← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المضارع يدل على الاستمرار، والحال، والاستقبال؛ فهم دائماً في سخرية من الذين آمنوا. ٧ - ومنها: أن العبرة بكمال النهاية؛ لقوله تعالى: ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾. ٨ - ومنها: تثبيت المؤمنين، وترسيخ أقدامهم في إيمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ يعني: اصبروا؛ فإن هذا دأبهم وشأنهم أن يسخروا منكم؛ فما دمتم تعرفون أن هذه عادة الكفار فإن الإنسان يصبر؛ إذا عرف الإنسان أن هذا شيء لا بد منه يكون مستعداً له، وقابلاً له، وغير متأثر. ٩ - ومنها: البشرى للمؤمنين الذين اتقوا أنهم فوق الكفار يوم القيامة. ١٠ - ومنها: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء﴾ فتسمى هذه الأفعال في كتب العقائد الأفعال الاختيارية - يعني المتعلقة بمشيئة الله -؛ وهي ثابتة لله على وجه الحقيقة؛ وأمثلتها في القرآن كثيرة. ١١ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ وكل ما في الكون واقع بمشيئة الله؛ والمشيئة تختلف عن الإرادة بأنها لا تنقسم إلى كونية، وشرعية؛ بل هي كونية محضة؛ فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن سواء كان مما يحبه، أو مما لا يحبه؛ قوله تعالى: ﴿من يشأ الله يضلله﴾ [الأنعام: ٣٩]؛ فهذا لا يحبه؛ وقوله تعالى: ﴿ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩]: فهذا يحبه؛ وكل فعل علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ ودليل ذلك سمعي،

стр. 912

وعقلي؛ فمن السمع: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فدل هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة؛ وأما العقل فلأن الله سمى نفسه بأنه «حكيم»؛ والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة. ١٢ - ومن فوائد الآية: كثرة رزق الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بغير حساب﴾ بمعنى أنه يعطي عطاءً لا يبلغه الحساب، كما قال تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١]. القرآن (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة: ٢١٣) التفسير: ﴿٢١٣﴾ قوله تعالى: ﴿أمة﴾ خبر ﴿كان﴾؛ و ﴿مبشرين﴾ حال من المفعول به؛ وهو ﴿النبيين﴾. قوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾؛ ﴿أمة﴾ هنا بمعنى طائفة؛ و ﴿كان﴾ أي فيما مضى من قبل أن تبعث الرسل إليهم كانوا طائفة واحدة على دين واحد؛ وهذا الدين الواحد هو دين الإسلام؛ لأن آدم نبي موحًى إليه بشريعة يتعبد بها؛ فصار يتعبد بها، واتبعه أبناؤه على ذلك؛ ثم بعد مدة من الزمن كثر الناس،

стр. 913

واختلفت الأهواء، فاختلفوا؛ فحينئذ صاروا بحاجة إلى بعث الرسل؛ فبعث الله الرسل مبشرين، ومنذرين .. إلخ. قوله تعالى: ﴿فبعث الله النبيين﴾: الفاء هنا عاطفة؛ والمعطوف عليه محذوف معلوم من السياق اللاحق، كقوله تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ [يونس: ١٩]؛ وعلى كل حال لا بد أن يكون المعنى أنهم اختلفوا؛ فبُعث الرسل؛ ونظير هذا من المحذوف الذي يعينه السياق قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة﴾ [البقرة: ١٨٥]: فالمريض والمسافر ليس عليهما العدة لو صاما؛ إذاً لا بد أن نقدر: فأفطر فعليه عدة؛ و «بعث» بمعنى أرسل، كقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ [الحديد: ٢٥]؛ والمراد بـ ﴿النبيين﴾ هنا الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾. وقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾: هذان حالان؛ لأن الرسل يأتون بالبشارة والنذارة في آن واحد؛ يعني: ليس بعض الرسل مبشراً، والآخر منذراً؛ بل كل واحد جامع بين التبشير، والإنذار؛ أي مبشرين بثواب الله لمن استحقه؛ ومنذرين بعقاب الله من خالف أمره؛ قال الله ﵎: ﴿لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً﴾ [الكهف: ٢]؛ فهنا بينت الآية المبشَّر، والمبشَّر به؛ فالمبشَّر: المؤمنون الذين يعملون الصالحات؛ والمبشَّر به: أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً * ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ [الكهف: ٤، ٥]؛ فالمنذَر: هم الكفار؛ والمنذر به: العذاب.

стр. 914

قوله تعالى: ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾؛ المعية هنا للمصاحبة؛ والمعية كلما أطلقت فهي للمصاحبة؛ لكنها في كل موضع بحسبه؛ و ﴿الكتاب﴾ هنا مفرد يراد به الجنس؛ فيعم كل كتاب؛ إذ لكل رسول كتاب؛ وقد زعم بعض المفسرين أن قوله تعالى: ﴿أنزل معهم﴾ أي مع بعضهم؛ وقال: ليس كل الرسل معهم كتاب؛ ولكن هذا خلاف ظاهر القرآن؛ وقد قال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فظاهر الآية أن مع كل رسول كتاباً؛ وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلغه إلى الناس؛ ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها - وحتى في منهاجها -، ولا يكون فيها إلا اختلاف يسير، كما في شريعة التوراة والإنجيل؛ فإن هذا لا يضر؛ المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب؛ و «كتاب» بمعنى مكتوب؛ فمنه ما نعلم أن الله كتبه؛ ومنه ما لا نعلم أن الله كتبه لكن تكلم به. قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ الباء للمصاحبة متعلقة بـ ﴿أنزل﴾ أي ما جاءت به الكتب فهو حق؛ ويحتمل أن المعنى أن الكتب نفسها حق من عند الله؛ وليست مفتراة عليه؛ وكلا المعنيين صحيح؛ فهي حق من عند الله؛ وما جاءت به من الشرائع، والأخبار فهو حق؛ و «الحق» أي الثابت النافع؛ وضده الباطل الذي يزول، ولا ينفع؛ والحق الثابت في الكتب المنزلة من عند الله: بالنسبة للأخبار هو الصدق المطابق للواقع؛ وبالنسبة للأحكام فإنه العدل المصلح للخلق في معاشهم، ومعادهم، كما

стр. 915

قال الله ﵎: ﴿وتمَّت كلمة ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. قوله تعالى: ﴿ليحكم﴾ الضمير يعود على الكتاب؛ أو على النبيين؛ أو على الله؛ يعني: ليحكم هو - أي الله -؛ أو ليحكم الكتاب باعتبار أنه وسيلة الحكم؛ أو ليحكم النبي باعتبار أنه الذي معه الكتاب؛ ولكن هنا إشكال: وهو أن ﴿ليحكم﴾ مفرد؛ و ﴿النبيين﴾ جمع؛ لكن قالوا: لما كان النبيون جمعاً؛ والجمع له أفراد، صار ﴿ليحكم﴾ أي كل فرد منهم. قوله تعالى: ﴿بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ فبعضهم قال: الحق كذا؛ وبعضهم قال: الحق كذا؛ خصمان لا بد بينهما من حَكَم؛ وهو ما جاءت به الرسل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ و «ما» اسم موصول؛ واسم الموصول من ألفاظ العموم؛ فيشمل كل ما اختلف فيه الناس من الدقيق والجليل، في مسائل الدين والدنيا. قوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه﴾ أي في الكتاب؛ ﴿إلا الذين أوتوه﴾، ﴿الذين﴾ فاعل ﴿اختلف﴾؛ لأن الاستثناء مفرغ. ﴿اوتوه﴾ أي أعطوه؛ والمراد بهم هنا الأمم؛ ﴿من بعد ما جاءتهم﴾ متعلقة بقوله تعالى: ﴿وما اختلف﴾ أي وما اختلف فيه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً إلا الذين أوتوه؛ أي من بعد ما جاءت هذه الأمم الذين اختلفوا؛ ﴿البينات﴾ أي الآيات البينات الدالة على صدق الرسل؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة: ٤].

стр. 916

قوله تعالى: ﴿بغياً بينهم﴾ مفعول لأجله عامله ﴿اختلف﴾؛ و «البغي» هو العدوان. قوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا﴾: المراد بالهداية هنا: هداية التوفيق المسبوقة بهداية العلم، والإرشاد؛ لأن الجميع قد جاءتهم الرسل بالكتب، وبينت لهم؛ لكن لم يوفق منهم إلا من هداهم الله؛ و «الإيمان» في اللغة: التصديق؛ ولكنه في الشرع التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ وليس مجرد التصديق إيماناً؛ إذ لو كان مجرد التصديق إيماناً لكان أبو طالب مؤمناً لأنه كان يقر بأن محمداً ﷺ صادق، ويقول: (لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل) لكنه لم يَقبل، ولم يُذعن، فلم يكن مؤمناً. قوله تعالى: ﴿لما اختلفوا فيه﴾ أي للذي اختلفوا فيه؛ والضمير في قوله تعالى: ﴿اختلفوا﴾ يعود إلى الذين أوتوا الكتاب؛ وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿من الحق﴾ في موضع نصب على الحال بياناً لـ «ما» التي هي اسم موصول؛ ويبين أن الجار والمجرور بيان لها أنك لو قلت: «فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلفوا فيه» يستقيم المعنى؛ ومن هنا نعرف أن ﴿مِن﴾ في قوله تعالى: ﴿من الحق﴾ ليس للتبعيض؛ ولكنها لبيان الإبهام الكائن في «ما» الموصولة؛ و ﴿بإذنه﴾ أي بمشيئته، وإرادته؛ ولكنه لا يشاء شيئاً إلا لحكمة. قوله تعالى: ﴿والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾: الهداية هنا بمعنى الدلالة، والتوفيق؛ فهي شاملة للنوعين؛ وقوله

стр. 917

تعالى: ﴿من يشاء﴾ يعني ممن يستحق الهداية؛ لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته؛ فهو يهدي من يشاء إذا كان أهلاً للهداية؛ كما أنه يجعل الرسالة في أهلها فإنه يجعل الهداية في أهلها، كما قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]، كذلك هو أعلم حيث يجعل هدايته. وقوله تعالى: ﴿الصراط﴾ فيها قراءتان: بالصاد، والسين؛ وهما سبعيتان؛ و ﴿الصراط﴾ في اللغة هو الطريق الواسع؛ وسمي صراطاً - وقد يقال -: «زراطاً» بالزاي؛ لأنه يبتلع سالكه بسرعة دون ازدحام، ولا مشقة، كما أنك إذا بلعت اللقمة بسرعة يقال: «زرطها»؛ وقال بعضهم: هو الطريق الواسع المستقيم؛ لأن المعوج لا يحصل فيه العبور بسهولة؛ وجعل قوله تعالى: ﴿مستقيم﴾ صفة مؤكدة؛ وعلى كل حال «الصراط المستقيم» الذي ذكره بينه في سورة الفاتحة في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾؛ فهو الصراط الذي يجمع بين العلم، والعمل؛ وإن شئت فقل: بين الهدى، والرشد؛ بخلاف الطريق غير المستقيم الذي يحرم فيه السالك الهدى، كطريق النصارى؛ أو يحرم فيه الرشد، كطريق اليهود. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن دين الإسلام هو الفطرة؛ لقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾؛ فقبل أن يحصل ما يفتنهم كانوا على دين واحد - دين الإسلام -.

стр. 918

٢ - ومنها: الحكمة في إرسال الرسل؛ وهي التبشير، والإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾. ٣ - ومنها: أن النبوة لا تنال بالكسب؛ وإنما هي فضل من الله؛ لقوله تعالى: ﴿فبعث الله النبيين﴾. ٤ - ومنها: أن من يوصف بالتبشير إنما هم الرسل، وأتباعهم؛ وأما ما تسمى به دعاة النصرانية بكونهم مبشرين فهم بذلك كاذبون؛ إلا أن يراد أنهم مبشرون بالعذاب الأليم، كما قال تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]؛ وأحق وصف يوصف به هؤلاء الدعاة أن يوصفوا بالمضللين، أو المنَصِّرين؛ وما نظير ذلك إلا نظير من اغتر بتسمية النصارى بالمسيحيين؛ لأن لازم ذلك أنك أقررت أنهم يتبعون المسيح، كما إذا قلت: «فلان تميمي»؛ إذاً هو من بني تميم؛ والمسيح ابن مريم يتبرأ من دينهم الذي هم عليه الآن كما قال تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ... ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى قوله تعالى: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ... ﴾ [المائدة: ١١٧] الآيتين؛ ولأنهم ردوا بشارة عيسى بمحمد ﷺ ، وكفروا بها؛ فكيف تصح نسبتهم إليه؟!! والحاصل أنه ينبغي للمؤمن أن يكون حذراً يقظاً لا يغتر بخداع المخادعين، فيجعل لهم من الأسماء، والألقاب ما لا يستحقون. ٥ - ومنها: أن الشرائع التي جاءت بها الرسل تنقسم إلى أوامر، ونواهي؛ لقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾؛ لأن الإنذار:

стр. 919

عن الوقوع في المخالفة؛ والبشارة: لمن امتثل، وأطاع. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الكتب نازلة من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾. ٧ - ومنها: علو الله ؛ لأنه إذا كانت الكتب نازلة من عنده لزم أن يكون هو عالياً؛ لأن النزول يكون من فوق إلى تحت. ٨ - ومنها: أن الواجب الرجوع إلى الكتب السماوية عند النزاع؛ لقوله تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ وإلا لضاعت فائدة الكتب المنزلة؛ ومن المعلوم أن الكتاب المنزل على محمد ﷺ مصدق لما بين يديه من الكتاب، ومهيمن عليه؛ فيجب الرجوع إليه وحده؛ لأن ما سبقه منسوخ به. ٩ - ومنها: رحمة الله بالعباد، حيث لم يكلهم إلى عقولهم؛ لأنهم لو وكِلوا إلى عقولهم لفسدت السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن﴾ [المؤمنون: ٧١]؛ فكل إنسان يقول: العقل عندي؛ والصواب معي؛ ولكن الله تعالى بعث النبيين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. ١٠ - ومنها: أن الناس لو رجعوا إلى الكتاب المنزل عليهم لحصل بينهم الاجتماع، والائتلاف. ١١ - ومنها: أن الخلاف بين الناس كائن لا محالة؛ لقوله تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ ويدل على ذلك

стр. 920

قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ [التغابن: ٢]؛ ولولا هذا ما قامت الدنيا؛ ولا الدين؛ ولا قام الجهاد؛ ولا قام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ ولم يمتحن الصادق من الكاذب. ١٢ - ومن فوائد الآية: أن أولئك الذين اختلفوا في الشرع كانوا قد أوتوا الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم﴾. ويتفرع على هذه الفائدة أن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ١٣ - ومن فوائد الآية: كمال التوبيخ واللوم على هؤلاء ما هو ظاهر؛ لأنه كان الواجب، والأحرى بهؤلاء الذين أوتوه ألا يختلفوا فيه؛ بل يتفقوا عليه؛ لكنهم اختلفوا فيه مع تفضل الله عليهم بإيتائه؛ لقوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه﴾. ١٤ - ومنها: بيان ضعف ما يروى عن الرسول ﷺ أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» (١)؛ فالاختلاف ليس برحمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]؛ نعم، دخول المختلفين تحت عفو الله رحمة إذا اجتهدوا، حيث إن الله لم يعذب المخطئ؛ فالمختلفون تسعهم الرحمة إذا كانوا مجتهدين؛ لأن من اجتهد فأصاب فله أجران؛ ومن اجتهد فأخطأ فله أجر؛ أما أن نقول: «إن الخلاف بين الأمة رحمة» فلا.

стр. 921

١٥ - ومنها: أن فعل الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات إنما كان ذلك بغياً منهم؛ لقوله تعالى: ﴿بغياً بينهم﴾؛ فالذين اختلفوا في محمد ﷺ من اليهود والنصارى إنما كان اختلافهم بغياً وعدواناً؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ وكذلك الذين اختلفوا في محمد ﷺ من قريش كان كفرهم بغياً وعدواناً. ١٦ - ومنها: أن كل مخالف للحق بعد ما تبين له فهو باغٍ ضال - وإن قال: أنا لا أريد البغي، ولا أريد العدوان -. ١٧ - ومنها: أنه متى تبين الحق وجب اتباعه - ولو كان قد قال بخلافه من قبل -؛ فيدور مع الحق حيث دار. ١٨ - ومنها: رحمة الله بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾. ١٩ - ومنها: أن الإيمان سبب للهداية للحق. ٢٠ - ومنها: أنه كلما قوي إيمان العبد كان أقرب إلى إصابة الحق؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ... ﴾؛ لأن الله علق الهداية على وصف الإيمان؛ وما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه؛ ولهذا كان الصحابة أقرب إلى الحق ممن بعدهم لا في التفسير، ولا في أحكام أفعال المكلفين، ولا في العقائد أيضاً؛ لأن الهداية للحق علقت بالإيمان؛ ولا شك أن الصحابة أقوى الناس إيماناً؛ قال الرسول ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)، ولهذا ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن قول

стр. 922

الصحابي حجة ما لم يخالف النص؛ فإن خالف نصاً فليس بحجة؛ أو يخالفه صحابي آخر؛ فإن خالفه صحابي آخر نظر في الترجيح أيهما أقرب إلى الصواب. ٢١ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على المرء الذي هداه الله ألا يعجب بنفسه، وألا يظن أن ذلك من حوله، وقوته؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله﴾، ثم قال تعالى: ﴿بإذنه﴾ أي أمره الكوني القدري؛ ولولا ذلك لكانوا مثل هؤلاء الذين ردوا الحق بغياً وعدواناً. ٢٢ - ومنها: الإيماء إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الهداية من الله؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا﴾. ٢٣ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله﴾، وكذلك لقوله تعالى: ﴿بإذنه﴾. ٢٤ - ومنها: أن أفعال العباد واقعة بإرادة الله وخلقه. ٢٥ - ومنها: أن إذن الله نوعان: كوني، وشرعي؛ وسبق بيانهما في قوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ [البقرة: ٩٧]. ٢٦ - ومنها: إثبات مشيئة الله في أفعال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿والله يهدي من يشاء﴾. ٢٧ - ومنها: أن كل ما سوى الشرع فهو طريق معوج؛ لقوله تعالى: ﴿إلى صراط مستقيم﴾. ٢٨ - ومنها: أن الشرع لا ضيق فيه، ولا اعوجاج، ولا تعب؛ لأنه صراط واسع، ومستقيم.

стр. 923

٢٩ - ومنها: الإشارة إلى الطرق الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في سورة الفاتحة؛ وهي طريق الذين أنعم الله عليهم؛ وطريق المغضوب عليهم؛ وطريق الضالين؛ الذين أنعم الله عليهم: هم الرسل، وأتباعهم؛ والمغضوب عليهم: اليهود، وأمثالهم؛ والضالون: النصارى، وأمثالهم؛ وهذا بالنسبة للنصارى قبل أن يبعث الرسول ﷺ ؛ أما لما بعث الرسول ﷺ ، وكذبوه صاروا من المغضوب عليهم كاليهود بالنسبة لدين المسيح؛ لأن اليهود كانوا مغضوباً عليهم، حيث جاءهم عيسى فكذبوه بعد أن علموا الحق؛ وبعد ... ما بعث عيسى واتبعه النصارى وطال الأمد، ابتدعوا ما ابتدعوا من الدين، فضلُّوا؛ فصاروا ضالين؛ لكن لما بعث محمد ﷺ كذبوه، وأنكروه؛ فصاروا من المغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق، وخالفوه. القرآن (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: ٢١٤) التفسير: ﴿٢١٤﴾ قوله تعالى: ﴿أم حسبتم﴾؛ ﴿أم﴾ من حروف العطف؛ وهي هنا منقطعة بمعنى «بل»؛ يقدر بعده همزة الاستفهام؛ أي: بل أحسبتم؛ فهي إذاً للإضراب الانتقالي؛ وهو الانتقال من كلام إلى آخر؛ و ﴿حسبتم﴾ بمعنى ظننتم؛ وعلى هذا

стр. 924

فتنصب المفعولين؛ قال بعض النحويين: إن ﴿أنْ﴾، وما دخلت عليه تسد مسد المفعولين؛ وقال آخرون: بل إن ﴿أنْ﴾، وما دخلت عليه تسد مسد المفعول الأول؛ ويكون المفعول الثاني محذوفاً دل عليه السياق؛ فإذا قلنا بالأول فالأمر واضح لا يحتاج إلى تقدير شيء آخر؛ وإذا قلنا بالثاني يكون التقدير: أم حسبتم دخولكم الجنة حاصلاً ... والخطاب في قوله تعالى: ﴿أم حسبتم﴾ يعود على كل من يتوجه إليه الخطاب: إلى النبي ﷺ ، وإلى الصحابة، وإلى من بعدهم. قوله تعالى: ﴿أن تدخلوا الجنة﴾؛ «الجنة» في اللغة: البستان كثير الأشجار؛ وفي الشرع: هي الدار التي أعدها الله للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قوله تعالى: ﴿ولما يأتكم﴾؛ ﴿لما﴾ حرف نفي، وجزم، وقلب؛ والفرق بينها وبين «لم»: أن «لما» للنفي مع توقع وقوع المنفي؛ و «لم» للنفي دون ترقب وقوعه؛ مثاله: إذا قلت: «لم يقم زيد» فقد نفيت قيامه من غير ترقب لوقوعه، ولو قلت: «لما يقم زيد» فقد نفيت قيامه مع ترقب وقوعه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿بل لما يذوقوا عذاب﴾ [ص~: ٨]. وقوله تعالى: ﴿مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ أي صفة ما وقع لهم؛ و «المثل» يكون بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ [الرعد: ٣٥] أي صفتها كذا، وكذا؛ ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾

стр. 925

[البقرة: ١٧] أي شبههم كشبه الذي استوقد ناراً؛ و ﴿خلوا﴾ بمعنى مضوا؛ فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿من قبلكم﴾ إذا كانت ﴿خلوا﴾ بمعنى مضوا؟ نقول: هذا من باب التوكيد؛ والتوكيد قد يأتي بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ [البقرة: ٦٠]؛ فإن الإفساد هو العثو؛ ومع ذلك جاء حالاً من الواو؛ فهو مؤكد لعامله. ولما كانت ﴿مثل﴾ مبهمة بيَّنها الله تعالى بقوله تعالى: ﴿مستهم البأساء والضراء وزلزلوا﴾؛ و «المس» هو مباشرة الشيء؛ تقول: مسسته بيدي، ومس ثوبه الأرض؛ فـ ﴿مستهم﴾ يعني أصابتهم إصابة مباشرة؛ وهذه الجملة استئنافية لبيان المثل الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿مثل الذين خلوا من قبلكم﴾. وقوله تعالى: ﴿مستهم البأساء والضراء وزلزلوا﴾ هذه ثلاثة أشياء؛ ﴿البأساء﴾: قالوا: إنها شدة الفقر مأخوذة من البؤس؛ وهو الفقر الشديد؛ و ﴿الضراء﴾: قالوا: إنها المرض، والمصائب البدنية؛ و ﴿زلزلوا﴾: «الزلزلة» هنا ليست زلزلة الأرض؛ لكنها زلزلة القلوب بالمخاوف، والقلق، والفتن العظيمة، والشبهات، والشهوات؛ فتكون الإصابات هنا في ثلاثة مواضع: في المال؛ والبدن؛ والنفس. قوله تعالى: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله﴾؛ في ﴿يقول﴾ قراءتان: النصب، والرفع؛ أما على قراءة الرفع فعلى إلغاء ﴿حتى﴾؛ وأما على قراءة النصب فعلى إعمالها؛ وهي لا تعمل إلا في المستقبل؛ فإن قيل: ما وجه نصبها وهي حكاية عن شيء مضى؟

стр. 926

فالجواب: ما قاله المعربون: أنه نصب على حكاية الحال؛ وإذا قدرنا حكاية الحال الماضية صار ﴿يقول﴾ مستقبلاً بالنسبة لقوله تعالى: ﴿مستهم البأساء والضراء وزلزلوا﴾؛ و ﴿الرسول﴾: المراد به الجنس - أي حتى يقول الرسول من هؤلاء الذين زلزلوا، ومستهم البأساء، والضراء -؛ و ﴿معه﴾ المصاحبة هنا في القول، والإيمان - أي يقولون معه وهم مؤمنون به -؛ ﴿متى نصر الله﴾: الجملة مقول القول؛ والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر -؛ وليس للشك فيه. قوله تعالى: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾: يحتمل أن يكون هذا جواباً لقول الرسول، والذين آمنوا معه: متى نصر الله؛ ويحتمل أن يكون جملة استئنافية يخبر الله بها خبراً مؤكداً بمؤكدين: ﴿ألا﴾؛ و ﴿إن﴾؛ وكلاهما صحيح. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: عناية الله بهذه الأمة، حيث يسليها بما وقع بغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ... ﴾ إلخ؛ وهكذا كما جاء في القرآن جاء في السنة؛ فالرسول ﷺ لما جاءه أصحابه يشكون إليه بمكة فأخبرهم: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه، وعظمه؛ ما يصده ذلك عن دينه» (١) تثبيتاً للمؤمنين.

стр. 927

٢ - ومن فوائد الآية: إثبات الجنة. ٣ - ومنها: أن الإيمان ليس بالتمني، ولا بالتحلي؛ بل لا بد من نية صالحة، وصبر على ما يناله المؤمن من أذًى في الله . ٤ - ومنها: حكمة الله ، حيث يبتلي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة امتحاناً حتى يتبين الصادق من غيره، كما قال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ [محمد: ٣١]؛ فلا يُعرف زيف الذهب إلا إذا أذبناه بالنار؛ ولا يُعرف طيب العود إلا إذا أحرقناه بالنار؛ أيضاً لا يعرف المؤمن إلا بالابتلاء والامتحان؛ فعليك يا أخي بالصبر؛ قد تؤذى على دينك؛ قد يستهزأ بك؛ وربما تلاحَظ؛ وربما تراقَب؛ ولكن اصبر، واصدق، وانظر إلى ما حصل من أولي العزم من الرسل؛ فالرسول ﷺ كان ساجداً لله في آمن بقعة على الأرض - وهو المسجد الحرام -؛ فيأتي طغاة البشر بفرث الناقة، ودمها، وسلاها، يضعونها عليه وهو ساجد؛ هذا أمر عظيم لا يصبر عليه إلا أولو العزم من الرسل؛ ويبقى ساجداً حتى تأتي ابنته فاطمة وهي جويرية - أي صغيرة - تزيله عن ظهره فيبقى القوم يضحكون، ويقهقهون (١)؛ فاصبر، واحتسب؛ واعلم أنه مهما كان الأمر من الإيذاء فإن غاية ذلك الموت؛ وإذا مت على الصبر لله انتقلت من دار إلى خير منها.

стр. 928

٥ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان ألا يسأل النصر إلا من القادر عليه - وهو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿متى نصر الله﴾. ٦ - ومنها: أن المؤمنين بالرسل منهاجهم منهاج الرسل يقولون ما قالوا؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله﴾؛ يتفقون على هذه الكلمة استعجالاً للنصر. ٧ - ومنها: تمام قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾. ٨ - ومنها: حكمة الله، حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن - مع أنه قريب -. ٩ - ومنها: أن الصبر على البلاء في ذات الله من أسباب دخول الجنة؛ لأن معنى الآية: اصبروا حتى تدخلوا الجنة. ١٠ - ومنها: تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد ترقباً للنصر المبشرين به. ١١ - ومنها: الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح: «حفت الجنة بالمكاره» (١)؛ لأن هذه مكاره؛ ولكنها هي الطريق إلى الجنة. ١٢ - ومنها: أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع كأس الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ... ﴾ إلخ.

стр. 929

القرآن (يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢١٥) التفسير: ﴿٢١٥﴾ قوله تعالى: ﴿يسألونك﴾ أي الصحابة ﵃؛ والخطاب للنبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿ماذا ينفقون﴾؛ ﴿ما﴾ اسم استفهام مبتدأ؛ و ﴿ذا﴾ اسم موصول خبره؛ وجملة: ﴿ينفقون﴾ صلة الموصول؛ والعائد محذوف؛ والتقدير: ماذا ينفقونه؛ وهذا إذا لم تُلْغَ ﴿ذا﴾؛ فإذا ألغيت صار الإعراب كالتالي: ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول مقدم لقوله تعالى: ﴿ينفقون﴾؛ و ﴿ينفقون﴾ فعل مضارع؛ والفاعل الواو؛ والمفعول ما سبق؛ والمعنى لا يختلف على الإعرابين؛ والسؤال هنا عن المنفَق؛ لا على المنفق عليه؛ أي يسألونك ماذا ينفقون من أموالهم جنساً، وقدراً، وكيفاً. قوله تعالى: ﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين﴾؛ ﴿ما﴾ شرطية؛ فعل الشرط: ﴿أنفقتم﴾؛ وجوابه؛ ﴿فللوالدين﴾؛ قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله إنما أجابهم عن محل الإنفاق - لا عن ﴿ماذا ينفقون﴾ -؛ لكن من تأمل الآية تبين له أن الله أجابهم عما ينفقون؛ وعما ينفقون فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنفقتم من خير﴾؛ ففي هذا بيان ما ينفقون؛ وفي قوله تعالى: ﴿فللوالدين ... ﴾ بيان ما ينفقون فيه. وقوله تعالى: ﴿فللوالدين﴾ أي الأب، والأم - وإن علوا -؛

стр. 930

﴿والأقربين﴾ جمع أقرب؛ وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفِق؛ فأخ، وابن أخ: فالأقرب الأخ؛ وعم، وابن عم: فالأقرب العم؛ وابن أخ، وعم: فالأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه إذا اجتمع عم، وابن أخ في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ؛ لقول النبي ﷺ : «فما بقي فلأولى رجل ذكر» (١)؛ والقرابة لهم حق؛ لأنهم من الأرحام؛ لكن الأقرب أولى من الأبعد؛ ويدخل في ﴿الأقربين﴾ الأولاد من بنين، وبنات - وإن نزلوا -. قوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ جمع يتيم؛ وهو مشتق من اليتم، والانفراد؛ والمراد به من مات أبوه ولم يبلغ؛ وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبراً لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ فهذا إذا بلغ استقل بنفسه، فلم يكن يتيماً. قوله تعالى: ﴿والمساكين﴾ جمع مسكين؛ وهو المعدم الذي ليس عنده مال؛ سمي كذلك؛ لأن الفقر قد أسكنه، وأذله؛ والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير؛ وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين؛ وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين؛ فيفترقان؛ وتجد في القرآن أن الفقير يأتي وحده، والمسكين يأتي وحده؛ والفقير، والمسكين يجتمعان؛ ففي قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من

стр. 931

ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة: ٨٩] يدخل فيه الفقير؛ وكذلك هنا؛ وفي قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] ذكر الصنفين جميعاً. قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ هو المسافر الذي انقطع به السفر؛ والسبيل هو الطريق؛ وسمي ابناً للسبيل؛ لأنه ملازم له - أي للسبيل -؛ وكل ما لازم شيئاً فهو ابن له، كما يقال: «ابن الماء» لطير الماء؛ لأنه ملازم له؛ وإنما ذكر الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه: قد يحتاج ولا يُعلَم عن حاجته. قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ هذه الجملة شاملة لكل خير: هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير؛ فعمم الله؛ والجملة شرطية: فعل الشرط فيها: ﴿تفعلوا﴾؛ وجوابه جملة: ﴿فإن الله به عليم﴾؛ والغرض منها بيان إحاطة الله علماً بكل ما يفعلونه من خير، فيجازيهم عليه. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على السؤال عن العلم؛ وقد وقع سؤالهم لرسول الله ﷺ في القرآن أكثر من اثنتي عشرة مرة. ٢ - ومنها: أن من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه؛ فإنهم سألوا عما ينفقون، وكان الجواب عما ينفقون، وفيما ينفقون؛ ونظير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 932

سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١). ٣ - ومنها: فضل الإنفاق على الوالدين، والأقربين؛ وأنه مقدم على الفقراء، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم؛ ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم. ٤ - ومنها: أن لليتامى حقاً في الإنفاق - ولو كانوا أغنياء -؛ لأنه خصهم بالذكر، ثم ذكر بعدهم المساكين؛ فإن كانوا يتامى، ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة؛ وإذا كانوا أقارب، ويتامى، ومساكين اجتمع فيهم ثلاثة استحقاقات؛ وإذا كانوا مع ذلك أبناء سبيل اجتمع فيهم أربعة استحقاقات. ٥ - ومنها: عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾. ٦ - ومنها: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقاً مالياً، أو عملاً بدنياً، أو تعليم علم، أو جهاداً في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله يعلمه، وسيجازي عليه؛ لأن ﴿من خير﴾ نكرة في سياق الشرط؛ فتكون للعموم. ٧ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يحقر من المعروف شيئاً؛

стр. 933

لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير﴾؛ ويقول النبي ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (١). مسألة: هل يعطى ابن السبيل إذا سأل، أو يعطى وإن لم يسأل؟ هذا على أوجه: ١ - أن تعلم أنه لا يحتاج، كما لو كان غنياً تعرف أنه غني، ومر بالبلد عابراً؛ فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه؛ حتى لو أعطيته لرأى في ذلك نقيصة له. ٢ - أن يغلب على ظنك أنه محتاج؛ ولكنه متعفف يستحيي أن يسأل؛ فالأولى إعطاؤه - وإن لم يسأل -؛ بل قد يجب. ٣ - أن تشك في أمره هل يحتاج أم لا؛ فأعرض عليه الإيتاء؛ ثم اعمل بما يقتضيه الحال. القرآن (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢١٦) التفسير: ﴿٢١٦﴾ قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ أي فرض؛ فـ «الكتْب» هنا بمعنى الفرْض، كما في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم

стр. 934

الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿القتال﴾ أي قتال أعداء الله الكفار؛ و ﴿القتال﴾ مصدر قاتل. قوله تعالى: ﴿وهو كره لكم﴾؛ ﴿كره﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول - يعني: وهو مكروه لكم -؛ والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيراً، مثل: ﴿وإن كن أولات حمل﴾ [الطلاق: ٦] يعني: محمول؛ وقول الرسول ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، أي مردود. وجملة: ﴿وهو كره لكم﴾ في محل نصب على الحال؛ والضمير ﴿هو﴾ يعود على القتال؛ وليس يعود على الكتابة؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرضه الله عليهم؛ وإنما يكرهون القتال بمقتضى الطبيعة البشرية؛ وفرق بين أن يقال: إننا نكره ما فرض الله من القتال؛ وبين أن يقال: إننا نكره القتال؛ فكراهة القتال أمر طبيعي؛ فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحداً من الناس فيقتله؛ فيصبح مقتولاً؛ لكن إذا كان هذا القتال مفروضاً علينا صار محبوباً إلينا من وجهٍ، ومكروهاً لنا من وجهٍ آخر؛ فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوباً إلينا؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ يأتون إلى الرسول ﷺ يصرون أن يقاتلوا؛ وباعتبار أن النفس تنفر منه يكون مكروهاً إلينا. قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾؛ ﴿عسى﴾ تأتي لأربعة معانٍ: للرجاء؛ والإشفاق؛ والتوقع؛

стр. 935

والتعليل؛ والظاهر أنها هنا للتوقع، أو للترجية - لا الترجي -؛ فإن الله لا يتَرجى؛ كل شيء عنده هين؛ لكن الترجية بمعنى أنه يريد من المخاطَب أن يرجو هذا؛ أي افعلوا ما آمركم به عسى أن يكون خيراً؛ وهذا الذي ذكره الله هنا واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحياناً يفعل الإنسان شيئاً من الأمور العادية، ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل؛ فإذا العاقبة تكون حميدة؛ فحينئذ يكون كره شيئاً وهو خير له؛ القتال كره لنا ولكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل في سبيل الله حاله كما قال آمراً نبيه أن يقول: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢]- يعني: لا بد من إحدى حسنيين وهما إما النصر، والظفر؛ وإما الشهادة. قوله تعالى: ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾؛ وذلك أيضاً كثيراً ما يقع: يحب الإنسان شيئاً، ويلح فيه، ثم تكون العاقبة سيئة؛ والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه. قوله تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾: هذه الجملة كالتعليل لقوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾؛ كأنه قال: إنكم لا تعلمون الخير، والشر فيما قدِّر لكم؛ ولكن الله يعلم ذلك. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فرضية الجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾؛ لكن لابد من شروط؛ منها القدرة على قتال العدو بحيث يكون لدى المجاهدين قدرة بشرية، ومالية، وعتادية؛

стр. 936

ومنها أن يكونوا تحت راية إمام يجاهدون بأمره. ٢ - ومنها: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه؛ لا كراهته من حيث أمَر الشارع به؛ ولكن كراهته من حيث الطبيعة؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا، وانشراح الصدر به. ٣ - ومنها: أن البشر لا يعلمون الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾. ٤ - ومنها: أن الله قد يحكم حكماً شرعياً، أو كونياً على العبد بما يكره وهو خير له. ٥ - ومنها: عموم علم الله ؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم﴾؛ فحذف المفعول يفيد العموم، كما قال تعالى: ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالًّا فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]: كلها محذوفة المفاعيل: آواك، وآوى بك أيضاً؛ وأغناك، وأغنى بك؛ وهداك، وهدى بك، كما قال النبي ﷺ للأنصار: «ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؛ وعالة فأغناكم الله بي» (١). ٦ - ومنها: ضعف الإنسان، وأن الأصل فيه عدم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم لا تعلمون﴾، كما قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ [النحل: ٧٨]، وقال ممتناً على رسوله ﷺ : ﴿وعلَّمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣].

стр. 937

القرآن (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢١٧) التفسير: ﴿٢١٧﴾ قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ أي يسألك الناس عن الشهر الحرام؛ والمراد به الجنس؛ فيشمل كل الأشهر الحرم؛ وهي أربعة: ذو القعدة؛ وذو الحجة؛ ومحرم؛ ورجب؛ و ﴿قتال فيه﴾ بدل اشتمال؛ فيكون السؤال عن القتال فيه. قوله تعالى: ﴿قل﴾ يعني في جوابهم ﴿قتال فيه كبير﴾ أي في الشهر الحرام. قوله تعالى: ﴿وصد عن سبيل الله﴾: جملة استئنافية لبيان أن ما فعله هؤلاء الكفار من الصد عن سبيل الله، والكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله؛ فهذه أربعة أشياء يفعلها المشركون الذين اعترضوا على القتال في الشهر الحرام أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام؛ و ﴿صد﴾ يجوز أن تكون من الفعل اللازم - أي صدهم أنفسَهم عن سبيل الله -؛ ويجوز أن تكون من المتعدي - أي صدهم غيرهم عن سبيل الله -؛ وكلا الأمرين حاصل من هؤلاء المشركين؛ والمراد بـ ﴿سبيل الله﴾ طريقه الموصل إليه - أي شريعته -.

стр. 938

قوله تعالى: ﴿وكفر به﴾ أي بالله ؛ ﴿والمسجد الحرام﴾ بالجر: يحتمل أن تكون معطوفة على الضمير في قوله تعالى: ﴿به﴾؛ ويحتمل أن تكون معطوفة على قوله تعالى: ﴿عن سبيل الله﴾؛ فعلى الاحتمال الأول يكون المراد بالكفر بالمسجد الحرام: عدم احترامه، والقيامِ بتعظيمه؛ وعلى الاحتمال الثاني يكون المراد: وصد عن المسجد الحرام، كما قال تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وإخراج أهله منه﴾ يعني بـ ﴿أهله﴾ النبي ﷺ ، وأصحابه الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بسبب إيذاء المشركين لهم، وتضييقهم عليهم حتى خرجوا بإذن الله من مكة إلى المدينة. قوله تعالى: ﴿أكبر عند الله﴾ أي أعظم إثماً، وجرماً من القتال في الشهر الحرام. قوله تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ يعني بـ ﴿الفتنة﴾ الصد عن سبيل الله، ومنع المؤمنين، وإيذاؤهم؛ و «الفتنة» بمعنى: «إيذاء المؤمنين» قد جاءت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ [البروج: ١٠]. قوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم ... ﴾ إلخ، أي لا يزال هؤلاء الكفار يقاتلونكم ﴿حتى يردوكم عن دينكم﴾ أي يرجعوكم عنه إلى الكفر ﴿إن استطاعوا﴾ يعني: ولن يستطيعوا ذلك؛ ومثل هذه الجملة الشرطية تأتي لبيان العجز عن الشيء، كقوله تعالى:

стр. 939

﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ ومن المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض. قوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه﴾ أي من يرجع عن دين الإسلام إلى الكفر ﴿فيمت وهو كافر﴾ أي يموت على الكفر؛ فالجملة في قوله تعالى: ﴿وهو كافر﴾ في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿يمت﴾. قوله تعالى: ﴿فأولئك﴾ أعاد اسم الإشارة بصيغة الجمع على اسم موصول صالح للمفرد، والجمع؛ لأن اسم الموصول العام يجوز عود الضمير، والإشارة إليه على وجه الإفراد باعتبار لفظه؛ وعلى وجه الجمع باعتبار معناه. قوله تعالى: ﴿حبطت﴾ أي اضمحلت ﴿أعمالهم﴾ أي ما قدموه من عمل صالح في الدنيا والآخرة؛ فلا يستفيدون بأعمالهم شيئاً في الدنيا من قبول الحق، والانشراح به؛ ولا في الآخرة؛ لأن أعمالهم ضاعت عليهم بكفرهم. قوله تعالى: ﴿وأولئك أصحاب النار﴾ أي أهلها الملازمون لها؛ ﴿هم فيها خالدون﴾: كالتأكيد لقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار﴾. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الرسول ﷺ هو مرجع الصحابة في العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾. ٢ - ومنها: اهتمام الصحابة ﵃ بما يقع منهم من المخالفة؛ وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾.

стр. 940

٣ - ومنها: أن الرسول ﷺ لا يعلم كل الأحكام؛ بل لا يعلم إلا ما علمه الله ؛ ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: ﴿قل قتال فيه كبير ... ﴾. وينبني على هذه المسألة: هل للرسول ﷺ أن يجتهد، أو لا؟ والصواب أن له أن يجتهد؛ ثم إذا اجتهد فأقره الله صار اجتهاده بمنزلة الوحي. ٤ - ومنها: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾؛ وهل هذا الحكم منسوخ، أو باق؟ للعلماء في ذلك قولان؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحكم منسوخ؛ وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرماً، ثم نسخ؛ القول الثاني: أن الحكم باقٍ، وأن القتال في الأشهر الحرم حرام؛ دليل من قال: «إنه منسوخ» قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣]، وأن الرسول ﷺ قاتل ثقيفاً في شهر ذي القعدة (١)؛ وهو شهر حرام؛ وأن غزوة تبوك كانت في رجب (٢)؛ وهو شهر حرام؛ والذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ على تحريمه؛ ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص؛ فهي مخصصة بقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾؛ وأما قتال الرسول ﷺ أجيب عنه بأنه ليس قتال ابتداء؛ وإنما هو قتال مدافعة؛ وقتال المدافعة لا بأس به حتى في الأشهر الحرم؛ إذا

стр. 941

قاتلونا نقاتلهم؛ فثقيف كانوا تجمعوا لرسول الله فخرج إليهم الرسول ﷺ ليغزوهم؛ وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمعوا له فخرج إليهم ليدافعهم؛ فالصواب في هذه المسألة أن الحكم باقٍ، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال في الأشهر الحرم؛ لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام. ٥ - ومنها: أن الأشهر قسمان: أشهر حرم؛ وأشهر غير حرم. ويتفرع على هذه الفائدة: أن الله يختص من خلقه ما شاء؛ فهناك أماكن حرام، وأماكن غير حرام؛ وأزمنة حرام، وأزمنة غير حرام؛ وهناك رسل، وهناك مرسَل إليهم؛ وهناك صديقون، وهناك من دونهم؛ والله كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة، والأمكنة. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر؛ وكل منهما درجات؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» (١)؛ وحدُّ الكبائر اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة؛ وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول ﷺ : هذا من الكبائر؛ وعدّها سرداً؛ ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة؛ يعني أن لها حداً - أي ضابطاً يجمعها -؛ ليست معينة: هذه، وهذه، وهذه؛ ثم اختلفوا في الضابط، فقال بعضهم: كل ذنب لعن فاعله فهو كبيرة؛ وقال بعضهم: كل ذنب

стр. 942

فيه حدّ في الدنيا فهو كبيرة؛ وقال بعضهم: كل ذنب فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة؛ لكن شيخ الإسلام ﵀ قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رتب عليه عقوبة خاصة سواء كانت لعنة؛ أو غضباً؛ أو حداً في الدنيا؛ أو نفي إيمان؛ أو تبرؤاً منه؛ أو غير ذلك؛ فالذنب إذا قيل: لا تفعل كذا؛ أو حرم عليك كذا؛ أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة بهذا الذنب فهو صغيرة؛ أما إذا رتب عليه عقوبة - أيَّ عقوبة كانت - فإنه يكون من الكبائر -؛ فالغش مثلاً كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة - وهي البراءة منه، كما قال النبي ﷺ : «من غش فليس مني» (١)؛ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة؛ وهي قوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢)؛ وكون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة؛ لقوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (٣)؛ وعدوانه على جاره أكبر؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن،

стр. 943

والله لا يؤمن، قالوا: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (١)؛ وهذا الضابط أقرب الضوابط في تعريف الكبيرة؛ ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء؛ بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رتب عليه من العقوبة؛ فقطاع الطريق مثلاً أعظم جرماً من اللصوص. ٧ - ومن فوائد الآية: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾؛ ويحتمل أن مجموع هذه الأفعال الأربعة أكبر عند الله من القتال؛ لا أن كل واحد منها أكبر عند الله. ٨ - ومنها: أن أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق؛ فكل من صد عن الخير فهو صاد عن سبيل الله؛ ولكن هذا الصد يختلف باختلاف ما صد عنه؛ من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء - مثل مشركي قريش؛ ومن صد عن شيء أقل، كمن صد عن تطوع مثلاً فإنه أخف؛ ولكن لا شك أن هذا جرم؛ فالنهي عن المعروف من صفات المنافقين. ٩ - ومنها: عظم الصد عن المسجد الحرام؛ ولذلك صور متعددة؛ فقد يكون بمنع الناس من الحج؛ ولكن لو قال وليّ الأمر: أنا لا أمنعهم؛ ولكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم

стр. 944

بعضاً لو اجتمعوا جميعاً؛ فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول ﷺ من لا يصلح للجهاد من الجهاد (١)؟ أو نقول: إن في هذا نظراً؟ هذه المسألة تحتاج إلى نظر بعيد؛ وهل مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص؛ أو لا؟. وقد يكون الصد بإلهائهم، وإشغالهم عن فعل العبادات؛ وقد يكون بتحقير العبادات في أنفسهم؛ وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم، ويدَعوه. ١٠ - ومن فوائد الآية: تقديم ما يفيد العليّة؛ لقوله تعالى: ﴿عن الشهر الحرام قتال فيه﴾؛ المسؤول عنه القتال في الشهر الحرام؛ لكنه قدم الشهر الحرام؛ لأنه العلة في تحريم القتال؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فقدم العلة على الحكم لتنفر النفوس من الفعل قبل الحكم به؛ فيقع الحكم وقد تهيأت النفوس للاستعداد له، وقبوله. ١١ - ومن فوائد الآية: تفاوت الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أكبر عند الله﴾؛ وبتفاوت الذنوب يتفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، كما قال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني

стр. 945

وهو مؤمن» (١)؛ فيكون في ذلك رد على من أنكروا زيادة الإيمان، ونقصانه؛ وللناس في ذلك ثلاثة أقوال؛ منهم من قال: إن الإيمان يزيد، وينقص؛ ومنهم من قال: إن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد، ولا ينقص؛ وبحث ذلك على وجه التفصيل، والترجيح في كتب العقائد؛ والراجح أن الإيمان يزيد، وينقص. ١٢ - ومن فوائد الآية: تسلية الله للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين، حيث قاتلوا في الشهر الحرام. ١٣ - ومنها: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿وإخراج أهله منه﴾؛ فمع أن المشركين ساكنون في مكة؛ لكنهم ليسوا أهله، كما قال تعالى: ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾ [الأنفال: ٣٤]. ١٤ - ومنها: التحذير من الفتنة؛ لقوله تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾. ١٥ - ومنها: أن الفتنة - وهي صد الناس عن دينهم - أكبر من قتلهم؛ لأن غاية ما في قتلهم أن تفوتهم الحياة الدنيا؛ أما صدهم عن الإيمان لو صدوا عنه لفاتتهم الدنيا والآخرة؛ وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا؛ ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في فتنة؛ ولهذا قال

стр. 946

النبي ﷺ في الدجال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه» (١)؛ المهم أن الإنسان لا يعرض نفسه للفتن؛ فكم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص. ١٦ - ومن فوائد الآية: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين بكل وسيلة ولو أدى ذلك إلى القتال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾؛ ولهذا كان الغزو الفكري، والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي؛ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر؛ وأما ذاك فصدام مسلح ينفر الناس منه بالطبيعة؛ فلا يمكنون أحداً أن يقاتلهم؛ أما هذا فسلاح فتاك يفتك بالأمة من حيث لا تشعر؛ فانظر كيف أفسد الغزو الفكري والخلقي على الأمة الإسلامية أمور دينها، ودنياها؛ ومن تأمل التاريخ تبين له حقيقة الحال. ١٧ - ومن فوائد الآية: تيئيس الكافرين أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين؛ لقوله تعالى: ﴿إن استطاعوا﴾؛ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله، ويكون في آخر الزمان، فتهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق. ١٨ - ومنها: الحذر من الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولا

стр. 947

يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم﴾؛ وكلمة: ﴿لا يزالون﴾ تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، وأن محاولتهم ارتداد المسلمين عن دينهم مستمرة. ١٩ - ومنها: أن الردة مبطلة للأعمال إذا مات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾. ٢٠ - ومنها: أن من ارتد عن دينه، ثم عاد إليه لم يبطل عمله السابق؛ لقوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾. ٢١ - ومنها: أن المرتد مخلد في النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. ٢٢ - ومنها: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾؛ فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يرث؛ وأما أن يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون؛ ولكن الصحيح أنه لا توارث؛ لعموم قوله ﷺ في حديث أسامة: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (١).

стр. 948

القرآن (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ٢١٨) التفسير: ﴿٢١٨﴾ قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا﴾؛ «الإيمان» في اللغة التصديق: قال تعالى عن إخوة يوسف قائلين لأبيهم: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [يوسف: ١٧]؛ وأما في الشرع فهو التصديق المستلزم للقبول والإذعان. قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا﴾ معطوفة على ما سبق من باب عطف الصفات، كقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]؛ فهذه المعطوفات من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف بها واحد؛ و «الهجر» في اللغة الترك؛ ومنه: «هجرت فلاناً» إذا لم تكلمه؛ وفي الشرع له معنيان: عام، وخاص؛ فأما العام فهو هجر ما حرم الله ، كما قال النبي ﷺ : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١)؛ وأما الخاص فهو أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله، بأن يكون هذا البلد بلد كفر لا يقيم فيه الإنسان دينه؛ فيهاجر من أجل إقامة دين الله، وحماية نفسة من الزيغ، كما جاء في الحديث الصحيح: «من كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٢)؛

стр. 949

والمراد بالهجرة في الآية ما يشمل المعنيين: العام، والخاص. قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في سبيل الله﴾ معطوفة على الصلة في ﴿الذين هاجروا﴾؛ ولم يعد الموصول؛ لأن الهجرة والجهاد عملان مبنيان على الإيمان؛ و «الجهاد في سبيل الله» هو قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا؛ و «الجهاد» هو بَذْلُكَ الجهد لأمر مطلوب؛ والجهد معناه الطاقة، كما قال تعالى: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ [التوبة: ٧٩] يعني إلا طاقتهم؛ وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء؛ وإلا فكل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا كان جهاد النفس يسمى جهاداً؛ ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر عن النبي ﷺ أنه لما رجع من تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (١) يعني: جهاد النفس؛ ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة لحملها على فعل الطاعة، وترك المعصية. قوله تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾؛ هذه الجملة خبر ﴿إن﴾ في أول الآية؛ واسمها ﴿الذين﴾؛ وجملة: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾ الخبر؛ وهي جملة؛ لأن «أولاء» مبتدأ؛ و ﴿يرجون﴾ جملة خبر المبتدأ الثاني؛ والجملة من المبتدأ الثاني، والخبر خبر ﴿إن﴾؛ والإشارة بمبتدأ جديد تدل على رفعة مقامهم؛ ولا سيما وقد أتى باسم الإشارة؛ وتصدير خبر ﴿إن﴾ باسم الإشارة للبعيد يدل على علو همتهم؛ فيكون في ذلك تنويه بذكرهم من وجهين:

стр. 950

أولاً: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو. ثانياً: أن تعدد المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين؛ فيكون في ذلك توكيد على توكيد. و «الرجاء» الطمع في حصول ما هو قريب؛ ومعلوم أن الطمع بما هو قريب لا يكون قريباً إلا بفعل ما يكون قريباً به؛ وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم؛ والذي فعلوه: الإيمان، والهجرة، والجهاد؛ فإذا لم يرْجُ هؤلاء رحمة الله فمن الذي يرجوها؟!! فهؤلاء هم أهل الرجاء؛ فالرجاء لا بد له من أسباب؛ وحسن الظن لا بد له من أسباب. والمراد بالرحمة هنا يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته - أي أن يرحمهم -؛ ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار رحمته؛ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» (١)؛ فجعل المخلوق رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أرحم بك»؛ أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين؛ وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبداً أدخله الجنة التي هي رحمته. قوله تعالى: ﴿والله غفور رحيم﴾؛ قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله «الغفور» هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟
следующие страницы →