← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر النص، أو صريحه. الوجه الثاني: أن بين شعر الرأس وغيره فرقاً كثيراً: فإن حلق شعر الرأس يتعلق به التحلل من النسك؛ فهو عنوان التحلل؛ بخلاف غيره من الشعور. وأما التعليل بأنه للترفه، ودفع الأذى ففيه نظر؛ ثم لو سلمنا ذلك فأين دفع الأذى في حلق شعر العانة، وشعر الساق، ونحو ذلك؟! وأين الدليل على منع المحرم من الترفه مع أنه يجوز له التنظف، والاغتسال، والتظلل من الشمس، واستعمال المكيفات؟! وهل تلحق الأظافر بشعر الرأس؟ الجواب: لا تلحق؛ فالأظافر ليست شعراً؛ وليست في الرأس أيضاً؛ فهي أبعد من إلحاق شعر بقية البدن بشعر الرأس؛ ووجه البعد أنها ليست من نوع الشعر؛ صحيح أنها تشبه الشعر من حيث إنها جزء منفصل؛ لكنها ليست من نوع الشعر؛ ولذلك من لم ير تحريم حلق شعر بقية البدن فإنه لا يرى تحريم قص الأظافر من باب أولى؛ ولكن جمهور أهل العلم على أن تقليم الأظافر محرم على المحرِم قياساً على تحريم حلق شعر الرأس؛ والعلة: ما في ذلك من الترفه، والتنعم؛ ولكن هذه العلة غير مسلمة: أولاً: لأن العرب في زمنهم لا يترفهون بحلق الرأس؛ بل الرفاهية عندهم إنما هي في إبقاء الرأس، وترجيله، وتسريحه، ودهنه، والعناية به؛ فليست العلة إذاً في حلق شعر الرأس: الترفه.

стр. 842

ثانياً: أن العلة لا بد أن تطَّرد في جميع معلولاتها؛ وإلا كانت باطلة؛ وهذه العلة لا تطرد بدليل أن المحرم لو ترفه، فتنظف، وتغسل، وأزال الوسخ عنه، ولبس إحراماً جديداً غير الذي أحرم به لم يحرم عليه ذلك. وأقرب شيء للتعليل أن في حلق الرأس حال الإحرام إسقاطاً للنسك الذي هو حلْقُه عند التحلل؛ وهذا لا يساويه حلق بقية الشعر، أو تقليم الأظافر؛ ولكن نظراً لأن جمهور أهل العلم ألحقوا ذلك بشعر الرأس فالاحتياط تجنب ذلك مراعاة لقول الجمهور. ١٦ ــ ومن فوائد الآية: أن المحرَّم ما يسمى حلقاً؛ فأما أخذ شعرة، أو شعرتين، أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق؛ وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم؛ فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين؛ وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين؛ وإذا أخذ ثلاث شعرات فدم؛ أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ أو صيام ثلاثة أيام؛ وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس؛ فإن حلق دون الربع فلا شيء عليه؛ وهذا لا شك أنه تحكم لا دليل عليه؛ فلا يكن صحيحاً؛ بل هو ضعيف؛ وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى؛ ومعنى يماط: يزال؛ أي بما يحصل به إزالة الأذى؛ وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس؛ قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية ... ﴾؛ فدل هذا على أن المحرَّم الذي تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى؛ وهذا مذهب مالك؛ وهو صحيح من حيث أنَّ

стр. 843

الفدية لا تجب إلا بما يماط به الأذى فقط؛ لكنه غير صحيح من كون التحريم يتعلق بما يماط به الأذى فقط؛ فالتحريم يتعلق بما يسمى حلقاً؛ والفدية تتعلق بما يماط به الأذى. فإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم؛ فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟ فالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي ﷺ ؛ فقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ هذا عام لكل حلق؛ فكل ما يسمى حلقاً فإنه منهي عنه لهذه الآية؛ ثم قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية﴾؛ فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقاً يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: ﴿أو به أذًى﴾؛ فلو قدرنا محرِماً رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئاً يسيراً لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الفدية بحلق ما يزول به الأذى؛ ويدل لذلك فعل الرسول ﷺ : فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه (١)؛ ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع الحجامة؛ ولم ينقل أن الرسول ﷺ افتدى؛ فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى دون الشيء اليسير. ١٧ ــ ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز الحلق إلا بعد النحر؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ وإلى هذا ذهب كثير من

стр. 844

أهل العلم مستدلين بقوله ﷺ : «إني لبدت رأسي وقلدت هديي؛ فلا أحل حتى أنحر» (١)؛ وهؤلاء الذين قالوا به عندهم ظاهر الآية الكريمة؛ وفعل الرسول ﷺ حيث قال: «فلا أحل حتى أنحر»؛ لكن قد وردت الأحاديث بجواز التقديم، والتأخير تيسيراً على الأمة؛ فإن النبي ﷺ سئل في يوم العيد عن التقديم، والتأخير؛ فما سئل عن شيء قدِّم ولا أخِّر إلا قال ﷺ : «افعل ولا حرج» (٢). ١٨ ــ ومن فوائد الآية: جواز حلق الرأس للمرض، والأذى؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ... ﴾ إلخ. ١٩ ــ ومنها: وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه؛ وهي إما صيام ثلاثة أيام؛ وإما إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ وإما ذبح شاة تفرق على الفقراء ــ كما بينت ذلك السنة ــ؛ والسنة تبين القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]؛ والتبيين يشمل تبيين اللفظ، وتبيين المعنى. ٢٠ ــ ومن فوائد الآية: أن هذه الفدية على التخيير؛ لأن هذا هو الأصل في معاني «أو». ٢١ ــ ومنها: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير.

стр. 845

٢٢ ــ ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك؛ أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء ــ ﵏ ــ من كونه يصح في كل مكان؛ لكن الفورية فيه أفضل. ٢٣ ــ ومنها: أن كفارات المعاصي فدًى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة ... ﴾. ٢٤ ــ ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس ــ مع أنه من محظورات الإحرام ــ إلا الفدية؛ ومقتضى ذلك أن النسك صحيح؛ وهذا مما يخالف الحجُّ، والعمرةُ فيه غيرَهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها؛ وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين؛ وهما الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد؛ فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة؛ وجزاء الصيد يجب فيه مثله؛ أو إطعام مساكين؛ أو عدل ذلك صياماً؛ وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم. ٢٥ ــ ومن فوائد الآية: جواز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ أي أن يأتي الإنسان بالعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها؛ ويبقى حلاً إلى أن يأتي وقت الحج؛ وكانوا في الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور؛ ويقولون: «إذا انسلخ صفر، وبرأ الدَّبَر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر»؛ لكن الله يسَّر وبيَّن أنه يجوز للإنسان القادم في أشهر الحج أن يتحلل بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج.

стр. 846

٢٦ ــ ومنها: أنه إذا حل من عمرته حل الحل كله؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع﴾؛ لأن إطلاق التمتع لا يكون إلا كذلك. ٢٧ ــ ومنها: أن من لم يحل من عمرته لا يسمى متمتعاً؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾؛ وعلى هذا فالقارن ليس بمتمتع؛ وهو كذلك عند الفقهاء أن القارن غير متمتع؛ لكن ذكر كثير من أهل العلم أن القارن يسمى متمتعاً في لسان الصحابة؛ وذلك؛ لأن بعض الصحابة عبر عن حج النبي ﷺ بالتمتع، فقالوا: تمتع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج (١)؛ ومن المعلوم أن الرسول ﷺ لم يحل من إحرامه؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «لا شك أن النبي ﷺ حج قارناً؛ والمتعة أحب إليّ»؛ ولهذا كان وجوب الهدي على المتمتع بالإجماع؛ ووجوب الهدي على القارن فيه خلاف؛ وجمهور أهل العلم على وجوب الهدي عليه؛ وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في العلة: هل هي حصول النسكين في سفر واحد؛ فيكون قد ترفه بسقوط أحد السفرين؛ أو العلة التمتع بالتحلل بين العمرة، والحج؛ فمن قال بالأول أوجب الهدي على القارن؛ ومن قال بالثاني لم يوجبه؛ لأنه لم يحصل للقارن تحلل بين النسكين. ٢٨ ــ ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على الإنسان أن يقترض للهدي إذا لم يكن معه ما يشتري به الهدي ــ ولو كان غنياً - لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾.

стр. 847

٢٩ ــ ومنها: تيسير الله على العباد؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ والدين كله من أوله إلى آخره مبني على اليسر. ٣٠ ــ ومنها: بلاغة القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد﴾؛ فحُذف المفعول للعموم ليشمل من لم يجد الهدي، أو ثمنه؛ فاستفيد زيادة المعنى مع اختصار اللفظ. ٣١ ــ ومنها: أن من لم يجد الهدي، أو ثمنه، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج: أولها من حين الإحرام بالعمرة؛ وآخرها آخر أيام التشريق؛ لكن لا يصوم يوم العيد؛ لتحريم صومه؛ ولا ينبغي أن يصوم يوم عرفة؛ ليتفرغ للدعاء والذكر وهو نشيط؛ وعلى هذا فيجوز لمن كان عادماً للهدي من متمتع أو قارن أن يصوم من حين إحرامه بالعمرة. فإن قال قائل: هذا ظاهر في القارن؛ لأنه إذا صام من حين إحرامه فقد صام في الحج؛ لكنه في المتمتع فيه إشكال؛ لأن المتمتع يحل بين العمرة والحج؟ والجواب: عن هذا الإشكال أن نقول: إن النبي ﷺ قال: «دخلت العمرة في الحج» (١)؛ ولأن المتمتع من حين إحرامه بالعمرة فقد نوى أن يحج. ٣٢ ــ ومن فوائد الآية: أن صيام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾. ٣٣ ــ ومنها: أنه يجوز التتابع، والتفريق بين الأيام الثلاثة،

стр. 848

والأيام السبعة؛ لأن الله أطلق، ولم يشترط التتابع؛ ولو كان التتابع واجباً لذكره الله، كما ذكر وجوب التتابع في صيام كفارة القتل، وصيام كفارة الظهار. ٣٤ ــ ومنها: تيسير الله ــ ﵎ ــ على عباده، حيث جعل الأكثر من الصيام بعد رجوعه؛ لقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾. ٣٥ ــ ومنها: أن الهدي، أو بدله من الصيام لا يجب على من كان حاضر المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾؛ وقد سبق أن الصحيح أنهم من كانوا داخل حدود الحرم؛ وعلى هذا إذا تمتع أهل جدة، أو الطائف، أو أهل الشرائع فعليهم الهدي؛ ولكن هل لحاضر المسجد الحرام التمتع؟ الجواب: نعم؛ لأن حاضر المسجد الحرام قد تدخل عليه أشهر الحج وهو خارج مكة، ثم يرجع إلى أهله في مكة في أشهر الحج، فيحرم بعمرة يتمتع بها إلى الحج. فإن كان شخص في مكة للدراسة، لكن وطنه الرياض، أو المدينة، وتمتع فعليه الهدي؛ لأن أهله ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وإقامته في مكة ليست إقامة استيطان؛ والمراد أن يكون مستوطناً في مكة. وإذا كان له مَقَرَّان ــ في الطائف، وفي مكة ــ؛ يعني من أهل مكة والطائف، فهنا نقول: إن نظرنا إلى مقره في الطائف قلنا: ليس من حاضري المسجد الحرام؛ وإن نظرنا إلى مقره في مكة قلنا: هو من حاضري المسجد الحرام؛ فنعتبر الأكثر: إذا

стр. 849

كان أكثر إقامته في الطائف فليس من أهل المسجد الحرام؛ وإذا كان أكثر إقامته في مكة فهو من حاضري المسجد الحرام. ٣٦ ــ ومن فوائد الآية: فضيلة المسجد الحرام؛ لوصف الله له بأنه حرام ــ أي ذو حرمة ــ؛ ومن حرمته تحريم القتال فيه، وتحريم صيده، وشجره، وحشيشه، وأن من أراد الإلحاد فيه بظلم أذاقه الله من عذاب أليم؛ وبسط ذلك في المطولات. ٣٧ ــ ومنها: وجوب تقوى الله ، وتهديد من خالف ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾. ٣٨ ــ ومنها: أن العلم بشدة عقوبة الله من أهم العلوم؛ ولهذا أمر الله به بخصوصه؛ لأنه يورث الخوف من الله، والهرب من معصيته. ٣٩ ــ ومنها: أن العقوبة على الذنب لا تنافي الرحمة؛ إذ من المعلوم أن رحمة الله سبقت غضبه؛ لكن إذا عاقب من يستحق العقاب فإن ذلك من رحمة المعاقب؛ لأن هذه العقوبة إن كانت في الدنيا فهي كفارة له؛ وإن كانت في الآخرة فما دون الشرك أمره إلى الله: إن شاء عذب؛ وإن شاء غفر. ٤٠ ــ ومنها: أن شدة العقاب من كمال المعاقِب، وبسط قوته، وسلطانه؛ ولا يوصف الله إلا بالكمال؛ بل أمَرَنا أن نعلم ذلك في قوله تعالى: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٩٨]؛ إذاً فإذا عاقبت ولدك بما يستحق، وكانت الجناية كبيرة، فأكبرت العقوبة فإنك تُحمَد، ولا تذم؛ ولهذا قال ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم

стр. 850

عليها لعشر» (١)؛ لأنه إذا بلغ عشراً صار تركه إياها، والإخلال بها أعظم. تنبيه: كثير من الناس كلما رأوا مخالفة من شخص في الإحرام قالوا: «عليك دم»؛ لو قال: حككت رأسي فسقطت منه شعرة بدون اختيار ولا قصد قالوا: «عليك دم»؛ وهذا غلط: أولاً: لأنه خلاف ما أمر الله به؛ والله أوجب واحدة من ثلاث: صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك؛ فإلزامهم بواحدة معينة فيها تضييق عليهم، وإلزام لهم بما لا يلزمهم. ثانياً: أن الدم في أوقات النحر في أيام منى غالبه يضيع هدراً؛ لا ينتفع به. ثالثاً: أن فيه إخفاءً لحكم الله ؛ لأن الناس إذا كانوا لا يفدون إلا بالدم، كأنه ليس فيه فدية إلا هذا؛ وليس فيه إطعام، أو صيام! فالواجب على طالب العلم أن يختار واحداً من أمرين: * إما أن يرى الأسهل، ويفتي بالأسهل. * وإما أن يقول: عليك هذا، أو هذا، أو هذا؛ واختر لنفسك.

стр. 851

أما أن يذكر الأشد فقط، ويسكت فهذا خلاف ما ينبغي للمفتين. القرآن ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة: ١٩٧) التفسير: ﴿١٩٧﴾ قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ يعني أن الحج يكون في أشهر معلومات؛ وهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة؛ وقيل: العشر الأول من ذي الحجة؛ والأول أصح؛ وقد استُشكل كون الخبر ﴿أشهر﴾؛ ووجه الإشكال: أن الحج عمل، والأشهر زمن؛ فكيف يصح أن يكون الزمن خبراً عن العمل؟ وأجيب بأن هذا على حذف مضاف؛ والتقدير: الحج ذو أشهر معلومات؛ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ وقيل: التقدير: الحج وقته أشهر معلومات؛ والتقدير الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾؛ «مَن» اسم شرط؛ و ﴿فرض﴾ فعل الشرط؛ ﴿فيهن﴾ الضمير يعود إلى أشهر الحج؛ وقد أجمع العلماء على أن الضمير في ﴿فيهن﴾ يرجع إلى بعضهن؛ لأنه لا يمكن أن يفرض الحج بعد طلوع الفجر يوم النحر؛ ويفرض الحج من أول ليلة من شوال إلى ما قبل طلوع الفجر يوم النحر بزمن يتمكن فيه من الوقوف بعرفة.

стр. 852

قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ جواب الشرط؛ وفيها قراءتان؛ إحداهما البناء على الفتح في ﴿رفثَ﴾، و ﴿فسوقَ﴾؛ والثانية: التنوين فيهما؛ أما ﴿جدالَ﴾ فإنها بالبناء على الفتح على القراءتين. قوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾ نفي بمعنى النهي؛ و «الرفث» الجماع، ومقدماته. قوله تعالى: ﴿ولا فسوق﴾ أي لا خروج عن طاعة الله بمعاصيه لا سيما ما يختص بالنسك، كمحظورات الإحرام. قوله تعالى: ﴿ولا جدال في الحج﴾ يشمل الجدال فيه، وفي أحكامه، والمنازعات بين الناس في معاملاتهم؛ مثال الجدال فيه: أن يقال: «ما هو الحج؟»، فيحصل النزاع؛ أو «متى فُرض؟»، فيحصل النزاع فيه؛ ومثاله في أحكامه: النزاع في أركانه، وواجباته، ومحظوراته؛ ومثال النزاع بين الناس في معاملاتهم: أن يتنازع اثنان في العقود، فيقول أحدهما: «بعتك»، والثاني يقول: «لم تبعني»؛ أو يقول: «بعتك بكذا»، ويقول الثاني: «بل بكذا»؛ أو يتنازع اثنان عند أنابيب الماء في الشرب، أو الاستسقاء، أو عند الخباز. قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾: لما نهى عن هذه الشرور انتقل إلى الأمر بالخير؛ وهذه الجملة شرطية: ﴿ما﴾ أداة الشرط؛ وفعل الشرط: ﴿تفعلوا﴾؛ وجواب الشرط: ﴿يعلمه الله﴾؛ ولهذا جزمت؛ و ﴿مِن﴾ بيانية تبين المبهم من اللفظ؛ لأن ﴿ما﴾ شرطية مبهمة كالموصول؛ و ﴿خير﴾ نكرة في سياق الشرط، فيشمل كل خير سواء كان قليلاً، أو كثيراً.

стр. 853

وقوله تعالى: ﴿يعلمه الله﴾: أي يحيط به علماً. قوله تعالى: ﴿وتزودوا﴾ أي اتخذوا زاداً لغذاء أجسامكم، وغذاء قلوبكم -وهذا أفضل النوعين - لقوله تعالى: ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾ و «التقوى» اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ هذا أجمع ما قيل في التقوى. لما رغب الله في التقوى أمر بها طلباً لخيرها فقال تعالى: ﴿واتقون يا أولي الألباب﴾؛ و ﴿اتقونِ﴾ فعل أمر؛ والنون للوقاية؛ والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به؛ و ﴿يا أولي الألباب﴾ جمع لب؛ أي يا أصحاب العقول؛ ووجه الله تعالى الأمر إلى أصحاب العقول؛ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى، وثمرتها؛ أما السفهاء فلا يدركونها. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: تعظيم شأن الحج، حيث جعل الله له أشهراً مع أنه أيام ــ ستة أيام ــ؛ وقد جعل الله له أشهراً ثلاثة حتى يأمن الناس، ويتأهبوا لهذا الحج؛ ولهذا ما بعد الحج أقصر مما قبله؛ الذي قبله: شهران وسبعة أيام؛ والذي بعده: سبعة عشر يوماً فقط؛ لأنه إذا حج انتهى غرضه؛ فطُلب منه العودة؛ بخلاف ما إذا كان قبله. ٢ ــ ومن فوائد الآية: أن أشهر الحج ثلاثة؛ لقوله تعالى: ﴿أشهر﴾؛ وهي جمع قلة؛ والأصل في الجمع أن يكون ثلاثة فأكثر؛ هذا المعروف في اللغة العربية؛ ولا يطلق الجمع على اثنين، أو اثنين وبعض الثالث إلا بقرينة؛ وهنا لا قرينة تدل على ذلك؛ لأنهم إن جعلوا أعمال الحج في الشهرين وعشرة الأيام

стр. 854

يرد عليه أن الحج لا يبدأ فعلاً إلا في اليوم الثامن من ذي الحجة؛ وينتهي في الثالث عشر؛ وليس العاشر؛ فلذلك كان القول الراجح أنه ثلاثة أشهر كاملة؛ وهو مذهب مالك؛ وهو الصحيح؛ لأنه موافق للجمع؛ وفائدته أنه لا يجوز تأخير أعمال الحج إلى ما بعد شهر ذي الحجة إلا لعذر؛ لو أخرت طواف الإفاضة مثلاً إلى شهر المحرم قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه ليس في أشهر الحج والله تعالى يقول: ﴿الحج أشهر﴾؛ فلا بد أن يقع في أشهر الحج؛ ولو أخرت الحلق إلى المحرم فهذا لا يجوز؛ لأنه تعدى أشهر الحج. وهل هذه الأشهر من الأشهر الحرم؟ الجواب: أن اثنين منها من أشهر الحرم، وهما ذو القعدة، وذو الحجة؛ وواحد ليس منها -وهو شوال كما أن «المحرم» من الأشهر الحرم، وليس من أشهر الحج؛ فرمضان شهر صيام؛ وشوال شهر حج؛ وذو القعدة شهر حج، ومن الحرم؛ وذو الحجة شهر حج، ومن الحرم؛ والمحرم من الحرم، وليس شهر حج. ٣ ــ ومن فوائد الآية: الإحالة على المعلوم بشرط أن يكون معلوماً؛ لقوله تعالى: ﴿معلومات﴾؛ وهذا يستعمله الفقهاء كثيراً يقولون: هذا معلوم بالضرورة من الدين؛ وأمر هذا معلوم؛ وما أشبه ذلك؛ فلا يقال: إنه لم يبين؛ لأنه ما دام الشيء مشهوراً بين الناس معروفاً بينهم يصح أن يعَرِّفه بأنه معلوم؛ ومن ذلك ما يفعله بعض الكتاب في الوثائق: يقول: «باع فلان على فلان كذا، وكذا» -وهو معلوم بين الطرفين -يجوز وإن لم تفصل ما دام

стр. 855

معلوماً؛ فإضافة الشيء إلى العلم وهو معلوم يعتبر من البيان. ٤ ــ ومنها: أن من تلبس بالحج، أو العمرة وجب عليه إتمامه، وصار فرضاً عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]؛ فسمى الله تعالى أفعال الحج نذوراً؛ ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فلم يبح الله تعالى الخروج من النسك إلا بالإحصار. ٥ ــ ومنها: وجوب إتمام النفل في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض﴾؛ والفرض لا بد من إتمامه. ٦ ــ ومنها: أن الإحرام بالحج قبل أشهره لا ينعقد؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾؛ فلم يرتب الله أحكام الإحرام إلا لمن فرضه في أشهر الحج؛ ومعلوم أنه إذا انتفت أحكام العمل فمعناه أنه لم يصح العمل، وهذا مذهب الشافعي ﵀ -أنه إذا أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج لم ينعقد إحرامه؛ ولكن هل يلغو، أو ينقلب عمرة؟ في هذا قولان عندهم؛ أما عندنا مذهب الحنابلة؛ فيقولون: إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد؛ ولكنه مكروه -يكره أن يحرم بالحج قبل أشهره - ومذهب الشافعي أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة: أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد حجاً؛ والظاهر أيضاً أنه لا ينعقد، ولا ينقلب عمرة؛ لأن العبادة لم تنعقد؛ وهو إنما دخل على أنها حج؛ فلا ينعقد لا حجاً، ولا عمرة. ٧ ــ ومن فوائد الآية: أن المحظورات تحرم بمجرد عقد

стр. 856

الإحرام - وإن لم يخلع ثيابه من قميص، وسراويل، وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾؛ لأنه جواب الشرط؛ وجواب الشرط يكون تالياً لفعله؛ فبمجرد أن يفرض فريضة الحج تحرم عليه المحظورات. ٨ ــ ومنها: أن الإحرام ينعقد بمجرد النية - أي نية الدخول إلى النسك؛ وتثبت بها الأحكام - وإن لم يلبّ؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾. ٩ ــ ومنها: تحريم الجماع، ومقدماته بعد عقد الإحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾؛ وجواب الشرط يكون عقب الشرط؛ فبمجرده يحرم الرفث. ١٠ ــ ومنها: تحريم الفسوق؛ لقوله تعالى: ﴿فلا فسوق﴾. فإن قال قائل: الفسوق محرم في الإحرام، وغيره. فالجواب: أنه يتأكد في الإحرام أكثر من غيره. ١١ ــ ومنها: تحريم الجدال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جدال في الحج﴾؛ والجدال إن كان لإثبات الحق، أو لإبطال الباطل فإنه واجب، وعلى هذا فيكون مستثنًى من هذا العموم؛ لقوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥]؛ وأما الجدال لغير هذا الغرض فإنه محرم حال الإحرام؛ فإن قلت: أليس محرماً في هذا، وفي غيره لما يترتب عليه من العداوة، والبغضاء، وتشويش الفكر؟ فالجواب: أنه في حال الإحرام أوكد. ١٢ ــ ومنها: البعد حال الإحرام عن كل ما يشوش الفكر، ويشغل النفس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جدال في الحج﴾؛ ومن ثم

стр. 857

يتبين خطأ أولئك الذين يزاحمون على الحجر عند الطواف؛ لأنه يشوش الفكر، ويشغل النفس عما هو أهم من ذلك. ١٣ ــ ومنها: الحث على فعل الخير؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ يدل على أنه سيجازي على ذلك، ولا يضيعه؛ قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً﴾ [طه: ١١٢]. ١٤ ــ ومنها: أن الخير سواء قلّ، أو كثر، فإنه معلوم عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿من خير﴾؛ وهي نكرة في سياق الشرط؛ والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم. ١٥ ــ ومنها: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾. ١٦ ــ ومنها: الحث على التزود من الخير؛ لقوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. ١٧ ــ ومنها: أنه ينبغي للحاج أن يأخذ معه الزاد الحسيّ من طعام، وشراب، ونفقة، لئلا يحتاج في حجه، فيتكفف الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وتزودوا﴾. ١٨ ــ ومنها: أن التقوى خير زاد، كما أن لباسها خير لباس؛ فهي خير لباس؛ لقوله تعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ وهي خير زاد؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾. ١٩ ــ ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقون﴾. ٢٠ ــ ومنها: أن أصحاب العقول هم أهل التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقون يا أولي الألباب﴾.

стр. 858

٢١ ــ ومنها: أنه كلما نقص الإنسان من تقوى الله كان ذلك دليلاً على نقص عقله - عقل الرشد؛ بخلاف قول النبي ﷺ : «ما رأيت من ناقصات عقل، ودين» (١)؛ فإن المراد بنقص العقل هنا عقل الإدراك؛ فإن مناط التكليف عقل الإدراك؛ ومناط المدح عقل الرشد؛ ولهذا نقول: إن هؤلاء الكفار الأذكياء الذين هم في التصرف من أحسن ما يكون؟ نقول: هم عقلاء عقول إدراك؛ لكنهم ليسوا عقلاء عقول رشد؛ ولهذا دائماً ينعى الله عليهم عدم عقلهم؛ والمراد عقل الرشد الذي به يرشدون. القرآن ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (البقرة: ١٩٨) التفسير: ﴿١٩٨﴾ لما أمر الله بالتزود، وبيَّن أن خير الزاد التقوى، وأمر بالتقوى، قد يقول قائل: إذا اتجرت أثناء حجي صار عليّ في ذلك إثم؛ ولهذا تحرج الصحابة من الاتجار في الحج؛ فبين الله أن ذلك لا يؤثر، وأنه ليس فيه إثم؛ فقال تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ أي أن

стр. 859

تبتغوا الرزق، وتطلبوه بالتجارة؛ كقوله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: ٢٠]. قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾؛ أصل الإفاضة الاندفاع؛ ومنه إفاضة الماء؛ ومنه الإفاضة في الكلام، والاستمرار فيه؛ ومعنى ﴿أفضتم﴾: دفعتم؛ والتعبير بـ ﴿أفضتم﴾ يصور لك هذا المشهد كأن الناس أودية تندفع؛ و ﴿عرفات﴾ على صيغ الجمع؛ وهي اسم لمكان واحد؛ وهو معروف؛ وسمي عرفات لعدة مناسبات: قيل: لأن الناس يعترفون هناك بذنوبهم، ويسألون الله أن يغفرها لهم. وقيل: لأن الناس يتعارفون بينهم؛ إذ إنه مكان واحد يجتمعون فيه في النهار؛ فيعرف بعضهم بعضاً. وقيل: لأن جبريل لما علَّم آدم المناسك، ووصل إلى هذا قال: عرفت. وقيل: لأن آدم لما أهبط إلى الأرض هو وزوجته تعارفا في هذا المكان. وقيل: لأنها مرتفعة على غيرها؛ والشيء المرتفع يسمى عُرْفاً؛ ومنه: أهل الأعراف، كما قال تعالى: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالاً﴾ [الأعراف: ٤٨]؛ ومنه: عُرْف الديك؛ لأنه مرتفع؛ وكل شيء مرتفع يسمى بهذا الاسم. وعندي - والله أعلم - أن هذا القول الأخير أقرب الأقوال؛ وكذلك الأول: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب؛ ولأنه أعرف الأماكن التي حوله.

стр. 860

و ﴿عرفات﴾ مشعر حلال خارج الحرم؛ ومع ذلك فهو الحج، كما قال الرسول ﷺ : «الحج عرفة» (١)؛ والحكمة من الوقوف فيها أن يجمع الحاج في نسكه بين الحل والحرم؛ ولهذا أمر النبي ﷺ عائشة أن تحرم بالعمرة من التنعيم (٢)؛ لتجمع فيها بين الحل والحرم. قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ الفاء هنا واقعة في جواب الشرط؛ وأداة الشرط: «إذا»؛ وقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾ أي باللسان، والقلب، والجوارح؛ فيشمل كل ما فعل عند المشعر من عبادة؛ ومن ذلك صلاة المغرب، والعشاء، والفجر؛ و ﴿المشعر﴾ مكان الشعيرة؛ فهي «مَفْعَل» اسم مكان؛ وهو المكان الذي تؤدى فيه شعيرة من شعائر الله ؛ و ﴿الحرام﴾ أي ذي الحرمة؛ لأنه داخل حدود الحرم؛ وقال العلماء: إن هذا الوصف وصف قيدي؛ ليخرج المشعر الحلال

стр. 861

ــ وهو عرفة ــ؛ وقالوا: إن المشعر مشعران: حلال ــ وهو عرفة ــ؛ وحرام ــ وهو مزدلفة ــ. قوله تعالى: (واذكروه كما هداكم﴾؛ أمر بالذكر مرة أخرى؛ لكن لأجل التعليل الذي بعده ــ وهو الهداية ــ؛ لهذا الكاف هنا للتعليل؛ و «ما» مصدرية تسبك، وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: واذكروه لهدايتكم؛ والكاف تأتي للتعليل، كما قال ابن مالك في الألفية: (شبه بكاف وبها التعليل قد يعنى وزائداً لتوكيد ورد) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ... ﴾ [البقرة: ١٥١] الآية؛ وكما في التشهد في قوله: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ... »، أي لأنك صليت على إبراهيم فصل على محمد؛ فهو توسل إلى الله تعالى بفعل سبق منه نظير ما سألته. ويحتمل أن تكون الكاف للتشبيه؛ وعليه فيكون الأمر بذكره ثانية عائداً على الوصف ــ أي اذكروه على الصفة التي هداكم إليها ــ أي على حسب ما شرع؛ وعليه فلا تكرار؛ لأن الأمر بالذكر أولاً أمر بمطلق الذكر، والأمر به ثانية أمر بكونه على الصفة التي هدانا إليها. وقوله تعالى: ﴿هداكم﴾ أي دلكم، ووفقكم. قوله تعالى: ﴿وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾؛ ﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة؛ فهي للتوكيد بدليل وجود اللام الفارقة؛ والتقدير: وإنكم كنتم من قبله لمن الضالين؛ واسم ﴿إن﴾ ضمير الشأن محذوف؛ وهو مناسب للسياق؛ وبعض النحويين يقدر

стр. 862

ضمير الشأن دائماً بضمير مفرد مذكر غائب فيكون التقدير: وإنه ــ أي الشأن والصواب القول الأول أنه يقدر بما يقتضيه السياق - يعني: وإنكم كنتم من قبله لمن الضالين -؛ وجملة: ﴿كنتم من قبله لمن الضالين﴾ خبر ﴿إن﴾ المخففة؛ والضمير في قوله تعالى: ﴿من قبله﴾ يعود على القرآن؛ أو يعود على الرسول؛ أو يعود على الهدى؛ كل ذلك محتمل؛ وكل ذلك متلازم؛ فالهدى جاء من القرآن، ومن النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿لمن الضالين﴾: يشمل الضال عن جهل؛ والضال عن علم؛ فالضال عن جهل: الذي لم يعلم بالحق أصلاً؛ والضال عن علم: الذي ترك الطريق الذي ينبغي أن يسلكه - وهو الرشد -؛ والعرب من قبل هذا الدين ضالون؛ منهم من كان ضالاً عن جهل؛ ومنهم من كان ضالاً عن علم؛ فمثلاً قريش لا تفيض من عرفة؛ وإنما تقف يوم عرفة في مزدلفة؛ قالوا: لأننا نحن أهل الحرم؛ فلا نخرج عنه؛ فكانوا يقفون في يوم عرفة في مزدلفة، ولا يفيضون من حيث أفاض الناس؛ وإذا جاء الناس وباتوا فيها خرجوا جميعاً إلى منى؛ وهذا من جهلهم، أو عنادهم. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: جواز الاتجار أثناء الحج بالبيع، والشراء، والتأجير ــ كالذي يؤجر سيارته التي يحج عليها في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾. ٢ ــ ومنها: أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه، وشرائه أن

стр. 863

يكون مترقباً لفضل الله لا معتمداً على قوته، وكسبه؛ لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾. ٣ ــ ومنها: ظهور منة الله على عباده بما أباح لهم من المكاسب؛ وأن ذلك من مقتضى ربوبيته ، حيث قال تعالى: ﴿فضلاً من ربكم﴾. ٤ ــ ومنها: مشروعية الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾؛ وهو ركن من أركان الحج؛ لقول النبي ﷺ : «الحج عرفة» (١)؛ لو قال قائل: إن قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ ليس أمراً بالوقوف بها. فالجواب: أنه لم يكن أمراً بها؛ لأنها قضية مسلمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾. ٥ ــ ومنها: أنه يشترط للوقوف بمزدلفة أن يكون بعد الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾؛ فلو أن أحداً مر بمزدلفة في الليل، ووقف بها يدعو، ثم وقف بعرفة يدعو بها، ثم رجع إلى منى لم يجزئه الوقوف بمزدلفة؛ لأنه في غير محله الآن؛ لأن الله ذكره بعد الوقوف بعرفة. ٦ ــ ومنها: أن الصلاة من ذكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾؛ والنبي ﷺ أول ما بدأ: بالصلاة (٢)؛ ولا شك أن الصلاة ذكر لله؛ بل هي روضة من

стр. 864

رياض الذكر: فيها قراءة، وتكبير، وتسبيح، وقيام، وركوع، وسجود، وقعود؛ كل ذلك من ذكر الله: ذكر بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ ثم من خاصية الصلاة أن كل عضو من أعضاء البدن له ذكر خاص به، وعبادة تتعلق به. ٧ ــ ومنها: بيان أن مزدلفة من الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿عند المشعر الحرام﴾. ٨ ــ ومنها: جواز المبيت في مزدلفة في جميع نواحيها؛ لقوله تعالى: ﴿عند المشعر الحرام﴾. ٩ ــ ومنها: أن عرفة مشعر حلال؛ لأنها من الحل؛ ولهذا يجوز للمحرم أن يقطع الأشجار بعرفة. ١٠ ــ ومنها: أن مزدلفة مشعر من المشاعر؛ فيكون فيه رد على من قال: إن الوقوف بها سنة؛ والقول الثاني: أنه ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة؛ والقول الثالث: أنه واجب يصح الحج بدونه؛ ولكن يجبر بدم؛ وأنا أتوقف بين كونها ركناً، وواجباً؛ أما أنها سنة فهو ضعيف؛ لا يصح. ١١ ــ ومنها: أن الإنسان يجب عليه أن يذكر الله تعالى لما أنعم عليه به من الهداية؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ إذا جعلنا الكاف للتعليل؛ وإن جعلناها للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الوجه الذي هداكم له؛ فيستفاد منها أن الإنسان يجب أن يكون ذكره لله على حسب ما ورد عن الله . ١٢ ــ ومنها: أن الذكر المشروع ما وافق الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾؛ والهداية نوعان: هداية دلالة: وهذه عامة لكل أحد؛ فكل أحد قد بين الله له شريعته سواء وفِّق

стр. 865

لاتباعها، أم لا؛ ودليلها قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾ [الإنسان: ٣]؛ والثاني: هداية توفيق بأن يوفق الله العبد لاتباع الهدى؛ ومنها قوله تعالى حين ذكر من ذكر من الأنبياء: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] أي لا توفق للهدى من أحببته، أو من أحببت هدايته. ١٣ ــ ومن فوائد الآية: تذكير الإنسان بحاله قبل كماله؛ ليعرف بذلك قدر نعمة الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾؛ ومن هذا قول النبي ﷺ للأنصار: «ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي» (١)؛ ومنه قول الملَك للأبرص والأقرع: «ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأغناك الله» (٢) الحديث؛ فالتذكير بالنعم بذكر الحال، وبذكر الكمال بعد النقص مما يوجب للإنسان أن يزداد من شكر نعمة الله عليه.

стр. 866

القرآن ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ١٩٩) التفسير: ﴿١٩٩﴾ قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا﴾ أي من عرفات. قوله تعالى: ﴿من حيث أفاض الناس﴾ أي من المكان الذي يفيض الناس منه؛ وكانت قريش في الجاهلية لا يقفون مع الناس في عرفة - يقولون: نحن أهل الحرم فلا نقف خارج الحرم -؛ فأُمر المسلمون أن يفيضوا من حيث أفاض الناس - أي من عرفة -؛ هذا هو ظاهر الآية الكريمة؛ ولكنه مشكل حيث إنه ذُكر بعد قوله: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾؛ وأجيب عن هذا الإشكال أن الترتيب ذكري - لا ترتيب حكمي؛ بمعنى أن الله تعالى لما ذكر إفاضتهم من عرفات أكد هذا بقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ دون أن يكون المراد الترتيب الحكمي؛ ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أي أفيضوا من المشعر الحرام من حيث أفاض الناس؛ فيكون المراد بالإفاضة هنا الإفاضة من مزدلفة؛ وعلى هذا الاحتمال لا يبقى في الآية إشكال. قوله تعالى: ﴿واستغفروا الله﴾ أي اطلبوا المغفرة منه؛ والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام؛ وليست المغفرة مجرد الستر؛ بل هي ستر، ووقاية. قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾؛ هذه الجملة تعليل

стр. 867

للأمر؛ أي استغفروا الله؛ لأنه أهل لأن يُستغفَر؛ فإنه غفور رحيم. وإعراب ﴿رحيم﴾: خبر ثانٍ لـ ﴿إن﴾؛ والخبر الأول: ﴿غفور﴾. وقوله تعالى: ﴿غفور﴾ صيغة مبالغة؛ وذلك لكثرة غفرانه ﵎، وكثرة من يغفر لهم؛ و «الغفور» أي ذو المغفرة، كما قال تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦]. وقوله تعالى: ﴿رحيم﴾ إما صفة مشبهة؛ وإما صيغة مبالغة؛ و «الرحيم» أي ذو الرحمة؛ وهي صفة تقتضي جلب النعم، ودفع النقم، كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾ [النحل: ٥٣]. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: وجوب المبيت بمزدلفة؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ على أحد التفسيرين، كما سبق؛ ومتى أفاض الإنسان من حيث أفاض الناس فإنه يلزم من ذلك أن يكون قد بات بمزدلفة. ٢ ــ ومنها: أن هذا النسك كان أمراً معلوماً يسير الناس عليه من قديم الزمان؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾. ٣ ــ ومنها: أن الناس في أحكام الله تعالى سواء؛ فلا يخص أحد بحكم من الأحكام إلا لمعنًى يقتضي ذلك؛ والمعنى المخصِّص يكون من قِبَل الشرع - لا من قبل الهوى، والعادة -؛

стр. 868

لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾؛ ولا يشكل على قولنا هذا ما ورد في قصة أبي بردة بن نيار أنه ذبح في عيد الأضحى أضحية قبل الصلاة؛ ولما خطب النبي ﷺ وقال: «إن من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، وأن شاته شاة لحم» قام أبو بردة فقال: «يا رسول الله، إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين أفتجزي عني؟ قال: نعم؛ ولن تجزئ عن أحد بعدك» (١)؛ لأن المراد بقوله ﷺ : «لن تجزئ عن أحد بعدك» أي بعد حالك؛ بمعنى: أن من جرى له مثله فإنها تجزي عنه؛ هكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو ظاهر -؛ وكذلك لا يشكل على هذا قصة سالم مولى أبي حذيفة الذي كان قد تبناه؛ فلما أبطل الله التبني جاءت زوجة أبي حذيفة إلى رسول الله ﷺ تستفتيه في سالم أنه كان يدخل عليها؛ يعني: وكأنه أحد أبنائها؛ فقال لها النبي ﷺ : «أرضعيه تحرمي عليه» (٢)؛ فإنه ليس خاصاً به؛ بل لو جرى لأحد مثل ما جرى لسالم لحكمنا له بمثل ما حكم به النبي ﷺ لسالم؛ لكن هذا لا يمكن بعد نسخ التبني؛ إذ لا يمكن أحداً أن يتبنى؛ وعلى هذا فالصورة التي تلحق بقصة سالم ممتنعة. ٤ ــ ومنها: أنه يشرع أن يستغفر الله في آخر العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿واستغفروا الله﴾.

стр. 869

٥ ــ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «الغفور»، و «الرحيم»؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي المغفرة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من الحكم بمقتضاهما؛ وهو أنه يغفر ويرحم كما قال تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. ٦ ــ ومنها: قرن الحكم بالعلة؛ لقوله تعالى: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾؛ وقرن الحكم بالعلة في مثل هذا يفيد الإقدام، والنشاط على استغفار الله . القرآن ( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (البقرة: ٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: ٢٠١) التفسير: ﴿٢٠٠﴾ قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ أي أنهيتم مناسككم؛ وذلك بالتحلل من النسك. قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾ أمر تعالى بذكره بعد فراغ النسك؛ لأن الإنسان إذا فرغ من العبادة قد يغفل عن ذكر الله. وقوله تعالى: ﴿مناسككم﴾ جمع منسك؛ وهو فيما يظهر اسم مصدر - يعني مصدراً ميمياً -؛ أي قضيتم نسككم؛ و «النسك»

стр. 870

بمعنى العبادة؛ وهو كل ما يتعبد به الإنسان لله؛ ولكن كثر استعماله في الحج؛ وفي الذبح؛ ومنه قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ [الأنعام: ١٦٢]. قوله تعالى: ﴿كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً﴾؛ «ذكر» هنا مصدر مضاف لفاعله؛ و «آباء» مفعول به؛ أي كما تذكرون آباءكم، أو أشد ذكراً؛ و ﴿أشد﴾ يشمل الشدة في الهيئة، وحضور القلب، والإخلاص؛ والشدةَ في الكثرة أيضاً؛ فيذكر الله ذكراً كثيراً، ويذكره ذكراً قوياً مع حضور القلب. وقوله تعالى: ﴿كذكركم آباءكم﴾؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يذكرون أمجاد آبائهم إذا انتهوا من المناسك؛ وكل يفخر بنسبه، وحسبه؛ فأمر الله تعالى أن نذكره كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً. وقوله تعالى: ﴿أو أشد ذكراً﴾: قال كثير من النحويين: إن ﴿أو﴾ بمعنى: بل؛ أي بل أشد؛ وهو هنا متوجِّه؛ ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات: ١٤٧]؛ وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى: ﴿أو يزيدون﴾ أن ﴿أو﴾ هنا ليست بمعنى «بل»؛ ولكنها لتحقيق ما سبق - يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم - إن لم يزد فلا ينقص -؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى «بل» تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء. قوله تعالى: ﴿فمن الناس﴾؛ «من» للتبعيض؛ والمعنى: بعض الناس؛ بدليل أنها قوبلت بقوله تعالى: ﴿ومنهم﴾؛ فيكون

стр. 871

المعنى: بعضهم كذا؛ وبعضهم كذا؛ وهذا من باب التقسيم؛ يعني: ينقسم الناس في أداء العبادة لا سيما الحج إلى قسمين. قوله تعالى: ﴿من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾ أي أعطنا في الدنيا؛ والمفعول محذوف؛ والتقدير: آتنا نصيبنا في الدنيا، بحيث لا يسأل إلا ما يكون في ترف دنياه فقط؛ ولا يسأل ما يتعلق بالدين؛ وربما يكون قوله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا﴾ شاملاً للقول باللسان، والقول بالحال ــ أي قد يقول صراحة -: ربنا آتنا في الدنيا مثلاً سكناً جميلاً؛ سيارة جميلة؛ وما أشبه ذلك؛ وربما يقوله بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأنه إذا دعا في أمور الدنيا أحضر قلبه، وأظهر فقره؛ وإذا دعا بأمور الآخرة لم يكن على هذه الحال. قوله تعالى: ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾؛ ﴿ما﴾ نافية؛ و ﴿مِن خلاق﴾ مبتدأ؛ وخبره الجار والمجرور: ﴿له﴾؛ ودخلت ﴿مِن﴾ على المبتدأ من أجل توكيد العموم؛ لأن ﴿خلاق﴾ نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ فإذا دخلت عليها ﴿مِن﴾ كان ذلك تأكيداً للعموم؛ و «الخلاق» بمعنى النصيب؛ يعني ما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لا يريد إلا الدنيا؛ فلا نصيب له في الآخرة مما دعا به؛ وقد يكون له نصيب من أعمال أخرى. ﴿٢٠١﴾ قوله تعالى: ﴿ومنهم﴾ أي ومن الناس. قوله تعالى: ﴿من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾؛ ﴿حسنة﴾: مفعول «آتِ» الثاني؛ وأما ﴿حسنة﴾ الثانية فهي معطوفة على الأولى؛ يعني من الناس من تكون همته عليا يريد الخير في الدنيا، والآخرة؛ يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة

стр. 872

حسنة؛ وحسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان منها، مثل الصحة، وسعة الرزق، كثرة البنين، والزوجات، والقصور، والمراكب الفخمة، والأموال؛ وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]؛ ولا شك أن الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة؛ لكن في الآخرة حسنات يستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل أن يبيض وجهه، وأن تثقل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه؛ فإنه إذا أعطي الكتاب بيمينه يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه فرحاً مسروراً. قوله تعالى: ﴿وقنا عذاب النار﴾ أي اجعل لنا وقاية من عذاب النار؛ وهذا يشمل شيئين: الأول: العصمة من الأعمال الموجبة لدخول النار. الثاني: المغفرة للذنوب التي توجب دخول النار. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآيتين: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى من العبادة أن لا يغفل بعدها عن ذكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ١٠]. ٢ ــ ومنها: تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿أو أشد ذكراً﴾. ٣ ــ ومنها: أن الأجداد داخلون في مسمّى الآباء؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم. ٤ ــ ومنها: بيان انقسام الناس فيما يطلبون من الله، وأن

стр. 873

منهم ذوي الغايات الحميدة، والهمم العالية الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾؛ ومنهم ذوو الغايات الذميمة، والهمم النازلة الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾. ٥ ــ ومن فوائد الآيتين: أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾. ٦ ــ ومنها: أن الإنسان محتاج إلى حسنات الدنيا، والآخرة. ٧ ــ ومنها: إثبات الآخرة. ٨ ــ ومنها: إثبات النار، وعذابها. ٩ ــ ومنها: إثبات علم الله، وسمعه، وقدرته؛ إذ لا يدعى إلا من اتصف بذلك. القرآن ( أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (البقرة: ٢٠٢) التفسير: ﴿٢٠٢﴾ قوله تعالى: ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾: «أولاء» اسم إشارة؛ والمشار إليه فيه خلاف؛ فقال بعض العلماء: إن الإشارة تعود إلى مورد التقسيم كله؛ يعني: أولئك المذكورون الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ والذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [البقرة:

стр. 874

٢٠١]؛ ويكون كل له نصيب مما كسب، كقوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]؛ ولأنه تعالى قال: ﴿والله سريع الحساب﴾؛ وهذا يقتضي أن يكون المشار إليه كلا القسمين؛ وقال آخرون: بل إن الإشارة تعود إلى التقسيم الثاني الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ فهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ لقوله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها﴾ [النساء: ٨٥]؛ الآية إذاً محتملة للمعنيين؛ والثاني منهما أظهر؛ لأن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور. قوله تعالى: ﴿والله سريع الحساب﴾ أي محاسبة الله الخلائق؛ والسرعة هنا قد تكون سرعة الزمن؛ بمعنى: أن حساب الله قريب، كما في قوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ [الشورى: ١٧ وقوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً﴾ [الأحزاب: ٦٣]؛ وقد يكون المراد سرعة محاسبة الله للخلق ــ أي أن نفس حسابه سريع ــ؛ والثاني أبلغ؛ فإن الله يحاسب الخلائق كلها في يوم واحد، ويعطي كل إنسان ما يستحقه من ذلك الحساب؛ ومحاسبة الله للخلائق على نوعين؛ النوع الأول للمؤمنين؛ والنوع الثاني للكافرين؛ أما حساب المؤمنين فإن الله يخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه، ويقول له: «عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر ويعترف، فيقول الله له: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «من نوقش الحساب عذب؛

стр. 875

فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ فقال النبي ﷺ : ذلك العرض» (١)؛ أي تعرض الأعمال على الشخص حتى يقر؛ فإذا أقر بها قال الله تعالى له: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»؛ وأما غير المؤمنين فإنهم لا يحاسبون كذلك؛ وإنما الأمر كما قال شيخ الإسلام: لا يحاسبون حساب من توزن حسناته، وسيئاته؛ لأنهم لا حسنات لهم؛ ولكن تحصى أعمالهم، وتحفظ، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها؛ يعني: وينادى عليهم على رؤوس الخلائق: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: أن الثواب يكون بالعدل؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾؛ لكنه بالعدل في العقوبة؛ وبالفضل في المثوبة. ٢ ــ ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿مما كسبوا﴾. ٣ ــ ومنها: إثبات الحساب؛ لقوله تعالى: ﴿والله سريع الحساب﴾. ٤ ــ ومنها: تمام قدرة الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿والله سريع الحساب﴾. ٥ ــ ومنها: إثبات علم الله؛ لأن المحاسِب لا بد أن يكون لديه علم يقابل به من يحاسبه.

стр. 876

القرآن ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (البقرة: ٢٠٣) التفسير: ﴿٢٠٣﴾ قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ لما ذكر الله ﵎ أفعال الحج ذكر ما بعد انتهاء أفعال الحج؛ وهو ذكر الله تعالى في أيام معدودات؛ وهي أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر؛ والثاني عشر؛ والثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ والذكر هنا يشمل كل ما يتقرب به إلى الله من قول أو فعل في هذه الأيام؛ فيشمل التكبير في تلك الأيام مطلقاً، ومقيداً؛ والنحر من الضحايا، والهدايا؛ ورمي الجمار؛ والطواف، والسعي إذا وقعا في هذه الأيام؛ بل والصلاة المفروضة، والتطوع؛ وقد قال النبي ﷺ : «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١)، وقال ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل، وشرب،

стр. 877

وذكر لله » (١). قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ أي من تعجل قبل تمام الأيام الثلاثة، وأنهى حجه فلا إثم عليه. قوله تعالى: ﴿ومن تأخر فلا إثم عليه﴾، أي من تأخر إلى اليوم الثالث في منى لرمي الجمرات فلا إثم عليه. قوله تعالى: ﴿لمن اتقى﴾: الظاهر أنها قيد للأمرين جميعاً للتعجل والتأخر، بحيث يحمل الإنسان تقوى الله على التعجل أو التأخر. قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾: ما أكثر ما يأمر الله بالتقوى في كتابه العزيز؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة. قوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ أي تجمعون إلى الله ﵎؛ وذلك يوم القيامة؛ وصدر هذا بقوله تعالى: ﴿واعلموا﴾ للتنبيه على أنه لا بد من الإيمان بهذا الحشر، والاستعداد له. الفوائد: ١ ــ من فوائد الآية: مزية الذكر في هذه الأيام المعدودات؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ لأن ذكر الله على سبيل العموم في كل الوقت؛ لكن هذا على سبيل الخصوص.

стр. 878

٢ ــ ومنها: أنه يجوز في هذه الأيام الثلاثة التعجل، والتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾. ٣ ــ ومنها: سعة فضل الله ، وتيسيره في أحكامه، حيث جعل الإنسان مخيراً أن يبقى ثلاثة أيام، أو يتعجل في اليومين. ٤ ــ ومنها: أنّه لا بد أن يكون خروجه من منى قبل أن تغرب الشمس؛ لأن ﴿في﴾ للظرفية؛ والظرف يحيط بالمظروف؛ فلا بد أن يكون التعجل في خلال اليومين بعد الرمي الواقع بعد الزوال. ٥ ــ ومنها: أنه لا يجوز التعجل في اليوم الحادي عشر؛ لأنه لو تعجل في اليوم الحادي عشر لكان تعجل في يوم لا في يومين؛ فكثير من العامة يظنون أن المراد باليومين: يوم العيد، واليوم الحادي عشر؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ وهي أيام التشريق؛ وأيام التشريق إنما تبتدئ من الحادي عشر. ٦ ــ ومنها: أن الأعمال المخير فيها إنما ينتفي الإثم عنها إذا فعلها الإنسان على سبيل التقوى لله دون التهاون بأوامره؛ لقوله تعالى: ﴿لمن اتقى﴾؛ فمن فعل ما يخير فيه على سبيل التقوى لله والأخذ بتيسيره فهذا لا إثم عليه؛ وأما من فعلها على سبيل التهاون، وعدم المبالاة فإن عليه الإثم بترك التقوى، وتهاونه بأوامر الله. تنبيه: لا يستفاد من الآية جواز التأخر إلى اليوم الرابع عشر، والخامس عشر مع أن الله تعالى أطلق: ﴿ ... ومن تأخر﴾؛ لأن

стр. 879

أصل الذكر في أيام معدودات؛ وهي ثلاثة أيام؛ فيكون المعنى؛ من تأخر في هذه الأيام المعدودات؛ وهي الأيام الثلاثة. ٧ ــ ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٨ ــ ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾. ٩ ــ ومنها: قرن المواعظ بالتخويف؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾؛ لأن الإنسان إذا علم أنه سيحشر إلى الله ، وأنه سيجازيه فإنه سوف يتقي الله، ويقوم بما أوجب الله، ويترك ما نهى الله عنه؛ وبهذا عرفنا الحكمة من كون الله يقرن الإيمان باليوم الآخر في كثير من الآيات بالإيمان بالله دون بقية الأركان التي يؤمن بها؛ وذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل لذلك اليوم؛ وهو القيام بطاعة الله ورسوله. القرآن ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) (البقرة: ٢٠٤) التفسير: ﴿٢٠٤﴾ فيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين؛ منهم من يقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠]؛ ومنهم من يقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ وهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ هنا قسم الناس أيضاً إلى قسمين: إلى مؤمن؛ وإلى

стр. 880

منافق؛ فقال تعالى في المنافق: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾؛ ﴿من﴾ هنا للتبعيض؛ وهي بمعنى بعض الناس؛ ولهذا أعربها بعض النحويين على أنها مبتدأ؛ قال: لأنها حرف بمعنى الاسم؛ إذ إنها بمعنى بعض الناس؛ فيكون ﴿من﴾ مبتدأ، و ﴿من يعجبك﴾ خبره؛ لكن المشهور أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر؛ و ﴿من الناس﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ و ﴿من يعجبك﴾ مبتدأ مؤخر؛ يعني: ومن الناس الذي يعجبك قوله، والخطاب في قوله تعالى: ﴿يعجبك﴾ إما للرسول ﷺ ؛ وإما لكل من يتأتى خطابه؛ والأولى الثاني. وقوله تعالى: ﴿من يعجبك قوله﴾ ذكر بعض النحويين أنه إذا قيل: «أعجبني كذا» فهو لما يستحسن؛ وإذا قلت: «عجبت من كذا» فهو لما ينكر؛ فتقول مثلاً: «أعجبني قول فلان» إذا كان قولاً حسناً؛ و «عجبت من قوله» إذا كان قولاً سيئاً منكراً؛ فقوله تعالى: ﴿من يعجبك قوله﴾ أي من تستحسن قوله. قوله تعالى: ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي إذا تكلم فيما يتعلق بأمور الدنيا كأن يتكلم بشيء، ويتوصل به إلى نجاته من القتل، والسبي؛ لأن هذه الآية في المنافقين؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم﴾ [المنافقون: ٤] من حسنه، وفصاحته؛ ولكنهم أهل غرور، وخداع، وكذب؛ فإن آية المنافق ثلاث؛ منها: إذا حدث كذب. وقوله تعالى: ﴿في الحياة الدنيا﴾ متعلق بمحذوف حالاً من ﴿قوله﴾؛ والتقدير: قوله حال كونه فيما يتعلق بالدنيا؛ لأنه لا يتكلم في أمور الدين؛ ويحتمل أن المعنى: القول الذي يعجب حتى في
следующие страницы →