← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وصار جبريل يأخذه من هذا البيت، فينزل به على رسول الله ﷺ (١)؛ لكن هذا الأثر ضعيف؛ ولهذا الصحيح أن «أل» هنا للجنس؛ وليست للعموم؛ وأن معنى: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله، كقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] أي ابتدأنا إنزاله. قوله تعالى: ﴿هدًى للناس﴾؛ ﴿هدًى﴾: مفعول من أجله؛ أو حال من ﴿القرآن﴾؛ فإذا كانت مفعولاً من أجله فالمعنى: أنزل لهداية الناس؛ وإذا كانت حالاً فالمعنى: أنزل هادياً للناس ــ وهذا أقرب؛ و ﴿هدًى﴾ من الهداية؛ وهي الدلالة؛ فالقرآن دلالة للناس يستدلون به على ما ينفعهم في دينهم، ودنياهم؛ و ﴿للناس﴾ أصلها الأناس؛ ومنه قول الشاعر: [وكل أناس سوف تدخل بينهم - دويهية تصفر منها الأنامل] لكن لكثرة استعمالها حذفت الهمزة تخفيفاً، كما حذفت من «خير» و «شر» اسمي تفضيل؛ والمراد بهم البشر؛ لأن بعضهم يأنس ببعض، ويستعين به؛ فقوله تعالى: ﴿هدًى للناس﴾ أي كل الناس يهتدون به ــ المؤمن، والكافر ــ الهداية العلمية؛ أما الهداية العملية فإنه هدًى للمتقين، كما في أول السورة؛ فهو للمتقين هداية علمية، وعملية؛ وللناس عموماً فهو هداية علمية. قوله تعالى: ﴿وبينات﴾ صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: وآيات بينات، كما قال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت: ٤٩]؛ والمعنى: أن القرآن اشتمل

стр. 772

على الآيات البينات - أي الواضحات؛ فهو جامع بين الهداية، والبراهين الدالة على صدق ما جاء فيه من الأخبار، وعلى عدل ما جاء فيه من الأحكام. قوله تعالى: ﴿من الهدى﴾ صفة لـ ﴿بينات﴾ يعني أنها بينات من الدلالة والإرشاد. قوله تعالى: ﴿والفرقان﴾: مصدر، أو اسم مصدر؛ والمراد أنه يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين الخير، والشر؛ وبين النافع، والضار؛ وبين حزب الله، وحرب الله؛ فرقان في كل شيء؛ ولهذا من وفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم في الأمور المشتبهة؛ وأما من في قلبه زيغ فتشتبه عليه الأمور؛ فلا يفرق بين الأشياء المفترقة الواضحة. قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر﴾؛ ﴿شهد﴾ بمعنى شاهد؛ وقيل: بمعنى حضر؛ فعلى القول الأول يرد إشكال في قوله تعالى: ﴿الشهر﴾؛ لأن الشهر مدة ما بين الهلالين؛ والمدة لا تشاهد؛ والجواب أن في الآية محذوفاً؛ والتقدير: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه؛ والقول الثاني أصح: أن المراد بـ ﴿شهد﴾ حضر؛ ويرجح هذا قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر﴾؛ لأن قوله تعالى: ﴿على سفر﴾ يقابل الحضر. قوله تعالى: ﴿فليصمه﴾ أي فليصم نهاره. قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ هذه الجملة سبقت؛ لكن لما ذكر : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وكانت هذه الآية ناسخة لما قبلها قد يظن الظان أنه نسخ حتى فطر المريض والمسافر؛ فأعادها تأكيداً لبيان الرخصة، وأن الرخصة ــ حتى بعد أن تعين

стр. 773

الصيام ــ باقية؛ وهذا من بلاغة القرآن؛ وعليه فليست هذه الجملة من الآية تكراراً محضاً؛ بل تكرار لفائدة؛ لأنه تعالى لو قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ولم يقل: ﴿ومن كان .... ﴾ إلخ، لكان ناسخاً عاماً. وقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ تقدم الكلام عليها إعراباً، ومعنًى. قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ تعليل لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر﴾ إلخ؛ و ﴿يريد﴾ أي يحب؛ فالإرادة شرعية؛ والمعنى: يحب لكم اليسر؛ وليست الإرادة الكونية؛ لأن الله لو أراد بنا اليسر كوناً ما تعسرت الأمور على أحد أبداً؛ فتعين أن يكون المراد بالإرادة هنا الشرعية؛ ولهذا لا تجد - والحمد لله - في هذه الشريعة عسراً أبداً. قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾؛ الواو عاطفة؛ واللام لام التعليل؛ لأنها مكسورة؛ ويكون العطف على قوله تعالى: ﴿اليسر﴾؛ يعني يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر؛ ويريد لتكملوا العدة؛ و «أراد» إذا تعدت باللام فإن اللام تكون زائدة من حيث المعنى؛ لكن لها فائدة؛ وذلك؛ لأن الفعل «أراد» يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء: ٢٧]؛ وهنا: ﴿لتكملوا العدة﴾ يعني: وأن تكملوا العدة؛ أي: ويريد الله منا شرعاً أن نكمل العدة. وقوله تعالى: ﴿لتكملوا﴾ فيها قراءتان؛ بتخفيف الميم؛ وتشديدها؛ وهما بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله﴾؛ الواو للعطف؛ و ﴿لتكبروا﴾

стр. 774

معطوفة على ﴿لتكملوا﴾ بإعادة حرف الجر؛ أي: ولتقولوا: الله أكبر؛ والتكبير يتضمن: الكِبَرَ بالعظمة، والكبرياءِ، والأمورِ المعنوية؛ والكِبَر في الأمور الذاتية؛ فإن السموات السبع، والأرض في كف الرحمن كحبة خردل في كف أحدنا؛ والله أكبر من كل شيء. قوله تعالى: ﴿على ما هداكم﴾؛ ﴿على﴾: قيل: إنها للتعليل؛ وليست للاستعلاء؛ أي تكبروه لهدايتكم؛ وعبر بـ ﴿على﴾ دون اللام إشارة - والله أعلم - إلى أن التكبير يكون في آخر الشهر؛ لأن أعلى كل شيء آخره؛ و ﴿ما هنا مصدرية تسبك هي، وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: على هدايتكم؛ وهذه الهداية تشمل: هداية العلم؛ وهداية العمل؛ وهي التي يعبر عنها أحياناً بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله، فقد منّ الله عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل. قوله تعالى: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي تقومون بشكر الله ؛ و «لعل» هنا للتعليل؛ و ﴿تشكرون﴾ على أمور أربعة؛ إرادة الله بنا اليسر؛ عدم إرادته العسر؛ إكمال العدة؛ التكبير على ما هدانا؛ هذه الأمور كلها نِعَم تحتاج منا أن نشكر الله عليها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولعلكم تشكرون﴾؛ و «الشكر» هو القيام بطاعة المنعم بفعل أوامره، واجتناب نواهيه. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: بيان الأيام المعدودات التي أبهمها الله في الآيات السابقة؛ بأنها شهر رمضان. ٢ ــ ومنها: فضيلة هذا الشهر، حيث إن الله فرض على عباده صومه.

стр. 775

٣ ــ ومنها: أن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر؛ وقد سبق في التفسير هل هو ابتداء إنزاله؛ أو أنه نزل كاملاً؛ والظاهر أن المراد ابتداء إنزاله؛ لأن الله ــ ﵎ ــ يتكلم بالقرآن حين إنزاله؛ وقد أنزله جل وعلا مفرقاً؛ فيلزم من ذلك أن لا يكون القرآن كله نزل في هذا الشهر. ٤ ــ ومنها: أن القرآن كلام الله ؛ لأن الذي أنزله هو الله، كما في آيات كثيرة أضاف الله إنزال القرآن إلى نفسه؛ والقرآن كلام لا يمكن أن يكون إلا بمتكلم؛ وعليه يكون القرآن كلام الله ؛ وهو كلامه لفظه، ومعناه. ٥ ــ ومنها: ما تضمنه القرآن من الهداية لجميع الناس؛ لقوله تعالى: ﴿هدًى للناس﴾. ٦ ــ ومنها: أن القرآن الكريم متضمن لآيات بينات واضحة لا تخفى على أحد إلا على من طمس الله قلبه فلا فائدة في الآيات، كما قال : ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١]. ٧ ــ ومنها: أن القرآن الكريم فرقان يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين النافع، والضار؛ وبين أولياء الله، وأعداء الله؛ وغير ذلك من الفرقان فيما تقتضي حكمته التفريق فيه. ٨ ــ ومنها: وجوب الصوم متى ثبت دخول شهر رمضان؛ وشهر رمضان يثبت دخوله إما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، أو برؤية هلاله؛ وقد جاءت السنة بثبوت دخوله إذا رآه واحد يوثق بقوله (١).

стр. 776

٩ ــ ومنها: لا يجب الصوم قبل ثبوت دخول رمضان. ويتفرع على هذا أنه لو كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم، أو قتر يمنع من رؤية الهلال فإنه لا يصام ذلك اليوم؛ لأنه لم يثبت دخول شهر رمضان؛ وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم؛ بل ظاهر حديث عمار بن ياسر ﵄ أن من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ (١): أي أن صيامه إثم. ١٠ ــ ومن فوائد الآية: التعبير بـ ﴿شهر رمضان﴾؛ قال أهل العلم: «وهذا أولى»؛ ويجوز التعبير بـ «رمضان» - بإسقاط «شهر»؛ لقول النبي ﷺ : «من صام رمضان إيماناً واحتساباً ... ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً» (٢)، وقوله ﷺ : «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» (٣)؛ ولا عبرة بقول من كره ذلك.

стр. 777

١١ ــ ومن فوائد الآية: تيسير الله ﵎ على عباده، حيث رخص للمريض الذي يشق عليه الصوم، وللمسافر مطلقاً أن يفطرا، ويقضيا أياماً أخر. ١٢ ــ ومنها: إثبات الإرادة لله ؛ وإرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية: وهي التي بمعنى المشيئة؛ ويلزم منها وقوع المراد سواء كان مما يحبه الله، أو مما لا يحبه الله؛ ومنها قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥]؛ وهذه الآية، كقوله تعالى: ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩]. وإرادة شرعية: بمعنى المحبة؛ ولا يلزم منها وقوع المراد؛ ولا تتعلق إلا فيما يحبه الله ؛ ومنها قول الله ﵎: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ [النساء: ٢٧، ٢٨]. ١٣ ــ ومن فوائد الآية: أن شريعة الله مبنية على اليسر، والسهولة؛ لأن ذلك مراد الله في قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (١)؛ وكان ﷺ يبعث

стр. 778

البعوث، ويقول: «يسروا ولا تعسروا؛ وبشروا ولا تنفروا» (١)؛ «فإنما بعثتم ميسرين؛ ولم تبعثوا معسرين» (٢). ١٤ ــ ومنها: انتفاء الحرج والمشقة والعسر في الشريعة؛ لقوله : ﴿ولا يريد بكم العسر﴾. ١٥ ــ ومنها: أنه إذا دار الأمر بين التحليل، والتحريم فيما ليس الأصل فيه التحريم فإنه يغلب جانب التحليل؛ لأنه الأيسر، والأحب إلى الله. ١٦ ــ ومنها: الأمر بإكمال العدة؛ أي بالإتيان بعدة أيام الصيام كاملاً. ١٧ ــ ومنها: مشروعية التكبير عند تكميل العدة؛ لقول الله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾؛ والمشروع في هذا التكبير أن يقول الإنسان: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ وإن شاء أوتر فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ وإن شاء أوتر باعتبار الجميع فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ فالأمر في هذا واسع - ولله الحمد. ١٨ ــ من فوائد الآية: أن الله يشرع الشرائع لحكمة،

стр. 779

وغاية حميدة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾. ١٩ ــ ومنها: الإشارة إلى أن القيام بطاعة الله من الشكر؛ ويدل لهذا قول النبي ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله﴾؛ وقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾» (١)؛ وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح. ٢٠ ــ ومنها: أن من عصى الله فإنه لم يقم بالشكر، ثم قد يكون الإخلال كبيراً؛ وقد يكون الإخلال صغيراً - حسب المعصية التي قام بها العبد. تنبيه: استنبط بعض الناس أن من كانوا في الأماكن التي ليس عندهم فيها شهور، مثل الذين في الدوائر القطبية، يصومون في وقت رمضان عند غيرهم عدة شهر؛ لأن الشهر غير موجود؛ وقال: إن هذا من آيات القرآن؛ فقد جاء التعبير صالحاً حتى لهذه الحال التي لم تكن معلومة عند الناس حين نزول القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾. القرآن ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: ١٨٦)

стр. 780

التفسير: ﴿١٨٦﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا سألك﴾؛ الخطاب للنبي ﷺ ؛ والمراد بقوله تعالى: ﴿عبادي﴾: المؤمنون؛ وقوله تعالى: ﴿عني﴾ أي عن قربي، وإجابتي بدليل الجواب: وهو قوله تعالى: ﴿فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾. قوله تعالى: ﴿فإني قريب﴾: بعضهم قال: إنه على تقدير «قل» أي إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب؛ فيكون جواب ﴿إذا﴾ محذوفاً؛ و ﴿إني قريب﴾ مقول القول المحذوف؛ ويحتمل أن يكون الجواب جملة: ﴿فإني قريب﴾ لوضوح المعنى بدون تقدير؛ والضمير في قوله تعالى: ﴿فإني قريب﴾ يعود إلى الله. قوله تعالى: ﴿فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾؛ ﴿قريب﴾ خبر «إن»؛ و ﴿أجيب﴾ خبر ثان لـ «إن»؛ فيكون خبرها الأول مفرداً؛ وخبرها الثاني جملة؛ و «الدعاء» بمعنى الطلب؛ و ﴿الداعِ﴾ أصلها «الداعي» بالياء، كـ «القاضي» و «الهادي»؛ لكن حذفت الياء للتخفيف نظيرها قوله تعالى: ﴿الكبير المتعال﴾؛ وأصلها: «المتعالي»؛ فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿إذا دعان﴾ بعد قوله تعالى: ﴿الداع﴾ - لأنه لا يوصف بأنه داع إلا إذا دعا؟ فالجواب أن المراد بقوله تعالى: ﴿إذا دعان﴾ أي إذا صدق في دعائه إياي بأن شعُر بأنه في حاجة إلى الله، وأن الله قادر على إجابته، وأخلص الدعاء لله بحيث لا يتعلق قلبه بغيره. وقوله تعالى: ﴿دعان﴾ أصلها دعاني - بالياء، فحذفت الياء تخفيفاً. قوله تعالى: ﴿فليستجيبوا لي﴾ أي فليجيبوا لي؛ لأن

стр. 781

«استجاب» بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ [آل عمران: ١٩٥] أي أجاب، وكما قال الله تعالى: ﴿والذين استجابوا لربهم﴾ [الشورى: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿فليستجيبوا﴾ عدَّاها باللام؛ لأنه ضمن معنى الانقياد - أي فلينقادوا لي؛ وإلا لكانت «أجاب» تتعدى بنفسها؛ نظيرها قوله ﷺ في حديث معاذ ﵁: «فإن هم أجابوا لك بذلك» (١)؛ فضَمَّن الإجابة معنى الانقياد. قوله تعالى: ﴿وليؤمنوا بي﴾ أي وليؤمنوا بأني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان؛ واللام في الفعلين: ﴿فليستجيبوا﴾؛ و ﴿ليؤمنوا﴾ لام الأمر؛ ولهذا سكنت بعد حرف العطف. قوله تعالى: ﴿لعلهم يرشدون﴾؛ «لعل» للتعليل؛ وكلما جاءت «لعل» في كتاب الله فإنها للتعليل؛ إذ إن الترجي لا يكون إلا فيمن احتاج، ويؤمل كشف ما نزل به عن قرب؛ أما الرب فإنه يستحيل في حقه هذا. و «الرشد» يطلق على معانٍ؛ منها: حُسن التصرف، كما في قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦]؛ ولا شك أن من آمن بالله، واستجاب له فإنه أحسن الناس تصرفاً، ويوفّق، ويُهدى، وتُيسر له الأمور، كما قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾ [الطلاق: ٤]، وقال تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٥ ــ ٧].

стр. 782

الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام؛ ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام. وقال بعض أهل العلم: يستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام ــ أي عند الإفطار. ٢ ــ ومنها: رأفة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي﴾، حيث أضافهم إلى نفسه تشريفاً، وتعطفاً عليهم. ٣ ــ ومنها: إثبات قرب الله ؛ والمراد قرب نفسه؛ لأن الضمائر في هذه الآية كلها ترجع إلى الله؛ وعليه فلا يصح أن يحمل القرب فيها على قرب رحمته، أو ملائكته؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، ويقتضي تشتيت الضمائر بدون دليل؛ ثم قرب الله هل هو خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ أو هو عام؟ على قولين؛ والراجح أنه خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ لأنه لم يَرد وصف الله به على وجه مطلق؛ وليس كالمعية التي تنقسم إلى عامة، وخاصة. فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق~: ١٦، ١٧]ــ وهذا عام؟ فالجواب أن المراد بالقرب في هذا الآية قرب ملائكته بدليل قوله تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق~: ١٧]، ومثلها قوله تعالى: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾ [الواقعة: ٨٣ ــ ٨٥]: فإن المراد بها قرب الملائكة الذين يقبضون الروح.

стр. 783

فإن قال قائل: كيف الجمع بين قربه جل وعلا وعلوه؟ فالجواب: أن الله أثبت ذلك لنفسه ــ أعني القرب، والعلو؛ ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين صفتين متناقضتين؛ ولأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته؛ فهو قريب في علوه عليٌّ في دنوه. ٤ - ومن فوائد الآية: إثبات سمع الله؛ لقوله تعالى: ﴿أجيب﴾؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يُسمعَ ما دعا به. ٥ - ومنها: إثبات قدرة الله؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة. ٦ - ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾. ٧ - ومنها: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله ، بحيث يكون مخلصاً مشعراً نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعراً نفسه بكرم الله، وجوده؛ لقوله تعالى: ﴿إذا دعان﴾. ٨ - ومنها: أن الله تعالى يجيب دعوة الداع إذا دعاه؛ ولا يلزم من ذلك أن يجيب مسألته؛ لأنه تعالى قد يؤخر إجابة المسألة ليزداد الداعي تضرعاً إلى الله، وإلحاحاً في الدعاء؛ فيقوى بذلك إيمانه، ويزداد ثوابه؛ أو يدخره له يوم القيامة؛ أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي؛ وهذا هو السر - والله أعلم - في قوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع﴾. ٩ - ومنها: أن الإنابة إلى الله ، والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله تعالى: ﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. ١٠ - ومنها: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله

стр. 784

قرن بينهما؛ فمن تعبد لله وهو ضعيف الإيمان بأن يكون عنده تردد - والعياذ بالله - أو شك فإنه لا ينفعه؛ أو يكون عنده إنكار، كما يفعل المنافقون: فإنهم يتعبدون إلى الله ظاهراً؛ لكنهم ليس عندهم إيمان؛ فلا ينفعهم. ١١ ــ ومنها: إثبات الأسباب، والعلل؛ ففيه رد على الجهمية، وعلى الأشاعرة؛ لأنهم لا يثبتون الأسباب إلا إثباتاً صورياً، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها لكن يكون الفعل عندها. القرآن ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة: ١٨٧) التفسير: ﴿١٨٧﴾ قوله تعالى: ﴿أحل لكم﴾ أي أحل الله لكم؛ ونائب الفاعل فيه: ﴿الرفث إلى نسائكم﴾؛ و ﴿الرفث﴾ هو الجماع، والإفضاء؛ والمراد بـ ﴿ليلة الصيام﴾ جميع ليالي رمضان؛ ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾: الجملة استئنافية للتعليل ــ أي تعليل حل الرفث إلى النساء ليلة الصيام ــ لأن الزوج لا يستغني

стр. 785

عن زوجه فهو لها بمنزلة اللباس؛ وكذلك هي له بمنزلة اللباس؛ وعبر سبحانه باللباس لما فيه من ستر العورة، والحماية، والصيانة؛ وإلى هذا يشير قول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج» (١). ثم بيَّن الله حكمة أخرى موجبة لهذا الحل؛ وهي قوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ أي تخادعونها بإتيانهن، بحيث لا تصبرون؛ والظاهر ــ والله أعلم ــ أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن هذا الأمر هين؛ أو بأنه صار في حال لا تحرم عليه زوجته؛ وما أشبه ذلك؛ وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى أحدهم العشاء الآخرة، أو إذا نام قبل العشاء الآخرة فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي؛ فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم لم يصبر؛ فبين الله حكمته، ورحمته بنا، حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾. قوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾: أي تاب عليكم بنسخ الحكم الأول الذي فيه مشقة؛ والنسخ إلى الأسهل توبة كما في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فيعبر الله عن النسخ بالتوبة إشارة إلى أنه

стр. 786

لولا النسخ لكان الإنسان آثماً إما بفعل محرم؛ أو بترك واجب. قوله تعالى: ﴿وعفا عنكم﴾ أي تجاوز عما وقع منكم من مخالفة. قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾: الفاء حرف عطف تقتضي الترتيب - يعني فالآن بعد التحريم، وبعد تحقيق التوبة، والعفو باشروهن؛ وكلمة «الآن» اسم إشارة إلى الزمن الحاضر؛ وهي مبنية على الفتح في محل نصب؛ والمراد بالمباشرة الجماع؛ وسمي كذلك لالتقاء البشرتين فيه - بشرة المرأة، وبشرة الرجل -. قوله تعالى: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ أي اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد؛ وذلك بالجماع الذي يحصل به الإنزال. قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ معطوفة على قوله تعالى: ﴿باشروهن﴾ أي لكم الأكل، والشرب. قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ أي حتى يظهر ظهوراً جلياً يتميز به ﴿الخيط الأبيض﴾ وهو بياض النهار ﴿من الخيط الأسود﴾ وهو سواد الليل. قوله تعالى ﴿من الفجر﴾ بيان لمعنى ﴿الخيط الأبيض﴾؛ ولم يذكر في الخيط الأسود «من الليل» اكتفاءً بالأول، كما في قوله تعالى: ﴿وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] يعني: والبرد؛ فهذا من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر. قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام﴾ أي أكملوا الصيام على وجه التمام؛ ﴿إلى الليل﴾ أي إلى دخول الليل؛ وذلك بغروب الشمس؛ لقول النبي ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا - وأدبر النهار

стр. 787

من هاهنا - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (١)؛ وبمجرد غروب الشمس - أي غروب قرصها - يكون الإفطار؛ وليس بشرط أن تزول الحمرة، كما يظن بعض العوام؛ إذاً الصوم محدود: من، وإلى؛ فلا يزاد فيه، ولا ينقص؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى - في الفوائد حكم الوصال. قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن﴾ أي ولا تجامعوهن؛ وذكرها عقب قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ لئلا يظن أن المباشرة المأذون فيها شاملة حال الاعتكاف؛ والضمير «هن» يعود على النساء؛ وجملة: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ حال من الواو في قوله تعالى: ﴿لا تباشروهن﴾؛ و ﴿عاكفون﴾ اسم فاعل من عكف يعكف؛ والعكوف على الشيء ملازمته، والمداومة عليه؛ ومنه قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي مديمون ملازمون؛ والاعتكاف في الشرع هو التعبد لله بلزوم المساجد لطاعة الله. قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾؛ «تي» اسم إشارة؛ واللام للبعد؛ والكاف حرف خطاب؛ والمشار إليه ما ذُكر من أحكام الأكل، والشرب، والجماع في ليالي رمضان؛ و ﴿حدود﴾ جمع حد؛ و «الحد» في اللغة المنع؛ ومنه حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها؛ فمعنى ﴿حدود الله﴾ أي موانعه؛ واعلم أن حدود الله نوعان:

стр. 788

١ ــ حدود تمنع من كان خارجها من الدخول فيها؛ وهذه هي المحرمات؛ ويقال فيها: ﴿فلا تقربوها﴾. ٢ ــ وحدود تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ وهذه هي الواجبات؛ ويقال فيها: ﴿فلا تعتدوها﴾. قوله تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾ الفاء للتفريع؛ و «لا» ناهية؛ وإنما نهى عن قربانها حتى نبعد عن المحرم، وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾؛ فالمحرمات ينبغي البعد عنها، وعدم قربها. قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله﴾: هذه الجملة ترد في القرآن كثيراً؛ وإعرابها أن الكاف اسم بمعنى «مثل»؛ وهي في محل نصب على المفعولية المطلقة؛ أي مثلَ ذلك البيان يبين الله؛ وعاملها ما بعدها. وقوله تعالى: ﴿كذلك﴾ المشار إليه ما سبق من البيان؛ والبيان في هذه الآية كثير؛ فبين الله حكم الأكل، والشرب في الليل، وحكم المباشرة للنساء، وحكم الاعتكاف، وموضعه، وما يحرم فيه .. إلخ، المهم عدة أحكام بينها الله. قوله تعالى: ﴿آياته للناس﴾؛ «آيات» جمع آية؛ وهي في اللغة العلامة؛ والمراد بها في الشرع: العلامة المعينة لمدلولها. قوله تعالى: ﴿لعلهم يتقون﴾؛ «لعل» للتعليل؛ أي يتقون الله وتقوى الله هي اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في «التقوى».

стр. 789

الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: رحمة الله تعالى بعباده؛ لنسخ الحكم الأول إلى التخفيف، حيث كانوا قبل ذلك إذا ناموا، أو صلّوا العشاء في ليالي رمضان حرمت عليهم النساء، والطعام، والشراب إلى غروب الشمس من اليوم التالي؛ ثم خفف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر. ٢ ــ ومنها: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه؛ لقوله تعالى: ﴿الرفث إلى نسائكم﴾؛ لأنه مُضَمن معنى الإفضاء. ٣ ــ ومنها: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إلى نسائكم﴾ ما لم يخالف شرطاً بين الزوجين؛ وقد ظن بعض الناس أنه لا يجوز أن يستمتع بشيء من زوجته حتى يعلن النكاح ــ وليس بصحيح لكن هنا شيء يخشى منه؛ وهو الجماع؛ فإنه ربما يحصل حمل؛ وإذا حصل حمل مع تأخر الدخول ربما يحصل في ذلك ريبة؛ فإذا خشي الإنسان هذا الأمر فليمنع نفسه لئلا يحصل ريبة عند العامة. ٤ ــ ومن فوائد الآية: أن الزوجة ستر للزوج؛ وهو ستر لها؛ وأن بينهما من القرب كما بين الثياب، ولابسيها؛ ومن التحصين للفروج ما هو ظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾. ٥ ــ ومنها: إثبات العلة في الأحكام؛ لقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم﴾؛ لأن هذه الجملة لتعليل التحليل.

стр. 790

٦ ــ ومنها: ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾. ٧ ــ ومنها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه؛ وذلك إذا أوقعها في معاصي الله، فإن هذا خيانة؛ وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾. ٨ ــ ومن فوائد الآية: إثبات التوبة لله؛ لقوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾؛ وهذه من الصفات الفعلية. ٩ ــ ومنها: إثبات عفو الله؛ لقوله تعالى: ﴿وعفا عنكم﴾. ١٠ ــ ومنها: ثبوت النسخ خلافاً لمن أنكره؛ وهو في هذه الآية صريح؛ لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ يعني: وقبل الآن لم يكن حلالاً. ١١ ــ ومنها: أن النسخ إلى الأخف نوع من التوبة إلا أن يراد بقوله تعالى: ﴿تاب عليكم وعفا عنكم﴾ ما حصل من اختيانهم أنفسهم. ١٢ ــ ومنها: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد؛ ويستثنى من ذلك الوطء في الدبر، والوطء حال الحيض، أو النفاس. ١٣ ــ ومنها: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصداً بوطئه طلب الولد؛ لقوله تعالى: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾؛ وذكروا عن عمر ﵁ أنه لا يجامع إلا إذا اشتهى الولد؛ ولكن مع ذلك لا يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة؛ فهذا ليس فيه منع؛ بل فيه أجر؛ لقول النبي ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا:

стр. 791

يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم؛ أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم؛ قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (١). ١٤ ــ من فوائد الآية: جواز الأكل، والشرب، والجماع في ليالي الصيام حتى يتبين الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين﴾. أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السُّحور، وتأخيره؛ وهذا الاستنباط له غور؛ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقاً بالمكلف؛ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به؛ فما دام نسخ التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق؛ وهذا استنباط جيد تعضده الأحاديث - مثل قول الرسول ﷺ : «تسحروا فإن في السَّحور بركة» (٢) -؛ ففيه بركة لكونه معيناً على طاعة الله؛ وفيه بركة لأنه امتثال لأمر رسول الله ﷺ ؛ وفيه بركة لأنه اقتداء برسول الله ﷺ ؛ وفيه بركة لأنه يغني عن عدة أكلات، وشرابات في النهار؛ وفيه بركة لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ فهذه خمسة أوجه من بركته.

стр. 792

١٥ ــ ومن فوائد الآية: أن الإنسان لو طلع عليه الفجر وهو يجامع، ثم نزع في الحال فلا قضاء عليه، ولا كفارة؛ لأن ابتداء جماعه كان مأذوناً فيه؛ ولكن استدامته بعد أن تبين الفجر حرام، وعلى فاعله القضاء والكفارة، إلا أن يكون جاهلاً؛ وقد قيل: إنه إذا نزع في هذه الحال فعليه كفارة؛ لأن النزع جماع؛ لكنه قول ضعيف؛ إذ كيف نلزمه بالقضاء والكفارة مع قيامه بما يجب عليه ــ وهو النزع ــ. ١٦ ــ ومنها: جواز أن يصبح الصائم جنباً، لأن الله أباح الجماع حتى يتبين الفجر، ولازم هذا أنه إذا أخر الجماع لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه كان يصبح جنباً من جماع أهله، ثم يصوم (١). ١٧ ــ ومنها: جواز الأكل، والشرب، والجماع مع الشك في طلوع الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين﴾؛ فإن تبين أن أكله، وشربه، وجماعه، كان بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه. ١٨ ــ ومنها: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم، ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾؛ وكذلك رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس. ١٩ ــ ومن فوائد الآية: بيان خطأ بعض جهال المؤذنين

стр. 793

الذين يؤذنون قبل الفجر احتياطاً - على زعمهم -؛ لأن الله تعالى أباح الأكل، والشرب، والجماع، حتى يتبين الفجر؛ ولأن النبي ﷺ قال: «إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (١)؛ وهو أيضاً مخالف للاحتياط؛ لأنه يستلزم أن يمتنع الناس مما أحل الله لهم من الأكل، والشرب، والجماع، وأن يقدِّم الناس صلاة الفجر قبل طلوع الفجر؛ وأيضاً فإنه يفتح باباً للمتهاون، حيث يعلم أنه أذن قبل الفجر فلا يزال يأكل إلى أمد مجهول، فيؤدي إلى الأكل بعد طلوع الفجر من حيث لا يشعر؛ ثم اعلم أن الاحتياط الحقيقي إنما هو في اتباع ما جاء في الكتاب، والسنة - لا في التزام التضييق والتشديد -. ٢٠ ــ ومن فوائد الآية: أنه لو أكل الإنسان يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طلع فصيامه صحيح؛ لأنه قد أذن له بذلك حتى يتبين له الفجر؛ وما كان مأذوناً فيه فإنه لا يرتب عليه إثم، ولا ضمان، ولا شيء؛ ومن القواعد الفقهية المعروفة: «ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون»؛ وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥]؛ وتؤيده أيضاً نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها ــ وهو فعل عدي بن حاتم ﵁،

стр. 794

حيث كان يضع عقالين تحت وسادته أحدهما أبيض، والآخر أسود ــ؛ فيأكل وهو يتسحر حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، ثم يمسك؛ فأخبر النبي ﷺ ، وبين له النبي ﷺ المراد في الآية، ولم يأمره بالقضاء (١). ٢١ ــ ومن فوائد الآية: الإيماء إلى كراهة الوصال؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا حتى يتبين﴾؛ والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعاً لا يأكل بينهما؛ وقد كان الوصال مباحاً، ثم نهاهم الرسول ﷺ عنه، وقال: «أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» (٢)؛ ورغب ﷺ في تعجيل الفطر، فقال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (٣)؛ وهذا من باب أن الشيء قد يكون مأذوناً فيه، وليس بمشروع؛ فالوصال إلى السَّحَر مأذون فيه، ولكن ليس بمشروع؛ ومثال آخر: الصدقة عن الميت: فهذا أمر مأذون فيه، وليس بمشروع. ٢٢ ــ ومن فوائد الآية: أن الاعتبار بالفجر الصادق الذي

стр. 795

يكون كالخيط ممتداً في الأفق؛ وذكر أهل العلم أن بين الفجر الصادق والفجر الكاذب ثلاثة فروق: الفرق الأول: أن الصادق مستطير معترض من الجنوب إلى الشمال؛ والكاذب مستطيل ممتد من الشرق إلى الغرب. والفرق الثاني: أن الصادق متصل بالأفق؛ وذاك بينه، وبين الأفق ظلمة. والفرق الثالث: أن الصادق يمتد نوره، ويزداد؛ والكاذب يزول نوره ويظلم. ٢٣ ــ ومن فوائد الآية: أن بياض النهار، وسواد الليل يتعاقبان، فلا يجتمعان؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾. ٢٤ ــ ومنها: أن الأفضل المبادرة بالفطر؛ لقوله تعالى: ﴿إلى الليل﴾؛ وقد جاءت السنة بذلك صريحاً، كما في قوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». ٢٥ ــ ومنها: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. ٢٦ ــ ومنها: أن الصيام الشرعي ينتهي بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿إلى الليل﴾؛ وقد فسر النبي ﷺ ذلك بقوله ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا ــ، وأدبر النهار من هاهنا ــ وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (١). ٢٧ ــ ومنها: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف؛ لأن الله

стр. 796

أقره، ورتب عليه أحكاماً، وقوله تعالى: ﴿في المساجد﴾ بيان للواقع؛ لأن الاعتكاف المشروع لا يكون إلا في المساجد. ٢٨ ــ ومنها: أن الاعتكاف مشروع في كل مسجد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿في المساجد﴾؛ فلا يختص بالمساجد الثلاثة - كما قيل به -؛ وأما حديث حذيفة: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (١) - يعني المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى - فإن صح فالمراد به الاعتكاف الكامل. ٢٩ ــ ومنها: أن ظاهر الآية أن الاعتكاف يصح في كل مسجد - وإن لم يكن مسجد جماعة -؛ وهذا الظاهر غير مراد لوجهين: الوجه الأول: أن «أل» في ﴿المساجد﴾ للعهد الذهني؛ فتكون دالة على أن المراد بـ ﴿المساجد﴾ المساجد المعهودة التي تقام فيها الجماعة. الوجه الثاني: أنه لو جاز الاعتكاف في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة للزم من ذلك أحد أمرين: إما ترك صلاة الجماعة - وهي واجبة -؛ وإما كثرة الخروج إليها - وهذا ينافي الاعتكاف، أو كماله -. ٣٠ ــ ومن فوائد الآية: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف.

стр. 797

٣١ ــ ومنها: أن الجماع مبطل للاعتكاف؛ وجه كونه مبطلاً أنه نهي عنه بخصوصه؛ والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها. ٣٢ ــ ومنها: ما استنبطه بعض أهل العلم أن الاعتكاف يكون في رمضان، وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكر حكمه عقب آية الصيام؛ وهذا هو الذي جاءت به السنة: فإن النبي ﷺ لم يعتكف إلا في العشر الأواخر من رمضان حين قيل له: «إن ليلة القدر في العشر الأواخر»؛ وكان اعتكافه في العشر الأول، والأوسط يتحرى ليلة القدر؛ فلما قيل له: «إنها في العشر الأواخر» ترك الاعتكاف في العشر الأول، والأوسط (١). ٣٣ ــ ومنها: أن أوامر الله حدود له؛ وكذلك نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾. ٣٤ ــ ومنها: أنه ينبغي البعد عن المحارم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ : «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، وعرضه؛ ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ ألا وإن لكل ملِك حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه» (٢). ٣٥ ــ ومنها: أن الله يبين للناس الآيات

стр. 798

الكونية، والشرعية؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس﴾؛ والآيات الكونية هي المخلوقات؛ فكل المخلوقات ذواتها، وصفاتها، وأحوالها من الآيات الكونية، كما قال تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ [الروم: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ [الروم: ٢٠] ... إلخ؛ وكانت المخلوقات آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها. والآيات الشرعية: هي ما أنزله الله تعالى على رسله، وأنبيائه من الوحي؛ فإنها آيات شرعية تدل على كمال منزلها في العلم، والرحمة، والحكمة، وغير ذلك مما تقتضيه أحكامها، وأخبارها؛ وجه ذلك أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق، والبيان، والمصلحة، كما قال تعالى: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾ [يوسف: ٣]؛ فأحسن الأخبار أخبار الوحي: القرآن، وغيره؛ وأصلحها للخلق قصصها، كما قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١]؛ وإذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، وأصلحها للعباد في معاشهم، ومعادهم، كما قال تعالى: ﴿ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]؛ ولو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسوله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً؛ بهذا تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله . ٣٦ ــ ومن فوائد الآية: الرد على أهل التعطيل، وغيرهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله، وصفاته؛ وجه

стр. 799

ذلك أنهم لما قالوا: المراد بـ «اليد» النعمة، أو القوة؛ والمراد بـ «الاستواء» الاستيلاء؛ والمراد بكذا كذا - وهو خلاف ظاهر اللفظ، ولا دليل عليه - صار القرآن غير بيان للناس؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان. ٣٧ ــ ومنها: أن العلم سبب للتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿لعلهم يتقون﴾؛ ووجهه أنه ذكره عقب قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس﴾؛ فدل هذا أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]؛ فكلما ازداد الإنسان علماً بآيات الله ازداد تقًى؛ ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف. ٣٨ ــ ومنها: علو مرتبة التقوى؛ لكون الآيات تبين للناس من أجل الوصول إليها. مسألة: لو أذن المؤذن للفجر وفي يد الصائم الإناء يشرب منه فهل يجب عليه أن ينزل الإناء، أو له أن يقضي نهمته منه؟ على مذهب الإمام أحمد يجب أن ينزل الإناء؛ بل يجب لو كان في فمه ماء لفْظه؛ وكذلك الطعام؛ وهذا هو ظاهر القرآن؛ لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر بأنه لو أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه (١)؛ فإن كان هذا الحديث صحيحاً فإنه يحمل

стр. 800

على أن المؤذن قد احتاط فيؤذن قبل الفجر - أي لا يؤخر الأذان إلى أن يطلع الفجر -؛ لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيراً فسُمح للإنسان أن يقضي نهمته من الإناء الذي في يده؛ وإنما حملناه على ذلك لظاهر الآية، ولقول النبي ﷺ : «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (١)، وقد يقال: الحديث على ظاهره؛ ووجهه: أن هذا الشارب شرع في شربه في وقت يسمح له فيه، فكان آخر شربه تبعاً لأوله، كما قال النبي ﷺ :

стр. 801

«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (١)؛ ويكون هذا مما سامح به الشارع. القرآن ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٨) التفسير: مناسبة هذه الآية لما سبق مناسبة واضحة؛ لأن ما سبق في آيات الصيام تحريم لأشياء خاصة في زمان خاص؛ وهذه الآية تحريم عام في زمانه، وفي مكانه؛ هذا وجه المناسبة: أنه لما ذكر التحريم الخاص الذي يحصل في الصيام بيَّن التحريم العام الذي يحصل في الصيام، وفي غير الصيام. ﴿١٨٨﴾ قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾؛ المراد بالأكل ما هو أعم منه، فيشمل الانتفاع بغير الأكل من الملبوسات، والمفروشات، والمسكونات، والمركوبات؛ لكنه خَص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع؛ الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له - وهو منفصل عنه -؛ ويفترش الفراش فينتفع به - وهو منفصل عنه إلا أنه ألصق به من البيت؛ ويلبس ثوباً

стр. 802

فينتفع به - وهو منفصل عنه -؛ إلا أنه ألصق به من الفراش؛ والإنسان يأكل الأكل فينتفع - وهو متصل ممازج لعروقه -؛ فكان أخص أنواع الانتفاع، وألصقها بالمنتفع؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم ﵏ أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود؛ لا يصرفه في الأكل والشرب يتغذى بهما البدن وهما أخص انتفاع بالمال؛ فإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لا تأكلوا أموالكم﴾ وهو أخص الانتفاع، والذي قد يكون الإنسان في ضرورة إليه: لو لم يفعل لهلك - لو لم يأكل لمات فكيف بغيره!!! وقوله تعالى: ﴿أموالكم﴾: عندنا آكل، ومأكول عنه؛ فإذا كنت أنت أيها الآكل لا ترضى أن يؤكل مالك فكيف ترضى أن تأكل مال غيرك؛ فاعتبر مال غيرك بمنزلة مالك في أنك لا ترضى أن يأكله أحد؛ وبهذا تتبين الحكمة في إضافة الأموال المأكولة للغير إلى آكلها؛ و ﴿بينكم﴾ أي في العقود من إجارات، وبيوع، ورهون، وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين؛ فتصدق البينية فيها. وقوله تعالى: ﴿بالباطل﴾؛ الباء للتعدية؛ أي تتوصلون إليه بالباطل؛ و «الباطل» كل ما أخذ بغير حق. قوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾؛ الضمير المجرور يعود إما على الأموال؛ وإما على المحاكمة؛ والإدلاء أصلها مأخوذ من: أدلى دلوه؛ ومعلوم أن الذي يدلي دلوه يريد التوصل إلى الماء؛ فمعنى: ﴿تدلوا بها إلى الحكام﴾ أي تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها بأن تجحد الحق الذي

стр. 803

عليك وليس به بينة؛ ثم تخاصمه عند القاضي، فيقول القاضي للمدعي عليك: «هاتِ بينة»؛ وإذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين؛ فإذا حلفت برئت؛ فهنا توصلت إلى جحد مال غيرك بالمحاكمة؛ هذا أحد القولين في الآية؛ والقول الثاني: أن معنى: ﴿تدلوا بها إلى الحكام﴾ أي توصلوها إليهم بالرشوة ليحكموا لكم؛ وكلا القولين صحيح. قوله تعالى: ﴿لتأكلوا﴾؛ قد يقول قائل: إن فيها إشكالاً؛ لأنه تعالى قال: ﴿ولا تأكلوا﴾، ثم قال تعالى: ﴿لتأكلوا﴾ كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟ فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل؛ اللام هنا للعاقبة ــ يعني أنكم إذا فعلتم ذلك وقعتم في الأكل ــ أكل فريق من أموال الناس ــ؛ وتأتي اللام للعاقبة، كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [القصص: ٨]: فآل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض؛ ولكن كانت هذه العاقبة. قوله تعالى: ﴿فريقاً من أموال الناس﴾؛ الفريق بمعنى الطائفة؛ وسمي فريقاً؛ لأنه يُفْرَق عن غيره؛ فهذا فريق من الناس ــ يعني طائفة منهم افترقت، وانفصلت ــ؛ لو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه لا فريقاً منه؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنه لو أكل جميع مال المدعى عليه لم يأكل جميع أموال الناس؛ لأن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس. الثاني: أنه إذا كان النهي عن أكل فريق من أموال المدعى عليه فهو تنبيه بالأدنى على الأعلى. قوله تعالى: ﴿بالإثم﴾؛ الباء للمصاحبة؛ يعني أكلاً

стр. 804

مصحوباً بالإثم ــ وهو الذنب ــ؛ وذلك لأنه باطل. قوله تعالى: ﴿وأنتم تعلمون﴾: الجملة حالية؛ وهي قيد للحكم على أعلى أنواع بشاعته؛ لأن من أكل أموال الناس بالباطل عالماً أبشع مما لو أكله جاهلاً. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: تحريم أكل المال بالباطل؛ و «الباطل» كل شيء ليس لك به حق شرعاً. ٢ ــ ومنها: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾؛ ولأن الأموال تقوم بها أمور الدين، وأمور الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ [النساء: ٥]. ٣ ــ ومنها: تحريم الرشوة؛ لقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ على أحد التفسيرين، كما سبق. ٤ ــ ومنها: أن الحاكم يحكم بما ظهر له ــ يعني يقضي بما سمع ــ؛ كما قال الرسول ﷺ : «إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع» (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾؛ وهذه فيمن يدعي ما ليس له، ويخاصم، ويقيم بينة كذباً؛ أو يجحد ما عليه، ويخاصم، ويحلف كاذباً؛ كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام؛ لكن إن علم الحاكم أن الحق بخلاف ما سمع فالواجب عليه

стр. 805

التوقف في الحكم، وإحالة القضية إلى حاكم آخر ليكون هو شاهداً بما علم. ٥ ــ ومن فوائد الآية: تيسير الله على الحكام بين الناس، حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة؛ وإلا لكان الحكام في حرج، ومشقة؛ وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له ــ وإن كان خلاف الواقع - فلا إثم عليه. ٦ ــ ومنها: أن من حُكم له بما يعتقد أنه حق فلا إثم عليه؛ لكن لو تبين له بعد الحكم أنه لا حق له وجب عليه الرجوع إلى الحق؛ مثاله: لو فرض أن غريمه أوفاه؛ لكنه ناسٍ، وحلف أنه لم يوفه، وحُكم له فلا إثم عليه؛ لكن متى ذكر أنه قد أوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه. القرآن ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (البقرة: (١٨٩ التفسير: ﴿١٨٩﴾ قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾؛ ﴿الأهلة﴾ جمع هلال؛ وهو القمر أول ما يكون شهراً؛ وسمي هلالاً لظهوره؛ ومنه: الاستهلال؛ والإهلال هو رفع الصوت، كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل

стр. 806

فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (١) يعني بالتلبية؛ ومنه قولهم: «استهل المولود» إذا صرخ بعد وضعه. وقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ يعني: الحكمة فيها بدليل الجواب: ﴿قل هي مواقيت للناس والحج وأما ما ذكره أهل البلاغة من أنهم سألوا الرسول ﷺ عن السبب في كون الهلال يبدو صغيراً، ثم يكبر؛ فأجاب الله ببيان الحكمة؛ وقالوا: إن هذا من أسلوب الحكيم أن يجاب السائل بغير ما يتوقع إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يُسأل عن هذا؛ فالصواب أنهم لم يسألوا الرسول عن هذا؛ ولكن سألوه عن الحكمة من الأهلة، وأن الله خلقها على هذا الوجه؛ والدليل: الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب مطابق للسؤال إلا أن يثبت ذلك بنص صحيح. قوله تعالى: ﴿قل هي﴾ أي الأهلة ﴿مواقيت للناس﴾ جمع ميقات ــ من الوقت ــ؛ أي يوقتون بها أعمالهم التي تحتاج إلى توقيت بالأشهر، كعدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، وعدة المطلقة

стр. 807

بعد الدخول إذا كانت لا تحيض ثلاثة أشهر، وآجال ديونهم، وإجاراتهم، وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿والحج﴾ يعني مواقيت للحج؛ لأن الحج أشهر معلومات تبتدئ بدخول شوال، وتنتهي بانتهاء ذي الحجة؛ ثلاثة أشهر؛ وكذلك هي مواقيت للصيام، كما قال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لكن سياق الآيات توطئة لبيان أشهر الحج؛ فلهذا قال تعالى: ﴿مواقيت للناس والحج﴾؛ ولم يذكر الصيام؛ لأنه سبق. قوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾؛ ﴿البر﴾ هو الخير الكثير؛ وسمي الخير براً لما فيه من السعة؛ ومنه في الاشتقاق «البَرّ» ــ الذي هو الخلاء: وهو ما سوى البنيان ــ لسعته. وقوله تعالى: ﴿بأن تأتوا﴾: الباء حرف جر زائد للتوكيد؛ يعني: وليس البر بإتيانكم البيوت من ظهورها؛ و ﴿البُيوت﴾ بضم الباء؛ وفي قراءة بكسر الباء. وقوله تعالى: ﴿من ظهورها﴾؛ ﴿من﴾ بيانية؛ أي تأتوها من الخلف؛ وكانوا في الجاهلية من سفههم يأتون البيوت من ظهورها إذا أحرموا بحج، أو بعمرة إلا قريشاً؛ فإنهم يأتونها من أبوابها؛ أما غيرهم فيقولون: نحن أحرمنا؛ لا يمكن أن ندخل بيوتنا من أبوابها؛ هذا يبطل الإحرام؛ لا بد أن نأتي من الظهور لئلا يسترنا سقف البيت؛ فكانوا يتسلقون البيوت مع الجدران من الخلف، ويعتقدون أن ذلك بِرّ وقربة إلى الله ؛ فنفى الله هذا، وأبطله بقوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾؛

стр. 808

لما فيه من التعسير، ولما فيه من السفه ومخالفة الحكمة، فهو خلاف البر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾. قوله تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى﴾؛ وفي قراءة: ﴿ولكنِ البرُّ﴾ بتخفيف النون في ﴿لكنِ﴾؛ ورفع ﴿البرُّ﴾؛ على أن تكون ﴿لكن﴾ مخففة من الثقيلة مهملة؛ و ﴿البر﴾ مبتدأ؛ أما على قراءة التشديد فهي عاملة؛ و ﴿البر﴾ اسمها؛ وقوله تعالى: ﴿البر من اتقى﴾: ﴿البر﴾ اسم معنى؛ و ﴿من اتقى﴾ اسم جثة؛ كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟ فالجواب أنه يخرج على واحد من أوجه ثلاثة: الوجه الأول: أن يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البار. الوجه الثاني: أن يكون المصدر على تقدير محذوف؛ أي: ولكن البر بر من اتقى. الوجه الثالث: أن هذا على سبيل المبالغة أن يجعل ﴿من اتقى﴾ نفس البر، كما يصفون المصدر فيقولون: فلان عدل، ورضا. وقوله تعالى: ﴿من اتقى﴾ أي اتقى الله ؛ لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به اتقاء الله ؛ البر هو التقوى؛ هذا هو حقيقة البر؛ لا أن تتقي دخول البيت من بابه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ أي من جهة الباب فإن هذا هو الخير. قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

стр. 809

قوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾؛ «لعل» للتعليل؛ أي لأجل أن تنالوا الفلاح؛ و «الفلاح» هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين، وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا. ٢ ــ ومنها: عناية الله برسوله ﷺ ، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه؛ وهذا من معونة الله للرسول ﷺ ، وعنايته به. ٣ ــ ومنها: بيان علم الله، وسمعه، ورحمته؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾؛ علم الله بسؤالهم، وسمعه، ورحمهم بالإجابة. ٤ ــ ومنها: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شؤون دينهم، ودنياهم؛ لقوله تعالى: ﴿مواقيت للناس﴾ ٥ ــ ومنها: أن ميقات الأمم كلها الميقات الذي وضعه الله لهم ــ وهو الأهلة ــ؛ فهو الميقات العالمي؛ لقوله تعالى: ﴿مواقيت للناس﴾؛ وأما ما حدث أخيراً من التوقيت بالأشهر الإفرنجية فلا أصل له من محسوس، ولا معقول، ولا مشروع؛ ولهذا تجد بعض الشهور ثمانية وعشرين يوماً، وبعضها ثلاثين يوماً، وبعضها واحداً وثلاثين يوماً من غير أن يكون سبب معلوم أوجب هذا الفرق؛ ثم إنه ليس لهذه الأشهر علامة حسية يرجع الناس إليها في تحديد أوقاتهم ــ بخلاف الأشهر الهلالية فإن لها علامة حسية يعرفها كل أحد ــ.

стр. 810

٦ ــ ومنها: أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله تعالى: ﴿والحج﴾. ٧ ــ ومنها: أن البر يكون بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى﴾. ٨ ــ ومنها: أن العادات لا تجعل غير المشروع مشروعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ مع أنهم اعتادوه، واعتقدوه من البر؛ فمن اعتاد شيئاً يعتقده براً عُرِض على شريعة الله. ٩ ــ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾؛ فإن هذه الآية كما تناولت البيوت الحسية كذلك أيضاً تناولت الأمور المعنوية؛ فإذا أردت أن تخاطب مثلاً شخصاً كبير المنزلة فلا تخاطبه بما تخاطب سائر الناس؛ ولكن ائت من الأبواب؛ لا تتجشم الأمر تجشماً؛ لأنك قد لا تحصل المقصود؛ بل تأتي من بابه بالحكمة، والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور. ١٠ ــ ومن فوائد الآية: أن الله إذا نهى عن شيء فتح لعباده من المأذون ما يقوم مقامه؛ فإنه لما نفى أن يكون إتيان البيوت من ظهورها من البر بيّن ما يقوم مقامه، فقال تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾؛ وله نظائر منها قوله تعالى: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ [البقرة: ١٠٤]؛ ومنها قول النبي ﷺ لمن قال له: «ما شاء الله وشئت»: «أجعلتني لله نداً؛ بل ما شاء الله وحده» (١)؛ والأمثلة في هذا كثيرة.
следующие страницы →