Полный текст (381 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ضَرَرَانِ قَصَدَ الشَّرْعُ دَفْعَ أَشَدِّ الضَّرَرَيْنِ وَأَعْظَمَ الشَّرَّيْنِ وَمَا يُؤَدِّيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا يُخَاطِرُ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَوْ خَلَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْ ذِي شَوْكَةٍ يَحْفَظُ نِظَامَ الْأُمُورِ وَيَقْطَعُ مَادَّةَ الشُّرُورِ وَكَانَ هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ شَهَادَةِ أُصُولٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ عِمَارَةَ الْقَنَوَاتِ وَإِخْرَاجَ أُجْرَةِ الْفِصَادِ وَثَمَنِ الْأَدْوِيَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ تَنْجِيزُ خُسْرَانٍ لِتَوَقُّعِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ.
وَهَذَا أَيْضًا يُؤَيِّدُ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ، لَكِنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ فِي الْأَمْوَالِ، وَالْأَمْوَالُ مُبْتَذَلَةٌ يَجُوزُ ابْتِذَالُهَا فِي الْأَغْرَاضِ الَّتِي هِيَ أَهَمُّ مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَحْظُورُ سَفْكُ دَمٍ مَعْصُومٍ مِنْ غَيْرِ ذَنْبِ سَافِكٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَبِأَيِّ طَرِيقٍ بَلَّغَ الصَّحَابَةُ حَدَّ الشُّرْبِ إلَى ثَمَانِينَ، فَإِنْ كَانَ حَدُّ الشُّرْبِ مُقَدَّرًا فَكَيْفَ زَادُوا بِالْمَصْلَحَةِ؟ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا وَكَانَ تَعْزِيرًا فَلِمَ افْتَقَرُوا إلَى الشُّبَهِ بِحَدِّ الْقَذْفِ؟ قُلْنَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا، لَكِنْ ضُرِبَ الشَّارِبُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ فَقُدِّرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّقْوِيمِ بِأَرْبَعِينَ، فَرَأَوْا الْمَصْلَحَةَ فِي الزِّيَادَةِ فَزَادُوا، وَالتَّعْزِيرَاتُ مُفَوَّضَةٌ إلَى رَأْيِ الْأَئِمَّةِ، فَكَأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ.
وَقِيلَ لَهُمْ: اعْمَلُوا بِمَا رَأَيْتُمُوهُ أَصْوَبَ بَعْدَ أَنْ صَدَرَتْ الْجِنَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبَةِ. وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُرِيدُوا الزِّيَادَةَ عَلَى تَعْزِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِتَقْرِيبٍ مِنْ مَنْصُوصَاتِ الشَّرْعِ، فَرَأَوْا الشُّرْبَ مَظِنَّةَ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ مَنْ سَكِرَ هَذَى، وَمَنْ هَذَى افْتَرَى، وَرَأَوْا الشَّرْعَ يُقِيمُ مَظِنَّةَ الشَّيْءِ مُقَامَ نَفْسِ الشَّيْءِ كَمَا أَقَامَ النَّوْمَ مُقَامَ الْحَدَثِ، وَأَقَامَ الْوَطْءَ مُقَامَ شَغْلِ الرَّحِمِ، وَالْبُلُوغَ مُقَامَ نَفْسِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ مَظَانُّ هَذِهِ الْمَعَانِي، فَلَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ مُخَالَفَةً لِلنَّصِّ بِالْمَصْلَحَةِ أَصْلًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا قَوْلُكُمْ فِي الْمَصَالِحِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَشْخَاصِ مِثْلِ الْمَفْقُودِ زَوْجُهَا إذَا انْدَرَسَ خَبَرُ مَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ وَقَدْ انْتَظَرَتْ سِنِينَ وَتَضَرَّرَتْ بِالْعُزُوبَةِ، أَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا لِلْمَصْلَحَةِ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ إذَا عَقَدَ وَلِيَّانِ أَوْ وَكِيلَانِ نِكَاحَيْنِ، أَحَدُهُمَا سَابِقٌ وَاسْتَبْهَمَ الْأَمْرُ وَوَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ الْبَيَانِ بَقِيَتْ الْمَرْأَةُ مَحْبُوسَةً طُولَ الْعُمُرِ عَنْ الْأَزْوَاجِ وَمُحَرَّمَةً عَلَى زَوْجِهَا الْمَالِكِ لَهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا تَبَاعَدَ حَيْضُهَا عَشْرَ سِنِينَ وَتَعَوَّقَتْ عِدَّتُهَا وَبَقِيَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ النِّكَاحِ، هَلْ يَجُوزُ لَهَا الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ أَوْ تَكْتَفِي بِتَرَبُّصِ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ وَدَفْعُ ضَرَرٍ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مَقْصُودٌ شَرْعًا.
قُلْنَا الْمَسْأَلَتَانِ الْأُولَيَانِ مُخْتَلِفٌ فِيهِمَا فَهُمَا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ قَالَ عُمَرُ: " تُنْكَحُ زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ انْقِطَاعِ الْخَبَرِ " وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: تَصْبِرُ إلَى قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَوْتِهِ وَانْقِضَاءِ مُدَّةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّا إنْ حَكَمْنَا بِمَوْتِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَهُوَ بَعِيدٌ، إذْ لِانْدِرَاسِ الْأَخْبَارِ أَسْبَابٌ سِوَى الْمَوْتِ لَا سِيَّمَا فِي الْخَامِلِ الذِّكْرِ النَّازِلِ الْقَدْرِ، وَإِنْ فَسَخْنَا فَالْفَسْخُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَعْذَارٌ وَعُيُوبٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ مِنْ إعْسَارٍ وَجَبٍّ وَعُنَّةٍ، فَإِذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ دَائِمَةً فَغَايَتُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْوَطْءِ، وَذَلِكَ فِي الْحَضْرَةِ لَا يُؤَثِّرُ فَكَذَلِكَ فِي الْغَيْبَةِ.
فَإِنْ قِيلَ سَبَبُ الْفَسْخِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهَا وَرِعَايَةُ جَانِبِهِمَا، فَيُعَارِضُهُ أَنَّ رِعَايَةَ جَانِبِهِ أَيْضًا وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ وَاجِبٌ وَفِي تَسْلِيمِ زَوْجَتِهِ إلَى غَيْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ وَلَعَلَّهُ مَحْبُوسٌ أَوْ مَرِيضٌ مَعْذُورٌ إضْرَارٌ بِهِ فَقَدْ تَقَابَلَ الضَّرَرَانِ وَمَا مِنْ سَاعَةٍ إلَّا وَقُدُومُ الزَّوْجِ فِيهَا مُمْكِنٌ فَلَيْسَ تَصْفُو هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ عَنْ مُعَارِضٍ.
وَكَذَلِكَ
стр. 177
اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ. وَلَوْ قِيلَ بِالْفَسْخِ مِنْ حَيْثُ تَعَذُّرُ إمْضَاءِ الْعَقْدِ فَلَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ مَصْلَحَةٍ لَا يَعْتَضِدُ بِأَصْلٍ مُعَيَّنٍ بَلْ تَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ الْمُعَيَّنَةُ، أَمَّا تَبَاعُدُ الْحَيْضَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهَا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَبْلُغْنَا خِلَافٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى التَّرَبُّصَ بِالْأَقْرَاءِ إلَّا عَلَى اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ الْآيَاتِ، مَا مِنْ لَحْظَةٍ إلَّا وَيُتَوَقَّعُ فِيهَا هُجُومُ الْحَيْضِ وَهِيَ شَابَّةٌ. فَمِثْلُ هَذَا الْقَدْرِ النَّادِرِ لَا يُسَلِّطُنَا عَلَى تَخْصِيصِ النَّصِّ، فَإِنَّا لَمْ نَرَ الشَّرْعَ يَلْتَفِتُ إلَى النَّوَادِرِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَكَانَ لَا يَبْعُدُ عِنْدِي لَوْ اكْتَفَى بِأَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهُوَ أَرْبَعُ سِنِينَ، لَكِنْ لَمَّا أُوجِبَتْ الْعِدَّةُ مَعَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى يَقِينِ الْبَرَاءَةِ غَلَبَ التَّعَبُّدُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ مِلْتُمْ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إلَى الْقَوْلِ بِالْمَصَالِحِ ثُمَّ أَوْرَدْتُمْ هَذَا الْأَصْلَ فِي جُمْلَةِ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ، فَلْيُلْحَقْ هَذَا بِالْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ لِيَصِيرَ أَصْلًا خَامِسًا بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ؟ قُلْنَا: هَذَا مِنْ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ، إذْ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَصْلٌ خَامِسٌ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّا رَدَدْنَا الْمَصْلَحَةَ إلَى حِفْظِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَمَقَاصِدُ الشَّرْعِ تُعْرَفُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. فَكُلُّ مَصْلَحَةٍ لَا تَرْجِعُ إلَى حِفْظِ مَقْصُودٍ فُهِمَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَانَتْ مِنْ الْمَصَالِحِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي لَا تُلَائِمُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ مُطَّرِحَةٌ، وَمَنْ صَارَ إلَيْهَا فَقَدْ شَرَّعَ كَمَا أَنَّ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ وَكُلُّ مَصْلَحَةٍ رَجَعَتْ إلَى حِفْظِ مَقْصُودٍ شَرْعِيٍّ عُلِمَ كَوْنُهُ مَقْصُودًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ خَارِجًا مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ، لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى قِيَاسًا بَلْ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، إذْ الْقِيَاسُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ وَكَوْنُ هَذِهِ الْمَعَانِي مَقْصُودَةً عُرِفَتْ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لَا حَصْرَ لَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنُ الْأَحْوَالِ وَتَفَارِيقُ الْأَمَارَاتِ تُسَمَّى لِذَلِكَ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، وَإِذَا فَسَّرْنَا الْمَصْلَحَةَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ فَلَا وَجْهَ لِلْخِلَافِ فِي اتِّبَاعِهَا بَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ بِكَوْنِهَا حُجَّةً.
وَحَيْثُ ذَكَرْنَا خِلَافًا فَذَلِكَ عِنْدَ تَعَارُضِ مَصْلَحَتَيْنِ وَمَقْصُودَيْنِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَرْجِيحُ الْأَقْوَى؛ وَلِذَلِكَ قَطَعْنَا بِكَوْنِ الْإِكْرَاهِ مُبِيحًا لِكَلِمَةِ الرِّدَّةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ وَتَرْكِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْحَذَرَ مِنْ سَفْكِ الدَّمِ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَا يُبَاحُ بِهِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ مَحْذُورِ الْإِكْرَاهِ.
فَإِذًا مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ التَّرْجِيحُ، إذْ الشَّرْعُ مَا رَجَّحَ الْكَثِيرَ عَلَى الْقَلِيلِ فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ وَرَجَّحَ الْكُلَّ عَلَى الْجُزْءِ فِي قَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ. وَهَلْ يُرَجَّحُ الْكُلِّيُّ عَلَى الْجُزْئِيِّ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ؟ فِيهِ خِلَافٌ؛ وَلِذَلِكَ يُمْكِنُ إظْهَارُ هَذِهِ الْمَصَالِحِ فِي صِيغَةِ الْبُرْهَانِ، إذْ تَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ مُخَالَفَةُ مَقْصُودِ الشَّرْعِ حَرَامٌ وَفِي الْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ مُخَالَفَةٌ لِمَقْصُودِ الشَّرْعِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُنْكِرُ أَنَّ مُخَالَفَةَ مَقْصُودِ الشَّرْعِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ مُخَالَفَةً قِيلَ: فَالْكَفُّ عَنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ مَقْصُودٌ وَفِي هَذَا مُخَالَفَةُ الْمَقْصُودِ. قُلْنَا: هَذَا مَقْصُودٌ وَقَدْ اُضْطُرِرْنَا إلَى مُخَالَفَةِ أَحَدِ الْمَقْصُودَيْنِ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ، وَالْجُزْئِيُّ مُحْتَقَرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْكُلِّيِّ، وَهَذَا جُزْئِيٌّ بِالْإِضَافَةِ، فَلَا يُعَارَضُ بِالْكُلِّيِّ. فَإِنْ قِيلَ مُسَلَّمٌ أَنَّ هَذَا جُزْئِيٌّ وَلَكِنْ يُسَلَّمُ أَنَّ الْجُزْئِيَّ مُحْتَقَرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْكُلِّيِّ، فَاحْتِقَارُ الشَّرْعِ لَهُ يُعْرَفُ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ. قُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ لَا بِنَصٍّ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِتَفَارِيقِ أَحْكَامٍ وَاقْتِرَانِ
стр. 178
دَلَالَاتٍ لَمْ يَبْقَ مَعَهَا شَكٌّ فِي أَنَّ حِفْظَ خُطَّةِ الْإِسْلَامِ وَرِقَابَ الْمُسْلِمِينَ أَهَمُّ فِي مَقَاصِدِ الشَّرْعِ مِنْ حِفْظِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فِي سَاعَةٍ أَوْ نَهَارٍ وَسَيَعُودُ الْكُفَّارُ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، فَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ، كَمَا أَبَحْنَا أَكْلَ مَالِ الْغَيْرِ بِالْإِكْرَاهِ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْمَالَ حَقِيرٌ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الدَّمِ وَعُرِفَ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا فَهِمْتُمْ أَنَّ حِفْظَ الْكَثِيرِ أَهَمُّ مِنْ حِفْظِ الْقَلِيلِ فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ وَفِي الْإِكْرَاهِ وَفِي الْمَخْمَصَةِ قُلْنَا: لَمْ نَفْهَمْ ذَلِكَ، إذْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ شَخْصَانِ عَلَى قَتْلِ شَخْصٍ لَا يَحِلُّ لَهُمَا قَتْلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِينَ أَكْلُ مُسْلِمٍ فِي الْمَخْمَصَةِ، فَمَنَعَ الْإِجْمَاعُ مِنْ تَرْجِيحِ الْكَثْرَةِ.
أَمَّا تَرْجِيحُ الْكُلِّيِّ فَمَعْلُومٌ إمَّا عَلَى الْقَطْعِ وَإِمَّا بِظَنٍّ قَرِيبٍ مِنْ الْقَطْعِ يَجِبُ اتِّبَاعُ مِثْلِهِ فِي الشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى خِلَافِهِ بِخِلَافِ الْكَثْرَةِ؛ إذْ الْإِجْمَاعُ فِي الْإِكْرَاهِ وَفِي الْمَخْمَصَةِ مَنَعَ مِنْهُ. فَبِهَذِهِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا يَجُوزُ اتِّبَاعُ الْمَصَالِحِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِصْلَاحَ لَيْسَ أَصْلًا خَامِسًا بِرَأْسِهِ بَلْ مَنْ اسْتَصْلَحَ فَقَدْ شَرَّعَ كَمَا أَنَّ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ، وَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الِاسْتِصْلَاحَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْقُطْبِ الثَّانِي مِنْ الْأُصُولِ.
[الْقُطْبُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ مُثْمِرَاتِ الْأُصُولِ]
[صَدْر الْقُطْب الثَّالِث وَفِيهِ ثَلَاثَة فنون]
[الْفَنُّ الْأَوَّلُ فِي الْمَنْظُومِ وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَالْوَضْعُ]
[الْمُقَدِّمَةُ وَتَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ فُصُولٍ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَبْدَإِ اللُّغَاتِ]
الْقُطْبُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ مُثْمِرَاتِ الْأُصُولِ
وَيَشْتَمِلُ هَذَا الْقُطْبُ عَلَى صَدْرٍ وَمُقَدِّمَةٍ وَثَلَاثَةِ فُنُونٍ. صَدْرُ الْقُطْبِ الثَّالِثِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقُطْبَ هُوَ عُمْدَةُ عِلْمِ الْأُصُولِ.
لِأَنَّ مَيْدَانَ سَعْيِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي اقْتِبَاس الْأَحْكَامِ مِنْ أُصُولِهَا وَاجْتِنَائِهَا مِنْ أَغْصَانِهَا إذْ نَفْسُ الْأَحْكَامِ لَيْسَتْ تَرْتَبِطُ بِاخْتِيَارِ الْمُجْتَهِدِينَ وَرَفْعُهَا وَوَضْعُهَا. وَالْأُصُولُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ لَا مَدْخَلَ لِاخْتِيَارِ الْعِبَادِ فِي تَأْسِيسِهَا وَتَأْصِيلِهَا، وَإِنَّمَا مَجَالُ اضْطِرَابِ الْمُجْتَهِدِ وَاكْتِسَابِهِ اسْتِعْمَالُ الْفِكْرِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَاقْتِبَاسِهَا مِنْ مَدَارِكِهَا، وَالْمَدَارِكُ هِيَ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَمَرْجِعُهَا إلَى الرَّسُولِ ﷺ ، إذْ مِنْهُ يُسْمَعُ الْكِتَابُ أَيْضًا وَبِهِ يُعْرَفُ الْإِجْمَاعُ. وَالصَّادِرُ مِنْهُ مِنْ مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ ثَلَاثَةٌ: إمَّا لَفْظٌ، وَإِمَّا فِعْلٌ، وَإِمَّا سُكُوتٌ وَتَقْرِيرٌ. وَنَرَى أَنْ نُؤَخِّرَ الْكَلَامَ فِي الْفِعْلِ وَالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا أَوْجَزُ وَاللَّفْظُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْحُكْمِ بِصِيغَتِهِ وَمَنْظُومِهِ، أَوْ بِفَحْوَاهُ وَمَفْهُومِهِ، أَوْ بِمَعْنَاهُ وَمَعْقُولِهِ، وَهُوَ الِاقْتِبَاسُ الَّذِي يُسَمَّى قِيَاسًا. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ فُنُونٍ الْمَنْظُومِ وَالْمَفْهُومِ وَالْمَعْقُولِ.
الْفَنُّ الْأَوَّلُ: فِي الْمَنْظُومِ وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَالْوَضْعُ.
وَيَشْتَمِلُ هَذَا الْفَنُّ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي الظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ، الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ. فَهَذَا صَدْرُ هَذَا الْقُطْبِ. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَتَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مَبْدَإِ اللُّغَاتِ أَنَّهُ اصْطِلَاحٌ أَمْ تَوْقِيفٌ، الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنَّ اللُّغَةَ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي اللَّفْظِ الْمُفِيدِ وَغَيْرِ الْمُفِيدِ، الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي طَرِيقِ فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْ الْخِطَابِ عَلَى الْجُمْلَةِ، الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ.
стр. 179
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مَبْدَإِ اللُّغَاتِ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ، إذْ كَيْفَ تَكُونُ تَوْقِيفًا وَلَا يُفْهَمُ التَّوْقِيفُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ صَاحِبِ التَّوْقِيفِ مَعْرُوفًا لِلْمُخَاطَبِ بِاصْطِلَاحٍ سَابِقٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، إذْ الِاصْطِلَاحُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِخِطَابٍ وَمُنَادَاةٍ وَدَعْوَةٍ إلَى الْوَضْعِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِلَفْظٍ مَعْرُوفٍ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ لِلِاصْطِلَاحِ وَقَالَ قَوْمٌ: الْقَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّنْبِيهُ وَالْبَعْثُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ يَكُونُ بِالتَّوْقِيفِ وَمَا بَعْدَهُ يَكُونُ بِالِاصْطِلَاحِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّظَرَ فِي هَذَا إمَّا أَنْ يَقَعَ فِي الْجَوَازِ أَوْ فِي الْوُقُوعِ. أَمَّا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ فَشَامِلٌ لِلْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ وَالْكُلُّ فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ. أَمَّا التَّوْقِيفُ فَبِأَنْ يَخْلُقَ الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ وَيَخْلُقَ لَهُمْ الْعِلْمَ بِأَنَّهَا قُصِدَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ وَالْقُدْرَةُ الْأَزَلِيَّةُ لَا تَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الِاصْطِلَاحُ فَبِأَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ دَوَاعِيَ جَمْعٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا هُوَ مُهِمُّهُمْ وَحَاجَتُهُمْ مِنْ تَعْرِيفِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا، فَيَبْتَدِئَ وَاحِدٌ وَيَتَّبِعَهُ الْآخَرُ حَتَّى يَتِمَّ الِاصْطِلَاحُ؛ بَلْ الْعَاقِلُ الْوَاحِدُ رُبَّمَا يَنْقَدِحُ لَهُ وَجْهُ الْحَاجَةِ وَإِمْكَانُ التَّعْرِيفِ بِتَأْلِيفِ الْحُرُوفِ فَيَتَوَلَّى الْوَضْعَ ثُمَّ يُعَرِّفُ الْآخَرِينَ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّكْرِيرِ مَعَهَا لِلَّفْظِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، كَمَا يَفْعَلُ الْوَالِدَانِ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَكَمَا يَعْرِفُ الْأَخْرَسُ مَا فِي ضَمِيرِهِ بِالْإِشَارَةِ، وَإِذَا أَمْكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ أَمْكَنَ التَّرْكِيبُ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
أَمَّا الْوَاقِعُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَلَا مَطْمَعَ فِي مَعْرِفَتِهِ يَقِينًا إلَّا بِبُرْهَانٍ عَقْلِيٍّ أَوْ بِتَوَاتُرِ خَبَرٍ أَوْ سَمْعٍ قَاطِعٍ، وَلَا مَجَالَ لِبُرْهَانِ الْعَقْلِ فِي هَذَا وَلَمْ يُنْقَلْ تَوَاتُرٌ وَلَا فِيهِ سَمْعٌ قَاطِعٌ فَلَا يَبْقَى إلَّا رَجْمُ الظَّنِّ فِي أَمْرٍ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ تَعَبُّدٌ عَمَلِيٌّ وَلَا تُرْهِقُ إلَى اعْتِقَادِهِ حَاجَةٌ، فَالْخَوْضُ فِيهِ إذًا فُضُولٌ لَا أَصْلَ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا:﴾ [البقرة: ٣١] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِوَحْيٍ وَتَوْقِيفٍ، فَيَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ خِلَافِهِ. قُلْنَا: وَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى الْوُقُوعِ أَيْضًا، إذْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ رُبَّمَا أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَاجَةَ إلَى الْوَضْعِ فَوَضَعَ بِتَدْبِيرِهِ وَفِكْرِهِ وَنُسِبَ ذَلِكَ إلَى تَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ الْهَادِي وَالْمُلْهِمُ وَمُحَرِّكُ الدَّاعِيَةِ كَمَا تُنْسَبُ جَمِيعُ أَفْعَالِنَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى
الثَّانِي: أَنَّ الْأَسْمَاءَ رُبَّمَا كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِاصْطِلَاحٍ مِنْ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ آدَمَ مِنْ الْجِنِّ أَوْ فَرِيقٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَوَاضَعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَسْمَاءَ صِيغَةُ عُمُومٍ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ أَسْمَاءَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ دُونَ الْأَسَامِي الَّتِي حَدَثَتْ مُسَمَّيَاتُهَا بَعْدَ آدَمَ ﵇ مِنْ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْآلَاتِ، وَتَخْصِيصُ قَوْله تَعَالَى كُلَّهَا كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إذْ يَخْرُجُ عَنْهُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ.
الرَّابِعُ أَنَّهُ بِمَا عَلِمَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ غَيْرَهُ ثُمَّ اصْطَلَحَ بَعْدَهُ أَوْلَادُهُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَاتِ الْمَعْهُودَةِ الْآنَ، وَالْغَالِبُ أَنَّ أَكْثَرَهَا حَادِثَةٌ بَعْدُ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا]
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا.
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَمَّوْا الْخَمْرَ مِنْ الْعِنَبِ خَمْرًا؛ لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الْعَقْلَ، فَيُسَمَّى النَّبِيذُ خَمْرًا لِتَحَقُّقِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا» وَسُمِّيَ الزَّانِي زَانِيًا؛ لِأَنَّهُ مُولِجٌ فَرْجَهُ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ اللَّائِطُ فِي إثْبَاتِ اسْمِ
стр. 180
الزَّانِي حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] وَسُمِّيَ السَّارِقُ سَارِقًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ فِي خُفْيَةٍ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي النَّبَّاشِ فَيَثْبُتُ لَهُ اسْمُ السَّارِقِ قِيَاسًا حَتَّى يَدْخُلَ تَحْتَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ إنْ عَرَّفَتْنَا بِتَوْقِيفِهَا أَنَّا وَضَعْنَا الِاسْمَ لِلْمُسْكِرِ الْمُعْتَصَرِ مِنْ الْعِنَبِ خَاصَّةً فَوَضْعُهُ لِغَيْرِهِ تَقَوُّلٌ عَلَيْهِمْ وَاخْتِرَاعٌ فَلَا يَكُونُ لُغَتَهُمْ بَلْ يَكُونُ وَضْعًا مِنْ جِهَتِنَا، وَإِنْ عَرَّفَتْنَا أَنَّهَا وَضَعَتْهُ لِكُلِّ مَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ أَوْ يُخَمِّرُهُ، فَكَيْفَمَا كَانَ فَاسْمُ الْخَمْرِ ثَابِتٌ لِلنَّبِيذِ بِتَوْقِيفِهِمْ لَا بِقِيَاسِنَا، كَمَا أَنَّهُمْ عَرَّفُونَا أَنَّ كُلَّ مَصْدَرٍ فَلَهُ فَاعِلٌ، فَإِذَا سَمَّيْنَا فَاعِلَ الضَّرْبِ ضَارِبًا كَانَ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ لَا عَنْ قِيَاسٍ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ الْأَمْرَيْنِ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْخَمْرُ اسْمَ مَا يُعْتَصَرُ مِنْ الْعِنَبِ خَاصَّةً وَاحْتُمِلَ غَيْرُهُ فَلَمْ نَتَحَكَّمْ عَلَيْهِمْ وَنَقُولُ لُغَتُهُمْ هَذَا، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَضَعُونَ الِاسْمَ لِمَعَانٍ وَيُخَصِّصُونَهَا بِالْمَحَلِّ كَمَا يُسَمُّونَ الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ وَكُمَيْتًا لِحُمْرَتِهِ، وَالثَّوْبُ الْمُتَلَوِّنُ بِذَلِكَ اللَّوْنِ بَلْ الْآدَمِيُّ الْمُتَلَوِّنُ بِالسَّوَادِ لَا يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا وَضَعُوا الْأَدْهَمَ وَالْكُمَيْتَ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ بَلْ لِفَرَسٍ أَسْوَدَ وَأَحْمَرَ، وَكَمَا سَمَّوْا الزُّجَاجَ الَّذِي تَقَرُّ فِيهِ الْمَائِعَاتُ قَارُورَةً أَخْذًا مِنْ الْقَرَارِ وَلَا يُسَمُّونَ الْكُوزَ وَالْحَوْضَ قَارُورَةً، وَإِنْ قَرَّ الْمَاءُ فِيهِ.
فَإِذًا كُلُّ مَا لَيْسَ عَلَى قِيَاسِ التَّصْرِيفِ الَّذِي عُرِفَ مِنْهُمْ بِالتَّوْقِيفِ فَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ وَوَضْعِهِ بِالْقِيَاسِ، وَقَدْ أَطْنَبْنَا فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ أَسَاسِ الْقِيَاسِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اللُّغَةَ وَضْعٌ كُلُّهَا وَتَوْقِيفٌ لَيْسَ فِيهَا قِيَاسٌ أَصْلًا.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ]
الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ
اعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى وَضْعِيَّةٍ وَعُرْفِيَّةٍ، وَالِاسْمُ يُسَمَّى عُرْفِيًّا بِاعْتِبَارَيْنِ
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوضَعَ الِاسْمُ لِمَعْنًى عَامٍّ ثُمَّ يُخَصِّصُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ذَلِكَ الِاسْمَ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، كَاخْتِصَاصِ اسْمِ الدَّابَّةِ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مَعَ أَنَّ الْوَضْعَ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ، وَاخْتِصَاصِ اسْمِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْعَالِمِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ مَعَ أَنَّ كُلَّ قَائِلٍ وَمُتَلَفِّظٍ مُتَكَلِّمٌ، وَكَاخْتِصَاصِ اسْمِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَعَلِّمِ بِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضِ الْمُتَعَلِّمِينَ مَعَ أَنَّ الْوَضْعَ عَامٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا " وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ٣] ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] وَقَالَ : ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]
الِاعْتِبَارُ الثَّانِي: أَنْ يَصِيرَ الِاسْمُ شَائِعًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا بَلْ فِيمَا هُوَ مَجَازٌ فِيهِ، كَالْغَائِطِ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْعَذِرَةِ الْبِنَاءُ الَّذِي يُسْتَتَرُ بِهِ وَتُقْضَى الْحَاجَةُ مِنْ وَرَائِهِ؛ فَصَارَ أَصْلُ الْوَضْعِ مَنْسِيًّا، وَالْمَجَازُ مَعْرُوفًا سَابِقًا إلَى الْفَهْمِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَذَلِكَ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ. فَالْأَسَامِي اللُّغَوِيَّةُ إمَّا وَضْعِيَّةً وَإِمَّا عُرْفِيَّةً، أَمَّا مَا انْفَرَدَ الْمُحْتَرِفُونَ وَأَرْبَابُ الصِّنَاعَاتِ بِوَضْعِهِ لِأَدَوَاتِهِمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى عُرْفِيًّا؛ لِأَنَّ مَبَادِئَ اللُّغَاتِ وَالْوَضْعَ الْأَصْلِيِّ كُلُّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَسَامِي اللُّغَوِيَّةِ عُرْفِيَّةً.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ]
ِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: الْأَسْمَاءُ لُغَوِيَّةٌ وَدِينِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ؛ أَمَّا اللُّغَوِيَّةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الدِّينِيَّةُ فَمَا نَقَلَتْهُ الشَّرِيعَةُ إلَى أَصْلِ الدِّينِ كَلَفْظِ
الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَكَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ، وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي عَلَى إفْسَادِ مَذْهَبِهِمْ بِمَسْلَكَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ
стр. 181
وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَلَوْ قَالَ: أَطْعِمُوا الْعُلَمَاءَ وَأَرَادَ الْفُقَرَاءَ لَمْ يَكُنْ هَذَا بِلِسَانِهِمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ الْمَنْقُولُ عَرَبِيًّا، فَكَذَلِكَ إذَا نُقِلَ اللَّفْظُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى غَيْرِ مَوْضُوعِهِ أَوْ جُعِلَ عِبَارَةً عَنْ بَعْضِ مَوْضُوعِهِ أَوْ مُتَنَاوِلًا لِمَوْضُوعِهِ وَغَيْرِ مَوْضُوعِهِ فَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ.
الثَّانِي: أَنَّ الشَّارِعَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَلَزِمَهُ تَعْرِيفُ الْأُمَّةِ بِالتَّوْقِيفِ نَقْلُ تِلْكَ الْأَسَامِي، فَإِنَّهُ إذَا خَاطَبَهُمْ بِلُغَتِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا إلَّا مَوْضُوعَهَا، وَلَوْ وَرَدَ فِيهِ تَوْقِيفٌ لَكَانَ مُتَوَاتِرًا فَإِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِالْآحَادِ، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَأَرَادَ بِهِ الصَّلَاةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ «وَقَالَ ﷺ : نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» وَأَرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ خِلَافُ اللُّغَةِ. قُلْنَا: أَرَادَ بِالْإِيمَانِ التَّصْدِيقَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِبْلَةِ وَأَرَادَ بِالْمُصَلِّينَ الْمُصَدِّقِينَ بِالصَّلَاةِ، وَسَمَّى التَّصْدِيقَ بِالصَّلَاةِ صَلَاةً عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ وَعَادَةُ الْعَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَوْعًا مِنْ التَّعَلُّقِ وَالتَّجَوُّزِ مِنْ نَفْسِ اللُّغَةِ. احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ» ، وَتَسْمِيَةُ الْإِمَاطَةِ إيمَانًا خِلَافُ الْوَضْعِ.
قُلْنَا: هَذَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ مِثْلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَإِنْ ثَبَتَتْ فَهِيَ دَلَالَةُ الْإِيمَانِ فَيُتَجَوَّزُ بِتَسْمِيَتِهِ إيمَانًا. احْتَجُّوا بِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ عِبَادَاتٍ لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً فَافْتَقَرَتْ إلَى أَسَامٍ وَكَانَ اسْتِعَارَتُهَا مِنْ اللُّغَةِ أَقْرَبَ مِنْ نَقْلِهَا مِنْ لُغَةٍ أُخْرَى أَوْ إبْدَاعِ أَسَامٍ لَهَا. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ حَدَثَ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَادَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا اسْمٌ فِي اللُّغَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَا الْحَجُّ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ. قُلْنَا عَنْهُ جَوَابَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ الصَّلَاةُ فِي الشَّرْعِ أَيْضًا عِبَارَةً عَنْهُ بَلْ الصَّلَاةُ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّعَاءِ كَمَا فِي اللُّغَةِ، وَالْحَجُّ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ، وَالصَّوْمُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ، وَالزَّكَاةُ عِبَارَةٌ عَنْ النُّمُوِّ؛ لَكِنَّ الشَّرْعَ شَرَطَ فِي إجْزَاءِ هَذِهِ الْأُمُورِ أُمُورًا أُخَرَ تَنْضَمُّ إلَيْهَا، فَشَرَطَ فِي الِاعْتِدَادِ بِالدُّعَاءِ الْوَاجِبِ انْضِمَامَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَيْهِ، وَفِي قَصْدِ الْبَيْتِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ، وَالِاسْمُ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لَهُ لَكِنَّهُ شَرَطَ الِاعْتِدَادَ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَالشَّرْعُ تَصَرَّفَ بِوَضْعِ الشَّرْطِ لَا بِتَغَيُّرِ الْوَضْعِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: سُمِّيَتْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ صَلَاةً لِكَوْنِهَا مُتَّبِعًا بِهَا فِعْلُ الْإِمَامِ، فَإِنَّ التَّالِيَ لِلسَّابِقِ فِي الْخَيْلِ يُسَمَّى مُصَلِّيًا لِكَوْنِهِ مُتَّبِعًا، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ﵀ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ تَصَرُّفِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْأَسَامِي، وَلَا سَبِيلَ إلَى دَعْوَى كَوْنِهَا مَنْقُولَةً عَنْ اللُّغَةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا ظَنَّهُ قَوْمٌ، وَلَكِنَّ عُرْفَ اللُّغَةِ تَصَرَّفَ فِي الْأَسَامِي مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّخْصِيصُ بِبَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ كَمَا فِي الدَّابَّةِ فَتَصَرُّفُ الشَّرْعِ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالْإِيمَانِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ إذْ لِلشَّرْعِ عُرْفٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ كَمَا لِلْعَرَبِ
وَالثَّانِي: فِي إطْلَاقِهِمْ الِاسْمَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَتَّصِلُ بِهِ، كَتَسْمِيَتِهِمْ الْخَمْرَ مُحَرَّمَةً وَالْمُحَرَّمُ شُرْبُهَا وَالْأُمَّ مُحَرَّمَةً وَالْمُحَرَّمُ وَطْؤُهَا فَتَصَرُّفُهُ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ شَرَطَهُ الشَّرْعُ فِي تَمَامِ الصَّلَاةِ فَشَمَلَهُ الِاسْمُ بِعُرْفِ اسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ، إذْ إنْكَارُ كَوْنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ رُكْنَ الصَّلَاةِ وَمِنْ نَفْسِهَا بَعِيدٌ.
فَتَسْلِيمُ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّصَرُّفِ بِتَعَارُفِ الِاسْتِعْمَالِ لِلشَّرْعِ أَهْوَنُ مِنْ
стр. 182
إخْرَاجِ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ كَالْمُهِمِّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، إذْ مَا يُصَوِّرهُ الشَّرْعُ مِنْ الْعِبَادَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا أَسَامٍ مَعْرُوفَةٌ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ إلَّا بِنَوْعِ تَصَرُّفٍ فِيهِ. وَأَمَّا مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ فَهَذَا لَا يُخْرِجُ هَذِهِ الْأَسَامِيَ عَنْ أَنْ تَكُونَ عَرَبِيَّةً وَلَا يُسْلَبُ اسْمُ الْعَرَبِيِّ عَنْ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَمَلَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِالْعَجَمِيَّةِ لَكَانَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقُطْبِ الْأَوَّلِ مِنْ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْقِيفُ عَلَى تَصَرُّفِهِ، فَهَذَا أَيْضًا إنَّمَا يَجِبُ إذَا لَمْ يُفْهَمْ مَقْصُودُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِالتَّكْرِيرِ وَالْقَرَائِنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَإِذَا فُهِمَ هَذَا فَقَدْ حَصَلَ الْغَرَضُ، فَهَذَا أَقْرَبُ عِنْدَنَا مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ﵀.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْكَلَامِ الْمُفِيدِ]
ِ فِي الْكَلَامِ الْمُفِيدِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْأُمُورَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ وَإِلَى مَا لَا يَدُلُّ. فَأَمَّا مَا يَدُلُّ فَيَنْقَسِمُ إلَى مَا يَدُلُّ بِذَاتِهِ وَهُوَ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَجَامِعَ أَقْسَامِهَا فِي مَدَارِكِ الْعُقُولِ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ. وَإِلَى مَا يَدُلُّ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى صَوْتٍ وَغَيْرِ صَوْتٍ كَالْإِشَارَةِ وَالرَّمْزِ. وَالصَّوْتُ يَنْقَسِمُ فِي دَلَالَتِهِ إلَى مُفِيدٍ وَغَيْرِ مُفِيدٍ، وَالْمُفِيدُ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ قَائِمٌ وَزَيْدٌ خَرَجَ رَاكِبًا، وَغَيْرُ الْمُفِيدِ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ لَا وَعَمْرٌو فِي؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ آحَادُ كَلِمَاتِهِ مَوْضُوعَةً لِلدَّلَالَةِ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا كَلَامًا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ كَمَقْلُوبِ رَجُلٍ وَزَيْدٍ " لِجَرِّ " وَ " ديز "، فَإِنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى كَلَامًا، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّاهُ كَلَامًا لِأَنَّ آحَادَهُ وُضِعَتْ لِلْإِفَادَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُفِيدَ مِنْ الْكَلَامِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ كَمَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ مُفِيدًا حَتَّى يَشْتَمِلَ عَلَى اسْمَيْنِ أُسْنِدَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ نَحْوَ زَيْدٌ أَخُوكَ، وَاَللَّهُ رَبُّكَ، أَوْ اسْمٍ أُسْنِدَ إلَى فِعْلٍ نَحْوَ قَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ وَقَامَ عَمْرٌو. وَأَمَّا الِاسْمُ وَالْحَرْفُ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ مِنْ وَعَمْرٌو فِي، فَلَا يُفِيدُ حَتَّى نَقُولَ مِنْ مُضَرَ وَفِي الدَّارِ وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ ضَرَبَ قَامَ لَا يُفِيدُ إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُ اسْمٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ مِنْ فِي قَدْ عَلَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ تَرْكِيبًا مُفِيدًا يَنْقَسِمُ إلَى مُسْتَقِلٍّ بِالْإِفَادَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِلَى مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِالْإِفَادَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَإِلَى مَا يَسْتَقِلُّ بِالْإِفَادَةِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] وَ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَذَلِكَ يُسَمَّى نَصًّا لِظُهُورِهِ، وَالنَّصُّ فِي السَّيْرِ هُوَ الظُّهُورُ فِيهِ، وَمِنْهُ مِنَصَّةُ الْعَرُوسِ لِلْكُرْسِيِّ الَّذِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ. وَالنَّصُّ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ هُوَ نَصٌّ بِلَفْظِهِ وَمَنْظُومِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَضَرْبٌ هُوَ نَصٌّ بِفَحْوَاهُ وَمَفْهُومِهِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ فَهْمَ مَا فَوْقَ التَّأْفِيفِ مِنْ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَمَا وَرَاءَ الْفَتِيلِ وَالذَّرَّةِ مِنْ الْمِقْدَارِ الْكَثِيرِ أَسْبَقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْهُ مِنْ نَفْسِ الذَّرَّةِ وَالْفَتِيلِ وَالتَّأْفِيفِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا مَعْلُومٌ بِالْقِيَاسِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ عُرِفَ بِالْمَنْطُوقِ فَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَأَمُّلٍ أَوْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ فَهُوَ غَلَطٌ.
وَأَمَّا الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ إلَّا بِقَرِينَةٍ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَقَوْلِهِ ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَكُلُّ لَفْظٍ مُشْتَرَكٍ وَمُبْهَمٍ، كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ أَسَدًا وَحِمَارًا
стр. 183
وَثَوْرًا إذَا أَرَادَ شُجَاعًا وَبَلِيدًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَقْصُودِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ. وَأَمَّا الَّذِي يَسْتَقِلُّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَإِنَّ الْإِيتَاءَ وَيَوْمَ الْحَصَادِ مَعْلُومٌ وَمِقْدَارُ مَا يُؤْتَى غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالْقِتَالُ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مَعْلُومٌ وَقَدْرُ الْجِزْيَةِ مَجْهُولٌ. فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّفْظَ الْمُفِيدَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَدْلُولِهِ إمَّا أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ، احْتِمَالٌ فَيُسَمَّى نَصًّا، أَوْ يَتَعَارَضُ فِيهِ الِاحْتِمَالَاتُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَيُسَمَّى مُجْمَلًا وَمُبْهَمًا، أَوْ يَتَرَجَّحُ أَحَدُ احْتِمَالَاتِهِ عَلَى الْآخَرِ فَيُسَمَّى بِالْإِضَافَةِ إلَى الِاحْتِمَالِ الْأَرْجَحِ ظَاهِرًا وَبِالْإِضَافَةِ إلَى الِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ مُؤَوَّلًا.
فَاللَّفْظُ الْمُفِيدُ إذًا إمَّا نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ أَوْ مُجْمَلٌ.
[الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي طَرِيقِ فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْ الْخِطَابِ]
ِ طَرِيقِ فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْ الْخِطَابِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ إمَّا أَنْ يَسْمَعَهُ نَبِيٌّ أَوْ مَلَكٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَسْمَعَهُ نَبِيٌّ أَوْ وَلِيٌّ مِنْ مَلَكٍ، أَوْ تَسْمَعَهُ الْأُمَّةُ مِنْ النَّبِيِّ. فَإِنْ سَمِعَهُ مَلَكٌ أَوْ نَبِيٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا لُغَةً مَوْضُوعَةً حَتَّى يُعْرَفَ مَعْنَاهُ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْمُوَاضَعَةِ، لَكِنْ يُعْرَفُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّامِعِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: بِالْمُتَكَلِّمِ وَبِأَنَّ مَا سَمِعَهُ مِنْ كَلَامِهِ وَبِمُرَادِهِ مِنْ كَلَامِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً. وَالْقُدْرَةُ الْأَزَلِيَّةُ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَنْ اضْطِرَارِ الْمَلَكِ وَالنَّبِيِّ إلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَلَا مُتَكَلِّمَ إلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى نَصْبِ عَلَامَةٍ لِتَعْرِيفِ مَا فِي ضَمِيرِهِ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اخْتِرَاعِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ بِهِ غَيْرَ نَصْبِ عَلَامَةٍ.
وَكَمَا أَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْبَشَرِ فَسَمْعُهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ لِعَبْدِهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ سَمْعِ الْأَصْوَاتِ، وَلِذَلِكَ يَعْسُرُ عَلَيْنَا تَفَهُّمُ كَيْفِيَّةِ سَمَاعِ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ كَمَا يَعْسُرُ عَلَى الْأَكْمَهِ تَفَهُّمُ كَيْفِيَّةِ إدْرَاكِ الْبَصِيرِ لِلْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ. أَمَّا سَمَاعُ النَّبِيِّ مِنْ الْمَلَكِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ دَالٍّ عَلَى مَعْنَى كَلَامِ اللَّهِ، فَيَكُونَ الْمَسْمُوعُ الْأَصْوَاتَ الْحَادِثَةَ الَّتِي هِيَ فِعْلُ الْمَلَكِ دُونَ نَفْسِ الْكَلَامِ وَلَا يَكُونُ هَذَا سَمَاعًا لِكَلَامِ اللَّهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ سَمِعَ شِعْرَ الْمُتَنَبِّي وَكَلَامَهُ، وَإِنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَسَمِعَ صَوْتَ غَيْرِهِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الْأُمَّةِ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ كَسَمَاعِ الرَّسُولِ مِنْ الْمَلَكِ، وَيَكُونُ طَرِيقُ فَهْمِ الْمُرَادِ تَقَدُّمَ الْمَعْرِفَةِ بِوَضْعِ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا الْمُخَاطَبَةُ.
ثُمَّ إنْ كَانَ نَصًّا لَا يُحْتَمَلُ كَفَى مَعْرِفَةُ اللُّغَةِ، وَإِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ فَلَا يُعْرَفُ الْمُرَادُ مِنْهُ حَقِيقَةً إلَّا بِانْضِمَامِ قَرِينَةٍ إلَى اللَّفْظِ، وَالْقَرِينَةُ إمَّا لَفْظٌ مَكْشُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَالْحَقُّ هُوَ الْعُشْرُ وَإِمَّا إحَالَةٌ عَلَى دَلِيلِ الْعَقْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّماَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وَقَوْلِهِ ﵇ «قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» . وَإِمَّا قَرَائِنُ أَحْوَالٍ مِنْ إشَارَاتٍ وَرُمُوزٍ وَحَرَكَاتٍ وَسَوَابِقَ وَلَوَاحِقَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ وَالتَّخْمِينِ يَخْتَصُّ بِدَرْكِهَا الْمُشَاهِدُ لَهَا فَيَنْقُلُهَا الْمُشَاهِدُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى التَّابِعِينَ بِأَلْفَاظٍ صَرِيحَةٍ أَوْ مَعَ قَرَائِنَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ حَتَّى تُوجِبَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِفَهْمِ الْمُرَادِ أَوْ تُوجِبَ ظَنًّا وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ عِبَارَةٌ مَوْضُوعَةٌ فِي اللُّغَةِ فَتَتَعَيَّن فِيهِ الْقَرَائِنُ وَعِنْدَ مُنْكِرِي صِيغَةِ
стр. 184
الْعُمُومِ وَالْأَمْرِ يَتَعَيَّنُ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ وَالِاسْتِغْرَاقِ بِالْقَرَائِنِ، فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، وَإِنْ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ كُلَّهُمْ وَجَمِيعَهُمْ فَيَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ عِنْدَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فَإِنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ]
ِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ
اعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الْحَقِيقَةِ مُشْتَرَكٌ، إذْ قَدْ يُرَادُ بِهِ ذَاتُ الشَّيْءِ وَحْدَهُ وَيُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ؛ وَلَكِنْ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْأَلْفَاظِ أُرِيدَ بِهِ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ. وَالْمَجَازُ مَا اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ مَا اُسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ بِسَبَبِ الْمُشَابَهَةِ فِي خَاصِّيَّةٍ مَشْهُورَةٍ كَقَوْلِهِمْ لِلشُّجَاعِ أَسَدٌ وَلِلْبَلِيدِ حِمَارٌ، فَلَوْ سُمِّيَ الْأَبْخَرُ أَسَدًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْبَخَرَ لَيْسَ مَشْهُورًا فِي حَقِّ الْأَسَدِ الثَّانِي: الزِّيَادَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فَإِنَّ الْكَافَ وُضِعَتْ لِلْإِفَادَةِ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفِيدُ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْوَضْعُ الثَّالِثُ: النُّقْصَانُ الَّذِي لَا يُبْطِلُ التَّفْهِيمَ، كَقَوْلِهِ ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وَالْمَعْنَى: وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. وَهَذَا النُّقْصَانُ اعْتَادَتْهُ الْعَرَبُ فَهُوَ تَوَسُّعٌ وَتَجَوُّزٌ.
وَقَدْ يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِإِحْدَى عَلَامَاتٍ أَرْبَعَ الْأُولَى: أَنَّ الْحَقِيقَةَ جَارِيَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي نَظَائِرِهِ، إذْ قَوْلُنَا عَالِمٌ لَمَّا عُنِيَ بِهِ ذُو عِلْمٍ صَدَقَ عَلَى كُلِّ ذِي عِلْمٍ وَقَوْلُهُ ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يَصِحُّ فِي بَعْضِ الْجَمَادَاتِ لِإِرَادَةِ صَاحِبِ الْقَرْيَةِ، وَلَا يُقَالُ: سَلْ الْبِسَاطَ وَالْكُوزَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ سَلْ الطَّلَلَ وَالرَّبْعَ لِقُرْبِهِ مِنْ الْمَجَازِ الْمُسْتَعْمَلِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْرَفَ بِامْتِنَاعِ الِاشْتِقَاقِ عَلَيْهِ، إذْ الْأَمْرُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي حَقِيقَتِهِ اُشْتُقَّ مِنْهُ اسْمُ الْآمِرِ وَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الشَّأْنِ مَجَازًا لَمْ يُشْتَقَّ مِنْهُ آمِرٌ، وَالشَّأْنُ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٤٠] الثَّالِثَةُ: أَنْ تَخْتَلِفَ صِيغَةُ الْجَمْعِ عَلَى الِاسْمِ فَيُعْلَمَ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا، إذْ الْأَمْرُ الْحَقِيقِيُّ يُجْمَعُ عَلَى أَوَامِرَ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الشَّأْنُ يُجْمَعُ عَلَى أُمُورٍ. الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْحَقِيقِيَّ إذَا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْغَيْرِ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كَالْقُدْرَةِ إذَا أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ كَانَ لَهَا مَقْدُورٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْمَقْدُورُ كَالنَّبَاتِ الْحَسَنِ الْعَجِيبِ، إذْ يُقَالُ: اُنْظُرْ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ إلَى عَجَائِبِ مَقْدُورَاتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، إذْ النَّبَاتُ لَا مَقْدُورَ لَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلّ مَجَازٍ فَلَهُ حَقِيقَةٌ.
وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ حَقِيقَةٍ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَجَازٌ، بَلْ ضَرْبَانِ مِنْ الْأَسْمَاءِ لَا يَدْخُلُهُمَا الْمَجَازُ، الْأَوَّلُ: أَسْمَاءُ الْأَعْلَامِ نَحْوَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو؛ لِأَنَّهَا أَسَامٍ وُضِعَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الذَّوَاتِ لَا لِلْفَرْقِ فِي الصِّفَاتِ. نَعَمْ الْمَوْضُوعُ لِلصِّفَاتِ قَدْ يُجْعَلُ عَلَمًا فَيَكُونُ مَجَازًا، كَالْأَسْوَدِ بْنِ الْحَارِثِ إذْ لَا يُرَادُ بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى الصِّفَةِ مَعَ أَنَّهُ وُضِعَ لَهُ فَهُوَ مَجَازٌ.
أَمَّا إذَا قَالَ: قَرَأْتُ الْمُزَنِيَّ وَسِيبَوَيْهِ وَهُوَ يُرِيدُ كِتَابَيْهِمَا فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ حَذْفِ اسْمِ الْكِتَابِ، مَعْنَاهُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الْمُزَنِيِّ، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ مَجَازٌ بِالْمَعْنَى الثَّالِث الْمَذْكُور لِلْمَجَازِ الثَّانِي: الْأَسْمَاء الَّتِي لَا أَعَمّ مِنْهَا وَلَا أَبْعَد، كَالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُول وَالْمَدْلُول وَالْمَذْكُور، إذْ لَا شَيْءَ إلَّا وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا عَنْ شَيْءٍ؟ هَذَا تَمَامُ الْمُقَدِّمَةِ.
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْفَنِّ الْأَوَّلِ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُطْبِ الثَّالِثِ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ]
[مَسْأَلَة قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ]
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْفَنِّ الْأَوَّلِ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُطْبِ الثَّالِثِ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ. وَلِنَشْتَغِلْ بِالْمَقَاصِدِ وَهِيَ كَيْفِيَّةُ اقْتِبَاسِ الْأَحْكَامِ مِنْ الصِّيَغِ وَالْأَلْفَاظِ الْمَنْطُوقِ بِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ.
стр. 185
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْفَنِّ الْأَوَّلِ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُطْبِ الثَّالِثِ: فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ إمَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ مَعْنَاهُ بِحَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ فَيُسَمَّى مُبَيَّنًا وَنَصًّا، وَإِمَّا أَنْ يَتَرَدَّدَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَيُسَمَّى مُجْمَلًا، وَإِمَّا أَنْ يَظْهَرَ فِي أَحَدِهِمَا وَلَا يَظْهَرَ فِي الثَّانِي فَيُسَمَّى ظَاهِرًا. وَالْمُجْمَلُ هُوَ اللَّفْظُ الصَّالِحُ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ الَّذِي لَا يَتَعَيَّنُ مَعْنَاهُ لَا بِوَضْعِ اللُّغَةِ وَلَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَيَنْكَشِفُ ذَلِكَ بِمَسَائِلَ.
مَسْأَلَةٌ: قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] لَيْسَ بِمُجْمَلٍ
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ: هُوَ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَتَّصِفُ بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ فِعْلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَلَيْسَ يُدْرَى مَا ذَلِكَ الْفِعْلُ فَيَحْرُمُ مِنْ الْمَيْتَةِ مَسُّهَا أَوْ أَكْلُهَا أَوْ النَّظَرُ إلَيْهَا أَوْ بَيْعُهَا أَوْ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَهُوَ مُجْمَلٌ.
وَالْأُمُّ يَحْرُمُ مِنْهَا النَّظَرُ أَوْ الْمُضَاجَعَةُ أَوْ الْوَطْءُ فَلَا يُدْرَى أَيُّهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ فِعْلٍ، وَتِلْكَ الْأَفْعَالُ كَثِيرَةٌ وَلَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ. وَهَذَا فَاسِدٌ، إذْ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ كَالْوَضْعِ، وَلِذَلِكَ قَسَّمْنَا الْأَسْمَاءَ إلَى عُرْفِيَّةٍ وَوَضْعِيَّةٍ وَقَدَّمْنَا بَيَانَهَا، وَمَنْ أَنِسَ بِتَعَارُفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاطَّلَعَ عَلَى عُرْفِهِمْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَرِيبُونَ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ: حَرَّمْتُ عَلَيْكَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْأَكْلَ دُونَ النَّظَرِ وَالْمَسِّ، وَإِذَا قَالَ: حَرَّمْتُ عَلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ أَنَّهُ يُرِيدُ اللُّبْسَ، وَإِذَا قَالَ: حَرَّمْتُ عَلَيْكَ النِّسَاءَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْوِقَاعَ، وَهَذَا صَرِيحٌ عِنْدَهُمْ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُجْمَلًا؟ وَالصَّرِيحُ تَارَةً يَكُونُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَتَارَةً بِالْوَضْعِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاحِدٌ فِي نَفْيِ الْإِجْمَالِ؟ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] أَيْ: أَكْلُ الْبَهِيمَةِ، وَ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وَهَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ إلْحَاقَهُ بِالْمُجْمَلِ فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ حُصُولَ الْفَهْمِ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَحْذُوفًا فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ إلْحَاقَهُ بِالْمَجَازِ فَيَلْزَمُهُ تَسْمِيَةُ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ مَجَازًا.
[مَسْأَلَة قَوْلُهُ ﷺ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ]
ُ» يَقْتَضِي بِالْوَضْعِ نَفْيَ نَفْسِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَكَلَامُهُ ﷺ يَجِلُّ عَنْ الْخُلْفِ، فَالْمُرَادُ بِهِ رَفْعُ حُكْمِهِ لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ الْحُكْمُ الَّذِي عُرِفَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إرَادَتُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَقَدْ كَانَ يُفْهَمُ قَبْلَ الشَّرْعِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ رَفَعْتُ عَنْكَ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ إذْ يُفْهَمُ مِنْهُ رَفْعُ حُكْمِهِ لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْمُؤَاخَذَةُ بِالذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ فَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصٌّ صَرِيحٌ فِيهِ وَلَيْسَ بِعَامٍّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مِنْ الضَّمَانِ وَلُزُومِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ، وَلَا هُوَ مُجْمَلٌ بَيْنَ الْمُؤَاخَذَةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الذَّمِّ نَاجِزًا أَوْ إلَى الْعِقَابِ آجِلًا وَبَيْنَ الْغُرْمِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا صِيغَةَ لِعُمُومِهِ حَتَّى يُجْعَلَ عَامًّا فِي كُلِّ حُكْمٍ كَمَا لَمْ يُجْعَلْ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] عَامًّا فِي كُلِّ فِعْلٍ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ فِعْلٍ، فَالْحُكْمُ هَهُنَا لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِهِ لِإِضَافَةِ الرَّفْعِ إلَيْهِ كَالْفِعْلِ، ثُمَّ يُنَزَّلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ وَهُوَ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ هَهُنَا وَالْوَطْءُ ثَمَّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالضَّمَانُ أَيْضًا عِقَابٌ فَلْيَرْتَفِعْ. قُلْنَا: الضَّمَانُ قَدْ يَجِبُ امْتِحَانًا لِيُثَابَ عَلَيْهِ لَا لِلِانْتِقَامِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَعَلَى الْعَاقِلَةِ بِسَبَبِ الْغَيْرِ وَيَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ الْإِتْلَافُ كَالْمُضْطَرِّ فِي
стр. 186
الْمَخْمَصَةِ وَقَدْ يَجِبُ عِقَابًا كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِقَتْلِ الصَّيْدِ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْمُخْطِئِ بِالْقَتْلِ امْتِحَانًا فَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: يَنْتَفِي بِهِ كُلُّ ضَمَانٍ هُوَ بِطَرِيقِ الْعِقَابِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذَةٌ وَانْتِقَامٌ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ وَالِامْتِحَانِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ خَاصٌّ أَوْ عَامٌّ لِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْخَطَأِ وَمُجْمَلٌ مُتَرَدِّدٌ فَقَدْ غَلِطَ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ وَرَدَ فِي مَوْضِعٍ لَا عُرْفَ فِيهِ يُدْرَكُ بِهِ خُصُوصُ مَعْنَاهُ فَهَلْ يُجْعَلُ نَفْيًا لِأَثَرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يَقُومَ مَقَامَ الْعُمُومِ أَوْ يُجْعَلَ مُجْمَلًا؟ قُلْنَا: هُوَ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْأَثَرِ مُطْلَقًا وَنَفْيَ آحَادِ الْآثَارِ وَيَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجَمِيعُ وَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ.
وَهَذَا عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ ظَاهِرٌ، أَمَّا مَنْ يَقُولُ بِهَا فَيَتَّبِعُ فِيهِ الصِّيغَةَ وَلَا صِيغَةَ لِلْمُضْمَرَاتِ، وَهَذَا قَدْ أُضْمِرَ فِيهِ الْأَثَرُ فَعَلَى مَاذَا يُعَوَّلُ فِي التَّعْمِيمِ؟ فَإِنْ قِيلَ: هُوَ نَفْيٌ فَيَقْتَضِي وَضْعُهُ نَفْيَ الْأَثَرِ وَالْمُؤَثِّرِ جَمِيعًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ نَفْيُ الْمُؤَثِّرِ بِقَرِينَةِ الْحِسِّ فَالتَّعَذُّرُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ فَيَبْقَى الْأَثَرُ مَنْفِيًّا. قُلْنَا: لَيْسَ قَوْلُهُ:: " لَا صِيَامَ وَلَا عَمَلَ وَلَا خَطَأَ وَلَا نِسْيَانَ " أَوْ «رُفِعَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» عَامًّا فِي نَفْيِ الْمُؤَثِّرِ وَالْأَثَرِ حَتَّى إذَا تَعَذَّرَ فِي الْمُؤَثِّرِ بَقِيَ فِي الْأَثَرِ، بَلْ هُوَ لِنَفْيِ الْمُؤَثِّرِ فَقَطْ. وَالْأَثَرُ يَنْتَفِي ضَرُورَةً بِانْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ لَا بِحُكْمِ عُمُومِ اللَّفْظِ وَشُمُولِهِ لَهُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُؤَثِّرِ صَارَ مَجَازًا إمَّا عَنْ جَمِيعِ الْآثَارِ أَوْ عَنْ بَعْضِ الْآثَارِ، وَلَا تَتَرَجَّحُ الْجُمْلَةُ عَلَى الْبَعْضِ وَلَا أَحَدُ الْأَبْعَاضِ عَلَى غَيْرِهِ.
[مَسْأَلَة قَوْلُهُ ﷺ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ»
وَ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» وَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» وَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَ «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» وَ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» . فَإِنَّ هَذَا نَفْيٌ لِمَا لَيْسَ مَنْفِيًّا بِصُورَتِهِ، فَإِنَّ صُورَةَ النِّكَاحِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ مَوْجُودَةٌ كَالْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: هُوَ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ نَفْيِ الصُّورَةِ وَالْحُكْمِ. وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ، بَلْ فَسَادُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَظْهَرُ، فَإِنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ لَيْسَ اسْمًا شَرْعِيًّا، وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْوُضُوءُ وَالنِّكَاحُ أَلْفَاظٌ تَصَرَّفَ الشَّرْعُ فِيهَا فَهِيَ شَرْعِيَّةٌ، وَعُرْفُ الشَّرْعِ فِي تَنْزِيلِ الْأَسَامِي الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَقَاصِدِهِ كَعُرْفِ اللُّغَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا وَجْهَ تَصَرُّفِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَلَا يُشَكُّ فِي أَنَّ الشَّرْعَ لَيْسَ يَقْصِدُ بِكَلَامِهِ نَفْيَ الصُّورَةِ فَيَكُونُ خُلْفًا بَلْ يُرِيدُ نَفْيَ الْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ وَالنِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ، فَعُرْفُ الشَّرْعِ يُزِيلُ هَذَا الِاحْتِمَالَ فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِنَفْيِ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالنِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: فَيُحْتَمَلُ نَفْيُ الصِّحَّةِ وَنَفْيُ الْكَمَالِ أَيْ: لَا صَلَاةَ كَامِلَةً وَلَا صَوْمَ فَاضِلًا وَلَا نِكَاحَ مُؤَكَّدًا ثَابِتًا، فَهَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ بَيْنَهُمَا؟ قُلْنَا ذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهُ مُرَدَّدٌ بَيْنَ نَفْيِ الْكَمَالِ وَالصِّحَّةِ، إذْ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ الصِّحَّةِ أَوْ الْكَمَالِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الصِّحَّةِ مُحْتَمَلٌ لِنَفْيِ الْكَمَالِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَالصَّوْمَ صَارَا عِبَارَةً عَنْ الشَّرْعِيِّ، وَقَوْلُهُ: " لَا صِيَامَ " صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الصَّوْمِ، وَمَهْمَا حَصَلَ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاضِلًا كَامِلًا كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى النَّفْيِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: ﷺ «لَا عَمَلَ إلَّا بِنِيَّةٍ» مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ: " لَا صَلَاةَ أَوْ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ؟ قُلْنَا: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ لَيْسَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ وَالصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَلَيْسَ لِلشَّرْعِ فِيهِ
стр. 187
تَصَرُّفٌ. وَكَيْفَمَا كَانَ فَقَوْلُهُ: ﷺ : «لَا عَمَلَ إلَّا بِنِيَّةٍ» وَقَوْلُهُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» يَقْتَضِي عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ نَفْيَ جَدْوَاهُ وَفَائِدَتَهُ كَمَا يَقْتَضِي عُرْفُ الشَّرْعِ نَفْيَ الصِّحَّةِ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمُجْمَلَاتِ، بَلْ مِنْ الْمَأْلُوفِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ قَوْلُهُمْ: لَا عِلْمَ إلَّا مَا نَفَعَ وَلَا كَلَامَ إلَّا مَا أَفَادَ وَلَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ وَلَا طَاعَةَ إلَّا لَهُ وَلَا عَمَلَ إلَّا مَا نَفَعَ وَأَجْدَى، وَكُلُّ ذَلِكَ نَفْيٌ لَا يَنْتَفِي وَهُوَ صِدْقٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ نَفْيُ مَقَاصِدِهِ. دَقِيقَةٌ: الْقَاضِي ﵀ إنَّمَا لَزِمَهُ جَعْلُ اللَّفْظِ مُجْمَلًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفَى الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّرْعِ فِيهَا عُرْفٌ يُخَالِفُ الْوَضْعَ، فَلَزِمَهُ إضْمَارُ شَيْءٍ فِي قَوْلِهِ ﵇ " لَا صِيَامَ " أَيْ لَا صِيَامَ مُجْزِئًا صَحِيحًا أَوْ لَا صِيَامَ فَاضِلًا كَامِلًا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْإِضْمَارَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
وَأَمَّا نَحْنُ إذَا اعْتَرَفْنَا بِعُرْفِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صَارَ هَذَا النَّفْيُ رَاجِعًا إلَى نَفْسِ الصَّوْمِ كَقَوْلِهِ: لَا رَجُلَ فِي الْبَلَدِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى نَفْيِ الرَّجُلِ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْكَمَالِ إلَّا بِقَرِينَةِ الِاحْتِمَالِ.
[مَسْأَلَةٌ حَمْلُ لَفْظِ الشَّارِعِ عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ]
مَسْأَلَةٌ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُ لَفْظِ الشَّارِعِ عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ وَحَمْلُهُ عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنًى وَاحِدًا وَهُوَ مُرَدَّدٌ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مُجْمَلٌ
وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: يَتَرَجَّحُ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ، كَمَا لَوْ دَارَ بَيْنَ مَا يُفِيدُ وَمَا لَا يُفِيدُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُفِيدِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الثَّانِيَ مِمَّا قَصُرَ اللَّفْظُ عَنْ إفَادَتِهِ إذَا حُمِلَ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُفِيدِ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ أَوْلَى. وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى غَيْرِ الْمُفِيدِ يَجْعَلُ الْكَلَامَ عَبَثًا وَلَغْوًا يَجِلُّ عَنْهُ مَنْصِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أَمَّا الْمُفِيدُ لِمَعْنًى وَاحِدٍ فَلَيْسَ بِلَغْوٍ، وَكَلِمَاتُهُ الَّتِي أَفَادَتْ مَعْنًى وَاحِدًا لَعَلَّهَا أَغْلَبُ وَأَكْثَرُ يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ، فَلَا مَعْنًى لِهَذَا التَّرْجِيحِ.
[مَسْأَلَةٌ مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى حُكْمٍ مُتَجَدِّدٍ]
ٍ فَلَيْسَ بِأَوْلَى مِمَّا يُحْمَلُ اللَّفْظُ فِيهِ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ وَالْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَالِاسْمِ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُحْتَمَلٌ، وَلَيْسَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ رَدًّا لَهُ إلَى الْعَبَثِ وَقَالَ قَوْمٌ: حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ فَائِدَةٌ خَاصَّةٌ بِالشَّرْعِ أَوْلَى. وَهُوَ ضَعِيفٌ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْطِقُ بِالْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَلَا بِالِاسْمِ اللُّغَوِيِّ وَلَا بِالْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، فَهَذَا تَرْجِيحٌ بِالتَّحَكُّمِ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ ﷺ : «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يُسَمَّى جَمَاعَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ انْعِقَادَ الْجَمَاعَةِ أَوْ حُصُولَ فَضِيلَتِهَا. وَمِثَالُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ : «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِافْتِقَارَ إلَى الطَّهَارَةِ أَيْ: هُوَ كَالصَّلَاةِ حُكْمًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ فِيهِ دُعَاءً كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُسَمَّى صَلَاةً شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ صَلَاةً، فَهُوَ مُجْمَلٌ بَيْنَ هَذِهِ الْجِهَاتِ وَلَا تَرْجِيحَ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا دَارَ الِاسْمُ بَيْنَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ]
ِّ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﵇ يُنَاطِقُ الْعَرَبَ بِلُغَتِهِمْ كَمَا يُنَاطِقُهُمْ بِعُرْفِ شَرْعِهِ. وَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُ تَفْرِيعٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُثْبِتُ الْأَسَامِيَ الشَّرْعِيَّةَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُنْكِرٌ لِلْأَسَامِي الشَّرْعِيَّةِ.
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ غَالِبَ عَادَةِ الشَّارِعِ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَسَامِي عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ
стр. 188
لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ أَيْضًا كَثِيرًا مَا يُطْلَقُ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، كَقَوْلِهِ ﷺ : «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وَمَنْ بَاعَ حُرًّا أَوْ مَنْ بَاعَ خَمْرًا فَحُكْمُهُ كَذَا، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَبَيْعُ الْخَمْرِ وَالْحُرِّ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمُوجَبِ الْوَضْعِ فَأَمَّا الشَّرْعِيُّ فَلَا. وَمِثَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ: ﷺ حَيْثُ لَمْ يُقَدَّمْ إلَيْهِ غَدَاءٌ: «إنِّي إذًا أَصُومُ» فَإِنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَى الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ دَلَّ عَلَى جَوَازِ النِّيَّةِ نَهَارًا، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْإِمْسَاكِ لَمْ يَدُلَّ وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَصُومُوا يَوْمَ النَّحْرِ» إنْ حُمِلَ عَلَى الْإِمْسَاكِ الشَّرْعِيِّ دَلَّ عَلَى انْعِقَادِهِ، إذْ لَوْلَا إمْكَانُهُ لَمَا قِيلَ لَهُ لَا تَفْعَلْ، إذْ لَا يُقَالُ لِلْأَعْمَى لَا تُبْصِرْ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الصَّوْمِ الْحِسِّيِّ لَمْ يَنْشَأْ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى الِانْعِقَادِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ حَلِفَ أَنْ لَا يَبِيعَ الْخَمْرَ لَا يَحْنَثُ بِبَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الشَّرْعِيَّ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ وَقَالَ الْمُزَنِيّ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْبَيْعَ اللُّغَوِيَّ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْإِثْبَاتِ وَالْأَمْرِ فَهُوَ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَمَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ كَقَوْلِهِ: «دَعِي الصَّلَاةَ» فَهُوَ مُجْمَلٌ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ]
ِ فَاللَّفْظُ لِلْحَقِيقَةِ إلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَازَ
وَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا، كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ الْيَوْمَ حِمَارًا وَاسْتَقْبَلَنِي فِي الطَّرِيقِ أَسَدٌ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْبَلِيدِ وَالشُّجَاعِ إلَّا بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فَاللَّفْظُ لِلْبَهِيمَةِ وَالسَّبُعِ. وَلَوْ جَعَلْنَا كُلَّ لَفْظٍ أَمْكَنَ أَنْ يُتَجَوَّزَ بِهِ مُجْمَلًا تَعَذَّرَتْ الِاسْتِفَادَةُ مِنْ أَكْثَرِ الْأَلْفَاظِ، فَإِنَّ الْمَجَازَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ لِعَارِضٍ. وَهَذَا فِي مَجَازٍ لَمْ يَغْلِبْ بِالْعُرْفِ. بِحَيْثُ صَارَ الْوَضْعُ كَالْمَتْرُوكِ مِثْلَ الْغَائِطِ وَالْعَذِرَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ الْيَوْمَ عَذِرَةً أَوْ غَائِطًا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ وَفِنَاءُ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْمَتْرُوكِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ كَالْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ فِي تَرَدُّدِ اللَّفْظِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ الْمَجَازُ كَالْحَقِيقِيِّ لَكِنَّ الْمَجَازَ إذَا صَارَ عُرْفِيًّا كَانَ الْحُكْمُ لِلْعُرْفِ.
[خَاتِمَةٌ جَامِعَةٌ]
ٌ اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَالَ تَارَةً يَكُونُ فِي لَفْظٍ مُفْرَدٍ وَتَارَةً يَكُونُ فِي لَفْظٍ مُرَكَّبٍ وَتَارَةً فِي نَظْمِ الْكَلَامِ وَالتَّصْرِيفِ وَحُرُوفِ النَّسَقِ وَمَوَاضِعِ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ. أَمَّا اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ فَقَدْ يَصْلُحُ لِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالْعَيْنِ لِلشَّمْسِ وَالذَّهَبِ وَالْعُضْوِ الْبَاصِرِ وَالْمِيزَانِ، وَقَدْ يَصْلُحُ لِمُتَضَادَّيْنِ كَالْقُرْءِ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ وَالنَّاهِلِ لِلْعَطْشَانِ وَالرَّيَّانِ، وَقَدْ يَصْلُحُ لِمُتَشَابِهَيْنِ بِوَجْهٍ مَا كَالنُّورِ لِلْعَقْلِ وَنُورِ الشَّمْسِ، وَقَدْ يَصْلُحُ لِمُتَمَاثِلَيْنِ كَالْجِسْمِ لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالرَّجُلِ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَقَدْ يَكُونُ مَوْضُوعًا لَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَعَارًا لِأَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ كَقَوْلِكَ: الْأَرْضُ أُمُّ الْبَشَرِ، فَإِنَّ الْأُمَّ وُضِعَ اسْمٌ لِلْوَالِدَةِ أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ اسْمُ الْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ نُقِلَ فِي الشَّرْعِ إلَى مَعَانٍ وَلَمْ يُتْرَكْ الْمَعْنَى الْوَضْعِيُّ أَيْضًا. أَمَّا الِاشْتِرَاكُ مَعَ التَّرْكِيبِ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَإِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مُرَدَّدَةٌ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ. وَأَمَّا الَّذِي بِحَسَبِ التَّصْرِيفِ فَكَالْمُخْتَارِ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ.
وَأَمَّا الَّذِي بِحَسَبِ نَسَقِ الْكَلَامِ فَكَقَوْلِكَ: كُلُّ مَا عَلَّمَهُ الْحَكِيمُ فَهُوَ كَمَا عَلِمَهُ، فَإِنَّ قَوْلَكَ " فَهُوَ كَمَا عَلِمَهُ " مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى كُلِّ مَا " وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَكِيمِ حَتَّى يَقُولَ: وَالْحَكِيمُ يَعْلَمُ الْحَجَرَ، فَهُوَ إذًا كَالْحَجَرِ. وَقَدْ يَكُونُ بِحَسَبِ
стр. 189
الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ، فَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَى السَّمَوَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] لَهُ مَعْنًى يُخَالِفُ الْوَقْفَ عَلَى الْأَرْضِ وَالِابْتِدَاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ يُخَالِفُ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: إلَّا اللَّهُ وَذَلِكَ لِتَرَدُّدِ الْوَاوِ بَيْنَ الْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ. وَلِذَلِكَ قَدْ يَصْدُقُ قَوْلُكَ: الْخَمْسَةُ زَوْجٌ وَفَرْدٌ أَيْ هُوَ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ، وَيَصْدُقُ قَوْلُكَ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ وَجِسْمٌ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ وَجِسْمٌ أَيْضًا. وَلَا يَصْدُقُ قَوْلُكَ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ وَجِسْمٌ، وَلَا قَوْلُكَ: الْخَمْسَةُ زَوْجٌ وَفَرْدٌ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ بِحَيَوَانٍ وَجِسْمٍ وَلَيْسَتْ الْخَمْسَةُ زَوْجًا وَفَرْدًا أَيْضًا؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ يَحْتَمِلُ جَمْعَ الْأَجْزَاءِ وَجَمْعَ الصِّفَاتِ. وَكَذَلِكَ تَقُولُ: زَيْدٌ طَبِيبٌ بَصِيرٌ، يَصْدُقُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا ضَعِيفَ الْمَعْرِفَةِ بِالطِّبِّ وَلَكِنْ بَصِيرٌ بِالْخِيَاطَةِ، فَيَتَرَدَّدُ الْبَصِيرُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَصِيرُ فِي الطِّبِّ أَوْ يُرَادَ وَصْفٌ زَائِدٌ فِي نَفْسِهِ. فَهَذِهِ أَمْثِلَةُ مَوَاضِعِ الْإِجْمَالِ.
[الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ وَالْمُبِين وَفِيهِ مَسَائِل]
[مَسْأَلَةٌ فِي حَدِّ الْبَيَانِ]
الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ وَقَدْ تَمَّ الْقَوْلُ فِي الْمُجْمَلِ وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمُبَيَّنُ فَلْنَتَكَلَّمْ فِي الْبَيَانِ وَحُكْمِهِ وَحَدِّهِ. الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ:
اعْلَمْ أَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ الْأُصُولِيِّينَ بِرَسْمِ كِتَابٍ فِي الْبَيَانِ وَلَيْسَ النَّظَرُ فِيهِ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ أَنْ يُسَمَّى كِتَابًا، فَالْخَطْبُ فِيهِ يَسِيرٌ الْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ. وَرَأَيْتُ أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِهِ أَنْ يُذْكَرَ عَقِيبَ الْمُجْمَلِ، فَإِنَّهُ الْمُفْتَقِرُ إلَى الْبَيَانِ وَالنَّظَرِ فِي حَدِّ الْبَيَانِ وَجَوَازِ تَأْخِيرِهِ وَالتَّدْرِيجِ فِي إظْهَارِهِ وَفِي طَرِيقِ ثُبُوتِهِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ نَرْسُمُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَسْأَلَةً.
مَسْأَلَةٌ: فِي حَدِّ الْبَيَانِ
اعْلَمْ أَنَّ الْبَيَانَ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالتَّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِدَلِيلٍ، وَالدَّلِيلُ مُحَصِّلٌ لِلْعِلْمِ، فَهَهُنَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: إعْلَامٌ وَدَلِيلٌ بِهِ الْإِعْلَامُ وَعِلْمٌ يَحْصُلُ مِنْ الدَّلِيلِ؛ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَهُ عِبَارَةً عَنْ التَّعْرِيفِ فَقَالَ فِي حَدِّهِ: إنَّهُ إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ عِبَارَةً عَمَّا بِهِ تَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى الْمَعْرِفَةِ، أَعْنِي الْأُمُورَ الَّتِي لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً وَهُوَ الدَّلِيلُ، فَقَالَ فِي حَدِّهِ: إنَّهُ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى الْعِلْمِ بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِ الْعِلْمِ وَهُوَ تَبَيُّنُ الشَّيْءِ، فَكَأَنَّ الْبَيَانَ عِنْدَهُ وَالتَّبَيُّنَ وَاحِدٌ. وَلَا حَجْرَ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْبَيَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، إلَّا أَنَّ الْأَقْرَبَ إلَى اللُّغَةِ وَإِلَى الْمُتَدَاوَلِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، إذْ يُقَالُ لِمَنْ دَلَّ غَيْرَهُ عَلَى الشَّيْءِ بَيَّنَهُ لَهُ، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وَأَرَادَ بِهِ الْقُرْآنَ وَعَلَى هَذَا فَبَيَانُ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِعِبَارَاتٍ وُضِعَتْ بِالِاصْطِلَاحِ، فَهِيَ بَيَانٌ فِي حَقِّ مَنْ تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَتُهُ بِوَجْهِ الْمُوَاضَعَةِ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ وَالْإِشَارَةِ وَالرَّمْزِ، إذْ الْكُلُّ دَلِيلٌ وَمُبَيِّنٌ، وَلَكِنْ صَارَ فِي عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَخْصُوصًا بِالدَّلَالَةِ بِالْقَوْلِ لَهُ بَيَانٌ حَسَنٌ، أَيْ: كَلَامٌ حَسَنٌ رَشِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطُ الْبَيَانِ أَنْ يَحْصُلَ التَّبْيِينُ بِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ بَلْ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا سُمِعَ وَتُؤُمِّلَ وَعُرِفَتْ الْمُوَاضَعَةُ صَحَّ أَنْ يُعْلَمَ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ فِي تَبَيُّنِ ذَلِكَ وَتَعَرُّفِهِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِمُشْكِلٍ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمُعْرِبَةَ
стр. 190
عَنْ الْأُمُورِ ابْتِدَاءُ بَيَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا إشْكَالٌ.
وَبِهَذَا يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ حَدَّهُ بِأَنَّهُ إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي، فَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ الْبَيَانِ وَهُوَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ فَقَطْ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُفِيدٍ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَفِعْلِهِ وَسُكُوتِهِ وَاسْتِبْشَارِهِ حَيْثُ يَكُونُ دَلِيلًا وَتَنْبِيهُهُ بِفَحْوَى الْكَلَامِ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ كُلُّ ذَلِكَ بَيَانٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ قَطْعًا دَلِيلٌ وَبَيَانٌ وَهُوَ كَالنَّصِّ. نَعَمْ كُلُّ مَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا ظَاهِرًا فَهُوَ مُجْمَلٌ وَلَيْسَ بِبَيَانٍ بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْبَيَانِ، وَالْعُمُومُ يُفِيدُ ظَنَّ الِاسْتِغْرَاقِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ لِيَصِيرَ الظَّنُّ عِلْمًا فَيَتَحَقَّقَ الِاسْتِغْرَاقُ أَوْ يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ فَيَتَحَقَّقَ الْخُصُوصُ. وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ تَقَدُّمِهِ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ بَيَانُ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا صِيغَةَ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ]
ِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ، أَمَّا تَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَجَائِزٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ الظَّاهِرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ. وَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُجْمَلِ فَقَالُوا: يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ إذْ لَا يَحْصُلُ مِنْ الْمُجْمَلِ جَهْلٌ. وَأَمَّا الْعَامُّ فَإِنَّهُ يُوهِمُ الْعُمُومَ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ بَيَانُهُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الْبَيَانُ لَهُ أَوْهَمَ جَوَازَ قَتْلِ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى قَتْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ. وَالْمُجْمَلُ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُجْمَلٌ لَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: حُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا سَأُفَصِّلُهُ، أَوْ: اُقْتُلْ فُلَانًا غَدًا بِآلَةٍ سَأُعَيِّنُهَا مِنْ سَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ.
وَفَرَّقَ طَوَائِفُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَبَيْنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَلَمْ يُجَوِّزُوا تَأْخِيرَ الْبَيَانِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ مَسَالِكُ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَكَانَ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي ذَاتِهِ أَوْ لِإِفْضَائِهِ إلَى مُحَالٍ وَكُلُّ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِضَرُورَةٍ أَوْ نَظَرٍ، وَإِذَا انْتَفَى الْمَسْلَكَانِ ثَبَتَ الْجَوَازُ وَهَذَا دَلِيلٌ يَسْتَعْمِلُهُ الْقَاضِي فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ؛ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُورَثُ الْعِلْمُ بِبُطْلَانِ الْإِحَالَةِ وَلَا بِثُبُوتِ الْجَوَازِ، إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ مَا ذَكَرَهُ وَفَصَّلَهُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِحَالَةِ لَمْ يَخْطِرْ لَهُ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لَا عَلَى الْإِحَالَةِ وَلَا عَلَى الْجَوَازِ.
فَعَدَمُ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ الْجَوَازِ لَا يُثْبِتُ الْإِحَالَةَ، وَكَذَلِكَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ الْإِحَالَةِ لَا يُثْبِتُ الْجَوَازَ، بَلْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ الْإِحَالَةِ لَا يَكُونُ عِلْمًا؛ لِعَدَمِ الْإِحَالَةِ، فَلَعَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَلَمْ نَعْرِفْهُ، بَلْ لَوْ عَرَفْنَا انْتِفَاءَ دَلِيلِ الْإِحَالَةِ لَمْ يَثْبُتْ الْجَوَازُ، بَلْ لَعَلَّهُ مُحَالٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَعْرِفُهُ آدَمِيٌّ، فَمِنْ أَيْنَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ جَائِزٍ وَمُحَالٍ فِي مَقْدُورِ الْآدَمِيِّ مَعْرِفَتُهُ؟
الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ لِلِامْتِثَالِ وَإِمْكَانِهِ، وَلِأَجْلِهِ يَحْتَاجُ إلَى الْقُدْرَةِ وَالْآلَةِ، ثُمَّ جَازَ تَأْخِيرُ الْقُدْرَةِ وَخَلْقِ الْآلَةِ فَكَذَلِكَ الْبَيَانُ وَهَذَا أَيْضًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْفَعُ لَوْ اعْتَرَفَ الْخَصْمُ بِأَنَّهُ يُحِيلُهُ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ وَلَعَلَّهُ يُحِيلُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَجْهِيلٍ أَوْ لِكَوْنِهِ
стр. 191
لَغْوًا بِلَا فَائِدَةٍ أَوْ لِسَبَبٍ آخَرَ، وَلَيْسَ فِي تَسْلِيمِهِ تَعْلِيلُ الْقُدْرَةِ وَالْآلَةِ بِتَأَتِّي الِامْتِثَالِ مَا يَلْزَمُهُ تَعْلِيلُ غَيْرِهِ بِهِ.
الثَّالِثُ: الِاسْتِدْلَال عَلَى جَوَازِهِ بِوُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وَثُمَّ لِلتَّأْخِيرِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً وَلَمْ يُفَصِّلْ إلَّا بَعْدَ السُّؤَالِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ.
، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذِي الْقُرْبَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ بَنِي أُمَيَّةَ وَكُلِّ مَنْ عَدَا بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمَّا مَنَعَ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي نَوْفَلٍ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: «إنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إسْلَامٍ وَلَمْ نَزَلْ هَكَذَا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَالَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] بَيَّنَ بَعْدَ أَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ. وَأَمَّا السُّنَنُ فَبَيَانُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ فِي يَوْمَيْنِ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ، وَقَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» وَقَالَ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» كُلُّهُ وَرَدَ مُتَأَخِّرًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وَغَيْرِهَا ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧] الْآيَةَ وَقَالَ ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١] وَهُوَ عَامٌّ ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْذَارِ وَكَذَلِكَ أَمْرُ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِرْثِ وَرَدَ أَوَّلًا أَصْلُهَا ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﵇ بِالتَّدْرِيجِ مَنْ يَرِثُ وَمَنْ لَا يَرِثُ وَمَنْ يَحِلُّ نِكَاحُهُ وَمَنْ لَا يَحِلُّ وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ عَامٍّ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّمَا وَرَدَ دَلِيلُ خُصُوصِهِ بَعْدَهُ، وَهَذَا مَسْلَكٌ لَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِهِ، وَإِنْ تَطَرَّقَ الِاحْتِمَالُ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ بِتَقْدِيرِ اقْتِرَانِ الْبَيَانِ فَلَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْجَمِيعِ
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ النَّسْخِ بِالِاتِّفَاقِ، بَلْ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ النَّسْخَ عِنْدَهُمْ بَيَانٌ لِوَقْتِ الْعِبَادَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرِدَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ الْأَفْعَالِ عَلَى الدَّوَامِ ثُمَّ يُنْسَخُ وَيُقْطَعُ الْحُكْمُ بَعْدَ حُصُولِ الِاعْتِقَادِ بِلُزُومِ الْفِعْلِ عَلَى الدَّوَامِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ نَسْخٌ، وَهَذَا أَيْضًا وَاقِعٌ، فَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ وَاقِعَةٌ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ مِنْ عَامٍّ وَمُجْمَلٍ وَمَجَازٍ وَفِعْلٍ مُتَرَدِّدٍ وَشَرْطٍ مُطْلَقٍ غَيْرِ مُقَيَّدٍ، وَهُوَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى مَنْ جَوَّزَ فِي الْأَمْرِ دُونَ الْوَعِيدِ وَعَلَى مَنْ قَالَ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وَلِلْمُخَالِفِ أَرْبَعُ شُبَهٍ.
الْأُولَى: قَالُوا: إنْ جَوَّزْتُمْ خِطَابَ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيَّةِ وَالْفَارِسِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ فَقَدْ رَكِبْتُمْ بَعِيدًا وَتَعَسَّفْتُمْ، وَإِنْ مَنَعْتُمْ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُخَاطَبَةِ الْعَرَبِيِّ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ لَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ وَلَكِنْ يَسْمَعُ لَفْظَهُ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ خِطَابِهِ بِلُغَةٍ هُوَ وَاضِعُهَا وَحْدَهُ إلَى أَنْ يُبَيِّنَ. وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَوْلَى: أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا قَوْلَهُ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] كَالْكَلَامِ بِلُغَةٍ لَا تُفْهَمُ مَعَ أَنَّهُ يَفْهَمُ أَصْلَ الْإِيجَابِ وَيَعْزِمُ عَلَى أَدَائِهِ وَيَنْتَظِرُ بَيَانَهُ وَقْتَ
стр. 192
الْحَصَادِ فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا تَعَسُّفٌ وَظُلْمٌ.
الْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّا نُجَوِّزُ لِلنَّبِيِّ ﵇ أَنْ يُخَاطِبَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ الزِّنْجِ وَالتُّرْكِ بِالْقُرْآنِ وَيُشْعِرُهُمْ أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَوَامِرَ يُعَرِّفُهُمْ بِهَا الْمُتَرْجِمُ، وَكَيْفَ يَبْعُدُ هَذَا وَنَحْنُ نُجَوِّزُ كَوْنَ الْمَعْدُومِ مَأْمُورًا عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ؟ فَأَمْرُ الْعَجَمِ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَيَانِ أَقْرَبُ. نَعَمْ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ خِطَابًا بَلْ إنَّمَا يُسَمَّى خِطَابًا إذَا فَهِمَهُ الْمُخَاطَبُ، وَالْمُخَاطَبُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَهِمَ أَصْلَ الْأَمْرِ بِالزَّكَاةِ وَجَهِلَ قَدْرَ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عِنْدَ الْحَصَادِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مَفْهُومٌ وَتَرَدُّدُهُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ مَعْلُومٌ وَالتَّعْيِينُ مُنْتَظَرٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلْيَجُزْ خِطَابُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ. قُلْنَا: أَمَّا مَنْ لَا يَفْهَمُ فَلَا يُسَمَّى مُخَاطَبًا وَيُسَمَّى مَأْمُورًا كَالْمَعْدُومِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ مَأْمُورٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْبُلُوغِ أَعْنِي مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَبْلُغُ، أَمَّا الَّذِي يَفْهَمُ وَيَعْلَمُ اللَّهُ بِبُلُوغِهِ فَلَا نُحِيلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: إذَا بَلَغْتَ فَأَنْتَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّبَا لَا يُنَافِي مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يُنَافِي خِطَابًا يُعَرِّضُهُ لِلْعِقَابِ فِي الصِّبَا.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ الْخِطَابُ يُرَادُ لِفَائِدَةٍ، وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَبْجَدْ هَوَّزْ وَيُرِيدُ بِهِ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ثُمَّ يُبَيِّنُهُ مِنْ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ لَغْوٌ مِنْ الْكَلَامِ، وَكَذَلِكَ الْمُجْمَلُ الَّذِي لَا يُفِيدُ.
قُلْنَا: إنَّمَا يَجُوزُ الْخِطَابُ بِمُجْمَلٍ يُفِيدُ فَائِدَةً مَا؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يُعْرَفُ مِنْهُ وُجُوبُ الْإِيتَاءِ وَوَقْتُهُ وَأَنَّهُ حَقٌّ فِي الْمَالِ، فَيُمْكِنُ الْعَزْمُ فِيهِ عَلَى الِامْتِثَالِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ، وَلَوْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِهِ عَصَى. وَكَذَلِكَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ إذَا وَرَدَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ لِلْإِيجَابِ أَوْ النَّدْبِ أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي أَوْ أَنَّهُ لِلتَّكْرَارِ أَوْ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ أَفَادَ عِلْمَ اعْتِقَادِ الْأَصْلِ وَمَعْرِفَةَ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يُعَرِّفُ إمْكَانَ سُقُوطِ الْمَهْرِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ فَلَا يَخْلُو عَنْ أَصْلِ الْفَائِدَةِ، وَإِنَّمَا يَخْلُو عَنْ كَمَالِهَا. وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ بَلْ هُوَ وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْعَادَةِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " أَبْجَدْ هَوَّزْ " فَإِنَّ ذَلِكَ لَا فَائِدَةَ لَهُ أَصْلًا.
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ: «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَأَرَادَ خَمْسًا مِنْ الْأَفْرَاسِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الْبَيَانِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَجْهِيلٌ فِي الْحَالِ وَإِيهَامٌ لِخِلَافِ الْمُرَادِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يُوهِمُ قَتْلَ كُلِّ مُشْرِكٍ. وَهُوَ خِلَافُ الْمُرَادِ، فَهُوَ تَجْهِيلٌ فِي الْحَالِ. وَلَوْ أَرَادَ بِالْعَشَرَةِ سَبْعَةً كَانَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا إنْ اتَّصَلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ بِأَنْ يَقُولَ: عَشَرَةً إلَّا ثَلَاثَةً. وَكَذَلِكَ الْعُمُومُ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي الْوَضْعِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ بِشَرْطِ قَرِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَأَمَّا إرَادَةُ الْخُصُوصِ دُونَ الْقَرِينَةِ فَهُوَ تَغْيِيرٌ لِلْوَضْعِ؛ وَهَذَا حُجَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُجْمَلِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعُمُومَ لَوْ كَانَ نَصًّا فِي الِاسْتِغْرَاقِ لَكَانَ كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُجْمَلٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الِاسْتِغْرَاقِ وَالْخُصُوصِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ وَإِرَادَةِ الْخُصُوصِ بِهِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُعَبِّرُ بِلَفْظِ الْعُمُومِ عَنْ كُلِّ مَا تَمَثَّلَ فِي ذِهْنِهِ وَحَضَرَ فِي فِكْرِهِ، فَيَقُولُ مَثَلًا: لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَالْجَلَّادُ وَالْقَاتِلُ قِصَاصًا لَمْ يَرِثْ، فَيَقُولُ: مَا أَرَدْتُ هَذَا وَلَمْ يَخْطِرْ لِي بِالْبَالِ. وَيَقُولُ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَيُقَالُ:
стр. 193
فَالْبِنْتُ الرَّقِيقَةُ وَالْكَافِرَةُ لَا تَرِثُ شَيْئًا، فَيَقُولُ: مَا خَطَرَ بِبَالِي هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَ الرَّقِيقَةِ وَالْكَافِرَةَ. وَيَقُولُ الْأَبُ: إذَا انْفَرَدَ يَرِثُ الْمَالَ أَجْمَعَ، فَيُقَالُ: الْأَبُ الْكَافِرُ أَوْ الرَّقِيقُ لَا يَرِثُ، فَيَقُولُ: إنَّمَا خَطَرَ بِبَالِي الْأَبُ غَيْرُ الرَّقِيقِ وَالْكَافِرِ. فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَإِذَا أَرَادَ السَّبْعَةَ بِالْعَشَرَةِ فَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، فَإِذَا اعْتَقَدَ الْعُمُومَ قَطْعًا فَذَلِكَ لِجَهْلِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ مُحْتَمِلٌ لِلْخُصُوصِ وَعَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْعُمُومِ إنْ خُلِّيَ وَالظَّاهِرِ، وَيُنْتَظَرُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى الْخُصُوصِ أَيْضًا.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إنْ جَازَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَى مُدَّةٍ مَخْصُوصَةٍ طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً فَهُوَ تَحَكُّمٌ، وَإِنْ جَازَ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَرُبَّمَا يُخْتَرَمُ النَّبِيُّ ﵇ قَبْلَ الْبَيَانِ فَيَبْقَى الْعَامِلُ بِالْعُمُومِ فِي وَرْطَةِ الْجَهْلِ مُتَمَسِّكًا بِعُمُومِ مَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. قُلْنَا: النَّبِيُّ ﵇ لَا يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ إلَّا إذَا جُوِّزَ لَهُ التَّأْخِيرُ أَوْ أُوجِبَ وَعُيِّنَ لَهُ وَقْتُ الْبَيَانِ وَعُرِفَ أَنَّهُ يَبْقَى إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ اُخْتُرِمَ قَبْلَ الْبَيَانِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَيَبْقَى الْعَبْدُ مُكَلَّفًا بِالْعُمُومِ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْعُمُومَ ظَاهِرًا وَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ، كَمَا لَوْ اُخْتُرِمَ قَبْلَ النَّسْخِ لِمَا أُمِرَ بِنَسْخِهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى مُكَلَّفًا بِهِ دَائِمًا.
فَإِنْ أَحَالُوا اخْتِرَامَهُ قَبْلَ تَبْلِيغِ النَّسْخِ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ النَّسْخُ فِيهِ فَيَسْتَحِيلُ أَيْضًا اخْتِرَامُهُ قَبْلَ بَيَانِ الْخُصُوصِ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَلَا فَرْقَ.
[مَسْأَلَةٌ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِي الْعُمُومِ]
مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُجَوِّزِينَ لِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِي الْعُمُومِ إلَى مَنْعِ التَّدْرِيجِ فِي الْبَيَانِ
فَقَالُوا إذَا ذُكِرَ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ الْعُمُومِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ، وَإِلَّا أَوْهَمَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ الْعُمُومِ فِي الْبَاقِي. وَهَذَا أَيْضًا غَلَطٌ، بَلْ مَنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُخْطِئُ، فَإِنَّهُ كَمَا كَانَ يُجَوِّزُ الْخُصُوصَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى تَجَوُّزًا لَهُ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ أُخْرِجَ الْبَعْضُ،؛ إذْ لَيْسَ فِي إخْرَاجِ الْبَعْضِ تَصْرِيحٌ بِحَسْمِ سَبِيلٍ لِشَيْءٍ آخَرَ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﵇ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ، فَقَالَ: " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَمْنِ الطَّرِيقِ وَالسَّلَامَةِ وَطَلَبِ الْخِفَارَةِ، وَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَيَّنَ بِدَلِيلٍ آخَرَ بَعْدَهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ثُمَّ ذَكَرَ النِّصَابَ بَعْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْحِرْزَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ كَانَ يُخْرِجُ شَيْئًا شَيْئًا مِنْ الْعُمُومِ عَلَى قَدْرِ وُقُوعِ الْوَقَائِعِ، وَكَذَلِكَ يُخْرِجُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] أَهْلَ الذِّمَّةِ مَرَّةً وَالْعَسِيفَ مَرَّةً وَالْمَرْأَةَ مَرَّةً أُخْرَى وَكَذَلِكَ عَلَى التَّدْرِيجِ، وَلَا إحَالَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَتَى يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْحُكْمُ بِالْعُمُومِ وَلَا يَزَالُ مُنْتَظِرًا لِدَلِيلٍ بَعْدَهُ؟ قُلْنَا: سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ الْبَيَانِ لِلْمُجْمَلِ وَالتَّخْصِيصِ لِلْعُمُومِ كَطَرِيقِ الْمُجْمَلِ وَالْعُمُومِ]
ِ حَتَّى يَجُوزَ بَيَانُ مُجْمَلِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ وَمَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، خِلَافًا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُجَوِّزُوا التَّخْصِيصَ فِي عُمُومِ الْقُرْآنِ وَالْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا الْمُجْمَلُ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَعَدَدِ رَكَعَاتِهَا وَمِقْدَارِ وَاجِبِ الزَّكَاةِ وَجِنْسِهَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَيَّنَ إلَّا بِطَرِيقٍ قَاطِعٍ.
وَأَمَّا مَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَمَا يَجِبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ مِنْ الْحَدِّ وَذِكْرِ أَحْكَامِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُبَيَّنَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا
стр. 194
يَتَعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ وَسَيَأْتِي فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَطَرَفٌ يَتَعَلَّقُ بِمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْأَخْبَارِ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْفَنِّ الْأَوَّلِ فِي الظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ وَفِيهِ مَسَائِل]
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْفَنِّ الْأَوَّلِ فِي الظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ. اعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ الَّذِي لَيْسَ بِمُجْمَلٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا. وَالنَّصُّ هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ. فَهَذَا الْقَدْرُ قَدْ عَرَفْتَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَبَقِيَ عَلَيْكَ الْآنَ أَنْ تَعْرِفَ الِاخْتِلَافَ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ النَّصِّ وَأَنْ تَعْرِفَ حَدَّهُ وَحَدَّ الظَّاهِرِ وَشَرْطَ التَّأْوِيلِ الْمَقْبُولِ. فَنَقُولُ: النَّصُّ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ فِي تَعَارُفِ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: مَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَإِنَّهُ سَمَّى الظَّاهِرَ نَصًّا؛ وَهُوَ مُنْطَبِقٌ عَلَى اللُّغَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ فِي الشَّرْعِ، وَالنَّصُّ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الظُّهُورِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَصَّتْ الظَّبْيَةُ رَأْسَهَا إذَا رَفَعَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ، وَسُمِّيَ الْكُرْسِيُّ مِنَصَّةً إذْ تَظْهَرُ عَلَيْهِ الْعَرُوسُ، وَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا وَجَدَ فُرْجَةً نَصَّ» فَعَلَى هَذَا حَدُّهُ الظَّاهِرُ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَهْمُ مَعْنًى مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْغَالِبِ ظَاهِرٌ وَنَصٌّ.
الثَّانِي: الْأَشْهَرُ: مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا لَا عَلَى قُرْبٍ وَلَا عَلَى بُعْدٍ، كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي مَعْنَاهُ لَا يَحْتَمِلُ السِّتَّةَ وَلَا الْأَرْبَعَةَ وَسَائِرِ الْأَعْدَادِ، وَلَفْظُ الْفَرَسِ لَا يَحْتَمِلُ الْحِمَارَ وَالْبَعِيرَ وَغَيْرَهُ.
فَكُلُّ مَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى مَعْنَاهُ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ سُمِّيَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَعْنَاهُ نَصًّا فِي طَرَفَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، أَعْنِي فِي إثْبَاتِ الْمُسَمَّى وَنَفْيِ مَا لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. فَعَلَى هَذَا حَدُّهُ اللَّفْظُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ عَلَى الْقَطْعِ مَعْنًى فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَعْنَاهُ الْمَقْطُوعِ بِهِ نَصٌّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ نَصًّا ظَاهِرًا مُجْمَلًا لَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ لَا إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
الثَّالِثُ: التَّعْبِيرُ بِالنَّصِّ عَمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ مَقْبُولٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ، أَمَّا الِاحْتِمَالُ الَّذِي لَا يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ فَلَا يُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ كَوْنِهِ نَصًّا؛ فَكَانَ شَرْطُ النَّصِّ بِالْوَضْعِ الثَّانِي أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا، وَبِالْوَضْعِ الثَّالِثِ أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الْمُعْتَضِدُ بِدَلِيلٍ. وَلَا حَجْرَ فِي إطْلَاقِ اسْمِ النَّصِّ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ الْإِطْلَاقَ الثَّانِي أَوْجَهُ وَأَشْهَرُ وَعَنْ الِاشْتِبَاهِ بِالظَّاهِرِ أَبْعَدُ. هَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي النَّصِّ وَالظَّاهِرِ؛ أَمَّا الْقَوْلُ فِي التَّأْوِيلِ فَيَسْتَدْعِي تَمْهِيدَ أَصْلٍ وَضَرْبَ أَمْثِلَةٍ.
أَمَّا التَّمْهِيدُ: فَهُوَ أَنَّ التَّأْوِيلَ عِبَارَةٌ عَنْ احْتِمَالٍ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ تَأْوِيلٍ صَرْفًا لِلَّفْظِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ، وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ يَرُدُّ اللَّفْظَ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ، فَإِنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ وَضْعَهُ وَحَقِيقَتَهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَهُوَ مَجَازٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ فَكَأَنَّهُ رَدٌّ لَهُ إلَى الْمَجَازِ، إلَّا أَنَّ الِاحْتِمَالَ تَارَةً يَقْرُبُ وَتَارَةً يَبْعُدُ فَإِنْ قَرُبَ كَفَى فِي إثْبَاتِهِ دَلِيلٌ قَرِيبٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا فِي الْقُوَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا افْتَقَرَ إلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ يَجْبُرُ بُعْدَهُ حَتَّى يَكُونَ رُكُوبُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ.
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ قَرِينَةً وَقَدْ يَكُونُ قِيَاسًا وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ، وَرُبَّ تَأْوِيلٍ لَا يَنْقَدِحُ إلَّا بِتَقْدِيرِ قَرِينَةٍ، وَإِنْ لَمْ تُنْقَلْ الْقَرِينَةُ كَقَوْلِهِ ﵇: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ، وَلَا يَنْقَدِحُ هَذَا التَّخْصِيصُ إلَّا بِتَقْدِيرِ وَاقِعَةٍ وَسُؤَالٍ عَنْ مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ تَقْدِيرُ
стр. 195
مِثْلِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ إذَا اُعْتُضِدَ بِنَصٍّ، وَقَوْلُهُ ﵇: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» نَصٌّ فِي إثْبَاتِ رِبَا الْفَضْلِ، وَقَوْلُهُ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» حَصْرٌ لِلرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ وَنَفْيٌ لِرِبَا الْفَضْلِ؛ فَالْجَمْعُ بِالتَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَةِ النَّصِّ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ الِاحْتِمَالُ الْبَعِيدُ كَالْقَرِيبِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، فَإِنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ لَا تُمْكِنُ مُخَالَفَتُهُ بِوَجْهٍ مَا، وَالِاحْتِمَالُ الْبَعِيدُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِاللَّفْظِ بِوَجْهٍ مَا، فَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ إلَّا بِالنَّصِّ بِالْوَضْعِ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ قَرِيبٌ وَلَا بَعِيدٌ.
وَمَهْمَا كَانَ الِاحْتِمَالُ قَرِيبًا وَكَانَ الدَّلِيلُ أَيْضًا قَرِيبًا وَجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ التَّرْجِيحُ وَالْمَصِيرُ إلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، فَلَيْسَ كُلُّ تَأْوِيلٍ مَقْبُولًا بِوَسِيلَةِ كُلِّ دَلِيلٍ بَلْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ ضَبْطٍ، إلَّا أَنَّا نَضْرِبُ أَمْثِلَةً فِيمَا يُرْتَضَى مِنْ التَّأْوِيلِ وَمَا لَا يُرْتَضَى وَنَرْسُمُ فِي كُلِّ مِثَالٍ مَسْأَلَةً وَنَذْكُرُ لِأَجْلِ الْمِثَالِ عَشْرَ مَسَائِلَ خَمْسَةً فِي تَأْوِيلِ الظَّاهِرِ وَخَمْسَةً فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ.
[مَسْأَلَة التَّأْوِيلُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَقَدْ تَجْتَمِعُ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ]
وَآحَادُ تِلْكَ الْقَرَائِنِ لَا تَدْفَعُهُ، لَكِنْ يَخْرُجُ بِمَجْمُوعِهَا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُنْقَدِحًا غَالِبًا، مِثَالُهُ قَوْلُهُ: ﵇ " لِغَيْلَانَ حِينَ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: «أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَقَوْلُهُ: ﵇ لِفَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ حِينَ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: «أَمْسِكْ إحْدَاهُمَا وَفَارِقْ الْأُخْرَى» ، فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ النِّكَاحِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَرَادَ بِهِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، أَيْ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا فَانْكِحْهُنَّ وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ، أَيْ: انْقَطِعْ عَنْهُنَّ وَلَا تَنْكِحْهُنَّ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ الْإِمْسَاكِ الِاسْتِصْحَابُ وَالِاسْتِدَامَةُ.
وَمَا ذَكَرَهُ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ وَيَعْتَضِدُ احْتِمَالُهُ بِالْقِيَاسِ، إلَّا أَنَّ جُمْلَةً مِنْ الْقَرَائِنِ عَضَّدَتْ الظَّاهِرَ وَجَعَلَتْهُ أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ التَّأْوِيلِ.
أَوَّلُهَا: أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْحَاضِرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَسْبِقْ إلَى أَفْهَامِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إلَّا الِاسْتِدَامَةُ فِي النِّكَاحِ، وَهُوَ السَّابِقُ إلَى أَفْهَامِنَا؛ فَإِنَّا لَوْ سَمِعْنَاهُ فِي زَمَاننَا لَكَانَ هُوَ السَّابِقَ إلَى أَفْهَامِنَا
الثَّانِي: أَنَّهُ قَابَلَ لَفْظَ الْإِمْسَاكِ بِلَفْظِ الْمُفَارَقَةِ وَفَوَّضَهُ إلَى اخْتِيَارِهِ، فَلْيَكُنْ الْإِمْسَاكُ وَالْمُفَارَقَةُ إلَيْهِ، وَعِنْدَهُمْ الْفِرَاقُ وَاقِعٌ وَالنِّكَاحُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِرِضَا الْمَرْأَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لَذَكَرَ شَرَائِطَهُ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَمَا أَحْوَجَ جَدِيدُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ إلَى أَنْ يَعْرِفَ شُرُوطَ النِّكَاحِ
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يُتَوَقَّعُ فِي اطِّرَادِ الْعَادَةِ انْسِلَاكُهُنَّ فِي رِبْقَةِ الرِّضَا عَلَى حَسَبِ مُرَادِهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ جَمِيعُهُنَّ فَكَيْفَ أَطْلَقَ الْأَمْرَ مَعَ هَذَا الْإِمْكَانِ؟
الْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " أَمْسِكْ " أَمْرٌ ظَاهِرُهُ الْإِيجَابُ، فَكَيْفَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَجِبْ؟ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَنْكِحَ أَصْلًا.
السَّادِسُ: أَنَّهُ رُبَّمَا أَرَادَ أَنْ لَا يَنْكِحَهُنَّ بَعْدَ أَنْ قَضَى مِنْهُنَّ وَطَرًا، فَكَيْفَ حَصَرَهُ فِيهِنَّ؟ بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: انْكِحْ أَرْبَعًا مِمَّنْ شِئْتَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ كَسَائِرِ نِسَاءِ الْعَالَمِ.
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْقَرَائِنِ يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهَا فِي تَقْرِيرِ التَّأْوِيلِ وَرَدِّهِ وَآحَادُهَا لَا يُبْطِلُ الِاحْتِمَالَ لَكِنَّ الْمَجْمُوعَ يُشَكِّكُ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لِلظَّاهِرِ وَيَصِيرُ اتِّبَاعُ الظَّاهِرِ بِسَبَبِهَا أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ اتِّبَاعِ الْقِيَاسِ، وَالْإِنْصَافُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِتَنَوُّعِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِلَّا فَلَسْنَا نَقْطَعُ بِبُطْلَانِ تَأْوِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَذْلِيلُ الطَّرِيقِ لِلْمُجْتَهِدِينَ
стр. 196
مَسْأَلَةٌ: مِنْ تَأْوِيلَاتِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
أَنَّ الْوَاقِعَةَ رُبَّمَا وَقَعَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْحَصْرِ فِي عَدَدِ النِّسَاءِ فَكَانَ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا الْبَاطِلُ مِنْ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ؛ كَمَا لَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ عَشْرٍ بَعْدَ نُزُولِ الْحَصْرِ. فَنَقُولُ: إذَا سَلِمَ هَذَا أَمْكَنَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قِيَاسَهُمْ يَقْتَضِي انْدِفَاعَ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَنْكِحَةِ، كَمَا لَوْ نَكَحَ أَجْنَبِيَّتَيْنِ ثُمَّ حَدَثَ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةٌ بِرَضَاعٍ انْدَفَعَ النِّكَاحُ وَلَمْ يَتَخَيَّرْ. وَمَعَ هَذَا فَنَقُولُ: هَذَا بِنَاءُ تَأْوِيلٍ عَلَى احْتِمَالٍ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا رَفْعُ حَجْرٍ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَهُمْ النَّاكِحُونَ، وَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَفَارَقُوا عِنْدَ نُزُولِ الْحَصْرِ وَلَأَوْشَكَ أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] أَرَادَ بِهِ زَمَانَ الْجَاهِلِيَّةِ؛ هَذَا مَا وَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ صَحَّ رَفْعُ حَجْرٍ فِي الِابْتِدَاءِ هَلْ كَانَ هَذَا الِاحْتِمَالُ مَقْبُولًا؟ قُلْنَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْأُصُولِيِّينَ: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ اسْتَقَلَّ حُجَّةً فَلَا يُدْفَعُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مَا لَمْ يُنْقَلْ وُقُوعُ نِكَاحِ غَيْلَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحَجْرِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَسْتَقِلُّ حُجَّةً مَا لَمْ يُنْقَلْ تَأَخُّرُ نِكَاحِهِ عَنْ نُزُولِ الْحَصْرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَهُوَ حُجَّةٌ، فَلَيْسَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ أُولَى مِنْ الْآخَرِ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِاحْتِمَالٍ يُعَارِضُهُ غَيْرُهُ.
[مَسْأَلَة كُلُّ تَأْوِيلٍ يَرْفَعُ النَّصَّ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فَهُوَ بَاطِلٌ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ كُلُّ تَأْوِيلٍ يَرْفَعُ النَّصَّ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَمِثَالُهُ تَأْوِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَبْدَالِ حَيْثُ قَالَ ﵊: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الشَّاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ مِقْدَارُ قِيمَتِهَا مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ، قَالَ: فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ فِي وُجُوبِ شَاةٍ، وَهَذَا رَفَعَ وُجُوبَ الشَّاةِ فَيَكُونُ رَفْعًا لِلنَّصِّ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لِلْإِيجَابِ، وَقَوْلَهُ ﵇: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ، وَإِسْقَاطُ وُجُوبِ الشَّاةِ رَفْعٌ لِلنَّصِّ؛ وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَنَا، فَإِنَّ وُجُوبَ الشَّاةِ إنَّمَا يَسْقُطُ بِتَجْوِيزِ التَّرْكِ مُطْلَقًا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَجُزْ تَرْكُهَا إلَّا بِبَدَلٍ يَقُومُ مَقَامَهَا فَلَا تَخْرُجُ الشَّاةُ عَنْ كَوْنِهَا وَاجِبَةً، فَإِنَّ مَنْ أَدَّى خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا فَقَدْ أَدَّى وَاجِبَهَا، وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ يَتَأَدَّى بِخَصْلَةٍ أُخْرَى فَهَذَا تَوْسِيعٌ لِلْوُجُوبِ، وَاللَّفْظُ نَصٌّ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ لَا فِي تَعْيِينِهِ وَتَصْنِيفِهِ، وَلَعَلَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّعْيِينِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّوْسِيعِ وَالتَّخْيِيرِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» فَإِنَّ إقَامَةَ الْمَدَرِ مُقَامَهُ لَا يُبْطِلُ وُجُوبَ الِاسْتِنْجَاءِ، لَكِنَّ الْحَجَرَ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَيَّنَ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي مَعْنَاهُ.
نَعَمْ إنَّمَا يُنْكِرُ الشَّافِعِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَصٌّ لَا يُحْتَمَلُ لَكِنْ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَلِيلَ الْخَصْمِ أَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ الْخَلَّةِ، وَمُسَلَّمٌ أَنَّ سَدَّ الْخَلَّةِ مَقْصُودٌ، لَكِنْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَنَّهُ كُلُّ الْمَقْصُودِ، فَلَعَلَّهُ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ التَّعَبُّدَ بِإِشْرَاكِ الْفَقِيرِ فِي جِنْسِ مَالِ الْغَنِيِّ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَبَيْنَ التَّعَبُّدِ، وَمَقْصُودُ سَدِّ الْخَلَّةِ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ فِي الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى الِاحْتِيَاطِ مِنْ تَجْرِيدِ النَّظَرِ إلَى مُجَرَّدِ سَدِّ الْخَلَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِسَدِّ الْخَلَّةِ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ قَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» هُوَ اسْتِنْبَاطٌ يَعُودُ عَلَى أَصْلِ النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ أَوْ عَلَى الظَّاهِرِ بِالرَّفْعِ وَظَاهِرُ وُجُوبِ الشَّاةِ عَلَى التَّعْيِينِ؛ فَإِبْرَازُ مَعْنًى لَا يُوَافِقُ الْحُكْمَ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ اللَّفْظِ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَا يُوَافِقُ الْحُكْمَ، وَالْحُكْمُ لَا
стр. 197
مَعْنَى لَهُ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الشَّاةِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدْفَعُ هَذَا الظَّاهِرَ.
وَهَذَا أَيْضًا عِنْدَنَا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ مَعْنَى سَدِّ الْخَلَّةِ مَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ إيجَابِ الزَّكَاةِ لِلْفُقَرَاءِ، وَتَعْيِينُ الشَّاةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَبُّدِ كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَعَيِّنًا لَكِنَّ الْبَاعِثَ عَلَى تَعْيِينِهِ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْأَيْسَرُ عَلَى الْمُلَّاكِ وَالْأَسْهَلُ فِي الْعِبَادَاتِ كَمَا عَيَّنَ ذِكْرَ الْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَأَسْهَلُ، وَكَمَا يَقُولُ الْمُفْتِي لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ: تَصَدَّقْ بِعَشَرَةِ أَمْدَادٍ مِنْ الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ يَرَى ذَلِكَ أَسْهَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِتْقِ وَيُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا لَاخْتَارَ الْإِطْعَامَ عَلَى الْإِعْتَاقِ لِيُسْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا عَلَى تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّاةَ مِعْيَارٌ لِمِقْدَارِ الْوَاجِبِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا؛ إذْ الْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِهَا، وَهِيَ تُعْرَفُ بِنَفْسِهَا فَهِيَ أَصْلٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَلَوْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﵊ كَلَامَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاقِضًا وَلَكَانَ حُكْمًا بِأَنَّ الْبَدَلَ يَجْرِي فِي الزَّكَاةِ. فَهَذَا كُلُّهُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، إنَّمَا تَشْمَئِزُّ عَنْهُ طِبَاعُ مَنْ لَمْ يَأْنَسْ بِتَوَسُّعِ الْعَرَبِ فِي الْكَلَامِ وَظَنَّ اللَّفْظَ نَصًّا فِي كُلِّ مَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْهُ، فَلَيْسَ يُبْطِلُ الشَّافِعِيُّ ﵀ هَذَا لِانْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ لَكِنْ لِقُصُورِ الدَّلِيلِ الَّذِي يُعَضِّدُهُ وَلِإِمْكَانِ كَوْنِ التَّعَبُّدِ مَقْصُودًا مَعَ سَدِّ الْخَلَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ الشَّاةَ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لِلتَّسْهِيلِ. ثُمَّ فِي الْجُبْرَانِ رَدَّدَ بَيْنَ شَاةٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَرُدَّهُمْ إلَى قِيمَةِ الشَّاةِ، وَفِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ لَمْ يَرْدُدْ، فَهَذِهِ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى التَّعَبُّدِ، وَالْبَابُ بَابُ التَّعَبُّدِ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ أَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ تَأْوِيلُ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةِ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ]
مَسْأَلَةٌ: يَقْرُبُ مِمَّا ذَكَرْنَا تَأْوِيلُ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةِ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ
، فَقَالَ قَوْمٌ: قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ نَصٌّ فِي التَّشْرِيكِ، فَالصَّرْفُ إلَى وَاحِدٍ إبْطَالٌ لَهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا بَلْ هُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ [التوبة: ٥٩] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] يَعْنِي أَنَّ طَمَعَهُمْ فِي الزَّكَاةِ مَعَ خُلُوِّهِمْ عَنْ شَرْطِ الِاسْتِحْقَاقِ بَاطِلٌ، ثُمَّ عَدَّدَ شُرُوطَ الِاسْتِحْقَاقِ لِيُبَيِّنَ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ وَمَنْ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ؛ فَهَذَا مُحْتَمَلٌ، فَإِنْ مَنَعَهُ فَلِلْقُصُورِ فِي دَلِيلِ التَّأْوِيلِ لَا لِانْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ. فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى نَصًّا بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّالِثِ أَمَّا بِالْوَضْعِ الثَّانِي فَلَا.
[مَسْأَلَةٌ قَوْله تَعَالَى فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا نَصٌّ فِي وُجُوبِ رِعَايَةِ الْعَدَدِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ قَوْمٌ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] نَصٌّ فِي وُجُوبِ رِعَايَةِ الْعَدَدِ وَمَنْعِ الصَّرْفِ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا.
وَقَطَعُوا بِبُطْلَانِ تَأْوِيلِهِ. وَهُوَ عِنْدَنَا مِنْ جِنْسِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ إنْ أُبْطِلَ لِقُصُورِ الِاحْتِمَالِ وَكَوْنِ الْآيَةِ نَصًّا بِالْوَضْعِ الثَّانِي فَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْمَسَاكِينَ لِبَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، وَمَعْنَاهُ: فَإِطْعَامُ طَعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَلَيْسَ هَذَا مُمْتَنِعًا فِي تَوَسُّعِ لِسَانِ الْعَرَبِ، نَعَمْ دَلِيلُهُ تَجْرِيدُ النَّظَرِ إلَى سَدِّ الْخَلَّةِ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقْصِدَ الشَّرْعُ ذَلِكَ؛ لِإِحْيَاءِ سِتِّينَ مُهْجَةً تَبَرُّكًا بِدُعَائِهِمْ وَتَحَصُّنًا عَنْ حُلُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ، وَلَا يَخْلُو جَمْعٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ وَلِيٍّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ يُغْتَنَمُ دُعَاؤُهُ؛ وَلَا دَلِيلَ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْمَقْصُودِ فَتَصِيرُ الْآيَةُ نَصًّا بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ لَا بِالْوَضْعِ الثَّانِي
стр. 198
هَذِهِ أَمْثِلَةُ التَّأْوِيلِ.
[مَسْأَلَةٌ الْعُمُومَ عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّمَسُّكَ بِهِ يَنْقَسِمُ إلَى قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ]
وَلْنَذْكُرْ أَمْثِلَةَ التَّخْصِيصِ: فَإِنَّ الْعُمُومَ إنْ جَعَلْنَاهُ ظَاهِرًا فِي الِاسْتِغْرَاقِ لَمْ يَكُنْ فِي التَّخْصِيصِ إلَّا إزَالَةُ ظَاهِرٍ؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ عَجَّلْنَا ذِكْرَ هَذَا الْقَدْرِ، وَإِلَّا فَبَيَانُهُ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ الْمَرْسُومِ لِبَيَانِ الْعُمُومِ أَلْيَقُ.
مَسْأَلَةٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُمُومَ عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّمَسُّكَ بِهِ يَنْقَسِمُ إلَى قَوِيٍّ يَبْعُدُ عَنْ قَبُولِ التَّخْصِيصِ إلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ أَوْ كَالْقَاطِعِ وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ قَرِينَةٍ حَتَّى تَنْقَدِحَ إرَادَةُ الْخُصُوصِ بِهِ، وَإِلَى ضَعِيفٍ رُبَّمَا يُشَكُّ فِي ظُهُورِهِ وَيُقْتَنَعُ فِي تَخْصِيصِهِ بِدَلِيلٍ ضَعِيفٍ وَإِلَى مُتَوَسِّطٍ.
مِثَالُ الْقَوِيِّ مِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» الْحَدِيثَ. وَقَدْ حَمَلَهُ الْخَصْمُ عَلَى الْأَمَةِ فَنَبَا عَنْ قَبُولِهِ قَوْلُهُ: «فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» فَإِنَّ مَهْرَ الْأَمَةِ لِلسَّيِّدِ فَعَدَلُوا إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ وَهَذَا تَعَسُّفٌ ظَاهِرٌ؛؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ قَوِيٌّ وَالْمُكَاتَبَةُ نَادِرَةٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى النِّسَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إرَادَةُ النَّادِرِ الشَّاذِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدٌ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَقْتَرِنُ بِاللَّفْظِ، وَقِيَاسُ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ وَقِيَاسُ الْإِنَاثِ عَلَى الذُّكُورِ لَيْسَ قَرِينَةً مُقْتَرِنَةً بِاللَّفْظِ حَتَّى يَصْلُحَ لِتَنْزِيلِهِ عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ.
وَدَلِيلُ ظُهُورِ قَصْدِ التَّعَمُّمِ بِهَذَا اللَّفْظِ أُمُورٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ صَدَّرَ الْكَلَامَ بِأَيْ: وَهِيَ مِنْ كَلِمَاتِ الشَّرْطِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ فِي عُمُومِ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ تَوَقَّفَ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَكَّدَهُ بِمَا فَقَالَ: " أَيُّمَا " وَهِيَ مِنْ الْمُؤَكِّدَاتِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِإِفَادَةِ الْعُمُومِ أَيْضًا
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: " فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى الشَّرْطِ فِي مَعْرِضِ الْجَزَاءِ، وَذَلِكَ أَيْضًا يُؤَكِّدُ قَصْدَ الْعُمُومِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْعَرَبِيَّ الْفَصِيحَ لَوْ اُقْتُرِحَ عَلَيْهِ بِأَنَّ صِيغَةً عَامَّةً دَالَّةً عَلَى قَصْدِ الْعُمُومِ مَعَ الْفَصَاحَةِ وَالْجَزَالَةِ لَمْ تَسْمَحْ قَرِيحَتُهُ بِأَبْلَغَ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ الْمُكَاتَبَةَ، وَأَنَّا لَوْ سَمِعْنَا وَاحِدًا مِنَّا يَقُولُ لِغَيْرِهِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ رَأَيْتَهَا الْيَوْمَ فَأَعْطِهَا دِرْهَمًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمُكَاتَبَةَ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت الْمُكَاتَبَةَ نُسِبَ إلَى الْإِلْغَازِ وَالْهُزْءِ، وَلَوْ قَالَ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ بِهِ الْكَلْبَ أَوْ الثَّعْلَبَ عَلَى الْخُصُوصِ لَنُسِبَ إلَى اللُّكْنَةِ وَالْجَهْلِ بِاللُّغَةِ؛ ثُمَّ لَوْ أَخْرَجَ الْكَلْبَ أَوْ الثَّعْلَبَ أَوْ الْمُكَاتَبَةَ وَقَالَ: مَا خَطَرَ ذَلِكَ بِبَالِي، لَمْ يُسْتَنْكَرْ، فَمَا لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ أَوْ بِالْأَخْطَارِ وَجَازَ أَنْ يَشِذَّ عَنْ ذِكْرِ اللَّافِظِ وَذِهْنِهِ حَتَّى جَازَ إخْرَاجُهُ عَنْ اللَّفْظِ كَيْفَ يَجُوزُ قَصْرُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ؟ بَلْ نَقُولُ مَنْ ذَهَبَ إلَى إنْكَارِ صِيَغِ الْعُمُومِ وَجَعْلِهَا مُجْمَلَةً فَلَا يُنْكَرُ مَنْعُ التَّخْصِيصِ إذَا دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَيْهِ، فَالْمَرِيضُ إذَا قَالَ لِغُلَامِهِ: لَا تُدْخِلْ عَلَيَّ النَّاسَ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الثُّقَلَاءِ وَزَعَمَ أَنِّي أَخْرَجْتُ هَذَا مِنْ عُمُومِ لَفْظِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي الِاسْتِغْرَاقِ اسْتَوْجَبَ التَّعْزِيرَ فَلْنَتَّخِذْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِثَالًا لِمَنْعِ التَّخْصِيصِ بِالنَّوَادِرِ.
مَسْأَلَةٌ: يَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ» إذْ قَبِلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَخَصَّصَهُ بِالْأَبِ وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَخْتَصُّ بِخَاصِّيَّةٍ تَتَقَاضَى تِلْكَ الْخَاصِّيَّةُ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ فِيمَا يُوجِبُ الِاحْتِرَامَ، وَالْعُدُولُ عَنْ لَفْظِهِ الْخَاصِّ إلَى لَفْظٍ يَعُمُّ قَرِيبٌ مِنْ الْإِلْغَازِ وَالْإِلْبَاسِ وَلَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ الشَّارِعِ ﵇ إلَّا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ قَرِينَةٌ مُعَرَّفَةٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى وَضْعِ الْقَرَائِنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَلَيْسَ قِيَاسُ الشَّافِعِيِّ فِي تَخْصِيصِ
стр. 199
النَّفَقَةِ بِالْبَعْضِيَّةِ بَالِغًا فِي الْقُوَّةِ مَبْلَغًا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَرَعَ تَقْدِيرُ الْقَرَائِنِ بِسَبَبِهِ، فَلَوْ صَحَّ هَذَا اللَّفْظُ لَعَمِلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِمُوجَبِهِ.
فَإِنَّ مَنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ إكْرَامُ أَبِيهِ فَقَالَ مِنْ عَادَتِي إكْرَامُ النَّاسِ، كَانَ ذَلِكَ خُلْفًا مِنْ الْكَلَامِ، وَلَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ
مَسْأَلَةٌ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِثَالُ الْعُمُومِ الْقَوِيِّ، أَمَّا مِثَالُ الْعُمُومِ الضَّعِيفِ
فَقَوْلُهُ ﵇: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ» فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِصِيَغِ الْعُمُومِ إلَى أَنَّ هَذَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي إيجَابِ الْعُشْرِ، وَنِصْفِ الْعُشْرِ فِي جَمِيعِ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، وَلَا فِي جَمِيعِ مَا سُقِيَ بِنَضْحٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُشْرِ، وَنِصْفِ الْعُشْرِ لَا بَيَانُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِعُمُومِهِ.
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ عِنْدَنَا إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مَقْصُودًا، وَهُوَ إيجَابُ الْعُشْرِ فِي جَمِيعِ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، وَإِيجَابُ نِصْفِهِ فِي جَمِيعِ مَا سُقِيَ بِنَضْحٍ، وَاللَّفْظُ عَامٌّ فِي صِيغَتِهِ فَلَا يَزُولُ ظُهُورُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ؛ لَكِنْ يَكْفِي فِي التَّخْصِيصِ أَدْنَى دَلِيلٍ، لَكِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ إلَّا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ لَوَجَبَ التَّعْمِيمُ فِي الطَّرَفَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى صِيَغَ الْعُمُومِ حُجَّةً.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ]
ٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُعْتَبَرُ الْحَاجَةُ مَعَ الْقَرَابَةِ، ثُمَّ جَوَّزَ حِرْمَانَ ذَوِي الْقُرْبَى.
فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: ﵀ هَذَا تَخْصِيصٌ بَاطِلٌ لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْمَالَ إلَيْهِمْ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ، وَعَرَّفَ كُلَّ جِهَةٍ بِصِفَةٍ، وَعَرَّفَ هَذِهِ الْجِهَةَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالْقَرَابَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَلْغَى الْقَرَابَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَاعْتَبَرَ الْحَاجَةَ الْمَتْرُوكَةَ، وَهُوَ مُنَاقَضَةٌ لِلَّفْظِ لَا تَأْوِيلٌ، وَهَذَا عِنْدَنَا فِي مَجَالِ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ لَفْظِ ذَوِي الْقُرْبَى بِالْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ كَمَا فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ مَعَ الْيُتْمِ فِي سِيَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ.
فَإِنْ قِيلَ لَفْظُ الْيُتْمِ يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ قِيلَ: فَلِمَ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ» فَإِنْ قِيلَ: قَرِينَةُ إعْطَاءِ الْمَالِ هِيَ الَّتِي تُنَبِّهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ مَعَ الْيُتْمِ فَلَهُ هُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاقْتِرَانُ ذَوِي الْقُرْبَى بِالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ قَرِينَةٌ أَيْضًا، وَإِنَّمَا دَعَا إلَى ذِكْرِ الْقَرَابَةِ كَوْنُهُمْ مَحْرُومِينَ عَنْ الزَّكَاةِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَحْرُومِينَ عَنْ هَذَا الْمَالِ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ، فَلَيْسَ يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ نَبْوَةَ حَدِيثِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ عَنْ الْمُكَاتَبَةِ.
[مَسْأَلَةٌ قَوْلُهُ ﵇ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ]
ِ» حَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَالنَّذْرِ.
فَقَالَ أَصْحَابُنَا: قَوْلُهُ: «لَا صِيَامَ» نَفْيٌ عَامٌّ لَا يَسْبِقُ مِنْهُ إلَى الْفَهْمِ إلَّا الصَّوْمُ الْأَصْلِيُّ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ الْفَرْضُ، وَالتَّطَوُّعُ، ثُمَّ التَّطَوُّعُ غَيْرُ مُرَادٍ فَلَا يَبْقَى إلَّا الْفَرْضُ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الدِّينِ، وَهُوَ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ، وَالنَّذْرُ فَيَجِبُ بِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ، وَلَا يُتَذَكَّرُ بِذِكْرِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا، وَلَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ بَلْ يَجْرِي مَجْرَى النَّوَادِرِ كَالْمُكَاتَبَةِ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ نُدُورُ الْقَضَاءِ، وَالنَّذْرِ كَنُدُورِ الْمُكَاتَبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ أَسْبَقَ مِنْهُ إلَى الْفَهْمِ،
стр. 200
فَيَحْتَاجُ مِثْلُ هَذَا التَّخْصِيصِ إلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، فَلَيْسَ يَظْهَرُ بُطْلَانُهُ كَظُهُورِ بُطْلَانِ التَّخْصِيصِ بِالْمُكَاتَبَةِ.
وَعِنْدَ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ إخْرَاجَ النَّادِرِ قَرِيبٌ، وَالْقَصْرَ عَلَى النَّادِرِ مُمْتَنِعٌ، وَبَيْنَهُمَا دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْقُرْبِ، وَالْبُعْدِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ وَلِكُلِّ مَسْأَلَةٍ ذَوْقٌ، وَيَجِبُ أَنْ تُفْرَدَ بِنَصٍّ خَاصٍّ، وَيَلِيقُ ذَلِكَ بِالْفُرُوعِ، وَلَمْ نَذْكُرْ هَذَا الْقَدْرَ إلَّا لِوُقُوعِ الْأُنْسِ بِجِنْسِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا تَمَامُ النَّظَرِ فِي الْمُجْمَلِ، وَالْمُبَيَّنِ، وَالظَّاهِرِ، وَالْمُؤَوَّلِ، وَهُوَ نَظَرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ كُلِّهَا، وَالْقِسْمَانِ الْبَاقِيَانِ نَظَرٌ أَخَصُّ فَإِنَّهُ نَظَرٌ فِي الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ خَاصَّةً، وَفِي الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ خَاصَّةً؛ فَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا النَّظَرَ فِي الْأَعَمِّ عَلَى النَّظَرِ فِي الْأَخَصِّ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ]
[النَّظَرُ الْأَوَّلُ فِي حَدِّهِ وَحَقِيقَتِهِ]
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ فَنَبْدَأُ بِالْأَمْرِ، فَنَقُولُ: أَوَّلًا فِي حَدِّهِ، وَحَقِيقَتِهِ، وَثَانِيًا فِي صِيغَتِهِ، وَثَالِثًا فِي مُقْتَضَاهُ مِنْ الْفَوْرِ، وَالتَّرَاخِي أَوْ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ، وَفِي التَّكْرَارِ، وَالِاتِّحَادِ، وَإِثْبَاتِهِ.
النَّظَرُ الْأَوَّلُ: فِي حَدِّهِ، وَحَقِيقَتِهِ.
، وَهُوَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، إذْ بَيَّنَّا أَنَّ الْكَلَامَ يَنْقَسِمُ إلَى أَمْرٍ، وَنَهْيٍ، وَخَبَرٍ، وَاسْتِخْبَارٍ، فَالْأَمْرُ أَحَدُ أَقْسَامِهِ، وَحَدُّ الْأَمْرِ أَنَّهُ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالنَّهْيُ هُوَ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي تَرْكَ الْفِعْلِ، وَقِيلَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ: إنَّهُ طَلَبُ الْفِعْلِ، وَاقْتِضَاؤُهُ عَلَى غَيْرِ، وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمِمَّنْ دُونَ الْآمِرِ فِي الدَّرَجَةِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَعَنْ سُؤَالِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ، وَالْوَلَدِ مِنْ وَالِدِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الِاحْتِرَازِ، بَلْ يُتَصَوَّرُ مِنْ الْعَبْدِ، وَالْوَلَدِ أَمْرُ السَّيِّدِ، وَالْوَالِدِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمَا الطَّاعَةُ، فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ أَمْرٍ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الطَّاعَةِ بَلْ الطَّاعَةُ لَا تَجِبُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْعَرَبُ قَدْ تَقُولُ: فُلَانٌ أَمَرَ أَبَاهُ، وَالْعَبْدُ أَمَرَ سَيِّدَهُ، وَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ طَلَبَ الطَّاعَةِ لَا يَحْسُنُ مِنْهُ فَيَرَوْنَ ذَلِكَ أَمْرًا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: اغْفِرْ لِي فَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقُومَ بِذَاتِهِ اقْتِضَاءُ الطَّاعَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَيَكُونَ آمِرًا، وَيَكُونَ عَاصِيًا بِأَمْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ الْأَمْرُ هُوَ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ أَرَدْتُمْ بِهِ الْقَوْلَ بِاللِّسَانِ أَوْ كَلَامَ النَّفْسِ؟ قُلْنَا: النَّاسُ فَرِيقَانِ:
الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ: هُمْ الْمُثْبِتُونَ لِكَلَامِ النَّفْسِ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ بِالْقَوْلِ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ اقْتِضَاءِ الطَّاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ النُّطْقُ عِبَارَةً عَنْهُ، وَدَلِيلًا عَلَيْهِ، وَهُوَ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ، وَهُوَ أَمْرٌ بِذَاتِهِ، وَجِنْسِهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ كَالْقُدْرَةِ فَإِنَّهَا قُدْرَةٌ لِذَاتِهَا، وَتَتَعَلَّقُ بِمُتَعَلَّقِهَا، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي الشَّاهِدِ، وَالْغَائِبِ فِي نَوْعِهِ، وَحَدِّهِ، وَيَنْقَسِمُ إلَى قَدِيمٍ، وَمُحْدَثٍ كَالْقُدْرَةِ، وَيُدَلُّ عَلَيْهِ تَارَةً بِالْإِشَارَةِ، وَالرَّمْزِ، وَالْفِعْلِ، وَتَارَةً بِالْأَلْفَاظِ، فَإِنْ سَمَّيْتَ الْإِشَارَةَ الْمُعَرِّفَةَ أَمْرًا فَمَجَازٌ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمْرِ لَا أَنَّهُ نَفْسُ الْأَمْرِ.
وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ فَمِثْلُ قَوْلِهِ: أَمَرْتُكَ، فَاقْتَضَى طَاعَتَهُ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى إيجَابٍ، وَنَدْبٍ، وَيَدُلُّ عَلَى مَعْنَى النَّدْبِ بِقَوْلِهِ: نَدَبْتُكَ، وَرَغِبْتُكَ فَافْعَلْ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ، وَعَلَى مَعْنَى الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ أَوْ فَرَضْتُ أَوْ حَتَّمْتُ فَافْعَلْ فَإِنْ تَرَكْتَ فَأَنْتَ مُعَاقَبٌ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ تُسَمَّى أَمْرًا، وَكَأَنَّ الِاسْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، وَبَيْنَ اللَّفْظِ الدَّالِّ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِمَا أَوْ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، وَقَوْلُهُ: افْعَلْ، يُسَمَّى أَمْرًا مَجَازًا كَمَا تُسَمَّى الْإِشَارَةُ الْمُعَرِّفَةُ أَمْرًا مَجَازًا، وَمِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ جَازَ فِي اسْمِ الْكَلَامِ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَا فِي النَّفْسِ، وَبَيْنَ اللَّفْظِ أَوْ هُوَ مَجَازٌ فِي اللَّفْظِ.
الْفَرِيقُ الثَّانِي: هُمْ الْمُنْكِرُونَ
стр. 201
لِكَلَامِ النَّفْسِ، وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا إلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ، وَتَحَزَّبُوا عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ:
الْحِزْبُ الْأَوَّلُ: قَالُوا: لَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ إلَّا حَرْفٌ، وَصَوْتٌ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: افْعَلْ، أَوْ مَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبَلْخِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ " افْعَلْ " أَمْرٌ لِذَاتِهِ، وَجِنْسِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا يَكُونَ أَمْرًا فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ الصِّيغَةُ قَدْ تَصْدُرُ لِلتَّهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ، وَقَدْ تَصْدُرُ لِلْإِبَاحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فَقَالَ: ذَلِكَ جِنْسٌ آخَرُ لَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَهُوَ مُنَاكَرَةٌ لِلْحِسِّ. فَلَمَّا اسْتَشْعَرَ ضَعْفَ هَذِهِ الْمُجَاحَدَةِ اعْتَرَفَ.
الْحِزْبُ الثَّانِي: وَفِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: " افْعَلْ " لَيْسَ أَمْرًا بِمُجَرَّدِ صِيغَتِهِ وَلِذَاتِهِ بَلْ لِصِيغَتِهِ، وَتَجَرُّدِهِ عَنْ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ جِهَةِ الْأَمْرِ إلَى التَّهْدِيدِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَغَيْرِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَوْ صَدَرَ مِنْ النَّائِمِ، وَالْمَجْنُونِ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ أَمْرًا لِلْقَرِينَةِ، وَهَذَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لِغَيْرِ الْأَمْرِ إلَّا إذَا صَرَفَتْهُ قَرِينَةٌ إلَى مَعْنَى الْأَمْرِ لِأَنَّهُ إذَا سَلِمَ إطْلَاقُ الْعَرَبِ هَذِهِ الصِّيغَةَ عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ فَحَوَالَةُ الْبَعْضِ عَلَى الصِّيغَةِ، وَحَوَالَةُ الْبَاقِي عَلَى الْقَرِينَةِ تَحَكُّمٌ مُجَرَّدٌ لَا يُعْلَمُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَلَا بِنَظَرٍ، وَلَا بِنَقْلٍ مُتَوَاتِرٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفَ.
الْحِزْبُ الثَّالِثُ: مِنْ مُحَقِّقِي الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا لِصِيغَتِهِ، وَذَاتِهِ، وَلَا لِكَوْنِهِ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَائِنِ مَعَ الصِّيغَةِ، بَلْ يَصِيرُ أَمْرًا بِثَلَاثِ إرَادَاتٍ إرَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِرَادَةِ إحْدَاثِ الصِّيغَةِ، وَإِرَادَةِ الدَّلَالَةِ بِالصِّيغَةِ عَلَى الْأَمْرِ دُونَ الْإِبَاحَةِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَكْفِي إرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ إرَادَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ، وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أَمْرًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُ الْأَمْرِ إلَّا بِوَعْدٍ، وَوَعِيدٍ فَتَكُونُ الدَّارُ الْآخِرَةُ دَارَ تَكْلِيفٍ، وَمِحْنَةٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ رَكَّبَ ابْنُ الْجُبَّائِيُّ هَذَا، وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ مُرِيدٌ دُخُولَهُمْ الْجَنَّةَ، وَكَارِهٌ امْتِنَاعَهُمْ إذْ يَتَعَذَّرُ بِهِ إيصَالُ الثَّوَابِ إلَيْهِمْ، وَهَذَا ظُلْمٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَكْرَهُ الظُّلْمَ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وُجِدَتْ إرَادَةُ الصِّيغَةِ، وَإِرَادَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ لَكِنْ لَمْ تُوجَدْ إرَادَةُ الدَّلَالَةِ بِهِ عَلَى الْأَمْرِ.
قُلْنَا: وَهَلْ لِلْأَمْرِ مَعْنًى وَرَاءَ الصِّيغَةِ حَتَّى تُرَادَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَعْنًى فَمَا هُوَ، وَهَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ سِوَى مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ اقْتِضَاءِ الطَّاعَةِ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سِوَى الصِّيغَةِ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْإِرَادَةِ الثَّالِثَةِ:
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ لِنَفْسِهِ افْعَلْ مَعَ إرَادَةِ الْفِعْلِ مِنْ نَفْسِهِ آمِرًا لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ الْآمِرَ هُوَ الْمُقْتَضِي، وَأَمْرُهُ لِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلْفِعْلِ بَلْ الْمُقْتَضِي دَوَاعِيهِ، وَأَغْرَاضُهُ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِنَفْسِهِ " افْعَلْ "، وَسَكَتَ وَجَدَ هَهُنَا إرَادَةَ الصِّيغَةِ، وَإِرَادَةَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَيْسَ بِأَمْرٍ، فَدَلَّ أَنَّ حَقِيقَتَهُ اقْتِضَاءُ الطَّاعَةِ، وَهُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ فَوْقَهُ فِي الرُّتْبَةِ؟ فِيهِ كَلَامٌ سَبَقَ. فَإِنْ قِيلَ، وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى قِيَامِ مَعْنًى بِالنَّفْسِ سِوَى إرَادَةِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَإِنَّ السَّيِّدَ لَا يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ اسْقِنِي أَوْ أَسْرِجْ الدَّابَّةَ إلَّا إرَادَةَ السَّقْيِ
стр. 202
وَالْإِسْرَاجِ، أَعْنِي: طَلَبَهُ، وَالْمَيْلَ إلَيْهِ لِارْتِبَاطِ غَرَضِهِ بِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ يَرْجِعُ إلَى هَذِهِ الْإِرَادَةِ لَزِمَ اقْتِرَانُ الْأَمْرِ، وَالْإِرَادَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا تَكُونَ الْمَعَاصِي الْوَاقِعَةُ إلَّا مَأْمُورًا بِهَا مُرَادَةً، إذْ الْكَائِنَاتُ كُلُّهَا مُرَادَةٌ. أَوْ يُنْكَرُ وُقُوعُهَا بِإِرَادَةِ اللَّهِ فَيُقَالُ: إنَّهَا عَلَى خِلَافِ إرَادَتِهِ، وَهُوَ شَنِيعٌ إذْ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ مَا يَجْرِي فِي مِلْكِهِ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ مِمَّا يَجْرِي عَلَى وَفْقِ إرَادَتِهِ، وَهِيَ الطَّاعَاتُ، وَذَلِكَ أَيْضًا مُنْكَرٌ، فَمَا الْمُخَلِّصُ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ؟ قُلْنَا: هَذِهِ الضَّرُورَةُ الَّتِي دَعَتْ الْأَصْحَابَ إلَى تَمْيِيزِ الْأَمْرِ عَنْ الْإِرَادَةِ فَقَالُوا: قَدْ يَأْمُرُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بِمَا لَا يُرِيدُهُ، كَالْمُعَاتَبِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ عَلَى ضَرْبِ عَبْدِهِ إذَا مَهَّدَ عِنْدَهُ عُذْرَهُ لِمُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ فَقَالَ لَهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ: أَسْرِجْ الدَّابَّةَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لَا يُسْرِجَ إذْ فِي إسْرَاجِهِ خَطَرٌ، وَإِهْلَاكٌ لِلسَّيِّدِ، فَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ، وَهُوَ أَمْرٌ إذْ لَوْلَاهُ لَمَا كَانَ الْعَبْدُ مُخَالِفًا، وَلَمَا تَمَهَّدَ عُذْرُهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ أَمْرًا، وَقَدْ فَهِمَ الْعَبْدُ، وَالسُّلْطَانُ، وَالْحَاضِرُونَ مِنْهُ الْأَمْرَ؟ فَدَلَّ أَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُهُ هَذَا مُنْتَهَى كَلَامِهِمْ، وَتَحْتَهُ غَوْرٌ لَوْ كَشَفْنَاهُ لَمْ تَحْتَمِلْ الْأُصُولُ التَّقَصِّيَ عَنْ عُهْدَةِ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ، وَلَتَزَلْزَلَتْ بِهِ قَوَاعِدُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا إلَّا بِتَفْهِيمِهَا عَلَى وَجْهٍ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ إلَى أَوْهَامِ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْقَوْلُ فِيهِ يَطُولُ، وَيَخْرُجُ عَنْ خُصُوصِ مَقْصُودِ الْأُصُولِ.
[النَّظَرُ الثَّانِي فِي صِيغَة الْأَمْر]
النَّظَرُ الثَّانِي فِي الصِّيغَةِ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ خِلَافًا فِي أَنَّ الْأَمْرَ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ؟ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ خَطَأٌ، فَإِنَّ قَوْلَ الشَّارِعِ: أَمَرْتُكُمْ بِكَذَا أَوْ أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِكَذَا، أَوْ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: أُمِرَتْ بِكَذَا. كُلُّ ذَلِكَ صِيَغٌ دَالَّةٌ عَلَى الْأَمْرِ، وَإِذَا قَالَ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ أَوْ فَرَضْتُ عَلَيْكُمْ، وَأَمَرْتُكُمْ بِكَذَا، وَأَنْتُمْ مُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتُمْ مُثَابُونَ عَلَى فِعْل كَذَا، وَلَسْتُمْ مُعَاقَبِينَ عَلَى تَرْكِهِ، فَهُوَ صِيغَةٌ دَالَّةٌ عَلَى النَّدْبِ. فَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ قَوْلَهُ: " افْعَلْ " هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِمُجَرَّدِ صِيغَتِهِ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَوْجُهٍ، مِنْهَا الْوُجُوبُ كَقَوْلِهِ: ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] ، وَالنَّدْبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] ، وَالْإِرْشَادُ كَقَوْلِهِ: ﴿، وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْإِبَاحَةُ كَقَوْلِهِ ﴿فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ، وَالتَّأْدِيبُ كَقَوْلِهِ لِابْنِ عَبَّاسٍ كُلْ مِمَّا يَلِيكَ، وَالِامْتِنَانُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٨] ، وَالْإِكْرَامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ، وَالتَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ، وَالتَّسْخِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] ، وَالْإِهَانَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ، وَالتَّسْوِيَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] ، وَالْإِنْذَارُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ [المرسلات: ٤٦] ، وَالدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» ، وَالتَّمَنِّي كَقَوْلِ الشَّاعِرِ "
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي
". وَلِكَمَالِ الْقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] ، وَأَمَّا صِيغَةُ النَّهْيِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " لَا تَفْعَلْ. فَقَدْ تَكُونُ لِلتَّحْرِيمِ وَلِلْكَرَاهِيَةِ، وَالتَّحْقِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] وَلِبَيَانِ الْعَاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وَلِلدُّعَاءِ كَقَوْلِهِ: «وَلَا تَكِلْنَا إلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ» وَلِلْيَأْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم: ٧]
стр. 203
وَلِلْإِرْشَادِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا فِي إطْلَاقِ صِيغَةِ الْأَمْرِ، وَسَبْعَةُ أَوْجُهٍ فِي إطْلَاقِ صِيغَةِ النَّهْيِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ عَنْ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ مَا هُوَ، وَالْمُتَجَوَّزُ بِهِ مَا هُوَ، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ عَدَّهَا الْأُصُولِيُّونَ شَغَفًا مِنْهُمْ بِالتَّكْثِيرِ، وَبَعْضُهَا كَالْمُتَدَاخِلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: كُلْ مِمَّا يَلِيكَ " جُعِلَ لِلتَّأْدِيبِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّدْبِ، وَالْآدَابُ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ [هود: ٦٥] لِلْإِنْذَارِ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] الَّذِي هُوَ لِلتَّهْدِيدِ، وَلَا نُطَوِّلُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ، وَتَحْصِيلِهِ فَالْوُجُوبُ، وَالنَّدْبُ، وَالْإِرْشَادُ، وَالْإِبَاحَةُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ مُحَصَّلَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِرْشَادِ، وَالنَّدْبِ، إلَّا أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالْإِرْشَادَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَنْقُصُ ثَوَابٌ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ فِي الْمُدَايَنَاتِ، وَلَا يَزِيدُ بِفِعْلِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ كَلَفْظِ " الْعَيْنِ " وَالْقَرْءِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَدُلُّ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلنَّدْبِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ بِزِيَادَةِ قَرِينَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلْوُجُوبِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَا عَدَاهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَسَبِيلُ كَشْفِ الْغِطَاءِ أَنْ نُرَتِّبَ النَّظَرَ عَلَى مَقَامَيْنِ، الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ هَلْ تَدُلُّ عَلَى اقْتِضَاءٍ، وَطَلَبٍ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ أَنَّهُ إنْ اشْتَمَلَ عَلَى اقْتِضَاءٍ فَالِاقْتِضَاءُ مَوْجُودٌ فِي النَّدْبِ، وَالْوُجُوبِ عَلَى اخْتِيَارِنَا فِي أَنَّ النَّدْبَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَمْرِ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ هُوَ مُشْتَرَكٌ؟
الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فِي دَلَالَتِهِ عَلَى اقْتِضَاءِ الطَّاعَةِ.
فَنَقُولُ: قَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ إنَّ قَوْلَهُ " افْعَلْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ، وَالتَّهْدِيدِ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ، وَبَيْنَ الِاقْتِضَاءِ، فَإِنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ فِي وَضْعِ اللُّغَاتِ كُلِّهَا بَيْنَ قَوْلِهِمْ " افْعَلْ " وَ " لَا تَفْعَلْ " وَ " إنْ شِئْتَ فَافْعَلْ " وَ " إنْ شِئْتَ فَلَا تَفْعَلْ " حَتَّى إذَا قَدَّرْنَا انْتِفَاءَ الْقَرَائِنِ كُلِّهَا، وَقَدَّرْنَا هَذَا مَنْقُولًا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ عَنْ مَيْتٍ أَوْ غَائِبٍ لَا فِي فِعْلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ قِيَامٍ، وَقُعُودٍ، وَصِيَامٍ، وَصَلَاةٍ بَلْ فِي الْفِعْلِ مُجْمَلًا سَبَقَ إلَى فَهْمِنَا اخْتِلَافُ مَعَانِي هَذِهِ الصِّيَغِ، وَعَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهَا لَيْسَتْ أَسَامِيَ مُتَرَادِفَةً عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ فِي الْإِخْبَارِ " قَامَ زَيْدٌ " وَيَقُومُ زَيْدٌ " " وَزَيْدٌ قَائِمٌ " فِي أَنَّ الْأَوَّلَ لِلْمَاضِي، وَالثَّانِيَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَالثَّالِثَ لِلْحَالِ هَذَا هُوَ الْوَضْعُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِالْمَاضِي عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَبِالْمُسْتَقْبِلِ عَنْ الْمَاضِي لِقَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛، وَكَمَا مَيَّزُوا الْمَاضِيَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ مَيَّزُوا الْأَمْرَ عَنْ النَّهْيِ، وَقَالُوا فِي بَابِ الْأَمْرِ " افْعَلْ "، وَفِي بَابِ النَّهْيِ " لَا تَفْعَلْ "، وَإِنَّهُمَا لَا يُنَبِّئَانِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: " إنْ شِئْتَ فَافْعَلْ " " وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَفْعَلْ " فَهَذَا أَمْرٌ لِعِلْمِهِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ، وَالتُّرْكِيَّةِ، وَالْعَجَمِيَّةِ، وَسَائِرِ اللُّغَاتِ لَا يُشَكِّكُنَا فِيهِ إطْلَاقٌ مَعَ قَرِينَةِ التَّهْدِيدِ، وَمَعَ قَرِينَةِ الْإِبَاحَةِ فِي نَوَادِرِ الْأَحْوَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الدَّرَجَاتِ فَهُوَ مُسْتَيْقَنٌ؟ قُلْنَا هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّهْدِيدِ، وَالْمَنْعِ، فَالطَّرِيقُ الَّذِي يُعْرَفُ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلتَّهْدِيدِ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلتَّخْيِيرِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِصْحَابِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْبَحْثِ عَنْ الْوَضْعِ، فَإِنَّا نَقُولُ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ " افْعَلْ " لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ، وَالتَّرْكِ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ فَقَدْ بَاهَتَ، وَاخْتَرَعَ، وَإِنْ قَالَ: لَا، فَنَقُولُ: فَأَنْتَ شَاكٌّ فِي مَعْنَاهُ فَيَلْزَمُكَ التَّوَقُّفُ. فَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ " افْعَلْ " يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْفِعْلِ عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ
стр. 204
بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ، وَقَوْلُهُ: " لَا تَفْعَلْ " يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ التَّرْكِ عَلَى جَانِبِ الْفِعْلِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوجَدَ، وَقَوْلُهُ: أَبَحْتُ لَكَ فَإِنْ شِئْتَ فَافْعَلْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَفْعَلْ " يَرْفَعُ التَّرْجِيحَ.
الْمَقَامُ الثَّانِي: فِي تَرْجِيحِ بَعْضِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ، وَالْمَنْدُوبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ، وَيُرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَكَذَا مَا أُرْشِدَ إلَيْهِ؛ إلَّا أَنَّ الْإِرْشَادَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ، وَيُرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّدْبَ لِمَصْلَحَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْوُجُوبَ لِنَجَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ هَذَا إذَا فُرِضَ مِنْ الشَّارِعِ، وَفِي حَقِّ السَّيِّدِ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ افْعَلْ " أَيْضًا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةِ أَمْرٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِغَرَضِ السَّيِّدِ فَقَطْ كَقَوْلِهِ: " اسْقِنِي " عِنْدَ الْعَطَشِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ، وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إلَى أَنَّ وَضْعَهُ لِلْوُجُوبِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلنَّدْبِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يُتَوَقَّفُ فِيهِ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مُشْتَرَكٌ كَلَفْظِ الْعَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَدْرِي أَيْضًا أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ أَوْ وُضِعَ لِأَحَدِهِمَا، وَاسْتُعْمِلَ فِي الثَّانِي مَجَازًا، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُتَوَقَّفٌ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ فِيهِ أَنَّ كَوْنَهُ مَوْضُوعًا لِوَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعْرَفَ عَنْ عَقْلٍ أَوْ نَقْلٍ، وَنَظَرُ الْعَقْلِ إمَّا ضَرُورِيٌّ أَوْ نَظَرِيٌّ، وَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي اللُّغَاتِ، وَالنَّقْلُ إمَّا مُتَوَاتِرٌ أَوْ آحَادٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي الْآحَادِ، وَالتَّوَاتُرُ فِي النَّقْلِ لَا يَعْدُو أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يُنْقَلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عِنْدَ وَضْعِهِمْ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّا وَضَعْنَاهُ لِكَذَا أَوْ أَقَرُّوا بِهِ بَعْدَ الْوَضْعِ، وَإِمَّا أَنْ يُنْقَلَ عَنْ الشَّارِعِ الْإِخْبَارُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِذَلِكَ أَوْ تَصْدِيقُ مَنْ ادَّعَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يُنْقَلَ عَنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، وَإِمَّا أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ يَدَيْ جَمَاعَةٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ السُّكُوتُ عَلَى الْبَاطِلِ.
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ وُجُوهُ تَصْحِيحِ النَّقْلِ، وَدَعْوَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ " افْعَلْ " أَوْ فِي قَوْلِهِ " أَمَرْتُكَ بِكَذَا، وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ أُمِرْنَا بِكَذَا " لَا يُمْكِنُ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيهِ. كَذَلِكَ قَصْرُ دَلَالَةِ الْأَمْرِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي، وَعَلَى التَّكْرَارِ أَوْ الِاتِّحَادِ يُعْرَفُ بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَكَذَلِكَ التَّوَقُّفُ فِي صِيغَةِ الْعُمُومِ عَمَّنْ تَوَقَّفَ فِيهَا. هَذَا مُسْتَنَدُهُ، وَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَسْئِلَةٍ بِهَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ، وَنَذْكُرُ شُبَهَ الْمُخَالِفِينَ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ إنَّ هَذَا يَنْقَلِبُ عَلَيْكُمْ فِي إخْرَاجِ الْإِبَاحَةِ، وَالتَّهْدِيدِ مِنْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَقْلٌ، وَلَا نَقْلٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْعَرَبِ صَرِيحًا بِأَنَّا مَا وَضَعْنَا هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلْإِبَاحَةِ، وَالتَّهْدِيدِ، لَكِنْ اسْتَعْمَلْنَا فِيهِمَا عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ. قُلْنَا: مَا يُعْرَفُ بِاسْتِقْرَاءِ اللُّغَةِ، وَتَصَفُّحِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ أَقْوَى مِمَّا يُعْرَفُ بِالنَّقْلِ الصَّرِيحِ، وَنَحْنُ كَمَا عَرَفْنَا أَنَّ الْأَسَدَ وُضِعَ لِسَبُعٍ، وَالْحِمَارَ وُضِعَ لِبَهِيمَةٍ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشُّجَاعِ، وَالْبَلِيدِ فَيَتَمَيَّزُ عِنْدَنَا بِتَوَاتُرِ الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ مِنْ الْمَجَازِ، فَكَذَلِكَ يَتَمَيَّزُ صِيغَةُ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالتَّخْيِيرُ تَمَيُّزَ صِيغَةِ الْمَاضِي، وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَالْحَالِ، وَلَسْنَا نَشُكُّ فِيهِ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ تَمَيُّزُ الْوُجُوبِ عَنْ النَّدْبِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: قَوْلُهُمْ إنَّ هَذَا يَنْقَلِبُ عَلَيْكُمْ فِي الْوَقْفِ، فَإِنَّ الْوَقْفَ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ غَيْرُ مَنْقُولٍ عَنْ الْعَرَبِ، فَلِمَ تَوَقَّفْتُمْ بِالتَّحَكُّمِ؟ قُلْنَا: لَسْنَا نَقُولُ: التَّوَقُّفُ مَذْهَبٌ، لَكِنَّهُمْ أَطْلَقُوا هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلنَّدْبِ مَرَّةً وَلِلْوُجُوبِ أُخْرَى، وَلَمْ يُوقِفُونَا عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي،
стр. 205
فَسَبِيلُنَا أَنْ لَا نَنْسِبَ إلَيْهِمْ مَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَأَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ التَّقَوُّلِ وَالِاخْتِرَاعِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِنَا بِالِاتِّفَاقِ إنَّا رَأَيْنَاهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْفِرْقَةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَالنَّفَرِ تَارَةً فِي الثَّلَاثَةِ، وَتَارَةً فِي الْأَرْبَعَةِ، وَتَارَةً فِي الْخَمْسَةِ، فَهِيَ لَفْظَةٌ مُرَدَّدَةٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَخْصِيصِهَا بِعَدَدٍ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ وَجَعْلِهَا مَجَازًا فِي الْبَاقِي.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ إنَّ هَذَا يَنْقَلِبُ عَلَيْكُمْ فِي قَوْلِكُمْ: إنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مُشْتَرَكَةٌ اشْتِرَاكَ لَفْظِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَالسَّفِينَةِ، وَالْقَرْءِ بَيْنَ الطُّهْرِ، وَالْحَيْضِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ.
قُلْنَا: لَسْنَا نَقُولُ إنَّهُ مُشْتَرَكٌ، لَكِنَّا نَقُولُ نَتَوَقَّفُ فِي هَذِهِ أَيْضًا فَلَا نَدْرِي أَنَّهُ وُضِعَ لِأَحَدِهِمَا، وَتُجُوِّزَ بِهِ عَنْ الْآخَرِ أَوْ وُضِعَ لَهُمَا مَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بِمَعْنَى أَنَّا إذَا رَأَيْنَاهُمْ أَطْلَقُوا اللَّفْظَ لِمَعْنَيَيْنِ، وَلَمْ يُوقِفُونَا عَلَى أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ لِأَحَدِهِمَا، وَتَجَوَّزُوا بِهِ فِي الْآخَرِ فَنَحْمِلُ إطْلَاقَهُمْ فِيهِمَا عَلَى لَفْظِ الْوَضْعِ لَهُمَا، وَكَيْفَمَا قُلْنَا فَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ.
شُبَهُ الْمُخَالِفِينَ الصَّائِرِينَ إلَى أَنَّهُ لِلنَّدْبِ: وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " بِتَرَدُّدِ الْأَمْرِ بَيْنَ النَّدْبِ، وَالْوُجُوبِ، وَقَالَ: النَّهْيُ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَقَالَ: إنَّمَا أَوْجَبْنَا تَزْوِيجَ الْأَيِّمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ، وَقَالَ: لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي وُجُوبُ إنْكَاحِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْعَضَلِ، بَلْ لَمْ يَرِدْ إلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿، وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢] الْآيَة فَهَذَا أَمْرٌ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ الْوُجُوبَ، وَالنَّدْبَ.
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لِلنَّدْبِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَنْزِيلِ قَوْلِهِ " افْعَلْ "، وَقَوْلِهِ " أَمَرْتُكُمْ عَلَى أَقَلِّ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْوُجُوبُ، وَالنَّدْبُ، وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ، وَاقْتِضَاؤُهُ، وَأَنَّ فِعْلَهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ، وَأَمَّا لُزُومُ الْعِقَابِ بِتَرْكِهِ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ فَيُتَوَقَّفُ فِيهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ وَالِاسْتِدْلَالُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي اللُّغَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا نَقْلًا عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ قَوْلَهُ " افْعَلْ " لِلنَّدْبِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ تَنْزِيلُ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْأَقَلِّ الْمُسْتَيْقَنِ لَوَجَبَ تَنْزِيلُ هَذَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَالْإِذْنِ، إذْ قَدْ يُقَالُ: " أَذِنْتُ لَكَ فِي كَذَا فَافْعَلْهُ " فَهُوَ الْأَقَلُّ الْمُشْتَرَكُ، أَمَّا حُصُولُ الثَّوَابِ بِفِعْلِهِ فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ كَلُزُومِ الْعِقَابِ بِتَرْكِهِ لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَالْمُبَاحُ عِنْدَهُمْ حَسَنٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْفَاعِلُ لِحُسْنِهِ، وَيَأْمُرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ تَنْزِيلُ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَلَمْ يَذْهَبُوا إلَيْهِ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ التَّحْقِيقُ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ نَدْبًا، وَزِيَادَةً فَتَسْقُطُ الزِّيَادَةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا، وَيَبْقَى الْأَصْلُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَدْخُلُ فِي حَدِّ النَّدْبِ جَوَازُ تَرْكِهِ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَقُولَ فِيهِ " افْعَلْ " يَجُوزُ تَرْكُهُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ فَقَدْ شَكَكْتُمْ فِي كَوْنِهِ نَدْبًا، وَإِنْ عَلِمْتُمُوهُ فَمِنْ أَيْنَ ذَلِكَ، وَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْمَأْثَمِ بِتَرْكِهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ الْمَأْثَمِ بِتَرْكِهِ أَيْضًا؟ فَإِنْ قِيلَ: لَا مَعْنَى لِجَوَازِ تَرْكِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ، وَذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَعْرِيفِ السَّمْعِ بِخِلَافِ لُزُومِ الْمَأْثَمِ.
قُلْنَا: لَا يَبْقَى لِحُكْمِ الْعَقْلِ بِالنَّفْيِ بَعْدَ وُرُودِ صِيغَةِ الْأَمْرِ حُكْمٌ، فَإِنَّهُ مُعَيِّنٌ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ قَوْمٍ فَلَا أَقَلَّ مِنْ احْتِمَالٍ، وَإِذَا اُحْتُمِلَ حَصَلَ الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ نَدْبًا فَلَا
стр. 206
وَجْهَ إلَّا التَّوَقُّفُ. نَعَمْ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُحَرَّمٌ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ جَمِيعًا.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ ﵇: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا» فَفَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَمَشِيئَتِنَا، وَجُزِمَ فِي النَّهْيِ طَلَبُ الِانْتِهَاءِ. قُلْنَا: هَذَا اعْتِرَافٌ بِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، وَالْوَضْعُ لَيْسَ لِلنَّدْبِ، وَاسْتِدْلَالٌ بِالشَّرْعِ، وَلَا يَثْبُتُ مِثْلُ ذَلِكَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَوْ صَحَّتْ دَلَالَتُهُ، كَيْفَ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ إذَا لَمْ يَقُلْ فَافْعَلُوا مَا شِئْتُمْ بَلْ قَالَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ،، وَكُلُّ إيجَابٍ مَشْرُوطٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] كَيْفَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الِانْتِهَاءِ؟ وَقَوْلُهُ: ﴿فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] صِيغَةُ أَمْرٍ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلنَّدْبِ.
شُبَهُ الصَّائِرِينَ إلَى أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ: وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي إبْطَالِ مَذْهَبِ النَّدْبِ جَارٍ هَاهُنَا، وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ أَنَّ النَّدْبَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَمْرِ حَقِيقَةً كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْوُجُوبِ لَكَانَ مَجَازًا فِي النَّدْبِ، وَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا فِيهِ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَتِهِ؟ إذْ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ مَا يَكُونُ مُمْتَثِلُهُ مُطِيعًا، وَالْمُمْتَثِلُ مُطِيعٌ بِفِعْلِ النَّدْبِ وَلِذَلِكَ إذَا قِيلَ " أُمِرْنَا بِكَذَا حَسُنَ أَنْ يُسْتَفْهَمَ فَيُقَالَ: أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، وَنَدْبٍ؟ وَلَوْ قَالَ: رَأَيْتُ أَسَدًا، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يُقَالَ: أَرَدْتُ سَبُعًا أَوْ شُجَاعًا لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلسَّبُعِ، وَيُصْرَفُ إلَى الشُّجَاعِ بِقَرِينَةٍ. وَشُبَهُهُمْ سَبْعٌ: الْأُولَى: قَوْلُهُمْ إنَّ الْمَأْمُورَ فِي اللُّغَةِ، وَالشَّرْعِ جَمِيعًا يَفْهَمُ وُجُوبَ الْمَأْمُورِ بِهِ حَتَّى لَا يَسْتَبْعِدَ الذَّمَّ، وَالْعِقَابَ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ، وَلَا الْوَصْفَ بِالْعِصْيَانِ، وَهُوَ اسْمُ ذَمٍّ وَلِذَلِكَ فَهِمَتْ الْأُمَّةُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَالْعِبَادَاتِ، وَوُجُوبَ السُّجُودِ لِآدَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿اُسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] ، وَبِهِ يَفْهَمُ الْعَبْدُ، وَالْوَلَدُ وُجُوبَ أَمْرِ السَّيِّدِ، وَالْوَالِدِ. قُلْنَا هَذَا كُلُّهُ نَفْسُ الدَّعْوَى، وَحِكَايَةُ الْمَذْهَبِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُسَلَّمًا، وَكُلُّ ذَلِكَ عُلِمَ بِالْقَرَائِنِ فَقَدْ تَكُونُ لِلْأَمْرِ عَادَةٌ مَعَ الْمَأْمُورِ، وَعَهْدٌ، وَتَقْتَرِنُ بِهِ أَحْوَالٌ، وَأَسْبَابٌ بِهَا يَفْهَمُ الشَّاهِدُ الْوُجُوبَ، وَاسْمُ الْعِصْيَانِ لَا يَسْلَمُ إطْلَاقُهُ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ إلَّا بَعْدَ قَرِينَةِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ قَدْ يُطْلَقُ لَا عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ كَمَا يُقَالُ: أَشَرْتُ عَلَيْكَ فَعَصَيْتَنِي، وَخَالَفْتَنِي.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْإِيجَابَ مِنْ الْمُهِمَّاتِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ " افْعَلْ " عِبَارَةٌ عَنْهُ فَلَا يَبْقَى لَهُ اسْمٌ وَمُحَالٌ إهْمَالُ الْعَرَبِ ذَلِكَ. قُلْنَا: هَذَا يُقَابِلُهُ أَنَّ النَّدْبَ أَمْرٌ مُهِمٌّ فَلْيَكُنْ " افْعَلْ " عِبَارَةً عَنْهُ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ دَلَالَتَهُ قَوْلُهُمْ " نَدَبْتُ، وَأَرْشَدْتُ، وَرَغَّبْتُ " فَدَلَالَةُ الْوُجُوبِ قَوْلُهُمْ " أَوْجَبْتُ، وَحَتَّمْتُ، وَفَرَضْتُ، وَأَلْزَمْتُ ". فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ صِيغَةُ إخْبَارٍ أَوْ صِيغَةُ إرْشَادٍ، فَأَيْنَ صِيغَةُ الْإِنْشَاءِ؟ عُورِضُوا بِمِثْلِهِ فِي النَّدْبِ، ثُمَّ يَبْطُلُ عَلَيْهِمْ بِالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالنِّكَاحِ إذْ لَيْسَ لَهَا إلَّا صِيغَةُ الْإِخْبَارِ، كَقَوْلِهِمْ: " بِعْتُ، وَزَوَّجْتُ "، وَقَدْ جَعَلَهُ الشَّرْعُ إنْشَاءً إذْ لَيْسَ لِإِنْشَائِهِ لَفْظٌ. الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ " افْعَلْ " إمَّا أَنْ يُفِيدَ الْمَنْعَ أَوْ التَّخْيِيرَ أَوْ الدُّعَاءَ، فَإِذَا بَطَلَ التَّخْيِيرُ، وَالْمَنْعُ تَعَيَّنَ الدُّعَاءُ، وَالْإِيجَابُ. قُلْنَا: بَلْ يَبْقَى قِسْمٌ رَابِعٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يُفِيدَ وَاحِدًا مِنْ
стр. 207
الْأَقْسَامِ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَالْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَوْلُهُ " لَا تَفْعَلْ " أَفَادَ التَّحْرِيمَ، فَقَوْلُهُ " افْعَلْ " يَنْبَغِي أَنْ يُفِيدَ الْإِيجَابَ؟ قُلْنَا: هَذَا قَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ قَوْلَهُ " لَا تَفْعَلْ " مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ التَّنْزِيهِ، وَالتَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ افْعَلْ "، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ لَمَا جَازَ قِيَاسُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللُّغَةَ تَثْبُتُ نَقْلًا لَا قِيَاسًا. فَهَذِهِ شُبَهُهُمْ اللُّغَوِيَّةُ، وَالْعَقْلِيَّةُ. أَمَّا الشُّبَهُ الشَّرْعِيَّةُ فَهِيَ أَقْرَبُ، فَإِنَّهُ لَوْ دَلَّ دَلِيلُ الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْوُجُوبِ لَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ الْأُولَى قَوْلُهُمْ: نُسَلِّمُ أَنَّ اللُّغَةَ، وَالْعَقْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْأَمْرِ بِالْوُجُوبِ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤] .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَطِيعُوا﴾ [النساء: ٥٩] قَائِمٌ أَنَّهُ لِلنَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤] أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ مِنْ التَّبْلِيغِ، وَالْقَبُولِ، وَهَذَا إنْ كَانَ مَعْنَاهُ التَّهْدِيدَ، وَالنِّسْبَةَ إلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الرَّسُولِ ﵇ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الطَّاعَةَ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ بِالِاتِّفَاقِ، وَغَايَةُ هَذَا اللَّفْظِ عُمُومٌ فَنَخُصُّهُ بِالْأَوَامِرِ الَّتِي هِيَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَكُلُّ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فَهِيَ صِيَغُ أَمْرٍ يَقَعُ النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ لِلنَّدْبِ أَمْ لَا، فَإِنْ اقْتَرَنَ بِذِكْرِ وَعِيدٍ فَيَكُونُ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ الْأَمْرِ خَاصَّةً، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا عَامًّا يُحْمَلُ عَلَى الْأَمْرِ بِأَصْلِ الدِّينِ، وَمَا عُرِفَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿، وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] فَكُلُّ ذَلِكَ أَمْرٌ بِتَصْدِيقِهِ، وَنَهْيٌ عَنْ الشَّكِّ فِي قَوْلِهِ، وَأَمْرٌ بِالِانْقِيَادِ فِي الْإِتْيَانِ بِمَا أَوْجَبَهُ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: تَمَسُّكُهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قُلْنَا: تَدَّعُونَ أَنَّهُ نَصٌّ فِي كُلِّ أَمْرٍ أَوْ عَامٍّ؟ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى دَعْوَى النَّصِّ، وَإِنْ ادَّعَيْتُمْ الْعُمُومَ فَقَدْ لَا نَقُولُ بِالْعُمُومِ، وَنَتَوَقَّفُ فِي صِيغَتِهِ كَمَا نَتَوَقَّفُ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ، أَوْ نُخَصِّصُهُ بِالْأَمْرِ بِالدُّخُولِ فِي دِينِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ نَدْبَهُ أَيْضًا أَمْرُهُ، وَمَنْ خَالَفَ عَنْ أَمْرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] ، وَقَوْلِهِ: ﴿، وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَأَمْثَالِهِ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْعِقَابِ. ثُمَّ نَقُولُ: هَذَا نَهْيٌ عَنْ الْمُخَالَفَةِ، وَأَمْرٌ بِالْمُوَافَقَةِ أَيْ: يُؤْتَى بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، إنْ كَانَ وَاجِبًا فَوَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ نَدْبًا فَنَدْبًا، وَالْكَلَامُ فِي صِيغَةِ الْإِيجَابِ لَا فِي الْمُوَافَقَةِ، وَالْمُخَالَفَةِ. ثُمَّ لَا تَدُلُّ الْآيَةُ إلَّا عَلَى وُجُوبِ أَمْرِ الرَّسُولِ ﵇، فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؟
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: تَمَسُّكُهُمْ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ بِأَخْبَارِ آحَادٍ لَوْ كَانَتْ صَرِيحَةً صَحِيحَةً لَمْ يَثْبُتْ بِهَا مِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا صَرِيحًا، فَمِنْهَا «قَوْلُهُ ﵇ لِبَرِيرَةَ، وَقَدْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَكَرِهَتْهُ لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَقَالَتْ: بِأَمْرِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا إنَّمَا أَنَا شَافِعٌ فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ» فَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمْرًا لَوَجَبَ، وَكَذَلِكَ عَقِلَتْ الْأُمَّةُ.
قُلْنَا هَذَا وَضْعٌ
стр. 208
عَلَى بَرِيرَةَ، وَتَوَهُّمٌ، فَلَيْسَ فِي قَوْلِهَا إلَّا اسْتِفْهَامٌ أَنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تُطِيعَ طَلَبًا لِلثَّوَابِ أَوْ شَفَاعَةٌ لِسَبَبِ الزَّوْجِ حَتَّى تُؤْثِرَ غَرَضَ نَفْسِهَا عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ شَفَاعَةُ الرَّسُولِ ﵇ أَيْضًا مَنْدُوبٌ إلَى إجَابَتِهَا، وَفِيهَا ثَوَابٌ. قُلْنَا: وَكَيْفَ قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، وَالْمُسْلِمُ يَحْتَاجُ إلَى الثَّوَابِ فَلَا يَقُولُ ذَلِكَ، لَكِنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ الثَّوَابَ فِي طَاعَتِهِ فِي الْأَمْرِ الصَّادِرِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيمَا هُوَ لِلَّهِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوْ عَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ فِي الدَّرَجَةِ دُونَ مَا نُدِبَتْ إلَيْهِ فَاسْتَفْهَمَتْ أَوْ أُفْهِمَتْ بِالْقَرِينَةِ أَنَّهَا شَكَّتْ فِي الْوُجُوبِ فَعَبَّرَتْ بِالْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ فَأُفْهِمَتْ.
، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَنْدُوبٌ. قُلْنَا لَمَّا كَانَ قَدْ حَثَّهُمْ عَلَى السِّوَاكِ نَدْبًا قَبْلَ ذَلِكَ أَفْهَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَمْرِ مَا هُوَ شَاقٌّ أَوْ كَانَ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ إنَّكَ لَوْ أَمَرْتَهُمْ بِقَوْلِكَ: اسْتَاكُوا لَأَوْجَبْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ إطْلَاقِهِ صِيغَةَ الْأَمْرِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَمَّا دَعَاهُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُجِبْهُ: " أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ « ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ؟» فَكَانَ هَذَا التَّوْبِيخُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ. قُلْنَا: لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ أَمْرٌ بَلْ مُجَرَّدُ نِدَاءٍ، وَكَانَ قَدْ عَرَّفَهُمْ بِالْقَرَائِنِ تَفْهِيمًا ضَرُورِيًّا وُجُوبَ التَّعْظِيمِ لَهُ، وَأَنَّ تَرْكَ جَوَابِ النِّدَاءِ تَهَاوُنٌ، وَتَحْقِيرٌ بِأَمْرِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ، وَمُجَرَّدُ النِّدَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ بَلْ يَجِبُ تَرْكُهُ بِمَا هُوَ أَوْجَبُ مِنْهُ كَمَا يَجِبُ تَرْكُ الصَّلَاةِ لِإِنْقَاذِ الْغَرْقَى، وَمُجَرَّدُ النِّدَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا قَوْلُ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ ﵇: " لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَوَامِرِهِ لِلْإِيجَابِ. قُلْنَا: قَدْ كَانَ عُرِفَ وُجُوبُ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَبِأُمُورٍ أُخَرَ صَرِيحَةٍ، لَكِنْ شُكَّ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلتَّكْرَارِ أَوْ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ عَيَّنَ الرَّسُولُ ﵇ أَحَدَهُمَا لَتَعَيَّنَ، وَصَارَ مُتَعَيِّنًا فِي حَقِّنَا بِبَيَانِهِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ " أَيْ: لَوْ عَيَّنْتُ لَتَعَيَّنَ.
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ زَعَمُوا أَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَزَلْ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ تَرْجِعُ فِي إيجَابِ الْعِبَادَاتِ، وَتَحْرِيمِ الْمَحْظُورَاتِ إلَى الْأَوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي، كَقَوْلِهِ: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، وَغَيْرِهَا وَ ﴿وقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] وَ ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿، وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿، وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] ، وَأَمْثَالِهِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا وَضْعٌ، وَتَقَوُّلٌ عَلَى الْأُمَّةِ، وَنِسْبَةٌ لَهُمْ إلَى الْخَطَأِ، وَيَجِبُ تَنْزِيهُهُمْ عَنْهُ. نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ مِنْ طَائِفَةٍ ظَنُّوا أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا فَهِمَ الْمُحَصِّلُونَ، وَهُمْ الْأَقَلُّونَ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ، وَالْأَدِلَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَطَعُوا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمِ الزِّنَا، وَالْأَمْرُ مُحْتَمِلٌ لِلنَّدْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا لَهُ، وَالنَّهْيُ يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ، وَكَيْفَ قَطَعُوا مَعَ الِاحْتِمَالِ لَوْلَا أَدِلَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَمَا قَوْلُهُمْ إلَّا كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِالنَّدْبِ فِي الْكِتَابَةِ وَالِاسْتِشْهَادِ، وَأَمْثَالِهِ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَالْأَوَامِرُ الَّتِي حَمَلَتْهَا الْأُمَّةُ عَلَى النَّدْبِ أَكْثَرُ فَإِنَّ النَّوَافِلَ، وَالسُّنَنَ، وَالْآدَابَ أَكْثَرُ مِنْ الْفَرَائِضِ، إذْ مَا مِنْ فَرِيضَةٍ إلَّا، وَيَتَعَلَّقُ
стр. 209
بِهَا، وَبِإِتْمَامِهَا، وَبِآدَابِهَا سُنَنٌ كَثِيرَةٌ، أَوْ نَقُولُ هِيَ لِلْإِبَاحَةِ بِدَلِيلِ حُكْمِهِمْ بِالْإِبَاحَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلْقَرَائِنِ فَكَذَلِكَ الْوُجُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ، وَمَا تِلْكَ الْقَرَائِنُ؟ قُلْنَا: أَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، وَمَا وَرَدَ مِنْ التَّهْدِيدَاتِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ تَكْلِيفِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَالْمَرَضِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَقَدْ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، وَغَيْرِهَا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] . وَأَمَّا الصَّوْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، وَقَوْلُهُ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، وَإِيجَابُ تَدَارُكِهِ عَلَى الْحَائِضِ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا، وَالْقَتْلِ وَرَدَ فِيهِمَا تَهْدِيدَاتٌ، وَدَلَالَاتٌ تَوَارَدَتْ عَلَى طُولِ مُدَّةِ النُّبُوَّةِ لَا تُحْصَى، فَلِذَلِكَ قَطَعُوا بِهِ لَا بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الَّذِي مُنْتَهَاهُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فَيَتَطَرَّقَ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ.
[مَسْأَلَةٌ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ مَا مُوجَبُهُ]
مَسْأَلَةٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَوْلُهُ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ مَا مُوجَبُهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَوْلُهُ: " افْعَلْ " بَعْدَ الْحَظْرِ مَا مُوجَبُهُ؟ ، وَهَلْ لِتَقَدُّمِ الْحَظْرِ تَأْثِيرٌ؟
قُلْنَا: قَالَ قَوْمٌ: لَا تَأْثِيرَ لِتَقَدُّمِ الْحَظْرِ أَصْلًا، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهَا إلَى الْإِبَاحَةِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْحَظْرُ السَّابِقُ عَارِضًا لِعِلَّةٍ، وَعُلِّقَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " بِزَوَالِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فَعُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِرَفْعِ الذَّمِّ فَقَطْ حَتَّى يَرْجِعَ حُكْمُهُ إلَى مَا قَبْلَهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رَفْعُ هَذَا الْحَظْرِ بِنَدْبٍ، وَإِبَاحَةٍ لَكِنَّ الْأَغْلَبَ مَا ذَكَرْنَاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ ﵇: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَادَّخِرُوا» أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَظْرُ عَارِضًا لِعِلَّةٍ، وَلَا صِيغَةَ " افْعَلْ عُلِّقَ بِزَوَالِهَا، فَيَبْقَى مُوجَبُ الصِّيغَةِ عَلَى أَصْلِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ النَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَنُزِيحُ هَاهُنَا احْتِمَالَ الْإِبَاحَةِ، وَيَكُونُ هَذَا قَرِينَةً تُزِيحُ هَذَا الِاحْتِمَالَ، وَإِنْ لَمْ تُعَيِّنْهُ، إذْ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ حَتَّى يَغْلِبَ الْعُرْفُ الْوَضْعَ، أَمَّا إذَا لَمْ تَرِدْ صِيغَةُ " افْعَلْ " لَكِنْ قَالَ: فَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِالِاصْطِيَادِ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ، وَالنَّدْبَ، وَلَا يَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ لِأَنَّهُ عُرْفٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَقَوْلُهُ: " أَمَرْتُكُمْ بِكَذَا " يُضَاهِي قَوْلَهُ " افْعَلْ " فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَمَا يَقْرُبُ مِنْهَا.
[النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي مُوجَبِ الْأَمْرِ وَمُقْتَضَاهُ]
ُ مُوجَبُ الْأَمْرِ، وَمُقْتَضَاهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْفَوْرِ، وَالتَّرَاخِي، وَالتَّكْرَارِ، وَغَيْرِهِ
وَلَا يَتَعَلَّقُ هَذَا النَّظَرُ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَلْ يَجْرِي فِي قَوْلِهِ " افْعَلْ " كَانَ لِلنَّدْبِ أَوْ لِلْوُجُوبِ، وَفِي قَوْلِهِ " أَمَرْتُكُمْ " " وَأَنْتُمْ مَأْمُورُونَ "، وَفِي كُلٍّ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ إشَارَةً كَانَتْ أَوْ لَفْظًا أَوْ قَرِينَةً أُخْرَى. لَكِنَّا نَتَكَلَّمُ فِي مُقْتَضَى قَوْلِهِ " افْعَلْ " لِيُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَنَرْسُمُ فِيهِ مَسَائِلَ:
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ: " صُمْ "
كَمَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الزَّمَانِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْفَوْرِ، وَالتَّرَاخِي، وَبِالْإِضَافَةِ إلَى الْمِقْدَارِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَاسْتِغْرَاقِ
стр. 210
الْعُمُرِ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلْمَرَّةِ، وَيَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلتَّكْرَارِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ مَعْلُومَةٌ، وَحُصُولُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَاللَّفْظُ بِوَضْعِهِ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ، وَلَا عَلَى إثْبَاتِهَا.
، وَقِيَاسُ مَذْهَبِ الْوَاقِفِيَّةِ التَّوَقُّفُ فِيهِ لِتَرَدُّدِ اللَّفْظِ كَتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، لَكِنِّي أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا تَرَدُّدًا فِي نَفْسِ اللَّفْظِ عَلَى نَحْوِ تَرَدُّدِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، بَلْ اللَّفْظُ خَالٍ عَنْ التَّعَرُّضِ لِكَمِّيَّةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ الْإِتْمَامَ بِبَيَانِ الْكَمِّيَّةِ كَمَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ نُتَمِّمَ بِسَبْعِ مَرَّاتٍ أَوْ خَمْسٍ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِ اللَّفْظِ تَعَرُّضٌ لِلْعَدَدِ، وَلَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِآحَادِ الْأَعْدَادِ وَضْعَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ. وَكَمَا أَنَّ قَوْلَهُ " اُقْتُلْ " إذَا لَمْ يَقُلْ: اُقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَهُوَ دُونَ زِيَادَةٍ كَلَامٌ نَاقِصٌ فَإِتْمَامُهُ بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ لَا بِمَعْنَى الْبَيَانِ. فَإِنْ قِيلَ: بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا، وَبَيْنَ الْقَتْلِ فَرْقٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " اُقْتُلْ كَلَامٌ نَاقِصٌ لَا يُمْكِنُ امْتِثَالُهُ، وَقَوْلَهُ: " صُمْ كَلَامٌ تَامٌّ مَفْهُومٌ يُمْكِنُ امْتِثَالُهُ.
قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَصِيرُ مُمْتَثِلًا بِقَتْلِ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ " اُقْتُلْ " كَمَا يَصِيرُ مُمْتَثِلًا بِصَوْمِ أَيِّ يَوْمٍ كَانَ إذَا قَالَ: " صُمْ يَوْمًا " بِلَا فَرْقٍ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: " اُقْتُلْ " كَقَوْلِهِ: " اُقْتُلْ شَخْصًا " لِأَنَّ الشَّخْصَ الْقَتِيلَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَتْلِ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ، كَمَا أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ ضَرُورَةِ الصَّوْمِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ. فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ وُجُوبَهَا مَعْلُومٌ، وَالزِّيَادَةُ لَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِهَا إذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ اللَّفْظُ لَهَا، فَصَارَ كَمَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " صُمْ "، وَكُنَّا لَا نَشُكُّ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ بَلْ نَقْطَعُ بِانْتِفَائِهِ، وَقَوْلُهُ: " صُمْ " دَالٌّ عَلَى الْقَطْعِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَبَقِيَ الزَّائِدُ عَلَى مَا كَانَ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اللَّفْظِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْكَمِّيَّةِ، وَيَعْتَضِدُ هَذَا بِالْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: " وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ " لَبَرَّ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ قَالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ " لَتَقَصَّى عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ فَسَّرَ التَّكْرَارَ بِصَوْمِ الْعُمُرِ فَقَدْ فَسَّرَهُ بِمُحْتَمَلٍ أَوْ كَانَ ذَلِكَ إلْحَاقَ زِيَادَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي " اُقْتُلْ " أَيْ: اُقْتُلْ زَيْدًا، وَبِقَوْلِي " صُمْ " أَيْ: صُمْ يَوْمَ السَّبْتِ خَاصَّةً فَإِنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، بَلْ لَيْسَ تَفْسِيرًا إنَّمَا ذَكَرَ زِيَادَةً لَمْ يَذْكُرْهَا، وَلَمْ يُوضَعْ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ لَهَا بِالِاشْتِرَاكِ، وَلَا بِالتَّجَوُّزِ، وَلَا بِالتَّنْصِيصِ. قُلْنَا: هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إنْ فَسَّرَهُ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ كَتِسْعَةٍ أَوْ عَشَرَةٍ فَهُوَ إتْمَامٌ بِزِيَادَةٍ، وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، إذْ اللَّفْظُ لَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرٍ، وَعَدَدٍ.
، وَإِنْ أَرَادَ اسْتِغْرَاقَ الْعُمُرِ فَقَدْ أَرَادَ كُلِّيَّةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ، وَكَانَ كُلِّيَّةُ الصَّوْمِ شَيْءٌ فَرْدٌ إذْ لَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَحَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ فَهُوَ وَاحِدٌ بِالنَّوْعِ، كَمَا أَنَّ الْيَوْمَ الْوَاحِدَ وَاحِدٌ بِالْعَدَدِ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْمُرَادِ لَا اسْتِئْنَافَ زِيَادَةٍ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ عَدَدٌ كَانَتْ الطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ ضَرُورَةَ لَفْظِهِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا، وَلَوْ نَوَى الثَّلَاثَةَ بَعْدُ لِأَنَّهُ كُلِّيَّةُ الطَّلَاقِ فَهُوَ كَالْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ أَوْ النَّوْعِ، وَلَوْ نَوَى طَلْقَتَيْنِ فَالْأَغْوَصُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَوَجْهُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَدْ تَكَلَّفْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمَبَادِئِ، وَالْغَايَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: الزِّيَادَةُ الَّتِي هِيَ كَالْمُتَمِّمَةِ لَا تَبْعُدُ إرَادَتُهَا فِي اللَّفْظِ، فَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُ زَوْجَتِي، وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ زَيْنَبَ بُنَيَّتِي وَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْ وَقْتِ اللَّفْظِ، وَلَوْلَا احْتِمَالُهُ لَوَقَعَ مِنْ وَقْتِ التَّعْيِينِ.
قُلْنَا: الْفَرْقُ أَغْوَصُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " زَوْجَتِي مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأَرْبَعِ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، فَهُوَ كَإِرَادَةِ إحْدَى الْمُسَمَّيَاتِ بِالْمُشْتَرَكِ. أَمَّا الطَّلَاقُ فَمَوْضُوعٌ لِمَعْنًى لَا يَتَعَرَّضُ لِلْعَدَدِ، وَالصَّوْمُ مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى
стр. 211
لَا يَتَعَرَّضُ لِلسَّبْعَةِ، وَالْعَشَرَةِ، وَلَيْسَتْ الْأَعْدَادُ مَوْجُودَاتٍ فَيَكُونُ اسْمُ الصَّوْمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكَ اسْمِ الزَّوْجَةِ بَيْنَ النِّسْوَةِ الزَّوْجَاتِ.
شُبَهُ الْمُخَالِفِينَ ثَلَاثَةٌ: الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يَعُمُّ قَتْلَ كُلِّ مُشْرِكٍ، فَقَوْلُهُ: " صُمْ، وَصَلِّ " يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ كُلَّ زَمَانٍ لِأَنَّ إضَافَتَهُ إلَى جَمِيعِ الْأَزْمَانِ وَاحِدٌ كَإِضَافَةِ لَفْظِ الْمُشْتَرَكِ إلَى جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ.
قُلْنَا: إنْ سَلَّمْنَا صِيغَةَ الْعُمُومِ فَلَيْسَ هَذَا نَظِيرًا لَهُ، بَلْ نَظِيرُهُ أَنْ يُقَالَ " صُمْ الْأَيَّامَ، وَصَلِّ فِي الْأَوْقَاتِ " أَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: " صُمْ " فَلَا يَتَعَرَّضُ لِلزَّمَانِ لَا بِعُمُومٍ، وَلَا بِخُصُوصٍ، لَكِنَّ الزَّمَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ كَالْمَكَانِ، وَلَا يَجِبُ عُمُومُ الْأَمَاكِنِ بِالْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إلَى كُلِّ مَكَان عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ الزَّمَانُ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّ قَوْلَهُ: " صُمْ " كَقَوْلِهِ: " لَا تَصُمْ "، وَمُوجَبُ النَّهْيِ تَرْكُ الصَّوْمِ أَبَدًا، فَلْيَكُنْ مُوجَبُ الْأَمْرِ فِعْلُ الصَّوْمِ أَبَدًا، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَقَوْلُهُ: " قُمْ " وَقَوْلُهُ: " لَا تَقْعُدْ وَاحِدٌ، وَقَوْلُهُ: " تَحَرَّكْ " وَقَوْلُهُ: " لَا تَسْكُنْ " وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ " لَا تَسْكُنْ " لَزِمَتْ الْحَرَكَةُ دَائِمًا، فَقَوْلُهُ: " تَحَرَّكْ " تَضَمَّنَ قَوْلَهُ: " لَا تَسْكُنْ ".
قُلْنَا: أَمَّا قَوْلُكُمْ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي الْقُطْبِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَعُمُومُ النَّهْيِ الَّذِي هُوَ ضُمِّنَ بِحَسَبِ الْأَمْرِ الْمُتَضَمَّنِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ، فَلَوْ قَالَ " تَحَرَّكْ مَرَّةً وَاحِدَةً " كَانَ السُّكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَقْصُورًا عَلَى الْمَرَّةِ وَقَوْلُهُ: " تَحَرَّكْ " كَقَوْلِهِ: " تَحَرَّكْ مَرَّةً وَاحِدَةً " كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ الْأَمْرَ عَلَى النَّهْيِ فَبَاطِلٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ بَاطِلٌ فِي اللُّغَاتِ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ تَوْقِيفًا.
الثَّانِي: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ فِي النَّهْيِ لُزُومَ الِانْتِهَاءِ مُطْلَقًا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، بَلْ لَوْ قِيلَ: لِلصَّائِمِ " لَا تَصُمْ " يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ " نَهَانِي عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ أَوْ عَنْ الصَّوْمِ أَبَدًا؟ " فَيَسْتَفْسِرُ، بَلْ التَّصْرِيحُ أَنْ يَقُولَ: " لَا تَصُمْ أَبَدًا، وَلَا تَصُمْ يَوْمًا وَاحِدًا " فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: " لَا تَصُمْ " فَانْتَهَى يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ أَنْ يُقَالَ: قَضَى حَقَّ النَّهْيِ، وَلَا يُغْنِيهِمْ عَنْ هَذَا الِاسْتِرْوَاحُ إلَى الْمَنَاهِي الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعُرْفِيَّةِ، وَحَمْلُهَا عَلَى الدَّوَامِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَقُولُ: عَرَفْتُ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ أَفَادَتْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّ الشَّرْعَ يُرِيدُ عَدَمَ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَسَائِرِ الْفَوَاحِشِ مُطْلَقًا، وَفِي كُلِّ حَالٍ لَا بِمُجَرَّدِ صِيغَةِ النَّهْيِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّا نُوجِبُ الْإِيمَانَ دَائِمًا لَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: " آمِنُوا " لَكِنَّ الْأَدِلَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ دَوَامَ الْإِيمَانِ مَقْصُودٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّا نُفَرِّقُ، وَلَعَلَّهُ الْأَصَحُّ، فَنَقُولُ: إنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ مُطْلَقًا، وَالنَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوجَدَ مُطْلَقًا، وَالنَّفْيَ الْمُطْلَقَ يَعُمُّ، وَالْوُجُودَ الْمُطْلَقَ لَا يَعُمُّ؛ فَكُلُّ مَا وُجِدَ مَرَّةً فَقَدْ وُجِدَ مُطْلَقًا، وَمَا انْتَفَى مَرَّةً فَمَا انْتَفَى مُطْلَقًا؛ وَلِذَلِكَ إذَا قَالَ فِي الْيَمِينِ " لَأَفْعَلَنَّ بَرَّ بِمَرَّةٍ، وَلَوْ قَالَ " لَا أَفْعَلُ حَنِثَ بِمَرَّةٍ، وَمَنْ قَالَ " لَأَصُومَنَّ " صَدَقَ، وَعْدُهُ بِمَرَّةٍ، وَمَنْ قَالَ " لَا أَصُومُ " كَانَ كَاذِبًا مَهْمَا صَامَ مَرَّةً.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى التَّكْرَارِ لَتَعَطَّلَتْ الْأَشْغَالُ كُلُّهَا، وَحَمْلُ النَّهْيِ عَلَى
стр. 212
التَّكْرَارِ لَا يُفْضِي إلَيْهِ إذْ يُمْكِنُ الِانْتِهَاءُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِشُغْلٍ لَيْسَ ضِدَّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلُّغَةِ بِمَا يَرْجِعُ إلَى الْمَشَقَّةِ، وَالتَّعَذُّرِ، وَلَوْ قَالَ: " افْعَلْ دَائِمًا " لَمْ يَتَغَيَّرْ مُوجَبُ اللَّفْظِ بِتَعَذُّرِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعَذُّرُ هُوَ الْمَانِعَ، فَلْيُقْتَصَرْ عَلَى مَا يُطَاقُ، وَيَشُقُّ دُونَ مَا يَتَيَسَّرُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْ الْقَبِيحِ كُلِّهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْحُسْنَ، وَلَا يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِالْحُسْنِ كُلِّهِ، وَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْأَمْرَ، وَالنَّهْيَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْقَبِيحِ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ أَمْرًا فَتَقُولُ: أَمَرَ بِالْقَبِيحِ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ بِهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ الشَّرْعِيُّ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُسْنِ، وَلَا النَّهْيُ عَلَى الْقُبْحِ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَوَاتِ الْأَشْيَاءِ بَلْ الْحُسْنُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَالْقَبِيحُ مَا نُهِيَ عَنْهُ، فَيَكُونُ الْحُسْنُ، وَالْقُبْحُ تَابِعًا لِلْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ لَا عِلَّةً، وَلَا مَتْبُوعًا.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ فِي الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ حُمِلَتْ عَلَى التَّكْرَارِ، فَتَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ. قُلْنَا: وَقَدْ حُمِلَ فِي الْحَجِّ عَلَى الِاتِّحَادِ فَلْيَدْلُلْ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ فَكَذَلِكَ هَذَا بِدَلِيلٍ وَقَرَائِنَ بَلْ بِصَرَائِحَ سِوَى مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، وَقَدْ أَجَابَ قَوْمٌ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقَرِينَةَ فِيهِ إضَافَتُهَا إلَى أَسْبَابٍ، وَشُرُوطٍ، وَكُلُّ مَا أُضِيفَ إلَى شَرْطٍ، وَتَكَرَّرَ الشَّرْطُ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ فِي الْأَمْرِ الْمُضَافِ إلَى شَرْطٍ]
مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الصَّائِرُونَ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ فِي الْأَمْرِ الْمُضَافِ إلَى شَرْطٍ اخْتَلَفَ الصَّائِرُونَ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ فِي الْأَمْرِ الْمُضَافِ إلَى شَرْطٍ
فَقَالَ قَوْمٌ: لَا أَثَرَ لِلْإِضَافَةِ وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلشَّرْطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " اضْرِبْهُ " أَمْرٌ لَيْسَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَقَوْلُهُ: " اضْرِبْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا " أَوْ " إذَا كَانَ قَائِمًا " لَا يَقْتَضِيهِ أَيْضًا بَلْ لَا يُرِيدُ إلَّا اخْتِصَاصَ الضَّرْبِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ بِحَالَةٍ لِلْقِيَامِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِوَكِيلِهِ طَلِّقْ زَوْجَتِي إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ " لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ، بَلْ لَوْ قَالَ: " إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ " لَمْ يَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: " كُلَّمَا دَخَلْتِ الدَّارَ "، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلِّ، كَقَوْلِهِ: لِزَوْجَاتِهِ " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُنَّ الشَّهْرَ فَهِيَ طَالِقٌ، وَمَنْ زَالَتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ فَهِيَ طَالِقٌ "، وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّ الْحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْعِلَّةِ، وَالشَّرْطُ كَالْعِلَّةِ، فَإِنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ عَلَامَاتٌ.
قُلْنَا: الْعِلَّةُ إنْ كَانَتْ عَقْلِيَّةً فَهِيَ مُوجَبَةٌ لِذَاتِهَا، وَلَا يُعْقَلُ وُجُودُ ذَاتِهَا دُونَ الْمَعْلُولِ، وَإِنْ كَانَتْ شَرْعِيَّةً، فَلَسْنَا نُسَلِّمُ تَكَرُّرَ الْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ مَا لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ قَرِينَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ، وَمَعْنَى التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ الْعِلَّةِ، وَكَأَنَّ الشَّرْعَ يَقُولُ: الْحُكْمُ يَثْبُتُ بِهَا فَاتَّبِعُوهَا.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ إنَّمَا تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأَسْبَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَ ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجَبِ اللُّغَةِ، وَمُجَرَّدِ الْإِضَافَةِ بَلْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي كُلِّ شَرْطٍ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ
стр. 213
الِاسْتِطَاعَةِ. فَإِنْ أَحَالُوا ذَلِكَ عَلَى الدَّلِيلِ أَحَلْنَاهَا بِتَكَرُّرٍ أَيْضًا عَلَى الدَّلِيلِ، كَيْفَ، وَمَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ غَيْرَ مُحْدِثٍ فَلَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ جُنُبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ، إذَا لَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ مُطْلَقًا، لَكِنْ اُتُّبِعَ فِيهِ مُوجَبُ الدَّلِيلِ؟
[مَسْأَلَةٌ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْفَوْرَ]
َ عِنْدَ قَوْمٍ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْفَوْرَ عِنْدَ قَوْمٍ، وَلَا يَقْتَضِيهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ قَوْمٌ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: التَّوَقُّفُ فِي الْمُؤَخِّرِ هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا أَمَّا الْمُبَادِرُ فَمُمْتَثِلٌ قَطْعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا وَقَالَ: يُتَوَقَّفُ فِي الْمُبَادِرِ أَيْضًا.، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي إلَّا الِامْتِثَالَ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْبِدَارُ، وَالتَّأْخِيرُ، وَنَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْوَقْفِ أَوَّلًا فَنَقُولُ لِلْمُتَوَقِّفِ: الْمُبَادِرُ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ تَوَقَّفْتَ فَقَدْ خَالَفْتَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ قَبْلَكَ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُسَارِعَ إلَى الِامْتِثَالِ مُبَالِغٌ فِي الطَّاعَةِ مُسْتَوْجِبٌ جَمِيلَ الثَّنَاءِ، وَالْمَأْمُورُ إذَا قِيلَ لَهُ: قُمْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ مُمْتَثِلًا، وَلَا يُعَدُّ بِهِ مُخْطِئًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ؛ وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسَارِعِينَ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَقَالَ: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَا التَّوَقُّفُ فَنَقُولُ: لَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ فِي الْمُؤَخِّرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " اغْسِلْ هَذَا الثَّوْبَ " مَثَلًا لَا يَقْتَضِي إلَّا طَلَبَ الْغُسْلِ، وَالزَّمَانُ مِنْ ضَرُورَةِ الْغُسْلِ كَالْمَكَانِ، وَكَالشَّخْصِ فِي الْقَتْلِ، وَالضَّرْبِ، وَالسَّوْطِ، وَالسَّيْفِ فِي الضَّرْبِ، ثُمَّ لَا يَقْتَضِي الْأَمْرُ بِالضَّرْبِ مَضْرُوبًا مَخْصُوصًا، وَلَا سَوْطًا، وَلَا مَكَانًا لِلْأَمْرِ، فَكَذَلِكَ الزَّمَانُ؛ لِأَنَّ اللَّافِظَ سَاكِتٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ فَهُمَا سِيَّانِ، وَيَعْتَضِدُ هَذَا بِطَرِيقِ ضَرْبِ الْمِثَالِ لَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ بِصِدْقِ الْوَعْدِ إذَا قَالَ: " اغْسِلْ، وَاقْتُلْ " فَإِنَّهُ صَادِقٌ بَادَرَ أَوْ أَخَّرَ، وَلَوْ حَلَفَ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبِدَارُ.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مُدَّعِيَ الْفَوْرِ مُتَحَكِّمٌ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يَنْقُلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ قَوْلَهُمْ: افْعَلْ لِلْبِدَارِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْلِ ذَلِكَ لَا تَوَاتُرًا، وَلَا آحَادًا، وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ.
الْأُولَى: أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، وَفِي تَجْوِيزِ التَّأْخِيرِ مَا يُنَافِي الْوُجُوبَ إمَّا بِالتَّوَسُّعِ، وَإِمَّا بِالتَّخْيِيرِ فِي فِعْلٍ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَالتَّوَسُّعُ، وَالتَّخْيِيرُ كِلَاهُمَا يُنَاقِضُ الْوُجُوبَ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا فِي الْقُطْبِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ، وَالْمُوَسَّعَ جَائِزٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ: " اغْسِلْ الثَّوْبَ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتَ فَقَدْ أَوْجَبْتُهُ عَلَيْكَ " لَمْ يَتَنَاقَضْ. ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، وَلَوْ كَانَ لِلْوُجُوبِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِقَرِينَةٍ فَالتَّوَسُّعُ لَا يُنَافِيهِ كَمَا سَبَقَ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْفِعْلِ، وَاعْتِقَادَ الْوُجُوبِ، وَالْعَزْمَ عَلَى الِامْتِثَالِ ثُمَّ وُجُوبَ الِاعْتِقَادِ، وَالْعَزْمِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ الْفِعْلُ. قُلْنَا الْقِيَاسُ بَاطِلٌ فِي اللُّغَاتِ، ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ: " افْعَلْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتَ " فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ، وَالْعَزْمَ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِ دُونَ الْفِعْلِ. ثُمَّ نَقُولُ: وُجُوبُ الْفَوْرِ فِي الْعَزْمِ وَالِاعْتِقَادِ مَعْلُومٌ بِقَرِينَةٍ، وَأَدِلَّةٍ دَلَّتْ عَلَى التَّصْدِيقِ لِلشَّارِعِ، وَالْعَزْمِ عَلَى الِانْقِيَادِ لَهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ.
[مَسْأَلَةٌ وُجُوبُ الْقَضَاءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَمْرٍ مُجَدَّدٍ]
ٍ مَذْهَبُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَمْرٍ مُجَدَّدٍ، وَمَذْهَبُ الْمُحَصِّلِينَ أَنَّ الْأَمْرَ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعِبَادَةِ بِوَقْتِ الزَّوَالِ أَوْ شَهْرِ رَمَضَانَ كَتَخْصِيصِ الْحَجِّ بِعَرَفَاتٍ، وَتَخْصِيصِ الزَّكَاةِ بِالْمَسَاكِينِ، وَتَخْصِيصِ الضَّرْبِ، وَالْقَتْلِ بِشَخْصٍ، وَتَخْصِيصِ الصَّلَاةِ بِالْقِبْلَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَالشَّخْصِ فَإِنَّ
стр. 214
جَمِيعَ ذَلِكَ تَقْيِيدٌ لِلْمَأْمُورِ بِصِفَةٍ، وَالْعَارِي عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ. فَإِنْ قِيلَ: الْوَقْتُ لِلْعِبَادَةِ كَالْأَجَلِ لِلدَّيْنِ، فَكَمَا لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ لَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الذِّمَّةِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. قُلْنَا: مِثَالُ الْأَجَلِ الْحَوْلُ فِي الزَّكَاةِ لَا جَرَمَ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِانْقِضَائِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مُهْلَةٌ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ حَتَّى يُنَجَّزَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَأَمَّا الْوَقْتُ فَقَدْ صَارَ وَصْفًا لِلْوَاجِبِ كَالْمَكَانِ، وَالشَّخْصِ، وَمَنْ أُوجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِصِفَةٍ فَإِذَا أَتَى بِهِ لَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا. نَعَمْ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الشَّرْعِ إمَّا بِنَصٍّ كَقَوْلِهِ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» أَوْ بِقِيَاسٍ، فَإِنَّا نَقِيسُ الصَّوْمَ إذَا نَسِيَهُ عَلَى الصَّلَاةِ إذَا نَسِيَهَا، وَنَرَاهُ فِي مَعْنَاهَا، وَلَا نَقِيسُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ، وَلَا الْأُضْحِيَّةَ فَإِنَّهُمَا لَا يُقْضَيَانِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِمَا، وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ تُرُدِّدَ أَنَّهُ بِأَيِّ الْأَصْلَيْنِ أَشْبَهُ، وَلَا نَقِيسُ صَلَاةَ الْحَائِضِ عَلَى صَوْمِهَا فِي الْقَضَاءِ لِفَرْقِ النَّصِّ، وَلَا نَقِيسُ صَلَاةَ الْكَافِرِ، وَزَكَاتَهُ عَلَى صَلَاةِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي أَصْلِ الْأَمْرِ، وَالْوُجُوبِ عِنْدَنَا.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْإِجْزَاءِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إذَا اُمْتُثِلَ]
مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْإِجْزَاءِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إذَا اُمْتُثِلَ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْإِجْزَاءِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إذَا اُمْتُثِلَ
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ طَاعَةً وَقُرْبَةً، وَسَبَبَ ثَوَابٍ، وَامْتِثَالًا لَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِامْتِثَالُ مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِالْأَدَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِتْمَامِ، وَلَا يُجْزِئُهُ بَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ، وَمُمْتَثِلٌ إذَا صَلَّى، وَمُطِيعٌ، وَمُتَقَرِّبٌ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، فَلَا يُمْكِنُ إنْكَارُ كَوْنِهِ مَأْمُورًا، وَلَا إنْكَارُ كَوْنِهِ مُمْتَثِلًا حَتَّى يَسْقُطَ الْعِقَابُ، وَلَا إنْكَارُ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالْقَضَاءِ؛ فَهَذِهِ أُمُورٌ مَقْطُوعٌ بِهَا، وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا أَنْ نُفَصِّلَ، وَنَقُولَ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ، وَأَنَّهُ مِثْلُ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ إيجَابَ مِثْلِهِ بَعْدَ الِامْتِثَالِ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْمِثْلَ إنَّمَا يُسَمَّى قَضَاءً إذَا كَانَ فِيهِ تَدَارُكٌ لِفَائِتٍ مِنْ أَصْلِ الْعِبَادَةِ أَوْ وَصْفِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَوَاتٌ، وَخَلَلٌ اسْتَحَالَ تَسْمِيَتُهُ قَضَاءً فَنَقُولُ: الْأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ الْمَأْمُورِ إذَا أُدِّيَ بِكَمَالِ وَصْفِهِ، وَشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ، وَإِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ خَلَلٌ كَمَا فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الطَّهَارَةِ فَلَا يَدُلُّ الْأَمْرُ عَلَى إجْزَائِهِ بِمَعْنَى مَنْعِ إيجَابِ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَاَلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ مَأْمُورٌ بِالطَّهَارَةِ؟ فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالطَّهَارَةِ مَعَ تَنَجُّزِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا، وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ عَلَى حَالَتِهِ فَقَدْ امْتَثَلَ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ، فَبِمَ عُقِلَ إيجَابُ الْقَضَاءِ؟ وَكَذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ أَتَمَّ كَمَا أُمِرَ. قُلْنَا: هَذَا مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْخَلَلِ بِضَرُورَةِ نِسْيَانِهِ فَقَدْ أَتَى بِصَلَاةٍ مُخْتَلَّةٍ فَاقِدَةٍ شَرْطَهَا لِضَرُورَةِ حَالِهِ فَعُقِلَ الْأَمْرُ لِتَدَارُكِ الْخَلَلِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْخَلَلُ لَا عَنْ قَصْدٍ، وَلَا عَنْ نِسْيَانٍ فَلَا تَدَارُكَ فِيهِ فَلَا يُعْقَلُ إيجَابُ قَضَائِهِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِإِجْزَائِهِ. كَذَلِكَ مُفْسِدُ الْحَجِّ مَأْمُورٌ بِحَجٍّ خَالٍ عَنْ فَسَادٍ وَقَدْ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ فَيَقْضِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ]
ٌ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ
مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﵊: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَرُبَّمَا ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛
стр. 215
لَكِنْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﵊ وَاجِبُ الطَّاعَةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مَأْذُونِينَ فِي الْمَنْعِ لَكَانَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِلنَّبِيِّ ﵇، وَتَنْفِيرًا لِلْأُمَّةِ عَنْهُ، وَذَلِكَ يَغُضُّ مِنْ قَدْرِهِ، وَيُشَوِّشُ مَقْصُودَ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ لِلزَّوْجِ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: " أَنْتِ بَائِنٌ عَلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ ". رَاجِعْهَا، وَطَالِبْهَا بِالْوَطْءِ، وَيُقَالُ لِلْحَنَفِيَّةِ الَّتِي تَرَى أَنَّهَا بَائِنَةٌ: يَجِبُ عَلَيْكِ الْمَنْعُ، وَيُقَالُ لِلْوَلِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ لِطِفْلِهِ عَلَى طِفْلِ غَيْرِهِ شَيْئًا: اُطْلُبْهُ، وَيُقَالُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى طِفْلِهِ: لَا تُعْطِهِ، وَمَانِعْهُ، وَيَقُولُ السَّيِّدُ لِأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْمُرَ الْعَبْدَ الْآخَرَ، وَيَقُولُ لِلْآخَرِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ الْعِصْيَانَ لَهُ.
، وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﵇ «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» لَيْسَ خِطَابًا مِنْ الشَّرْعِ مَعَ الصَّبِيِّ، وَلَا إيجَابًا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ قَالَ لِلنَّبِيِّ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ أَنْ تُوجِبَ عَلَى الْأُمَّةِ وَقَالَ لِلْأُمَّةِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ خِلَافَهُ. قُلْنَا: ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى النَّبِيِّ أَنْ يَقُولَ: " أَوْجَبْتُ " لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيجَابِ، فَإِنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْإِيجَابِ فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُهُ أَمْرُهُمْ بِالْمَنْعِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَالتَّسَلُّمُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ. قُلْنَا: لَا يَجِبُ التَّسَلُّمُ بَلْ يَجِبُ الطَّلَبُ فَقَطْ، ثُمَّ إنْ وَجَبَ التَّسَلُّمُ فَذَلِكَ يَتِمُّ بِالتَّسْلِيمِ الْمُحَرَّمِ، وَإِنَّمَا يُنَاقِضُ التَّسَلُّمَ انْتِفَاءُ التَّسْلِيمِ فِي نَفْسِهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ كَمَا أَنَّ مَنْ أَمَرَ زَيْدًا بِضَرْبِ عَمْرٍو فَلَا يَطْلُبُ مِنْ عَمْرٍو شَيْئًا فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ يَأْمُرُ عَمْرًا فَلَا يَطْلُبُ مِنْ عَمْرٍو شَيْئًا.
[مَسْأَلَةٌ ظَاهِرُ الْخِطَابِ مَعَ جَمَاعَةٍ بِالْأَمْرِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ]
ٍ ظَاهِرُ الْخِطَابِ مَعَ جَمَاعَةٍ بِالْأَمْرِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ
إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ الْجَمِيعِ بِفِعْلِ وَاحِدٍ أَوْ يَرِدُ الْخِطَابُ بِلَفْظٍ لَا يَعُمُّ الْجَمِيعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَإِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى التَّعْيِينِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حَقِيقَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ؟ أَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْجَمِيعِ ثُمَّ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ أَوْ هُوَ فَرْضٌ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ أَيِّ وَاحِدٍ كَانَ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؟ أَوْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ حَضَرَ، وَتَعَيَّنَ، أَعْنِي: حَضَرَ الْجِنَازَةَ أَوْ الْمُنْكَرَ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَهُوَ نَدْبٌ فِي حَقِّهِ؟ قُلْنَا: الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ عُمُومُ الْفَرْضِيَّةِ، فَإِنَّ سُقُوطَ الْفَرْضِ دُونَ الْأَدَاءِ يُمْكِنُ إمَّا بِالنَّسْخِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا بِأَجْمَعِهِمْ نَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَوَابَ الْفَرْضِ، وَإِنْ امْتَنَعُوا عَمَّ الْحَرَجُ الْجَمِيعَ، وَلَوْ خَلَا بَعْضُهُمْ عَنْ الْوُجُوبِ لَانْفَكَّ عَنْ الْإِثْمِ.
أَمَّا الْإِيجَابُ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ فَمُحَالٌ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَإِذَا أُبْهِمَ الْوُجُوبُ تَعَذَّرَ الِامْتِثَالُ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي بَيَانِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَأْمُورَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ]
مَسْأَلَةٌ ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ الْحَقِّ إلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَفِي تَفْهِيمِ حَقِيقَةِ الْمَسْأَلَةِ غُمُوضٌ، وَسَبِيلُ كَشْفِ الْغِطَاءِ عَنْهُ أَنْ نَقُولَ: إنَّمَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا مَهْمَا كَانَ مَأْمُورًا لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتْبَعُ الْمَعْلُومَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا إذَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ
следующие страницы →