رمضان؛ وهذا أقرب؛ لأن هذه التسمية كانت قبل الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿شهر رمضان﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هي - أي الأيام المعدودات - شهر رمضان.
قوله تعالى: ﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾؛ ﴿الذي﴾ صفة لـ ﴿شهر﴾؛ فمحلها الرفع؛ و ﴿أُنزل فيه القرآن﴾ أي أنزله الله فيه؛ ومعروف أن النزول يكون من فوق؛ لأن القرآن كلام الله ؛ والله فوق السموات على العرش؛ و ﴿القرآن﴾ مصدر مثل الغفران، والشكران؛ كلها مصادر؛ ولكن هل هو بمعنى اسم الفاعل؛ أو بمعنى اسم المفعول؟ قيل: إنه بمعنى اسم المفعول - أي المقروء؛ وقيل: بمعنى اسم الفاعل - أي القارئ؛ فالمعنى على الأول واضح؛ والمعنى على الثاني: أنه جامع لمعاني الكتب السابقة؛ أو جامع لخيري الدنيا، والآخرة؛ ولا يمتنع أن نقول: إنه بمعنى اسم الفاعل، واسم المفعول؛ وهل المراد بـ ﴿القرآن الجنس، فيشمل بعضه؛ أو المراد به العموم، فيشمل كله؟ قال بعض أهل العلم: إن «أل» للعموم فيشمل كل القرآن؛ وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين المتأخرين؛ وعلى هذا القول يشكل الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن نزل في رمضان، وفي شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة ... في جميع الشهور؛ ولكن أجابوا عن ذلك بأنه روي عن ابن عباس ﵄ أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في رمضان،
стр. 771
وصار جبريل يأخذه من هذا البيت، فينزل به على رسول الله ﷺ (١)؛ لكن هذا الأثر ضعيف؛ ولهذا الصحيح أن «أل» هنا للجنس؛ وليست للعموم؛ وأن معنى: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله، كقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] أي ابتدأنا إنزاله.
قوله تعالى: ﴿هدًى للناس﴾؛ ﴿هدًى﴾: مفعول من أجله؛ أو حال من ﴿القرآن﴾؛ فإذا كانت مفعولاً من أجله فالمعنى: أنزل لهداية الناس؛ وإذا كانت حالاً فالمعنى: أنزل هادياً للناس ــ وهذا أقرب؛ و ﴿هدًى﴾ من الهداية؛ وهي الدلالة؛ فالقرآن دلالة للناس يستدلون به على ما ينفعهم في دينهم، ودنياهم؛ و ﴿للناس﴾ أصلها الأناس؛ ومنه قول الشاعر:
[وكل أناس سوف تدخل بينهم - دويهية تصفر منها الأنامل] لكن لكثرة استعمالها حذفت الهمزة تخفيفاً، كما حذفت من «خير» و «شر» اسمي تفضيل؛ والمراد بهم البشر؛ لأن بعضهم يأنس ببعض، ويستعين به؛ فقوله تعالى: ﴿هدًى للناس﴾ أي كل الناس يهتدون به ــ المؤمن، والكافر ــ الهداية العلمية؛ أما الهداية العملية فإنه هدًى للمتقين، كما في أول السورة؛ فهو للمتقين هداية علمية، وعملية؛ وللناس عموماً فهو هداية علمية.
قوله تعالى: ﴿وبينات﴾ صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: وآيات بينات، كما قال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت: ٤٩]؛ والمعنى: أن القرآن اشتمل
стр. 772
على الآيات البينات - أي الواضحات؛ فهو جامع بين الهداية، والبراهين الدالة على صدق ما جاء فيه من الأخبار، وعلى عدل ما جاء فيه من الأحكام.
قوله تعالى: ﴿من الهدى﴾ صفة لـ ﴿بينات﴾ يعني أنها بينات من الدلالة والإرشاد.
قوله تعالى: ﴿والفرقان﴾: مصدر، أو اسم مصدر؛ والمراد أنه يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين الخير، والشر؛ وبين النافع، والضار؛ وبين حزب الله، وحرب الله؛ فرقان في كل شيء؛ ولهذا من وفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم في الأمور المشتبهة؛ وأما من في قلبه زيغ فتشتبه عليه الأمور؛ فلا يفرق بين الأشياء المفترقة الواضحة.
قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر﴾؛ ﴿شهد﴾ بمعنى شاهد؛ وقيل: بمعنى حضر؛ فعلى القول الأول يرد إشكال في قوله تعالى: ﴿الشهر﴾؛ لأن الشهر مدة ما بين الهلالين؛ والمدة لا تشاهد؛ والجواب أن في الآية محذوفاً؛ والتقدير: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه؛ والقول الثاني أصح: أن المراد بـ ﴿شهد﴾ حضر؛ ويرجح هذا قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر﴾؛ لأن قوله تعالى: ﴿على سفر﴾ يقابل الحضر.
قوله تعالى: ﴿فليصمه﴾ أي فليصم نهاره.
قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ هذه الجملة سبقت؛ لكن لما ذكر : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وكانت هذه الآية ناسخة لما قبلها قد يظن الظان أنه نسخ حتى فطر المريض والمسافر؛ فأعادها تأكيداً لبيان الرخصة، وأن الرخصة ــ حتى بعد أن تعين
стр. 773
الصيام ــ باقية؛ وهذا من بلاغة القرآن؛ وعليه فليست هذه الجملة من الآية تكراراً محضاً؛ بل تكرار لفائدة؛ لأنه تعالى لو قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ولم يقل: ﴿ومن كان .... ﴾ إلخ، لكان ناسخاً عاماً.
وقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ تقدم الكلام عليها إعراباً، ومعنًى.
قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ تعليل لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر﴾ إلخ؛ و ﴿يريد﴾ أي يحب؛ فالإرادة شرعية؛ والمعنى: يحب لكم اليسر؛ وليست الإرادة الكونية؛ لأن الله لو أراد بنا اليسر كوناً ما تعسرت الأمور على أحد أبداً؛ فتعين أن يكون المراد بالإرادة هنا الشرعية؛ ولهذا لا تجد - والحمد لله - في هذه الشريعة عسراً أبداً.
قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾؛ الواو عاطفة؛ واللام لام التعليل؛ لأنها مكسورة؛ ويكون العطف على قوله تعالى: ﴿اليسر﴾؛ يعني يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر؛ ويريد لتكملوا العدة؛ و «أراد» إذا تعدت باللام فإن اللام تكون زائدة من حيث المعنى؛ لكن لها فائدة؛ وذلك؛ لأن الفعل «أراد» يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء: ٢٧]؛ وهنا: ﴿لتكملوا العدة﴾ يعني: وأن تكملوا العدة؛ أي: ويريد الله منا شرعاً أن نكمل العدة.
وقوله تعالى: ﴿لتكملوا﴾ فيها قراءتان؛ بتخفيف الميم؛ وتشديدها؛ وهما بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله﴾؛ الواو للعطف؛ و ﴿لتكبروا﴾
стр. 774
معطوفة على ﴿لتكملوا﴾ بإعادة حرف الجر؛ أي: ولتقولوا: الله أكبر؛ والتكبير يتضمن: الكِبَرَ بالعظمة، والكبرياءِ، والأمورِ المعنوية؛ والكِبَر في الأمور الذاتية؛ فإن السموات السبع، والأرض في كف الرحمن كحبة خردل في كف أحدنا؛ والله أكبر من كل شيء.
قوله تعالى: ﴿على ما هداكم﴾؛ ﴿على﴾: قيل: إنها للتعليل؛ وليست للاستعلاء؛ أي تكبروه لهدايتكم؛ وعبر بـ ﴿على﴾ دون اللام إشارة - والله أعلم - إلى أن التكبير يكون في آخر الشهر؛ لأن أعلى كل شيء آخره؛ و ﴿ما هنا مصدرية تسبك هي، وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: على هدايتكم؛ وهذه الهداية تشمل: هداية العلم؛ وهداية العمل؛ وهي التي يعبر عنها أحياناً بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله، فقد منّ الله عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل.
قوله تعالى: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي تقومون بشكر الله ؛ و «لعل» هنا للتعليل؛ و ﴿تشكرون﴾ على أمور أربعة؛ إرادة الله بنا اليسر؛ عدم إرادته العسر؛ إكمال العدة؛ التكبير على ما هدانا؛ هذه الأمور كلها نِعَم تحتاج منا أن نشكر الله عليها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولعلكم تشكرون﴾؛ و «الشكر» هو القيام بطاعة المنعم بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: بيان الأيام المعدودات التي أبهمها الله في الآيات السابقة؛ بأنها شهر رمضان.
٢ ــ ومنها: فضيلة هذا الشهر، حيث إن الله فرض على عباده صومه.
стр. 775
٣ ــ ومنها: أن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر؛ وقد سبق في التفسير هل هو ابتداء إنزاله؛ أو أنه نزل كاملاً؛ والظاهر أن المراد ابتداء إنزاله؛ لأن الله ــ ﵎ ــ يتكلم بالقرآن حين إنزاله؛ وقد أنزله جل وعلا مفرقاً؛ فيلزم من ذلك أن لا يكون القرآن كله نزل في هذا الشهر.
٤ ــ ومنها: أن القرآن كلام الله ؛ لأن الذي أنزله هو الله، كما في آيات كثيرة أضاف الله إنزال القرآن إلى نفسه؛ والقرآن كلام لا يمكن أن يكون إلا بمتكلم؛ وعليه يكون القرآن كلام الله ؛ وهو كلامه لفظه، ومعناه.
٥ ــ ومنها: ما تضمنه القرآن من الهداية لجميع الناس؛ لقوله تعالى: ﴿هدًى للناس﴾.
٦ ــ ومنها: أن القرآن الكريم متضمن لآيات بينات واضحة لا تخفى على أحد إلا على من طمس الله قلبه فلا فائدة في الآيات، كما قال : ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١].
٧ ــ ومنها: أن القرآن الكريم فرقان يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين النافع، والضار؛ وبين أولياء الله، وأعداء الله؛ وغير ذلك من الفرقان فيما تقتضي حكمته التفريق فيه.
٨ ــ ومنها: وجوب الصوم متى ثبت دخول شهر رمضان؛ وشهر رمضان يثبت دخوله إما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، أو برؤية هلاله؛ وقد جاءت السنة بثبوت دخوله إذا رآه واحد يوثق بقوله (١).