فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (١) يعني بالتلبية؛ ومنه قولهم: «استهل المولود» إذا صرخ بعد وضعه.
وقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ يعني: الحكمة فيها بدليل الجواب: ﴿قل هي مواقيت للناس والحج وأما ما ذكره أهل البلاغة من أنهم سألوا الرسول ﷺ عن السبب في كون الهلال يبدو صغيراً، ثم يكبر؛ فأجاب الله ببيان الحكمة؛ وقالوا: إن هذا من أسلوب الحكيم أن يجاب السائل بغير ما يتوقع إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يُسأل عن هذا؛ فالصواب أنهم لم يسألوا الرسول عن هذا؛ ولكن سألوه عن الحكمة من الأهلة، وأن الله خلقها على هذا الوجه؛ والدليل: الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب مطابق للسؤال إلا أن يثبت ذلك بنص صحيح.
قوله تعالى: ﴿قل هي﴾ أي الأهلة ﴿مواقيت للناس﴾ جمع ميقات ــ من الوقت ــ؛ أي يوقتون بها أعمالهم التي تحتاج إلى توقيت بالأشهر، كعدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، وعدة المطلقة
стр. 807
بعد الدخول إذا كانت لا تحيض ثلاثة أشهر، وآجال ديونهم، وإجاراتهم، وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿والحج﴾ يعني مواقيت للحج؛ لأن الحج أشهر معلومات تبتدئ بدخول شوال، وتنتهي بانتهاء ذي الحجة؛ ثلاثة أشهر؛ وكذلك هي مواقيت للصيام، كما قال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لكن سياق الآيات توطئة لبيان أشهر الحج؛ فلهذا قال تعالى: ﴿مواقيت للناس والحج﴾؛ ولم يذكر الصيام؛ لأنه سبق.
قوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾؛ ﴿البر﴾ هو الخير الكثير؛ وسمي الخير براً لما فيه من السعة؛ ومنه في الاشتقاق «البَرّ» ــ الذي هو الخلاء: وهو ما سوى البنيان ــ لسعته.
وقوله تعالى: ﴿بأن تأتوا﴾: الباء حرف جر زائد للتوكيد؛ يعني: وليس البر بإتيانكم البيوت من ظهورها؛ و ﴿البُيوت﴾ بضم الباء؛ وفي قراءة بكسر الباء.
وقوله تعالى: ﴿من ظهورها﴾؛ ﴿من﴾ بيانية؛ أي تأتوها من الخلف؛ وكانوا في الجاهلية من سفههم يأتون البيوت من ظهورها إذا أحرموا بحج، أو بعمرة إلا قريشاً؛ فإنهم يأتونها من أبوابها؛ أما غيرهم فيقولون: نحن أحرمنا؛ لا يمكن أن ندخل بيوتنا من أبوابها؛ هذا يبطل الإحرام؛ لا بد أن نأتي من الظهور لئلا يسترنا سقف البيت؛ فكانوا يتسلقون البيوت مع الجدران من الخلف، ويعتقدون أن ذلك بِرّ وقربة إلى الله ؛ فنفى الله هذا، وأبطله بقوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾؛
стр. 808
لما فيه من التعسير، ولما فيه من السفه ومخالفة الحكمة، فهو خلاف البر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾.
قوله تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى﴾؛ وفي قراءة: ﴿ولكنِ البرُّ﴾ بتخفيف النون في ﴿لكنِ﴾؛ ورفع ﴿البرُّ﴾؛ على أن تكون ﴿لكن﴾ مخففة من الثقيلة مهملة؛ و ﴿البر﴾ مبتدأ؛ أما على قراءة التشديد فهي عاملة؛ و ﴿البر﴾ اسمها؛ وقوله تعالى: ﴿البر من اتقى﴾: ﴿البر﴾ اسم معنى؛ و ﴿من اتقى﴾ اسم جثة؛ كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟
فالجواب أنه يخرج على واحد من أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: أن يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البار.
الوجه الثاني: أن يكون المصدر على تقدير محذوف؛ أي: ولكن البر بر من اتقى.
الوجه الثالث: أن هذا على سبيل المبالغة أن يجعل ﴿من اتقى﴾ نفس البر، كما يصفون المصدر فيقولون: فلان عدل، ورضا.
وقوله تعالى: ﴿من اتقى﴾ أي اتقى الله ؛ لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به اتقاء الله ؛ البر هو التقوى؛ هذا هو حقيقة البر؛ لا أن تتقي دخول البيت من بابه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ أي من جهة الباب فإن هذا هو الخير.
قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
стр. 809
قوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾؛ «لعل» للتعليل؛ أي لأجل أن تنالوا الفلاح؛ و «الفلاح» هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين، وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا.
٢ ــ ومنها: عناية الله برسوله ﷺ ، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه؛ وهذا من معونة الله للرسول ﷺ ، وعنايته به.
٣ ــ ومنها: بيان علم الله، وسمعه، ورحمته؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾؛ علم الله بسؤالهم، وسمعه، ورحمهم بالإجابة.
٤ ــ ومنها: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شؤون دينهم، ودنياهم؛ لقوله تعالى: ﴿مواقيت للناس﴾
٥ ــ ومنها: أن ميقات الأمم كلها الميقات الذي وضعه الله لهم ــ وهو الأهلة ــ؛ فهو الميقات العالمي؛ لقوله تعالى: ﴿مواقيت للناس﴾؛ وأما ما حدث أخيراً من التوقيت بالأشهر الإفرنجية فلا أصل له من محسوس، ولا معقول، ولا مشروع؛ ولهذا تجد بعض الشهور ثمانية وعشرين يوماً، وبعضها ثلاثين يوماً، وبعضها واحداً وثلاثين يوماً من غير أن يكون سبب معلوم أوجب هذا الفرق؛ ثم إنه ليس لهذه الأشهر علامة حسية يرجع الناس إليها في تحديد أوقاتهم ــ بخلاف الأشهر الهلالية فإن لها علامة حسية يعرفها كل أحد ــ.
стр. 810
٦ ــ ومنها: أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله تعالى: ﴿والحج﴾.
٧ ــ ومنها: أن البر يكون بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى﴾.
٨ ــ ومنها: أن العادات لا تجعل غير المشروع مشروعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ مع أنهم اعتادوه، واعتقدوه من البر؛ فمن اعتاد شيئاً يعتقده براً عُرِض على شريعة الله.
٩ ــ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾؛ فإن هذه الآية كما تناولت البيوت الحسية كذلك أيضاً تناولت الأمور المعنوية؛ فإذا أردت أن تخاطب مثلاً شخصاً كبير المنزلة فلا تخاطبه بما تخاطب سائر الناس؛ ولكن ائت من الأبواب؛ لا تتجشم الأمر تجشماً؛ لأنك قد لا تحصل المقصود؛ بل تأتي من بابه بالحكمة، والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور.
١٠ ــ ومن فوائد الآية: أن الله إذا نهى عن شيء فتح لعباده من المأذون ما يقوم مقامه؛ فإنه لما نفى أن يكون إتيان البيوت من ظهورها من البر بيّن ما يقوم مقامه، فقال تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾؛ وله نظائر منها قوله تعالى: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ [البقرة: ١٠٤]؛ ومنها قول النبي ﷺ لمن قال له: «ما شاء الله وشئت»: «أجعلتني لله نداً؛ بل ما شاء الله وحده» (١)؛ والأمثلة في هذا كثيرة.
стр. 811
١١ ــ ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.
١٢ ــ ومنها: أن التقوى تسمى براً.
١٣ ــ ومنها: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾.
القرآن
( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: ١٩٠)
التفسير:
﴿١٩٠﴾ قوله تعالى: ﴿قاتلوا﴾ فعل أمر؛ والمقاتلة مفاعلة من الجانبين؛ يعني اقتلوهم بمقاتلتهم إياكم؛ ولكن قال: ﴿في سبيل الله﴾ أي في دينه، وشرعه، ولأجله؛ فسبيل الله يتناول الدين، وأن يكون القتال في حدود الدين، وعلى الوجه المشروع، ولله وحده؛ فهو يتضمن الإخلاص، والمتابعة؛ ولهذا قدم المقاتَل من أجله قبل المقاتَل إشارة إلى أنه ينبغي الإخلاص في هذا القتال؛ لأنه ليس بالأمر الهين؛ فإن المقاتِل يَعرض رقبته لسيوف الأعداء؛ فإذا لم يكن مخلصاً لله خسر الدنيا والآخرة: قتل، ولم تحصل له الشهادة؛ فنبه بتقديم المراد ﴿في سبيل الله﴾ ليكون قتاله مبنياً على الإخلاص.
قوله تعالى: ﴿الذين يقاتلونكم﴾ أي ليصدوكم عن دينكم؛ وهذا القيد للإغراء؛ لأن الإنسان إذا قيل له: «قاتل من يقاتلك» اشتدت عزيمته، وقويت شكيمته؛ وعلى هذا فلا مفهوم لهذا القيد.
стр. 812
قوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾ أي في المقاتلة؛ والاعتداء في المقاتلة يشمل الاعتداء في حق الله، والاعتداء في حق المقاتَلين؛ أما الاعتداء في حق الله فمثل أن نقاتلهم في وقت لا يحل القتال فيه، مثل أن نقاتلهم في الأشهر الحرم على القول بأن تحريم القتال فيها غير منسوخ ــ؛ وأما في حق المقاتَلين فمثل أن نُمَثِّل بهم؛ لأن النبي ﷺ نهى عن المثلة (١).
قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾: الجملة هنا تعليل للحكم؛ والحكم: النهي عن الاعتداء.
وقوله تعالى: ﴿المعتدين﴾ أي في القتال، وغيره؛ و «الاعتداء» تجاوز ما يحل له.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: وجوب القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا﴾؛ ووجوب أن يكون في سبيل الله - أي في شرعه، ودينه، ومن أجله -؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وقد دل الكتاب والسنة على أنه إذا كان العدو من أهل الكتاب - اليهود، والنصارى - فإنهم يدعون إلى الإسلام؛ فإن أبوا أخذت منهم الجزية؛ فإن أبوا قوتلوا؛ واختلف العلماء فيمن سواهم من الكفار: هل يعاملون معاملتهم؛ أو يقاتلون إلى أن يسلموا؛ والقول الراجح أنهم يعاملون معاملتهم، كما يدل عليه حديث بريدة (٢) الثابت في صحيح مسلم؛ وقد ثبت أن النبي ﷺ أخذ
стр. 813
الجزية من مجوس هجر (١) - وهو يدل على أن أخذ الجزية ليس خاصاً بأهل الكتاب -.
٢ - ومنها: أنه ينبغي للمتكلم أن يذْكر للمخاطب ما يهيجه على الامتثال؛ لقوله تعالى: ﴿الذين يقاتلونكم﴾؛ هذا إذا قلنا: إنها قيد للتهييج، والإغراء؛ فإن قلنا: «إنها قيد معنوي يراد به إخراج من لا يقاتلوننا»، اختلف الحكم.
٣ - ومنها: تحريم الاعتداء حتى على الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾؛ وعلى المسلمين من باب أولى؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لمن يبعثهم، كالسرايا والجيوش: «لا تمثلوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً» (٢)؛ لأن هذا من العدوان.
٤ - ومنها: إثبات محبة الله - أي أن الله يحب -؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾؛ وجه الدلالة: أنه لو كان لا يحب أبداً ما صح أن ينفي محبته عن المعتدين فقط؛ فما انتفت محبته عن هؤلاء إلا وهي ثابتة في حق غيرهم.
٥ - ومنها: حسن تعليم الله ، حيث يقرن الحكم بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾؛ وقد سبق ذكر فوائد قرن الحكم بالعلة.
стр. 814
القرآن
( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ) (البقرة: ١٩١)
التفسير:
﴿١٩١﴾ قوله تعالى: ﴿واقتلوهم﴾: الضمير الهاء يعود على الكفار الذين يقاتلوننا؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠].
قوله تعالى: ﴿حيث﴾: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب - أي اقتلوهم في أي مكان ﴿ثقفتموهم﴾ أي ظفرتم بهم -؛ أولاً قال تعالى: ﴿قاتلوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ثم قال تعالى: ﴿واقتلوا﴾؛ والقتل أشد؛ يعني متى وجدنا هذا المحارب الذي يقاتلنا حقيقة أو حكماً، فإننا نقتله في أي مكان؛ لكنه يستثنى من ذلك المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾.
قوله تعالى: ﴿أخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾؛ الإخراج يكون من شيء إلى شيء؛ أما القتال فيكون في شيء؛ القتال يكون في مكان؛ والإخراج يكون من المكان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه، فمثلاً إذا قدر أن الكفار غلبوا على هذه البلاد، وأخرجوا المسلمين منها فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوهم؛ فإذا قاتلوهم يخرجونهم من البلاد من حيث أخرجوهم؛ فهم الذين اعتدوا علينا، واحتلوا بلادنا؛ فنخرجهم من حيث أخرجونا.
стр. 815
قوله تعالى: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾؛ «الفتنة» هي صدّ الناس عن دينهم، كما قال تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم﴾ [البروج: ١٠]؛ فصد الناس عن دينهم فتنة أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا؛ لكن الفتنة تقطعهم من الدنيا، والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١].
قوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ أي في مكة؛ لأن ﴿المسجد الحرام﴾ هو المسجد نفسه؛ وما «عنده» فهو البلد ــ أي لا تقاتلوهم في مكة ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾ ــ؛ و «في» هنا الظاهر أنها للظرفية.
قوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ أي إن قاتلوكم عند المسجد الحرام فاقتلوهم؛ وتأمل كيف قال تعالى: ﴿فاقتلوهم﴾؛ لأن مقاتلتهم إياكم عند المسجد الحرام توجب قتلهم على كل حال.
قوله تعالى: ﴿كذلك جزاء الكافرين﴾ أي مثلَ هذا الجزاء - وهو قتل من قاتل عند المسجد الحرام - جزاء الكافرين؛ أي عقوبتهم التي يكافَؤون بها.
وقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم ... ﴾؛ ﴿حتى يقاتلوكم ... ﴾؛ ﴿فإن قاتلوكم﴾؛ ﴿فاقتلوهم﴾: الجمل هنا الأربع كلها بصيغة المفاعلة إلا واحدة ــ وهي الأخيرة ــ؛ وهناك قراءة أخرى؛ وهي: ﴿ولا تقتلوهم﴾؛ ﴿حتى يقتلوكم﴾؛ ﴿فإن قتلوكم﴾؛ ﴿فاقتلوهم﴾؛ وعلى هذا فتكون الأربع كلها بغير صيغة المفاعلة.
стр. 816
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: وجوب قتال الكفار أينما وجِدوا؛ لقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾؛ ووجوب قتالهم أينما وجدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان؛ ويستثنى من ذلك القتال في الأشهر الحرم: فإنه لا قتال فيها؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾؛ وقال بعض أهل العلم: لا استثناء، وأن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ؛ لكن لوجوب قتالهم شروط؛ من أهمها القدرة على ذلك.
٢ ــ ومنها: أن نخرج هؤلاء الكفار، كما أخرجونا؛ المعاملة بالمثل؛ لقوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾؛ ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم؛ وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلاً بمثل سواءً بسواء.
٣ ــ ومنها: الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين﴾ [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦]، وقال موسى لقومه: ﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨].
٤ ــ ومنها: أن الفتنة بالكفر، والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.
فيتفرع على هذه الفائدة: أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار؛ لأن استعمار الأفكار فتنة؛ واستعمار الديار
стр. 817
أقصى ما فيها إما القتل، أو سلب الخيرات، أو الاقتصاد، أو ما أشبه ذلك؛ فالفتنة أشد؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين، والدنيا، والآخرة.
٥ ــ ومنها: تعظيم حرمة المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾.
٦ ــ ومنها: جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأَنا بذلك أهله؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾؛ ولا يعارض هذا قول رسول الله ﷺ : «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» (١)؛ الممنوع هو ابتداء القتال لندخل مكة؛ فهذا حرام، ولا يجوز مهما كان الأمر؛ وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب المدافعة.
٧ ــ ومن فوائد الآية: المبالغة في قتال الأعداء إذا قاتلونا في المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾.
٨ ــ ومنها: وجوب مقاتلة الكفار حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله؛ وقتال الكفار في الأصل فرض كفاية؛ وقد يكون مستحباً؛ وقد يكون فرض عين ــ وذلك في أربعة مواضع ــ:
الموضع الأول: إذا حضر صف القتال فإنه يكون فرض عين؛ ولا يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦].
стр. 818
الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو فإنه يتعين القتال من أجل فكّ الحصار عن البلد؛ ولأنه يشبه من حضر صف القتال.
الموضع الثالث: إذا احتيج إليه؛ إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه إمّا لرأيه، أو لقوته، أو لأيّ عمل يكون؛ فإنه يتعين عليه.
الموضع الرابع: إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا، ولا يتخلف أحد؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ... ﴾ [التوبة: ٣٨] إلى قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ... ﴾ [التوبة: ٣٩] الآية.
وما سوى هذه المواضع فهو فرض كفاية؛ واعلم أن الفرض سواء قلنا فرض عين، أو فرض كفاية لا يكون فرضاً إلا إذا كان هناك قدرة؛ أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]؛ فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا؛ وإلا لأثَّمْنا جميع الناس مع عدم القدرة؛ ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل؛ ولهذا قيدها الله بقوله تعالى: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]؛ ليس على هؤلاء الثلاثة حرج بشرط أن ينصحوا لله ورسوله؛ فأما مع عدم النصح لله ورسوله، فعليهم الحرج ــ حتى وإن وجدت الأعذار في حقهم ــ.
стр. 819
فالحاصل أننا نقول إن القتال فرض كفاية؛ ويتعين في مواضع؛ وهذا الفرض ــ كغيره من المفروضات ــ من شرطه القدرة؛ أما مع العجز فلا يجب؛ لكن يجب أن يكون العزم معقوداً على أنه إذا حصلت القوة جاهدنا في سبيل الله؛ لقول النبي ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق» (١).
٩ ــ ومن فوائد الآية: إثبات العدل لله ؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك جزاء الكافرين﴾؛ والجزاء من جنس العمل.
القرآن
( فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ١٩٢)
التفسير:
﴿١٩٢﴾ قوله تعالى: ﴿فإن انتهوا﴾ أي كفوا عن قتالكم؛ ويحتمل أن يكون المراد: كفوا عن قتالكم، وعن كفرهم؛ فعلى الأول يكون المراد بقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ طلب مغفرة المسلمين لهم بالكف عنهم؛ وعلى الثاني يكون المراد أن الله غفر لهم؛ لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨].
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: تمام عدل الله ، حيث
стр. 820
جعل أحكامه، وعقوبته مبنية على عدوان من يستحق هذه العقوبة فقال تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾.
٢ ــ ومنها: وجوب الكف عن الكفار إذا انتهوا عما هم عليه من الكفر؛ فلا يؤاخذون بما حصل منهم حال كفرهم؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨].
٣ ــ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة، أو حكم؛ وهما «الغفور»، و «الرحيم».
٤ ــ ومنها: أخذ الأحكام الشرعية مما تقتضيه الأسماء الحسنى؛ ولها نظائر؛ منها قوله تعالى في المحاربين: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٤].
القرآن
( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة: ١٩٣)
التفسير:
﴿١٩٣﴾ قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم﴾ أي قاتلوا الكفار ﴿حتى لا تكون فتنة﴾ أي صد عن سبيل الله بأن يكفوا عن المسلمين، ويدخلوا في الإسلام، أو يبذلوا الجزية؛ ﴿ويكون الدين لله﴾ أي يكون الدين الظاهر الغالب لله تعالى أي دين الله ــ.
قوله تعالى: ﴿فإن انتهوا﴾ أي عن قتالكم، وعن كفرهم،
стр. 821
ورجعوا ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾؛ وهم قد انتفى عنهم الظلم؛ وحينئذ لا يكون عليهم عدوان.
وقوله هنا: ﴿فلا عدوان﴾: قيل: إن معناه فلا سبيل، كما في قوله تعالى في قصة موسى: ﴿أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل﴾ [القصص: ٢٨] أي لا سبيل عليّ؛ وقيل: ﴿فلا عدوان﴾ أي لا مقاتلة؛ لأنه تعالى قال: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ [البقرة: ١٩٤]؛ وهي من باب مقابلة الشيء بمثله لفظاً؛ لأنه سببه؛ وليس معناه: أن فعلكم هذا عدوان؛ لكن لما صار سببه العدوان صح أن يعبر عنه بلفظه.
وقوله تعالى: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾: خبر «لا» يجوز أن يكون الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿على الظالمين﴾؛ ويجوز أن يكون خبر «لا» محذوفاً؛ والتقدير: فلا عدوان حاصل ــ أو كائن ــ إلا على الظالمين.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن الأمر بقتالهم مقيد بغايتين؛ غاية عدمية: ﴿حتى لا تكون فتنة﴾ أي حتى لا توجد فتنة؛ و «الفتنة» هي الشرك، والصد عن سبيل الله؛ والغاية الثانية إيجابية: ﴿ويكون الدين لله﴾ بمعنى: أن يكون الدين غالباً ظاهراً لا يعلو إلا الإسلام فقط؛ وما دونه فهو دين معلو عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون.
٢ ــ ومنها: أنه إذا زالت الفتنة، وقيام أهلها ضد الدعوة الإسلامية ــ وذلك ببذل الجزية ــ فإنهم لا يقاتلون.
٣ ــ ومنها: أنهم إذا انتهوا ــ إما عن الشرك: بالإسلام؛
стр. 822
وإما عن الفتنة: بالاستسلام ــ فإنه لا يعتدى عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾.
٤ ــ ومنها: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾؛ وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة بالفعل ــ يعني: أن تسمية المجازاة اعتداءً من باب المشاكلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل.
القرآن
( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤)
التفسير:
﴿١٩٤﴾ قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾: الجملة مبتدأ، وخبر؛ ومعناها: إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه؛ وهذا في انتهاك الزمن؛ وقوله تعالى فيما سبق: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١] في انتهاك المكان.
قوله تعالى: ﴿والحرمات قصاص﴾؛ ﴿الحرمات﴾ جمع حُرُم؛ والمراد بـ «الحرم» كل ما يحترم من زمان، أو مكان، أو منافع، أو أعيان؛ لأن «حُرُم» جمع حرام؛ و «حرمات» جمع حُرُم؛ فالمعنى: أن المحترم يقتص منه بمحترم آخر؛ ومعنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تنتهك حرمته: فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر؛ ومن انتهك عِرض مؤمن
стр. 823
انتهك عِرض مثله؛ ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله؛ وهكذا.
وكل هذا التأكيد من الله في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها؛ ولكن الله تعالى سلاهم بذلك بأن الحرمات قصاص؛ فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم؛ ولهذا قال تعالى مفرعاً على ذلك: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾.
قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم﴾ أي من تجاوز الحد في معاملتكم سواء كان ذلك بأخذ المال، أو بقتل النفس، أو بالعرض، أو بما دون ذلك، أو أكثر فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم.
وقوله تعالى هنا: ﴿فاعتدوا عليه﴾: ليس أخذنا بالقصاص اعتداء؛ ولكنه سمي اعتداءً؛ لأنه مسبَّب عن الاعتداء؛ فكأنه يقول: أنتم إذا اعتدى عليكم أحد فخذوا حقكم منه؛ ثم فيه نكتة أخرى أن العادي يرى نفسه في مقام أعز من المعتدى عليه، وأرفع منه؛ ولو كان يرى نفسه في مكان دونه لم يعتدِ؛ فكأنه يقول: إن قصاصكم يعتبر أيضاً عزاً لكم؛ كما أنه هو طغى واعتدى، فأنتم الآن يعتبر قصاصكم بمنزلة المرتبة العليا بالنسبة إليهم؛ وإن شئت فقل: أطلق على المجازاة اعتداءً من باب المشاكلة اللفظية.
قوله تعالى: ﴿بمثل ما اعتدى عليكم﴾: ادعى بعضهم أن
стр. 824
الباء هنا زائدة، وقال: إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم؛ على أن تكون «مثل» هنا مفعولاً مطلقاً ــ أي عدواناً، أو اعتداءً مثل اعتدائه ــ؛ ولكن الصواب أنها ليست زائدة، وأنّها أصلية؛ وأن المعنى: اعتدوا عليه بمثله؛ فالباء للبدل؛ بحيث يكون المثل مطابقاً لما اعتدى عليكم به في هيئته، وفي كيفيته، وفي زمنه، وفي مكانه؛ فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم فاقتلوه؛ وإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه؛ فتكون الباء هنا دالة على المقابلة، والعوض.
قوله تعالى: [واتقوا الله﴾ أي اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدَّوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان إذا ظُلِم فإنه قد يتجاوز، ويتعدى عند القصاص.
قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾؛ أمر بالعلم بأن الله مع المتقين؛ وهو أوكد من مجرد الخبر؛ والمراد به العلم مع الاعتقاد.
وقوله تعالى: ﴿مع المتقين﴾ أي المتخذين وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: تسلية الله للمسلمين بأنهم إذا فاتهم قضاء عمرتهم في الشهر الحرام فيمكنهم أن يقضوها في الشهر الحرام من السنة الثانية، كما حصل في الحديبية.
٢ ــ ومنها: أن الحرمات قصاص؛ يعني أن من انتهك حرمتك لك أن تنتهك حرمته مثلاً بمثل؛ ولهذا فرع عليها قوله
стр. 825
تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾.
٣ ــ ومنها: أن المعتدي لا يجازى بأكثر من عدوانه؛ لقوله تعالى: ﴿بمثل ما اعتدى عليكم﴾؛ فلا يقول الإنسان: أنا أريد أن أعتدي بأكثر للتشفي؛ ومن ثم قال العلماء: «إنه لا يقتص من الجاني إلا بحضرة السلطان، أو نائبه» خوفاً من الاعتداء؛ لأن الإنسان يريد أن يتشفى لنفسه، فربما يعتدي بأكثر.
٤ ــ ومنها: وجوب تقوى الله في معاملة الآخرين؛ بل في كل حال؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.
٥ ــ ومنها: إثبات أن الله مع المتقين؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾؛ والمعية تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة للخلق كلهم، وتقتضي الإحاطة بهم علماً، وقدرة، وسلطاناً، وسمعاً، وبصراً، وغير ذلك من معاني الربوبية؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ وأما الخاصة فهي المقيدة بوصف، أو بشخص؛ مثال المقيدة بوصف قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]؛ ومثال المقيدة بشخص قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله تعالى فيما ذكره عن نبيه ﷺ : ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠].
تنبيه:
اعلم أن ما أثبته الله لنفسه من المعية لا ينافي ما ذَكر عن نفسه من العلو لأنه ليس كمثله شيء، ولا يقاس
стр. 826
بخلقه؛ فمعيته ثابتة مع علوه ﵎؛ وإذا كان العلو، والمعية لا يتناقضان في حق المخلوق ــ فإنهم يقولون: «ما زلنا نسير والقمر معنا»، ولا يعدون ذلك تناقضاً مع أن القمر في السماء ــ فثبوت ذلك في حق الخالق من باب أولى ــ؛ وبهذا يبطل قول من زعم أن معية الله تستلزم أن يكون في الأرض مختلطاً بالخلق؛ فإن هذا قول باطل باتفاق السلف المستنِد على الكتاب، والسنة في إثبات علو الله فوق خلقه؛ وتفصيل القول في هذا مدوَّن في كتب العقائد.
٦ ــ ومن فوائد الآية: تأكيد هذه المعية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿واعلموا﴾؛ ولم يقتصر على مجرد أن يخبر بها؛ بل أمرنا أن نعلم بذلك؛ وهذا أمر فوق مجرد الإخبار.
٧ ــ ومنها: بيان إحاطة الله بالخلق، وتأييده بالمتقين الذين يقومون بتقواه؛ ووجه ذلك: أنه من المعلوم بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة أن الله فوق جميع الخلق؛ ومع ذلك أثبت أنه مع الخلق.
٨ ــ ومنها: فضيلة التقوى، حيث ينال العبد بها معية الله؛ فإنه من المعلوم إذا كان الله معك ينصرك، ويؤيدك، ويثبتك فهذا يدل على فضيلة السبب الذي هو التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾.
القرآن
( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)
стр. 827
التفسير:
(١٩٥) قوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ أي ابذلوا الأموال في الجهاد في سبيل الله؛ ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من الجهاد ليشمل كل ما يقرب إلى الله ، ويوصل إليه.
قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ بعضهم يقول: إن الباء هنا زائدة؛ أي لا تلقوا أيديكم إلى التهلكة؛ والصواب أنها أصلية، وليست بزائدة؛ ولكن ضمنت معنى الفعل «الإفضاء» أي لا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة؛ و ﴿التهلكة﴾: من الهلاك؛ والمعنى لا تلقوها إلى ما يهلككم، ويشمل الهلاك الحسي والمعنوي، فالمعنوي مثل أن يدع الجهاد في سبيل الله، أو الإنفاق فيه؛ والحسي أن يعرض نفسه للمخاطر، مثل أن يلقي نفسه في نار، أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط، أو ما أشبه ذلك.
قوله تعالى: ﴿وأحسنوا﴾ أي افعلوا الإحسان في عبادة الخالق؛ وفي معاملة المخلوق؛ أما الإحسان في عبادة الخالق فقد فسره النبي ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١)؛ وأما الإحسان في معاملة الخلق: فأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به من بذل المعروف، وكفّ الأذى.
قوله تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ تعليل للأمر بالإحسان؛ ولو لم يكن من الإحسان إلا هذا لكان كافياً للمؤمن أن يقوم بالإحسان.
стр. 828
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: الأمر بالإنفاق في سبيل الله؛ والزكاة تدخل في هذا الإنفاق؛ بل هي أول ما يدخل؛ لأنها أوجب ما يجب من الإنفاق في سبيل الله؛ وهي أوجب من الإنفاق في الجهاد، وفي صلة الرحم، وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام.
٢ ــ ومنها: الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ ويدخل في هذا: القصد، والتنفيذ ــ أن يكون القصد لله ــ، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله، كما قال تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان: ٦٧].
٣ ــ ومنها: تحريم الإلقاء باليد إلى التهلكة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾؛ والإلقاء باليد إلى التهلكة يشمل التفريط في الواجب، وفعل المحرم؛ أو بعبارة أعم: يتناول كل ما فيه هلاك الإنسان، وخطر في دينه، أو دنياه.
٤ ــ ومنها: أن ما كان سبباً للضرر فإنه منهي عنه؛ ومن أجل هذه القاعدة عرفنا أن الدخان حرام؛ لأنه يضر باتفاق الأطباء، كما أن فيه ضياعاً للمال أيضاً؛ وقد نهى ﷺ عن إضاعة المال (١).
стр. 829
٥ ــ ومنها: الأمر بالإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿وأحسنوا﴾؛ وهل الأمر للوجوب، أو للاستحباب؟
الجواب: أما الإحسان الذي به تمام الواجب فالأمر فيه للوجوب؛ وأمّا الإحسان الذي به كمال العمل فالأمر فيه للاستحباب.
٦ ــ ومنها: فضيلة الإحسان، والحث عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾.
٧ ــ ومنها: إثبات المحبة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾؛ وهي محبة حقيقية على ظاهرها؛ وليس المراد بها الثواب؛ ولا إرادة الثواب خلافاً للأشاعرة، وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرفون هذا المعنى العظيم إلى معنًى لا يكون بمثابته؛ فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة؛ وشبهتهم أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين؛ وهذا التعليل باطل، ومخالف للنص، ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت بالسمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئين غير متناسبين؛ فقد أثبت النبي ﷺ أن أُحُداً - وهو حصى - جبل يحبنا ونحبه (١)؛ والإنسان يجد أن دابته تحبه، وهو يحبها؛ فالبعير إذا سمعت صوت صاحبها حنت إليه، وأتت إليه؛ وكذلك غيره من المواشي؛ والإنسان يجد أنه يحب نوعاً من ماله أكثر من النوع الآخر.
стр. 830
القرآن
( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة: ١٩٦)
التفسير:
﴿١٩٦﴾ قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ أي ائتوا بهما تامتين؛ وهذا يشمل كمال الأفعال في الزمن المحدد، وكذلك صفة الحج، والعمرة - أن تكون موافقة تمام الموافقة لما كان النبي ﷺ يقوم به واللام في قوله تعالى: ﴿لله﴾ تفيد الإخلاص - يعني مخلصين لله ممتثلين لأمره -.
قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ أي منعتم عن إتمامها ﴿فما استيسر﴾ أي فعليكم ما تيسر من الهدي؛ وزيادة الهمزة، والسين للمبالغة في تيسر الأمر؛ و ﴿من الهدي﴾ أي الهدي الشرعي؛ فـ «أل» فيه للعهد الذهني؛ والهدي الشرعي هو ما كان ثنياً مما سوى الضأن؛ لقول النبي ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنَّة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (١)؛ وهذا النهي يشمل كل ما ذبح تقرباً إلى الله من هدي، أو أضحية، أو عقيقة.
قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ أي لا تزيلوها بالموسى
стр. 831
﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾: «محل» يحتمل أن تكون اسم زمان؛ والمعنى: حتى يصل إلى يوم حلوله - وهو يوم العيد -؛ وثبتت السنة بأن من قدّم الحلق على النحر فلا حرج عليه (١)؛ ويحتمل أن المعنى: حتى يذبح الهدي؛ وتكون الآية فيمن ساق الهدي؛ ويؤيد هذا أن النبي ﷺ سئل ما بال الناس حلوا ولم تحل؟ فقال ﷺ : «إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» (٢).
قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ أي واحتاج إلى حلق الرأس؛ ﴿أو به أذًى من رأسه﴾ وهو صحيح، كما لو كان الرأس محلاً للأذى، والقمل، وما أشبه ذلك؛ ﴿ففدية﴾ أي فعليه فدية يفدي بها نفسه من العذاب ﴿من صيام أو صدقة أو نسك﴾؛ ﴿أو﴾ هنا للتخيير؛ وقد بين النبي ﷺ أن «الصيام» ثلاثة أيام (٣)، وأن «الصدقة» إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع (٤)؛ وأما «النسك» فهو ذبح شاة (٤)؛ وهذه الجملة قد حذف منها ما يدل عليه السياق؛ والتقدير: فمن كان منكم مريضاً، أو به أذًى من رأسه، فحلق رأسه فعليه فدية.
﴿فإذا أمنتم﴾ أي من العدو ــ يعني فأتموا الحج والعمرة ــ.
стр. 832
ثم فصّل الله المناسك فقال: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ أي فمن أتى بالعمرة متمتعاً بحله منها بما أحل الله له من محظورات الإحرام ﴿إلى الحج﴾ أي إلى ابتداء زمن الحج؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة ﴿فما استيسر من الهدي﴾ أي فعليه ما استيسر من الهدي شكراً لله على نعمة التحلل؛ ويقال في هذه الجملة ما قيل في الجملة التي سبقت في الإحصار.
قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد﴾ أي فمن لم يجد الهدي، أو ثمنه ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ أي فعليه صيام ثلاثة أيام ﴿في الحج﴾ أي في أثناء الحج، وفي أشهره.
قوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ أي إذا رجعتم من الحج بإكمال نسكه، أو إذا رجعتم إلى أهليكم.
قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ للتأكيد على أن هذه الأيام العشرة وإن كانت مفرقة فهي في حكم المتتابعة.
قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، أي ذلك التمتع الموجب للهدي.
وقوله تعالى: ﴿أهله﴾: قيل: المراد به نفسه ــ أي لمن لم يكن حاضراً المسجد الحرام ــ؛ وقيل: المراد بـ «الأهل» سكنه الذي يسكن إليه من زوجة، وأب، وأم، وأولاد، وما أشبه ذلك؛ فيكون المعنى: ذلك لمن لم يكن سكنه حاضري المسجد الحرام؛ وهذا أصح؛ لأن التعبير بـ «الأهل» عن النفس بعيد؛ ولكن ﴿أهله﴾ أي الذين يسكن إليهم من زوجة، وأب، وأم، وأولاد هذا هو الواقع.
وقوله تعالى: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ المراد به مسجد مكة؛ و ﴿الحرام﴾ صفة مشبهة بمعنى ذي الحرمة، وقد قال
стр. 833
النبي ﷺ : «وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» (١)؛ وحرمة المسجد الحرام معروفة من وجوه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.
واختلف في المراد بـ ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ فقيل: هم أهل الحرم ــ يعني: من كانوا داخل حدود الحرم ــ؛ فمن كان خارج حدود الحرم فليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وروي هذا عن ابن عباس، وجماعة من السلف، والخلف؛ وقيل: حاضرو المسجد الحرام أهل المواقيت، ومن دونهم؛ وعلى هذا فأهل بدر من حاضري المسجد الحرام؛ لأنهم دون المواقيت؛ وأهل جدة من حاضري المسجد الحرام؛ لأنهم دون المواقيت؛ وقيل: حاضرو المسجد الحرام أهل مكة، ومن بينهم وبين مكة دون مسافة القصر؛ وهي يومان؛ وعلى هذا فأهل جدة، وأهل بدر ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وأهل بحرة - وهي بلدة دون جدة - على هذا القول يكون أهلها من حاضري المسجد الحرام؛ لأنهم داخل المسافة؛ وأهل الشرائع من حاضري المسجد الحرام؛ والأقرب القول الأول أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم؛ وأما من كان من غير أهل الحرم فليسوا من حاضريه؛ بل هم من محل آخر؛ وهذا هو الذي ينضبط.
قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي الزموا تقوى الله ؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ أي شديد المؤاخذة، والعقوبة لمن لم يتقه ﵎؛ وسميت المؤاخذة عقاباً؛ لأنها تأتي عقب الذنب.
стр. 834
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: وجوب إتمام الحج، والعمرة؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين الواجب منهما، وغير الواجب؛ ووجه هذا الظاهر: العموم في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾؛ فيكون شاملاً للفريضة، والنافلة؛ ويؤيده أن هذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأن الحج إنما فرض في السنة التاسعة في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ السنة التي يسميها العلماء سنة الوفود.
٢ ــ ومن فوائد الآية: أن العمرة، والحج سواء في وجوب إتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿الحج والعمرة﴾.
٣ ــ ومنها: أنه لا تجوز الاستنابة في شيء من أفعال الحج، والعمرة؛ فلو أن أحداً استناب شخصاً في أن يطوف عنه، أو أن يسعى عنه، أو أن يقف عنه بعرفة، أو أن يقف عنه بمزدلفة، أو أن يرمي عنه الجمار، أو أن يبيت عنه في منى فإنه حرام؛ لأن الأمر بالإتمام للوجوب؛ فيكون في ذلك رد لقول من قال من أهل العلم: إنه تجوز الاستنابة في نفل الحج، وفي بعضه: أما الاستنابة في نفل الحج ــ كل النسك ــ فهذا له موضع آخر؛ وأما في بعضه فالآية تدل على أنها لا تصح.
٤ ــ ومن فوائد الآية: الحذر مما يفعله بعض الناس الآن من التساهل في رمي الجمرات، حيث إنهم يوكلون من يرمي عنهم بدون عذر مخالفة لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾؛ وعليه فلا يصح رمي الوكيل حينئذ؛ لقوله ﷺ : «من عمل عملاً
стр. 835
ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي مردود عليه؛ أما إذا كان لعذر كالمريض، والخائف على نفسه من شدة الزحام إذا لم يكن وقت آخر للرمي يخف فيه الزحام فلا بأس أن يستنيب من يرمي عنه؛ ولولا ورود ذلك عن الصحابة لقلنا: إن العاجز عن الرمي بنفسه يسقط عنه الرمي كسائر الواجبات، حيث تسقط بالعجز؛ ويدل لعدم التهاون بالتوكيل في الرمي أن النبي ﷺ لم يأذن لسودة بنت زمعة أن توكل؛ بل أمرها أن تخرج من مزدلفة، وترمي قبل حطمة الناس (٢)؛ ولو كان التوكيل جائزاً لمشقة الزحام لكان الرسول ﷺ يبقيها معه حتى تدرك بقية ليلة المزدلفة، وتدرك صلاة الفجر فيها، وتدرك القيام للدعاء بعد الصلاة؛ ولا تُحْرَم من هذه الأفعال؛ فلما أذن لها في أن تدفع بليل عُلم بأن الاستنابة في الرمي في هذا الأمر لا يجوز؛ وكذلك لو كان جائزاً لأذن للرعاة أن يوكلوا، ولم يأذن لهم بأن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً.
٥ - ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ يعني أتموها لله لا لغيره؛ لا تراعوا في ذلك جاهاً، ولا رتبة، ولا ثناءً من الناس.
٦ - ومنها: أن الحج، والعمرة يخالفان غيرهما في وجوب إتمام نفلهما؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا﴾؛ والأمر للوجوب؛ ويدل على أنه للوجوب قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من
стр. 836
الهدي﴾، حيث أوجب الهدي عند الإحصار؛ أما غيرهما من العبادات فإن النفل لا يجب إتمامه؛ لأن النبي ﷺ دخل على أهله ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم، حيس؛ قال: أرينيه؛ فلقد أصبحت صائماً؛ فأكل» (١)؛ لكن يكره قطع النفل إلا لغرض صحيح - كحاجة إلى قطعه، أو انتقال لما هو أفضل منه -.
٧ - ومن فوائد الآية: أنه إذا أحصر الإنسان عن إتمام الحج والعمرة فله أن يتحلل؛ ولكن عليه الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾.
٨ - ومنها: أن الله تعالى أطلق الإحصار، ولم يقيده؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لأن الفعل لو بُني للفاعل، وذُكر الفاعل اختص الحكم به؛ فإذا قلت مثلاً: «أقام زيد عمراً» صار المقيم زيداً؛ وإذا قلت: «أقيم عمرٌو» صار عاماً؛ فظاهر الآية شمول الإحصار لكل مانع من إتمام النسك؛ فكل ما يمنع من إتمام النسك فإنه يجوز التحلل به، وعليه الهدي؛ أما الإحصار بالعدو فأظنه محل إجماع فيتحلل بالنص، والإجماع؛ النص: تحلل الرسول ﷺ في الحديبية (٢)؛ والإجماع: لا نعلم في هذا مخالفاً؛ وأما الحصر بغير عدو، كمرض، أو كسر، أو ضياع نفقة، أو ما أشبه ذلك مما لا يستطيع معه إتمام الحج، والعمرة؛ فإن العلماء اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه لا يتحلل، ويبقى محرماً
стр. 837
حتى يزول المانع؛ ومنهم من قال: إنه يتحلل، كالحصر بالعدو؛ حجة الأولين: أن الله تعالى قال: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ والآية نزلت في شأن قضية الحديبية؛ وهم قد أحصروا بعدو؛ فيكون الحصر هنا خاصاً بالعدو؛ ودليل آخر: يقولون: ضباعة بنت الزبير لما جاءت تشتكي إلى الرسول ﷺ أنها مريضة، وأنها تريد الحج قال لها: «حجي واشترطي» (١)؛
فلو كان الإحصار بالمرض مبيحاً للتحلل ما احتيج إلى اشتراط؛ فكانت تدخل في النسك، وإذا عجزت تحللت؛ وأجاب القائلون بأن الحصر عام بحصر العدو وغيره بأن الآية مطلقة: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لم تقيد بحصر العدو؛ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن العلة في جواز التحلل بحصر العدو عدم القدرة على إتمام النسك؛ وهذا حاصل بالحصر بغير العدو؛ والشرع لا يفرق بين متماثلين؛ وأجابوا عن حديث ضباعة بأن يقال: إن الفائدة من حديث ضباعة أنه إذا حصل مرض يمنع من إتمام النسك فإنها تتحلل بلا شيء؛ وأما إذا لم تشترط فإنها لا تتحلل إلا بدم؛ وحينئذ تظهر فائدة اشتراط من خاف أن يعوقه مرض، أو نحوه عن إتمام النسك؛ والفائدة هي أنه لا يجب عليه الهدي لو تحلل بهذا الحصر؛ والصواب القول الثاني: أن الإحصار يكون بالعدو، وبغيره.
стр. 838
فإن قال قائل: إن قوله تعالى في سياق الآية: ﴿فإذا أمنتم﴾ يشير إلى أن الإحصار المذكور بعدو؟
فالجواب: أن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، كما هو قول المحققين من أهل أصول الفقه، وغيرهم؛ ونظير ذلك حديث جابر ﵁: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم؛ فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (١)؛ فإن قوله: «فإذا وقعت الحدود ... » الخ لا يستلزم اختصاص الشفعة بما له حدود، وطرق؛ بل الشفعة ثابتة في كل مشترك على القول الراجح.
٩ - ومن فوائد الآية: وجوب الهدي على من أحصر؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾.
١٠ - ومنها: أن من تعذر، أو تعسر عليه الهدي فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ ولم يذكر الله بديلاً عند العجز؛ وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم يجد هدياً صام عشرة أيام، ثم حلّ - قياساً على هدي التمتع -؛ ولكن هذا القياس ليس بصحيح من وجهين:
الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر الآية؛ لأن الله لم يذكر بديلاً للهدي.
الوجه الثاني: أن تحلل المتمتع تحلل اختياري؛ وأما المحصر فتحلله اضطراري.
стр. 839
١١ ــ ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على المحصر الحلق عند التحلل؛ لأن الله لم يذكره؛ وهو أحد القولين في المسألة؛ والقول الثاني: وجوب الحلق؛ لثبوته بالسنة؛ لأن النبي ﷺ أمر به، وغضب على الصحابة حين تأخروا في تنفيذه (١)؛ ولا يغضب النبي ﷺ لترك مستحب؛ لا يغضب إلا لترك واجب.
١٢ ــ ومنها: أن المحصر لا يجب عليه القضاء؛ لأن الله لم يذكره؛ ولو كان القضاء واجباً لذكره الله ؛ وهذا يشمل من حصر في فريضة؛ ومن حصر في نافلة؛ لكن الفريضة إذا حصر عن إتمامها يلزمه فعلها بالخطاب الأول؛ لا على أنه بدل عن هذه التي أحصر عنها؛ فمثلاً رجلاً شرع في حج الفريضة، ثم أحصر عن إتمامها، فذبح الهدي، وتحلل؛ فيجب الحج عليه بعد ذلك؛ لكن ليس على أنه قضاء؛ لكن على أنه مخاطب به في الأصل؛ وتسمية العمرة التي وقعت بعد صلح الحديبية عمرة القضاء ليست لأنها قضاء عما فات؛ ولكنها من «المقاضاة» ــ وهي المصالحة ــ؛ ولذلك لم يأت بها كل من تحلل من عمرة الحديبية.
١٣ ــ ومن فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون هذا الهدي مما يصح أن يهدَى: بأن يكون بالغاً للسن المعتبر سالماً من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿من الهدي﴾؛ و «أل» هنا للعهد الذهني المعلوم للمخاطب؛ وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا
стр. 840
جذعة من الضأن» (١).
فإن قال قائل: هل يؤكل من هذا الهدي أم لا؟
فالجواب: يؤكل؛ كل شيء فيه: ﴿فما استيسر﴾ فهو يؤكل؛ وأما ما فيه: «فعليه» فإنه لا يؤكل؛ فجزاء الصيد لا يؤكل منه؛ وفدية الأذى لا يؤكل منها؛ لأن الله جعلها كفارة؛ أما ما استيسر من الهدي هنا، وفي التمتع فإنه يؤكل منه.
١٤ ــ ومن فوائد الآية: تحريم حلق الرأس على المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾؛ والنهي عام لكل الرأس، ولبعضه؛ إذاً لو حلق بعضه وقع في الإثم؛ لأن النهي يتناول جميع أجزاء المنهي عنه؛ فإذا قلت لك: «لا تأكل هذه الخبزة» وأكلت منها فإنك لم تمتثل.
١٥ ــ ومنها: أنه لا يحرم حلق شعر غير الرأس؛ لأن الله خص النهي بحلق الرأس فقط؛ وأما الشارب، والإبط، والعانة، والساق، والذراع، فلا يدخل في الآية الكريمة؛ لأنه ليس من الرأس؛ والأصل الحل؛ وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر؛ قالوا: لا يحرم على المحرم حلق شيء من الشعر المباح حلقه سوى الرأس؛ لأن الله خصه فقال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾؛ ولأن حلقه يفوت به نسك بخلاف غيره من الشعور؛ ولكن أكثر أهل العلم ألحقوا به شعر بقية البدن؛ وقالوا: إنه يحرم على المحرم أن يحلق أيّ شعر من بدنه حتى العانة -قياساً على شعر الرأس؛ لأن العلة في تحريم حلق شعر الرأس الترفه، وإزالة الأذى؛ وهذا حاصل في حلق غيره من الشعور؛ وهذا القياس غير صحيح لوجهين:
стр. 841
الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر النص، أو صريحه.
الوجه الثاني: أن بين شعر الرأس وغيره فرقاً كثيراً: فإن حلق شعر الرأس يتعلق به التحلل من النسك؛ فهو عنوان التحلل؛ بخلاف غيره من الشعور.
وأما التعليل بأنه للترفه، ودفع الأذى ففيه نظر؛ ثم لو سلمنا ذلك فأين دفع الأذى في حلق شعر العانة، وشعر الساق، ونحو ذلك؟! وأين الدليل على منع المحرم من الترفه مع أنه يجوز له التنظف، والاغتسال، والتظلل من الشمس، واستعمال المكيفات؟!
وهل تلحق الأظافر بشعر الرأس؟
الجواب: لا تلحق؛ فالأظافر ليست شعراً؛ وليست في الرأس أيضاً؛ فهي أبعد من إلحاق شعر بقية البدن بشعر الرأس؛ ووجه البعد أنها ليست من نوع الشعر؛ صحيح أنها تشبه الشعر من حيث إنها جزء منفصل؛ لكنها ليست من نوع الشعر؛ ولذلك من لم ير تحريم حلق شعر بقية البدن فإنه لا يرى تحريم قص الأظافر من باب أولى؛ ولكن جمهور أهل العلم على أن تقليم الأظافر محرم على المحرِم قياساً على تحريم حلق شعر الرأس؛ والعلة: ما في ذلك من الترفه، والتنعم؛ ولكن هذه العلة غير مسلمة:
أولاً: لأن العرب في زمنهم لا يترفهون بحلق الرأس؛ بل الرفاهية عندهم إنما هي في إبقاء الرأس، وترجيله، وتسريحه، ودهنه، والعناية به؛ فليست العلة إذاً في حلق شعر الرأس: الترفه.
стр. 842
ثانياً: أن العلة لا بد أن تطَّرد في جميع معلولاتها؛ وإلا كانت باطلة؛ وهذه العلة لا تطرد بدليل أن المحرم لو ترفه، فتنظف، وتغسل، وأزال الوسخ عنه، ولبس إحراماً جديداً غير الذي أحرم به لم يحرم عليه ذلك.
وأقرب شيء للتعليل أن في حلق الرأس حال الإحرام إسقاطاً للنسك الذي هو حلْقُه عند التحلل؛ وهذا لا يساويه حلق بقية الشعر، أو تقليم الأظافر؛ ولكن نظراً لأن جمهور أهل العلم ألحقوا ذلك بشعر الرأس فالاحتياط تجنب ذلك مراعاة لقول الجمهور.
١٦ ــ ومن فوائد الآية: أن المحرَّم ما يسمى حلقاً؛ فأما أخذ شعرة، أو شعرتين، أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق؛ وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم؛ فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين؛ وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين؛ وإذا أخذ ثلاث شعرات فدم؛ أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ أو صيام ثلاثة أيام؛ وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس؛ فإن حلق دون الربع فلا شيء عليه؛ وهذا لا شك أنه تحكم لا دليل عليه؛ فلا يكن صحيحاً؛ بل هو ضعيف؛ وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى؛ ومعنى يماط: يزال؛ أي بما يحصل به إزالة الأذى؛ وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس؛ قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية ... ﴾؛ فدل هذا على أن المحرَّم الذي تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى؛ وهذا مذهب مالك؛ وهو صحيح من حيث أنَّ
стр. 843
الفدية لا تجب إلا بما يماط به الأذى فقط؛ لكنه غير صحيح من كون التحريم يتعلق بما يماط به الأذى فقط؛ فالتحريم يتعلق بما يسمى حلقاً؛ والفدية تتعلق بما يماط به الأذى.
فإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم؛ فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟
فالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي ﷺ ؛ فقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ هذا عام لكل حلق؛ فكل ما يسمى حلقاً فإنه منهي عنه لهذه الآية؛ ثم قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية﴾؛ فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقاً يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: ﴿أو به أذًى﴾؛ فلو قدرنا محرِماً رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئاً يسيراً لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الفدية بحلق ما يزول به الأذى؛ ويدل لذلك فعل الرسول ﷺ : فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه (١)؛ ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع الحجامة؛ ولم ينقل أن الرسول ﷺ افتدى؛ فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى دون الشيء اليسير.
١٧ ــ ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز الحلق إلا بعد النحر؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ وإلى هذا ذهب كثير من
стр. 844
أهل العلم مستدلين بقوله ﷺ : «إني لبدت رأسي وقلدت هديي؛ فلا أحل حتى أنحر» (١)؛ وهؤلاء الذين قالوا به عندهم ظاهر الآية الكريمة؛ وفعل الرسول ﷺ حيث قال: «فلا أحل حتى أنحر»؛ لكن قد وردت الأحاديث بجواز التقديم، والتأخير تيسيراً على الأمة؛ فإن النبي ﷺ سئل في يوم العيد عن التقديم، والتأخير؛ فما سئل عن شيء قدِّم ولا أخِّر إلا قال ﷺ : «افعل ولا حرج» (٢).
١٨ ــ ومن فوائد الآية: جواز حلق الرأس للمرض، والأذى؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ... ﴾ إلخ.
١٩ ــ ومنها: وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه؛ وهي إما صيام ثلاثة أيام؛ وإما إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ وإما ذبح شاة تفرق على الفقراء ــ كما بينت ذلك السنة ــ؛ والسنة تبين القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]؛ والتبيين يشمل تبيين اللفظ، وتبيين المعنى.
٢٠ ــ ومن فوائد الآية: أن هذه الفدية على التخيير؛ لأن هذا هو الأصل في معاني «أو».
٢١ ــ ومنها: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير.
стр. 845
٢٢ ــ ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك؛ أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء ــ ﵏ ــ من كونه يصح في كل مكان؛ لكن الفورية فيه أفضل.
٢٣ ــ ومنها: أن كفارات المعاصي فدًى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة ... ﴾.
٢٤ ــ ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس ــ مع أنه من محظورات الإحرام ــ إلا الفدية؛ ومقتضى ذلك أن النسك صحيح؛ وهذا مما يخالف الحجُّ، والعمرةُ فيه غيرَهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها؛ وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين؛ وهما الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد؛ فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة؛ وجزاء الصيد يجب فيه مثله؛ أو إطعام مساكين؛ أو عدل ذلك صياماً؛ وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم.
٢٥ ــ ومن فوائد الآية: جواز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ أي أن يأتي الإنسان بالعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها؛ ويبقى حلاً إلى أن يأتي وقت الحج؛ وكانوا في الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور؛ ويقولون: «إذا انسلخ صفر، وبرأ الدَّبَر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر»؛ لكن الله يسَّر وبيَّن أنه يجوز للإنسان القادم في أشهر الحج أن يتحلل بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج.