← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

يُعبِّر الله تعالى عن الجزاء بالعمل نفسه، وهو كثير في القرآن مثل: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهنا ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه هو العمل نفسه، فلهذا يُعبِّر الله عن الجزاء بالعمل كثيرًا. ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: (يوم القيامة): هو يوم يبعث الناس، وسمِّي يوم القيامة لوجوه ثلاثة: يقوم فيه الناس لرب العالمين، ويقوم فيه الأشهاد، ويقوم فيه العدل. فالوجه الأول: يقوم فيه الناس لربِّ العالمين، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦]. والثاني: يقام فيه القسط، لقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. والثالث: يُقام فيه الأشهاد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] فلهذا سُمِّي يوم القيامة. يقول الله : ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: (لله): اللام هذه للاختصاص، والجار والمجرور خبر مقدم، وتقديمه يفيد الحصر، أي: أنه له وحده . وَ (الميراث): انتقال المال من سابقٍ إلى لاحق، كانتقاله من الميت إلى الحي. فالذي يرث السموات والأرض ويبقى بعدها هو الله سبحانه، ولهذا قال: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا يتحوَّل ميراثها إلا إليه وحده ، ومناسبة هذه الجملة لما

стр. 1087

قبلها واضحة، وذلك أن الذي يبخل بماله إنما يبخل به ليبقى له، فبيَّن الله أنه لم يبقى له، لابد أن يموت ويرثه ورثته ثم يموتون ويرثهم ورثتهم وهكذا إلى أن ينتهي الإرث إلى الله . فالمناسبة إذن بين هذه الجملة وما قبلها ظاهرةٌ جدًا. وقال الله : ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: فيها قراءتان (تعملون) و (يعملون). وخَتْمُ الآية هذه بهذا الاسم وهو الخبير واضح المناسبة؛ لأن هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله قد لا يطَّلع عليهم الخلق، فالإنسان قد يكون عنده ملايين ولا يعلم الناس عنه، ويبخل بزكاتها ولا يُعْلَم عنه، فبيَّن الله تعالى، أنه خبير بعملهم، والغالب أن من منع الحق في ماله سُلِّط على هلكته في الباطل، يعني: فتح له أبوابًا من الباطل يَصرف فيها ماله فيكون مانعًا لما يجب، واقعًا فيما يحرم، ولهذا هدَّدهم الله بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تهديد من بخل بما آتاه الله من فضله، وسبق لنا أن البخل المتوعد عليه هو منع الواجب في المال. ٢ - أن الشيطان قد يُغِرّ الإنسان فيقول: لا تنفق فيهلك مالك؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، ولا شك أن هذا هو الواقع، ودليل ذلك أن الله يُحذِّرنا دائمًا من هذا الشيطان ويقول: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]، وأول من يغُرُّنا بالله هو الشيطان. ٣ - إقامة اللوم والتوبيخ على هؤلاء الذين بخلوا؛ لقوله:

стр. 1088

﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: كيف يبخلون بشيءٍ ليس من كسبهم ولا مِن كدِّهم، بل هو من فضل الله، فيبخلون به في طاعة الله. ٤ - أن ما أوتيه الإنسان من علم أو مال أو ولد، فإنه من الله ، فالولد لا يقول الإنسان: أوتيته بسبب أني تزوَّجت، وأتيتُ أهلي، والعلم لا يقول: أوتيته لأني سعيت فيه، والمال كذلك لا يقول: أوتيته لأني سعيت فيه؛ لأن الجميع من فضل الله، فتوفيقكَ للسعي في هذا الأمر من فضل الله، ثم حصول النتيجة التي كنت ترجوها من فضل الله، فكم مِن إنسانٍ خُذل فلم يسعَ، وكم مِن إنسانٍ سعى ولم يحصل على ثمرة، فأصل السعي والثمرة كلها من الله، ولهذا قال: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ٥ - تحذير الباخلين من البخل؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾. ٦ - أن الإنسان قد يُزيَّن له سوء عمله فيظنه حسنًا، فالبخل خلق سيئ وعمل سيئ قد يُزيَّن للإنسان فيبخل مع أنه من الأعمال السيئة، والأخلاق السيئة. ٧ - إثبات الجزاء، بل إثبات العقوبة العظيمة على هؤلاء الباخلين، وهي أنهم يطوَّقون به يوم القيامة، حين لا ينفعهم الندم ولا يمكنهم الخلاص. ٨ - تحقُّق وقوع الجزاء؛ لقوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ وذلك بواسطة السين. ٩ - إقامة الحجة على أن هذا البخل ليس بنافعٍ أصحابه،

стр. 1089

مأخوذ من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبخلهم لن يُخلِّدهم في الدنيا، ولن يخلَّد المال لهم، بل هم سوف يجازون عليه، وسوف ينتقل المال منهم إلى ورثتهم، ومن ورثتهم إلى الآخرين حتى ينتهي الأمر إلى الله . ١٠ - إثبات علم الله ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، و ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قراءتان. (خبير) لأن الخِبرة كما قال العلماء: هي العلم ببواطن الأمور، ومن المعلوم أن العليم ببواطن الأمور عليم بظواهرها من باب أولى. ١١ - الإشارة إلى اسم الله "الآخر"، فإن الله هو الأول والآخر، وذلك من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فإذا ثبت إرثه لهما لزم منه أن يكون هو الآخر . * * * • ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]: القراءات في هذه الآية: (سنكتب) و (قتل) و (الأنبياء) و (نقول). كل واحدة منها فيها قراءتان: فقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ... ﴾ تقرأ: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ ﴿وَنَقُولُ﴾: بالنون، وبناءً على هذه القراءة تكون (ما) مبنية على السكون في محل نصب مفعولًا به، وتكون (قتلَ) معطوفة على المفعول به (ما)، والمعطوف على المنصوب منصوب. وعلى القراءة الثانية (سيُكتب ما قالوا) تكون (ما) مبنية على

стр. 1090

السكون في محل رفع نائب فاعل، وتكون (قتلُ) معطوفًا على نائب فاعل فتكون بالرفع، وعليه فلا يجوز أن تقرأ (وسنكتب ما قالوا وقتلُهم الأنبياء بغير حق) برفع (قتل) لأنه لا يُرفع إلا إذا قرأنا (سيُكتب ما قالوا وقتلُهم الأنبياء بغير حق ويقول). (يقول) بالياء توافق قراءة (سيُكتب). أما الأنبياء ففيها قراءتان: "الأنبئاء" و"الأنبياء" .. بالياء كما في "النبيين" وبالهمزة كما في "النبئين". فعلى قراءة (الأنبئاء) تكون من (النبأ) بالهمز، وهو الخبر. وعلى قراءة الياء تكون من (النَّبْوة) وهي الارتفاع. يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾: أكد الله هذا الخبر بثلاثة مؤكدات: الأول: القَسم المقدَّر؛ لأن اللام هنا واقعة في جواب قسم. والثاني: (قد). والثالث: اللام في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾. وإنما أكده للمبالغة في تهديد هؤلاء، وأما نحن المؤمنين فإننا نعلم أنه بمجرد ما يُخبرنا عن شيء فهو مؤكد، لكن من أجل تهديد هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾: ﴿سَمِعَ﴾ هنا بمعنى: أدرك هذا القول جل وعلا، أي سمعه سماعًا، ولا نقول بأذنه لأنه لم يثبت لنفسه ذلك جل وعلا، ولأنه لا يلزم من السماع الأذن، بخلاف قولنا: (استوى على العرش).

стр. 1091

فنقول: بذاته ؛ لأن الله أضاف الفعل إلى نفسه، أما هنا فلا نقول سمع بأذنه؛ لأنه لا يلزم من السماع ثبوت الأذن، فها هي الأرض يوم القيامة تُحدِّث أخبارها، أي تُخبر عما فعل الناس عليها، أو عما قالوا عليها، مع أنه ليس لها أذن، والجلود والأيدي والأرجل تشهد يوم القيامة على الإنسان بما عمل، وهي ليس لها آذان، إذن لا يجوز أن نقول: إن الله له أذن بناءً على أن الله أثبت له السمع، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم . فإذا قال قائل: ألستم أثبتم لله عينًا؟ نقول: بلى. ولكن كيف أثبتنا؟ أهو من طريق أنه يرى أو من طريق أنه أثبت لنفسه عينين؟ الجواب: الثاني، فلولا أن الله أثبت لنفسه عينين ما جاز لنا أن نثبت العين، ولهذا نحن نؤمن أن الله يتكلم، ولكن لا نقول باللسان، لأن الله لم يُثبت ذلك لنفسه، ولا يلزم من الكلام ثبوت اللسان، بدليل أن الأرض تُحدِّث أخبارها، والجلود تشهد، ويقول صاحب الجلد لجلده: لِمَ شهدت عليَّ؟ فتقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] ولا تقول: لي لسان وشفتان. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾: وهم أناس من اليهود منهم رجلٌ يسمى (فِنحاص) ولكن الله في كتابه لا يذكر شيئًا خاصًا إلّا لسبب، لابد من تعيين الشخص، ولهذا لم يذكر الله أحدًا باسمه في القرآن من هذه الأمة إلا رجلًا مؤمنًا ورجلًا كافرًا فقط. الرجل المؤمن زيد بن حارثة ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:

стр. 1092

٣٧]، والرجل الكافر من هذه الأمة أبو لهب؛ لأن الوصف أكثر فائدة لوجهين: الأول: أنه قد تتغير حال المعيَّن، يكون بالأول فاسقًا ماردًا كافرًا، ثم يسلم ويتوب الله عليه، فإذا تاب ولم يذكر اسمه في القرآن كان أحسن مما لو ذكر، فإنه لو ذكر اسمه لبقي العار عليه ولو تاب. الثاني: أنه أعمُّ؛ لأن تعليق الحكم بالوصف أعَمُّ من تعليقه بالشخص، ولهذا إذا عُلِّق الحكم بالشخص احتمل الخصوصية، وإذا قلنا بعمومهِ -بعموم الحكم المعلق بالشخص- فإنه ليس عمومًا شموليًا، ولكنه عمومٌ تمثيلي، يعني بالقياس، إذن ينبغي لنا في مثل هذه الأمور أن لا نعيِّن الشخص بعينه، فإذا أردنا مثلًا أن نتكلم على صحيفةٍ خبيثة فالأولى ألا نعينها بل نقول: قالت بعض الصحف، وإذا ذكرنا الكلام عُرف. أولًا: لأن الصحيفة قد تتغير، والثاني: أنه إذا حصرنا وعينَّا فقد يفهم السامع أنه لا يوجد سوى هذه الصحيفة، ولكن إذا عمَّمنا وجعلنا الحكم معلقًا بالوصف شمل غيرها، وصار هذا أنفع، وهذه مسألة دل عليها القرآن وكذلك السنة أيضًا تدل عليها، كان الرسول ﷺ لا يقول: ما بال فلان يقول كذا؟ بل كان يقول: ما بال أقوام، من أجل الفائدتين اللتين أشرنا إليهما. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾: هؤلاء هم اليهود، وسبب قولهم هذا أن الله قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] فرحت اليهود بهذا وجاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا محمد، إن ربك

стр. 1093

قد افتقر لأنه يطلب القرض منا -نسأل الله العافية- ولم يعلم هؤلاء البلهاء إن كانوا صادقين فيما ادّعوا وهم كاذبون في هذا، لكن تنزلًا معهم نقول: إن الله جعل الإنفاق في سبيله له بمنزلة القرض إشعارًا للمنفق بأنه سوف يجازى عليه، كما أن المقترض يجب عليه أن يوفي مقرضه، فهكذا جعل الله العمل له بمنزلة القرض تفضلًا منه وإحسانًا للعباد، واليهود لا يُستغربُ منهم أن يصفوا الله بمثل هذا، فهم قالوا: يد الله مغلولة، فوصفوه بالبخل، وهم قالوا: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم تعب واستراح يوم السبت، ولهذا يجعلون يوم السبت هو يوم الراحة عندهم -قاتلهم الله- وهم كاذبون في هذا، قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ وليتهم اقتصروا على هذا القول -مع كونه من أعظم المناكر- لكنهم قالوا: (ونحن أغنياء) فجعلوا أنفسهم أكمل من الله، وهذا غاية ما يكون من الوقاحة. قال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾: وإضافة الكتابة إليه لأن جنوده يكتبون ذلك، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ٩ - ١١]، وقوله تعالى وهي أصرح: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، إذن الكتابة هنا كتابة الله بملائكته؛ لأنهم يكتبون

стр. 1094

بأمره وهم جنده، كما يقول القائد: فعلت كذا، والفاعل الجنود، فالملك والسلطان يتكلم بالشيء مضيفًا إياه إلى نفسه لأنه حصل بأمره وسلطته، إذن سنكتب ما قالوا بملائكتنا، والله أحيانًا يضيف الشيء إلى نفسه مريدًا به الملائكة مثل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]، أقرب إليه بالملائكة ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ مما يدل على أنه أي: القريب في نفس المكان لكننا لا نبصره، وهم الملائكة. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] الراجح فيها أن المراد أقرب إليه بملائكتنا بدليل قوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواضع من كلامه، منها كلامه في شرح حديث النزول وهو مشهور ومتداول. يقول: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾: هل هو لمجرد الاطلاع عليه أو للمجازاة؟ الجواب: للمجازاة بدليل ما يأتي في آخر الآية قال: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ذكر قتل الأنبياء بغير حق مع أنهم لم يقولوا: إنا قتلنا الأنبياء، لكن ليبين أن هؤلاء اعتدوا على حق الله وعلى حق رسله وأنبيائه، فقتلوا الأنبياء بغير حق، وهو شامل لقتل الأنبياء والرسل؛ لأن كل رسول نبي. قاعدة: وهي أن الأنبياء المذكورين في القرآن رسلٌ، فما نجد نبيًّا ذُكر في القرآن إلا وهو رسول، والدليل على ذلك من

стр. 1095

القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فإن استقام هذا فالأمر واضح، وإن لم يستقم فنقُل: إن المقصود بهم الأنبياء الذين لم يوحَ إليهم بشرع جديد يُبلِّغونه الناس. وقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: (بغير حق) هذا قيد كاشف وليس احترازي، يعني أن قتلهم للأنبياء بغير حق، وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قَتْلهم إلى قَتْلٍ بحق وقَتْلٍ بغير حق، فكل قَتْلٍ للأنبياء إنما هو بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون النبي لشخصه، وإنما يقتلونه لما جاء به من الحق أي أنهم يقتلونهم لكونهم أنبياء. ففي هذا القيد فائدتان: الأولى: بيان الواقع، فهي صفة كاشفة. والثانية: المبالغة في التشنيع عليهم، فإنهم يقتلونهم بغير حق. وقوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: وذلك يوم القيامة أو في القبر أيضًا، والقول هنا: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ يقصد به الإهانة والإذلال وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق، قيل لهم ذلك أم لم يُقل، فهو حق. ومن هذا الباب قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]. يقال له: وهو يعذب في النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ إهانة له، أي: أن عزك وكرمك لم ينفعك. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات سمع الله : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، والسمع هنا بمعنى إدراك الصوت وإن خفي.

стр. 1096

والمراد به هنا (التهديد)، والعلماء ﵏ قسَّموا سمع الله إلى قسمين: الأول: بمعنى الاستجابة. والثاني: بمعنى إدراك الأصوات. أما السمع بمعنى الاستجابة فهو كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، ﴿سَمِعْنَا﴾: يعني بآذانهم، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أي لا يستجيبون. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا﴾ [التغابن: ١٦] "اسمعوا" يعني سمعَ استجابةٍ. ومنه قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] أي لمستجيب الدعاء. وهذا القسم من السمع معلوم أنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلَّق بمشيئة الله. والقسم الثاني من السمع: سمع الإدراك، قالوا: إنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يُراد به التهديد، وقسم يُراد به التأييد، وقسم يُراد به بيان الإحاطة والشمول لسمع الله، فأما الذي يراد به التأييد كقوله تعالى لموسى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، والمراد بالسمع هنا التأييد، وقد يقول قائل: والتهديد بالنسبة إلى فرعون. وأما ما يراد به التهديد فمثل هذه الآية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. وأما الذي يراد به بيان شمول علم الله وسمعه فمثل قوله

стр. 1097

تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] قالت عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كنت في طرف الحجرة، وإنه ليخفى عليَّ بعض حديثها، والله فوق عرشه فوق سبع سموات يسمع كلام هذه المرأة (١)، ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]، أي تحاور الرسول والمرأة سمعه الله. ٢ - بيان ما عليه اليهود من الوقاحة والعدوان حيث اعتدوا على الربِّ بوصفهم إياه بأنه فقير. ٣ - أنهم لشدة عتوِّهم وبغيهم لم يقتصروا على أن وصفوا الله بأنه فقير، بل قالوا: ونحن أغنياء، فهم بذلك أثبتوا الكمال لأنفسهم والنقص لله . ٤ - إثبات الكتابة لله في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾، ولكننا ذكرنا أن المراد هنا الملائكة التي تكتب بأمره، وذكرنا لهذا دليلًا: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]. ٥ - أن اليهود كما اعتدوا على الله اعتدوا أيضًا على رسل الله، فقتلوا الأنبياء بغير حق، فصار منهم عدوان على مقام التوحيد ومقام الرسالة، فلم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله ولا أنَّ رسلَ الله رسلُ الله. ٦ - إثبات القول لله في قوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا

стр. 1098

عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ والله قد ثبت له القول بإجماع السلف أن يقول ويتكلم بكلام حقيقي بحرف وصوت مسموع، وهذا الكلام صفة من صفات الله ليس بمخلوق. وقالت المعتزلة والجهمية: أنه خَلْقٌ من مخلوقاته، هو كلامه لكنه خلق من مخلوقاته. وقالت الأشاعرة ومن ضاهاهم: إنه لا يتكلم بكلام مسموع، وكلامه هو الكلام القائم بنفسه والذي يسمع عبارة عنه أو حكاية، وهو مخلوق فالمسموع مخلوق. وقد ذكر ابن القيم أن شيخ الإسلام رحمهما الله أبطل هذا القول من تسعين وجهًا في رسالة تسمى "التسعينية". ٧ - أن هؤلاء سوف يذوقون العذاب بالألم البدني والألم النفسي في قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، ففي الحريق: ألم بدني وفي قوله (ذوقوا): ألم نفسي؛ لأن هذا توبيخ وإهانة، فالأمر هنا للتوبيخ والإهانة. ٨ - الردُّ على من قال: إن أهل النار لا يذوقون العذاب؛ لأن أجسامهم تأخذ على النار وتتكيف بها، فيصبحون لا يذوقون ألمًا؛ لقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. ٩ - بيان قدرة الله حيث يحترق هؤلاء وتنضج جلودهم، وكلما نضجت جلودهم بُدِّلوا جلودًا غيرها، ومع ذلك لا يموتون مع أن مثل هذا الحريق لو أصاب أحدًا في الدنيا لهلك كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣]، فلا يموت ويستريح ولا يحيا حياة هنيئة.

стр. 1099

• ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]: هذا من تمام قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: يقال لهم زيادةً في التوبيخ والندم والحسرة ذلك، أي ما أصابهم من العذاب والتوبيخ، فالمشار إليه ما سبق في قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وهنا قال: (ذلك) مع أنه يتحدَّث عن جماعة وأتى بكاف الخطاب المفردة؛ لأنه مرَّ علينا قريبًا أن اسم الإشارة بحسب المشار إليه، وأن الكاف بحسب المخاطب على اللغة الفصحى، أو هي بفتح الكاف مفردة للمذكر وبكسرها مفردةً للمؤنث، أو هي بفتح الكاف المطلقة، وكلها لغات، لكن الأكثر أنها بحسب المخاطب. قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أي بسبب، فالباء هنا للسببية. و (ما) اسم موصول بمعنى الذي، أي بالَّذي، وقوله: ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أي في الدنيا. والمراد بالأيدي هنا أنفسهم، لكن أُضيف العمل أو المقدَّم بالأيدي؛ لأن الغالب أن الأيدي هي محل البطش والعمل، وإلا فمن المعلوم أنه قد قدَّمت أيديهم وألسنتهم وأرجلهم، فكلها عملت بالشرك. قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: ﴿وَأَنَّ﴾ هنا بالفتح عطفا على (ما) في قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي: وذلك بأن الله ليس بظلّامٍ للعبيد. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ﴾، (ظلّام) على صيغة المبالغة، ولكنها في نفس الوقت على صيغة النسبة، والفرق بينهما:

стр. 1100

أن صيغة المبالغة تدلُّ على الكثرة، والنسبة تشمل الكثرة والقلَّة، فهل المراد هنا صيغة المبالغة أم النسبة؟ المراد النسبة، لأننا لو قلنا: إن المراد بذلك صيغة المبالغة لكان المنفي كثرة الظلم، مع أن الله لا يظلم مثقال ذرَّة، وعلى هذا فنقول: (ظلَّام) هنا نسبة، أي: ليس بذي ظلم، كما نقول: فلان ليس نجارًا، يعني: ليس بذي نجارة، أي ليس منسوبًا إلى النجارين. وقوله: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ جمع عبد، وعبد: اسم مفرد، وهو من أكثر المفردات جموعًا، وله جموعٌ متعدِّدة كثيرة، مثل: (شيخ) اسم مفرد له جموع كثيرة تصل إلى عشرة جموع. و(العبيد) هنا: المراد بهم: العبيد كونًا. فهو لا يظلم أحدًا من العبيد كونًا، وإنما قلنا كونًا لندفع أن المراد بذلك العبيد شرعًا، وهم المتعبِّدون لله، فالعبودية في هذه الآية هي العبودية العامة والشاملة للكافر والمؤمن، فالله لا يظلم كافرًا، ولا يظلم مؤمنًا، بل يُجازي كل إنسان بعمله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات الأسباب، وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. ٢ - نفي الظلم عن الله في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وهنا نقف لنبيِّن أن الله موصوف بالإثبات وموصوفٌ بالنفي، أما الإثبات: فإن الله وصف نفسه بإثبات كل صفة كمال، فكل صفة كمال فهي ثابتة لله ، وميزان الكمال نصوص الكتاب والسنة، ولهذا نحن لا نحكم على الله فنقول: هذه صفة لائقة بالله ، وهذه صفة

стр. 1101

غير لائقة به، بل المرجع في هذا إلى الكتاب والسنة في التفصيل، أما في الإجمال، فالعقل يدل على أن الربَّ لابد أن يكون كاملًا. أما الصفات المنفية: فإنه لا يُراد بها مجرد النفي، بل المراد انتفاء هذه الصفة لثبوت كمال الضد، فإذا نفى أن يكون ظلّامًا للعبيد فذلك لكمال عدله، وإذا نفى أن تأخذه سِنةٌ ولا نوم فذلك لكمال حياته وقيوميته، وإذا نفى أن يصيبه لغوب فذلك لكمال قوته، وهكذا، ويجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفيٌ مجرَّد، وهذه قاعدة: (لا يوجد في صفات الله نفي مجرَّد) والدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] والنفي المجرد ليس مثلًا أعلى، المثل الأعلى أي: الوصف الأعلى والأكمل، والنفي المجرد عدم، والعدم ليس بشيء فضلًا عن أن يكون وصفًا أعلى. ثانيًا: أن النفي المحض قد يكون لعجزِ الموصوف عنه، وقد يكون لعدم قابليته لهذا المنفي، أي معناه: نفينا عنه هذا الشيء لأنه عاجز لا يستطيع أن يفعل هذا الشيء الذي نفيناه عنه، وقد يكون لعدم قابليته لهذا الشيء، فمثلًا: إذا قال قائل: فلان رجل حُبَيِّب لا يظلم الناس ولا يعتدي عليهم، نعرف من هذا الكلام عجزه، ولهذا قلنا: (حُبيب)، و (حبيب) عند الناس كلمة تصغير وتحقير، وهذا كقول الشاعر: قُبَيِّلة لا يغدرون بذمَّةٍ ... ولا يظلمون الناس حبَّة خردلِ وقد يكون النفي لا يتضمن كمالًا، كأن يكون لعدم القابلية، يعني أن ما نفي عنه هذا الوصف ليس لكماله ولكنه لا يقبل هذا

стр. 1102

الوصف ولا يقدر عليه، وقد مثَّل العلماء لذلك بأن تقول: إن جداري لا يظلم، فقولك: الجدار لا يظلم ليس بمدح؛ لأنه لو أراد أن يظلم لم يقدر. فالقاعدة: أنه (لا يوجد في صفات الله نفي محض، بل كل ما نفى الله عن نفسه فهو متضمِّنٌ لكمالٍ). ٣ - أن الله يخبر عما يخبر من صفاته لتطمين الخلق؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ حتى يطمئن الإنسان أنه لن يجازى إلا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ٤ - جواز إطلاق البعض على الكل إذا وجدت قرينة تدل عليه؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فاليد بعض من الإنسان لكن (القرينة) تدل على أن المراد الكل يعني (بما قدمتم)، ونظيرها في صفات الله قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]، هل نقول: إن الله خلق الإبل مثلًا بيده كما خلق آدم؟ الجواب: لا، فيكون المراد: (مما عملت أيدينا) أي: مِمَّا عملنا؛ لأن الله لم يخلق الإبل بيده كما خلق آدم، ولكن لا يعني هذا أن الآية ليس فيها دلالة على ثبوت اليد لله، بل فيها دلالة على ثبوت اليد لله تعالى؛ لأنه لولا أن له يدًا ما صحَّ أن يضيفها إلى نفسه. ٥ - ومن فوائدها: إمكان الظلم من الله لولا أن الله نفاه عن نفسه في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، لأنه لو كان الظلم غير ممكن في حقِّه، لم يصح أن يمتدح بتركه ، إذ لا يتمدَّح بترك شيء إلا إذا كان تَرَكه اختيارًا، أما لو كان مستحيلًا في حقه، لم يكن للتمدُّح به فائدة، وبناءً على هذه

стр. 1103

الفائدة يكون فيها ردٌّ على الجهمية الذين يقولون: (إن الظلم محالٌ على الله، محالٌ لذاته، لا لأن الله نفاه عن نفسه)، لأنهم يقولون: (إنه مهما تصرَّف فقد تصرف في ملكه، والمتصرِّف في ملكه يفعل ما يشاء، فالظلم عنده المحال لذاته). كما قال ابن القيِّم في النونية: "والظلم عندهم المحال لذاته". ونحن نقول: الظلم ليس محالًا على الله لذاته، لو شاء الله أن يظلم لظلم، لكنه نفاه عن نفسه تمدُّحًا بذلك، ولذلك قال في الحديث القدسي: "إني حرَّمتُ الظلم على نفسي" (١)، وهذا يدلُّ على إمكانه منه، لكنه لا يفعله. فإن قال قائل: قد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "لو أن الله عذَّب أهل سمواته وأرضه، لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم" (٢). فالجواب: أن نقول: لا معارضة بين هذا الحديث وبين الآية؛ لأن الله لو عذَّبهم لم يمكن أن يُعذِّبهم وهو ظالمٌ لهم، إذن لا يُعذِّبهم إلا وهم مُستحقُّون للعذاب، وعلى هذا فيكون الحديث مُطابقًا للآية. أو يُقال من وجهٍ أخر: "لو أن الله عذَّب أهل سمواته وأرضه، لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم" أي: إذا أراد أن يُناقش العباد فإن من نوقش الحساب عُذِّب؛ لأنه لو ناقشهم لكانتْ نعمةٌ واحدةٌ من نعمه تُقابل جميع أعمالهم، فحينئذٍ يستحقُّون أن يُعذبوا.

стр. 1104

فلنا في هذا الحديث مخرجان: الأول: أنه يُعذِّبهم وهو غير ظالمٍ لهم، أي لا يُعذِّبهم إلا لذنب، فيكون الحديث مطابقًا للآية. والثاني: أن المراد بذلك مناقشة الحساب؛ لأن الله لو ناقشهم لكانتْ نعمة واحدة من نعمه تُحيط بجميع أعمالهم، فيبقون وليس لهم رصيد. فإن قال قائل: هذه صفة سلبية كما يقولون، فهل توجد الصفات السلبية في صفات الله؟ فالجواب: نعم، ولكن المراد بالصفات السلبية: ثبوت كمال ضدِّها، فهو لا يظلم لا لعجزه عن الظلم، ولكن لكمال عدله. * * * • ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]: هذا أيضًا من كذب هؤلاء اليهود، أنهم قالوا: إن الله عهد إلينا أي: أوصانا وصيةً موثقةً بالعهد. يُقال: عهِد إليه: أي أوصى إليه وصيَّةً موثقةً بالعهد، ومنه العهد بالولاية، أي: ولاية الحاكم إلى من بعده، فإنه يُوصي بالحكم إلى من بعده، مثل عهد أبي بكر ﵁ إلى عمر. فمعنى عهِد إلينا، أي: أوصانا وصيَّةً مُثَبَّتة بالعهد ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ هكذا قالوا، وهذا من كذبهم كما سيأتي.

стр. 1105

يقول: ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ أي: لرسول من عند الله. ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: وذلك بأن نُقرِّب قُربانًا من طعام أو بهائم أو لحم أو ثياب، ثم تنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان، يعني أنهم حصروا الآيات التي يطلبونها من الرسول، بأن يأتي بنارٍ تأكل هذا القربان، وكانوا فيما سبق إذا غنموا غنائم من الكفار جمعوها ثم نزلت نارٌ من السماء فأكلتها حتى أُحلَّت الغنائم لهذه الأمة، فهؤلاء يقولون: لا نؤمن لرسول إلا إذا أتانا بهذه الآية فقط، وهي: أننا إذا قرَّبنا قربانًا أكلته النار. فقال تعالى لرسوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾: أي: قد جاءتكم رسلٌ بأكثر مما تدّعون الآن. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي بالآيات البيِّنات التي تُبيِّن صدق رسالتهم. ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾: أي بالقربان الذي تأكله النار. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾: أي ومع ذلك كذَّبتموهم وقتلتموهم. فإن قال قائل: لماذا عَدَل الله عن المطالبة بصدق ما ادَّعوه؟ قلنا: هذا من باب موافقة الخصم، يعني على فرض أن الأمر كما قلتم فقد اعتديْتم حتى فيما جيء به من مطلوبكم، فاعتديتم على الرسل. وهنا فائدة وهي: أن من ادَّعى دعوةً فإننا نُعامله بمراتب:

стр. 1106

المرتبة الأولى: صحة ما قال. المرتبة الثانية: مخالفته لما قال. فهنا لم يُطالبهم الله بصحة ما قالوا من باب موافقة الخصم، وقولنا من باب موافقة الخصم أحسن من قولنا من باب التنزّل؛ لأن الذي معنا قرآن وإن قلنا: تنزّل فإنه بناء على العبارة المعروفة عند العلماء. والمعنى أن يقول: هب أن الأمر كما قُلتم وأنه عهد إليكم ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربانٍ تأكله النار، فقد جاءكم رسولٌ بقربانٍ تأكله النار ومع ذلك قتلتموه، إذن فطلبكم هذه الآية المعيَّنة ليس عن صدق، لأنها قد جاءتكم ومع ذلك فقد كذَّبتم الرسل وقتلتموهم، فهنا عَدَل عن المطالبة بصحة الدعوى، من باب موافقة الخصم، أي أنكم لا تُريدون أن تُصدِّقوا الرسل، وإنما تُريدون تكذيبهم. وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي الآيات البينات الدالة على رسالتهم وصدقهم ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ يعني: والذي قلتم دون البينات التي جاؤوا بها، بدليل أنه قدَّم قوله "بالبينات" فدلَّ هذا على أن ما قالوه وإن كان آية، لكنه دون البينات التي جاؤوا بها، لأنهم جاؤوا بأعظم من هذا، فمثلًا موسى ﵊ جاء ببينة أعظم من ذلك: كان يلقي العصا فتكون حية، ويحملها فتكون عصا، وكان يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء لكن من غير عيب أو من غير برص، كذلك عيسى كان يخرج الأموات من القبور أحياء، أو يقف على الميت قبل أن يدفن فيحيا بإذن الله، ويخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله

стр. 1107

فينفخ فيه (فيكون طيرًا) أو (فيكون طائرًا) فيه قراءتان. يعني: يكون طيرًا طائرًا أيضًا بالفعل. أيهما أعظم: هذا أم أن تنزل من السماء نار تأكل القربان؟ الجواب: الأولى أعظم ولهذا قدَّمها. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾: قوله: ﴿فَلِمَ﴾ الفاء: عاطف، و (لِمَ): اللام حرف جر و"ما" استفهامية، ومن قواعد الإملاء أن "ما" الاستفهامية إن دخل عليها حرف جر فإنها تحذف ألفها مثل: عَمّ - بِمَ - لِمَ. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: في أنكم تقبلون الرسل إذا جاؤوا بهذه الآية. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الجملة شرطية، وهل تحتاج إلى جواب أم لا؟ ذهب بعض العلماء إلى أنها لا تحتاج إلى جواب؛ لأن المعنى مفهوم بدونه، والجواب إنما يؤتى به ليتمم المعنى. وقال بعضهم: بل جوابها محذوف دلَّ عليه ما قبله، وعلى هذا الرأي يكون التقدير: إن كنتم صادقين فلم قتلتموهم، وإلى القول الأول ذهب ابن القيم ﵀ في أن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان تعنت اليهود الذين ردُّوا ما جاء به النبي ﷺ من البينات بناءً على ما ادَّعوه من هذه الآية. ٢ - أنه ينبغي عند المخاصمة إفحام الخصم بما يدعيه؛ ليكون ذلك أبلغ في دحض حجَّته، ويؤخذ من قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ لأنه إذا خوصم بما يقوله لم يبق له حجة، ومن ذلك مخاصمة شيخ الإسلام ابن تيمية

стр. 1108

رحمه الله للرافضة وأهل التعطيل حيث يخاصمهم بما يقرّون به، فمثلًا: الأشاعرة أو المعتزلة -أهل التعطيل عمومًا- قالوا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر؛ لأن العقل يمنع من الأخذ بظاهرها، فقالت الفلاسفة -أهل التخييل-: المراد بنصوص المعاد خلاف الظاهر لامتناع القول بظاهرها، أي: أنه لا يوجد بعثٌ ولا ربٌّ ولا جنةٌ ولا نارٌ، فبماذا ردَّ عليهم أهل التعطيل، وأهل التعطيل يقرون بالبعث واليوم الآخر؟ قالوا: إن كلامكم هذا غير مقبول، بل البعث حق واقع، وذلك لأننا علمنا أن الرسل جاءت به، وأن الشبهة المانعة منه فاسدة، الشبهة المانعة هي قول القائل: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، فلزم القول بثبوته. ونحن نقول لهم أيضًا: آيات الصفات علمنا بأن الرسل جاؤوا بها، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه فوجب إثباتها، بل قال شيخ الإسلام ﵀: إن نصوص الصفات في الكتاب والسنة أكثر بكثير من نصوص المعاد؛ لأنك لا تكاد تجد آية في كتاب الله إلا وتجد فيها اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته، لذلك فإن إفحام الخصم بحجته أنكى وأقوى في خصمه، أي في أننا نخصمه ولا يستطيع أن يجادل بعد ذلك. ٣ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالبينات الدالة على رسالتهم ولابد من هذا عقلًا كما هو واقع شرعًا، وذلك أنه لو جاء رسول من البشر يقول: أنا رسول الله إليكم أدعوكم إلى كذا وأمنعكم من كذا ومن خالفني قاتلته، فإنه لا يقبل ذلك إلا ببينة تشهد لما قال، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "ما

стр. 1109

من نبي من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١)، فقال: ما من رسول إلا آتاه الله ما على مثله يؤمن البشر، وهذا لابد منه. ٤ - إقامة الحجة على هؤلاء الذين ادعوا هذه الدعوى؛ لأنهم قتلوا الأنبياء الذين جاؤوا بما قالوه. * * * • ثم قال تعالى مسليًا لرسوله ﷺ : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]: وفيها قراءة (وبالزبر والكتاب) أي زيادة الباء. يقول الله : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ، والفاعل قريش وأهل الكتاب وكل من كذَّب الرسل. ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط؛ لأنه مقرون بقد. ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] فلماذا جاء التذكير والتأنيث؟ نقول: لأن رسل جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه ثبوت التاء وحذفها، قال ابن مالك: والتاء مع جمعٍ سوى السالم ... من مذكر كالتاء مع إحدى اللَّبن

стр. 1110

مع إحدى اللَّبِن: اللّبن إحداها لبنة، فاللبنة تذكر وتؤنث، وجميع الجموع تؤنث وتذكر ما عدا جمع المذكر السالم على رأي ابن مالك، ويضاف إليها على رأي ابن هشام جمع المؤنث السالم، ويقابله من قال بأن جميع الجموع يجوز تذكيرها وتأنيثها حتى السالم من مذكر أو مؤنث، ومنه قول الزمخشري ﵀ يردُّ به على أعدائه يقول: لا أبالي بجمعكم كل جمع مؤنث. فالمؤنث لا يقابل الرجال، الشاهد قوله: كل جمع مؤنث. والذي يظهر -والله أعلم- أن الرأي الصحيح رأي ابن هشام؛ أن السالم من جمع المذكر يجب تذكيره، ومن الجمع المؤنث يجب تأنيثه، وأما جمع التكسير فيجوز فيه التذكير والتأنيث، لذا قال هنا ﴿فَقَدْ كُذِّبَ﴾ وفي آية أخرى ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ﴾. وقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الرسول كما مرَّ علينا كثيرًا هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بالتبليغ. وجملة: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يجوز أن تكون صفة للرسل، ويجوز أن تكون حالًا، أما جواز أن تكون صفة فظاهر؛ لأن (رسل) منكَّر، فالذي يأتي بعده يكون صفة، وأما جواز كونه حالًا مع أن الذي قبلها منكر فلأن هذه النكرة وُصفت، وإذا وُصفت النكرة جاز وقوع الحال منها؛ لأنها إذا وُصفت تخصَّصت. ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (البينات) هي: الآيات البيِّنات الشرعية والكونية، فالآيات الشرعية هي الكتب التي جاءوا بها، والآيات الكونية هي ما يُسمَّى بالمعجزات الحسِّية. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور، والمراد به ما اشتمل على المواعظ

стр. 1111

والزواجر، ولهذا كان الزبور الذي أوتيه داود أكثره مواعظ وزواجر. ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: (الكتاب) بمعنى المكتوب، و (المنير) بمعنى المنير للظلمات. وهذا العطف الذي في قوله: ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هذا من باب عطف الصفة على الصفة الأخرى؛ لأن الزبر تتضمَّن الكتاب المنير، وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في القرآن، ومنه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]. فقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّر﴾ هذا من باب عطف الصفات، و (الذي أخرج المرعى) أيضًا من باب عطف الصفات، فالتغاير تغاير صفة وليس تغاير ذات. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تسلية الرسول ﵊، ويتفرَّع عليها أن يتسلى الإنسان في كل ما أصاب غيره، فمثلًا: الآمر بالمعروف أو الناهي عن المنكر قد يؤذى فليتسلى بأذيَّة غيره؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره أُصيب بما أُصيب به لا شك أنه ينسى الحزن، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسُلِّي النفس عنه بالتأسي الشاهد هنا قولها: "أُسلِّي النفس عنه بالتأسي"، فالإنسان إذا نظر يمينًا وشمالًا، وإذا هذا مصاب بعقله، وهذا مصاب ببدنه، وهذا مصاب بأهله، وهذا مصاب بماله؛ يتسلَّى. كذلك الرسول ﷺ إذا قال الله له: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ

стр. 1112

قَبْلِكَ﴾، لا شك أنه تهون عليه المصيبة وأنه يتسلى بذلك؛ لأنه بشر يلحقه من أحكام البشرية ما يلحق غيره. ٢ - أن الرسل يؤذون بالتكذيب، ولا أظن أن شيئًا أشق على النفس من التكذيب فيمن جاء بالصدق. والإنسان يكاد يتقطَّع إذا أَخبر بشيء صدقٍ ثم قيل له: كذبت، فكيف وهُم من عند الله مؤيدون بآياته، لا شك أنها شديدة عليهم ولكنهم يصبرون عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]، يعني: وعلى ما أوذوا، أو معطوفة على كذبت أي: وحصل لهم الأذية أيضأ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم النصر. ٣ - أن الرسل لابد أن يؤيدوا بالبينات؛ لقوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾. ٤ - أن الرسل السابقين كلهم جاؤوا بكتاب، ما من رسولٍ إلا ومعه كتاب، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وذلك لأنه لابد لكل رسولٍ من شريعة، والشريعة إنما تكون بما يكتب سواءً نزلت وحيًا ثم كتبت، أو نزلت مكتوبة كالتوراة، فإن الله كتبها بيده وأنزلها . ٥ - أن الكتب السابقة ككتابنا كلها تنير الطريق لمن أراد المسير، ولكن أعظمها إنارة هو هذا القرآن الكريم، ولهذا كان مهيمنًا على ما سبق من الكتب، فكل الكتب التي سبقت منسوخة به.

стр. 1113

• ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: "كلّ" من صيغ العموم، والنفس قد يراد بها الروح، وقد يراد بها البدن بالروح، وكلاهما صحيح، فالموت يذوقه البدن وتذوقه الروح. وقوله: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي ذائقة طعمه أي: لابد أن تموت، ولكن الله عبَّر بالذوق لأنه أبلغ في الحصول؛ لأن الذوق يحصل به حق اليقين، وقد قسَّم العلماء اليقين إلى ثلاث درجات: علم، وعين، وحق، فالعلم بالخبر، والعين بالمشاهدة، والحق بالذوق. فإن قال قائلٌ: هذه تفاحة وقد أخفاها في كيس، والقائل صدوق، فهذا تسميه: علم اليقين، فإذا كشفها فهو عين اليقين، فإذا أكلها المُخبر فهو حقُّ اليقين، ولهذا عبر بالذائقة؛ لأن الموت حق لابد لكل حيٍّ من موت، إلا الحي القيوم . قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: هل المراد من بني آدم ومن الجن ممن على الأرض، بحيث نقول: إن الملائكة لا يموتون؟ الجواب: لا. كل أحدٍ يموت، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ذكر العلماء أنه يستثنى من هذا من لا يموت ممن خُلقوا للبقاء كالولدان الذين في الجنة والحور اللّاتي في الجنة، فإنهم خلقوا للبقاء فلا يموتون. أما الملائكة وجميع الخلق فإنهم يموتون. وقوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾:

стр. 1114

هذه حصر، يعني: لا توفَّون أجوركم إلا يوم القيامة، والمراد بالتوفية هنا: توفيَة الكمال، وإلا فإن الإنسان قد يوفَّى أجره في الدنيا ويُدَّخر له أيضًا زيادة على ذلك، والكافر أيضًا يوفَّى أجره في الدنيا، مثل ما عمل من خير فإنه يُطعم به في الدنيا، لكن في الآخرة ليس له خلاق. وقوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بعد قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ قد يُشعر بأن المراد بيوم القيامة هنا ما هو أعم من القيامة الكبرى، فيشمل القيامة الصغرى التي تكون لكل موجود من ذوات النفوس. وقال: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾: ﴿زُحْزِحَ﴾: أي دُفع ببطء، وذلك لأن النار -أعاذنا الله وإياكم منها- محفوفةٌ بالشهوات، والشهوات تميلُ إليها النفوس، فلا يكاد الإنسان ينصرف عن هذه الشهوات إلا بزحزحة؛ لأنه يُقبل عليها بقوَّة، لهذا قال ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ أي دُفع عنها بمشقَّةٍ وشدَّة. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾: لأنه نجا من المرهوب وحصل على المطلوب. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: (ما) هذه نافية، ولم تعمل عمل (ليس) لأن النفي انتقض، وإذا انتقض النفي بطُل عمله كما قال ابن مالك: "مع بقا النفي. . ."، فإن انتقض فهي مهملة. وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ وصفُ هذه بالدنيا لوجهين: الوجه الأول: لدنوِّها زمنًا، والوجه الثاني: لدنوِّها قدرًا.

стр. 1115

أما دنوها زمنًا فظاهر؛ لأنها قبل الآخرة، وأما دنوها قدرًا فقد قال النبي ﵊: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١). (موضع السوط): لعله يقارب المتر، (خير من الدنيا وما فيها)، من الدنيا: ليست دنياك التي أنت فيها، وليست دنياك الخاصة بك أنت، بل الدنيا من أولها إلى آخرها. إذن فالحياة هذه بالنسبة للآخرة دانية، من الدنو وهو الانحطاط. وقوله: ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: أي إلا متعة تغر صاحبها وتخدعه، وكم من أناس زُيِّنت لهم الدنيا فانخدعوا بها، وكان مآلهم إلى وادٍ سحيق -والعياذ بالله- لأنهم اغتروا بها. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الموت حقٌّ لابد منه؛ لقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. ٢ - حث الإنسان على المبادرة للعمل الصالح؛ لأنه إذا كان ميتًا ولا محالة وهو لا يدري متى يموت، فإن العقل كالشرع يقتضي أن يبادر ولاسيَّما في قضاء الواجبات والتخلي عن المظالم. فلا تُهْمِلْ ولا تؤخِّر، فإن التأخير له آفات، كثيرًا ما يقول الإنسان: أنا سأفعل هذا غدًا ولكن يتهاون، ثم يأتي غد وما بعده، ويضيع عليه الوقت. ٣ - أن كمال الأجر إنما يكون يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّمَا

стр. 1116

تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. والتوفية تقتضي أن هناك شيئًا سابقًا يُزاد، وهو كذلك، فإن الإنسان قد يُثاب في الدنيا على عمله، ولاسيَّما الإحسان إلى الخلق، وقضاء حوائجهم؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١) وقال: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" (٢). ٤ - إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وسُمِّي يوم القيامة لأنه يقوم الناس فيه لربِّ العالمين، ويقوم الأشهاد، ويُقام فيه القسط، وأدلة هذا معروفة: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. وقال : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. ٥ - أنه لا يكمل الفوز إلا بأمرين: أن يُزحزح الإنسان عن النار، وأن يُدخل الجنة، ومعلوم أن من زُحزح عن النار فلابد أن يُدخل الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا داران فقط: إما النار وإما الجنة، وقد بيَّن النبي في الحديث الصحيح ما يحصل به هذا الثواب العظيم مِن الزحزحة عن النار وإدخال الجنة، فقال: "من أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيَّته وهو يؤمن بالله

стр. 1117

واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يُؤتى إليه" (١) .. فذكرَ حقَّ الله وحقَّ العباد، فمن وجد من نفسه هذين الوصفين: الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنه يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، فليبشر بهذا. ٦ - هل تدلُّ على أن الله لا يُرى في الجنة؟ الجواب: أنه لا يوجد نفي ولا إثبات، ولكن الزمخشري ﵀ في تفسيره قال: (أي فوزٍ أعظم من أن يُزحزح الإنسان عن النار ويُدخل الجنة) .. يُريد بذلك نفي الرؤيا، فنقول له: إذا دخل الإنسان الجنة فإنه سيرى ربَّه، وتكون رؤيته لربه أعظم النعيم، فليس في الآية ما يدل على نفي الرؤية إطلاقًا، وإذا لم يكن فيها دليل على نفي الرؤية، فإن هناك نصوصًا من القرآن والسنة تدلُّ على ثبوت الرؤية، والمؤمن هو الذي لا يتتبع المتشابه من القرآن بل يتَّبع المحكم، ويحمل عليه المتشابه. والمحكم مثل الآيات الواضحات، والمتشابه مثل الآيات التي وقع فيها الخلاف بين العلماء. ٧ - التزهيد في الدنيا؛ لقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ٨ - أنه يجب على الإنسان الحذر من مغبَّة الدنيا وغرورها، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتُنافسوها كما تنَافسها مَن قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم. ." (٢).

стр. 1118

وصدق الرسول ﵊ فإن هذا هو الخوف، وانظروا الآن لمَّا فُتِحت الدنيا على الناس حصل الهلاك، بل حتى الذين لم تُفتح عليهم إذا سمعوا من فُتحت عليهم هلكوا. * * * • قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]: قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾: هذه الجملة مؤكَّدة كما هو معلوم بثلاثة مؤكدات: لام التوكيد، واللام، والقسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطأة للقسم أي (والله لتبلون). والابتلاء: الاختبار، والله سبحانه أحيانًا يختبر بخير وأحيانًا يختبر بِشَرِّ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وكما قال تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، وذلك أن الإنسان دائر بين حالين إما شيء يسر به ويفرح به، فهذا وظيفته الشكر، وإما شيء يسوؤه ويحزنه فهذا وظيفته الصبر، ولهذا قال النبي ﵊: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له" وقال: "ذلك لا يكون إلا للمؤمن" (١).

стр. 1119

هنا يقول : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾: (في أموالكم): إما من قِبَل الله كالجوائح، وإما من قِبل المخلوقين كتسلط المشركين على أموال المسلمين، وكل ذلك من البلاء الذي يبتلي الله به العباد. وقوله: ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ يشمل أيضًا البلوى المتصلة والمنفصلة. البلوى المتصلة: ما يحصل على الإنسان من بلوى من الله في بدنه مثل: المرض والعجز وما أشبه ذلك. والبلوى المنفصلة: ما تكون في الأولاد؛ لأن الأولاد من أنفسنا، يبتلى الإنسان في ولده، أو في أهله، أو في زوجته، أو في غير ذلك، وهذا أيضًا من الابتلاء، ثم إن الابتلاء الذي يكون إما من الله وإما من المخلوق، فيبتلى الإنسان في نفسه من المخلوقين يؤذونه أحيانًا بالضرب، وأحيانًا بالقول، وأحيانًا بالقتل، كما قتلوا الأنبياء بغير حق. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾: قوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ فعل مضارع متصل بنون التوكيد، ومع ذلك كان مرفوعًا، والمعروف أن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد يبنى على الفتح، وذلك أن الاتصال يجب أن يكون لفظًا وتقديرًا، وهذه متصلة لفظًا لا تقديرًا؛ لأن الأصل فيها (لتسمعونن) فهنا واو ونون محذوفتان. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: وهم اليهود والنصارى. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: وهم الوثنيون كقريش وغيرهم.

стр. 1120

تسمعن منهم أذىً كثيرًا بالقول، لأنه هو الذي يُسمع، مثل أن يعيّروكم أو يسبّوا دينكم، أو يسبّوا نبيكم، وقد قالوا عن النبي ﷺ إنه ساحر كذاب ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وقالوا: إنه مجنون ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] وقالوا: إنه كاهن، ووصفوه بكل عيب، ولا شك أن هذا يؤذي المؤمنين، ويؤذي النبي ﷺ ولكن وظيفتنا نحو هذا الأمر الصبر، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وقوله: ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ يعني: وأذى قليلًا، لكن الأذى الكثير أشد على الإنسان من الأذى القليل، ومع ذلك فإنه مأمور بالصبر فيه، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وتأمّل (ولتسمعن أذىً) ولم يقل ضررًا؛ لأن هذا الذي نسمع يؤذينا ولكن لا يضرنا. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ وهنا فرق بين الأذية وبين الضرر، قد يتأذى الإنسان بالشيء ولا يتضرر منه، ولهذا أثبت الله أن عباده يؤذونه، أي من عباده من يؤذيه، ونفى أن يكون أحدٌ يضره، فقال الله في الحديث القدسي: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" (١)، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]

стр. 1121

فأثبت الأذية، وقال تعالى في الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر وأنا الدهر" (١) فأثبت الأذية أيضًا، أما الضرر فلا. فهنا يسمع المؤمنون من أهل الكتاب ومن المشركين ما يؤذيهم ولكنه لا يضرهم. ثم قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾: تصبروا على ما سمعتم، وعلى ما ابتليتم به في أموالكم وأنفسكم. والصبر بمعنى الحبس، ومنه قولهم: (قتل صبرًا) أي حبسًا، يوقف ويحبس ويقتل. وهو في الشرع: حبس القلب واللسان والجوارح عمَّا يغضب الله . قال أهل العلم: والصبر على ثلاثة أقسام: ١ - صبرٌ على طاعة الله، وهو أعلى الأقسام. ٢ - صبر عن معصية الله، وهو دونه. ٣ - وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة، وهو دون الاثنين الأوليين؛ لأن الاثنين الأوليين: صبرٌ على شرع الله، والثالث صبرٌ على قدر الله، والصبر على قدر الله يكون من المؤمن والكافر، ومن الناطق والبهيم، لكن الصبر على شرع الله لا يكون إلا من المؤمن، ثم الصبر على المأمور أعلى من الصبر عن المحظور؛ لأن الصبر عن المحظور كفٌّ فقط، والصبر على المأمور فعل؛ فهو إيجاد وعمل، ففيه نوع من الكلفة بخلاف الصبر عن فعل المحظور، فإنه ليس إلا مجرد كفّ، على أنه قد

стр. 1122

يكون أحيانًا بالنسبة للنفس أشد من الصبر على فعل المأمور، فيسهل على بعض الناس مثلًا أن يصلي، لكن يصعب عليه أن يدع ما حرّم الله عليه من الأمور التي تحثه نفسه إليها حثًّا. صبر الصائم على الصيام، من الأول، وصبره على ألمه الذي يحصل بالجوع والعطش، من الثالث، وصبره عمّا حرم عليه بالصوم من الثاني، ولهذا يسمى شهر رمضان شهر الصبر؛ لأن جميع أنواع الصبر الثلاثة تحصل للصائم، ففيه -أي في الصيام- صبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، وصبرٌ على الأقدار. ومن الأمثلة: صبر يوسف على إلقاء إخوته إياه في البئر من الثالث، وصبره عن إجابة امرأة العزيز من الثاني، صبرٌ عن المعصية، وصبره على الدعوة إلى الله وهو في السجن من الأول. يقول: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾: تتقوا الله بأن لا تتجاوزوا أو تعتدوا على غيركم، وذلك لأن النفس مجبولة على محبة الانتقام من الغير، فربما إذا سمعت أذى أن تأخذ أكثر من نصيبها، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي تتقوا الله فلا تعتدوا على الذين أسمعوكم الأذى. ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: أي من معزومات الأمور، فعزم هنا: مصدر بمعنى اسم المفعول، أي من الأمور المعزومة التي تحتاج إلى عزم وإلى همة وإلى مكابدة لأنها شاقة على النفس، والعزم في الأمور من الصفات الحميدة التي وصف بها الكُمّل من الخلق، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، فالعزم

стр. 1123

لا شك أنه خُلق عالٍ يهبه الله لمن يشاء، فإذا كان الإنسان عنده عزم في أموره فهذا هو الموفق، أما الإنسان الذي ليس عنده عزم فتجده دائمًا في ملل، وفي كسل، وفي تهاون، فإن هذا لا شك خاسر، فالإنسان العازم في أموره هو الرابح دنيا ودينًا: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن من البلاغة تأكيد الشيء بما يوجب الاطمئنان فيه؛ لقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. والتأكيد يقول علماء البلاغة: "إنه قد يكون حسنًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون لغوًا". يكون لغوًا: إذا لم تدعُ الحاجة إليه، وذلك لأن التأكيد لابد فيه من زيادة؛ وهي زيادة الحروف التي حصل بها التأكيد، فإذا لم يكن حاجة إليه صار لغوًا، ثم إنه أيضًا لغو من حيث المعنى، ولهذا لو أنك أكدت لشخص شيئًا شاهده لعتب عليك، كما لو قلت: والله لقد صليت ركعتين حين دخلت المسجد، وهو يراك ويشاهدك، فإنه سيقول لك: كيف تقسم لي وأنا أشاهدك، هذا لغو من القول. ويكون حسنًا: -أي التوكيد- إذا كان عند المخاطب شيء مِن التردد، فيحسن أن تؤكِّد له الكلام ليطمئن. ويكون واجبًا: إذا كان المخاطب مُنْكِرًا أو فاعلًا فعل المُنْكِر، والمُنْكِر: هو الذي إذا ألقيت إليه الخبر أنكره، وقال: أبدًا ما يصح، فهنا يجب أن تؤكد له الكلام، وفاعل فعل المُنْكِر: هو الذي يفعل فعلًا لو كان مصدقًا ما فعله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] هنا فيه تأكيد

стр. 1124

بإن واللام، وهل الموت يحتاج إلى توكيد؟ ! فكل يعلم أنه سيموت، لكن لما كان فعل أكثر بني الإنسان فعل المُنْكِر حسن التوكيد. ٢ - أنه ينبغي للإنسان أن يتفطن لما فيه من خير وشر ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يبتلى ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر. ٣ - التأكيد على الحذر من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمشركين أيضًا؛ وجهه: أن الله أكَّد لنا أننا سنسمع منهم ما يؤذينا، هذا بالقول، وهم يمكرون بنا بالقول وبالفعل، ولهذا يجب التحرز من اليهود والنصارى، وأن لا نتخذهم أولياء، وأن نعلم أنهم لن يعطونا قرشًا إلا في مقابلة درهم أو أكثر، ولن ينفعونا بشيء إلا وقد ضرّونا بأكثر منه؛ لأن الله في القرآن الكريم بيَّن عداوة هؤلاء، وأنه لا يجوز اتخاذهم أولياء، وقد ذكر أن اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للذين آمنوا. أما قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فإن الخطاب هنا في نصارى معينين وصفهم الله بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣] فهل في نصارى اليوم من يكون هذا وصفهم؟ بالعكس بل نجد أنهم يحاربون الدين الإسلامي ربما أكثر من محاربة اليهود؛ لأنه صارت بينهم وبين المسلمين معارك أدمت قلوبهم وأيتمت أولادهم ولن ينسوها، وهي المعروفة بالمعارك الصليبية التي لن ينسوها أبدًا، فهم في الحقيقة إذا سمعنا ما ينشرونه من دينهم المنسوخ الذي لا يقبل

стр. 1125

عند الله وحرصهم على ذلك، وكونهم يجمعون حتى من العجائز من الأموال ما يقضون به على الإسلام ليدخلوا الناس في النصرانية عرفنا أنهم يسعون بكل وسيلة إلى القضاء على الإسلام، ولهذا يأملون أنه في حدود الألفين من تاريخهم الميلادي ستكون أفريقيا كلها على زعمهم نصرانية، لكن بحول الله الأمر سيكون منقلبًا عليهم، وستكون إن شاء الله إسلامية، وسيدحرهم الله ويردهم على أعقابهم خائبين. ٤ - في هذه الآية الكريمة الثناء على الصبر أمام ما نسمعه من أذية الأعداء، وأن لا يردنا ذلك على أعقابنا، وأن نحذر منهم. وقد اختلف العلماء ﵏: هل هذه الآية منسوخة وأننا نصبر ونتقي إذا كنا عاجزين عن الرد بالمثل، أو هي محكمة؟ والصحيح أنها محكمة، وأنها إنما تكون في حال يكون الصبر فيه على الأذى خيرًا، أما إذا كان الأمر بالعكس فالخير مطلوب في جميع الأحوال. ٥ - التنبيه على فضيلة العزم في الأمور؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وكل ما كان الإنسان عازمًا في أموره كان ذلك أنجح له وأحسن. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]: (إذ): ظرف لما مضى، وتأتي في القرآن كثيرًا محذوفة
следующие страницы →