← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

النبي ﷺ في الدجال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه» (١)؛ المهم أن الإنسان لا يعرض نفسه للفتن؛ فكم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص. ١٦ - ومن فوائد الآية: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين بكل وسيلة ولو أدى ذلك إلى القتال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾؛ ولهذا كان الغزو الفكري، والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي؛ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر؛ وأما ذاك فصدام مسلح ينفر الناس منه بالطبيعة؛ فلا يمكنون أحداً أن يقاتلهم؛ أما هذا فسلاح فتاك يفتك بالأمة من حيث لا تشعر؛ فانظر كيف أفسد الغزو الفكري والخلقي على الأمة الإسلامية أمور دينها، ودنياها؛ ومن تأمل التاريخ تبين له حقيقة الحال. ١٧ - ومن فوائد الآية: تيئيس الكافرين أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين؛ لقوله تعالى: ﴿إن استطاعوا﴾؛ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله، ويكون في آخر الزمان، فتهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق. ١٨ - ومنها: الحذر من الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولا

стр. 947

يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم﴾؛ وكلمة: ﴿لا يزالون﴾ تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، وأن محاولتهم ارتداد المسلمين عن دينهم مستمرة. ١٩ - ومنها: أن الردة مبطلة للأعمال إذا مات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾. ٢٠ - ومنها: أن من ارتد عن دينه، ثم عاد إليه لم يبطل عمله السابق؛ لقوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾. ٢١ - ومنها: أن المرتد مخلد في النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. ٢٢ - ومنها: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾؛ فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يرث؛ وأما أن يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون؛ ولكن الصحيح أنه لا توارث؛ لعموم قوله ﷺ في حديث أسامة: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (١).

стр. 948

القرآن (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ٢١٨) التفسير: ﴿٢١٨﴾ قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا﴾؛ «الإيمان» في اللغة التصديق: قال تعالى عن إخوة يوسف قائلين لأبيهم: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [يوسف: ١٧]؛ وأما في الشرع فهو التصديق المستلزم للقبول والإذعان. قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا﴾ معطوفة على ما سبق من باب عطف الصفات، كقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]؛ فهذه المعطوفات من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف بها واحد؛ و «الهجر» في اللغة الترك؛ ومنه: «هجرت فلاناً» إذا لم تكلمه؛ وفي الشرع له معنيان: عام، وخاص؛ فأما العام فهو هجر ما حرم الله ، كما قال النبي ﷺ : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١)؛ وأما الخاص فهو أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله، بأن يكون هذا البلد بلد كفر لا يقيم فيه الإنسان دينه؛ فيهاجر من أجل إقامة دين الله، وحماية نفسة من الزيغ، كما جاء في الحديث الصحيح: «من كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٢)؛

стр. 949

والمراد بالهجرة في الآية ما يشمل المعنيين: العام، والخاص. قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في سبيل الله﴾ معطوفة على الصلة في ﴿الذين هاجروا﴾؛ ولم يعد الموصول؛ لأن الهجرة والجهاد عملان مبنيان على الإيمان؛ و «الجهاد في سبيل الله» هو قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا؛ و «الجهاد» هو بَذْلُكَ الجهد لأمر مطلوب؛ والجهد معناه الطاقة، كما قال تعالى: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ [التوبة: ٧٩] يعني إلا طاقتهم؛ وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء؛ وإلا فكل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا كان جهاد النفس يسمى جهاداً؛ ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر عن النبي ﷺ أنه لما رجع من تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (١) يعني: جهاد النفس؛ ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة لحملها على فعل الطاعة، وترك المعصية. قوله تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾؛ هذه الجملة خبر ﴿إن﴾ في أول الآية؛ واسمها ﴿الذين﴾؛ وجملة: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾ الخبر؛ وهي جملة؛ لأن «أولاء» مبتدأ؛ و ﴿يرجون﴾ جملة خبر المبتدأ الثاني؛ والجملة من المبتدأ الثاني، والخبر خبر ﴿إن﴾؛ والإشارة بمبتدأ جديد تدل على رفعة مقامهم؛ ولا سيما وقد أتى باسم الإشارة؛ وتصدير خبر ﴿إن﴾ باسم الإشارة للبعيد يدل على علو همتهم؛ فيكون في ذلك تنويه بذكرهم من وجهين:

стр. 950

أولاً: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو. ثانياً: أن تعدد المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين؛ فيكون في ذلك توكيد على توكيد. و «الرجاء» الطمع في حصول ما هو قريب؛ ومعلوم أن الطمع بما هو قريب لا يكون قريباً إلا بفعل ما يكون قريباً به؛ وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم؛ والذي فعلوه: الإيمان، والهجرة، والجهاد؛ فإذا لم يرْجُ هؤلاء رحمة الله فمن الذي يرجوها؟!! فهؤلاء هم أهل الرجاء؛ فالرجاء لا بد له من أسباب؛ وحسن الظن لا بد له من أسباب. والمراد بالرحمة هنا يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته - أي أن يرحمهم -؛ ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار رحمته؛ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» (١)؛ فجعل المخلوق رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أرحم بك»؛ أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين؛ وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبداً أدخله الجنة التي هي رحمته. قوله تعالى: ﴿والله غفور رحيم﴾؛ قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله «الغفور» هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟

стр. 951

الجواب أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، والتقصير؛ ولذلك شرع للمصلي أن يستغفر الله ثلاثاً بعد السلام؛ وأما ذكر «الرحيم» فواضح مناسبته؛ لأن كل هذه الأعمال التي عملوها من آثار رحمته؛ وسبق الكلام على هذين الاسمين الكريمين. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، والهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا﴾ الآية. ٢ - ومنها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة؛ لأنه جعل الجهاد معطوفاً على الهجرة؛ ولم يجعل له اسماً موصولاً مستقلاً. ٣ - ومنها: مراعاة الإخلاص في الهجرة، والجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وأما بدون الإخلاص فهجرته إلى ما هاجر إليه؛ واعلم أنه يقال: في كذا؛ ولكذا؛ وبكذا؛ تقول مثلاً: جاهدت لله؛ وجاهدت بالله؛ وجاهدت في الله؛ فـ «لله»: اللام لبيان القصد؛ فتدل على الإخلاص؛ و «بالله»: الباء للاستعانة؛ فتدل على أنك جاهدت مستعيناً بالله؛ و «في الله»: «في» للظرفية؛ فتدل على أن ذلك الجهاد على وفق شرع الله - لم يتعد فيه الحدود -. ٤ - ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازماً بقبول عمله؛ بل يكون راجياً؛ ولكنه يرجو رجاءً يصل به إلى حسن الظن بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾؛ لأنهم لا يغترون بأعمالهم؛ ولا يُدْلُون بها على الله؛ وإنما يفعلونها وهم راجون رحمة الله.

стр. 952

٥ - ومنها: إثبات اسمي «الغفور»، و «الرحيم» لله ؛ وإثبات ما دلَّا عليه من المغفرة والرحمة؛ وما يترتب على ذلك من غفران الذنوب والرحمة؛ فبالمغفرة يزول المكروه من آثار الذنوب؛ وبالرحمة يحصل المطلوب. ٦ - ومنها: كمال رحمة الله بالخلق؛ فلله على العامل عملاً صالحاً ثلاث نعم عظيمة: الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح؛ وذلك بما أنزله من الوحي على رسله؛ بل هي أعظم النعم. الثانية: توفيقه لهذا العمل الصالح؛ لأن الله قد أضل أمماً عن العمل الصالح. الثالثة: ثوابه على هذا العمل الصالح ثواباً مضاعفاً: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وهذا مما يدل على كمال رحمة الله بالخلق: أنه ينعم، ثم يشكر المنعمَ عليه، كما قال تعالى: ﴿إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً﴾ [الإنسان: ٢٢]. القرآن (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة: ٢١٩)) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٢٠)

стр. 953

التفسير: ﴿٢١٩﴾ قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ أي يسألك الناس، أو الصحابة ﵃، وسبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر، والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك؛ ولهذا سألوا النبي ﷺ عن حكمهما - لا عن معناهما -؛ لأن المعنى معلوم. والسؤال إذا كان بمعنى طلب مال فإنه ينصب مفعولين؛ وإذا كان سؤال استفهام فإنه ينصب المفعول الأول، ويتعدى للثاني بـ «عن» كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة﴾ [الأعراف: ١٨٧]؛ وربما يُستغنى عن الثاني بجملة استفهامية، كما في السؤال بعده؛ والفرق بين الصيغتين - تعديه إلى جملة استفهامية، وتعديه إلى المفعول الثاني بحرف الجر - أنه إذا عدّي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل بعينها؛ وإذا تعدى بـ «عن» فقد تكون هي لفظ السائل بعينه، وقد تكون غير ذلك. والمراد بالخمر كل ما أسكر على وجه اللذة، والطرب. وقد أنزل الله في الخمر أربع آيات: آية تبيحه - وهي قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً﴾ [النحل: ٦٧]-؛ وآية تعرض بالتحريم - وهي هذه الآية -؛ وآية تمنعه في وقت دون آخر - وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]-؛ وآية تمنعه

стр. 954

دائماً مطلقاً - وهي آية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة -؛ وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ... ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيات. وقوله تعالى: ﴿والميسر﴾ المراد به القمار؛ وهو كل كسب عن طريق المخاطرة، والمغالبة؛ وضابطه: أن يكون فيه بين غانم، وغارم. قوله تعالى: ﴿قل﴾ أي لمن سأل عن الخمر، والميسر؛ ﴿فيهما﴾ خبر مقدم؛ والضمير عائد على الخمر، والميسر؛ ﴿إثم﴾ أي عقوبة؛ أو كان سبباً للعقوبة، كما قال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ويقال: «فلان آثم» أي مستحق للعقوبة. وفي قوله تعالى: ﴿كبير﴾ قراءة: ﴿كثير﴾؛ والفرق بينهما أن الكبر تعود إلى الكيفية؛ والكثرة تعود إلى الكمية؛ والمعنى أن فيهما إثماً كثيراً بحسب ما يتعامل بهما الإنسان؛ والإنسان المبتلى بذلك لا يكاد يقلع عنه؛ وهذا يستلزم تعدد الفعل منه؛ وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم؛ أيضاً الإثم فيهما كبير - أي عظيم -؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والبدن، والاجتماع، والسلوك؛ وقد ذكر محمد رشيد رضا ﵀ في هذا المكان أضراراً كثيرة جداً؛ من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إثم كبير﴾، أو ﴿إثم كثير﴾؛ وهاتان القراءتان لا تتنافيان؛ لأنهما جمعتا وصفين مختلفين جهة؛ فيكون الإثم كثيراً باعتبار آحاده؛ كبيراً باعتبار كيفيته.

стр. 955

قوله تعالى: ﴿ومنافع للناس﴾؛ جمع منفعة؛ وهي من صيغة منتهى الجموع التي تدل على الكثرة؛ ففيهما منافع كثيرة عظيمة؛ فإن قلت: كيف قال الله : ﴿منافع للناس﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يُقبل الناس عليهما؛ لأن الإثم ذكره مفرداً - وإن كان قد وصف بالكبر، أو بالكثرة -؛ لكن المنافع ذكرت بالجمع؟ فالجواب: أن يقال: إنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر، وأعظم؛ لأنه لو كانت منفعة واحدة لم يستغرب كون الإثم أكبر؛ لكن حتى وإن تعددت المنافع، وكثرت فإن الإثم أكبر، وأعظم؛ وتأمل قوله تعالى: ﴿منافع للناس﴾؛ لأنها منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس؛ وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون. قوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ يعني: ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما؛ لأن العقوبة في الآخرة؛ وأما النفع ففي الدنيا؛ وعذاب الآخرة أشق، وأبقى. قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾؛ هذا هو السؤال الثاني في الآية - أي أيّ شيء ينفقونه -؛ وفي إعرابها وجهان؛ الأول: أن ﴿ماذا﴾ مفعول مقدم لـ ﴿ينفقون﴾؛ وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير ضمير المفعول في: ﴿ينفقون﴾؛ والثاني: أن «ما» اسم استفهام مبتدأ، و «ذا» اسم موصول بمعنى «الذي» خبر؛ وجملة: ﴿ينفقون﴾ صلة الموصول؛ والعائد محذوف؛ والتقدير: ماذا ينفقونه. قوله تعالى: ﴿قل العفو﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع؛

стр. 956

فالرفع على تقدير «ما» اسمَ استفهام مبتدأ؛ و «ذا» اسمَ موصول خبراً؛ فيكون ﴿العفو﴾ خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو العفو؛ وأما النصب فعلى تقدير ﴿ماذا﴾ مفعولاً مقدماً؛ و ﴿العفو﴾ منصوب بفعل محذوف؛ والتقدير: أنفقوا العفوَ؛ وإنما قلنا: الرفع، والنصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال؛ فهنا كلمة: «ما» هذه - الموصولية، أو الاستفهامية - هي التي فُسِّرت بكلمة: ﴿العفو﴾؛ فإذا كانت تفسيراً لها كان لها حكمها في الإعراب؛ إن نصبت ﴿ماذا﴾ فانصِب ﴿العفو﴾؛ وإن رفعت ﴿ماذا﴾ فارفع ﴿العفو﴾. قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات﴾؛ المشار إليه ما سبق من بيان حكم الخمر، والميسر، وبيان ما ينفق؛ أي: مثلَ ذلك البيان يبين الله؛ و «البيان» بمعنى الإظهار؛ يقال: بينته، فتبين - أي ظهر -؛ و ﴿الآيات﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمعلومها؛ والمعنى: أن الله يبين لعباده الأحكام الشرعية بياناً واضحاً. قوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾؛ «التفكر» إعمال الفكر للوصول إلى الغاية؛ و «لعل» للتعليل؛ واسمها: الكاف؛ وخبرها: جملة: ﴿تتفكرون﴾. ﴿٢٢٠﴾ قوله تعالى: ﴿في الدنيا والآخرة﴾ متعلق بـ ﴿تتفكرون﴾ أي في شؤونهما، وأحوالهما. قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ معطوفة بالواو، كأنها أسئلة متتابعة؛ سألوا أولاً عن الخمر، والميسر؛ ثم سألوا ماذا ينفقون؛ وجه الارتباط بين السؤالين واضح جداً؛ لأن في الخمر،

стр. 957

والميسر إتلاف المال بدون فائدة؛ وفي الإنفاق بذل المال بفائدة؛ ثم قال تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾؛ ووجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله أن الله لما أنزل قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ [النساء: ١٠]، وقولَه تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٢] أشكل على الصحابة ﵃، فصاروا يجعلون طعامهم على حدة، وطعام اليتامى على حدة؛ ثم ما جعلوه لليتامى إما أن يفسد، ولا يصلح للأكل؛ وإما أن يصلح للأكل، ولكن ليس على الوجه الأكمل؛ فتحرجوا من ذلك، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم بطعام اليتامى؛ فأجابهم الله بجواب في غاية ما يكون من البلاغة، والاختصار، والوضوح؛ فقال تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾. وقوله تعالى: ﴿اليتامى﴾ جمع يتيم؛ وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ؛ مشتق من اليتم - وهو الانفراد؛ واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية، ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم الوصاية به كثيراً. قوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾؛ وكلمة: ﴿إصلاح﴾ تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون سواء كان ذلك في التربية، أو في المال؛ وسواء كان ذلك بالإيجاب، أو السلب؛ فأيّ شيء يكون إصلاحاً لهم فهو خير؛ وحذف المفضل عليه للعموم، كقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]؛ هذه الجملة في شمولها، وعمومها، ووضوحها كالجملة الأولى.

стр. 958

قوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾؛ هذه الجملة الثانية مما تتضمنه الجواب؛ لأن الجواب تضمن جملتين؛ إحداهما: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾؛ والثانية: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾؛ يعني: وإن خالطتموهم في الأكل، والشرب، وجعلتم طعامهم مع طعامكم فإنهم ليسوا أجانب منكم؛ بل هم إخوانكم في الدين؛ أو في النسب؛ أو فيهما جميعاً - على حسب حال اليتيم -. قوله تعالى: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾؛ العلم هنا علم معرفة؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولاً واحداً؛ وكأنه ضمن «العلم» معنى التميز؛ يعني يعلمه، فيميز بين هذا، وهذا؛ ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا، وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضاً في الثواب، والجزاء؛ ويشمل ذلك الإفساد الديني، والدنيوي؛ والإصلاح الديني، والدنيوي؛ ويشمل الذي وقع منه الإفساد، أو الصلاح. قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾؛ ﴿لو﴾ شرطية؛ فعل الشرط: ﴿شاء الله﴾؛ وجواب الشرط: ﴿لأعنتكم﴾؛ واللام في جواب ﴿لو﴾ غالبة؛ وليست واجبة الوجود؛ ومن حذفها قوله تعالى: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾ [الواقعة: ٧٠]؛ وإلا فالأكثر وجود اللام في جوابها. وقوله تعالى: ﴿لأعنتكم﴾ أي لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها.

стр. 959

قوله تعالى: ﴿إن الله عزيز حكيم﴾ هذه الجملة تعليل لما سبق من قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم كأنه قال: ولو شاء الله لأعنتكم؛ لأن له العزة، والحكم؛ و «العزيز»، و «الحكيم» اسمان من أسماء الله تقدم معناهما، وأنواعهما. الفوائد: ١ - من فوائد الآيتين: حرص الصحابة ﵃ على معرفة أحكام الله فيما يفعلونه، ويأتونه من مآكل، ومشارب، وغيرها. ٢ - ومنها: أن الدين الإسلامي جاء بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد. ٣ - ومنها: المقارنة في الأمور بين مصالحها، ومفاسدها. ٤ - ومنها: ترجيح المصالح على المفاسد، أو المفاسد على المصالح حسب ما يترتب عليها. ٥ - ومنها: أنه مهما كثرت المنافع في الخمر والميسر، فإن الإثم أكبر من منافعهما. ٦ - ومنها: حرص الصحابة ﵃ على معرفة ما يُبذل، ويُنفَق؛ لقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾. ٧ - ومنها: أن الأفضل في الإنفاق أن ينفق الإنسان ما يزيد على حاجته. ٨ - ومنها: أن دفع الحاجة أفضل من الإنفاق؛ لقوله تعالى: ﴿قل العفو﴾ أي ما زاد على حاجتكم، كما سبق بيانه. ٩ - ومنها: أن الله ﵎ قد بين لعباده البيان التام في آياته الكونية، والشرعية.

стр. 960

١٠ - ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله ؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾. ١١ - ومنها: الحث على التفكر في آيات الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾. ١٢ - ومنها: أن التفكر لا يقتصر على أمور الدنيا؛ بل هو في أمور الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة﴾. ١٣ - ومنها: سؤال الصحابة ﵃ عن اليتامى كيف يعاملونهم؛ وهذا السؤال ناتج عن شدة خوف الصحابة ﵃ فيما يتعلق بأمور اليتامى؛ لأن الله تعالى توعد من يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾. ١٤ - ومنها: مراعاة الإصلاح فيمن ولاه الله على أحد. ١٥ - ومنها: أن الإنسان إذا راعى ما يرى أنه أصلح، ثم لم يكن ذلك فإنه لا شيء عليه؛ لأن الإنسان إنما يؤاخذ بما يدركه؛ لا بما لا يدركه. ١٦ - ومنها: فضيلة الإصلاح في الولايات، وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾؛ فإن المقصود بهذه الجملة الحث على الإصلاح. ١٧ - ومنها: جواز مخالطة الأيتام في أموالهم؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. ١٨ - ومنها: أنه يجب في المخالطة أن يعاملهم معاملة الإخوان؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾؛ ففي هذه الجملة

стр. 961

الحث، والإغراء على ما فيه الخير لهم، كما يسعى لذلك الأخ لأخيه. ١٩ - ومنها: إطلاق الأخ على من هو دونه؛ لأن اليتيم دون من كان ولياً عليه؛ وهذه الأخوة أخوة الدين. ٢٠ - ومنها: التحذير من الإفساد؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾. ٢١ - ومنها: عموم علم الله ﵎، حيث يعلم كل دقيق، وجليل. ٢٢ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾؛ وهذه المشيئة لما يفعله الله تعالى، ولما يفعله العباد؛ لقوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣]. ٢٣ - ومنها: أن الدين يسر، ولا حرج فيه، ولا مشقة؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾. ٢٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله ؛ وهما «العزيز»، و «الحكيم»؛ وإثبات ما دلا عليه من صفة. القرآن (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة: ٢٢١)

стр. 962

التفسير: ﴿٢٢١﴾ قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾؛ النكاح في الأصل الضم، والجمع؛ ومنه قول الشاعر: (أيها المنكح الثريا سهيلاً عمرُك اللَّهُ كيف يجتمعان) يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا، وسهيل - وهما نجمان معروفان -؛ الأول في الشمال؛ والثاني في الجنوب؛ فقوله: «كيف يجتمعان» يدل على أن النكاح في الأصل الجمع، والضم؛ وأما في الشرع فهو عقد على مُحَلَّلة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج، والولادة، والاستمتاع، وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾؛ ﴿تَنكحوا﴾ بفتح التاء؛ أي لا تتزوجوا بهن حتى يؤمنَّ؛ و ﴿المشركات﴾ جمع مشركة؛ والمشركة، أو المشرك، هو من جعل لله شريكاً فيما يختص به سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء، والصفات؛ فمن اتخذ إلهاً يعبده فهو مشرك - ولو آمن بأن الله خالق للكون -؛ ومن اعتقد أن مع الله خالقاً للكون، أو منفرداً بشيء في الكون، أو معيناً لله تعالى في خلق شيء من الكون فهو مشرك. وقوله تعالى: ﴿حتى يؤمن﴾ أي يدخلن في دين الله؛ ودخولهن في دين الله يلزم منه التوحيد. قوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة﴾ أي امرأة مؤمنة ﴿خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾؛ هذه الجملة تعليل للنهي عن نكاح المشركات مؤكدة بلام الابتداء؛ وقوله تعالى: ﴿خير من

стр. 963

مشركة﴾: أطلق الخيرية ليعم كل ما كان مطلوباً في المرأة؛ ﴿ولو أعجبتكم﴾ أي سرتكم، ونالت إعجابكم في جمالها، وخلقها، ومالها، وحسبها، وغير ذلك من دواعي الإعجاب. فإن قيل: كيف جاءت الآية بلفظ: ﴿خير من مشركة﴾ مع أن المشركة لا خير فيها؟ فالجواب من أحد وجهين: الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين، ويراد به التفضيل المطلق - وإن لم يكن في جانب المفضل عليه شيء منه -، كما قال تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. الثاني: أن المشركة قد يكون فيها خير حسي من جمال، ونحوه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ولو أعجبتكم﴾؛ فبين أن ما قد يعتقده ناكح المشركة من خير فيها فإن نكاح المؤمنة خير منه. قوله تعالى: ﴿ولا تُنكحوا المشركين﴾ بضم التاء؛ أي لا تزوجوهم؛ ﴿حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ سبق بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾. قوله تعالى: ﴿أولئك يدعون إلى النار﴾ هذه الجملة تعليل لما سبق؛ والمشار إليه فيها أهل الشرك - أي يدعون الناس إلى النار بأقوالهم، وأفعالهم، وأموالهم -؛ حتى إنهم يبنون المدارس، والمستشفيات، ويلاطفون الناس في معاملتهم خداعاً، ومكراً؛ ولكن قد بين الله نتيجة عملهم في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون

стр. 964

عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون﴾ [الأنفال: ٣٦]. قوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾، أي يدعو الناس إلى الجنة بالحث على الأعمال الصالحات؛ ومغفرة الذنوب بالحث على التوبة، والاستغفار؛ و ﴿بإذنه﴾ أي إذن الله؛ والإذن على قسمين: إذن كوني - وهو ما يتعلق بالمخلوقات، والتقديرات -؛ وإذن شرعي - وهو ما يتعلق بالتشريعات -؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] يعني شرع لكم؛ والظاهر أن الإذن في هذه الآية - والله أعلم - يشمل القسمين؛ لأن دخول الإنسان فيما يكون سبباً للجنة، والمغفرة كوني؛ وما يكون سبباً للجنة، والمغفرة هذا مما شرعه الله. قوله تعالى: ﴿ويبين آياته للناس﴾ أي يظهرها، و «آيات» جمع آية؛ وهي العلامة القاطعة التي تستلزم العلم بمدلولها، كما قال تعالى: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١]. قوله تعالى: ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي يتعظون؛ والجملة تعليلية. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه يحرم على المؤمن نكاح المشركات؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾؛ ويستثنى من ذلك أهل الكتاب من اليهود، والنصارى؛ لقوله

стр. 965

تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ [المائدة: ٥]، فإن هذه الآية: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات ... ﴾ مخصِّصة لآية البقرة؛ و «أل» في قوله تعالى: ﴿اليوم﴾ للعهد الحضوري تفيد أن هذا الحكم ثبت في ذلك اليوم نفسه؛ والآية في سورة المائدة، ونزولها بعد نزول سورة البقرة؛ لكن مع كون ذلك مباحاً فإن الأولى أن لا يتزوج منهن؛ لأنها قد تؤثر على أولاده؛ وربما تؤثر عليه هو أيضاً: إذا أعجب بها لجمالها، أو ذكائها، أو علمها، أو خلقها، وسلبت عقله فربما تجره إلى أن يكفر. ٢ - ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجوداً، وعدماً؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يؤمن﴾؛ فدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح؛ ومتى وجد الشرك حرم النكاح. ٣ - ومنها: أن الزوج وليّ نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾؛ فوجه الخطاب للزوج. ٤ - ومنها: أن المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجب؛ لقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾؛ ومثله قوله تعالى: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ [المائدة: ١٠٠]؛ فلا تغتر بالكثرة؛ ولا تغتر بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ ارجع إلى الأوصاف الشرعية المقصودة شرعاً. ٥ - ومنها: تفاضل الناس في أحوالهم، وأنهم ليسوا على

стр. 966

حد سواء؛ لقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾. ٦ - ومنها: الرد على الذين قالوا: «إن دين الإسلام دين مساواة»؛ لأن التفضيل ينافي المساواة؛ والعجيب أنه لم يأت في الكتاب، ولا في السنة لفظة «المساواة» مثبتاً؛ ولا أن الله أمر بها؛ ولا رغب فيها؛ لأنك إذا قلت بالمساواة استوى الفاسق، والعدل؛ والكافر، والمؤمن؛ والذكر، والأنثى؛ وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ لكن جاء دين الإسلام بكلمة هي خير من كلمة «المساواة»؛ وليس فيها احتمال أبداً، وهي «العدل»، كما قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠]؛ وكلمة «العدل» تعني أن يسوى بين المتماثلين، ويفرق بين المفترقين؛ لأن «العدل» إعطاء كل شيء ما يستحقه؛ والحاصل: أن كلمة «المساواة» أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين؛ وأكثر المسلمين - ولا سيما ذوو الثقافة العامة - ليس عندهم تحقيق، ولا تدقيق في الأمور، ولا تمييز بين العبارات؛ ولهذا تجد الواحد يظن هذه الكلمة كلمة نور تحمل على الرؤوس: «الإسلام دين مساواة»! ونقول: لو قلتم: «الإسلام دين العدل» لكان أولى، وأشد مطابقة لواقع الإسلام. القرآن (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: ٢٢٢)

стр. 967

التفسير: ﴿٢٢٢﴾ قوله تعالى: ﴿يسألونك﴾ أي الناس، أو المسلمون؛ ﴿عن المحيض﴾: يحتمل أن تكون مصدراً ميمياً فتكون بمعنى الحيض؛ أو تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض؛ وهو الفَرْج؛ ولكن الأرجح الاحتمال الأول؛ لقوله تعالى: ﴿قل هو أذًى﴾؛ فإنه لا يحتمل عوده إلى مكان الحيض. قوله تعالى: ﴿قل هو أذًى﴾: أي لكل من الزوج، والزوجة، وبيان ذلك عند الأطباء. قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء﴾ أي اجتنبوا؛ والفاء هنا للتفريع، أو للسببية؛ أي فيتفرع على كونه أذًى توجيه الأمر إليكم باعتزال النساء؛ أو: فبسبب كونه أذًى اعتزلوا النساء في المحيض؛ والمقصود بـ ﴿النساء﴾ هنا الحائضات؛ لقوله تعالى: ﴿في المحيض﴾؛ والمراد بـ ﴿المحيض﴾ هنا مكان الحيض - وهو الفرج -؛ فهي ظرف مكان؛ أي لا تجامعوهن في فروجهن؛ لأنه مكان الحيض. قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن﴾، أي لا تقربوا جماعهن كما يدل عليه ما قبله. قوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ بسكون الطاء، وتخفيف الهاء - أي حتى يطهرن من المحيض بانقطاعه -؛ وفي قراءة ﴿حتى يطّهرن﴾ بتشديد الطاء، والهاء - أي يتطهرن من المحيض بالاغتسال -، كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] أي اغتسلوا؛ وعلامة الطهر للمرأة القَصة البيضاء بأن لا تتغير القطنة إذا احتشت بها؛ وهذا هو الغالب في النساء؛ لكن بعض النساء لا ترى ذلك

стр. 968

- تعرف الطهر بانقطاع الدم فقط ولا ترى القصة البيضاء. قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾: جمهور أهل العلم على أن المراد اغتسلن؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً؛ فهي كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]، أي اغتسلوا. قوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾؛ الفاء رابطة لجواب الشرط؛ وهو قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾؛ والمراد بالإتيان الجماع - كني بالإتيان عن المجامعة -؛ والأمر هنا للإباحة؛ وقيل إن ﴿مِن﴾ بمعنى «في» أي فأتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه؛ وهو الفرج؛ وقيل: إن ﴿مِن﴾ للابتداء؛ فهي على بابها؛ أي فأتوهن من هذه الطريق من حيث أمركم الله؛ وهو أن تطؤوهن في الفروج؛ لقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ والحرث هو موضع الزرع؛ وموضع الزرع هو القبل؛ فيكون معنى قوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ أي من قُبُلهن؛ وليس من الدبر. وقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾؛ هذا تعليل لما سبق من الأوامر؛ وهي اعتزال النساء في المحيض، وإتيانهن من حيث أمر الله بعد التطهر. وقوله تعالى: ﴿يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾: المحبة معروفة؛ و ﴿التوابين﴾ صيغة مبالغة تفيد الكثرة؛ فالتوابون كثيرو التوبة؛ و «التوبة» هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته؛ و ﴿المتطهرين﴾ أي الذين يتطهرون من الأحداث، والأخباث؛ وجمع بين ذلك، وبين التوبة؛ لأن «التوبة» تطهير الباطن؛ و «التطهر» تطهير الظاهر.

стр. 969

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تتابع أسئلة الصحابة ﵃ على رسول الله ﷺ . ٢ - ومنها: حرص الصحابة على العلم، حيث يسألون رسول الله ﷺ عن مثل هذه الأمور. ٣ - ومنها: أنه لا ينبغي أن يستحيي الإنسان من سؤال العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾. ٤ - ومنها: أن الله قد يتولى الإجابة فيما سئل عنه رسول الله ﷺ ، حيث قال تعالى: ﴿قل هو أذًى﴾. ٥ - ومنها: أن المحيض - وهو الحيض - أذًى؛ لأنه قذر، ونجس؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بغسله قليله، وكثيره؛ فقد كان النساء يصيب ثيابهن الحيض، فيسألن النبي ﷺ عن ذلك فيأمرهن بحته، ثم قرصه بالماء، ثم نضحه (١) - أي غسله -. ٦ - ومنها: تعليل الأحكام الشرعية؛ لقوله تعالى: ﴿هو أذًى فاعتزلوا﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: إثبات الحكمة فيما شرعه الله ؛ لكن من الحكمة ما هو معلوم للخلق؛ ومنها ما ليس بمعلوم؛ لكننا نعلم أن جميع أحكام الله الشرعية والقدرية مقرونة بالحكمة. ٧ - ومن فوائد الآية: تقديم علة الحكم عليه حتى تتهيأ النفوس لقبول الحكم، والطمأنينة إليه؛ ويكون قبوله فطرياً؛ لقوله

стр. 970

تعالى: ﴿قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ وقد يتقدم الحكم على العلة - وهو الأكثر كما في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وكما في الحديث الصحيح: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه» (١). ٨ - ومن فوائد الآية: وجوب اعتزال المرأة حال الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ وقد بينت السنة ماذا يعتزل منهن - وهو الجماع -؛ لقول النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (٢). ٩ - ومنها: منة الله على الرجل والمرأة في اعتزالها حال الحيض؛ لأنه أذًى مضر بالمرأة، ومضر بالرجل. ١٠ - ومنها: تحريم الوطء بعد الطهر قبل الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾. ١١ - ومنها: وجوب جماع الزوجة بعد طهرها من الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن﴾؛ وقد قال به بعض أهل العلم؛ ولكن هذا القول ضعيف جداً؛ والصواب أن الأمر فيه لرفع الحظر؛

стр. 971

لأنه ورد بعد النهي؛ ويبقى الحكم على ما كان عليه قبل النهي. ١٢ - ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعدى حدود الله لا زماناً ولا مكاناً فيما أباحه الله من إتيان أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾. ١٣ - ومنها: جواز وطء المرأة في فرجها من ورائها؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾؛ ولم يحدد الجهة التي تؤتى منها المرأة. ١٤ - ومنها: أنه لا يباح وطؤها في الدبر؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، ولقوله تعالى في المحيض: ﴿قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ ومن المعلوم أن أذى الغائط أقبح من أذى دم الحيض؛ وهذا - أعني تحريم وطء الدبر - قد أجمع عليه الأئمة الأربعة؛ ولم يصح عن أحد من السلف جوازه؛ وما روي عن بعضهم مما ظاهره الجواز فمراده إتيانها من الدبر في الفرج. ١٥ - ومنها: إثبات محبة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾؛ والمحبة صفة حقيقية لله على الوجه اللائق به؛ وهكذا جميع ما وصف الله به نفسه من المحبة، والرضا، والكراهة، والغضب والسخط، وغيرها؛ كلها ثابتة لله على وجه الحقيقة من غير تكييف ولا تمثيل. ١٦ - ومنها: أن محبة الله من صفاته الفعلية - لا الذاتية -؛ لأنها علقت بالتوبة؛ والتوبة من فعل العبد تتجدد؛ فكذلك محبة الله تتعلق بأسبابها؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بأسبابها فهي من الصفات الفعلية.

стр. 972

١٧ - ومنها: فضيلة التوبة، وأنها أمر مطلوب، وأنها من أسباب محبة الله للعبد؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾. ١٨ - ومنها: محبة الله تعالى للمتطهرين؛ لقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾. ١٩ - ومنها: حسن أسلوب القرآن؛ لأنه جمع في هذه الآية بين التطهر المعنوي الباطني، والتطهر الحسي الظاهري؛ لقوله تعالى: ﴿يحب التوابين﴾ - وهي طهارة باطنة -؛ وقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾ - وهي طهارة ظاهرة -. القرآن (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٢٢٣) التفسير: ﴿٢٢٣﴾ قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ يعني زوجاتكم موضع حرث لكم، كما تكون الأرض حرثاً للزارع يبث فيها الحب؛ فيخرج الحب، وينمو، ويُنتفع به؛ كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق، فينزرع في الرحم حتى ينمو، ويخرج بشراً سوياً. قوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم﴾: الفاء للسببية، أو للتفريع؛ والمراد بـ «الحرث» هنا موضع الحرث - وهو الفرج -. قوله تعالى: ﴿أنى شئتم﴾ أي من حيث شئتم؛ فـ ﴿أنى﴾ ظرف مكان؛ والمعنى: ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم؛ من

стр. 973

جهة القبل - يعني الأمام -؛ أو من جهة الخلف؛ أو على جنب؛ المهم أن يكون الإتيان في الحرث؛ وقد زعمت اليهود أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها صار الولد أحول؛ وكذبوا في ذلك؛ وقد أنزل الله تكذيبهم في هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾. قوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ يعني الطاعات، وما ينفعنا عند الله ؛ وإنما قال ذلك بعد ذكر إتيان النساء حتى لا ننشغل بهؤلاء النساء عن تقديم ما ينفعنا يوم القيامة؛ ومن التقديم للنفس أن يبتغي الإنسان بإتيان أهله تحصين فرجه، وتحصين فرج امرأته؛ وطلب الولد الصالح، وما أشبه ذلك مما يقارن الجماع من الأعمال الصالحة بالنية. قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾: لما أمرنا بالتقديم لأنفسنا بالأعمال الصالحة أمرنا بالتقوى - وهي فعل أوامره -، واجتناب نواهيه. قوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾ أي في يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه * فأما من أوتي كتابه بيمينه ... ﴾ [الانشقاق: ٦، ٧] الآيات. قوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ أي أخبرهم بما يسرهم؛ و «المؤمن» هنا يتضمن المسلم؛ وعلى هذا فلا بد مع الإيمان من عمل صالح. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن النساء حرث للرجال؛ بمعنى موضع زراعة.

стр. 974

٢ - ومنها: أن الرجل حرٌّ في الحرث: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل؛ لكن عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف في كل ما يعاملها به؛ لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ٣ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحاول كثرة النسل؛ لقوله تعالى: ﴿حرث لكم﴾؛ وإذا كانت حرثاً فهل الإنسان عندما يحرث أرضاً يقلل من الزرع، أو يكثر من الزرع؟ فالجواب: الإنسان عندما يحرث أرضاً يكثر من الزرع؛ ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : «تزوجوا الودود الولود» (١)؛ وأما القول بتحديد النسل فهذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين يريدون من المسلمين ألا يكثروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، واستغنوا بأنفسهم عنهم: حرثوا الأرض، وشغَّلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد، وغير ذلك من المصالح؛ فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذلة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء؛ ثم هل الأمر بيد الإنسان في بقاء النسل الذي حدده؟! فقد يموت هؤلاء المحدَّدون؛ فلا يبقى للإنسان نسل. ٤ - ومن فوائد الآية: جواز إتيان المرأة في محل الحرث من أيّ جهة؛ قوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾.

стр. 975

٥ - ومنها: مشروعية أن ينوي الإنسان بجماعه الولد؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم﴾؛ فجعل الإتيان للحرث؛ فكأنه أشار إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتي المرأة من أجل طلب الولد؛ وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه ما جامع إلا بقصد الولد؛ وعلى كل حال الناس مختلفون في هذا؛ ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد، ويريد بذلك قضاء الوطر. ٦ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على هذه المرأة التي أضيفت له، وسميت حرثاً له كما يحافظ على حرث أرضه. ٧ - ومنها: أنه يشرع للمرء أن يقدم لنفسه عند الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾؛ وسبق معنى قوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾. ٨ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٩ - ومنها: وجوب معاملة الأهل حسب ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله؛ ولقوله تعالى: ﴿من حيث أمركم الله﴾. ١٠ - ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾. ١١ - ومنها: إثبات رؤية الله؛ لقوله تعالى: ﴿ملاقوه﴾؛ والملاقاة في الأصل المقابلة مع عدم الحاجب. ١٢ - ومنها: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أمر بالتقوى قال تعالى: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾. ١٣ - ومنها: أن من البلاغة إذا أخبرت إنساناً بأمر هام أن تقدم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا﴾؛ وهذا مما يزيد الإنسان انتباهاً وتحسباً لهذه الملاقاة.

стр. 976

١٤ - ومنها: أن المؤمنين ناجون عند ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾. ١٥ - ومنها: أن البشارة للمؤمنين مطلقة، حيث قال تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾. ١٦ - ومنها: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة؛ ووجهه: عدم التقييد؛ وقد قال الله في آية أخرى: ﴿لهم البشرى في الحياة وفي الآخرة﴾ [يونس: ٦٤]؛ وسئل النبي ﷺ عنها فقال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له» (١). ١٧ - ومنها: تحذير غير المؤمنين من هذه الملاقاة؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾؛ فدل ذلك على أن غير المؤمنين لا بشرى لهم. ١٨ - ومنها: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علق البشارة عليه؛ فقال تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾. القرآن (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٢٤)

стр. 977

التفسير: ﴿٢٢٤﴾ قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾، أي لا تصيروا الحلف بالله معترضاً بينكم، وبين البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ فـ «البر» فعل الخيرات؛ و «التقوى» هنا اجتناب الشرور؛ و «الإصلاح بين الناس» التوفيق بين المتنازعين حتى يلتئم بعضهم إلى بعض، ويزول ما في أنفسهم. قوله تعالى: ﴿والله سميع عليم﴾، أي سميع لما يقال عليم بكل شيء. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: نهي الإنسان عن جعل اليمين مانعة له من فعل البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ والنهي للتحريم إذا كانت مانعة له من واجب؛ وقد صح عن النبي ﷺ قوله: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير» (١). ٢ - ومنها: الحث على البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ وجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعاً من فعل البر فما بالك إذا لم يكن هناك يمين. ٣ - ومنها: فضيلة الإصلاح بين الناس؛ لقوله تعالى:

стр. 978

﴿وتصلحوا بين الناس﴾؛ فنص عليه مع أنه من البر؛ والتنصيص على الشيء بعد التعميم يدل على العناية به، والاهتمام به؛ ولا ريب أن الإصلاح بين الناس من الأمور الهامة لما فيه من رأب الصدع، ولمّ الشعث، وجمع الشمل؛ وهذا خلاف من يفعلون ما يوجب القطيعة بين الناس، مثل النميمة - فهي توجب القطيعة بين الناس -؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» (١). ٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «السميع» و «العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وما تضمناه من حكم، وأثر. ٥ - ومنها: تحذير الإنسان من المخالفة؛ وجهه: أنه إذا كان الله سميعاً عليماً فإياك أن تخالف ما أمرك به؛ فإنك إن خالفته بما يُسمَع سَمِعك؛ وبما يُعلَم عَلِمك؛ فاحذر الله . القرآن (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة: ٢٢٥) التفسير: ﴿٢٢٥﴾ قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم﴾؛ «يؤاخذ» لها معنيان؛ أحدهما: المؤاخذة بالعقوبة؛ والثاني: المؤاخذة بإلزام الكفارة؛ و «اللغو» في اللغة الشيء

стр. 979

الساقط؛ والمراد به هنا اليمين التي لا يقصدها الحالف، كقول: «لا واللَّهِ»؛ «بلى والله» في عرض حديثه؛ ويبين ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩] أي نويتم عقده؛ و «الأيمان» جمع يمين؛ وهو القسم؛ والقسم: تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة - هي الواو، والباء، والتاء -؛ مثل: «والله»، و «بالله»، و «تالله». قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾، يفسره قوله تعالى: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]. قوله تعالى: ﴿والله غفور حليم﴾؛ لما ذكر اللغو من اليمين، والمنعقد منهما ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين؛ وسبق معنى «الغفور»؛ و «الحليم» هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: عدم مؤاخذة العبد بما لم يقصده في لفظه؛ وهذه الفائدة قاعدة عظيمة يترتب عليها مسائل كثيرة؛ منها لو جرى لفظ الطلاق على لسانه بغير قصد لم تطلق امرأته؛ ولو طلق في حال غضب شديد لم تطلق امرأته؛ ولو قال كفراً في حال فرح شديد لم يكفر، كما في حديث: «للَّهُ أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم ... » (١) الحديث؛ ولو أكره على كلمة الكفر

стр. 980

فقالها وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر؛ وأمثلتها كثيرة. ٢ - ومن فوائد الآية: أن المدار على ما في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. ٣ - ومنها: أن للقلوب كسباً، كما للجوارح؛ فأما ما حدَّث به الإنسان نفسه دون اطمئنان إليه فإنه لا يؤاخذ به؛ لأنه ليس بعمل؛ ولهذا جاء في الحديث قول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (١). ٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين؛ وهما «الغفور»، و «الحليم»؛ وما تضمناه من وصف، وحكم. ٥ - ومنها: الإشارة إلى أن من مغفرة الله وحلمه أن أسقط المؤاخذة باللغو في الأيمان. ٦ - ومنها: أن لا نيأس من رحمة الله؛ لأنه غفور؛ وأن لا نأمن مكر الله؛ لأنه حليم؛ فيكون العبد سائراً إلى الله بين الرجاء والخوف. القرآن (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ٢٢٦)) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٢٧)

стр. 981

التفسير: ﴿٢٢٦﴾ قوله تعالى: ﴿للذين﴾ خبر مقدم؛ و ﴿تربص﴾ مبتدأ مؤخر؛ وبعد هذا بين الله الحال بعد هذا التربص. قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾: اللام يحتمل أن تكون للإباحة؛ ويحتمل أن تكون للتوقيت؛ يعني: أنه يباح للمولين أن يتربصوا أربعة أشهر؛ أو أن لهم وقتاً محدداً بأربعة أشهر؛ و ﴿يؤلون﴾ أي يحلفون على ترك وطء زوجاتهم؛ و ﴿مِن﴾: قيل إنها بمعنى «عن»؛ يعني يحلفون عن وطء نسائهم؛ وقيل: إنها على بابها؛ فهي مبينة لموضع الإيلاء - يعني: الحلف -؛ و ﴿نسائهم﴾ أي زوجاتهم. قوله تعالى: ﴿تربص﴾ أي انتظار؛ وهو شبيه بـ «الصبر» لموافقته إياه في الحروف - وإن خالفه في الترتيب -؛ و «الصبر» بمعنى حبس النفس، وانتظارها؛ ﴿أربعة أشهر﴾ أي مدة أربعة أشهر؛ فينتظرون لمدة أربعة أشهر ابتداءً من إيلائهم. قوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾ أي رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلوا منهن؛ ﴿فإن الله غفور﴾ أي يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على ألا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف؛ وليس من العشرة بالمعروف أن يحلف الإنسان ألا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر؛ فإن فعل فقد عرض نفسه للعقوبة؛ لكنه إذا رجع غفر الله له؛ و ﴿غفور﴾ أي ذو مغفرة، كما قال تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦]؛ والمغفرة هي ستر الذنب مع

стр. 982

التجاوز عنه مأخوذة من «المغفر»؛ وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام؛ وفي المغفر تغطية، ووقاية؛ و ﴿رحيم﴾ أي ذو رحمة، كما قال تعالى: ﴿وربك الغني ذو الرحمة﴾ [الأنعام: ١٣٣]؛ فهو مشتق من الرحمة المستلزمة للعطف، والحنوّ، والإحسان، ودفع النقم. ﴿٢٢٧﴾ قوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ أي قصدوه بعزيمة تامة؛ ويدل على أن العزم هنا بمعنى القصد أنه تعدى بنفسه إلى الطلاق؛ ولو كان العزم بمعناه الأصلي لتعدى بـ «على»؛ فإنك تقول: «عزم على كذا»؛ ولا تقول: «عزم كذا». قوله تعالى: ﴿فإن الله سميع عليم﴾ أي سميع لأقوالهم - ومنها الطلاق -؛ عليم بأحوالهم - ومنها مفارقة زوجاتهم -. الفوائد: ١ - من فوائد الآيتين: ثبوت حكم الإيلاء؛ لأن الله تعالى وقَّت له أربعة أشهر. ٢ - ومنها: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله تعالى: [من نسائهم﴾؛ فلو حلف أن لا يطأ أمته لم يثبت له حكم الإيلاء؛ ولو حلف أن لا يطأ امرأة، ثم تزوجها، لم يكن له حكم الإيلاء - لكن لو جامع وجبت عليه كفارة يمين -. ٣ - ومنها: أن المولي يضرب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾؛ فيفيد أن ابتداء المدة من الإيلاء. ٤ - ومنها: حكمة الله ، ورحمته بعباده في مراعاة حقوق الزوجة؛ وكما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضاً

стр. 983

حتى لا يضيع حق المرأة على يده، فيكون ظالماً. ٥ - ومنها: أن المولي يوقف عند مضي أربعة أشهر، ويقال له: إما أن تفيء؛ وإما أن تطلق؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾. ٦ - ومنها: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾؛ والضمير يعود على «الذين يؤلون من نسائهم». ٧ - ومنها: صحة الإيلاء من غير المدخول بها؛ لقوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾؛ والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد الصحيح. ٨ - ومنها: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق محرم؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾؛ فإن المغفرة لا تكون إلا في مقابلة ذنب. ٩ - ومنها: أن رجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾. ١٠ - ومنها: أن الله لا يحب الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ١١ - ومنها: أن الطلاق لا يقع بمجرد تمام مدة الإيلاء؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾؛ فإن قيل: لو امتنع عن الفيئة، والطلاق فهل يجبر على أحدهما؟ فالجواب: نعم؛ يجبر على أحدهما إذا طالبت الزوجة بذلك؛ لأنه حق لها؛ فإن أبى فللحاكم أن يطلق، أو يفسخ النكاح؛ والفسخ أولى من الطلاق لئلا تحسب عليه طلقة، فيضيق عليه العدد - أي عدد الطلاق -.

стр. 984

مسألة: هل يصح الإيلاء من الصغير الذي لم يبلغ؟ الجواب: لا يصح؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾؛ والصبي لا تنعقد منه اليمين؛ لأنه غير مكلف. ١٢ - ومنها: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله ؛ وهي «الغفور»، و «الرحيم»، و «السميع»، و «العليم»؛ وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات، والأحكام. ١٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الفيئة أحب إلى الله من الطلاق؛ لأن ذلك نوع من التهديد القرآن (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٢٨) التفسير: ﴿٢٢٨﴾ قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾ أي اللاتي طلقهن أزواجهن؛ ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ أي ينتظرن في العدة، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح؛ فقيل لها: تربصي بنفسك؛ انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك -؛ وما أشبهها؛ وأما قول من قال: إن «أنفسهن» توكيد للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن

стр. 985

أنفسُهن؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح: أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن. قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ جمع قَرْء بفتح القاف؛ وهو الحيض على أرجح القولين؛ وهو رأي الجمهور؛ لقول النبي ﷺ في المستحاضة: «تجلس أيام أقرائها» (١) أي حيضها؛ فقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ أي ثلاث حيض. قوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن﴾ أي يخفين ﴿ما خلق الله في أرحامهن﴾ أي من الحمل؛ فلا يحل لها أن تكتم الحمل؛ و ﴿أرحامهن﴾ جمع رحم؛ وهو مقر الحمل؛ وسمي رحماً؛ لأنه ينضم على الجنين، ويحفظه؛ فهو كذوي الأرحام من انضمامهم على قريبهم، وحنوهم عليه، وعطفهم عليه. قوله تعالى: ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ هذه الجملة فيها إغراء لالتزام الحكم السابق؛ وهي تشبه التحدي؛ يعني إن كن صادقات في الإيمان بالله، واليوم الآخر فلا يكتمن حملهن؛ والمراد بـ ﴿اليوم الآخر﴾ يوم القيامة؛ وإنما سمي اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده؛ فالناس إذا بعثوا يوم القيامة فليس هناك موت؛ بل إما خلود في الجنة؛ وإما خلود في النار؛ وذكر اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فعل الطاعات، واجتناب المنهيات؛ لأنه يعلم أن أمامه يوماً يجازى فيه الإنسان على
следующие страницы →