القرآن
( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (البقرة: ٢٠٣)
التفسير:
﴿٢٠٣﴾ قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ لما ذكر الله ﵎ أفعال الحج ذكر ما بعد انتهاء أفعال الحج؛ وهو ذكر الله تعالى في أيام معدودات؛ وهي أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر؛ والثاني عشر؛ والثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ والذكر هنا يشمل كل ما يتقرب به إلى الله من قول أو فعل في هذه الأيام؛ فيشمل التكبير في تلك الأيام مطلقاً، ومقيداً؛ والنحر من الضحايا، والهدايا؛ ورمي الجمار؛ والطواف، والسعي إذا وقعا في هذه الأيام؛ بل والصلاة المفروضة، والتطوع؛ وقد قال النبي ﷺ : «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١)، وقال ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل، وشرب،
стр. 877
وذكر لله » (١).
قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ أي من تعجل قبل تمام الأيام الثلاثة، وأنهى حجه فلا إثم عليه.
قوله تعالى: ﴿ومن تأخر فلا إثم عليه﴾، أي من تأخر إلى اليوم الثالث في منى لرمي الجمرات فلا إثم عليه.
قوله تعالى: ﴿لمن اتقى﴾: الظاهر أنها قيد للأمرين جميعاً للتعجل والتأخر، بحيث يحمل الإنسان تقوى الله على التعجل أو التأخر.
قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾: ما أكثر ما يأمر الله بالتقوى في كتابه العزيز؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.
قوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ أي تجمعون إلى الله ﵎؛ وذلك يوم القيامة؛ وصدر هذا بقوله تعالى: ﴿واعلموا﴾ للتنبيه على أنه لا بد من الإيمان بهذا الحشر، والاستعداد له.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: مزية الذكر في هذه الأيام المعدودات؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ لأن ذكر الله على سبيل العموم في كل الوقت؛ لكن هذا على سبيل الخصوص.
стр. 878
٢ ــ ومنها: أنه يجوز في هذه الأيام الثلاثة التعجل، والتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾.
٣ ــ ومنها: سعة فضل الله ، وتيسيره في أحكامه، حيث جعل الإنسان مخيراً أن يبقى ثلاثة أيام، أو يتعجل في اليومين.
٤ ــ ومنها: أنّه لا بد أن يكون خروجه من منى قبل أن تغرب الشمس؛ لأن ﴿في﴾ للظرفية؛ والظرف يحيط بالمظروف؛ فلا بد أن يكون التعجل في خلال اليومين بعد الرمي الواقع بعد الزوال.
٥ ــ ومنها: أنه لا يجوز التعجل في اليوم الحادي عشر؛ لأنه لو تعجل في اليوم الحادي عشر لكان تعجل في يوم لا في يومين؛ فكثير من العامة يظنون أن المراد باليومين: يوم العيد، واليوم الحادي عشر؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ وهي أيام التشريق؛ وأيام التشريق إنما تبتدئ من الحادي عشر.
٦ ــ ومنها: أن الأعمال المخير فيها إنما ينتفي الإثم عنها إذا فعلها الإنسان على سبيل التقوى لله دون التهاون بأوامره؛ لقوله تعالى: ﴿لمن اتقى﴾؛ فمن فعل ما يخير فيه على سبيل التقوى لله والأخذ بتيسيره فهذا لا إثم عليه؛ وأما من فعلها على سبيل التهاون، وعدم المبالاة فإن عليه الإثم بترك التقوى، وتهاونه بأوامر الله.
تنبيه:
لا يستفاد من الآية جواز التأخر إلى اليوم الرابع عشر، والخامس عشر مع أن الله تعالى أطلق: ﴿ ... ومن تأخر﴾؛ لأن
стр. 879
أصل الذكر في أيام معدودات؛ وهي ثلاثة أيام؛ فيكون المعنى؛ من تأخر في هذه الأيام المعدودات؛ وهي الأيام الثلاثة.
٧ ــ ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.
٨ ــ ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾.
٩ ــ ومنها: قرن المواعظ بالتخويف؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾؛ لأن الإنسان إذا علم أنه سيحشر إلى الله ، وأنه سيجازيه فإنه سوف يتقي الله، ويقوم بما أوجب الله، ويترك ما نهى الله عنه؛ وبهذا عرفنا الحكمة من كون الله يقرن الإيمان باليوم الآخر في كثير من الآيات بالإيمان بالله دون بقية الأركان التي يؤمن بها؛ وذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل لذلك اليوم؛ وهو القيام بطاعة الله ورسوله.
القرآن
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) (البقرة: ٢٠٤)
التفسير:
﴿٢٠٤﴾ فيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين؛ منهم من يقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠]؛ ومنهم من يقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ وهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ هنا قسم الناس أيضاً إلى قسمين: إلى مؤمن؛ وإلى
стр. 880
منافق؛ فقال تعالى في المنافق: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾؛ ﴿من﴾ هنا للتبعيض؛ وهي بمعنى بعض الناس؛ ولهذا أعربها بعض النحويين على أنها مبتدأ؛ قال: لأنها حرف بمعنى الاسم؛ إذ إنها بمعنى بعض الناس؛ فيكون ﴿من﴾ مبتدأ، و ﴿من يعجبك﴾ خبره؛ لكن المشهور أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر؛ و ﴿من الناس﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ و ﴿من يعجبك﴾ مبتدأ مؤخر؛ يعني: ومن الناس الذي يعجبك قوله، والخطاب في قوله تعالى: ﴿يعجبك﴾ إما للرسول ﷺ ؛ وإما لكل من يتأتى خطابه؛ والأولى الثاني.
وقوله تعالى: ﴿من يعجبك قوله﴾ ذكر بعض النحويين أنه إذا قيل: «أعجبني كذا» فهو لما يستحسن؛ وإذا قلت: «عجبت من كذا» فهو لما ينكر؛ فتقول مثلاً: «أعجبني قول فلان» إذا كان قولاً حسناً؛ و «عجبت من قوله» إذا كان قولاً سيئاً منكراً؛ فقوله تعالى: ﴿من يعجبك قوله﴾ أي من تستحسن قوله.
قوله تعالى: ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي إذا تكلم فيما يتعلق بأمور الدنيا كأن يتكلم بشيء، ويتوصل به إلى نجاته من القتل، والسبي؛ لأن هذه الآية في المنافقين؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم﴾ [المنافقون: ٤] من حسنه، وفصاحته؛ ولكنهم أهل غرور، وخداع، وكذب؛ فإن آية المنافق ثلاث؛ منها: إذا حدث كذب.
وقوله تعالى: ﴿في الحياة الدنيا﴾ متعلق بمحذوف حالاً من ﴿قوله﴾؛ والتقدير: قوله حال كونه فيما يتعلق بالدنيا؛ لأنه لا يتكلم في أمور الدين؛ ويحتمل أن المعنى: القول الذي يعجب حتى في
стр. 881
الدين؛ لكن لا ينتفع به في الآخرة؛ إنما ينتفع به في الدنيا فقط.
قوله تعالى: ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾؛ اختلف المفسرون في معناها على قولين: الأول: أن المعنى استمراره في النفاق؛ لأن الله ﵎ يعلم ما في قلبه من هذا النفاق؛ فاستمراره عليه إشهاد لله تعالى على ما في قلبه.
والقول الثاني: أن المعنى: أن يُقسم، ويحلف بالله أنه مؤمن مصدق، وأن الذي في قلبه هو هذا؛ فيشهد الله على ما في قلبه من محبة الإيمان، والتمسك به وهو كاذب في ذلك؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١]، أي لكاذبون في دعواهم أنهم يشهدون بذلك؛ وعندي أن المعنيين لا يتنافيان؛ كلاهما حق؛ فهو منطوٍ على الكفر والنفاق؛ وهو أيضاً يُعلم الناس، ويُشهد الله على أنه مؤمن؛ أما حقيقته قال الله تعالى فيه: ﴿وهو ألد الخصام﴾ يعني: أعوجهم، وأكذبهم؛ و ﴿الخصام﴾ يحتمل أن يكون مصدراً؛ ويحتمل أن يكون جمعاً؛ إن كان مصدراً ففعله: خاصم يخاصم، مثل: جادل يجادل؛ وقاتل يقاتل؛ وعلى هذا: ﴿ألد الخصام﴾ تكون الإضافة لفظية؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها - أي وخصامه ألد الخصام؛ وإن كان جمعاً فمفرده: خَصِم؛ فيكون المعنى أنه ألد الخصوم - أي أعوجهم، وأشدهم كذباً؛ ويكون أيضاً من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ لأنَّ المعنى؛ وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم؛ وهذا الرجل صار ألد الخصام؛ لأن قوله جيد، وبيِّن يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته، وبيانه ألد الخصام.
стр. 882
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بظواهر الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾؛ وكذلك من الناس من يعجبك فعله؛ ولكنه منطوٍ على الكفر - والعياذ بالله؛ ولكن لا شك أنه بالنسبة إلينا ليس لنا أن نحكم إلا بما يقتضيه الظاهر؛ لأن ما في القلوب لا نعلمه؛ ولا يمكن أن نحاسب الناس على ما في القلوب؛ وإنما نحاسبهم على حسب الظاهر.
٢ - ومنها: أن هذا الصنف من الناس يُشهد الله على ما في قلبه إما مما أظهره؛ وإما مما أبطنه - حسب ما سبق.
٣ - ومنها: الإشارة إلى ذم الجدل، والخصام؛ لقوله تعالى: ﴿وهو ألد الخصام﴾؛ لأن الخصومات في الغالب لا يكون فيها بركة؛ وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (١) أي الإنسان المخاصم المجادل بالباطل ليدحض به الحق؛ وما من إنسان في الغالب أعطي الجدل إلا حرم بركة العلم؛ لأن غالب من أوتي الجدل يريد بذلك نصرة قوله فقط؛ وبذلك يحرم بركة العلم؛ أما من أراد الحق فإن الحق سهل قريب لا يحتاج إلى مجادلات كبيرة؛ لأنه واضح؛ ولذلك تجد أهل البدع الذين يخاصمون في بدعهم علومهم ناقصة البركة لا خير فيها؛ وتجد أنهم يخاصمون، ويجادلون، وينتهون إلى لا شيء؛ لا ينتهون إلى الحق؛ لأنهم لم
стр. 883
يقصدوا إلا أن ينصروا ما هم عليه؛ فكل إنسان جادل من أجل أن ينتصر قوله فإن الغالب أنه لا يوفق، ولا يجد بركة العلم؛ وأما من جادل ليصل إلى العلم، ولإثبات الحق، وإبطال الباطل فإن هذا مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥].
٤ - ومنها: إثبات علم الله بما في الصدور؛ لقوله تعالى: ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾؛ لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الله .
القرآن
( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥)
التفسير:
﴿٢٠٥﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا تولى﴾ أي عنك، وذهب ﴿سعى في الأرض﴾: المراد بالسعي هنا مطلق الحركة؛ وليس المراد بالسعي الركض بالرِّجل؛ ﴿ليفسد فيها﴾ أي بالمعاصي، والكفر، والفتنة.
قوله تعالى: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ أي يكون سبباً لإهلاكهما؛ لأن المعاصي سبب لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]، ولقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ [الأعراف: ٩٦]؛ والمراد
стр. 884
بـ ﴿الحرث﴾ المحروث؛ وهو الزروع، كما يقال: «الغرس» يعني المغروس؛ والمراد بـ ﴿النسل﴾ مثلها أيضاً ــ يعني: المنسول؛ وهو الأولاد؛ يعني: يكون سعيه سبباً لفساد الحرث، والحيوانات.
قوله تعالى: ﴿والله لا يحب الفساد﴾ بيان أن عمله هذا مكروه إلى الله؛ لأن الله لا يحب الفساد؛ وإذا كان لا يحب هذا الفعل فإنه لا يحب من اتصف به؛ ولهذا جاء في آية أخرى؛ ﴿والله لا يحب المفسدين﴾ [المائدة: ٦٤]؛ فالله لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين؛ فالفساد نفسه مكروه إلى الله؛ والمفسدون أيضاً مَكروهون إليه لا يحبهم.
الفوائد:
١ ــ من فوائد الآية: أن المعاصي سبب لهلاك الحرث، والنسل؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٠٥]؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ [الأعراف: ٩٦].
٢ ــ ومنها: إثبات محبة الله للصلاح؛ لقوله تعالى ﴿والله لا يحب الفساد﴾؛ فإن قيل: هذا نفي، وليس بإثبات؛ قلنا: إن نفيه محبة الفساد دليل على ثبوت أصل المحبة؛ ولو كان لا يحب أبداً لم يكن هناك فرق بين الفساد، والصلاح؛ فلما نفى المحبة عن الفساد علم أنه يحب الصلاح.
٣ ــ ومنها: التحذير من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يحب الفساد﴾؛ ومعلوم أن كل إنسان يجب أن يكون حذراً من التعرض لأمر لا يحبه الله.
стр. 885
القرآن
( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة: ٢٠٦)
التفسير:
﴿٢٠٦﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله﴾ أي إذا قال له أهل العلم، والإيمان اتق الله ــ أي اتخذ وقاية من عذاب الله بترك الكفر، والفساد؛ و ﴿أخذته العزة بالإثم﴾ أي حملته على الإثم؛ و ﴿العزة﴾ بمعنى الأنفة، والحمية، والترفع؛ والعزة قد تكون وصفاً محموداً؛ وقد تكون وصفاً مذموماً، فالمعتز بدينه محمود، كما قال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨]؛ والمعتز بحسبه ونسبه حتى يكون عنده أنفة إذا أُمر بالدين والإصلاح مذموم.
والمراد بـ ﴿الإثم﴾ الذنب الموجب للعقوبة؛ فكل ذنب موجب للعقوبة فهو إثم.
قوله تعالى: ﴿فحسبه جهنم﴾ أي كافيه؛ وهو وعيد له بها - والعياذ بالله؛ و «الحسْب» بمعنى الكافي، كما قال الله تعالى: ﴿فقل حسبي الله﴾ [التوبة: ١٢٩] أي كافيني؛ وقال تعالى: ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي كافينا؛ فقوله تعالى؛ ﴿فحسبه جهنم﴾ أي كافيته؛ والمعنى: أنه يكون من أهلها - والعياذ بالله و ﴿جهنم﴾ اسم من أسماء النار؛ قيل: إنها كلمة معربة، وأنها ليست من العربية الفصحى؛ وقيل: بل هي من اللغة الفصحى، وأن أصلها من الجهمة؛ وهي الظلمة؛ ولكن زيدت فيها النون للمبالغة؛ وعلى كلٍّ فإن ﴿جهنم﴾ اسم للنار التي
стр. 886
أعدها الله للكافرين؛ وسميت بذلك لبعد قعرها، وظلمتها - والعياذ بالله -.
قوله تعالى: ﴿ولبئس المهاد﴾: اللام هنا للابتداء؛ أو موطئة للقسم - أي: وواللَّهِ لبئس المهاد - وهذا أقرب؛ و «بئس» فعل جامد لإنشاء الذم؛ وفاعلها ﴿المهاد﴾؛ وهي من الأفعال التي تحتاج إلى مخصوص بالذم؛ والمخصوص محذوف؛ أي: ولبئس المهاد مهاده، حيث كانت جهنم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن هذا الرجل الموصوف بهذه الصفات يأنف أن يؤمر بتقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾ فهو يأنف، كأنه يقول في نفسه: أنا أرفع من أن تأمرني بتقوى الله ؛ وكأن هذا الجاهل تعامى عن قول الله تعالى لأتقى البشر: ﴿يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: ١]؛ وقال تعالى في قصة زينب: ﴿واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧].
٢ - ومنها: البلاغة التامة في حذف الفاعل في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله﴾؛ ليشمل كل من يقول له ذلك؛ فيكون رده لكراهة الحق.
٣ - ومنها: التحذير من رد الناصحين؛ لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين؛ فمن رد آمراً بتقوى الله ففيه شبه من المنافقين؛ والواجب على المرء إذا قيل له: «اتق الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا» تعظيماً لتقوى الله.
стр. 887
٤ - ومنها: أن الأنفة قد تحمل صاحبها على الإثم؛ لقوله تعالى: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾.
٥ - ومنها: أن هذا العمل موجب لدخول النار؛ لقوله تعالى: ﴿فحسبه جهنم﴾.
٦ - ومنها: القدح في النار، والذم لها؛ لقوله تعالى: ﴿ولبئس المهاد﴾؛ ولا شك أن جهنم بئس المهاد.
القرآن
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة: ٢٠٧)
التفسير:
لما ذكر الله حال المنافقين الذين يعجبك قولهم في الحياة الدنيا وهم ألد الخصام؛ والذين إذا تولوا سعوا في الأرض فساداً ليهلكوا الحرث، والنسل - والله لا يحب الفساد - ذكر حال قوم على ضدهم؛ وهكذا القرآن مثاني تثَنَّى فيه الأمور؛ فيؤتى بذكر الجنة مع النار؛ وبذكر المتقين مع الفجار ... لأجل أن يبقى الإنسان في روضة متنوعة؛ ثم ليبقى الإنسان بين الخوف، والرجاء - لا يغلب عليه الخوف فيقنط من رحمة الله -؛ ولا الرجاء فيأمن مكر الله؛ فإذا سمع ذكر النار، ووعيدها، وعقوبتها أوجب له ذلك الخوف؛ وإذا سمع ذكر الجنة، ونعيمها، وثوابها أوجب له ذلك الرجاء؛ فترتيب القرآن من لدن حكيم خبير ؛ وهو الموافق لإصلاح القلوب؛ ولهذا نرى من الخطأ
стр. 888
الفادح أن يؤلف أحد القرآن مرتباً على الأبواب والمسائل كما صنعه بعض الناس؛ فإن هذا مخالف لنظم القرآن، والبلاغة، وعمل السلف؛ فالقرآن ليس كتاب فقه؛ ولكنه كتاب تربية، وتهذيب للأخلاق؛ فلا ترتيب أحسن من ترتيب الله؛ ولهذا كان ترتيب الآيات توقيفياً لا مجال للاجتهاد فيه؛ وكان النبي ﷺ إذا نزلت الآية قال: «ضعوا هذه الآية في مكان كذا من سورة كذا» (١).
﴿٢٠٧﴾ قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾؛ هذا هو القسيم لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك ... ﴾ [البقرة: ٢٠٤]؛ وعلى هذا تكون ﴿مِن﴾ للتبعيض؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ و ﴿من يشري﴾ مبتدأ مؤخر.
وقوله تعالى: ﴿من الناس﴾: قال بعض المفسرين: إنها تعني شخصاً معيناً؛ وهو صهيب الرومي لما أراد أن يهاجر من مكة منعه كفارها، وقالوا: لا يمكنك أن تهاجر أبداً إلا أن تدع لنا جميع ما تملك؛ فوافق على ذلك، وأنقذ نفسه بالهجرة ابتغاء مرضاة الله؛ وقال بعض العلماء - وهم أكثر المفسرين -: بل هي عامة لكل المؤمنين المجاهدين في سبيل الله؛ قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون﴾ [التوبة: ١١١]؛ وهذا القول أصح؛ وهو أنها للعموم حتى لو صح أن سبب نزولها قصة
стр. 889
صهيب؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله تعالى: ﴿من يشري نفسه﴾ أي يبيعها؛ لأن «شرى» بمعنى باع، كقوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ [يوسف: ٢٠] أي باعوه بثمن بخس؛ أما «اشترى» فهي بمعنى ابتاع؛ فإذا جاءت التاء فهي للمشتري الآخذ؛ وإذا حذفت التاء فهي للبائع المعطي؛ و ﴿نفسه﴾ يعني ذاته.
قوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾ أي طلباً لمرضات الله؛ فهي مفعول لأجله؛ و ﴿مرضات الله﴾ أي رضوانه أي يبيع نفسه في طلب رضا الله ؛ فيكون قد باع نفسه مخلصاً لله في هذا البيع.
قوله تعالى: ﴿والله رؤوف﴾ أي ذو رأفة؛ و «الرأفة» قال العلماء: هي أرق الرحمة، وألطفها؛ و ﴿بالعباد﴾ أي جميعهم.
وفي قوله تعالى: ﴿رؤوف﴾ قراءتان؛ إحداهما: مد الهمزة على وزن فعول؛ والثانية قصرها على وزن فعُل.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: تقسيم الناس إلى قسمين؛ القسم الأول: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ [البقرة: ٢٠٤]؛ والقسم الثاني: ﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾.
٢ - ومنها: بلاغة هذا القرآن حيث يجعل الأمور مثاني؛ إذا جاء الكلام عن شيء جاء الكلام عن ضده.
٣ - ومنها: فضل من باع نفسه لله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾.
стр. 890
٤ - ومنها: الإشارة إلى إخلاص النية؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾.
٥ - ومنها: إثبات الرضا لله؛ لقوله تعالى: ﴿مرضات الله﴾؛ ورضا الله صفة حقيقية لله متعلقة بمشيئته؛ وينكرها الأشاعرة وأشباههم من أهل التعطيل؛ ويحرفون المعنى إلى أن المراد برضا الله إما إثابته؛ أو إرادة الثواب.
٦ - ومنها: استحباب تقديم مرضاة الله على النفس؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام المدح، والثناء.
٧ - ومنها: إثبات الرأفة لله؛ لقوله تعالى: ﴿والله رؤوف بالعباد﴾.
٨ - ومنها: عموم رأفة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بالعباد﴾؛ هذا إذا كان ﴿العباد﴾ بالمعنى العام؛ أما إذا قلنا بالمعنى الخاص فلا يستفاد ذلك؛ واعلم أن العبودية لها معنيان: خاص؛ وعام؛ والخاص له أخص؛ وهو خاص الخاص؛ فمن العام قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾ [مريم: ٩٣]؛ وأما الخاص فمثل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً﴾ [الفرقان: ٦٣]؛ المراد بهم عباد الرحمن المتصفون بهذه الصفات؛ فيخرج من لم يتصف بها؛ وأما الأخص مثل قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]؛ هذه عبودية الأخص - عبودية الرسالة -.
* * *
انتهى المجلد الثاني من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد الثالث بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية ٢٠٨ من سورة البقرة
تفسير سورة البقرة من الآيه ٢٠٨ إلى الآيه ٢٨٦
стр. 891
القرآن
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة: ٢٠٨)
التفسير:
﴿٢٠٨﴾ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾: الخطاب للمؤمنين؛ وقد تَقدم أن الله تعالى إذا ابتدأ الحكم بالنداء فهو دليل على العناية به؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب؛ ولا يتطلب التنبيه إلا ما كان مهماً؛ فعندما أقول: «انتبه» يكون أقل مما لو قلت: «يا فلان انتبه»؛ ثم إذا كان الخطاب للذين آمنوا فإن في ذلك ثلاث فوائد سبق ذكرها (١).
قوله تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾؛ ﴿السلم﴾ فيها قراءتان: بفتح السين؛ وبكسرها؛ والمراد به الإسلام؛ وهو الاستسلام لله - تعالى - ظاهراً، وباطناً.
فإن قال قائل: كيف يقول: ﴿ادخلوا في السلم﴾ ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾؟ [الحجرات: ١٤]، قلنا: إن هذا الأمر مقيد بما بعد قوله: ﴿في السلم﴾؛ وهو قوله تعالى: ﴿كافة﴾؛ فيكون الأمر هنا منصباً على قوله تعالى: ﴿كافة﴾؛ و ﴿كافة﴾ اسم فاعل يطلق على من يكف غيره؛ فتكون التاء فيه للمبالغة، مثل: راوية، ساقية،
стр. 892
علامة ... وما أشبه ذلك؛ والتاء في هذه الأمثلة للمبالغة؛ فيكون ﴿كافة﴾ بمعنى كافاً؛ والتاء للمبالغة؛ قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨]، أي كافاً لهم عمَّا يضرهم لتخرجهم من الظلمات إلى النور.
وتأتي «كافة» بمعنى جميع، مثل «عامة»، كقوله ﷺ : «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» (١)؛ ووجه ارتباطها بالمعنى الأصلي - الذي هو الكف - أن الجماعة لها شوكة ومنعة تكف بجمعيتها من أرادها بسوء؛ وهنا قال تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ هل المراد ادخلوا في السلم جميعه، فتكون ﴿كافة﴾ حالاً من ﴿السلم﴾؛ أو ادخلوا أنتم جميعاً في السلم، وتكون ﴿كافة﴾ حالاً من الواو في قوله تعالى: ﴿ادخلوا﴾؟ الأقرب: المعنى الأول؛ لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعاً في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام؛ وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان؛ فالمعنى الأول هو الصواب أن ﴿كافة﴾ حال من ﴿السلم﴾ يعني ادخلوا في الإسلام كله؛ أي نفذوا أحكام الإسلام جميعاً، ولا تدعوا شيئاً من شعائره، ولا تفرطوا في شيء منها؛ وهذا مقتضى الإيمان؛ فإن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع شرائع الإسلام.
قوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾؛ نهي بعد أمر؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة؛ و ﴿خطوات﴾ جمع خُطوة؛ و «الخطوة» في الأصل هي ما بين القدمين عند مدِّهما في المشي.
стр. 893
قوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾: الجملة تعليلية مؤكدة بـ «إن»؛ فتفيد شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ والعدو من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد الوليّ؛ و ﴿مبين﴾ أي بيِّن العداوة؛ ويجوز أن تكون بمعنى مظهر للعداوة؛ لأن «أبان» الرباعية تصلح للمعنيين؛ ولا شك أن الشيطان بيِّن العداوة؛ ومظهر لعداوته؛ ألا ترى إلى إبائه السجود لأبينا آدم مع أن الله أمره به في جملة الملائكة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: فضل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ لأن هذا النداء تشريف وتكريم.
٢ - ومنها: أن الإيمان مقتض لامتثال الأمر؛ لأن الله صدَّر الأمر بهذا النداء؛ والحكم لا يقرن بوصف إلا كان لهذا الوصف أثر فيه؛ وهذه الفائدة مهمة؛ ولا شك أن الإيمان يقتضي امتثال أمر الله .
٣ - ومنها: وجوب تطبيق الشرع جملة، وتفصيلاً؛ لقوله تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾.
٤ - ومنها: أن الإنسان يؤمر بالشيء الذي هو متلبس به باعتبار استمراره عليه، وعدم الإخلال بشيء منه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾؛ ومثل هذا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله﴾ [النساء: ١٣٦] يعني: استمروا على ذلك.
٥ - ومنها: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾؛ والمعنى: أن لا نتبع الشيطان في سيره؛ لأن الله بين في آية أخرى أن الشيطان يأمر بالفحشاء،
стр. 894
والمنكر؛ وما كان كذلك فإنه لا يمكن لعاقل أن يتبعه؛ فلا يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؛ وأيضاً الشيطان لنا عدو، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو﴾ [فاطر: ٦]، ثم قال تعالى: ﴿فاتخذوه عدواً﴾؛ ولا أحد من العقلاء يتبع عدوه؛ إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدواً لنا، فليس من العقل - فضلاً عن مقتضى الإيمان - أن يتابعه الإنسان في خطواته -؛ وخطوات الشيطان بيَّنها الله : يأمر بـ «الفحشاء» - وهي عظائم الذنوب؛ و «المنكر» - وهو ما دونها من المعاصي؛ فكل معصية فهي من خطوات الشيطان؛ سواء كانت تلك المعصية من فعل المحظور، أو من ترك المأمور، فإنها من خطوات الشيطان؛ لكن هناك أشياء بين الرسول ﷺ أنها من فعل الشيطان، ونص عليها بعينها، مثل: الأكل بالشمال (١)، والشرب بالشمال (٢)، والأخذ بالشمال، والإعطاء بالشمال (٣)؛ وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (٤)؛ فهذه المنصوص عليها بعينها واضحة؛ وغير المنصوص عليها يقال فيها: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.
стр. 895
٦ - ومن فوائد الآية: تحريم التشبه بالكفار؛ لأن أعمال الكفار من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر؛ ولا أنكر من الكفر - والعياذ بالله -.
٧ - ومنها: شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾.
٨ - ومنها: أنه لا يمكن أن يأمرنا الشيطان بخير أبداً؛ إذ إن عدوك يسره مساءتك، ويغمه سرورك؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً﴾ [فاطر: ٦].
٩ - ومنها: قرن الحكم بعلته؛ لقوله تعالى: ﴿لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ ثم علل: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي لمن أتى بالأحكام أن يقرنها بالعلل التي تطمئن إليها النفس؛ فإن كانت ذات دليل من الشرع قرنها بدليل من الشرع؛ وإن كانت ذات دليل من العقل، والقياس قرنها بدليل من العقل، والقياس؛ وفائدة ذكر العلة أنه يبين سمو الشريعة وكمالها؛ وأنه تزيد به الطمأنينة إلى الحكم؛ وأنه يمكن إلحاق ما وافق الحكم في تلك العلة.
القرآن
(فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٠٩)
التفسير:
﴿٢٠٩﴾ قوله تعالى: ﴿فإن زللتم﴾ قال بعض العلماء: أي
стр. 896
عدلتم؛ وقال آخرون: أي ملتم؛ والمعنى متقارب؛ لأن العادل عن الشيء زال عنه.
قوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾؛ ﴿البينات﴾ صفة لموصوف محذوف - أي الآيات البينات -؛ وسمى الله ذلك زللاً؛ لأن في الميل، والعدول عن الحق هلكة، مثل لو زلّ الإنسان، وسقط في بئر مثلاً.
قوله تعالى: ﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾: هذا جواب الشرط؛ والمراد بالعلم أن نحذر ممن له العزة.
وذكر أهل العلم أن «العزيز» له ثلاثة معانٍ: عزة قدْر؛ وعزة قهر؛ وعزة امتناع؛ فعزة القدر - أي أنه عظيم القدر -؛ لقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ... ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية؛ أما عزة القهر فمعناها الغلبة - أي أنه غالب لا يغلبه شيء -؛ وهذا أظهر معانيها؛ وأما عزة الامتناع فمعناها أنه يمتنع أن يناله السوء - مأخوذ من قولهم: «أرض عزاز» أي قوية صلبة لا تؤثر فيها الأقدام -؛ وأما «الحكيم» أي ذو الحكم، والحكمة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: الوعيد على من زلّ بعد قيام الحجة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات﴾؛ فإن قيل: من أين يأتي الوعيد؟ قلنا: من قوله تعالى: ﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾؛ لأن من معاني «العزة» الغلبة، والقهر؛ و «الحكمة»: تنزيل الشيء في مواضعه؛ فإذا كان هناك غلبة وحكمة، فالمعنى: أنه سينزِّل بكم ما تتبين به عزته؛ لأن هذا هو مقتضى حكمته.
стр. 897
٢ - ومنها: أن الله تعالى أقام البينات بالعباد؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾.
٣ - ومنها: أنه لا تقوم الحجة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلا بعد قيام البينة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾؛ ولهذا شواهد كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان لا حجة عليه حتى تقوم عليه البينة.
٤ - ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من صفات؛ لقوله تعالى: ﴿فاعلموا﴾ علم اعتراف، وإقرار، وقبول، وإذعان؛ فمجرد العلم لا يكفي؛ ولهذا فإن أبا طالب كان يعلم أن النبي ﷺ على حق، وأنه رسول الله؛ لكنه لم يقبل، ولم يذعن؛ فلهذا لم ينفعه إقراره؛ فالإيمان ليس مجرد اعتراف بدون قبول وإذعان.
٥ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله - وهما «العزيز»، و «الحكيم» -؛ وإثبات ما تضمناه من صفة - وهي العزة، والحُكم، والحكمة.
القرآن
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (البقرة: ٢١٠)
التفسير:
﴿٢١٠﴾ قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾: الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ و ﴿ينظرون﴾ بمعنى ينتظرون؛ أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون الذين زلوا بعد ما جاءتهم البينات؛ وتأتي
стр. 898
بمعنى النظر بالعين؛ فإن عديت بـ «إلى» فهي للنظر بالعين؛ وإن لم تعدّ فهي بمعنى الانتظار؛ مثال المعداة بـ «إلى» قوله تعالى: ﴿لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ [آل عمران: ٧٧].
وقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ أي يأتيهم الله نفسه؛ هذا ظاهر الآية، ويجب المصير إليه؛ لأن كل فعل أضافه الله إليه فهو له نفسه؛ ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل من عند الله.
قوله تعالى: ﴿في ظلل من الغمام﴾؛ ﴿في﴾ معناها «مع»؛ يعني يأتي مصاحباً لهذه الظلل؛ وإنما أخرجناها عن الأصل الذي هو الظرفية؛ لأنا لو أخذناها على أنها للظرفية صارت هذه الظلل محيطة بالله ؛ والله أعظم، وأجلّ من أن يحيط به شيء من مخلوقاته؛ ونظير ذلك أن نقول: جاء فلان في الجماعة الفلانية أي معهم -؛ وإن كان هذا التنظير ليس من كل وجه؛ لأن فلاناً يمكن أن تحيط به الجماعة؛ ولكن الله لا يمكن أن يحيط به الظلل؛ وهذا الغمام يأتي مقدمة بين يدي مجيء الله ، كما قال تعالى: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥]؛ فالسماء تشقق - لا تنشق - كأنها تنبعث من كل جانب؛ وقيل إن ﴿في﴾ بمعنى الباء؛ فتكون كقوله تعالى: ﴿ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾ [التوبة: ٥٢]؛ وهذا قول باطل لمخالفته ظاهر الآية؛ و ﴿الغمام﴾: قالوا: إنه السحاب الأبيض الرقيق؛ لكن ليس كسحاب الدنيا؛ فالاسم هو الاسم؛ ولكن الحقيقة غير الحقيقة؛ لأن المسميات في الآخرة - وإن شاركت المسميات في الدنيا في الاسم - إلا أنها تختلف مثلما تختلف الدنيا عن الآخرة.
قوله تعالى: ﴿والملائكة﴾ بالرفع عطفاً على لفظ الجلالة؛
стр. 899
يعني: وتأتيهم الملائكة أيضاً محيطة بهم، كما قال الله تعالى: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]؛ وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير، وغيره (١) أن السماء تشقق؛ فتشقق السماء الدنيا بالغمام، وتنزل الملائكة، فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة ... ؛
كل من وراء الآخر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢٢] يعني صفاً بعد صف؛ ثم يأتي الرب للقضاء بين عباده؛ ذلك الإتيان الذي يليق بعظمته وجلاله؛ ولا أحد يحيط علماً بكيفيته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠]؛ وقد تقدم الكلام على الملائكة عند قوله تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ وبيَّنا أن الملائكة عالم غيبي مخلوقون من نور
стр. 900
خلقهم الله لعبادته يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
قوله تعالى: ﴿وقضي الأمر﴾: اختلف فيها المعربون؛ فمنهم من قال: إنها معطوفة على: ﴿أن يأتيهم فتكون في حيّز الأمر المنتظر بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله؛ وإلا أن يقضى الأمر؛ ولكنه أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوعه؛ وعلى هذا فيكون محل الجملة النصب؛ لأن «تأتيهم الملائكة» منصوبة - يعني: هل ينظرون إلا إتيانَ الله في ظلل من الغمام، وإتيانَ الملائكة، وانقضاءَ الأمر -؛ ومنهم من قال: إنها جملة مستأنفة؛ أي: وقد انتهى الأمر، ولا عذر لهم بعد ذلك، ولا حجة لهم؛ و ﴿الأمر﴾ بمعنى الشأن؛ أي قضي شأن الخلائق، وانتهى كل شيء، وصار أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة؛ ولهذا قال بعده: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾؛ وفي ﴿ترجع﴾ قراءتان؛ الأولى: بفتح التاء، وكسر الجيم؛ والثانية: بضم التاء، وفتح الجيم؛ والمتعلِّق هنا مقدم على المتعَلَّق به؛ لأن ﴿إلى الله﴾ متعلق بـ ﴿ترجع﴾؛ وتقديم المعمول يفيد الحصر، والاختصاص؛ أي إلى الله وحده لا إلى غيره ترجع الأمور - أمور الدنيا والآخرة - أي شؤونهما كلها: الدينية، والدنيوية، والجزائية، وكل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] فالأمور كلها ترجع إلى الله ؛ ومنها أن الناس يرجعون يوم القيامة إلى ربهم، فيحاسبهم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: وعيد هؤلاء بيوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ... ﴾ إلخ.
٢ - ومنها: أن الله تعالى لا يعذب هذه الأمة بعذاب عام؛
стр. 901
لأن الله جعل وعيد المكذبين يوم القيامة؛ ويدل لذلك آيات، وأحاديث؛ منها قول الله ﵎: ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ [القمر: ٤٦]، وقوله ﷺ : «أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأجابه» (١).
٣ - ومنها: إثبات إتيان الله يوم القيامة للفصل بين عباده؛ وهو إتيان حقيقي يليق بجلاله لا تُعلَم كيفيته، ولا يسأل عنها - كسائر صفاته -؛ قال الإمام مالك ﵀ وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»؛ هذا وقد ذهب أهل التعطيل إلى أن المراد بإتيان الله: إتيان أمره؛ وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا دليل إلا ما زعموه دليلاً عقلياً وهو في الحقيقة وهمي، وليس عقلياً؛ فنحن نقول: الذي نسب فعل الإتيان إليه هو الله ؛ وهو أعلم بنفسه؛ وهو يريد أن يبين لعباده، كما قال تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]؛ وإذا كان يريد أن يبين، وهو أعلم بنفسه، وليس في كلامه عِيٌّ، وعجز عن التعبير بما أراد؛ وليس في كلامه نقص في البلاغة؛ إذاً فكلامه في غاية ما يكون من العلم؛ وغاية ما يكون من إرادة الهدى؛ وغاية ما يكون من الفصاحة، والبلاغة؛ وغاية ما يكون من الصدق؛ فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه لا يراد به ظاهره؟! كلا؛ لا يمكن هذا إلا إذا قال الله هو عن نفسه أنه لم يرد ظاهره؛ إذاً المراد إتيان الله
стр. 902
نفسه؛ ولا يعارض ذلك أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره، مثل قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١]، ومثل قوله تعالى: ﴿أو يأتي أمر ربك﴾ [النحل: ٣٣]؛ لأننا نقول: إن هذا من أمور الغيب؛ والصفات توقيفية؛ فنتوقف فيها على ما ورد؛ فالإتيان الذي أضافه الله إلى نفسه يكون المراد به إتيانه بنفسه؛ والإتيان الذي أضافه الله إلى أمره يكون المراد به إتيان أمره؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما لا نعلم؛ بل علينا أن نتوقف فيما ورد على حسب ما ورد.
٤ - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.
٥ - ومنها: إثبات عظمة الله في قوله تعالى: ﴿في ظلل من الغمام﴾؛ فـ ﴿ظلل﴾ نكرة تدل على أنها ظلل عظيمة، وكثيرة؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] يعني تثور ثوراناً بهذا الغمام العظيم من كل جانب؛ كل هذا مقدمة لمجيء الجبار ؛ وهذا يفيد عظمة الباري .
٦ - ومنها: أن الملائكة أجسام خلافاً لمن زعم أن الملائكة قوى الخير، وأنهم أرواح بلا أجسام؛ والرد على هذا الزعم في القرآن والسنة كثير.
٧ - ومنها: أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء؛ فليس بعده شيء؛ إما إلى الجنة؛ وإما إلى النار؛ فلا أمل أن يستعتب الإنسان إذا كان من أهل النار ليكون من أهل الجنة؛ لكنه أتى بصيغة ما لم يسم فاعله لعظمة هذا الأمر؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين﴾ [هود: ٤٤].
٨ - ومنها: أن الأمور كلها ترجع إلى الله وحده؛ لقوله تعالى:
стр. 903
﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ أي الأمور الكونية، والشرعية؛ قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: ٤٠]؛ فالأمور كلها مرجعها إلى الله ﵎؛ وما ثبت فيه أنه يرجع فيه إلى الخلق فإنما ذلك بإذن الله؛ فالحكم بين الناس مرجعه القضاة؛ لكن كان القضاة مرجعاً للناس بإذن الله تعالى.
٩ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله - أي أنه يحدث من أفعاله ما شاء -؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾؛ وهذا مذهب السلف الصالح خلافاً لأهل التحريف والتعطيل الذين ينكرون هذا النوع، ويحرفونه إلى معان قديمة لمنعهم قيام الأفعال الاختيارية بالله ؛ ومذهبهم باطل بالسمع، والعقل؛ فالنصوص المثبتة لذلك لا تكاد تحصى؛ والعقل يقتضي كمال من يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء.
١٠ - ومن فوائد الآية: عظمة الله، وتمام سلطانه، وملكه؛ لقوله تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾.
القرآن
(سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة: ٢١١)
التفسير:
﴿٢١١﴾ قوله تعالى: ﴿سل﴾ أصلها اسأل؛ فنقلت حركة الهمزة إلى السين، ثم حذفت تخفيفاً؛ ثم حذفت همزة الوصل
стр. 904
لعدم الحاجة إليها؛ و ﴿كم﴾ استفهامية علقت الفعل ﴿سل﴾ عن العمل؛ فصارت هي، وجملتها في محل نصب؛ وأصله سل فلاناً عن كذا، وكذا؛ فعلقت الفعل عن المفعول الثاني؛ و ﴿كم﴾ تحتاج إلى مميِّز؛ لأن ﴿كم﴾ اسم مبهم تدل على عدد؛ والمعدود: قوله تعالى: ﴿من آية بينة﴾؛ و ﴿آتينا﴾ أي أعطينا؛ وهي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الهاء؛ والمفعول الثاني: محذوف؛ والتقدير: كم من آية بينة آتيناهموها؛ وعاد الضمير المحذوف إلى متأخر لفظاً؛ لأنه متقدم رتبة؛ إذ ﴿من آية﴾ كان حقها أن تكون بعد ﴿كم﴾؛ وجملة: ﴿ومن يبدل ... ﴾ شرطية؛ و ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم؛ ولهذا جزمت الفعل؛ وجوابه مفهوم من قوله تعالى: ﴿فإن الله شديد العقاب﴾؛ فالجملة هنا دالة على الجواب، وليست هي الجواب؛ لأن شدة عقاب الله ثابتة سواء بدلوا، أم لم يبدلوا.
قوله تعالى: ﴿سل بني إسرائيل﴾؛ الخطاب هل هو للرسول وحده؛ أو لكل من يتأتى خطابه؟ مثل هذه الخطابات تارة يقوم الدليل على أنها خاصة بالرسول ﷺ ، فتكون خاصة به؛ وتارة يقوم الدليل على أنها عامة له، ولغيره، فتكون عامة؛ وتارة لا يقوم الدليل على هذا، ولا على هذا؛ فالظاهر أنها عامة؛ لأن القرآن نزل للأمة إلى يوم القيامة؛ فمن أمثلة ما قام الدليل على أنها للرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ١ - ٤]؛ ومثال الذي قام الدليل على أنها عامة قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]؛ فقال تعالى: ﴿يا أيها النبي﴾؛ ولكن أمر بحكم عام، فقال تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن﴾؛ وأما المحتمل فهو كثير في القرآن؛ ومنه هذه الآية.
стр. 905
وقوله تعالى: ﴿سل﴾: أي سؤال توبيخ، وتبكيت؛ لإقامة الحجة عليهم ببيان نعم الله التي كان حقه عليهم أن يشكروها، ولكن بدلوها كفراً؛ وإلا فالظاهر أن الرسول ﷺ كان يعلم بما آتاهم الله من الآيات البينات؛ و ﴿بني إسرائيل﴾ أي بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ والمراد من ينتمي إليه؛ لا أبناء صلبه خاصة.
قوله تعالى: ﴿كم آتيناهم من آية بينة﴾؛ ﴿كم﴾ هذه تكثيرية - أي أعطيناهم آيات كثيرة -؛ والإيتاء هنا يشمل الإيتاء الشرعي، والإيتاء القدري الكوني؛ لأنهم أوتوا آيات بينات شرعية جاءت بها التوراة؛ وأوتوا آيات بينات كونية، كالعصا، واليد؛ و «الآية» بمعنى العلامة على الشيء؛ و ﴿بينة﴾ أي ظاهرة في كونها آية.
قوله تعالى: ﴿ومن يبدل نعمة الله﴾ أي ومن يجعل بدلها؛ والمفعول الثاني محذوف؛ تقديره: كفراً، كما يدل لذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾ [إبراهيم: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ أي قوي الجزاء بالعقوبة؛ وسمي الجزاء عقوبة، وعقاباً؛ لأنه يقع عقب الذنب مؤاخذة به.
وقوله تعالى: ﴿شديد العقاب﴾ هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، مثل أن تقول: حسن الوجه - يعني: ذو الوجه الحسن -؛ فهي صفة مشبهة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: بيان كثرة ما أعطاه الله بني إسرائيل من الآيات البينة الدالة على صدق رسله؛ لقوله تعالى: ﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾.
стр. 906
٢ - ومنها: تقريع بني إسرائيل الذين كفروا بآيات الله، وتوبيخهم؛ لأن المراد بالسؤال هنا سؤال توبيخ.
٣ - ومنها: أن الآيات من نعم الله؛ لأنها تحمل المرء على الإيمان؛ وفي الإيمان نجاته، وكرامته؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾.
٤ - ومنها: أن الآيات مبينة لما أتت دالةً عليه.
٥ - ومنها: التحذير من تبديل نعمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾ [البقرة: ٢١١]؛ والمراد: تبديل الشكر بالكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾.
٦ - ومنها: إثبات شدة العقاب من الله لمن بدل نعمته بالكفر؛ وهذا من تمام عدله وحكمته.
القرآن
(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (البقرة: ٢١٢)
التفسير:
﴿٢١٢﴾ قوله تعالى: ﴿زين﴾ مبني لما لم يسم فاعله؛ ونائب الفاعل ﴿الحياة الدنيا﴾؛ والتزيين جعل الشيء بهياً في عين الإنسان، أو في سمعه، أو في مذاقه، أو في فكره؛ المهم أن أصل التزيين جعل الشيء بهياً جميلاً جذاباً؛ والمزَيِّن إما أن يكون الله، كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا
стр. 907
لهم أعمالهم﴾ [النمل: ٤]؛ وإما أن يكون الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل﴾ [النمل: ٢٤]؛ ولا منافاة بين الأمرين؛ فإن الله زين لهم سوء أعمالهم؛ لأنهم أساءوا، كما يفيده قوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]؛ والتزيين من الله باعتبار التقدير؛ أما الذي باشر التزيين، ووسوس لهم بذلك فهو الشيطان.
قوله تعالى: ﴿للذين كفروا﴾، وفي آية أخرى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة ... ﴾ [آل عمران: ١٤] إلخ؛ فإما أن نحمل «الناس» على ﴿الذين كفروا﴾، ونقول: هو عام أريد به الخاص؛ أو نقول: إن ذكر بعض ألفاظ العام لا يقتضي التخصيص؛ فيكون ﴿زين للناس﴾ عموماً؛ وهنا ذكر الله تعالى تزيينه لبعض أفراد هذا الجنس وهم «الذين كفروا».
قوله تعالى: ﴿الحياة الدنيا﴾ يعني ما فيها من الشهوات، والملذات؛ وقد بين الله ذلك بقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾ [آل عمران: ١٤]؛ و ﴿الدنيا﴾ فُعلى - يعني أنه اسم تفضيل مؤنث مأخوذة من الدنو الذي هو ضد العلو -؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لوجهين: الأول: دنوّ مرتبتها؛ الثاني: سبقها على الآخرة؛ فهي أدنى منها لقربها، ودنوّ منزلتها؛ أما قربها وهو سبقها على الآخرة فظاهر معلوم لكل أحد؛ وأما دنوّ مرتبتها فلقول الرسول ﷺ : «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما
стр. 908
فيها» (١)؛ وموضع السوط مقدار متر تقريباً.
قوله تعالى: ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾؛ هذه الجملة يقولون: إنها حالية؛ يعني: زينت لهم والحال أنهم يسخرون من الذين آمنوا؛ و ﴿يسخرون﴾ يعني يجعلونهم محل سخرية، وازدراء، واحتقار؛ إما لِما يقومون به من الأعمال الصالحة؛ وإما لكونهم لم يؤتوا من الدنيا ما أوتي هؤلاء - على زعمهم -، كما قال تعالى: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢].
قوله تعالى: ﴿والذين اتقوا﴾ أي اتقوا ربهم ؛ و «التقوى» كثيراً ما ترد في القرآن الكريم؛ وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، عن علم وبصيرة.
قوله تعالى: ﴿فوقهم يوم القيامة﴾ أي فوقهم مرتبة، ومنزلة؛ وهذا ما أعاضهم الله به، حيث كان أولئك الذين كفروا يسخرون بهم في الدنيا، فجعلهم الله فوقهم يوم القيامة؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون﴾ [المطففين: ٣٤، ٣٥].
قوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ أي يعطي من يشاء من فضله بغير محاسبة على ذلك؛ فهم يأخذون أجرهم يوم القيامة مجاناً؛ لأن العوض قد سبق؛ ويحتمل أن المعنى بغير تقدير - أي لا يقدَّر لهم ذلك -؛ بل يعطون ما تشتهيه أنفسهم، كما قال ﵎: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم
стр. 909
أجر غير ممنون﴾ [الانشقاق: ٢٥] أي غير مقطوع؛ لأن رزق الله لا نهاية له لا سيما الرزق في الآخرة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: انخداع الكافرين بالحياة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾.
٢ - ومنها: أن الكفار عاشقون لها، وأنها هي همهم، وغرضهم؛ لأن ما زين للشخص فلا بد أن يكون الشخص مهتماً به طالباً له.
٣ - ومنها: أن المؤمنين ليست الدنيا في أعينهم شيئاً؛ لقوله تعالى: ﴿للذين كفروا﴾؛ ولهذا كان الرسول ﷺ إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول: «لبيك! إن العيش عيش الآخرة» (١) لتوجيه النفس إلى إجابة الله؛ لا إلى إجابة رغبتها، ثم يقنع النفس أيضاً: أني ما صددتك وأجبت الرب إلا لخير؛ لأن العيش عيش الآخرة؛ والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا؛ ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة﴾ [الزمر: ١٥]؛ هذه هي الخسارة: خسروا أنفسهم؛ لأن مآلهم النار - والعياذ بالله -؛ وأهلوهم أيضاً الذين في النار لا يهتم بعضهم ببعض؛ كل - والعياذ بالله - شقيّ فيما هو فيه؛
стр. 910
والحاصل أنا نقول: ينبغي لكل إنسان حين يرى في الدنيا ما يعجبه أن يقول كما قال الرسول ﷺ .
٤ - ومن فوائد الآية: حقارة الدنيا؛ لوصفها بالدنيا؛ وهي من الدنوّ زمناً، ورتبة؛ زمناً؛ لأنها قبل الآخرة؛ ورتبة؛ لأنها قليل بالنسبة للآخرة؛ ولهذا لا تجد في الدنيا حال سرور إلا مشوباً بتنغيص قبله، وبعده؛ لكن هذا التنغيص بالنسبة للمؤمن خير؛ لأن له فيه أجراً، كما أخبر الرسول ﷺ في قوله: «عجباً للمؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له؛ وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له» (١)؛ والمؤمن إذا ابتلي بالبلاء الجسمي، أو النفسي يقول: هذه نعمة من الله يكفِّر الله بها عني سيئاتي؛ فإذا أحس هذا الإحساس صار هذا الألم نعمة؛ لأن الإنسان خطّاء دائماً؛ وهذه الأشياء لا شك أنها - والحمد لله - تكفير للسيئات؛ فإن صبر واحتسب صارت رفعة للدرجات؛ فالآلام، والبلايا، والهم، والغم، تكفير بكل حال؛ ولكن مع الصبر والاحتساب يكون عملاً صالحاً يثاب عليه، ويؤجر عليه.
٥ - ومن فوائد الآية: أن لا نركن إلى هذه الحياة، ونطمئن إليها؛ بل نجعل همتنا منصرفة إلى الدار الآخرة؛ وهذا لا ينافي أن نتمتع وننعم بما أحل الله لنا مع الاستقامة في ديننا.
٦ - ومنها: أن الكفار لا يزالون يسلطون أنفسهم على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ويسخرون﴾ بالفعل المضارع؛ لأن
стр. 911
المضارع يدل على الاستمرار، والحال، والاستقبال؛ فهم دائماً في سخرية من الذين آمنوا.
٧ - ومنها: أن العبرة بكمال النهاية؛ لقوله تعالى: ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾.
٨ - ومنها: تثبيت المؤمنين، وترسيخ أقدامهم في إيمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ يعني: اصبروا؛ فإن هذا دأبهم وشأنهم أن يسخروا منكم؛ فما دمتم تعرفون أن هذه عادة الكفار فإن الإنسان يصبر؛ إذا عرف الإنسان أن هذا شيء لا بد منه يكون مستعداً له، وقابلاً له، وغير متأثر.
٩ - ومنها: البشرى للمؤمنين الذين اتقوا أنهم فوق الكفار يوم القيامة.
١٠ - ومنها: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء﴾ فتسمى هذه الأفعال في كتب العقائد الأفعال الاختيارية - يعني المتعلقة بمشيئة الله -؛ وهي ثابتة لله على وجه الحقيقة؛ وأمثلتها في القرآن كثيرة.
١١ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ وكل ما في الكون واقع بمشيئة الله؛ والمشيئة تختلف عن الإرادة بأنها لا تنقسم إلى كونية، وشرعية؛ بل هي كونية محضة؛ فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن سواء كان مما يحبه، أو مما لا يحبه؛ قوله تعالى: ﴿من يشأ الله يضلله﴾ [الأنعام: ٣٩]؛ فهذا لا يحبه؛ وقوله تعالى: ﴿ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩]: فهذا يحبه؛ وكل فعل علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ ودليل ذلك سمعي،
стр. 912
وعقلي؛ فمن السمع: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فدل هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة؛ وأما العقل فلأن الله سمى نفسه بأنه «حكيم»؛ والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة.
١٢ - ومن فوائد الآية: كثرة رزق الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بغير حساب﴾ بمعنى أنه يعطي عطاءً لا يبلغه الحساب، كما قال تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١].
القرآن
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة: ٢١٣)
التفسير:
﴿٢١٣﴾ قوله تعالى: ﴿أمة﴾ خبر ﴿كان﴾؛ و ﴿مبشرين﴾ حال من المفعول به؛ وهو ﴿النبيين﴾.
قوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾؛ ﴿أمة﴾ هنا بمعنى طائفة؛ و ﴿كان﴾ أي فيما مضى من قبل أن تبعث الرسل إليهم كانوا طائفة واحدة على دين واحد؛ وهذا الدين الواحد هو دين الإسلام؛ لأن آدم نبي موحًى إليه بشريعة يتعبد بها؛ فصار يتعبد بها، واتبعه أبناؤه على ذلك؛ ثم بعد مدة من الزمن كثر الناس،
стр. 913
واختلفت الأهواء، فاختلفوا؛ فحينئذ صاروا بحاجة إلى بعث الرسل؛ فبعث الله الرسل مبشرين، ومنذرين .. إلخ.
قوله تعالى: ﴿فبعث الله النبيين﴾: الفاء هنا عاطفة؛ والمعطوف عليه محذوف معلوم من السياق اللاحق، كقوله تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ [يونس: ١٩]؛ وعلى كل حال لا بد أن يكون المعنى أنهم اختلفوا؛ فبُعث الرسل؛ ونظير هذا من المحذوف الذي يعينه السياق قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة﴾ [البقرة: ١٨٥]: فالمريض والمسافر ليس عليهما العدة لو صاما؛ إذاً لا بد أن نقدر: فأفطر فعليه عدة؛ و «بعث» بمعنى أرسل، كقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ [الحديد: ٢٥]؛ والمراد بـ ﴿النبيين﴾ هنا الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾.
وقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾: هذان حالان؛ لأن الرسل يأتون بالبشارة والنذارة في آن واحد؛ يعني: ليس بعض الرسل مبشراً، والآخر منذراً؛ بل كل واحد جامع بين التبشير، والإنذار؛ أي مبشرين بثواب الله لمن استحقه؛ ومنذرين بعقاب الله من خالف أمره؛ قال الله ﵎: ﴿لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً﴾ [الكهف: ٢]؛ فهنا بينت الآية المبشَّر، والمبشَّر به؛ فالمبشَّر: المؤمنون الذين يعملون الصالحات؛ والمبشَّر به: أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً * ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ [الكهف: ٤، ٥]؛ فالمنذَر: هم الكفار؛ والمنذر به: العذاب.
стр. 914
قوله تعالى: ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾؛ المعية هنا للمصاحبة؛ والمعية كلما أطلقت فهي للمصاحبة؛ لكنها في كل موضع بحسبه؛ و ﴿الكتاب﴾ هنا مفرد يراد به الجنس؛ فيعم كل كتاب؛ إذ لكل رسول كتاب؛ وقد زعم بعض المفسرين أن قوله تعالى: ﴿أنزل معهم﴾ أي مع بعضهم؛ وقال: ليس كل الرسل معهم كتاب؛ ولكن هذا خلاف ظاهر القرآن؛ وقد قال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فظاهر الآية أن مع كل رسول كتاباً؛ وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلغه إلى الناس؛ ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها - وحتى في منهاجها -، ولا يكون فيها إلا اختلاف يسير، كما في شريعة التوراة والإنجيل؛ فإن هذا لا يضر؛ المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب؛ و «كتاب» بمعنى مكتوب؛ فمنه ما نعلم أن الله كتبه؛ ومنه ما لا نعلم أن الله كتبه لكن تكلم به.
قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ الباء للمصاحبة متعلقة بـ ﴿أنزل﴾ أي ما جاءت به الكتب فهو حق؛ ويحتمل أن المعنى أن الكتب نفسها حق من عند الله؛ وليست مفتراة عليه؛ وكلا المعنيين صحيح؛ فهي حق من عند الله؛ وما جاءت به من الشرائع، والأخبار فهو حق؛ و «الحق» أي الثابت النافع؛ وضده الباطل الذي يزول، ولا ينفع؛ والحق الثابت في الكتب المنزلة من عند الله: بالنسبة للأخبار هو الصدق المطابق للواقع؛ وبالنسبة للأحكام فإنه العدل المصلح للخلق في معاشهم، ومعادهم، كما
стр. 915
قال الله ﵎: ﴿وتمَّت كلمة ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
قوله تعالى: ﴿ليحكم﴾ الضمير يعود على الكتاب؛ أو على النبيين؛ أو على الله؛ يعني: ليحكم هو - أي الله -؛ أو ليحكم الكتاب باعتبار أنه وسيلة الحكم؛ أو ليحكم النبي باعتبار أنه الذي معه الكتاب؛ ولكن هنا إشكال: وهو أن ﴿ليحكم﴾ مفرد؛ و ﴿النبيين﴾ جمع؛ لكن قالوا: لما كان النبيون جمعاً؛ والجمع له أفراد، صار ﴿ليحكم﴾ أي كل فرد منهم.
قوله تعالى: ﴿بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ فبعضهم قال: الحق كذا؛ وبعضهم قال: الحق كذا؛ خصمان لا بد بينهما من حَكَم؛ وهو ما جاءت به الرسل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ و «ما» اسم موصول؛ واسم الموصول من ألفاظ العموم؛ فيشمل كل ما اختلف فيه الناس من الدقيق والجليل، في مسائل الدين والدنيا.
قوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه﴾ أي في الكتاب؛ ﴿إلا الذين أوتوه﴾، ﴿الذين﴾ فاعل ﴿اختلف﴾؛ لأن الاستثناء مفرغ. ﴿اوتوه﴾ أي أعطوه؛ والمراد بهم هنا الأمم؛ ﴿من بعد ما جاءتهم﴾ متعلقة بقوله تعالى: ﴿وما اختلف﴾ أي وما اختلف فيه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً إلا الذين أوتوه؛ أي من بعد ما جاءت هذه الأمم الذين اختلفوا؛ ﴿البينات﴾ أي الآيات البينات الدالة على صدق الرسل؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة: ٤].