للكافرين، ولكنهم ﵃، وعفا عنهم، لما رأوا المشركين قد انهزموا، ورأوا أن المسلمين بدأوا يجمعون الغنائم، ظنوا أن الحرب انتهت، فنزلوا من المكان الذي عيَّنه النبي ﷺ ، وحصل ما حصل؛ فإن الفرسان من المشركين لما رأوا الثغر الذي يحمي المسلمين من ورائهم خاليًا، كروا من وراء المسلمين واختلطوا بهم، وحصل ما أراد الله . هذا معنى قوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وخَتْمُ الآية بهذه الجملة في غاية ما يكون من المناسبة؛ فهو قدير على أن ينتصر من هؤلاء المشركين، ولكنه لم يفعل ذلك لحكمة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] لأن الله لو شاء لأماتهم، أو خسف بهم، أو أنزل عليهم صواعق، أو ما أشبه ذلك ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ "كل شيء" عامة تشمل كل شيء؛ تشمل ما كان موجودًا؛ فهو قادر على إعدامه، وما كان معدومًا؛ فهو قادر على إيجاده، ولا استثناء في هذا العموم. وأما قول بعض المفسرين ﵏ في سورة المائدة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]: وخصّ العقل ذاته فليس عليه بقادر؛ فهذا تخصيص في غير محله.
أولًا: لأن العقل ليس له تدخل في صفات الله .
وثانيًا: نقول: ما تريد بقولك: وخص العقل ذاته؟ هل تريد
стр. 1017
أن الله لا يقدر أن يفعل، لا يقدر أن ينزل، لا يقدر أن يستوي، لا يقدر أن يأتي يوم القيامة للفصل بين عباده؟ أم ماذا تريد؟
إن أردت هذا، فهذا خطأ؛ فالله قادر على أن يفعل، على أن يستوي على العرش، على أن ينزل إلى السماء الدنيا، على أن يأتي للفصل بين عباده، كما صحَّ بذلك النقل.
أم تريد بقولك: خصَّ العقل ذاته، أنه لا يقدر على أن يفعل بنفسه ما لا يليق به؛ كالموت مثلًا؟ إن أردت ذلك فهذا خطأ منك أيضًا، وذلك لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات، أما المستحيلات فهي مستحيلة غير واقعة؛ هل يمكن أن نقول: إن الشيء يكون متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ لا يمكن؛ لأن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا، والله لا يمكن أن يتصف بالنقص، ولله المثل الأعلى، فكونك تفرض أن الله تعالى يمكن أن يتصف بالنقص، ولكنه غير قادر عليه، فهذا خطأ عظيم. فنقول: هذا أصلًا غير وارد على القدرة، كما قال السفاريني ﵀: ["بقدرةٍ تعلقت بممكن"].
فالشيء المستحيل مستحيل، لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه إذا كان الشيء ساكنًا لا يمكن أن يكون متحركًا، وإذا كان متحركًا لا يمكن أن يكون ساكنًا، والله قادر على كل شيء، لكن إذا قدر أن يجعله متحركًا صار غير ساكن، وإذا قدر أن يكون ساكنًا صار غير متحرك، فهذا أصلًا لا يرد على العقل، فإذن نقول: إن الله على كل شيء قدير عمومًا مطلقًا لا استثناء فيه.
стр. 1018
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الله وبَّخ الذين قالوا: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ ويتفرع على هذا جواز توبيخ من كان كامل الإيمان إذا فعل ما يستحق التوبيخ عليه؛ يعني أننا لا نقول: إن كمال إيمانه يمنع أن نوبخه إذا فعل ما يقتضي التوبيخ.
٢ - من المستحسن أن يُذَكَّر الإنسان بما يهون المصيبة عليه؛ لقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾.
٣ - أنه ينبغي لمن أجاب غيره أن يجيبه بما يمنع احتجاجه؛ لقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أنتم السبب.
٤ - إثبات الأسباب في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.
٥ - منَّة الله على الصحابة ﵃؛ لأن الله قد جعل على أيديهم مصيبة أكبر مما أصابهم، بل هي مِثْلَا ما أصابهم في قوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾.
٦ - إثبات اسم القدير من أسماء الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. والقدرة صفة يتصف بها القادر، تمنعه من وصف العجز. وذكرنا فيما سبق ما تستلزم.
٧ - أنه ينبغي إذا وصفنا الله بالقدرة أن نصفه كما وصف نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، خلافًا لِمَن قال: إن الله على ما يشاء قدير؛ لأنه إذا قال: إن الله على ما يشاء قدير، فقد يكون مفهوم العبارة: أن ما لا يشاؤه لا يقدر عليه. والله قادر على ما يشاء، وعلى ما لم يشأ.
وأيضًا إذا قلنا: "إنه على ما يشاء قدير" فإنه يدخل علينا
стр. 1019
مذهب القدرية الذين قالوا: إن الله لا يشاء أفعال العباد، فإذا كان لا يشاء أفعال العباد، وقلنا: إنه لا يقدر إلا على ما يشاء، لزم أن لا يكون قادرا على أفعال العباد.
ثالثًا: أننا إذا قلنا: على ما يشاء قدير، فقد خرجنا عما وصف الله به نفسه؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قصة الرجل الذي أخبر عنه النبي ﷺ بأنه يكون آخر أهل الجنة دخولًا، وأن الله يقول له: إني على ما أشاء قادر (١)؟
فالجواب عن ذلك: أن هذا حديث عن مسألة وقعت، فإذا وقع شيء من الأشياء وكان الإنسان يستغرب وقوع هذا الشيء فقال: كيف يقع هذا الشيء؟ فنقول له: "إن الله على ما يشاء قادر" يعني أن الله لمَّا شاءه وقع.
أما إذا أردنا أن نصف الله بالوصف المطلق غير المقيد بفعل فإن الأولى أن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧].
قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) هذه شرطية، ودليل أنها شرطية
стр. 1020
أنه وجد في الجملة فعل شرط وجوابه. فعل الشرط قوله: ﴿أَصَابَكُمْ﴾ وجوابه قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقرن بالفاء لأنه جملة اسمية، وتقدير الكلام: فهو بإذن الله.
قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾:
يعني بالتقاء الجمعين التقاؤهما يوم أُحد، فإنه لما التقى الجمعان، وصارت النهاية أن هزم المسلمون واستشهد منهم سبعون رجلًا، وهذه تعتبر نكبة أمام الكفار؛ لأن الكفار سيكون لهم في هذا الحال سيطرة وعلو واستكبار كما وقع؛ فإن أبا سفيان قال في ذلك اليوم: (اُعْلُ هبل) فافتخر بعلو صنمه على المسلمين الذين يعبدون الله. وهذا الذي حصل يوم التقى الجمعان يقول الله فيه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. بإذن الله القدري؛ لأن الله هو الذي قدّره، وإذن الله ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني.
فما تعلق بالتكوين والخلق فهو إذن كوني؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] أي: إذن شرعي.
فإن قال قائل: فما الفرق بينهما؟
فالجواب: أن الفرق بينهما: أولًا: أن الإذن الشرعي يكون فيما يحبه الله، والإذن الكوني يكون فيما يحبه وما لا يحبه.
ثانيًا: أن الإذن الكوني يقع فيه المأذون به، والإذن الشرعي قد يقع وقد لا يقع.
стр. 1021
وقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: فهو كائن بإذن الله؛ والباء للسببية، ولذلك صحَّ أن يعطف عليه قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ اللام للتعليل، ولا يجوز أن تسكن اللام، فتقول: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ لأن التي تسكن بعد حروف العطف هي لام الأمر، أما لام التعليل فهي مكسورة دائمًا.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الذين صدقوا الله في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم: إنه بقدر الله، ورضوا به، وتابوا إلى الله من أسبابه، وهي المعاصي والتنازع.
والعلم هنا علم ظهور وليس علم إدراك أي: وليعلمه بعد ظهوره، أما علمه قبل ظهوره فهو ثابت لله ؛ لأن الله علم كل شيء إلى يوم القيامة.
وأيضا هذا العلم علم يترتب عليه الثواب، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب، ولا يترتب عليه العقاب. هذان فرقان.
والفرق الثالث: أن هذا العلم علم بالشيء بعد أن يقع، فهو علم بأنه وقع، وأما العلم الأزلي فهو علم بأنه سيقع، وهناك فرق بين العلم بأنه وقع، وبين العلم بأنه سيقع.
هذه ثلاثة أوجه، وإلا فإن كثيرا من الناس يقول: كيف ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ أليس الله قد علمهم من قبل؟ .
فنقول: بلى، علمهم؛ لكن العلم يختلف من هذه الوجوه الثلاثة.
ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ يعني: يعلم المؤمنين، ويعلم الذين نافقوا، فيميز هذا من هذا.
стр. 1022
وقال في المؤمنين: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالوصف، وأما في المنافقين فقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إلى آخره فأتى بالفعل، وذلك لأن النفاق طارئ عليهم، فلأنَّ كثيرًا من المنافقين كان آمن ثم كفر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: ٣]، ولهذا أتى بالفعل الذي يدل على التجدد، وأيضًا لينالسب قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾:
النفاق في الأصل هو إظهار خلاف الواقع، ومنه سمي نفق الجربوع أو اليربوع؛ فإنه من ذكائه إذا حفر له جحْرًا جعل له بابًا ظاهرًا يدخل منه ويخرج منه، ويجعل في أقصى ذلك الجحْر طبقة خفيفة؛ يعني: يخرق إلى أن يصل إلى قريب من الانفتاح، فتبقى طبقة خفيفة جدًا من أجل أنه إذا فوجئ من باب الجحر، خرج من هذه القشرة الرقيقة، لأنها تكون سهلة عليه، فيكون هذا مخادعة؛ لأن الصائد إذا أراد صيده وهجم عليه من الباب، لا يدري أن هناك نفقًا يخرج منه.
واليربوع حلال، وهو يشبه الفأر إلى حدٍّ كبير، لكن له أرجلًا طويلةً وأيادِيَ قصيرة، وذيلًا طويلًا في طرفه هدب.
فنقول: إن النفاق أصله من هذا؛ لأن فيه مكرا ومخادعة.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ مثل عبد الله بن أُبي، فإن عبد الله بن أُبي كان من المعارضين للخروج إلى أحد، ولكن النبي ﷺ عزم على الخروج بمشورة الصحابة، ولاسيما الذين لم يدركوا بدرًا، فهم الذين أشاروا على الرسول ﷺ ، وأكدوا عليه المشورة أن يخرج إلى أحد، فخرج الناس مؤمنهم ومنافقُهم، وفي أثناء
стр. 1023
الطريق انخذل عبد الله بن أبيّ بنحو ثلث الجند، ولحقهم من لحقهم من المؤمنين، يوبخونهم ويأمرونهم بالرجوع (١).
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ يعني: فإما قتال في سبيل الله، أو دفاع عن أوطانكم. فالقتال في سبيل الله قتالٌ يعتبر جهادًا، يثاب عليه المقاتل ثواب المجاهد، وقتال الدفاع بحسب نية المقاتل، فهم قيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله جهادًا، أو ادفعوا عن أوطانكم. ولو رجعوا لما قاتلوا إلا دفاعًا، لعدم إيمانهم بما في سبيل الله.
وجملة ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إما أنها معطوفة على (نافقوا)، أو أنها جملة حالية على تقدير (قد)؛ أي: وقد قيل لهم.
وقوله: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾: (لو) سبق الكلام عليها، وأنها في مثل هذا السياق تكون شرطية.
ومرادهم من هذه المقولة تبرير رجوعهم من الجيش، فهم يقولون: نحن معكم، لكن ما نعلم أنه يكون قتال. وهذه قولة رجل مخذول جبان، والإنسان الشجاع هو الذي يقول: نعم نأتي لنقاتل أو ندفع، ثم إن حصل قتال فنحن مستعدون، وإن لم يحصل رجعنا من حيث جئنا.
وقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (يومئذٍ): أي: في هذا الوقت أو في هذا اليوم الذي انصرفوا فيه، وانخذلوا عن المسلمين، هم للكفر أقرب منهم للإيمان، وإن كان فيهم شيء من الأيمان، ولعل هذا في بعضهم، لكن هم للكفر أقرب.
стр. 1024
وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: كما أنهم يأتون إلى النبي ﷺ ويقولون: نشهد إنك لرسول الله، ويذكرون الله فيقولون: لا إله إلا الله، ويحضرون بعض الصلوات على أنهم مسلمون، فهم -والعياذ بالله- يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ فالذي في قلوبهم الكفر، والذي في أفواههم الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ يعني: هو أعلم من غيره بما يكتم هؤلاء، ولهذا أبدى الله ما يكتمونه، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ خلاف بين المفسرين، فمنهم من قال: إن ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى عالم، عالم بما يكتمون، خوفًا من أن تقع المفاضلة بين علم المخلوق وعلم الخالق؛ لأنك إذا جئت بأفعل التفضيل فإن مقتضى ذلك أن يكون بين المفضل والمفضل عليه اشتراك في الأصل، ولكن المفضل زاد على المفضل عليه، ولهذا تجدهم في مثل هذه الآية ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾؛ يفسرون أعلم بعالم؛ أي: والله عالم بما يكتمون. وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: أي: بما يخفون في نفوسهم من الكفر، وأما ما يظهرون من الإسلام فهو معروف للمسلمين وغير المسلمين. والله عالم بما يكتمون.
ولكن هذا القول ضعيف.
أولًا: لأنهم صرفوا اللفظ عن ظاهره؛ لأن اللفظ باسم التفضيل، والمعنى الذي أثبتوه باسم الفاعل، وبينهما فرق، ولا يجوز أن نصرف القرآن عن ظاهره إلا بدليل.
стр. 1025
والثاني: أنهم إذا قالوا عالم، لم يمنع المشاركة على وجه المماثلة؛ لأنه يقال: فلان عالم وفلان عالم، لكن إذا قيل: فلان أعلم من فلان، امتنعت المشاركة على وجه المماثلة لظهور التفضيل. فهم الآن فروا من شيء ووقعوا في شر منه، ففروا من أن يطلقوا أعلم على الله لأنها تقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، لكن وقعوا في معنى لا يمنع المشاركة على وجه المماثلة، وهذا شر.
إذن نقول: إن أعلم اسم تفضيل على ظاهرها، ولا يستلزم ذلك شيئًا مما ينزه الله عنه، ونحن نعلم أن هناك اشتراكًا في العلم بين الخالق والمخلوق، لكن يمتاز الخالق بما يختص به، والمخلوق بما يختص به، فمثلًا الله يعلم أن هذا عمود من الحديد، والإنسان يعلم، لكن علم الله أشد إحاطة من علم الإنسان وأسبق، وهو علم لا يزول، فعلم الإنسان ليس كإحاطة علم الله، وليس أزليًا، وليس أبديًا، فيختص الخالق بعلمه والمخلوق بعلمه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
من فوائد الآيتين الكريمتين:
من فوائد قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
١ - تسلية المؤمن بقضاء الله وقدره؛ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، لأن المؤمن إذا علم أنه من عند الله رضي وسلَّم.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا وبين قوله فيما سبق: ﴿أَوَ
стр. 1026
لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]؟
قلنا: الجمع بينهما: أنّ إضافتها إلى الأنفس من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ يعني أنتم السبب، وأما إضافتها إلى إذن الله فهي من باب إضافة الشيء إلى فاعله؛ فالذي قضى هذا هو الله، لكن السبب أنتم، وإذا انفكت الجهة زال التعارض، فالجهة في الآية الأولى سبب، والثانية: فعل وتقدير.
٢ - أن الله قد يقدّر على عبده المؤمن ما يكرهه لحكم عظيمة؛ لقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وفي الحديث الصحيح أن الله قال: "ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولابد له منه" (١). فتأمل الآن أن الله يفعل ما يكره المؤمن لكن لحكمة، وهو أنه قضى بحكمته بالفناء على كل الخلق ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ويتفرع على هذه الفائدة: أن المقضي المكروه محنة للعبد، فعليه أن يعتبر وأن يصبر، حتى يكون من المؤمنين الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].
ومن فوائد قوله : ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾:
١ - إثبات النفاق في هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ
стр. 1027
نَافَقُوا﴾ أي: بعد إيمانهم، ولم يبرز النفاق إلا بعد غزوة بدر، وغزوة بدر كانت في السنة الثانية في رمضان، وحصل بها للمسلمين من العز ما جعل المنافقين يظهرون نفاقهم؛ لأنهم صاروا يخافون من المؤمنين فصاروا ينافقون، أي: يظهرون أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.
٢ - التحذير من النفاق، وفي الآية الأولى: الترغيب في الإيمان، والذي يميز بين هذه وهذه هي قرينة الحال، فإن المنافقين سيأتي من أفعالهم أنهم في غاية الذم.
٣ - أن المنافقين من أكذب الناس؛ لقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ويقولون: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ وهم كاذبون في هذا؛ لأنهم يعلمون أنه سيكون قتال؛ لأن أعداء المسلمين جاءوا من بلادهم، وتركوا أهليهم، وتركوا بلادهم، وتركوا أموالهم، وهم في غاية الحنق على الرسول ﵊، وفي غاية الاستعداد، فهل يعقل أن قومًا جاءوا على هذه الصفة يرجعون دون قتال؟ ! .
فقول المنافقين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ هم كاذبون فيه، ولهذا قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
٤ - أن القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنه لو قال: ﴿يَقُولُونَ﴾، لكان القول في الأصل ما تواطأ عليه القلب واللسان، لكن لما كان هذا القول يختلف فيه القلب عن اللسان قيّده بالأفواه، قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وبهذا التقدير يندفع عنا قولان: القول الأول: أن بعض المفسرين قالوا:
стр. 1028
إن قوله بأفواههم من باب التأكيد، فهو كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، قالوا: لأن القول لا يكون إلا بالأفواه، ويندفع به أيضًا قول آخر أشد منه، وهو القول بالكلام النفسي، قالوا: إنه لما قيّد هذا القول بالأفواه، دلَّ على أن هناك قولًا نفسيًا، وهو ما كان في القلب، وهذا أخطر من الأول؛ لأن هذا مبني على بدعة الأشاعرة ومن وافقهم في أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا القول من تسعين وجهًا في كتاب سماه (التسعينية)، وأشار إليه ابن القيم في النونية.
إذن الفائدة من قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أن هذا القول ليس قولًا مطلقا؛ لأن القول المطلق ما تواطأ عليه القلب واللسان.
ويمكن أن نفرع على هذا فائدة مهمة؛ وهي أن من نطق بقول دون أن يكون له قصد في قلبه، فإنه لاغ؛ يعني أن أثر هذا النطق لاغ، كما يشهد لِذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وهذا يفيد في مثل طلاق السكران؛ أنه لا يقع، لأنه باللسان فقط، والموسوس -نسأل الله العافية- يوسوس دائمًا أنه طلق زوجته، ربما حتى في الصلاة يقول هذا، ويعجز عن كبح نفسه، نقول: هذا الرجل لو طلق بلسانه ألف مرة فليس بشيء.
٤ - أن المنافقين يحرصون غاية الحرص على كتم نفاقهم، ولكن الله يعلم بذلك، وقد كشفهم الله بقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨].
стр. 1029
٦ - أن المنافقين لا خير فيهم، لا في الجهاد في سبيل الله، ولا في الدفاع عن المسلمين، يستفاد ذلك من قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾.
٧ - أن الإنسان تتغير أحواله، فيكون في حال أقرب إلى الإيمان من الكفر، وفى حال أخرى بالعكس؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ واستدل بعض العلماء بهذه الآية على زيادة الإيمان ونقصانه، فما وجه الاستدلال؟ الجواب: أنه كلما قرب الإنسان من الإيمان ازداد إيمانًا، وكلما بعُد سوف ينقص، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص، ولكن هل يزيد بالعمل الظاهر أو يزيد حتى بالعمل الباطن؟ الجواب: أنه يزيد بهذا وهذا؛ فالعمل الظاهر كأن يكثر الإنسان من الأعمال الصالحة فيزداد إيمانا، وأما في الباطن فكذلك يزداد إيمان الإنسان في الباطن بحسب ما يكون عنده من البينات، فهذا إبراهيم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] والإنسان يدرك بحسِّه أنه إذا أخبره ثقة بخبر ثم أخبره ثقة بنفس الخبر ثم ثقة ثم ثقة يحس بنفسه أنه كلما زاد المخبرون ازداد إيمانًا، وهذا شيء مشاهد ليس فيه إشكال.
٨ - أن الكفر ضد الإيمان؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، ولكن هل يجتمع الإيمان والكفر في قلب رجل، نقول: أما الإيمان المطلق والكفر المطلق فلا يمكن أن يجتمعا أبدًا، وأما الإيمان الناقص أو الكفر دون الكفر فيمكن أن يجتمعا على مذهب أهل السنة والجماعة. فإن الإنسان يكون فيه خصال إيمان وخصال كفر، فيُحَب على ما معه من الإيمان، ويُكره على ما معه من الكفر.
стр. 1030
٩ - أنه ينبغي للإنسان أن يحترس في الحكم، وألا يطلق الحكم بل يحترس فيه؛ لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾، ربما في المستقبل أيضًا يغير الله حالهم فيكون الإيمان أقرب، فأنت إذا حكمت على شخص فينبغي لك أن تقيّد؛ لأن الإطلاق ربما يأخذ المحكوم عليه هذا الحكم مطلقًا.
* * *
• ثم قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران: ١٦٨]:
يقول : ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ (الذين) هنا بدل من (الذين) السابقة في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أو صفة، وكونها صفة أولى بل هو المتعين، وذلك لأن البدل يكون هو المقصود من الحكم دون المبدل منه، فإذا قلت: أكرم زيدًا عمرًا، عمرًا بدل من زيد، فالذي يُكرم عمرو. وإذا قلت: كُلِ الرغيفَ ثُلُثَه، يأكل الثلث، فلو أكل النصف لأكل السدس بغير حق، فإذا قال: أنت قلت لي: كُلِ الرغيف، قلت: لكني أبدلت وقلت: ثلثه، فالسدس الذي أكلته زائد فتكون آثمًا، ولصاحب الرغيف أن يطالبك بقيمة السدس، على كل حال البدل هو المقصود بالحكم كما قال ابن مالك ﵀ في الألفية:
التابع المقصود بالحكم بلا ... واسطة هو المسمى بدلا
وعلى هذا فيتعين أن تكون (الذين) الثانية صفة لـ (الذين) الأولى، واسم الموصول يصح أن يكون صفة، لأنه بصلته يكون بمعنى المشتق.
وقوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: إخوانهم ظاهرًا، هذا هو الصحيح،
стр. 1031
وقال بعضهم: لإخوانهم في النسب، والمعنى الأول أصح؛ لأنهم لا يخاطبون إخوانهم في النسب فقط بل يخاطبون كل من استشهد في غزوة أحد، وليس كل من استشهد أخًا لواحد من المنافقين، فيكون المراد بإخوانهم أي: ظاهرًا؛ لأن المنافقين مع المؤمنين كأنهم مؤمنون، ولهذا لما استئذن النبي في قتلهم، قال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١)، إذن فهم ظاهرًا إخوان وأصحاب، فلهذا نقول في ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الصواب لإخوانهم ظاهرًا لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
وقوله: ﴿وَقَعَدُوا﴾ أي: قعدوا عن القتال، والله يسمي المتخلفين عن القتال قعودًا، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] فسمى المتخلفين عن القتال قعدة. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: ٤٦].
إذن "وقعدوا" يعني عن القتال، والجملة في قوله: (وقعدوا) في محل نصب على الحال بتقديم "قد" أي: (وقد قعدوا) وهذا أولى من أن نجعل الجملة معطوفة على الصلة، يعني قالوا وقعدوا؛ لأن قولهم حال كونهم قعودًا أشد، فهم جمعوا بين أمرين، بين السوء في القول والسوء في الفعل. حيث قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ أي: لو أطاعوهم بعدم الخروج؛ لأن المنافقين أشاروا بعدم الخروج ولكنَّ النبي ﷺ والصادقين من المؤمنين أبوا إلّا أن يخرجوا، وفي أثناء الطريق انخذل عبد الله بن أُبي ومن
стр. 1032
معه بثلث العسكر فتخلفوا والعياذ بالله، ولهذا قال: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ وفي قراءة (ما قُتِّلوا) بالتشديد على سبيل المبالغة؛ لأنه حصل في الذين استشهدوا، حصل فيهم تمثيل مثل حمزة ﵁، فإنه مثِّل به، حتى إن هندًا بنت عتبة أخذت كبدَهُ ومضغتها، ولكنها لم تستطع أن تهضمها، فلم تبلعها.
فنقول: (قُتِّلوا) بناءً على أن هذا التقتيل مبالغ فيه لما فيه من المثلة، أما (قُتِلوا) بالتخفيف فأمرها ظاهر.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يعني يا محمد لهؤلاء: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿فَادْرَءُوا﴾ بمعنى: ادفعوا، يعني لما تخلفتم هل أنتم نجوتم من الموت؟ . الجواب: لا.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا من باب التحدي، يعني إن كنتم صادقين في أن من تخلف لا يموت فادفعوا عن أنفسكم الفوت، والجواب أنهم لا يستطيعون ذلك. وفي ختم هذا التحدي ﴿فَادْرَءُوا﴾ بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تأكيد لكذبهم في قوبهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ يعني هم لو تخلَّفوا فالموت سيأتيهم، والله أعلم.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - التنديد بهؤلاء الذين جمعوا بين قبح الفعل وقبح القول، يؤخذ من قوله: (قالوا)، (وقعدوا) قبح الفعل من كونهم قعدوا، والقول من قولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾.
٢ - أن هؤلاء مع قبح قولهم وإدخال الندم على قومهم اعترضوا على القَدَر؛ لقولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾.
стр. 1033
٣ - الإشارة إلى أن مثل هذا القول عند حلول القدر لا يجوز؛ لأنه سيق في سياق الذم، وهو كذلك، ولهذا قال النبي ﷺ : "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا" (١)، أما لو قاله الإنسان خبرًا لا اعتراضًا على القدر ولا ندمًا على ما وقع؛ فإن هذا لا بأس به، ومنه قول النبي ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا" (٢)، وليس هذا من باب التمني مثل ما ذهب إليه بعض العلماء، وأن (لو) هناك استخدمت في تمني الخير، بل نقول: هي خبر، وهذا يقع كثيرًا. وقد تقول للشخص: لو زرتني بالأمس لأكرمتك وما أشبه ذلك، تريد بذلك الخبر، وعلى هذا فنقول: إن استعمال (لو) يكون على وجوه:
الوجه الأول: أن يكون اعتراضًا على المقدر، فهذا لا يجوز، وهو منازعة للرب في قضائه وقدره.
الوجه الثاني: أن يكون مثارًا للندم والتحسر، فهذا لا يجوز أيضًا؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه فقال: "إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا".
والوجه الثالث: أن يكون خبرًا عن الواقع، فهذا لا بأس به؛ لأنه لا يحمل الإنسان على الندم، وليس فيه منازعة لقدر الله ، وهو يقع كثيرًا في كلام الناس.
стр. 1034
٤ - تحدي هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام بدفع الموت عنهم؛ لقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾.
٥ - أنه لا يمكن درء الموت؛ لأن ما وقع التحدي به فإنه لا يمكن وقوعه، إذ لو أمكن وقوعه لم يكن للتحدي به فائدة، ومن هنا نعرف أن قول الله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] لا يصح تنزيله على وصول الناس الآن إلى أعماق الفضاء وإلى الكواكب كما زعم بعضهم عندما وصل الناس إلى القمر وحلوا به قالوا: إن هذا دَلَّ عليه القرآن؛ لِأَنَّ الله قال: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، والسلطان هو العلم، فهؤلاء أوتوا علمًا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، فالقرآن شاهد لذلك، ولكن هذا في الحقيقة تحريف للقرآن، فالقرآن في الآيات هذه إنما هو للتحدي بدليل أن الله تعالى قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]. وهذا كله يدل على أن المراد بذلك التحدي، ويكون يوم القيامة وليس هو في الدنيا، ولهذا نقول: هؤلاء لو نفذوا من أقطار الأرض لم ينفذوا من أقطار السموات، والآية فيها تحد في هذا وهذا، المهم أنه لا ينبغي أن نخضع نصوص القرآن من أجل أن نقول إنها دالة على ما حدث أو ما يحدث، بل نقول: ما حدث أو يحدث إذا قامت البراهين على صدقه فإنه لا يحتاج إلى أن نقحمه في دلالة القرآن، نقول: هذا شيء وقع،
стр. 1035
وهذا شيء شهد به كل الناس فهو صحيح، ولو كنا نقحم كل ما حدث من العلوم في الوقت الحاضر في القرآن، لكنا نحمل القرآن ما لا يحتمل، وليعلم أن تفسير القرآن تعبير عن مراد الله، فمن فسَّره في غير ما يظهر من مراده فهو كاذب على الله مفتر عليه، وليس الكذب على الله كالكذب على الناس، فليحذر من هذه المسألة.
٦ - تكليف النبي ﷺ تكليفًا خاصًا بإبلاغ شيء من القرآن أو مجادلة أحد من الناس؛ لقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾ يعني: أنت جادلهم وقل: فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
٧ - معاملة الناس بما يظهر من حالهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ فإنه سبق لنا أن قلنا: إن الصواب في الأخوة هنا أخوة الظاهر لا أخوة النسب؛ لأنه ليس كل من قتل في أحد يكون له قرابة لهؤلاء المنافقين.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].
قوله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ فيها قراءتان: (قتَّلوا) و (قُتِلوا) وكذلك (تحسَب) و (تحسِب) وكلاهما سبعيتان.
وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطاب هنا إما للرسول ﷺ أو لكل
стр. 1036
من يصح توجيه الخطاب إليه، فإن كان لكل من يصح توجيه الخطاب إليه دخل فيه النبي ﷺ وغيره، وإن كان خطابًا للنبي ﷺ دخل فيه غيره بالتبعٍ، فيكون المقصود قصدًا أوليًا بهذا الخطاب النبي ﷺ وغيره تبعا له، أما إذا قلنا: إن الخطاب موجه لكل من يصح توجيه الخطاب إليه فهو عام، يعني: (فلا تحسبن أيها المخاطب) هذا على الثاني أو (لا تحسبن أيها النبي)، هذا على الأول (والحسبان) هنا بمعنى الظن أي: لا تظن أن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا.
وقوله: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل من قتله العدو ومن قُتِل حِرْفةً للعدو، كما لو ارتد السهم على حامله فقتله، فإنه يكون مقتولا في سبيل الله.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بيَّنها الرسول ﵊، بأن المراد بذلك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وذلك حين سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويُقاتل حمية، ويقاتل رياءً، وفي لفظ: "يُقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ ".
فقال ﷺ كلمةً جامعة مانعة: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١).
إذن ما المراد بالذين (قُتلوا) في سبيل الله؟ .
الجواب: هم الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، لا شجاعة ولا حمية ولا رياء.
стр. 1037
والشجاعة معناها: الإنسان تحمله شجاعته على أن يُقاتل؛ لأن الشجاع يُحب القتال، وكذا من قاتل حمية وطنية أو قومية فليس في سبيل الله، ومن قاتل لأجل الدفاع عن الديار فقط، فقتاله مساوٍ لقتال الكافر، حتى الكفار يُقاتلون دفاعًا عن بلادهم، لكن من قاتل دفاعًا عن بلده من أجل أنه بلدٌ إسلامي، ليحمي الإسلام في هذا القتال فهو في سبيل الله، ولذلك يجب إذا وجَّهنا جندنا للدفاع عن الوطن أن نقول: لاحظوا أنكم تُدافعون عن وطنكم باعتباره وطنًا إسلاميًا لا لمجرد الوطنية.
الثالث: من قاتل رياءً ليُرى أنه رجل يُقاتل في سبيل الله، هذا ليس في سبيل الله، وكذا من قاتل لمجرد طاعة أمير فقط، فليس في سبيل الله.
فالرسول ﷺ سُئل عن ثلاثة ولم يُجب عن كل واحدة بعينها، بل أجاب بكلمة جامعة مانعة، لأجل أن تشمل حتى النيات الأخرى سوى هذه الثلاث: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١).
وهؤلاء الذين قُتلوا في سبيل الله هل هم أهل بدر، أو أهل أحد، أو هو عام؟ .
الجواب: أنه عام، لكن أول من يدخل فيه الشهداء في بدرٍ وفي أحد.
وقوله: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: طريقه، وقد يطلق ويُضاف أحيانًا إلى المؤمن، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ
стр. 1038
الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥].
فهو يُضاف إلى الله باعتبارين: باعتبار أنه واضعه، فالله تعالى هو الذي شرع هذا الطريق، وباعتبار أنه موصِلٌ إليه، أي: أن هذا الطريق موصل إلى الله تعالى. ويُضاف إلى المؤمنين باعتبار واحد وهو أنهم هم الذين سلكوه.
هنا المضاف إلى الله باعتبار أن الله تعالى هو الذي شرع هذا الدين، وأن هذا الدين موصل إليه.
﴿أَمْوَاتًا﴾ هذا مفعول ثانٍ لـ (تحسب)؛ لأن (حسب) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف (كسا - وأعطى) فإنهما تنصبان مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
يقول: ﴿أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾:
والمعروف أنه إذا قُتل مات، فكيف يقال: إنهم أحياء؟ المراد أي: لا تحسبن أنهم إذا ماتوا انتهوا، بل هم إذا ماتوا انتقلوا إلى حياة أخرى أفضل مما فارقوه، فيكون المعنى لا تحسبهم ماتوا وانتهوا، ليس الأمر كذلك بل هم أحياء ماتوا مِيتة الدنيا، لكنهم هم أحياء حياة أخرى تتميز عن الحياة الدنيا، وهي خير وأفضل.
وقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾:
(عند): تُفيد القرب من الله وهو كذلك، فإن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديل معلَّقة تحت العرش، فهذه عندية خاصة يمتاز فيها بالقرب من الله تعالى، فقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ المراد بذلك حياة أرواحهم، أما أبدانهم فقد ماتت بلا شك لكن أرواحهم حية حياة برزخية، ولهذا قال: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وليست
стр. 1039
الحياة المطلقة التي هي كالحياة الدنيا؛ لأنها لو كانت الحياة الدنيا لم يصيروا قُتِلوا في سبيل الله بل كانوا باقين، ولما صحَّ أن يُدفنوا، وهم فارقوا الدنيا ودُفِنوا، ولكنهم أحياء عند الله حياة لا تُشبه حياة الدنيا.
وقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ أي: يُعطون؛ لأن الرزق في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: ٨] أي: أعطوهم، يعني يعطون من رزق الله في الجنة حيث شاءوا، ولكن هذا العطاء عطاء ناقص بالنسبة للعطاء الأكمل الذي يكون بعد البعث؛ لأن العطاء قبل القيامة عطاء للبدن وعطاء للروح، وكلاهما ناقص بالنسبة لما بعده. فهو عطاء للبدن؛ لأنه في القبر يُفسح له مد البصر، ويُفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من رَوحها ونعيمها لكنه لا يتمتَّع التمتُّع الكامل، كذلك الأرواح لا تتمتَّع التمتع الكامل في وجودها في الجنة، إنما يكون التمتُّع الكامل بعد البعث حين تلتقي الأرواح بالأجساد اللقاء الذي لا مفارقة بعده؛ لأنه إذا التقت الأرواح في البعث فلا مفارقة، تبقى أبد الآبدين، وحينئذٍ يحصل كمال النعيم.
ثم قال: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾:
الفرح ضد الحزن، وهو قريب من معنى السرور، والمعنى أنهم مسرورون بما آتاهم الله من فضله.
وقوله: ﴿فَرِحِينَ﴾ منصوبة على الحال. ولكن هل هي حال من الضمير المستتر في (أحياء) ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي حال كونهم فرحين، أو حال من الظرف ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: من متعلق
стр. 1040
الظرف، أو حال من نائب الفاعل في ﴿يُرْزَقُونَ﴾؟ كل هذا جائز، والمعنى لا يختلف فيه اختلافًا كثيرًا.
وقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾: أي: بالذي أعطاهم من فضله ولم يُبيِّنه ، بل أتى به مجملًا؛ لأنه ذكر مفصلًا في آياتٍ أخرى بعد دخول الجنة يوم القيامة.
و﴿آتَاهُمُ﴾: بمعنى أعطاهم، وأما (أتاهم) فبمعنى جاءهم.
وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾:
(الفضل) في اللغة الزيادة، والمراد بالفضل هنا ما تفضَّل الله به عليهم من النعيم الذي لم يكن يخطر على بالهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾:
الواو هنا حرف عطف، وهل هي معطوفة على (فرحين) من باب عطف الفعل على الاسم، أو معطوفة على ﴿يُرْزَقُونَ﴾؟ .
نقول: يحتمل هذا وهذا، ولا يختلف المعنى كثيرًا.
قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ هو أي: يبشر بعضهم بعضًا بما سيُذكر، فمعنى (استبشر): أي بشَّر غيره، أو دخلت عليه البشرى بفعل غيره.
وقوله: ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾:
يعني بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم ولم يُقْتَلوا حتى الآن في سبيل الله. ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ (أن) المصدرية أدغمت بـ (لا)، والقاعدة الأخيرة في الكتابة أن تكتب (أن) فتكون (أن لا) لكن القاعدة القديمة أن لا تكتب، وهنا لم تكتب ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، وأصل الكلمة: أن لا خوف، وأن هنا بدل من قوله: ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ وكأنه قال: (يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم بأن لا خوف عليهم)، ونوع البدل هنا بدل اشتمال؛ لأن
стр. 1041
الخوف ليس بعض الإنسان وإنما يشتمل عليه الإنسان، يعني (يستبشرون بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي: لا خوف عليهم فيما يستقبل من أمرهم، ولا هم يحزنون على ما قضى من أمرهم؛ لأن الأصل أن الخوف للمستقبل والحزن للماضي.
وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾:
الجملة استئنافية تُبين استبشارًا آخر سببه غير السبب الأول، الأول سببه أنهم ينتظرون إخوانًا لهم لم يلحقوا بهم، والسبب الثاني للاستبشار ما أنعم الله عليهم من النعمة والفضل.
وهنا قال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾، وقبلُ بقليل قال: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ﴾ ولا منافاة بينهما، فهم فرحون بما حصل، ويستبشرون بالذي سيحصل، فهم فرحون بما آتاهم الله مغتبطون به مسرورون به، ومع ذلك يستبشرون بفضل زائد، ولهذا قال: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، ومن ذلك أنهم يُؤمِّلون النظر إلى وجه الله، وأنهم بُشّروا بالخلود الذي لا موت بعده، ويستبشرون أيضًا بما وعدهم الله تعالى في الدنيا وما زالوا يذكرونه؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
فيها قراءتان: (وإِنَّ الله) بالكسر، (وأَنَّ الله) بالفتح، فعلى قراءة الفتح تكون معطوفة على نعمة، أي: وبـ (أن الله)، وعلى قراءة الكسر تكون استئنافية من كلام الله ، لا من كلامهم، أي: يستبشرون بنعمة من الله وفضل. والله قد جازاهم على عملهم وبـ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يتركه هملًا وسدًى بل لابد أن يُثيبهم عليه.
стр. 1042
من فوائد الآيات الكريمة:
١ - فضيلة من قُتل في سبيل الله لكونهم أحياء عند الله .
٢ - الترغيب في الجهاد ليحصل الإنسان على الشهادة، ولكن هنا مسألة: هل يُشرع للإنسان أن يُجاهد ليُقتل في سبيل الله، أو الذي يُجاهد لتكون كلمة الله هي العليا؛ الجواب: الثاني، ولهذا ينبغي للإنسان إذا ذهب للجهاد في سبيل الله أن ينوي القتال لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمجرد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأن كونه (في سبيل) مفرَّعٌ على كونه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا قاتل من أجل أن يُقتل فقط، فهذا قاتل ليموت، ولكن القتال الحقيقي هو أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإذا قتل فهو في سبيل الله، وبعض العلماء يقول: لا بأس أن ينوي بالجهاد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأنه لن يتم له أن يُقتل في سبيل الله إلا إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولكن حتى لو قيل بهذا فإن النية الأولى والرتبة الأولى (هي العليا) أن يخرج ليقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ثم يتمنى الشهادة بناءً على هذا.
٣ - أنه يصح نفي الشيء باعتبار، لا نفيًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ فإن نفي كونهم أمواتًا هنا يُراد به الموت الذي حصل فيه العدم بلا فائدة، وبدون ثواب.
٤ - فضيلة الشهداء لكونهم عند الله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
стр. 1043
أما الحديث الذي في المسند أن النبي ﷺ قال: "نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه" (١).
فإن بعض العلماء يرى أن المراد بالمؤمن هنا المؤمن المجاهد الذي قُتل في سبيل الله، ويرى آخرون أنه عام، وهو الصحيح، وأن الفرق هو أن نسمة المؤمن في الجنة طائر يعلق فيها، يعني يأكل منها، أما أرواح الشهداء في حواصل أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلَّقة، فهي كما أنها تمزّق بدنها في الدنيا أبدلها الله بأبدان أخرى، وهي هذه الطيور الخضر، فتمتاز أرواح الشهداء عن بقية المؤمنين بهذا، وهذا هو الأقرب، أن أرواح المؤمنين في الجنة، ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: قد تُحبس بعض الأرواح بسبب، مثل الدَين قد يمنع صاحبه من دخول النسمة الجنة، وقد سُئل النبي ﷺ عن الشهادة هل تُكفِّر الذنوب قال: "تكفّر كل شيء". ثم جاءه جبريل فقال: إلا الدَّين، فقال: "إلا الدَّين" (٢).
وهذا يدل على أنه قد يُحبس ثواب المجاهد عنه إذا كان عليه دَين، فقد يكون هناك عوائق لكن الأصل أن أرواح المؤمنين في الجنة.
٥ - إبطال حجة من قال: إن الرسول ﷺ حيٌّ في قبره يُرزق، وقال: إن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة، ولا شك في
стр. 1044
هذا أن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة، لكن قولهم: أنه حيٌّ في قبره يُرزق، إن أرادوا أنها حياة برزخية فهذه حقيقة، وإن أرادوا أنها حياة دنيويَّة فهذا كذب ولا شك، لأنها لو كانت حياة دنيوية، ما غُسِّل ولا كُفِّن، ولا صُلِّي عليه، ولا دُفن، ولكان الصحابة ﵃ وَأدوا النبي ﷺ ، ودفنوه حيًّا، ولا يَردُ على هذا أنها تُرَدُّ عليه روحه، فيرد السلام على من سلَّم عليه (١)، لأن ردّ الروح في البدن في القبر ليس كردّها في الحياة الدنيا، بل هو رد خاص، ولذلك لا يحتاج الميت في قبره إلى طعام وشراب وهواء، وإن رُدت إليه روحه.
٦ - أن الشهداء يُرزقون وهم أموات؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ولكن هذا الرزق هل يحتاج إلى ما يحتاجه الناس في الدنيا؟ الجواب: لا، لأن هذا رزق أخروي، والرزق الأخروي لا يحتاج إلى ذلك، بل إن أهل الجنة باقون فيها أبد الآبدين، ولا يحتاجون إلى هذا، وإنما يخرج الطعام والشراب بصفة عرق، ولكنه ليس كعرق الدنيا أيضًا، عرق منتن كريه الرائحة، بل هو أطيب من رائحة المسك. اللهم اجعلنا منهم. هذا معنى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
٧ - أن الذين قُتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتًا بل أحياء، ووجه الدلالة قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾، ولكن هذه الحياة ليست كالحياة الدنيا بل هي حياة برزخية.
٨ - أنه إذا ثبت هذا للشهداء فإنه يثبت للأنبياء من باب أولى، فالأنبياء أحياء، ويمتاز الأنبياء عن الشهداء، بأن الله حرم
стр. 1045
على الأرض أن تأكل أجسادهم بخلاف الشهداء، فإن الأرض تأكلهم، وقد لا تأكل بعضهم إكرامًا لهم، وإلا في الأصل أنهم كغيرهم تأكلهم الأرض.
٩ - إثبات العندية لله أي: أن يكون أحد من الخلق عند الله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وهذه عندية خاصة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
١٠ - أن هؤلاء الشهداء لهم شعور؛ لقوله: ﴿فَرِحِينَ﴾، لأن الفرح من الشعور النفسي، وهل يحزنون؟ ذُكر في بعض الآثار أن الميت تُعرض عليه أعمال أقاربه، فإذا كانت سيئة حزن، وإن كانت حسنة فرح، لكنها آثار يشك في صحتها.
١١ - قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أن هذا الثواب الذي يناله هؤلاء الشهداء، ثواب عظيم، وجه الدلالة أنه من عند إلهٍ عظيم ذي إفضال، والثواب يعظم بعِظم المُثِيب، لاسيما وقد قال: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
١٢ - أن الفضل لله على عباده في الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فكما أن لله فضلًا في الدنيا فله فضل في الآخرة، فمن أمثلة فضله في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة: ٥٩] فهذا فضلٌ دنيوي.
١٣ - أن هؤلاء الشهداء يستبشرون، أي: يُبشِّر بعضهم بعضًا بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أي: من بعدهم، يعني: يستبشرون بأن سيلحقهم أناسٌ شهداء يكونون في منازلهم.
стр. 1046
١٤ - أن هؤلاء الشهداء ليس عليهم خوفٌ ولا حزن، لا خوف يتعلق بالمستقبل، ولا حزن يتعلق بالماضي؛ أما كونهم لا خوف عليهم في المستقبل، فلأنهم قد أحلّهم الله الجنات، والجنة من يدخلها ينعم فلا يبأس، ويصح فلا يسقم، ويحيى فلا يموت، وفيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأهل الجنة في الآخرة هم أهل الجنة في الدنيا، ولهذا لا تجد أحدًا أنعم بالًا وأسرّ حالًا من المؤمن، إن أُعطي شكر، وإن ابتُلي صبر، وإن أذنب استغفر، ودائمًا مع الله في حكمه الكوني، وفي حكمه الشرعي، راضٍ بقضاء الله؛ ولذلك قال النبي ﷺ عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" (١). وقد ذكر بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] ذكروا أنه قال: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] مع أن الموتة الأولى قد انتهت؛ لأن نعيم أهل الجنة مستمر من الحياة الدنيا إلى دخول الجنة. وأما كونهم لا يحزنون على ما مضى -أعني الشهداء- فلأنهم استكملوا عملًا من أفضل الأعمال، وهو الجهاد في سبيل الله، الذي أدى بهم إلى الشهادة، فلا يحزنون على الماضي، فمن خرج من الدنيا شهيدًا فقد خرج أكمل خروج وهو في الطبقة الثانية من طبقات الذين أنعم الله عليهم.
стр. 1047
١٥ - استبشار الشهداء مرة ثانية بما أنعم الله عليهم من الفضل؛ لأن الاستبشار الأول فيما يكون لإخوانهم، والثاني فيما أنعم الله به عليهم، فهم لهم استبشارات متعدِّدة، حسب ما يجدون من النعيم.
١٦ - إسناد النعمة إلى مسديها، وهو الله ﷻ ، فهم لا يرون لأنفسهم فضلًا بل يرون المنَّة والفضلى لله عليهم، ولهذا قال: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾.
١٧ - عظم النعمة التي يُعطونها، ووجهه أن الله أضافها إليه، وإضافة العطاء إلى الله يدل على عظمته.
١٨ - أن كل مؤمن فلن يُضيع الله أجره؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أو على القراءة الثانية: (وإِنَّ)، فالله لا يُضيِّع أجر المؤمنين، كل إنسان يعمل وهو مؤمن فإن أجره لن يضيع.
١٩ - إثبات عدل الله ، وذلك بعدم إضاعته أجر المؤمنين، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
٢٠ - فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٣].
﴿الَّذِينَ﴾: يحتمل أن تكون بدلًا مما سبق، أو نعتًا،
стр. 1048
ويحتمل أن تكون مبتدأ، فعلى الثاني يكون خبرها جملة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾:
﴿اسْتَجَابُوا﴾ بمعنى أجابوا وانقادوا لله والرسول حينما دعاهم النبي ﵊ إلى الغزوة مرة أخرى بعد أحد، لما قيل: إن المشركين أرادوا الكرَّة على المسلمين لما علموا بالجراح التي أصابت المسلمين والوهن والضعف، وقفوا في حمراء الأسد، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد وأصحابه؟ فأمرهم النبي ﷺ أن يستعدوا للقتال فاستجابوا لله والرسول مع ما أصابهم من الجراح والتعب النفسي والتعب البدني، فقد جُرح النبي ﷺ وكُسرت رباعيته، وحصل ما حصل من الأمور التي قد لا نشعر بها الآن ونحن نصورها بأفكارنا، لكن لو كنا نشاهدها عين اليقين لكان الأمر فظيعًا جدًا، فهؤلاء الذين أصابهم القَرْح، وفي قراءة (القُرْح) هم الذين استجابوا لله وللرسول ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ بالاتباع (واتقوا) بترك المخالفة، فلهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي كثير واسع.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾:
هذه أيضًا بدل مما سبق، أو عطف بيان، أو صفة، وهي الأقرب، وذلك لأن البدل لا يراد به البدل والمبدل منه، وإنما يراد به البدل الثاني، بخلاف النعت فإنه يراد به المنعوت والنعت، ولهذا نقول هنا: إن البدل ضعيف؛ لأنه لو كان المراد
стр. 1049
البدل لسقط الوصف السابق كما قال ابن مالك في الألفية:
التابع المقصود بالحكم بلا ... واسطةٍ هو المسمى بدَلا
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾:
القائل: رجل جاء إلى النبي ﷺ وقال: إن أبا سفيان قد جمع لك يريد الكرَّة عليك.
﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ أي: احذروهم، اتقوهم، وما أشبه ذلك.
﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾:
وذلك أن المؤمن عند المصائب يزداد إيمانًا، ومن أمثلة ذلك أنه لما أحاط الأحزاب بالمدينة قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] فازدادوا إيمانًا، هنا أيضًا لمَّا قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ بالله واعتمادًا عليه وتوكُّلًا عليه.
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾:
﴿حَسْبُنَا﴾: يعني كافينا الله ﷻ ، وهذه الجملة ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ فيها مبتدأ وخبر، لكن الخبر فيها مقدم، والتقدير (الله حسبنا)، ويجوز أن يكون (حسبنا) مبتدأ، و (الله) خبر، لكن المعروف أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، وعلى هذا فيكون (حسبنا) خبر مقدم، و (الله) مبتدأ مؤخر.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: كافينا، ولو جمع لنا الناس فإننا لا نخشاهم إنما نخشى الله .
﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (نعم): فعل إنشاء يقصد به المدح، وفاعله لابد أن يكون مُحلَّى بـ (ال) أو مضاف إلى محلى بـ (ال) مثل ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، فهذه مضافة إلى محلى
стр. 1050
بـ (ال)، وهنا (نعم الوكيل)، الفاعل فيها محلَّى بـ (ال)، وهي تحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، والغالب أن المخصوص يكون محذوفًا، والتقدير في هذه الآية: (ونعم الوكيل هو).
و﴿الْوَكِيلُ﴾ ليس المراد به المتوكل عن غيره، ولكن المراد المدافع عن غيره؛ لأن الله لا يتوكل عن أحد، بل بيده الأمر كله، فيكون المراد بالوكيل هنا (المدافع).
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - بيان فضيلة الصحابة ﵃ وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، وقد بيَّنَّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أحد ندموا على ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد، ونسبي ذراريهم، ثم تركوا ذلك وعدلوا عنه إلى العام القادم.
٢ - أن أمر الرسول ﷺ أمر لله؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ومعلوم أنه لم ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، إنما الذي أمرهم الرسول ﷺ .
٣ - أن المصائب محك لمعرفة الرجال، وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أحد كانت محكًا للصحابة ﵃، لولا فضلهم وميزتهم عن الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم القرح.
٤ - أن هذا الذي عملوه من الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولم يقل: (لهم أجر عظيم) بل قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ ويحتمل أن يكون هذا القيد قيدًا تخصيصيًا، يعني
стр. 1051
الذين استجابوا لله والرسول منهم من أحسن واتقى، ومنهم من حصل منه بعض الخلاف، مثل الرماة الذين جعلهم النبي ﵊ على الجبل فإنهم عفا الله عنهم لم يحصل منهم إحسان كما ينبغي ولا تقوى كما ينبغي.
٥ - فضيلة الإحسان والتقوى؛ لقوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقد بيَّن الله تعالى شيئًا من أجر الإحسان والتقوى وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
٦ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لا شك أن التقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيمًا.
٧ - بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه ويزداد إيمانًا به؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، فالمؤمن كلما أصابته النكبات والمصائب ازداد إيمانًا بالله ومعرفة به.
٨ - جواز إرادة الخصوص بلفظ العموم، وأن هذا أسلوب لغوي لا يخرج به الإنسان عن قواعد اللغة العربية؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ والقائل واحد. ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ والجامع لهم بعضٌ من الناس.
٩ - أن المؤمن حقًا لا يهمه أن يجمع له أعداء الله؛ لقوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾.
стр. 1052
١٠ - أن الحسب هو الله وحده ولا أحد معه؛ لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل قالوا: حسبنا الله وحده، فالله وحده هو الحسب كما أنه وحده المتوكل عليه، وبهذا نعرف أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أن (مَنْ) في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوفة على الكاف في قوله "حسبك" وليست معطوفة على لفظ الجلالة ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، لأنها لو عطفت على لفظ الجلالة لكان المعنى أن الله حسبك ومن اتبعك من المؤمنين حسبك، وليس الأمر كذلك وإنما حسبه وحسب من اتبعه هو الله .
١١ - الثناء على الله لكونه وكيلًا لعباده أي حسيبًا لهم وعمدة لهم؛ لقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
١٢ - إثبات اسم ﴿الْوَكِيلُ﴾ لله لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو، وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أنه على كل شيء وكيل، (فالوكيل) من أسماء الله تعالى، ومعناه المتكفل بشؤون عباده، وليس معناه القائم بالأمر نيابة عنهم.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤].
قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أي: انقلب هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول وخرجوا بأمر النبي ﷺ لقتال هؤلاء الكفار الذين بلغهم عنهم أنهم مجمعون على الكرة على المسلمين ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ .. ﴾ فإنه لما خرجوا بلغوا ما بلغوا من الطريق؛ بلغوا حمراء
стр. 1053
الأسد وجدوا المشركين قد ذهبوا، صرفهم الله وقالوا: نرجع في العام القادم.
يقول الله : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾:
انقلبوا يعني عائدين إلى المدينة بعد أن وصلوا إلى حمراء الأسد.
﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ما هي هذه النعمة؛ النعمة أنهم سلموا من ملاقاة العدو ولم يحصل حرب؛ لأن العدو مضى في سبيله ولم يرجع.
وأما قوله: ﴿وَفَضْلٍ﴾ ففسرت بأن المراد به فضل الجهاد، وأن الله كتب لهم بهذا الخروج أجر غزوة كاملة، فسلموا من الحرب ونالوا ثواب المجاهدين.
وقوله: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لم يصبهم ما يسوؤهم لا من جهة عدوهم ولا من جهة أحوالهم، بل كانوا على أحسن ما يرام ذهابًا ورجوعًا.
وقوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان: (رُضوان) (رِضوان) بضم الراء وكسرها، ومعنى (اتبعوا رضوان الله) أي: اتبعوا ما يرضي الله وذلك بالاستجابة لله ورسوله، فإن الاستجابة لله ورسوله سبب رضاء الله ، أسأل الله أن يجعلنا ممن يرضى الله عنهم.
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿ذُو فَضْلٍ﴾: بمعنى صاحب فضل عظيم على العباد في الدنيا والآخرة، ومنه أن تفضل على هؤلاء بأن انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.
стр. 1054
من فوائد الآية الكريمة:
١ - فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول لما أصابهم من الثواب.
٢ - ومنها أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كتب له أجر كامل، ولهذا شواهد منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، ومنها قول النبي ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (١)، فالإنسان إذا سعى في العمل ولكنه لم يدركه فإنه يكتب له أجره كاملًا، حتى طالب العلم لو مات قبل أن يدرك ما يريد من العلم فإنه يكتب له ما نوى؛ لأنه شرع فيه وعمل ما يقدر عليه فينال الأجر.
٣ - إثبات الرضا لله؛ لقوله: ﴿رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ والرضا: صفة من صفات الله الحقيقية، وهي من الصفات الفعلية لماذا؟ لأن القاعدة عند السلف أن كل ما يتعلق بمشيئة الله من الصفات فهو صفة فعلية، والرضا يتعلق بمشيئة الله، كل صفة متعلقة بسبب فإنها بلا شك تتعلق بالمشيئة، فرضوان الله معلق بفعل ما يرضيه، وعلى هذا فتكون هذه الصفة متعلقة بمشيئته.
أما أهل التعطيل فإنهم يفسرون رضا الله بالثواب؛ لأن الثواب شيء منفصل بائن عن الله، وليس من صفاته مخلوق مفعول، أو يفسرونه بإرادة الثواب؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أما الرضا نفسه فإنهم لا يثبتونه، ولا شك أن هذا التفسير للرضا بإرادة الثواب
стр. 1055
أو بالثواب نفسه أنه تحريف للكلم عن مواضعه، ويا سبحان الله كيف يثبت الله لنفسه أنه رضي ونحن نقول: (لا) بل رضي يعني أثاب أو رضي يعني أراد أن يثيب، أنحن أعلم بالله من نفسه؟ ! .
إذن نحن نثبت الرضا لله حقيقة، وأنه صفة من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته، ولكن هل رضاه كرضانا؟ الجواب: (لا) لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فكما أن سمعا، وبصره وحياته وعلمه وقدرته لا تماثلها صفات المخلوقين، فكذلك هو لا يماثل المخلوقين، وكذلك الرضا والفرح والعجب وغيره.
٤ - إثبات اتصاف الله بالفضل العظيم في كميته، العظيم في كيفيته، أما في كميته فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وجعل جزاء الحسنة عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وأما في كيفيته فقد قال الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]:
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والحصر عند العلماء إثبات الحكم للمحصور فيه، ونفيه عما سواه، إذن فهو بمنزلة نفي وإثبات، وله طرق: منها ﴿إِنَّمَا﴾، ومنها تقديم ما حقُّه التأخير، ومنها النفي والإثبات مثل (لا قائم إلا زيد)، ومنها إذا كانت الجملة اسمية معرّفًا طرفاها، وهذا معروف في كتب البلاغة.