← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الذين استجابوا لله والرسول منهم من أحسن واتقى، ومنهم من حصل منه بعض الخلاف، مثل الرماة الذين جعلهم النبي ﵊ على الجبل فإنهم عفا الله عنهم لم يحصل منهم إحسان كما ينبغي ولا تقوى كما ينبغي. ٥ - فضيلة الإحسان والتقوى؛ لقوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقد بيَّن الله تعالى شيئًا من أجر الإحسان والتقوى وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. ٦ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لا شك أن التقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيمًا. ٧ - بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه ويزداد إيمانًا به؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، فالمؤمن كلما أصابته النكبات والمصائب ازداد إيمانًا بالله ومعرفة به. ٨ - جواز إرادة الخصوص بلفظ العموم، وأن هذا أسلوب لغوي لا يخرج به الإنسان عن قواعد اللغة العربية؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ والقائل واحد. ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ والجامع لهم بعضٌ من الناس. ٩ - أن المؤمن حقًا لا يهمه أن يجمع له أعداء الله؛ لقوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾.

стр. 1052

١٠ - أن الحسب هو الله وحده ولا أحد معه؛ لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل قالوا: حسبنا الله وحده، فالله وحده هو الحسب كما أنه وحده المتوكل عليه، وبهذا نعرف أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أن (مَنْ) في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوفة على الكاف في قوله "حسبك" وليست معطوفة على لفظ الجلالة ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، لأنها لو عطفت على لفظ الجلالة لكان المعنى أن الله حسبك ومن اتبعك من المؤمنين حسبك، وليس الأمر كذلك وإنما حسبه وحسب من اتبعه هو الله . ١١ - الثناء على الله لكونه وكيلًا لعباده أي حسيبًا لهم وعمدة لهم؛ لقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. ١٢ - إثبات اسم ﴿الْوَكِيلُ﴾ لله لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو، وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أنه على كل شيء وكيل، (فالوكيل) من أسماء الله تعالى، ومعناه المتكفل بشؤون عباده، وليس معناه القائم بالأمر نيابة عنهم. * * * • ثم قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]. قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أي: انقلب هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول وخرجوا بأمر النبي ﷺ لقتال هؤلاء الكفار الذين بلغهم عنهم أنهم مجمعون على الكرة على المسلمين ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ .. ﴾ فإنه لما خرجوا بلغوا ما بلغوا من الطريق؛ بلغوا حمراء

стр. 1053

الأسد وجدوا المشركين قد ذهبوا، صرفهم الله وقالوا: نرجع في العام القادم. يقول الله : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾: انقلبوا يعني عائدين إلى المدينة بعد أن وصلوا إلى حمراء الأسد. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ما هي هذه النعمة؛ النعمة أنهم سلموا من ملاقاة العدو ولم يحصل حرب؛ لأن العدو مضى في سبيله ولم يرجع. وأما قوله: ﴿وَفَضْلٍ﴾ ففسرت بأن المراد به فضل الجهاد، وأن الله كتب لهم بهذا الخروج أجر غزوة كاملة، فسلموا من الحرب ونالوا ثواب المجاهدين. وقوله: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لم يصبهم ما يسوؤهم لا من جهة عدوهم ولا من جهة أحوالهم، بل كانوا على أحسن ما يرام ذهابًا ورجوعًا. وقوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان: (رُضوان) (رِضوان) بضم الراء وكسرها، ومعنى (اتبعوا رضوان الله) أي: اتبعوا ما يرضي الله وذلك بالاستجابة لله ورسوله، فإن الاستجابة لله ورسوله سبب رضاء الله ، أسأل الله أن يجعلنا ممن يرضى الله عنهم. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: ﴿ذُو فَضْلٍ﴾: بمعنى صاحب فضل عظيم على العباد في الدنيا والآخرة، ومنه أن تفضل على هؤلاء بأن انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.

стр. 1054

من فوائد الآية الكريمة: ١ - فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول لما أصابهم من الثواب. ٢ - ومنها أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كتب له أجر كامل، ولهذا شواهد منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، ومنها قول النبي ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (١)، فالإنسان إذا سعى في العمل ولكنه لم يدركه فإنه يكتب له أجره كاملًا، حتى طالب العلم لو مات قبل أن يدرك ما يريد من العلم فإنه يكتب له ما نوى؛ لأنه شرع فيه وعمل ما يقدر عليه فينال الأجر. ٣ - إثبات الرضا لله؛ لقوله: ﴿رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ والرضا: صفة من صفات الله الحقيقية، وهي من الصفات الفعلية لماذا؟ لأن القاعدة عند السلف أن كل ما يتعلق بمشيئة الله من الصفات فهو صفة فعلية، والرضا يتعلق بمشيئة الله، كل صفة متعلقة بسبب فإنها بلا شك تتعلق بالمشيئة، فرضوان الله معلق بفعل ما يرضيه، وعلى هذا فتكون هذه الصفة متعلقة بمشيئته. أما أهل التعطيل فإنهم يفسرون رضا الله بالثواب؛ لأن الثواب شيء منفصل بائن عن الله، وليس من صفاته مخلوق مفعول، أو يفسرونه بإرادة الثواب؛ لأنهم يثبتون الإرادة، أما الرضا نفسه فإنهم لا يثبتونه، ولا شك أن هذا التفسير للرضا بإرادة الثواب

стр. 1055

أو بالثواب نفسه أنه تحريف للكلم عن مواضعه، ويا سبحان الله كيف يثبت الله لنفسه أنه رضي ونحن نقول: (لا) بل رضي يعني أثاب أو رضي يعني أراد أن يثيب، أنحن أعلم بالله من نفسه؟ ! . إذن نحن نثبت الرضا لله حقيقة، وأنه صفة من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته، ولكن هل رضاه كرضانا؟ الجواب: (لا) لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فكما أن سمعا، وبصره وحياته وعلمه وقدرته لا تماثلها صفات المخلوقين، فكذلك هو لا يماثل المخلوقين، وكذلك الرضا والفرح والعجب وغيره. ٤ - إثبات اتصاف الله بالفضل العظيم في كميته، العظيم في كيفيته، أما في كميته فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وجعل جزاء الحسنة عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وأما في كيفيته فقد قال الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. * * * • ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والحصر عند العلماء إثبات الحكم للمحصور فيه، ونفيه عما سواه، إذن فهو بمنزلة نفي وإثبات، وله طرق: منها ﴿إِنَّمَا﴾، ومنها تقديم ما حقُّه التأخير، ومنها النفي والإثبات مثل (لا قائم إلا زيد)، ومنها إذا كانت الجملة اسمية معرّفًا طرفاها، وهذا معروف في كتب البلاغة.

стр. 1056

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: يعني ما الشيطان إلا مخوف لأوليائه، وقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ تضمّن إشارة أي مشارًا إليه ومخاطبًا، فالإشارة (ذا) والمخاطب (الكاف). الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطَب، فإذا كنت مشيرًا إلى جماعة من الذكور أو مخاطبًا جماعة من الذكور قلت: (أولئكم)، لأن المشار إليه جماعة، والمخاطب جماعة فتأتي بالميم، وإذا كنت مشيرًا إلى جماعة من الذكور مخاطبًا جماعة من الإناث قلت: (أولئكن) أولاء لأن المشار إليه جماعة ذكور، (كُنّ) النون للنسوة، أولئكن، وإذا كنت مشيرًا إلى اثنين مخاطبًا اثنتين، قلت: (ذانكما) (ذان) للمثنى و (كما) للمثنى، وإذا كنت مشيرًا إلى جماعة نسوة مخاطبًا جماعة نسوة قلت: (أولائكن)، وإذا كنت مشيرًا إلى مثنى مؤنث مخاطبًا جماعة ذكور قلت: (تانكم)، على كل حال اسم الإشارة يراعى فيه المشار إليه، وكاف الخطاب يراعى فيها المخاطب، ولهذه المسألة في اللغة العربية بالنسبة إلى الكاف ثلاث لغات: اللغة الأولى: أن يراعى المخاطب إفرادًا وتثنية وجمعًا مذكرًا ومؤنثًا، فنقول (ذلكَ) بفتح الكاف مخاطبًا رجلًا واحدًا. و (ذلكِ) بالكسر مخاطبًا امرأة واحدة و (ذلكما) مخاطبًا اثنين ذكورًا وإناثًا و (ذلكن) مخاطبًا جماعة نسوة و (ذلكم) مخاطبًا جماعة ذكور، فالكاف تتبع المخاطَب وتتحول حسب المخاطب. واسم الإشارة يتبع المشار إليه. واللغة الثانية: أن تكون الكاف مفردة مفتوحة للمذكر، ومفردة مكسورة في المؤنث، فنقول مخاطبًا جماعة ذكور:

стр. 1057

(ذلكَ)، ومخاطبًا اثنين: (ذلكَ)، ومخاطبًا واحدًا (ذلكَ) و (للنسوة) تقول: (ذلكِ) مخاطبًا امرأة واحدة، و (ذلكِ) مخاطبًا امرأتين، و (ذلكِ) مخاطبًا جماعة نسوة. واللغة الثالثة: فتح الكاف مطلقًا وتقول لكل واحد تخاطبه: (ذلكَ) وهذا باعتبار المبتدئين أسهل. وفي هذه الآية يقول الله : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ راعى في اسم الإشارة المشار إليه وهو الشيطان واحد، وراعى في الكاف الجماعة المخاطبين. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: ﴿الشَّيْطَانُ﴾: يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن تكون خبرًا للمبتدأ (ذا). الوجه الثاني: أن تكون بدلًا من المبتدأ (ذا) أو عطف بيان عليه. فعلى الأول: تكون جملة ﴿يُخَوِّفُ﴾ في موضع نصب على الحال. وعلى الثاني: تكون جملة ﴿يُخَوِّفُ﴾ خبر المبتدأ، وكلاهما صحيح، فالشيطان يخوف أولياءه. وقوله: ﴿يُخَوِّفُ﴾ معروف أنها تنصب مفعولين بالتحويل؛ فالمفعول الأول محذوف وتقديره (يخوفكم أولياءَه)، وأولياء هنا هي المفعول الثاني، وليس المعنى ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، فإن المعنى أنه يخوف الناس من أوليائه فيكون على هذا المفعول الأول محذوف، والثاني هو الموجود والتقدير (يخوفكم أولياءه) أي: يعظمهم في صدوركم حتى تخافوهم وتتركوا الجهاد وتتركوا الدعوة؛ لأنكم تخافون منهم بسبب تخويف الشيطان.

стр. 1058

قوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ أولياء الشيطان كل مجرم وفاسق وملحد وكافر، هؤلاء هم أولياء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] فكل كافر ملحد فاجر فهو من أولياء الشيطان. وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ أي: لا يؤثر فيكم تخويفه فتخافوا منهم، فيؤثروا عليكم بهذا في ترك الجهاد. ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فلا تتأثروا بهم وجاهدوا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: (إن) شرطية، ولعلماء العربية في مثل هذه الجملة وجهان: الوجه الأول: أنها جملة شرطية لا تحتاج إلى جواب؛ لأنه مفهوم مما سبق، وهذا اختيار ابن القيم ﵀. الوجه الثاني: أنها تحتاج إلى جواب، وأن جوابها محذوف معلوم مما سبق أي: فلا تخافوهم إن كنتم مؤمنين فلا تخافوهم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم حيث يرعبهم ويخوفهم بأوليائه. ٢ - أن الشيطان يدافع عن أوليائه بل يهاجم بهم؛ لقوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوفكم أولياءه. ٣ - أنه يجب على المؤمن أن لا يخاف من أولياء الشيطان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإن قال قائل: الخوف أمر طبيعي يعتري الإنسان عندما يرى ما يخافه أو يسمع به ولا يستطيع مدافعته، فالجواب عن ذلك أن يقال: بل يستطيع مدافعته بأن يشق طريقه الذي أوجب الله عليه

стр. 1059

ولا يهتم بأحد، وإلا فمن المعلوم أن طبيعة الإنسان الخوف مما يكره، لكن نقول: امضِ لسبيلك ولا تلتفت، فقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ أي: لا يؤثر خوفهم فيكم شيئًا ﴿وَخَافُونِ﴾ لأنكم إن تركتم الجهاد عذبتكم. ٤ - أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ٥ - أيضًا أنه كلما قوي الإيمان بالله قوي الخوف منه، وضعف الخوف من أولياء الشيطان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ثم اعلم أن العلماء ﵏ قالوا: إن الخوف ينقسم إلى أقسام: الأول: خوف العبادة، وهو خوف السر الذي يخاف فيه الإنسان شيئًا خفيًا؛ كخوفه من الولي الميت أو من الشيطان أو ما أشبه ذلك، وهذا عبادة ولا يجوز إلا لله . الثاني: خوف طبيعي يعتري الإنسان بسبب وجود ما يخاف منه، وهذا لا يلام عليه العبد إلا أن يكون سببًا في ترك واجب أو وقوع في محرم، وإلا: فإن العبد لا يلام عليه وقد وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال الله عن موسى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]، وقال يخاطب موسى حينما ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ [طه: ٢١]، وقال عن موسى حينما اجتمع السحرة له قال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧]، وقال عن إبراهيم لما جاءته الملائكة ولم يأكلوا: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ

стр. 1060

وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [هود: ٧٠]، والآيات في هذا كثيرة، فالخوف الطبيعي من طبيعة الإنسان ولا يلام عليه العبد إلا إذا تضمن ترك واجب أو فعل محرم. الثالث: خوف الجبناء، وهذا هو السيئ فالجبان يخاف من كل شيء حتى لو حركت الريح سَعْفَةً لقال: هذا صوت مدافع لأنه جبان، ولهذا لا يأتيه النوم كما قال الله تعالى فيما سبق: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، هذا القسم الثالث يجب على المؤمن أن يطارده ما أمكن؛ لأن المؤمن ليس بجبان، المؤمن قوي، ومن أكبر أسباب دفعه أن يذكر الإنسان ربه ، فإنه بذكر الله تطمئن القلوب، وتزول الكروب، وينشرح صدر المرء، ويزول عنه الخوف والرعب والذعر. فهذه أقسام الخوف: خوف عبادة، وخوف طبيعة، وخوف جبن. ٦ - أن الخوف من الله هو من مقتضيات الإيمان ومستلزماته؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦]. في قوله: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ قراءتان: القراءة الأولى (يَحْزنُك) من الثلاثي (حَزَنَ) والقراءة الثانية (يُحزِنك) من الرباعي (أحزنه). ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يدخلون فيه بسرعة. وذلك أنه من المعلوم أن المسارعة تتعدى بـ"إلى" كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:

стр. 1061

١٣٣] وهنا جاءات (في) مكان (إلى) وهذا من باب التضمين، وقد اختلف علماء النحو في مثل هذا التركيب إذا عُدي الفعل بغير الحرفِ المعتاد هل التجوز بحرف الجر أو بالفعل الذي تعدى بحرف الجر؟ على قولين: الأول: أن التجوز في حرف الجر يعني أن نقدر حرفًا مناسبًا للفعل فنقول: (في) بمعنى (إلى). الثاني: أن التجوز في الفعل؛ بمعنى أن نضمن الفعل معنى يتعدى بـ (في). والفرق بين القولين أنه على القول الأول: نُحوّل معنى الحرف الموجود إلى الحرف المناسب للفعل، وعلى الثاني: نُحوّل الفعل إلى المعنى المناسب للحرف، وأوضح مثال لذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] المعروف أن يشرب تتعدى بـ (مِن) وهنا تعدت بالباء، فقال بعض النحويين: الباء بمعنى (مِن) والتقدير (يشرب منها عباد الله). وقال بعض العلماء: يشرب بمعنى يَروَى، ومعلوم أن الرِّيَّ يستلزم الشرب، فيكون: يشرب دالة على معنى الشرب باللزوم وعلى الري، ويكون هذا أبلغ مما لو قلنا يشرب منها؛ لأن الإنسان قد يشرب ولا يروى، وهذا الأخير هو مذهب نحاة البصرة أي: أنهم يحوّلون الفعل إلى معنى مناسب للحرف ليكون الفعل دالًا على معناه اللفظي وعلى معناه التضميني أو المعنى اللزومي. وعليه فيكون معنى الآية ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يدخلون في الكفر مسرعين. وهذا المعنى الثاني أولى وأدق وأعمق، فإذا فسرنا

стр. 1062

﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ بقول: (يدخلون فيه بسرعة) تضمن المسارعة والدخول في الشيء. وقوله: ﴿فِي الْكُفْرِ﴾ أصل الكفر في اللغة: الستر، ومنه الكُفُرَّى وهو وعاء طلع النخل وهو معروف لدى الجميع. أما في الاصطلاح فإنه جَحْدُ ما جاء به النبي ﷺ أو جحد بعضه أو ترك ما يستلزم الكفر بتركه مثل الصلاة، فتركها كفر وإن لم يجحد وجوبها. ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: الجملة هنا محلها مما قبلها تعليل، أي: مهما سارعوا في الكفر فإنهم لن يضروا الله شيئًا. وقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ أي: لن يلحقوا الضرر به جل وعلا وتقدس عن أن ينال بضرر، وفي الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم من حديث أبي ذر ﵁ أن الله تعالى قال: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" (١). وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي: لن يضروا الله أي شيء في ذاته ولا في ملكه ولا في أسمائه وصفاته ولا في غير ذلك، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي أشرنا إليه آنفًا: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئًا" (٢). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾:

стр. 1063

أي: يريد الله بكفرهم أن لا يجعل لهم حظًا، أي: نصيبًا في الآخرة، والإرادة هنا إرادة كونية، أي يشاء الله ألا يجعل لهم حظًا في الآخرة؛ لا قليلًا ولا كثيرًا. وهكذا كل كافر ليس له نصيب في الآخرة، والمؤمن له نصيب في الآخرة. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر (عذاب) أي عقوبة (عظيم) أي: ذو عظمة، وعظمة كل شيء بحسبه؛ فقد يكون مدحًا وقد يكون ذمًا، ففي مقام المدح تكون العظمة مدحًا، وفي مقام الذم تكون العظمة ذمًا، فقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] كلمة عظيم هنا من باب الذم، وقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] من باب المدح، وفي هذا الموضع نقول: إن العقوبة لا شك أنها مكروهة عند الإنسان فهي بالنسبة لفعل الله عدل، وبالنسبة للمخلوق المعذب قبح وذم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تهديد هؤلاء الذين يسارعون في الكفر؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ أي: لا يهمنك أمرهم فسوف يعذبون. ٢ - حرص النبي ﷺ على هداية الخلق؛ لأنه يحزنهُ هؤلاء الذين يسارعون في الكفر، ولولا حرصه ﵊ ما حزن لكفرهم. ٣ - بيان ما يلحق النبي ﷺ من الهمِّ ومن الحزن لعدم إسلام الأمة، وذلك لمحبته للخير ﵊ حتى الذين

стр. 1064

يسارعون في الكفر يحزن عليهم لأنه يود أن يسلموا. ٤ - بيان ما يقع فيه سفهاء بني آدم من الخطأ والخطل كما في فعل هؤلاء، يسارعون في الكفر مع أنه ضرر عليهم وهلاك. ٥ - انتفاء الضرر عن الله وأنه لا تضره معصية العاصين كما لا تنفعه طاعة الطائعين؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ فإن قيلِ: إن الله قد أثبت أن بعض عباده يؤذيه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وفي قوله في الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر" (١) فكيف نجمع بين نفي الضرر وإثبات الأذية؟ الجواب: أن يقال: لا يلزم من الأذية الضرر، فقد يتأذى الإنسان بالشيء ولا يتضرر به، أرأيت لو صلى إلى جانبك أو جلس إلى جانبك رجل قد أكل بصلًا وثومًا فإنك تتأذى برائحته ولكن لا تتضرر، فلا يلزم من الأذية الضرر، وحينئذٍ لا معارضة بين نفي الضرر عن الله وإثبات الأذية. ٦ - بيان غنى الله ؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. ٧ - إثبات الإرادة لله ؛ لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ وقد قسم العلماء إرادة الله تعالى إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية؛ فالكونية هي ما يتعلق بفعله، والشرعية ما يلزم فيها وقوع المراد، فالفروق ثلاثة: الأول: أن الإرادة الكونية تتعلق بفعله والثانية بشرعه.

стр. 1065

الثاني: الكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة. الثالث: الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم. فإذا قال قائل: ما تقولون في إيمان أبي بكر؟ أهو مراد بالإرادة الكونية أو الشرعية؟ . الجواب: إرادة كونية وشرعية؛ لأنه وقع بالإرادة الكونية، ولأنه متعلق بالشرع، فهو مما يحبه الله. وما تقولون في إيمان أبي لهب؟ الجواب: أنه مراد شرعًا لا كونًا؛ لأن الله لو أراده كونًا لكان، وما تقولون في كفر المسلم؟ الجواب: أنه ليس مرادًا لا كونًا ولا شرعًا؛ لأنه الآن مسلم ولو أراد الله أن يكفر لكفر، وهل هو مراد شرعًا أن يكفر؟ الجواب: لا، إذن انتفت في هذا الإرادتان، وإيمان المؤمن اجتمعت فيه الإرادتان، وإيمان الكافر وجدت فيه الإرادة الكونية. فإيمان الكافر مراد شرعًا وغير مراد كونًا، وإسلام المسلم مراد كونًا وشرعًا، وكفر الكفار مراد كونًا لا شرعًا، فهناك ما تجتمع فيه الإرادتان، وما تنتفي فيه الإرادتان، وما فيه الإرادة الشرعية فقط، وما فيه الإرادة الكونية فقط، وهذا التقسيم مهم؛ لأن من الناس من قال: إن المعاصي غير مرادة لله لا كونًا ولا شرعًا مع أنها واقعة، فنوافقهم بأنها غير مرادةٍ شرعًا لكنها مرادة كونًا. ٨ - أنه لا حظَّ للكافر في الآخرة؛ لأنه مخلد في النار؛ لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾. ٩ - ومن فوائدها بالمفهوم أن الكافر قد يكون له حظ في الدنيا، وكفره لا يمنعه من الحظ في الدنيا. فإن قال قائل: إن الله قال في كتابه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى

стр. 1066

آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] فهذا يدل على أن الكافر لا يحصل له نعيم في الدنيا، قلنا: نعم، الأصل ألا يحصل له نعيم في الدنيا ولكنه قد ينعم استدراجًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]. ١٠ - إثبات الآخرة، وأنها حق، وأن الناس ينقسمون فيها إلى قسمين: منهم من له نصيب، ومنهم من لا نصيب له؛ لقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾. ١١ - إثبات العقوبة لهؤلاء الكفار، فليس حظهم ألا يجدوا حظًا في الآخرة فقط بل مع ذلك يعذبون، ولهذا يقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أي: فنستريح ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] نسأل الله العافية. * * * • ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧]. هذه الآية صلتها بما قبلها أنها كالتوكيد لها. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ﴾: أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وإلا فإن الكفر ليس سلعة يباع ويشترى، فالاشتراء هنا بمعنى الاختيار وترك الطرف الآخر. يقول بعض علماء البلاغة: في هذه الجملة مجاز بالاستعارة المكنية أو الاستعارة التصريحية التبعية، فإنه شبَّه الكفر بالسلعة التي تباع

стр. 1067

وتشترى، وحذف المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو الشراء، هذا على أنها مكنية، وتصريحية تبعية معناها: أنها تجري مجرى الاستعارة بالفعل أو اسم الفاعل، يعني بالشيء المشتق، فهنا ﴿اشْتَرَوُا﴾ بمعنى اختاروا، فشبَّه الاختيار بالشراء ثم اشتق من لفظ الشراء (اشتروا) على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. وقوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ فإذا قال قائل: هم لم يؤمنوا؟ قلنا: لكن اختيارهم للكفر أخرجهم من الفطرة التي كانوا عليها، وهي التوحيد فهم اشتروا الكفر بعد الإيمان وقد سبق معنى الكفر. أما الإيمان فإنه في اللغة قيل: التصديق، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] وقيل: الإقرار، والإقرار أخص من التصديق، واستدل هؤلاء بأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة فلابد أن تتعدى بما تتعدى به، ومن المعلوم أن الإيمان لا يتعدى كما يتعدى التصديق، فإنك تقول: صدقته ولا تقول: آمنته. إذن فليس معناهما واحدًا، فمعنى الإيمان الإقرار، هذا في اللغة. أما في الشرع فهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، فليس مجرد الإقرار إيمان، بل لابد أن يقبل ما جاء به الرسول ﷺ ، ويذعن له، ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنًا مع أنه مقر بما جاء به الرسول ﷺ ولكنه لم يقبله ولم يذعن له فلم يكن مؤمنًا، وإذا كان هذا هو الإيمان أي الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، فإنه يتضمن جميع شرائع الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان شامل للاعتقاد وقول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب، أربعة أشياء كلها من الإيمان. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ كالآية السابقة تمامًا.

стр. 1068

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هنا قال: إنه أليم، وهناك قال: إنه عظيم، فيجتمع في عذابهم -والعياذ بالله- العظيم والأليم، وأليم هنا بمعنى مؤلم، وليس بمعنى شديد، فهو بمعنى اسم الفاعل من الرباعي آلمه يؤلمه إيلامًا فهو مؤلم، وهل يأتي فَعِيل بمعنى مُفْعِل؟ الجواب: نعم، مثاله: أمن الريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع (الداعي السميع) يعني المسمع. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان شدة رغبة الكفار في الكفر؛ لأنهم اشتروا الكفر اشتراء، والمشتري طالب للسلعة، فهم يأخذون الكفر عن رغبة. ٢ - بيان خسران هؤلاء حيث أخذوا الكفر بدلًا عن الإيمان، وهذه أَخْسَرُ صفقة على وجه الأرض أن يأخذ الإنسان الكفر بالإيمان طائعًا طيبة به نفسه والعياذ بالله. ٣ - بيان كمال الله ، وأنه لا تضره معصية العاصي ولا تنفعه طاعة الطائعين، لقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. ٤ - كمال سلطان الله حيث إن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لن يضروا الله شيئًا، مع أن المعروف أن الملك كلما قلّت جنوده ضعفت قوته إلا الله فإنه لا يضره شيء. ٥ - عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فينادون توبيخًا ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].

стр. 1069

• ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: لا يظن الذين كفروا، وفيه قراءة ثانية سبعية (ولا تحسبن الذين كفروا). وقوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾: أي: نمهلهم عن الأخذ بالعقوبة ﴿خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ وهنا يقع تساؤل: لماذا كانت ﴿خَيْرٌ﴾ بالرفع مع أنه قال: نملي، والفعل المضارع ينصب المفعول به؟ والجواب: أن يقال: (ما) اسم موصول وليس حرف حصر، فتكون اسم (أنَّ) وعليه يكون التقدير (أن الذي نملي لهم خيرٌ) وإن كانت في المصحف مرسومة متصلة (بأن) وصورتها صورة الحصر، ولكن هذا لا يمنع أن تكون اسمًا موصولًا؛ لأن العلماء اتبعوا في رسم المصحف الرسم العثماني، وإلا فهي على القاعدة الإملائية الموجودة الآن تكتب (أنَّ) وحدها و (ما) وحدها. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾ هنا للحصر. أي: نمهلهم ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ اللام للتعليل باعتبار فعل الله، يعني أنه يملي من أجل زيادة الإثم، وللعاقبة باعتبار حال المشركين أو الكافرين؛ لأنهم لم يكفروا لأجل أن يزدادوا إثمًا، ولكن كفرهم كان سببًا في زيادة الإثم.

стр. 1070

وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ أي: إلى إثمهم؛ لأن الرجل إذا كفر عشرة أيام وزاد يومًا زاد كفرًا، وإذا زاد عشرة أيام أخرى زاد أكثر، فهم والعياذ بالله لا يستفيدون من دنياهم وإنما يزدادون فيها كفرًا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: أي: مهين مذل من الإهانة، وذلك لأنهم إنما كفروا استكبارًا وعلوًا، فعوقبوا بعذاب يُذلهم ويهينهم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أنه يجب على الإنسان أن لا يظن أن إمهال الله له خيرًا له، تؤخذ من النهي، فإن الأصل في النهي التحريم، فلا يجوز للإنسان أن يغتر بإمهال الله له. ٢ - أن الله بحكمته قد يستدرج بعض الخلق، فيعطيه النعم تترًا وهو متجاوز لحدوده؛ ليبلغ في الطغيان غايته حتى إذا أخذه لم يفلته كما قال النبي ﵊: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١) [هود: ١٠٢]. فإن قال قائل: هل تقيسون العاصي على الكافر بمعنى أنه قد يمهل له وهو مقيم على المعصية؟ . الجواب: نعم، قد نقول بالقياس بجامع أن كل واحد منهما

стр. 1071

أمهله الله ولم يعاقبه، وقد نقول بعدم القياس؛ وذلك لأن الكفر أعظم من الفسوق، ولكن من رجع إلى ظاهر القرآن تبيَّن له أنه حتى الفاسق ريما يمهل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ٣ - أنه يجب على الإنسان أن يعتبر في عمره هل أمضاه في طاعة الله فليبشر بالخير، أو أمضاه في معصية الله، والله تعالى يدرُّ عليه النعم فليعلم أن هذا استدراج. ٤ - الإشارة إلى أن الإنسان قد يغتر بظواهر الحال ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ فالإنسان قد يغتر بظاهر الحال ويقول: إن الله لم يُنعم علي نعمة إلا لأنني أهلٌ لها كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. ٥ - إثبات زيادة الآثام؛ لقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ فتدل بالمفهوم على زيادة الإيمان؛ لأنه إذا ازداد إثمًا، فما نقص عن الإثم كان زيادة في الإيمان، ولهذا قال أهل السنة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ٦ - إثبات العقوبة المذلة لهؤلاء؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ٧ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هؤلاء لما استكبروا على الخلق وعلوا عليهم أذلهم الله.

стр. 1072

• ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾: (ما): نافية. و (كان): فعل ماضٍ ناقص، واللام هنا لام الجحود، يعني لام النفي، وهي التي تأتي بعد كونٍ منفي إما: (ما كان)، وإما: (لم يكن). ومثالها في (ما كان) هذه الآية: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ ومثالها في (لم يكن): ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]. وسُمِّيت لام الجحود؛ لأنها واقعة في سياق النفي، والجحود هو النفي، وهو (لم يكن) أو (ما كان). وهي تنصب الفعل المضارع، إما بنفسها كما هو اختيار الكوفيين، أو بـ (أن) مضمرة بعدها وجوبًا كما هو اختيار البصريين. قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ أي: أن هذا ممتنع غاية الامتناع، وإذا جاء مثل هذا التعبير في القرآن، فإنه يعني الامتناع، أي: أنه ممتنع على الله غاية الامتناع أن يفعل كذا، وهذا الامتناع ليس امتناعًا لعدم المقدرة عليه، فهو قادر، لكنه امتناعٌ شرعي، أي: يمتنع بحسب ما تقتضيه حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب. وقوله: ﴿لِيَذَرَ﴾ أي: ليترك. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين آمنوا بالله. وقد تقدم تعريف الإيمان.

стр. 1073

وقوله: ﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على ما هم عليه من غير بيان ولا تمييز بين الخبيث والطيب، هذا مستحيل على الله، وذلك لأن المجتمع النبوي في عهد النبي ﷺ خليط بين المؤمنين الخُلَّص والكافرين الخُلَّص، والمنافقين، أما الكافرون الخُلَّص فهم متميزون بإعلانهم للكفر وتصريحهم به، ولا تخفى حالهم على أحد، وأما المؤمنون الخُلَّص فكذلك أمرهم واضح ظاهر، يبقى الاشتباه بين المؤمن الخالص وبين المنافق؛ لأن المنافقين يُظهرون الإيمان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤] فالأمر يحتاج أن يُميِّز الله بين الخبيث والطيب، ولهذا قال: ﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. يعني من الخفاء والإشكال. ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: ﴿يَمِيزَ﴾ بمعنى: يفصل، يعني يفصل بين الخبيث والطيب بما يُخبر به . قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: يعني: وما كان الله ليطلعكم على الغيب في تمييز الطيب من الخبيث، فأنتم لا تعلمون ما في صدورهم، أي: ما في صدور هؤلاء الخبثاء المنافقين؛ لأنكم لا تعلمون الغيب، والله ما كان ليطلعكم على الغيب، وهذه الآية تشبه آية الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: هذا استدراك على قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾،

стр. 1074

وأن هذا الخطاب عام حتى النبي ﷺ ، ولهذا جاء الاستدراك فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿يَجْتَبِي﴾: يعني يختار من رسله من يشاء فيُطلعه على الغيب الذي يُريد أن يُطلعه عليه، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]. قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: هذه الجملة من الآية تُصوِّر لنا حال المجتمع النبوي في عهد النبي ﷺ ، أن فيهم أناسًا يخفى أمرهم، فبيَّن الله أن هؤلاء الناس الذين يخفى أمرهم، لابد أن يفصل الله بينهم وبين المؤمنين بالعلامات التي يُظهرها، ولا يكون هذا باطلاعهم على الغيب؛ لأن الله لا يُطلع أحدًا على الغيب إلا من ارتضى من رسول، ويكون هذا عن طريق اطلاعنا على ما في قلوب هؤلاء عن طريق الوحي، ولهذا سمَّى النبي ﷺ عددًا من المنافقين لحذيفة بن اليمان الذي كان يُلقَّب بصاحب السر، سرّ النبي ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ أسرَّ إلى حذيفة بأسماء رجال من المنافقين ولم يُسِرّ إلى أبي بكر ولا عمر، ولا إلى من هو أفضل من حذيفة، وهذه تذكِّرنا بقاعدةٍ ذكرها ابن القيم في النونية، وهي أن الخصيصة بفضيلة معيَّنة لا تستلزم الفضل المطلق، وأن الفضل نوعان: مطلق، ومقيد، فهنا لا شك أن حذيفة ﵁ امتاز عن الصحابة بما أخبره به النبي ﷺ من أسماء هؤلاء المنافقين، لكنه لا يلزم من هذا أن يكون أفضل ممن له فضلٌ مطلق عليه، كأبي بكرٍ وعمر ومن أشبههما، وعليه فإننا لا نعلم عما في قلوب هؤلاء ولكن الله يُميِّزهم بما يُطلع عليه نبيه ﷺ ، ولهذا قال:

стр. 1075

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ والذي اجتباه الله من الرسل في عهد النبوة المحمدية هو محمد ﷺ ، ولا نبي غيره. ثم قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: يعني: . حقِّقوا إيمانكم بالله ورسله، وذلك بالتصديق التام، والانقياد والإذعان بدون اعتراض، لا على القضاء والقدر، ولا على الحكم الشرعي. وهكذا حال المؤمن حقًّا وهو الانقياد لأمر الله الكوني فيرضى به، والانقياد لأمر الله الشرعي فينفِّذه ويُذعن له، مع أن الانقياد للحكم الكوني يعمُّ كل أحدٍ سواء طوعًا أو كرهًا. قوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾: جمع رسول، والرسل هم الذين كلَّفهم الله تعالى بما أوحى إليهم أن يعملوا به ويدعوا إليه، ويُبلِّغوا الناس، ولهذا قال جمهور العلماء في تعريف الرسول: أنه مَنْ أوحي إليه بشرعٍ، وأُمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرعٍ يتعبد به ولم يُكلَّف أن يُبلِّغه الناس، فآدم ﵊ نبي، ولكنه ليس رسولًا، فإنه نُبِّئ ليس عنده أحدٌ وصار يعمل بما يوحى إليه واتبعه على ذلك ذريته، ولما طال الزمن واختلف الناس، احتاجوا للرسالة، فأرسل الله إليهم، وأول من أرسل إليهم نوح ﵇. وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الإيمان بالله يتضمَّن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. لابد من هذا كله، فمن نقص شيئًا منها فإنه لم يؤمن بالله حقيقة.

стр. 1076

والإيمان بالرسل يتضمن تصديقهم فيما جاءوا به من الوحي، ويتضمن التعبَّد لله بشريعتهم على من أُلزموا باتباعه، وبعد بعثة النبي ﷺ لم يُلزم الخلق إلا باتباع النبي محمد ﷺ ، فإنَّ شريعته نسخت جميع الأديان. إذن كيف نؤمن بعيسى مثلًا؟ نؤمن بأنه رسول الله حقًّا، وأن الله أنزل إليه الكتاب، وأنه صادق بما جاء به من الرسالة، وأما شرعه فلسنا مأمورين باتباعه، فنحن مأمورون بالإيمان به فقط. قال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: إن تؤمنوا بقلوبكم وتتقوا بجوارحكم، فلكم أجر عظيم، (الإيمان بالقلب) هو الإقرار المتضمِّن للقبول والإذعان. و (التقوى) هي اتخاذ وقاية من عذاب الله ، وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، ولكن ليعلم أن التقوى قد تقرن بالبِّر، وقد تُقرن بالإحسان ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨]، وقد تُقرن بالإصلاح، فإذا قُرنتْ بمثل هذا تُفسَّر بأن المراد بها تقوى المحارم، يعني اجتناب محارم الله، أما إذا أُطلقت فإنها تشمل الأوامر والنواهي، وهذا كثير، فإن من الأسماء ما إذا قُرِن مع غيره صار له معنى، وإذا وحِّد صار له معنى، لكن أيهما أشمل أو أعم إذا قُرِن أو إذا أُفرد؟ . الجواب: إذا أُفرد لأنه إذا قُرِن مع غيره فهذا الذي قُرن معه سيأخذ جانبًا كبيرًا من المعنى. قال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الفاء هنا واقعة في جواب الشرط، لربط الجملة الجوابية بالجملة الشرطية الفعلية، وإنما قُرنت بالفاء؛ لأن الجواب وقع

стр. 1077

جملة اسمية، وهناك بيت جمع المواضع التي يقترن فيها جواب الشرط بالفاء وهو: اسميَّةٌ طلبيةٌ وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيسِ معناه: أن هذه الجمل السبع إذا وقعت جوابًا للشرط فيجب أن تقترن بها الفاء. وقوله: (أجرٌ) يعني ثوابًا، وسمّى الله الثواب أجرًا من باب التكرم والتفضُّل كأننا نحن مستأجَرين أدَّيْنا العمل، فنطالب بالأُجرة، مع أن الحقَّ لله علينا لكنه أوجب على نفسه أنه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... ﴾ [النساء: ١٢٣ - ١٢٤]. وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] فهل الله فقيرٌ حتى نُقرضه؟ كلا، ولكن هذا من باب إظهار التزام الله بالوفاء لعبده إذا أوفى بعهده: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ هذا وصف من الله لهذا الأجر، والوصف بالعظم من العظيم يدلُّ على عظمه، ولهذا قال النبي ﷺ في حديث الدعاء الذي علَّمه أبا بكر ﵁: "فاغفر لي مغفرةً من عندك" (١) أضافها إلى عندية الله .

стр. 1078

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله لابد أن يُميِّز الخبيث من الطيب؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، فإن قال قائل: بماذا يحصل التمييز؟ . قلنا: يحصل بالوحي في عهد النبوَّة، ويحصل بالقرائن في غير عهد النبوة وفي عهد النبوة أيضًا، فإن القرائن قد تُبيِّن الخبيث من الطيب بحيث نلاحظ أعماله وننظر كيف يسير وكيف يعمل، فيتبيَّن لنا خبثه من طيبه. ٢ - بيان رحمة الله بعباده حيث لا يتركهم هكذا يشتبه بعضهم ببعض، بل لابد من ميْز هذا عن هذا. ٣ - بيان حكمة الله في أفعاله وشرعه أيضًا؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. ٤ - انقسام الناس إلى خبيث وطيب؛ لقوله: ﴿يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وهذا كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، ولم يذكر قسمًا ثالثًا، وكقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ففي العمل قسَّم الله الناس إلى قسمين، وفي الجزاء أيضًا قسَّمهم إلى قسمين. فإذا قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الخوارج الذين يقولون: إن الناس إما مؤمن أو كافر. ولا يمكن لأحد أن يجمع بين الإيمان والكفر؟ الجواب: أن يُقال: ليس فيه دليل على مذهبهم؛ لأن المؤمن إذا لم يفعل ما يخرج به من الإيمان فإنه لا يصدق عليه

стр. 1079

وصف الخبيث على سبيل الإطلاق، بل هو من قسم الطيب، لكنَّ فيه خُبثًا، وهذا الطيب غلب على خبثه، كما أن الكافر وإن فعل ما يُحمد عليه، كالبر والجود والشجاعة، وطلاقة الوجه، وما أشبه ذلك، هذه خصال إيمان، لكن خُبثه أعظم من هذه الخصال فهو من قسم الخبثاء، وليس من قسم الطيبين، إذن نقول: هؤلاء المؤمنون الذين عندهم صفات كفر من قسم الطيب الذي فيه خبث، لكن طيبه يغلب على خبثه، والكفار الذين فيهم خصال من الطيب من قسم الخبيث، لكن الطيب الذي فيهم قد انغمر في جانب الخبث، وعلى هذا فليس هناك قسم ثالثٌ بل هما قسمان. ٥ - أن من ادَّعى علم الغيب فهو كاذب، وتؤخذ من: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ بل هو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، ولأنه إذا ادَّعى علم الغيب فقد كذَّب بمضمونها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، ولكن ما المراد بالغيب؟ . المراد بالغيب هنا ما غاب غيبًا مُطلقًا، وذلك الذي يكون في المستقبل، أما الشيء الحاضر، ولكنه غائبٌ من أناسٍ دون أناس؛ فهذا قد يطَّلع عليه الإنسان، وإن لم يُشاهده بِخبر الجن يسيحون في الأرض، يذهبون شمالًا ويمينًا، وهم سريعو التصرف فربما يسعون في الأرض ثم يُخبرون أولياءهم بما شاهدوا في أراضٍ بعيدة، فيكون هذا غيبًا إضافيًا. ومعنى الغيب الإضافي: أي بالإضافة إلى قوم دون قوم، فالذين شاهدوه ليس غيبًا عندهم، أما البعيدون عنه فإنه غيب عندهم، ويقال: المغيب النسبي.

стр. 1080

فالمراد بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله، هو الغيب المطلق، هو الذي يكون في المستقبل، فهذا لا يطلع عليه إلا الله، فإن قال قائل: ألسنا إذا رأينا السماء مدلهمَّة والرعد قاصفًا، والبرق خاطفًا، أننا نتوقَّع المطر؟ ! . الجواب: بلى، فإذا قلنا ستمطر، فليس هذا من علم الغيب، بل هذا ظن مبنيٌّ على القرائن، وقد يخطئ ظننا وقد يأمر الله هذا السحاب فيتمزَّق ولا يُمطر، ولكن حسب ما نتوقَّع، ولسنا نقول هذا علم، والخلاصة أن الغيب هنا هو المطلق، وهو الذي يكون في المستقبل، أما الغيب الإضافي النسبي فهذا قد يُطلع الله عليه من يشاء من عباده، بواسطةٍ كالجن مثلًا، فالجن يعلمون ما حصل في الأرض، وُيخبرون به أولياءهم، وأولياء الجن قد يكونون متقين وقد يكونون مجرمين، فإن كانت ولاية الجن لهم بسبب الشرك فيهم، كالذبائح للجن وما أشبه ذلك، فهذه ولاية إجرام، لكن يقول شيخ الإسلام ﵀: إن الجن قد يتولون المؤمن لإيمانه، يحبونه في الله، ويخدمونه في أمره، قال: وهذا جائز بشرطين: ألا تكون وسيلة استخدامهم محرَّمة، وألا يستخدمهم في محرَّم، فمثلًا إذا قالوا: لا نخدمك حتى تسجد لنا، فهذا حرام وشرك، وإذا قالوا: لا نخدمك حتى تُدخل فلانًا السجن، فهذا حرام لكنه ليس بشرك، يعني خدموه بدون شرك، لكن استخدمهم في شيء محرَّم. فلو قال قائل: إن استخدامهم حرام بكل حال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]،

стр. 1081

وهذا يدل على أن استمتاع الإنسي بالجني محرم بكل حال، فالجواب عن ذلك أن نقول: اقرأ الآية التي بعدها حيث قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] فهذا الاستمتاع استمتاع في ظلم، ولا شك أنه حرام، أما إذا كان استمتاعًا بما ينفع وخلا من المحرم في طريقه أو في استخدامه فإن هذا لا بأس به. ٦ - أن الله قد يطلع الخلق على الغيب بواسطة الرسل؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ٧ - أن الرسل ممن اجتباهم الله واصطفاهم على الخلق، وهذا موجود في القرآن، بأن الأنبياء هم الصفوة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]. ٨ - إثبات المشيئة لله ، في قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكننا نقول: كل شيء علَّقه الله بالمشيئة، فإنه لابد أن يكون مقرونًا بالحكمة، ليست مشيئةً مجرَّدة، بل لابد أن تكون مقرونة بحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] أشار إلى أن مشيئته تتبع علمه وحكمته. ٩ - وجوب الإيمان بالله ورسله عمومًا؛ لقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وقد بيَّنا في التفسير كيفية الإيمان بالرسل، وأنه يؤمن بأنهم حقٌّ، وجاءوا من عند الله وهم صادقون، أما الاتباع فهو خاصٌ بالنبي ﷺ . ١٠ - فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه يترتب عليهما الأجر العظيم.

стр. 1082

١١ - بيان منة الله على العباد، حيث جعل إثابتهم على العمل بمنزلة الأجر المتقرَّر لهم، كأن شخصًا استأجر أُجراء وأعطاهم أجرهم فرضًا إلا أنه تعالى هو الذي فرض ذلك على نفسه. ١٢ - إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل، فكما أن الإيمان والتقوى يُعتبر أمرًا عظيمًا ظاهرًا وباطنًا، فكذلك الأجر، كان أجرًا عظيمًا. * * * • ثم قال الله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾: فيها ثلاث قراءات: الأولى: ولا يحسِبنّ. الثانية: ولا يحسَبنّ. والثالثة: ولا تَحسَبنّ بالخطاب. وكلها قراءات سبعيَّة، يُسنُّ للإنسان أن يقرأ بهذه أحيانًا، وبهذه أحيانًا، إلا أنه لا ينبغي أن يقرأ بالقراءة الخارجة عن المصحف أمام العامة؛ لأن ذلك قد يُوجد فتنة. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ أي: لا يظن الذين يبخلون بما آتاهم الله. والبخل هو المنع مع شحٍّ، ولهذا عُدِّي بالباء، ولم يقل: (يبخلون ما آتاهم) بل قال: يبخلون به، أي: يمنعونه مع شح يعني: يشِحُّون به.

стр. 1083

وقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ﴾ أي: بما أعطاهم الله من فضله، وفيه إشارة إلى أن هذا البخل في غير موضعه؛ لأنهم بخلوا بشيءٍ ليس من كسبهم، ولا من كدِّهم، وهذا من الحمق البالغ، إذ إن الأمر يقتضي أن الذي أعطاك إذا أمرك أن تصرفه في شيء، أن تصرفه فيه كما أمرك، لأنه فضله. وقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: من خيره؛ لأن الفضل في الأصل هو الزيادة، فالإنسان قد يعمل عملًا يؤمِّل أن يكسب فيه ألفًا، فيكسب ألفين أو أكثر من فضل الله . قوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: ﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثانٍ لـ (يحسب) والمفعول الأول محذوف تقديره: بخلهم هو خيرًا لهم. يعني: (ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم خيرًا لهم بل هو شر لهم) كما ذكر الله . وقوله: (هو خيرًا لهم) (خير) هنا اسم تفضيل، فلابد فيه من مفضَّل، ومفضَّل عليه، فالمفضَّل عليه هو البخل، هو خير لهم من العطاء. يعني لا يظنُّوا أن البخل خيرٌ لهم من العطاء، فهم يظنُّون أن البخل أفضل لهم من العطاء، وهذا الظن خطأ؛ لأن النبي ﷺ قال: "ما نقصت صدقة من مال" (١). وكم من إنسان يزداد ماله بالصدقة، ولا تنقِص الصدقة مالًا مع الاحتساب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩].

стр. 1084

ومعنى ﴿يُخْلِفُهُ﴾ أي: يأتي بخلَفِه. يقول الله : ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾: أي: شرٌ لهم من العطاء، والعطاء ليس فيه شر، ولكن الله خاطب هؤلاء بحسب اعتقادهم، حيث يظنُّون أنهم إذا أنفقوا ضاق عليهم الرزق، فيقول القائل منهم: أنا عندي ألف، إذا أنفقتُ منه مائةً نقص، وصار تسعمائة، فيظنون أن هذا شر، فيقول الله : إن المنع هو الشر، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾. شرٌ من العطاء، فالعطاء خيرٌ، والمنع شر. وقوله: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إضراب إبطالي، وقد يأتي الإضراب في القرآن انتقاليًا كما في قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] فالثاني لا يبطل الأول بل يؤكده. ثم قال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: (السين) يقول علماء النحو: إنها للتنفيس، وتُفيد التحقيق. والتنفيس معناه: حصول الشيء عن قرب، والتحقيق واضح، يعني: أن كلمة (سيطوَّقون) أبلغ في التحقيق من كلمة (يطوَّقون) لأن السين تُفيد التحقيق وتُفيد أيضًا التنفيس، فتفيد (سيطوَّقون) أن هؤلاء سوف يُعاقبون هذه العقوبة حتمًا وعن قرب، ومن أين أخذنا الحتمية؟ . الجواب: من السين الدالة على تحقق وقوع العذاب، وأخذنا القرب لأن التنفيس الذي تدلُّ عليه السين معناه القرب، فإذا قال قائل: إن تحققه معلوم، ولكن كيف يكون قريبًا؟ قلنا: إن يوم القيامة قريب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ

стр. 1085

قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] فيوم القيامة وإن كان بعيدًا في نظر الناس، لكنه في الحقيقة قريب، وانظر إلى الأيام كيف تنطوي بسرعة حتى تنتهي، لتعرف أن يوم القيامة وإن بعُد أمده فهو في الحقيقة قريب. وقوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: سيُجعل ما بخلوا به طوقًا في أعناقهم. والطوق معروف مثل طوق القميص يحيط بالعنق، وقد بيَّن النبي ﷺ كيف يكون هذا التطويق فقال: "من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه فيقول: أنا كنزك، أنا مالك" (١). قال العلماء: الشجاع الأقرع هو: الذكر من الحيات. والأقرع: كثير السُّم؛ لأن رأسه من كثرة سمِّه قد تمزّق شعره، فهو أقرع. "وله زبيبتان": أي غدَّتان تُشبهان الزبيب، قد امتلأتا من السُّم. "فيأخذ بلهزمتيه": أي شدقيه كما جاء مفسَّرًا في الحديث. ويقول: أنا كنزك، أنا مالك: يقول ذلك توبيخًا له فيزداد بذلك حسرة. هذا هو تفسير الآية الكريمة كما فسَّرها النبي ﵊. وقوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾:

стр. 1086

يُعبِّر الله تعالى عن الجزاء بالعمل نفسه، وهو كثير في القرآن مثل: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهنا ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه هو العمل نفسه، فلهذا يُعبِّر الله عن الجزاء بالعمل كثيرًا. ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: (يوم القيامة): هو يوم يبعث الناس، وسمِّي يوم القيامة لوجوه ثلاثة: يقوم فيه الناس لرب العالمين، ويقوم فيه الأشهاد، ويقوم فيه العدل. فالوجه الأول: يقوم فيه الناس لربِّ العالمين، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦]. والثاني: يقام فيه القسط، لقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. والثالث: يُقام فيه الأشهاد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] فلهذا سُمِّي يوم القيامة. يقول الله : ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: (لله): اللام هذه للاختصاص، والجار والمجرور خبر مقدم، وتقديمه يفيد الحصر، أي: أنه له وحده . وَ (الميراث): انتقال المال من سابقٍ إلى لاحق، كانتقاله من الميت إلى الحي. فالذي يرث السموات والأرض ويبقى بعدها هو الله سبحانه، ولهذا قال: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا يتحوَّل ميراثها إلا إليه وحده ، ومناسبة هذه الجملة لما

стр. 1087

قبلها واضحة، وذلك أن الذي يبخل بماله إنما يبخل به ليبقى له، فبيَّن الله أنه لم يبقى له، لابد أن يموت ويرثه ورثته ثم يموتون ويرثهم ورثتهم وهكذا إلى أن ينتهي الإرث إلى الله . فالمناسبة إذن بين هذه الجملة وما قبلها ظاهرةٌ جدًا. وقال الله : ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: فيها قراءتان (تعملون) و (يعملون). وخَتْمُ الآية هذه بهذا الاسم وهو الخبير واضح المناسبة؛ لأن هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله قد لا يطَّلع عليهم الخلق، فالإنسان قد يكون عنده ملايين ولا يعلم الناس عنه، ويبخل بزكاتها ولا يُعْلَم عنه، فبيَّن الله تعالى، أنه خبير بعملهم، والغالب أن من منع الحق في ماله سُلِّط على هلكته في الباطل، يعني: فتح له أبوابًا من الباطل يَصرف فيها ماله فيكون مانعًا لما يجب، واقعًا فيما يحرم، ولهذا هدَّدهم الله بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تهديد من بخل بما آتاه الله من فضله، وسبق لنا أن البخل المتوعد عليه هو منع الواجب في المال. ٢ - أن الشيطان قد يُغِرّ الإنسان فيقول: لا تنفق فيهلك مالك؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، ولا شك أن هذا هو الواقع، ودليل ذلك أن الله يُحذِّرنا دائمًا من هذا الشيطان ويقول: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]، وأول من يغُرُّنا بالله هو الشيطان. ٣ - إقامة اللوم والتوبيخ على هؤلاء الذين بخلوا؛ لقوله:

стр. 1088

﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: كيف يبخلون بشيءٍ ليس من كسبهم ولا مِن كدِّهم، بل هو من فضل الله، فيبخلون به في طاعة الله. ٤ - أن ما أوتيه الإنسان من علم أو مال أو ولد، فإنه من الله ، فالولد لا يقول الإنسان: أوتيته بسبب أني تزوَّجت، وأتيتُ أهلي، والعلم لا يقول: أوتيته لأني سعيت فيه، والمال كذلك لا يقول: أوتيته لأني سعيت فيه؛ لأن الجميع من فضل الله، فتوفيقكَ للسعي في هذا الأمر من فضل الله، ثم حصول النتيجة التي كنت ترجوها من فضل الله، فكم مِن إنسانٍ خُذل فلم يسعَ، وكم مِن إنسانٍ سعى ولم يحصل على ثمرة، فأصل السعي والثمرة كلها من الله، ولهذا قال: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ٥ - تحذير الباخلين من البخل؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾. ٦ - أن الإنسان قد يُزيَّن له سوء عمله فيظنه حسنًا، فالبخل خلق سيئ وعمل سيئ قد يُزيَّن للإنسان فيبخل مع أنه من الأعمال السيئة، والأخلاق السيئة. ٧ - إثبات الجزاء، بل إثبات العقوبة العظيمة على هؤلاء الباخلين، وهي أنهم يطوَّقون به يوم القيامة، حين لا ينفعهم الندم ولا يمكنهم الخلاص. ٨ - تحقُّق وقوع الجزاء؛ لقوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ وذلك بواسطة السين. ٩ - إقامة الحجة على أن هذا البخل ليس بنافعٍ أصحابه،

стр. 1089

مأخوذ من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبخلهم لن يُخلِّدهم في الدنيا، ولن يخلَّد المال لهم، بل هم سوف يجازون عليه، وسوف ينتقل المال منهم إلى ورثتهم، ومن ورثتهم إلى الآخرين حتى ينتهي الأمر إلى الله . ١٠ - إثبات علم الله ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، و ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قراءتان. (خبير) لأن الخِبرة كما قال العلماء: هي العلم ببواطن الأمور، ومن المعلوم أن العليم ببواطن الأمور عليم بظواهرها من باب أولى. ١١ - الإشارة إلى اسم الله "الآخر"، فإن الله هو الأول والآخر، وذلك من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فإذا ثبت إرثه لهما لزم منه أن يكون هو الآخر . * * * • ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]: القراءات في هذه الآية: (سنكتب) و (قتل) و (الأنبياء) و (نقول). كل واحدة منها فيها قراءتان: فقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ... ﴾ تقرأ: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ ﴿وَنَقُولُ﴾: بالنون، وبناءً على هذه القراءة تكون (ما) مبنية على السكون في محل نصب مفعولًا به، وتكون (قتلَ) معطوفة على المفعول به (ما)، والمعطوف على المنصوب منصوب. وعلى القراءة الثانية (سيُكتب ما قالوا) تكون (ما) مبنية على

стр. 1090

السكون في محل رفع نائب فاعل، وتكون (قتلُ) معطوفًا على نائب فاعل فتكون بالرفع، وعليه فلا يجوز أن تقرأ (وسنكتب ما قالوا وقتلُهم الأنبياء بغير حق) برفع (قتل) لأنه لا يُرفع إلا إذا قرأنا (سيُكتب ما قالوا وقتلُهم الأنبياء بغير حق ويقول). (يقول) بالياء توافق قراءة (سيُكتب). أما الأنبياء ففيها قراءتان: "الأنبئاء" و"الأنبياء" .. بالياء كما في "النبيين" وبالهمزة كما في "النبئين". فعلى قراءة (الأنبئاء) تكون من (النبأ) بالهمز، وهو الخبر. وعلى قراءة الياء تكون من (النَّبْوة) وهي الارتفاع. يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾: أكد الله هذا الخبر بثلاثة مؤكدات: الأول: القَسم المقدَّر؛ لأن اللام هنا واقعة في جواب قسم. والثاني: (قد). والثالث: اللام في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾. وإنما أكده للمبالغة في تهديد هؤلاء، وأما نحن المؤمنين فإننا نعلم أنه بمجرد ما يُخبرنا عن شيء فهو مؤكد، لكن من أجل تهديد هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾: ﴿سَمِعَ﴾ هنا بمعنى: أدرك هذا القول جل وعلا، أي سمعه سماعًا، ولا نقول بأذنه لأنه لم يثبت لنفسه ذلك جل وعلا، ولأنه لا يلزم من السماع الأذن، بخلاف قولنا: (استوى على العرش).
следующие страницы →