← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قوله: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ أي إن يُقدِّر لكم الخذلان، وهو عدم النصر ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ويمكن أيضًا أن نستدل على معنى الخذلان بقوله: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾، فـ (مَن): استفهام جاء بمعنى النفي؛ لأنه مُشْرَب بمعنى التَّحدِّي، يعني كأن الله يقول: نتحدَّاكم إذا أراد الله خذلانكم أن ينصركم أحدٌ من بعده، حتى لو اجتمعت قوى الأرض كلها على أن تنصركم، والله تعالى لم ينصركم فإنه لا يمكن أن تنتصروا، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده؟ الجواب: لا أحد. وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (على الله): جار ومجرور مقدَّم على عامله وهو (يتوكل)، وتقديم ما حقه التأخير يُفيد الحصر، أي على الله لا غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾، والفاء هنا قال النحويون: إنها زائدة لتحسين اللفظ، ولا يمكن أن تكون عاطفة؛ لأن الواو في قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ تُغني عنها، ولهذا لو قيل: (وعلى الله ليتوكل) صحَّ، فهي زائدة لتحسين اللفظ، ووجه كونها لتحسين اللفظ: أن اللفظ لو جاء (وعلى الله ليتوكل المؤمنون) لم يكن بذاك بلاغة، فإذا قيل: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ أي: فليعتمد، ولكن التوكل على الله ليس كالتوكل على الآدمي، التوكل على الله فيه إنابةٌ وخضوع وذل وتفويض واعتمادٌ تام على الله، بخلاف ما إذا توكل الإنسان على شخص وكيل له، فإنه لا شك يعتمد عليه فيما وكله فيه، لكن لا يجد من قلبه أنه مفوَّض تفويضًا تامًّا، فالتوكل على الله عبادة، فلهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ يعني وحده فليتوكل المؤمنون أي: المؤمنون به.

стр. 982

والإيمان بالله إذا أُطلق شمل جميع ما يجب الإيمان به من الأركان الستة التي بيَّنها الرسول ﷺ في قوله لجبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره" (١). من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان كمال قدرة الله ؛ لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾. ٢ - وجوب تعلّق القلب بالله وحده في طلب الانتصار؛ لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، إذن يُطلب النصر بناءً على هذه القاعدة من الله . ٣ - أن الله إذا قدَّر خذلان أحدٍ فلا ناصر له؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ٤ - أنه إذا آمن الإنسان بهذا فإنه لابد أن يفعل الأسباب التي يكون بها النصر، ومنها: الأول: الإخلاص لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. الإخلاص لله في العبادة.

стр. 983

ثانيًا: إقامة الصلاة. ثالثًا: إيتاء الزكاة. رابعًا: الأمر بالمعروف. خامسًا: النهي عن المنكر. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]. وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] يتبيَّن لك أن هذا النصر محقَّق؛ لأنه إِذا كان الله قويًا عزيزًا فكل من أمامه ضعيفٌ ذليل، ثم تأمل مرة أخرى قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] يتبيَّن لك أن القوى الظاهرة المادية مهما عظمت فإن عاقبتها بيد الله ، هو الذي يجعل العاقبة لمن يشاء والعاقبة للمتقين، وإذا أردت أن تعرف هذا من الناحية التاريخية فانظر ما جرى للأمة الإسلامية في أول عهدها، أسقطت الدول الكبرى العظمى، دولة الروم ودولة الفرس ودولة القبط في مصر، ملكوا مشارق الأرض ومغاربها، هذا من الناحية التاريخية، ومن الناحية الواقعية زلزلة واحدة في لحظات من رب العرش تدمر كل شيء، ولا يستطيع أحد أن يمنع هذه الزلزلة، فلهذا نقول: إن من ضعف الإيمان أن ينظر الإنسان إلى الأمر المادي، ولا ينظر إلى قدرة الله وقوته، إِذن لابد أن

стр. 984

نسلك أسباب النصر، ونحن إذا سلكنا أسباب النصر بإيمان ويقين تحقق لنا. ٥ - التحذير من فعل أسباب الخذلان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ومن أسباب الخذلان: تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم، فإن هذا من أسباب الخذلان، فالاعتماد يكون على الله ، لأن الله قال: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ٦ - وجوب التوكل على الله وحده؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وإفراده بالتوكل يؤخذ من تقديم المعمول على عامله؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وهذه قاعدة، حتى للمبتدأ والخبر، فلو قلت: لله ملك السموات والأرض يعني لا لغيره. ٧ - أن التوكل من مقتضيات الإيمان؛ لأنه علق الحكم على وصف، وهو الإيمان، فدلَّ ذلك على أنه كلما قوي الإيمان قوي التوكل على الله، وكلما ضعُف الإيمان ضعف التوكل على الله. فإن قال قائل: هل إفراد الله بالتوكل يُنافي فعل الأسباب؟ فالجواب: لا، بل فعل الأسباب من التوكل على الله؛ لأنك إذا توكَّلت على الله فمن مقتضيات التوكل عليه أن تفعل ما أمرك به. لو قال قائل: أنا سأدخل النار متوكلًا على الله، نقول: هذا غير صحيح، اللهمَّ إلَّا أن يقع ذلك على سبيل التحدي، فيمكن لهذا أن يكون آية من آيات الله، وينصر الله هذا الفاعل لنصرة دينه، ويكون هذا الذي حصل من دخوله في النار كرامة، ولهذا

стр. 985

ذُكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما ناظر رئيس البطائحية الذي جاء يُناظره في مسائل من أصول الدين قال له رئيس البطائحية: أنا أصوب منك؛ لأني أنا أستطيع أن أدخل في النار ولا يُصيبني منها شيء، فهل تستطيع أن تدخل في النار ولا يُصيبك شيء؟ قال شيخ الإسلام: نعم، أنا أستطيع بشرط أن أنزل أنا وإياك في هذا النهر، ونغتسل تمامًا ثم ندخل النار؛ وذلك لأن الرجل قد طلى جسمه بشيء يُضاد النار، فيريد أن يموِّه على الناس بدخول النار، وعلى كل حال أقول: إن فعل الأسباب لا يُنافي التوكل، ولهذا شواهد: نعلم علم اليقين أن نبينا محمدًا ﷺ سيد المتوكلين، ومع ذلك كان يتوقَّى الحرَّ، ويتوقَّى البرد، ويأكل لدفع الجوع، ويشرب لدفع الظمأ، وفي الغزوات كان يلبس الدرع يتوقَّى به السهام، وفي غزوة أحد لبس درعين، وفي غزوة الخندق لما أحاط الأعداء بالمدينة حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي ﵁، ولم يقل نتوكل على الله، والوقائع على هذا كثيرة تدل على أن فعل الأسباب لا يُنافي التوكل، ولكن يجب أن نلاحظ شرطًا مهمًا، وهو أن تكون الأسباب أسبابًا شرعية أو كونية، لا أسبابًا وهمية. أسباب شرعية يعني ثبت بالشرع أنها سبب، أو أسباب كونية أي ثَبت بالتجارب أنها سبب. أما السبب الوهمي كتعليق التمائم غير الشرعية والتطير وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز الاعتماد عليه.

стр. 986

• ثم قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]: القراءات: يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ فيها قراءة أخرى (لنبيءٍ) بالهمز (أن يَغُل) فيها قراءة (يُغَل)، والفرق بين القراءتين في (نبي) و (نبيء) أن قراءة (لنبيء) على وزن فعِيل من (النبأ) بالهمزة، وهل هو بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول، أو بمعناهما جميعًا؟ الجواب: يشملهما، فإن (النبيء) فَعِيل بمعنى فاعل، لأنه منبِّئ وفَعِيل بمعنى مفعول، لأنه مُنبأ. فالرسول ﷺ مُنبَّأ، مُنبِّئ. . أما على قراءة (لنبي) بالياء، فقيل: إنه مسهَّل وأن أصله (لنبيء) فسُهِّلت الهمزة إلى ياء، وقيل: بل هو مشتق من (النَبْوَة) وهي الارتفاع، وعلى هذا يكون (لنبي) أصله (لنبيو) لكن لعلَّةٍ تصريفية صارت الواو ياء، فالقاعدة فى هذا أن تُجعل الواو ياء، وذلك أنه إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسُبقت إحداهما بالسكون قُلبت الواو ياء، إذا قلنا: (لنبيو) فقد اجتمعت الواو والياء في كلمة وسُبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، فصار (لنبيٍ)، هل يمكن أن نقول على هذه القراءة: إنه مُشتق من الوجهين، من النبأ ومن النبوة؟ الجواب: يمكن ذلك بناءً على ما سبق من أن الكلمة فِي القرآن إذا احتملت معنيين لا يتنافيان تحمل عليهما جميعًا؛ لأن معاني القرآن واسعة. أما قوله: (أَنْ يَغُل) ففيها قراءة: (أن يُغَل)، والفرق بينهما ظاهر. (أَنْ يَغُل) مبنية للفاعل، و (أن يُغَل) مبنية للمفعول، أما على وجه (أن يَغُل) فالمعنى أن الله نفى أن النبي ﷺ يغل،

стр. 987

وغلول النبي يحتمل معنيين، غلول المال، وغلول العلم، فغلول العلم: كتمه، وغلول المال: إخفاؤه وأخذه، وكل هذا منتفٍ عن النبي شرعًا، ولم نعلم أنه واقع قَدَرًا، ولا يمكن أن يقع قدَرًا فيما نعلم، فالنبي لا يمكن أن يكتم ما أنزل الله إليه، ولا يمكن أن يسرق من مال المسلمين. أما على (أن يُغَل) فمعناه أن النبي يغُلُّه غيره، يعني ما كان لنبيٍّ أن يُغَل شرعًا، أما قدرًا فقد يُغَل كما وقع هذا في عهد النبي ﵊. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: الإعراب: قوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ إشكال، وهو أن ﴿يَأْتِ﴾، مجزوم لجواب الشرط، فلماذا صارت مكسورة، وجواب الشرط يكون مجزومًا؟ الجواب: أن الكسرة بقيت قبل الياء دليل على أن المحذوف ياء، إذن يأتي مجزوم على هذا الحال، جواب الشرط مجزوم بحذف الياء، والكسرة قبلها دليلٌ عليها. و﴿يَوْمَ﴾ مفعول فيه، أو منصوب على الظرفية، كلها واحد، متعلِّق بـ ﴿يَأْتِ﴾. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إذا جاء (ما كان) في القرآن فإن معناها نفي محقَّق مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ومثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] وقوله ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. والشواهد في هذا كثيرة. يعني أن هذا مُنْتفٍ قطعًا، ولا يمكن أن يكون.

стр. 988

﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ على هذه القراءة يقول الله: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يمكن أن يَغُلُّوا؛ لأن (نبي) نكرة و (ما) نافية، والنكرة في سياق النفي تُفيد العموم. فالله تعالى ينفي أن يَغُلَّ النبي شرعًا، وقَدَرًا أيضًا؛ لأننا لا نعلم أن الله قدَّر على نبيٍّ الغلول. أما على قراءة (أن يُغَل)، فإن الله تعالى ينفي شرعًا أن يُغَلَّ النبيُّ، يعني ما كان شرعًا أن يُغلَّ النبي، يعني أن النبي إذا كسب المال فإن ماله للمسلمين جميعًا، وإذا كان للمسلمين جميعًا فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يَغُلَّ منه شيئًا؛ لأنه لو غَلَّ منه شيئًا لكان هذا متعلِّقًا بجميع المسلمين، فإذا أخذت منه شيئًا فقد خُنت جميع المسلمين لاسيما المشتركون في هذه الغنيمة. ثم يقول الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾ هنا عموم، ولم يقل: من يغلُل من الأنبياء، لو فُرِض أن يَغُل. قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾ يعني من أتباع الأنبياء. ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يأت به يوم القيامة حاملًا له أمام الناس، في هذا الموقف العظيم الذي تشهده الخلائق كلُّها، كما قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٢، ٣]. وقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: هل يأتي بنفس الذي غلَّ أم يأتي بالعقاب المرتَّب عليه؟ نقول: إن ظاهر الآية يدل على أنه يأتي بنفس الذي غلَّ، إن كانت شاة أو بعيرًا أو أي شيء يغُلُّه يأتي به يوم القيامة، وكذا لو غلَّ ثيابًا أتى بها يوم القيامة، لكن هل يأتي بها مكتسيًا بها؟

стр. 989

الجواب: لا، بل يأتي بها حاملًا لها وهو عارٍ. البعير الذي غلَّه وركبه، يأتي به يوم القيامة حاملًا له تعذيبًا له. قال تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد أن يُبعث الناس يوم القيامة ويأتي كل إنسان بما غلَّ ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾. ﴿تُوَفَّى﴾: من التوفية، يُقال: وفَّاه حقّه أي أعطاه إياه. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يشمل حتى الرسل، والمُرسل إليهم ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. كلٌّ يُعطى ما كسب. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾، يحتمل أن يكون المراد بالعموم هنا كل من كان مكلَّفًا؛ لأن غير المكلَّف لا يُعاقب؛ لأنه مرفوع عنه القلم، وقد يُقال: إنه يشمل حتى غير المكلَّف؛ لأن التوفية لا يلزم منها عقوبة، فقد يوفَّى حقَّه بالأجر، ومعلوم أن غير المكلَّف يؤجر، ويُكتب له ولا يُكتب عليه. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ الجملة (حال) من قوله ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، ومعناها العموم. ﴿وَهُمْ﴾: أي الأنفس ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يُنقصون من الحسنات، ولا يُزَادون في السيئات؛ لأن الظلم في الأصل هو النقص، كما قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي لم تنقص، وهو يشمل -أي الظلم- شيئين: الأول: الزيادة في السيئات. والثاني: النقص من الحسنات.

стр. 990

وكلاهما ممتنعٌ في حقِّ الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وإنما انتفى الظلم عنه لكمال عدله، لا لعجزه عن الظلم، هو قادرٌ على أن يظلم ولكنه لكمال عدله لا يظلم، ولدينا قاعدة في العقيدة وهي: أن جميع الصفات التي نفاها الله عن نفسه لا يُراد بها مجرد النفي، وإنما يُراد بها إثبات كمال الضد. فمثلًا: الظلم ضده العدل، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم، فالمراد بذلك أنه لكمال عدله لا يظلم، وإنما قلنا ذلك لأن النفي المحض لا يوجد في صفات الله أبدًا، إذ إن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا. وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] يعني من تعب، فالمراد به إثبات القوة يعني: وما مسَّنا من لغوب لكمال قوَّتنا، وهلُمَّ جرّا. قال العلماء: النفي قد يكون للعجز عن الشيء، وقد يكون لعدم قابلية الشيء، فإذا قلت: (إن جدارنا لا يظلم) هذا لعدم القابلية؛ لأن الجدار لا يقبل الظلم، ولا العدل. وإذا قلنا عن رجل ضعيف يضربه الناس ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه، نقول: (هذا الرجل لا يظلم) هذا ذم، ولهذا يقول الشاعر في ذم قبيلة: قُبَيِّلةٌ لا يغدرون بذمَّةٍ ... ولا يظلمون الناس حبة خردلِ الذي يقرأ البيت هذا يقول: هؤلاء الناس جيِّدون، لا يغدرون بذمة، أي يوفون بالعهد، ولا يظلمون الناس حبة خردل،

стр. 991

يعني أنهم عاجزون لا يقدرون أن يغدروا بالذمم؛ لأنهم يخافون أن يُعاقبوا، ولا يظلمون الناس؛ لأنهم لا يستطيعون أن يظلموا الناس، ومن ذلك قول الشاعر: لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍ ... ليسوا من الشر في شيءٍ وإن هانا يعني هم بعيدون عن الشر وإن كان هيِّنًا. يجيزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا عندما يسمع السامع هذا البيت يظن أنهم في قمة الأخلاق العالية، ولكنه العكس، ولذلك قال: فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنُّوا الإغارة فرسانًا وركبانا (فليت لي بهم): أي ليت لي بدلهم. إذن فهمنا الآن أن الكلام الأول ذم، أما صفات الله إذا وجدت فيها النفي فهي مدح، فإذا وجدت نفي الظلم فلكمال العدل، وإذا وجدت نفي اللغوب فلكمال القوة، وإذا وجدت نفي العِي ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، فلكمال القوة أيضًا، وإذا وَجدت نفي الغفلة ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] فلكمال العلم والمراقبة، وهكذا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز في حقِّهم كتمان ما أنزل الله عليهم؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. ٢ - أنه لا يجوز لأتباع النبي الغلول ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إذن فأتباعه ليس لهم أن يَغُلُّوا، ولهذا كان الغلول من كبائر الذنوب، حتى إن العلماء يقولون: إن الغالَّ يُحرَّق رحله، إلا المصحف وما فيه روح والسلاح، وتحريق الرحل من أجل التنكيل

стр. 992

به وإلا فمن الممكن أن يقول القائل: لماذا تحرقون رحله؟ لماذا لا تضعونه في بيت المال ينتفع المسلمون منه؟ لكن نقول: إن إحراقه خيرٌ من إدخاله لبيت المال، لأجل التنكيل به ليكون ردعًا له ولغيره أن يعود إلى الغلول. ٣ - أن الأنبياء لا يُغلُّون شرعًا، وأن النبي لا يَحل لأحد أن يَغُلَّهُ، أن يَغُل من الغنيمة التي اكتسبها بِحَربِه. ٤ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا على سبيل العقوبة، ولهذا نعرف ضعف قول من قال من السلف: (غُلّ المصحف لتأتي به يوم القيامة). هذا خطأ؛ لأنه يأتي به يوم القيامة على سبيل العقوبة لا على سبيل الثواب، وربما يأتي به يوم القيامة لا على الوجه الذي غله في الدنيا. ٥ - إثبات البعث؛ لقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ٦ - إثبات قدرة الله ، وأنه قادر على أن يأتي الإنسان بما غلّ مع أنه قد فني وزال، وإن كان طعامًا قد أكل، ولكن الله على كل شيء قدير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. ٧ - جزاء كل نفس بما كسبت؛ لقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ لا زيادة ولا نقص، واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إهداء ثواب القرب لا يجدي شيئًا؛ لأنه ليس من كسب المهْدَى إليه، مثاله رجل صلى ركعتين ينويهما لفلان أو فلانة، وأن ثوابه إما أن يضيع وإما أن يكون للعامل، وذلك لأن المهدي للقرب ليس له ثواب إلا الإحسان إلى الغير فقط، أما ثواب العمل المخصوص المرتب عليه، فإنه إن قيل بصحة إهداء القُرَب

стр. 993

يكون للمُهدى له، وإن قلنا بعدم صحته فإنه يذهب هدرًا؛ لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١). وعلى هذا فيقولون: إن ما جاءت به السنة من العمل للغير مستثنى من هذا العموم مثل قوله ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٢)، وكذلك الحج وكذلك في الصدقة، كلها جاءت بها السنة، ولكن الإمام أحمد ﵀ يرى التعميم، أي: يرى أن الإنسان إذا عمل عملًا ونواه لشخص وهو أهل لأن يثاب، والأهل لأن يثاب هو (المسلم) فإنه يصل إليه الثواب، واستدل بعموم قول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". والحقيقة أنك إذا تأملت الأدلة وجدت أن بعضها بينه وبين الأدلة الأخرى عموم وخصوص من وجه، فبعضها عام في أنه لا ينفع النفس إلا ما كسبت، وبعضها عام في أن الإنسان له ما نوى، والقاعدة فيما إذا تعارض نصَّان عامان أحدهما أعم من الآخر من وجه فإنه يطلب المرجح؛ لأنه لا يمكن أن ترجح عموم أحدهما على الثاني، فهنا سؤال: هل لعموم قوله: "إنما الأعمال بالنيات" ما يرجحه؟ نقول: نعم، ورد أن الصدقة تجزئ عن الميت، وأن الحج يجزئ عن الميت، وأن الصيام يجزئ عن الميت، إذن فَعُموم قوله: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ خصص بمقتضى السنة، والعام إذا خصص ضعفت دلالته على العموم، حتى إن بعض العلماء قال: إن العام إذا خصص سقطت دلالته على العموم؛ لأن تخصيصه يدل على أنه

стр. 994

لا يراد به العام، لكن الصحيح أن العام إذا خصص بقي على عمومه في غير ما خصص به، فالصحيح في هذه المسألة أننا نرجح عموم قوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، لكن بشرط أن يكون المنوي له العمل مسلمًا أهلًا لذلك، لو أن شخصًا تصدق عن أبيه الذي مات وهو لا يصلي فإن الصدقة لا تصح لأبيه، وهل يشمل قولنا على الراجح أن جميع القرب يصح إهداؤها لمن هو أهل لذلك العمل؟ وهل يشمل النبي ﷺ ؟ بمعنى: هل الإنسان إذا أراد أن يهدي للرسول ﷺ قربة من الصلوات أو غيرها يقول: اللهم إن صلاتي هذه التي سأصليها ثوابها للرسول، أو هذه الدراهم التي أتصدق بها ثوابها للرسول ﷺ ؟ نقول: إن هذا فعله بعض العلماء ولكن لم يفعله السلف الصالح، فالصحابة ما أهدوا للرسول ﷺ شيئًا من القرب، وكذلك التابعون وتابعوهم، وقد ذكر أن أول ما حدث هذا الأمر في القرن الرابع أي بعد القرون المفضلة، وذلك لأن القرون المفضلة أعمق علمًا ممن بعدهم، يقول أهل القرون الأولى: إننا إذا عملنا أي عمل صالح فإن للنبي ﷺ مثل ثوابنا، وإذا كان كذلك فلا حاجة أن أقول: اللهم اجعل ثوابه للرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ قد استحق الثواب فلا فائدة من ذلك إلا أني حرمت نفسي الأجر. ٨ - إثبات نفي الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ويتفرع على هذا -بناء على القاعدة التي ذكرناها في الصفات- إثبات كمال عدله .

стр. 995

• ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢]. الهمزة هنا للاستفهام ويليها حرف عطف، وقد ذكرنا فيما سبق أنه إذا جاءت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف فإن لعلماء النحو في ذلك رأيين: الرأي الأول: أن الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام، والفاء عاطفة على تلك الجملة. الرأي الثاني: أن الهمزة داخلة على الجملة الموجودة ولم يحذف شيء، ولكنها مقدمة عن موضعها؛ لأن لها الصدارة، وأن الفاء في مثل قوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ محلها في الأصل قبل الهمزة، والتعديل "فأمن اتبع" ولكن لما كان الاستفهام له الصدارة قُدِّمت على حرف العطف، وهذا الرأي أسهل، ووجه سهولته أنه لا يحتاج إلى تكلف تقدير المحذوف؛ لأنه أحيانًا يصعب عليك أن تقدِّر المحذوف، وربما تقدِّر محذوفًا ويُقدِّر غيرك غيره. إذن نعتمد أن الهمزة للاستفهام، وأن الفاء عاطفة على ما قبلها. ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ﴾: (مَن) هنا اسم استفهام أو اسم موصول، التقدير (أفالذي اتَّبع). إذن هي اسم موصول لئلا نجعل أداة الاستفهام داخلة على اسم استفهام أو على جملة استفهامية. ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ أي يتبع ما يُرضي الله ، فكل ما يُرضي الله يقوم به. ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: كالذي باء أي رجع بسخطٍ من الله، والسخط ضد الرضوان، فمن هو الذي يتعرَّض للرضوان؟ ومن هو الذي يتعرض للسخط؟

стр. 996

المطيع يتعرض للرضوان، والعاصي يتعرض للسخط. ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾: الواو يحتمل أن تكون للاستئناف، ويكون المراد بها الإخبار عن مآل هذا الذي باء بسخطٍ من الله، ويُحتمل أن تكون عاطفةً على جملة صلة الموصول، وهي (باء). أي: كمن باء كمن مأواه جهنم. ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾: أي مرجعه، يأوي إليه إيواءً لا مغادرة بعده، وجهنم اسمٌ من أسماء النار -أعاذنا الله منها- وسُمِّيت بهذا الاسم المشتق من الجُهْمَة، وهي تتضمَّن السواد واللّبس؛ لأن جهنم سوداء عميقة بعيدة العمق، وقيل: إن جهنم لفظ معرَّب من (كهنَّام) فارسية ثم عرِّبت إلى (جهنم). وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿بِئْسَ﴾ جملة إنشائية لإفادة الذم، و (نِعم) جملة إنشائية لإفادة المدح، و (بئس) و (نِعم) يحتاجان إلى شيئين: إلى فاعل ومخصوص. كلما جاءت (نِعم) أو (بئس) فإنهما تحتاجان إلى فاعل ومخصوص. فهنا ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿الْمَصِيرُ﴾ فاعل، والمخصوص محذوفٌ تقديره (وبئس المصير هي) أي: جهنم، أو (وبئس المصير مصيره) فيجوز الوجهان. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان أنه لا يستوي من يتبع رضوان الله، ومن يبوء بسخطه؛ لقوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ والاستفهام للنفي.

стр. 997

٢ - إثبات أن الرضا صفة من صفات الله؛ لقوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾، ومن قاعدة أهل السنة والجماعة (أن كل وصفٍ وصف الله به نفسه فإنه يجب علينا أن نؤمن به ونصف الله به) فنقول: إن لله رضوانًا وأنه يرضى، والرضا صفة فعلٍ؛ لأن الرضا له سبب، وكل صفة من صفات الله لها سبب فإنها من الصفات الفعلية. وأنكر بعض الناس الصفات الفعلية لله متعللين بعلتين: العلة الأولى: أن صفات الأفعال حادثة، والحوادث لا تقوم إلا بحادث؛ لأن حدوث الصفة يدل على حدوث الموصوف، فالحوادث لا تقوم إلا بحادث. العلة الثانية: قالوا: إن كانت هذه الصفة كمالًا لزم أن يكون متَّصفا بها دوامًا، وإن كانت نقصا لزم أن لا يتَّصف بها دوامًا؛ لأن النقص لا يمكن أن يتصف الله به. فنقول: إن قولكم إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث غير صحيح؛ لأن الحوادث فعل الفاعل، والفعل عقلًا يتأخر عن الفاعل بلا شك؛ لأن الفعل يكون بإرادة الفاعل وقدرته، وهو متأخر عن وجوده، فالفاعل سابق للمفعول وسابق للفعل أيضًا، فكيف نقول: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ الثاني: قولكم: أنها إن كانت هذه الصفة كمالًا وجب أن يتصف بها دوامًا، وإن كانت نقصًا لزم ألا يتصف بها دوامًا. الجواب عنه: هي كمالٌ حال فعلها ولا شك، وحال عدمها ليست كمالًا، والكمال في عدمها. خذ الرضا مثالًا: الرضا على من يستحق الرضا كمال، ولا يستحق الرضا إلا بعد فعل ما يوجبه، والرضا عمن لا يستحق

стр. 998

نقص يُنافي الحكمة، فإذا اتصف بالرضا فإنه يتصف بها في الحال التي يكون بها كمالًا. والرضا يُفسِّره الذين يقتصرون على إثبات سبع صفات بأنه الثواب أو إرادة الثواب، والصحيح أن الرضا صفة حقيقية ثابتة لله ، وليست هي الثواب؛ لأن الإثابة خَلْقُ ما يُثَابُ به غير الرضا، وهي -أي الإثابة- من مقتضيات الرضا وآثاره، وليست هي الرضا بلا شك. وعليه فلا يصح أن نُفسر الملزوم باللازم؛ لأنهما شيئان متباينان، فحينئذٍ يتبيَّن أن الصواب ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة -جعلنا الله منهم-. ٣ - إثبات السخط لله؛ لقوله: ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾، والسخط والغضب معناهما متقارب، وأهل السنة يقولون: إن السخط صفة حقيقية ثابتة لله ، وأهل البدع يقولون: لا يمكن أن يسخط الله ، بل المراد بالسخط الانتقام أو إرادة الانتقام. فيقولون: إن سخطه ليس وصفًا في نفسه، بل معناه انتقم وعاقب المسخوط عليه أو أراد أن ينتقم منه، وهذا بناءً على أن صفات الأفعال لا تقوم بالله، والتعليل هو ما سبق، ونحن نقول: إن الانتقام من آثار السخط، وإرادة الانتقام أيضًا من آثار السخط، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]. ﴿آسَفُونَا﴾ بمعنى أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، فجعل الانتقام بعد وجود الغضب، وهذا يدل على أن هذا ليس هو هذا. ٤ - التحذير من التعرض لسخط الله؛ لقوله: ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾.

стр. 999

٥ - إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ وهي ثابتة الآن وموجودة، ولا تفنى أبدًا؛ لأن الله ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من كلامه: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، فقال في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وقال في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وقال في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ولا قول بعد قول الله ؛ لأن قوله أصدق الكلام وأبين الكلام، وهو الخالق . ٦ - ذم النار والثناء عليها بالقدح؛ لقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ٧ - التنبه لأمرٍ يتكلم فيه الناس كثيرًا الآن، يقولون: إذا مات الرجل فإنه يرجع إلى مثواه الأخير، وهذا لو أخذنا بظاهره، لكان يتضمَّن إنكار البعث، مع أن القبر ليس المثوى الأخير، وإنما المثوى الأخير الآخرة، الجنة أو النار، والقبر مزار. سمع أعرابي رجلًا يقرأ قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١، ٢] فقال: والله إن الزائر ليس بمقيم، فَهِمَ هذا من قوله: ﴿زُرْتُمُ﴾ وهذا مفهوم فهمًا فطريًّا لا يحتاج إلى دراسة، وهذا كالذي سمع قارئًا يقرأ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ والله غفور رحيم). قال الأعرابي: اقرأ الآية صوابًا، فقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ والله غفور رحيم). قال: اقرأها صوابًا ما هكذا، فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا

стр. 1000

جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. قال: الَان عزَّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، ولهذا قال في الذين يُحاربون الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤]. قال العلماء: في هذا دليل على أنهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم خُلِّي سبيلهم، يعني: أن الله قد غفر لهم ورحمهم، فمن أين أخذ أن الله قد غفر لهم ورحمهم؟ الجواب: من ختم الآية: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ لأن مقتضى علمنا بهذا أن نفهم أن الله قد غفر لهم ورحمهم. * * * • ثم قال الله : ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣]. قوله: ﴿هُمْ﴾ يعود الضمير على من اتبع رضوان الله وعلى من باء بسخط من الله، ولكن هنا يشكل علينا أنه أعاد الضمير بصيغة الجمع (هم) مع أن (مَن) وصِلَتها بصيغة الإفراد (أفمن اتَّبع ... كمن باء). والجواب عن ذلك: أن الاسم الموصول يُفيد العموم، فيجوز أن يعود الضمير إليه باعتبار لفظه، ويجوز أن يعود عليه باعتبار معناه، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]؟ لم يقل: (هو

стр. 1001

المتَّقي) بل قال: (هم المتَّقون)، فأعاد الضمير على معنى اسم الموصول وهو الجمع. قال: ﴿هُمْ﴾ أي: الذيني اتَّبعوا رضوان الله، والذين باءوا بسخط من الله ﴿دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: منازل عند الله، يختلفون، فكل من كان أتبعَ لرضا الله كان أرفع عند الله، وكل من كان أبعد من الله كان أنزل، فالمراد أنهم درجات عند الله، أي في المراتب، وميزان هذه الدرجات أن كل من كان أتبع لرضا الله كان أرفع درجات عند الله، والعكس بالعكس. والدرجات إذا جاءت عامة دخل فيها المؤمن وغير المؤمن كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] أما إذا خُصت بأهل النار فإنه يقال: دركات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿بَصِير﴾: اسم فاعل، يجوز أن يكون من الإبصار بالعين، ويجوز أن يكون من الإبصار بالعلم، فيكون ﴿بَصِير﴾ بمعنى: عليم، أو ﴿بَصِير﴾ بمعنى: راءٍ. وهل لله بصرٌ؟ . الجواب: نعم، قال النبي ﷺ : "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١). وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي يعملونه من ظاهر وباطن، وخير وشر. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الناس عند الله منازل مختلفة، ويتفرَّع على هذه الفائدة:

стр. 1002

أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن زيادة الدرجات بعد زيادة الإيمان باليقين والعمل الصالح، وهل هي زيادة اليقين أم زيادة الأقوال أم زيادة الأفعال أم الجميع؟ الجواب: الجميع، فاليقين يتفاضل، والأقوال تتفاضل، ليس من قال: لا إله إلا الله عشرًا كمن قالها عشرين مثلًا، والأفعال كذلك تتفاضل، ليس من صلى ستَّ ركعات كمن صلى عشر ركعات، وهذا ما جرى عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد باليقين والقول والفعل، كيف يزيد باليقين؟ هل اليقين يتفاضل؟ الجواب: نعم يتفاضل بنص القرآن. قال إبراهيم ﵊ لربه : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] هذا دليل من القرآن، والدليل من الواقع هو أن الإنسان كلما كثر المُخبرون بالخبر ازداد يقينًا، وإذا شاهد ازداد أكثر، ولهذا جاء في الحديث: "ليس الخبر كالمعاينة" (١). أما زيادة الأقوال والأفعال فهذا شيءٌ واضح ولا إشكال فيه. ٢ - إثبات العلو لله ؛ لقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ والعندية تعني: عندية المكان، وإذا كانوا درجات فالدرجات ترتفع شيئًا فشيئًا، فيؤخذ منها إثبات علو الله، فهذا أمر متفق عليه، ومجمع عليه بين السلف، وقد دلَّت عليه الأدلة الخمسة كلها: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، يعني علو الله دلَّت عليه هذه الأدلة الخمسة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. الكتاب والسنة مملوءان من ذلك، والإجماع، يقول شيخ الإسلام: والله يعلم أني بعد البحث التام، ومطالعة ما أمكن من

стр. 1003

كلام السلف ما رأيت أحدًا منهم قال: إن الله ليس في السماء. وأما العقل فقد دل على علو الله. كيف دلَّ؟ لا شك أن العلو (علو المكان) كعلو المكانة، أي أنه كمال، وإذا كان كذلك فلله كل صفة كمال. أما الفطرة فإن كل إنسان لم يقرأ كتب أهل البدع يتجه قلبه إذا ذُكر الله إلى العلو، ولهذا يُقال: إن أبا المعالي الجويني كان يُقرر في العلو ويقول: إن الله تعالى كان ولم يكن شيءٌ قبله، وهو الآن على ما كان عليه. وهذا الكلام قد لا يفهمه الإنسان، لكنه يُريد أن يُنكر استواء الله على العرش، فقال له الهمذاني ﵀: يا شيخ دعني من ذكر العرش، أخبرنا عن هذه الضرورة التي يجدها الإنسان، فما قال عارف قط (يا الله) إلا وجد من قلبه ضرورة طلب العلو؟ . فجعل يضرب على رأسه، ويقول: حيَّرني الهمذاني، حيَّرني الهمذاني. فلم يجد له جوابًا. إذن نقول: علو الله ثابت بالأدلة الخمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وابن القيم ﵀ يكرِّر هذا المعنى في النونية كثيرًا؛ لأنه من أعلى صفات الكمال. ٣ - إثبات إحاطة الله بما نعمل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، ويترتب على هذا، الأدب السلوكي، وهو أن نحذر من مخالفته، لأننا إذا كنا نعلم أنه بصير بما نعمل، فسوف نتجنَّب كل ما يُسخطه جل وعلا، ونأتي بكل ما يُرضيه، لاسيما وأن الآية جاءت بعد قوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢].

стр. 1004

• ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. لقد ذكرنا فيما سبق ضوابط عامة في القراءات وهي: أولًا: ضمير (هُوَ) و (هِي) الأول بضم الهاء، والثاني بكسر الهاء عند جمهور القراء مطلقًا، وسكَّن الهاء فيهما الكسائي وقالون وأبو عمرو بعد الواو والفاء واللام مثل: (وهْو، وهْي، فهْو، فهْي، لَهْي، لَهْو). فإذا جاءت في القرآن فلك أن تُسكِّنها أو تضُمها، وسكّنها الكسائي وقالون في قوله: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] في هذا الموضع فقط، لأنها وقعت بعد (ثم). ثانيًا: ضمير (عليهِم، إليهِم، ولديهِم) مكسور الهاء، وقرأه حمزة بضم الهاء في كل القرآن (غير المغضوب عليهُم، إليهُم، لديهُم). ثالثًا: ميم الجمع في مثل (عليهم) ساكنة إذا وقع بعدها متحرِّك غير ضمير، وضَمَّها موصولًا ابن كثير، فيقرأ (عليهِمُو)، وضمَّه موصولًا ورش إن وقع بعد همزة قطع، فيقرأ "عَلَيْهِمُو أأنذرتهم". وإن وقع بعده ساكن فهو مضموم بدون وصل عند جميع القراء، مثل: (آتيناهمُ الكتاب) وإن وقع بعد ضمير ضُم موصولًا للجميع مثل: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا)، فلا يصح أن تقول: أنلزمكمُهَا، لابد من الواو. ويستثنى من ذلك ميم الجمع إذا وقعت بعد (هاء) قبلها كسر أو ياء وبعده ساكن؛ ففيه في حال الوصل ثلاث قراءات: ضم الهاء والميم وهي لحمزة والكسائي، وكسرهما وهي لأبي عمرو،

стр. 1005

وكسر الهاء وضم الميم وهي للباقين، وأما حال الوقف فكلهم كسر الهاء وسكَّنوا الميم مثل: ﴿بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]. ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]. رابعًا: إذا لم يقع بعد هاء الضمير ساكن، وكان قبله متحرك فهو موصول عند جميع القراء، مثل: ﴿أَمَاتَهُ﴾ [عبس: ٢١]، وإن وِقع بعده ساكن، فهو غير موصول عند الجميع مثل: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وإن كان ما قبله ساكن فهو موصول عند ابن كثير وحده مثل: (اجتباه - عقلوه - عليْهِ) ووافقه حفص في آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩]. قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: (لقد): كلما وجدت في القرآن (لقد) فإنها جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم المقدر، واللام، وقد. وتقدير الكلام: (والله لقد منَّ الله على المؤمنين). فإن قال قائل: القسم إنما يُقال للشاك أو المنكر، فلماذا أقسم الله في هذه الآية على أنه مانٌّ على المؤمنين ببعث محمد ﷺ ، مع كون الأمر ظاهرًا، ولم يقل: لقد منَّ الله على الناس، بل قال على المؤمنين الذين يعرفون أن ذلك منَّة؟ . فالجواب: أن الداعي للقسم ليس هو الإنكار أو الشك من المخاطب، بل قد يكون الداعي للقسم أهميَّة المُقسم عليه، وإن لم يكن هناك شك، وهذه الآية من هذا النوع؛ فالمقصود بذلك بيان أهمية هذه المنَّة العظيمة التي لا يُعادلها شيء.

стр. 1006

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] فأكَّد مع أن الموت محقَّق، ولكن يُقال لمَّا كان بعض الناس غافلًا كأنه لن يموت، أُكِّد. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: على المؤمنين خاصة دون غيرهم؛ لأن الكفار لم يعرفوا هذه المنَّة ولم يرفعوا بها رأسًا، ولم يروا في مخالفتها بأسًا، فتركوها وأعرضوا عنها، وحُرموا خيرها، أما المؤمنون فهم الذين تبيَّنت لهم هذه المنَّة واستمسكوا بها. وقوله: ﴿إِذْ بَعَثَ﴾ هذه إما أن تكون ظرفًا لـ (مَنَّ)، وإما أن تكون للتعليل، أي: لأنه بعث، وكلاهما لا يتنافيان، فهي بيان لمحل المنَّة، وهي البعثة، وهي كذلك تعليل للمنَّة. وقوله: (بعث) أصل البعث الإنشاء، وسُمِّيت الرسالة بعثًا؛ لأنها إخراج للناس من حالٍ إلى حال، فكأنهم بُعثوا خلقًا جديدًا، وأُنشئوا خلقًا جديدًا. وقوله: ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾: (في): للظرفية؛ لأن النبي ﷺ بُعِث في (سِطَة) المؤمنين، وكان هو ﵊ أشرف من بُعث فيهم نسبًا. وقوله: ﴿رَسُولًا﴾ أي: مُرسلًا من عند الله. وقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: من جنسهم، وفي سورة الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ١، ٢] لأن النبي ﷺ من الأميين، وأما عامة الناس فليس منهم، ولكن من أنفسهم، أي من جنسهم كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ

стр. 1007

لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]. ومعنى "من أنفسهم" أي: من جنسهم، ولا شك أن كونه من جنسنا أتم في النعمة؛ لأنه لو كان من الملائكة ما أَلِفَه الناس، ولا ركنوا إليه، وربما لا يقبلون منه، فإذا كان من جنسهم يأكل كما يأكلون، ويشرب كما يشربون، وينام كما ينامون، ويكون معهم في أسواقهم وفي بيوتهم، كان ذلك أبلغ في المنَّة. وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: جملة (يتلو) صفة ثانية لـ (رسولا) أي: رسولًا من أنفسهم تاليًا عليهم آياته. والتلاوة هنا تشمل التلاوة لفظًا، والتلاوة معنى، والتلاوة حكمًا؛ فالتلاوة لفظًا: أن يقرأ الكتاب بينهم، والتلاوة معنًى أن يُعلِّمهم معانيه، والتلاوة حكمًا أن يعمل بأحكامه ﵊. ولا شك أن هذه الثلاثة كلها تحتملها كلمة (يتلو)؛ فهو ﵊ يتلوه لفظًا ويتلوه معنًى. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ويتلوه عليهم كذلك حكمًا. قالت عائشة: (كان النبي ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، يتأول القرآن) (١) يعني: يطبقه. ﴿آيَاتِهِ﴾ هل هي الآيات الكونية أو الشرعية؟ الظاهر المراد آياته الشرعية، وهي الوحي الذي أنزله على رسوله ﷺ . ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يُطهِّرهم حسًّا ومعنى. أما الطهارة حسًّا

стр. 1008

فقد أمرهم بالوضوء عند الصلاة، وأمرهم بالغسل من الجنابة، وأمرهم بإزالة النجاسة، بل حثَّ على النظافة عمومًا. وأما التزكية معنى فهي أنه طهّر قلوبهم من الشرك والشك والنفاق وسوء الأخلاق، وهذّب أخلاقهم ﵊، حتى زكت نفوسهم وأخلاقهم. وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: ليست تكرارًا مع قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ لأن الأول تلاوة والثاني تعليم، والتعليم أخص من التلاوة؛ لأن الإنسان إذا تلا عندك القرآن لا يُعد معلمًا لك يُعلمك. إنما يكون معلمًا إذا أقرأك إياه ولقنك إياه. فالنبي ﵊ كان يُعلمهم الكتاب، والتعليم هنا شامل لتعليم اللفظ، وتعليم المعنى، وتعليم الحكم، أي العمل به. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، وسُمِّي كتابًا لأنه مكتوب، فهو فِعَالٌ بمعنى مفعول، وقد تكرَّر علينا كثيرًا أن فِعَال تأتي بمعنى مفعول، ومن أمثلته: فِراش بمعنى مفروش، وغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني؛ فالقرآن كتاب، يعني: مكتوب؛ كُتب في اللوح المحفوظ، وفي الكتب التي بأيدي السفرة، والكتب التي بأيدينا. قال بعض أهل العلم: إن المراد بالكتاب هنا الكتابة؛ لأن العرب كانوا أميين، فلما نزل هذا الكتاب العظيم تعلموا الكتاب؛ فصاروا يكتبونه للرسول ﷺ ثم صاروا يكتبون بعض الأحاديث، ثم انتشرت الكتابة فيهم.

стр. 1009

ومعلوم أن من جملة الفداء الذي أُخذ من أسرى بدر أن يُعلِّموا صبيان أهل المدينة القراءة والكتابة. وأيَّد هذا القائل قولَه بأن تعليمهم الكتاب مستفاد من قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ ولكن في هذا نظر؛ وإن كنا لا نمنع أن يكون المراد بالكتاب هنا الكتابة والقرآن جميعًا؛ لأن القاعدة عندنا في التفسير: أنه متى احتملت الكلمة معنيين فأكثر، ولا منافاة بينهما، فإن الواجب حملُها عليهما؛ لأن كتاب الله واسع المعنى. فعلى هذا يكون المراد بالكتاب: القرآن والكتابة. وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ قال بعض العلماء: أي السنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]. وقيل: المراد بالحكمة أنه علّمهم كيف يضعون الأشياء مواضعها؛ لأن الشريعة الإسلامية تُعلّم الإنسان كيف يضع الشيء في موضعه. وأيضًا علَّمهم الحكمة التي هي أسرار التشريع؛ لأن الشرع كما نعلم أحكام وحِكَم، فالأحكام ظاهرة. والحِكَم هي الأسرار والمعاني التي تُناط بها هذه الأحكام، والإنسان إذا عرف هذه الحكم والأسرار، تبين له أن الشريعة ليست لهوًا ولا لعبًا، وأن الشريعة ذات معانٍ سامية، لا يدركها إلا من فتح الله عليه. ويمكن أن نقول: إن الحكمة تشمل هذا وهذا؛ أي علَّمهم السنة التي يطلق عليها الحكمة، وعلَّمهم وضع الأشياء مواضعَها، وأسرار الشريعة وحِكَمها ليزدادوا بصيرة في دين الله. قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: "إِنْ" تأتي في اللغة العربية لعدة معانٍ، والسياق هو الذي

стр. 1010

يعين المعنى. فتأتي (إِنْ) شرطية، ومثالها ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وتأتي (إِنْ) نافية؛ وعلامة "إِن" النافية أن تأتي بعدها (إِلَّا) ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ [يوسف: ٣١]، وتأتي مخففة من الثقيلة ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ هذه (إن) المُخففة من الثقيلة، وأصلها (وإنهم كانوا من قبل) وعلامة (إن) المخففة من الثقيلة: أن تأتي اللام في خبرها؛ فإذا أتت بعدها اللام فهي المخففة من الثقيلة، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي﴾. قال ابن مالك: وخففت (إن) فقل العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل وتأتي (إِنْ) زائدة: بنو غدانة ما إن أنتم ذهب ... . . . . . أي: (ما أنتم ذهب). والتي في الآية الكريمة ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (إن) المخففة من الثقيلة وعلامتها أن تأتي اللام في خبرها أو في اسمها إن تأخر، بمعنى أن تأتي بعدها اللام، وأين اسمها؟ قيل: إنه محذوف مقدر باسم ظاهر، والتقدير: (وإن الشأن كانوا من قبل في ضلال مبين). وقال بعضهم: بل هو محذوف مقدر بضمير مناسب. وهذا هو الصحيح؛ فإذا كان الخبر جمعًا كان الضمير المقدر جمعًا. وعلى هذا يكون التقدير هنا: (إنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين)؛ فيقدر ضمير الشأن بما يناسب المقام، (وإن كانوا) الضمير يعود على المؤمنين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ .

стр. 1011

﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل بعث هذا الرسول ﷺ . ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: "في" للظرفية، يعني أن الضلال محيط بهم، كإحاطة الظرف بمظروفه. ﴿مُبِينٍ﴾: بمعنى بيِّن. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ نقول (مِن) حرف جر، و (قبلُ) هنا غير مجرورة، بل هي مبنية؛ والمبني لا تظهر عليه علامة الإعراب كما في قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، ولم يقل: (من حيثِ) وهنا قال: (من قبلُ)، ولم يقل (من قبل)، ولكن في بعض الأحيان تُجر (قبل)، فيُقال: (من قبلِهم) ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وإنما تُبنى على الضم إذا حُذف المضاف إليه ونُوِيَ معناه، هذا كلام النحويِّين. من فوائد الآية الكريمة: ١ - عظيم منَّة الله على المؤمنين ببعث النبي ﷺ ، وذلك لتأكيد هذه المنَّة بالقسم. ٢ - أن المنة ببعث الرسول ﷺ إنما كانت على المؤمنين؛ لأنهم هم الذين انتفعوا بها لقوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. ٣ - أن من لم يعترف بالمنة فهو كالمسلوب منها، أو هو كالمسلوبة منه؛ لأنه خصَّ المنة بالمؤمنين. ٤ - وجوب شكر نعمة الله على مَن مَنَّ الله عليه بالإيمان؛ لقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ لأن المراد بهذا الخبر هو شكر نعمة الله تعالى على هذه المنة، وأن لا يتعاظم الإنسان في نفسه. ٥ - الرد على الأعراب الذين منّوا بإيمانهم وإسلامهم على الرسول ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ

стр. 1012

إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]. ٦ - اللجوء إلى الله تعالى بأن يثبتك على الإيمان؛ لأنه إذا كان هو المانُّ به فهو الذي يملك ثبوته وزواله؛ فارجع إليه. ٧ - فضيلة الرسول ﵊، حيث كان مبعوثًا من قِبَل الله، والرسول يَشْرف ويَعْظُم بحسب مَنْ أرسله، ولهذا يفرق الناس بين رسول السلطان ورسول الرجل العادي، رسول السلطان يرونه أعظم من رسول الرجل العادي. ٨ - ثبوت رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله: ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. ٩ - إثبات منّة الله تعالى بكون الرسول من جنسنا؛ لقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: الردّ على أولئك السفهاء المعاندين الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]؛ لأنه لا يمكن أن يعيش الملك بين البشر، ولا يمكن أيضًا للبشر أن يتقبلوا منه كما يتقبلون ممن كان مِن جنسهم. ١٠ - الثناء العظيم على رسول الله ﷺ حيث كان يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. ١١ - حرص النبي ﷺ على إبلاغ الرسالة، حيث كان يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة. ١٢ - أن القرآن معجز؛ لقوله: (آيات)؛ لأن الآيات بمعنى العلامات، والعلامة على الشيء هي المُعَيِّنَة له، والتي لا تصلح لغيره، فهي آية لله لا تصلح لغيره. ١٣ - جواز إضافة الشيء إلى سببه ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، مع أن الله

стр. 1013

قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، لكنه ﷺ سبب للتزكية. ففي الآية جواز إضافة الشيء إلى سببه، لكن بشرط أن يكون معلومًا أنه سبب إما عن طريق الشرع، أو عن طريق العقل أو الحس. * * * قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥]. قوله: ﴿أَوَلَمَّا﴾ الهمزة هنا تلاها حرف عطف، وقد مرَّ علينا كثيرًا أن الهمزة إذا وليها حرف عطف، فلعلماء النحو في ذلك قولان: أحدهما: أن العطف على شيء مقدر يناسب المقام. والثاني: أن العطف على ما سبق. وعلى هذا الوجه تكون الهمزة مقدمة عن موضعها، وموضعها بعد حرف العطف، وهذا أسهل على المعرب؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف المقدر، وأحيانًا قد يصعب على الإنسان أن يقدر شيئًا مناسبًا. وقوله: ﴿لَمَّا﴾: شرطية؛ ودليل كونها شرطية أنها تحملت فعل الشرط وجوابه؛ فعل الشرط في قوله: ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾ وجوابه في قوله: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾. (ولمّا) تأتي على عدة وجوه: فتأتي بمعنى (إلا) وتأتي بمعنى (حين) وتأتي بمعنى (لم) وتأتي شرطية؛ ففي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] بمعنى: إلَّا، وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] بمعنى: لم، وإن كان بين "لم" و"لما" فروق لكن هي هنا بمعنى "لم" النافية. وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ [يونس: ٩٨] قال

стр. 1014

بعض العلماء: (لما) هنا بمعنى حين. فهذه وجوه أربعة و"لَمَّا" الواردة في كتاب الله . وقوله: ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: أصابتكم يعني: حلَّت بكم مصيبة قد أصبتم مثليها، أي حلَّ بكم مثلاها. وهذه المصيبة هي ما حلَّ بهم في أُحد؛ فإنه قتل منهم سبعون رجلًا، وعلى رأسهم أسد الله وأسد رسوله وعم النبي ﷺ : حمزة بن عبد المطلب ﵁. وقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يشير إلى ما حصل في يوم بدر؛ حيث قُتل سبعون رجلًا من المشركين، وأُسر منهم سبعون رجلًا، فسبعون مع سبعين ضعفان، ولهذا قال: ﴿أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، وأما قول من قال: إن في الآية إشارة إلى موقعة الأحزاب، وأن النصر سيكون للمسلمين فإنه غير صحيح؛ أولًا: لأنه خلاف الظاهر حيث قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾ وهذا فعل ماضٍ، ولم يقل: قد تصيبون. والشيء الثاني: أنهم في غزوة الأحزاب لم يصيبوا مثليها في الواقع؛ لأن غزوة الأحزاب لم يحصل فيها إلا قتل يسير جدًا، وانتصارهم في الأحزاب كان بما أرسل الله عليهم من الريح والجنود. فإن قال قائل: كيف قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ مع أن المقتول سبعون، والمأسور سبعون، والأسر ليس كالقتل؟ . قلنا: إن الأسر يحصل به من الإذلال مثل ما يحصل بالقتل، وربما يكون أكثر؛ لأن المقتول يقتل ويستريح، ولكن المأسور يستذل، ولهذا يخير الإمام في المأسورين بين أربعة أمور: الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الرق، أو القتل، أو المنّ

стр. 1015

بدون شيء: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، فالحاصل أن الأسر في الإذلال كالقتل إن لم يكن أشد منه. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾: قلتم جواب "لمَّا" أي: إذا أصابتكم مصيبة قلتم: كيف أصابنا هذا؟ ! وكيف تأتينا الهزيمة ونحن جنود الله، ومع رسول الله ﷺ ؟ ! وقوله : ﴿أَنَّى هَذَا﴾ (أنَّى) هذه استفهامية، وتأتي شرطية؛ ففي قولك: أنى تقم أقم، هذه شرطية. وفي مثل هذه الآية استفهامية، وهذا الاستفهام للتعجب، ولا أظن أن يكون للإنكار؛ لأن الصحابة ﵃ لا ينكرون من قدر الله شيئًا، ولكنهم يتعجبون: كيف يصيبنا هذا، ونحن جند الله، ومع رسول الله؟ ! قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ وهنا أَمَرَ الله نبيَّه أن يقول ولم يقل : ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، بل أمر نبيه أن يبلغهم. وهذا الأمر للتبليغ الخاص، وقد قلنا: إن القرآن كلَّه قد أُمر رسول الله ﷺ أن يبلغه جميعًا للناس. وتوجد بعض الأحكام والأخبار التي يؤمر بها النبي ﷺ ليبلغها تبليغًا خاصًا، أي: قل لهؤلاء الذين قالوا: ﴿أَنَّى هَذَا﴾: ﴿هُوَ﴾ أي: ما أصابكم ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: منكم، (ومِنْ) هنا للسببية؛ أي: فأنتم السبب. والسبب الذي يظهر لنا هو ما حصل من النزاع والمعصية للنبي ﵊؛ حيث أمرهم أن يبقوا في المكان الذي عيَّنه لهم، سواء كانت الغلبة للمسلمين، أو كانت الغلبة

стр. 1016

للكافرين، ولكنهم ﵃، وعفا عنهم، لما رأوا المشركين قد انهزموا، ورأوا أن المسلمين بدأوا يجمعون الغنائم، ظنوا أن الحرب انتهت، فنزلوا من المكان الذي عيَّنه النبي ﷺ ، وحصل ما حصل؛ فإن الفرسان من المشركين لما رأوا الثغر الذي يحمي المسلمين من ورائهم خاليًا، كروا من وراء المسلمين واختلطوا بهم، وحصل ما أراد الله . هذا معنى قوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وخَتْمُ الآية بهذه الجملة في غاية ما يكون من المناسبة؛ فهو قدير على أن ينتصر من هؤلاء المشركين، ولكنه لم يفعل ذلك لحكمة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] لأن الله لو شاء لأماتهم، أو خسف بهم، أو أنزل عليهم صواعق، أو ما أشبه ذلك ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ "كل شيء" عامة تشمل كل شيء؛ تشمل ما كان موجودًا؛ فهو قادر على إعدامه، وما كان معدومًا؛ فهو قادر على إيجاده، ولا استثناء في هذا العموم. وأما قول بعض المفسرين ﵏ في سورة المائدة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]: وخصّ العقل ذاته فليس عليه بقادر؛ فهذا تخصيص في غير محله. أولًا: لأن العقل ليس له تدخل في صفات الله . وثانيًا: نقول: ما تريد بقولك: وخص العقل ذاته؟ هل تريد

стр. 1017

أن الله لا يقدر أن يفعل، لا يقدر أن ينزل، لا يقدر أن يستوي، لا يقدر أن يأتي يوم القيامة للفصل بين عباده؟ أم ماذا تريد؟ إن أردت هذا، فهذا خطأ؛ فالله قادر على أن يفعل، على أن يستوي على العرش، على أن ينزل إلى السماء الدنيا، على أن يأتي للفصل بين عباده، كما صحَّ بذلك النقل. أم تريد بقولك: خصَّ العقل ذاته، أنه لا يقدر على أن يفعل بنفسه ما لا يليق به؛ كالموت مثلًا؟ إن أردت ذلك فهذا خطأ منك أيضًا، وذلك لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات، أما المستحيلات فهي مستحيلة غير واقعة؛ هل يمكن أن نقول: إن الشيء يكون متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ لا يمكن؛ لأن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا، والله لا يمكن أن يتصف بالنقص، ولله المثل الأعلى، فكونك تفرض أن الله تعالى يمكن أن يتصف بالنقص، ولكنه غير قادر عليه، فهذا خطأ عظيم. فنقول: هذا أصلًا غير وارد على القدرة، كما قال السفاريني ﵀: ["بقدرةٍ تعلقت بممكن"]. فالشيء المستحيل مستحيل، لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه إذا كان الشيء ساكنًا لا يمكن أن يكون متحركًا، وإذا كان متحركًا لا يمكن أن يكون ساكنًا، والله قادر على كل شيء، لكن إذا قدر أن يجعله متحركًا صار غير ساكن، وإذا قدر أن يكون ساكنًا صار غير متحرك، فهذا أصلًا لا يرد على العقل، فإذن نقول: إن الله على كل شيء قدير عمومًا مطلقًا لا استثناء فيه.

стр. 1018

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله وبَّخ الذين قالوا: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ ويتفرع على هذا جواز توبيخ من كان كامل الإيمان إذا فعل ما يستحق التوبيخ عليه؛ يعني أننا لا نقول: إن كمال إيمانه يمنع أن نوبخه إذا فعل ما يقتضي التوبيخ. ٢ - من المستحسن أن يُذَكَّر الإنسان بما يهون المصيبة عليه؛ لقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. ٣ - أنه ينبغي لمن أجاب غيره أن يجيبه بما يمنع احتجاجه؛ لقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أنتم السبب. ٤ - إثبات الأسباب في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. ٥ - منَّة الله على الصحابة ﵃؛ لأن الله قد جعل على أيديهم مصيبة أكبر مما أصابهم، بل هي مِثْلَا ما أصابهم في قوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. ٦ - إثبات اسم القدير من أسماء الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. والقدرة صفة يتصف بها القادر، تمنعه من وصف العجز. وذكرنا فيما سبق ما تستلزم. ٧ - أنه ينبغي إذا وصفنا الله بالقدرة أن نصفه كما وصف نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، خلافًا لِمَن قال: إن الله على ما يشاء قدير؛ لأنه إذا قال: إن الله على ما يشاء قدير، فقد يكون مفهوم العبارة: أن ما لا يشاؤه لا يقدر عليه. والله قادر على ما يشاء، وعلى ما لم يشأ. وأيضًا إذا قلنا: "إنه على ما يشاء قدير" فإنه يدخل علينا

стр. 1019

مذهب القدرية الذين قالوا: إن الله لا يشاء أفعال العباد، فإذا كان لا يشاء أفعال العباد، وقلنا: إنه لا يقدر إلا على ما يشاء، لزم أن لا يكون قادرا على أفعال العباد. ثالثًا: أننا إذا قلنا: على ما يشاء قدير، فقد خرجنا عما وصف الله به نفسه؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فإن قال قائل: ماذا تقولون في قصة الرجل الذي أخبر عنه النبي ﷺ بأنه يكون آخر أهل الجنة دخولًا، وأن الله يقول له: إني على ما أشاء قادر (١)؟ فالجواب عن ذلك: أن هذا حديث عن مسألة وقعت، فإذا وقع شيء من الأشياء وكان الإنسان يستغرب وقوع هذا الشيء فقال: كيف يقع هذا الشيء؟ فنقول له: "إن الله على ما يشاء قادر" يعني أن الله لمَّا شاءه وقع. أما إذا أردنا أن نصف الله بالوصف المطلق غير المقيد بفعل فإن الأولى أن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧]. قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) هذه شرطية، ودليل أنها شرطية

стр. 1020

أنه وجد في الجملة فعل شرط وجوابه. فعل الشرط قوله: ﴿أَصَابَكُمْ﴾ وجوابه قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقرن بالفاء لأنه جملة اسمية، وتقدير الكلام: فهو بإذن الله. قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: يعني بالتقاء الجمعين التقاؤهما يوم أُحد، فإنه لما التقى الجمعان، وصارت النهاية أن هزم المسلمون واستشهد منهم سبعون رجلًا، وهذه تعتبر نكبة أمام الكفار؛ لأن الكفار سيكون لهم في هذا الحال سيطرة وعلو واستكبار كما وقع؛ فإن أبا سفيان قال في ذلك اليوم: (اُعْلُ هبل) فافتخر بعلو صنمه على المسلمين الذين يعبدون الله. وهذا الذي حصل يوم التقى الجمعان يقول الله فيه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. بإذن الله القدري؛ لأن الله هو الذي قدّره، وإذن الله ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني. فما تعلق بالتكوين والخلق فهو إذن كوني؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] أي: إذن شرعي. فإن قال قائل: فما الفرق بينهما؟ فالجواب: أن الفرق بينهما: أولًا: أن الإذن الشرعي يكون فيما يحبه الله، والإذن الكوني يكون فيما يحبه وما لا يحبه. ثانيًا: أن الإذن الكوني يقع فيه المأذون به، والإذن الشرعي قد يقع وقد لا يقع.
следующие страницы →