فأثبت الأذية، وقال تعالى في الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر وأنا الدهر" (١) فأثبت الأذية أيضًا، أما الضرر فلا. فهنا يسمع المؤمنون من أهل الكتاب ومن المشركين ما يؤذيهم ولكنه لا يضرهم.
ثم قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾:
تصبروا على ما سمعتم، وعلى ما ابتليتم به في أموالكم وأنفسكم. والصبر بمعنى الحبس، ومنه قولهم: (قتل صبرًا) أي حبسًا، يوقف ويحبس ويقتل.
وهو في الشرع: حبس القلب واللسان والجوارح عمَّا يغضب الله .
قال أهل العلم: والصبر على ثلاثة أقسام:
١ - صبرٌ على طاعة الله، وهو أعلى الأقسام.
٢ - صبر عن معصية الله، وهو دونه.
٣ - وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة، وهو دون الاثنين الأوليين؛ لأن الاثنين الأوليين: صبرٌ على شرع الله، والثالث صبرٌ على قدر الله، والصبر على قدر الله يكون من المؤمن والكافر، ومن الناطق والبهيم، لكن الصبر على شرع الله لا يكون إلا من المؤمن، ثم الصبر على المأمور أعلى من الصبر عن المحظور؛ لأن الصبر عن المحظور كفٌّ فقط، والصبر على المأمور فعل؛ فهو إيجاد وعمل، ففيه نوع من الكلفة بخلاف الصبر عن فعل المحظور، فإنه ليس إلا مجرد كفّ، على أنه قد
стр. 1122
يكون أحيانًا بالنسبة للنفس أشد من الصبر على فعل المأمور، فيسهل على بعض الناس مثلًا أن يصلي، لكن يصعب عليه أن يدع ما حرّم الله عليه من الأمور التي تحثه نفسه إليها حثًّا.
صبر الصائم على الصيام، من الأول، وصبره على ألمه الذي يحصل بالجوع والعطش، من الثالث، وصبره عمّا حرم عليه بالصوم من الثاني، ولهذا يسمى شهر رمضان شهر الصبر؛ لأن جميع أنواع الصبر الثلاثة تحصل للصائم، ففيه -أي في الصيام- صبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، وصبرٌ على الأقدار.
ومن الأمثلة: صبر يوسف على إلقاء إخوته إياه في البئر من الثالث، وصبره عن إجابة امرأة العزيز من الثاني، صبرٌ عن المعصية، وصبره على الدعوة إلى الله وهو في السجن من الأول.
يقول: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾:
تتقوا الله بأن لا تتجاوزوا أو تعتدوا على غيركم، وذلك لأن النفس مجبولة على محبة الانتقام من الغير، فربما إذا سمعت أذى أن تأخذ أكثر من نصيبها، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي تتقوا الله فلا تعتدوا على الذين أسمعوكم الأذى.
﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾:
أي من معزومات الأمور، فعزم هنا: مصدر بمعنى اسم المفعول، أي من الأمور المعزومة التي تحتاج إلى عزم وإلى همة وإلى مكابدة لأنها شاقة على النفس، والعزم في الأمور من الصفات الحميدة التي وصف بها الكُمّل من الخلق، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، فالعزم
стр. 1123
لا شك أنه خُلق عالٍ يهبه الله لمن يشاء، فإذا كان الإنسان عنده عزم في أموره فهذا هو الموفق، أما الإنسان الذي ليس عنده عزم فتجده دائمًا في ملل، وفي كسل، وفي تهاون، فإن هذا لا شك خاسر، فالإنسان العازم في أموره هو الرابح دنيا ودينًا: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن من البلاغة تأكيد الشيء بما يوجب الاطمئنان فيه؛ لقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. والتأكيد يقول علماء البلاغة: "إنه قد يكون حسنًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون لغوًا".
يكون لغوًا: إذا لم تدعُ الحاجة إليه، وذلك لأن التأكيد لابد فيه من زيادة؛ وهي زيادة الحروف التي حصل بها التأكيد، فإذا لم يكن حاجة إليه صار لغوًا، ثم إنه أيضًا لغو من حيث المعنى، ولهذا لو أنك أكدت لشخص شيئًا شاهده لعتب عليك، كما لو قلت: والله لقد صليت ركعتين حين دخلت المسجد، وهو يراك ويشاهدك، فإنه سيقول لك: كيف تقسم لي وأنا أشاهدك، هذا لغو من القول.
ويكون حسنًا: -أي التوكيد- إذا كان عند المخاطب شيء مِن التردد، فيحسن أن تؤكِّد له الكلام ليطمئن.
ويكون واجبًا: إذا كان المخاطب مُنْكِرًا أو فاعلًا فعل المُنْكِر، والمُنْكِر: هو الذي إذا ألقيت إليه الخبر أنكره، وقال: أبدًا ما يصح، فهنا يجب أن تؤكد له الكلام، وفاعل فعل المُنْكِر: هو الذي يفعل فعلًا لو كان مصدقًا ما فعله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] هنا فيه تأكيد
стр. 1124
بإن واللام، وهل الموت يحتاج إلى توكيد؟ ! فكل يعلم أنه سيموت، لكن لما كان فعل أكثر بني الإنسان فعل المُنْكِر حسن التوكيد.
٢ - أنه ينبغي للإنسان أن يتفطن لما فيه من خير وشر ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يبتلى ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر.
٣ - التأكيد على الحذر من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمشركين أيضًا؛ وجهه: أن الله أكَّد لنا أننا سنسمع منهم ما يؤذينا، هذا بالقول، وهم يمكرون بنا بالقول وبالفعل، ولهذا يجب التحرز من اليهود والنصارى، وأن لا نتخذهم أولياء، وأن نعلم أنهم لن يعطونا قرشًا إلا في مقابلة درهم أو أكثر، ولن ينفعونا بشيء إلا وقد ضرّونا بأكثر منه؛ لأن الله في القرآن الكريم بيَّن عداوة هؤلاء، وأنه لا يجوز اتخاذهم أولياء، وقد ذكر أن اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للذين آمنوا. أما قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فإن الخطاب هنا في نصارى معينين وصفهم الله بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣] فهل في نصارى اليوم من يكون هذا وصفهم؟ بالعكس بل نجد أنهم يحاربون الدين الإسلامي ربما أكثر من محاربة اليهود؛ لأنه صارت بينهم وبين المسلمين معارك أدمت قلوبهم وأيتمت أولادهم ولن ينسوها، وهي المعروفة بالمعارك الصليبية التي لن ينسوها أبدًا، فهم في الحقيقة إذا سمعنا ما ينشرونه من دينهم المنسوخ الذي لا يقبل
стр. 1125
عند الله وحرصهم على ذلك، وكونهم يجمعون حتى من العجائز من الأموال ما يقضون به على الإسلام ليدخلوا الناس في النصرانية عرفنا أنهم يسعون بكل وسيلة إلى القضاء على الإسلام، ولهذا يأملون أنه في حدود الألفين من تاريخهم الميلادي ستكون أفريقيا كلها على زعمهم نصرانية، لكن بحول الله الأمر سيكون منقلبًا عليهم، وستكون إن شاء الله إسلامية، وسيدحرهم الله ويردهم على أعقابهم خائبين.
٤ - في هذه الآية الكريمة الثناء على الصبر أمام ما نسمعه من أذية الأعداء، وأن لا يردنا ذلك على أعقابنا، وأن نحذر منهم.
وقد اختلف العلماء ﵏: هل هذه الآية منسوخة وأننا نصبر ونتقي إذا كنا عاجزين عن الرد بالمثل، أو هي محكمة؟ والصحيح أنها محكمة، وأنها إنما تكون في حال يكون الصبر فيه على الأذى خيرًا، أما إذا كان الأمر بالعكس فالخير مطلوب في جميع الأحوال.
٥ - التنبيه على فضيلة العزم في الأمور؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وكل ما كان الإنسان عازمًا في أموره كان ذلك أنجح له وأحسن.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]:
(إذ): ظرف لما مضى، وتأتي في القرآن كثيرًا محذوفة
стр. 1126
العامل، ويقدره العلماء بقولهم: (اذكر إذ)، أي: واذكر إذ أخذ الله، يعني: اذكر هذا للناس مبينًا ما حصل.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾:
الميثاق: هو العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا من الوِثاق، وهو الحبل الذي يشد به الإنسان ويربط، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]، يعني الحبل الذي تربطونهم به، وتأسرونهم به، فالميثاق: بمعنى العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا؛ لأنه كالرباط للمعاهد.
وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾:
المراد بهم اليهود والنصارى، أخذ الله عليهم العهد والميثاق، بما أعطاهم من الكتاب أن يبيِّنوه للناس، ولهذا قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ اللام موطأة للقسم، أي أخذ عليهم عهدًا بهذا.
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾:
هنا قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ فكيف يصح قول: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ مع أنه قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾؟ الجواب: لأن البيان ضد الكتمان، ولكن نقول: المعنى: لتبيننه بيانًا لا كتمان فيه.
والكتمان نوعان: إما إخفاء لبعض الآيات كما قال تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، وإما تحريف للآيات إلى معانٍ أخرى، فإن هذا يعدُّ كتمًا؛ لأن الذي يحرّف الآيات إلى معانٍ أخرى لم يبين الآيات على ما هي عليه بل كتم المعنى الحقيقي المراد إلى معنىً آخر.
ومن ذلك مثلًا: أن النصارى قالوا: إن محمد بن عبد الله
стр. 1127
عليه الصلاة والسلام ليس هو الذي بشَّر به عيسى؛ لأن الذي بشَّر به عيسى اسمه أحمد، وهذا اسمه محمد، وهذا كتمان، كتمان معنى.
فإن قال قائل: هل يشعر العالِم بهذا الميثاق وأنه جرى بينه وبين الله صفقة عهد؟
الجواب: أنه لا يشعر به، لكن إيتاء الله العلم له يعتبر ميثاقًا، فالله تعالى لم يهبه هذا العلم إلا من أجل أن يبيِّنه وإن كان الإنسان لا يستحضر أنه جرى بينه وبين الله عهد.
قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾:
نبذوه: أي نبذوا الميثاق، أي طرحوه، ومع ذلك لم يطرحوه بين أيديهم بل طرحوه وراء ظهورهم، وهو كناية عن شدة إعراضهم عما آتاهم الله من الكتاب حيث نبذوه نبذًا ولم ينبذونه أمامهم بل وراء ظهورهم، فيكون هذا أشد في كراهية ما أنزل الله وفي الاستكبار عنه والإعراض عنه.
﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾:
اشتروا به؛ أي: استبدلوا به ثمنًا قليلًا، أي بهذا العهد والميثاق ثمنًا قليلًا، وما هو الثمن القليل الذي اشتروه؟ هو إبقاء رئاستهم وجاههم وسلطانهم على قومهم؛ لأن هؤلاء الأحبار والقسيسين لو تبعوا محمدًا زالت رئاستهم ووجاهتهم وصاروا كعامة الناس، فقالوا: نكذب محمدًا ونبقى على ما كنا عليه من الرئاسة والجاه والتقديم، إذن ما هو المبيع، وما هو الثمن؟
المبيع: العهد. والثمن: الجاه والرئاسة وما أشبه ذلك.
ووصف الله هذا بأنه قليل؛ لأن جميع ما في الدنيا قليل،
стр. 1128
قال تعالى: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]، فهذا الذي استبدلوه هو ثمن قليل زهيد لا يدوم للإنسان، ولا يدوم الإنسان له، بل لابد من زواله، إما زوال الإنسان وإما زوال الثمن الذي اشتراه.
قوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾:
(بئس): فعل ماضٍ جامد، جامد يعني لا يتصرف، والنحويون يسمون الفعل الذي لا يتصرف جامدًا؛ لأنه باقٍ على حالٍ واحدة، والمتصرف يسمونه متصرفًا؛ لأنه يشبه المائع الذي يسيل ويسيح، لكن هذا جامد لا يتصرف.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾:
كلمة بئس ونعم وما أشبههما تحتاجان إلى شيئين إلى فاعل ومخصوص بالذم أو بالمدح، فقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ هذا هو الفاعل، والمخصوص محذوف والتقدير: فبئس ما يشترون هذا الثمن أو هذا الشراء.
وفي هذه الآية قراءات:
قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ فيها قراءة: (ليبيننه للناس ولا يكتمونه) يعني بالياء، بدلًا عن التاء.
فعلى القراءة الأولى بالتاء يكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام نسقًا واحدًا ليس فيه التفات.
والالتفات ذكرنا أن فيه فوائد منها:
التنبيه على هذه الجملة؛ لأن الكلام إذا صار على نسق واحد شرد الذهن، فإذا جاء التفات تنبه.
ومنها: تشويق السامع.
стр. 1129
ومنها: أن العدول عن الغيبة إلى الخطاب أشد وقعًا من الغيبة، يعني أن المشافهة بالخطاب أشد وقعًا من المشافهة بالغيبة، ولهذا قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢] ولم يقل: عبست وهو يريد النبي ﷺ ، لكن أسلوب الغيبة أهون وقعًا من أسلوب الخطاب، وتأملوه في قصة الخضر مع موسى في الجملة الأولى قال له: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]، ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ وفي الثانية ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فكانت الثانية أشد وقعًا من الأولى.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الله أخذ على أهل العلم العهد ببيان العلم وعدم كتمانه؛ لقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾.
٢ - التحذير من كتمان العلم؛ لأن الله ذكر ذلك على سبيل الذم لا على سبيل المدح، وقد جاء عن النبي ﷺ : "من سئل عن علم عَلِمَه ثم كتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (١) نعوذ بالله منه، أي: أنه مَنْ كتم العلم ولم ينطق به فإنه يجعل له يوم القيامة لجام يُلجم به على فمه لسكوته عن بيان العلم.
٣ - وجوب بيان العلم على أهل العلم فيبينوا العلم الذي آتاهم الله، ولم يذكر الله الوسيلة التي يحصل بها البيان، فتكون على هذا مطلقة راجعة إلى ما تقتضيه الحال، قد يكون البيان بالقول، وقد يكون بالكتابة، وقد يكون في المجالس العامة، وقد يكون في المجالس الخاصة، على حسب الحال؛ لأن الله أطلق البيان ولم يفصّل ولم يعيّن.
стр. 1130
٤ - أنه في الأمور الهامة ينبغي أن يُقرن النفي بالإثبات ليتحقق الكمال؛ لقوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾، ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ووجه ذلك ما أشرنا إليه قبل، أن البيان عدم الكتمان، لكن لما قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ أكد البيان بأن يكون بيانًا كاملًا ليس فيه كتمان.
٥ - الذم القبيح لأهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ وأنتم تجدون شدة القذف في قوله: (نبذوه) ثم شدة الاستكبار لقوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.
٦ - أن هؤلاء الذين نبذوا العهد والميثاق وراء ظهورهم أخذوا بدله ثمنًا قليلًا، أي لم يأخذوا مقابله ولا مماثله ولا ما فوقه، لكنهم أخذوا بدله ثمنًا قليلًا، مما يدل على خسة هممهم، وأن هممهم دنيئة حيث أخذوا الأدنى بدلًا عن الأعلى.
٧ - القدح في هذه الطريقة؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ويتفرع على هذه الفائدة تحذير أولئك الذين يحابون الرؤساء والأُمراء والوجهاء والأعيان في ترك بيان العلم؛ لأن الله تعالى أثنى بالقدح واللوم والتوبيخ على من كانت هذه حاله، والواجب البيان حتى عند الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء، بل إن بيان الحق عندهم يكون أوجب، وكلمة الحق عند السلطان الجائر من أفضل الجهاد.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨]:
قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ فيها قراءات: (لا تَحسَبن) بفتح السين،
стр. 1131
و (لا تحسِبن) بكسر السين، وفيها قراءة (لا يحسَبن) بالياء بدل التاء، فالقراءات ثلاث: (لا تحسَبن)، (لا تحسِبن) (لا يحسَبن الذين يفرحون)، فعلى قراءة التاء يكون الخطاب موجهًا إما للنبي ﷺ ، وإما لكل من يصح أن يتوجه إليه الخطاب، والمعنى الثاني أعم وأشمل، يعني: لا تحسبن أيها المخاطب.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾:
(الذين): محلها من الإعراب أنها مفعول أول لتحسبن، والمفعول الثاني إما أن نقول: إنه محذوف قبل الجملة ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ ويكون المعنى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ناجين، ثم فرَّع عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ويحتمل أن قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ جملة مؤكدة لقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ وعلى هذا فيكون قوله: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ هو المفعول الثاني، والأول أقرب، أي: لا تسحبنهم ناجين، فلا تحسبنهم بمفازة.
وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ فيها قراءتان أيضًا بل ثلاث قراءات: (فلا تَحسِبَنَّهم) و (فلا تَحسَبَنَّهم) و (فلا يَحسِبُنَّهم) أي لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب.
يقول الله : ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾:
أي يفرحون فرح أشرٍ وبطرٍ ومنةٍ على الله وعلى رسول الله ﷺ ﴿بِمَا أَتَوْا﴾، أي بما أتوا من الأعمال التي يتقربون بها إلى الله على زعمهم.
وقوله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾:
أي يحبون أن الناس يحمدونهم على شيء لم يفعلوه مثل:
стр. 1132
أن يتظاهروا للناس بالصلاح من أجل أن يثني الناس عليهم ولو لم يفعلوا الصلاح، مثل ما فعل أهل الكتاب كتموا صفة النبي ﷺ ولم يبينوها؛ فقالوا: الآن غلبنا محمدًا حين قلنا: إنه ليس هو المبشر به، ففرحوا بما أتوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، كذلك المنافقون يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فأما المسلم إذا فرح بما أنعم الله عليه من العمل وأحب أن يُحمد بما يفعل لا رياء ولكن من طبيعة البشر أنه يحب أن يحمده الناس، فإن هذا لا يدخل فى الآية، فالذي يدخل في الآية صنفان:
الصنف الأول: أهل الكتاب الذين فرحوا بما أتوا من كتمان صفة النبي ﷺ وعدم الإيمان به، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا حيث يتظاهرون للناس بأنه لو جاء الرسول الذي بشَّر به عيسى لآمنا به.
والصنف الثاني: المنافقون، فإن المنافقين يفرحون بما أتوا ويقولون: نحن أسلمنا أمام محمد وأصحابه وهم على العكس من ذلك، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الإخلاص والمحبة لله ورسوله واتباع رسوله ﷺ .
قال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾:
المفازة؛ مكان الفوز، أي لا تحسبنهم بمكان يفوزون به وينجون به من العذاب، بل هم منغمسون في العذاب والعياذ بالله.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
الجملة هذه استئنافية، لمّا بيَّن أنهم ليسوا بمفازة من
стр. 1133
العذاب وليسوا ناجين أكَّد هذا بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أليم بمعنى مؤلم، فهي فعيل بمعنى مُفعل، وفعيل بمعنى مُفعِل تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ومنه قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
بمعنى: المُسْمِع! !
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تحذير من يفرح بما أتى فرح منةٍ أو فرحَ غدرٍ وخيانةٍ كالمنافقين.
٢ - التحذير من محبة الإنسان أن يُحمد بما لم يفعل، وهذا يقع كثيرًا، أحيانًا يصرح الإنسان بأنه عمل عملًا وهو كاذب، وأحيانًا يورّي فيظن السامع أنه فاعل وهو لم يفعل، أما الأول كأن يقول مثلًا: صليت البارحة آخر الليل ودعوت الله وهو كاذب، لكن من أجل أن يُحمد على ذلك، أو يقول: رأيت فقيرًا فتصدقت عليه، أو يقول: طبعت كتابًا، أو أنقذت غريقًا، أو ما أشبه ذلك وهو كاذب، هذا قسم صرّح بما لم يفعل، وأحيانًا يورّي فيتظاهر أمام الناس أنه فعل وهو لم يفعل، فالذي يسمع كلامه يقول: هذا هو الفاعل وهو لم يفعل. وكلاهما مذموم، أما من أحب أن يُحمد بما لم يفعل ولكنه لم يتظاهر أمام الناس بالشيء ليُحمد عليه فهذا لا يضر؛ لأن كل واحد يحب أن يحمد وإن لم يفعل، ولكن إذا حُمد على فعل وهو متظاهر للناس بأنه فعل فهذا مذموم.
٣ - أن من كان على هذا الحال فلن ينجو من العذاب؛ لقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
стр. 1134
٤ - إثبات العذاب الأليم لمن هذه حاله، وقد عرفتم أنها منطبقة على صنفين من الناس: أهل الكتاب الذين كتموا صفة الرسول ﵊، والثاني: المنافقون.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٩]:
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم.
﴿مُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: جملة استئنافية.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
ملك السموات أي ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانها، وهو مالك للتصرف فيها. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣]:
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني على سبيل الاستقلال، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سبيل المشاركة، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها، ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي من معين، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.
هذه الآيات يقولون: إنها قَطَّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السموات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل
стр. 1135
تنفع شفاعتها بدون إذنه؟ الجواب بالنفي، وعلى هذا فلا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يعني السبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للجنس فتشمل الأرضين السبع.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
والقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، فالتمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤]، فقابل الضعف بالقوة، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، فقابل القدرة بـ ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ بالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
عام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر، إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته.
يقولون: إن ذات الله إذا قصدْتَ أن الله قادر على إعدامها مثلًا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني ﵀ في عقيدته:
له الحياة والكلام والبصر ... سمعٌ إرادةٌ وعلمٌ واقتدر
بقدرةٍ تعلقت بممكن ... كذا إرادةٌ فَعي واسْتَبِن
стр. 1136
ولكن مع ذلك فإن من الأدب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير ونسكت ولا نفصل؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلًا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا، إذن، الله قادر على أن يجعل الساكن متحركًا، والمتحرك ساكنًا، فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ الجواب: نعم يحول المتحرك إلى ساكن أو يجعل الساكن متحركًا، لكن أن يجعل الشيء متحركًا وساكنًا في آنٍ واحد فهذا لا يمكن أصلًا؛ لأنه مادام متحركًا فيساوي عدم سكون، ومادام ساكنًا فيساوي عدم حركة، فبمجرد ما يتحرك انتفى عنه السكون، وبمجرد ما يسكن انتفت عنه الحركة.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن ملك السموات والأرض خاص بالله ، ووجه تقديم الخبر القاعدة التي تقول: "أنه إذا قدّم ما حقّه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر".
٢ - أن الملك المطلق لله وحده؛ لأنه قدَّم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ﴾، وتقييدنا الملك "بالمطلق" ينفي توهم التعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ حيث حصر الملك له وحده، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. ووجه ذلك: أن الملك المضاف إلى المخلوق ملك مقيد "ليس ملكًا مطلقًا".
стр. 1137
ودليل هذا: أن هذا المالك المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعًا من هذا ولا يملكه، والله جل وعلا يملك ملكًا عامًا شاملًا يستغني به عن غيره.
٣ - الإشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع؛ لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوكالة، يتقيد بما أُذِن له فيه، ولهذا لو وكلت شخصًا على بيع بيت لا يملك أن يؤجره؛ لأنه إنما وُكِّل على البيع فقط. والمالك الذي يملك البيت لم يأذن له في التأجير، إنما أذن له في البيع. فنحن باعتبار ما ملكت أيماننا لا نملكها ملكًا مطلقًا نتصرف فيها كيف شئنا، وإنما تملّكنا لها تملك مقيد.
٤ - أن الشيء العام للخلق ليس ملكًا لأحد؛ وهو الذي أخرجه الله ، وليس من صنع إنسان، فهو ليس بملكٍ لأحد إلا مَنْ سبق إليه بمقتضى النصوص الشرعية، ووجه ذلك أن الله جعل ملك السموات والأرض له، فإذا كان له، فإنك لا تملك شيئًا من أرضه إلا على الوجه الذي أذن فيه.
٥ - عموم قدرة الله ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وأنت إذا قرأت هذه الآية وطبقتها على ما يريده بعض أهل الباطل من التشكيك في الشريعة فإنك تستريح؛ مثلًا يقول بعض الملحدين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر: كيف يعود الإنسان إنسانًا بعد أن كان ترابًا؟ .
стр. 1138
وجوابنا على هذا سهل أن نقول: إن هذا من قدرة الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
٦ - أن من آمن بهذا -أي بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس؛ لأن الإنسان قد يصاب بمرض مثلًا فييأس من برئه بعد العلاج، فيقال له: لا تيأس إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقي المرض بك فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب من ورائه الثواب من الله . فإنه لا يصيب المؤمن من همٍّ ولا غمٍّ ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله به -يعني من ذنوبه-. فأنت لا تيأس إذا أصابك مرض لا يرجى زواله مثلًا، فإن الله على كل شيء قدير.
٧ - أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأمور والآيات فإنها حق؛ لأن الله على كل شيء قدير، فلو قيل: كيف ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش؟ ! فنقول: الله على كل شيء قدير، وليس لك أن تعارض ما أخبر به رسول الله ﷺ عن ربِّه في أحاديث متواترة بمجرد وَهْمٍ.
* * *
• قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]:
قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
هذه الجملة مؤكدة (بإن)، وفيها اختلاف في ترتيب الجزأين أعني: "جزأي المبتدأ والخبر" وهو تقديم الخبر في قوله: ﴿فِي
стр. 1139
خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الخبر، ثم إن فيها مؤكدًا آخر غير ﴿إِنَّ﴾ وهو (اللام) في قوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾.
يقول الله مؤكدًا مضمون هذه الجملة الخبرية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
الخلق: "هو الابتداع على غير مثال سبق". يعني: إيجاد الشيء على غير مثال سبق يسمى خلقًا. وفي خلق السموات والأرض آيات من عدة أوجه:
الوجه الأول: من جهة الكبر والسعة.
الوجه الثاني: ما فيهما من الحسن والبهاء والجمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]. والذي يطّلع على ما صوَّره العلماء من هذه الآيات العظيمة يتبين له عظمة الله في هذا الخلق.
الوجه الثالث: في خلق السموات من جهة إتقانها وعدم تخلخلها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤].
الوجه الرابع: في خلق السموات والأرض مما أودع الله فيهما من المواد المتعددة المختلفة الأنواع والأشكال والمنافع، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤] يعني متجاورات بعضها إلى جوار بعض ولكن بينهما من الاختلاف ما لا يعلمه إلا الله.
فيهما أيضًا ما فيهما من المنافع العظيمة للخلق. فالشمس فيها خير عظيم، والقمر كذلك، والأشجار وغيرها كلها فيها خيرات عظيمة من آيات الله .
стр. 1140
فأنت ترى النخيل على أرض واحدة، وتسقى بماء واحد، ويفضل الله بعضها على بعض في الحجم واللون والمذاق والادخار، وهي جنس واحد لكنها مختلفة، والآيات في هذا كثيرة. لو أن الإنسان جلس يتدبر ويتأمل ويكتب كل ما يعبر على خاطره لجمع آيات كثيرة في هذا، ونحن مأمورون أن نتدبر ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مأمورون بأن نتدبر ما في السموات والأرض من الآيات، لنستدل بها على كمال قدرة الله وما في ذلك من الحكم العظيمة والرحمة.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
هذا هو التعبير القرآني الغالب: وهو أن الله تعالى يذكر السموات مجموعة والأرض مفردة، ولم يأت في القرآن الكريم التصريح بعدد الأرض، بخلاف السماء فقد جاء التصريح بأنها سبع سموات، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦].
أما الأرضون فجاءت مشارًا إليها بأنها سبع؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أي في العدد لا في الكيفية ولا في الماهية.
وجاءت السنة صريحة في هذا في قول النبي ﵊: "من اقتطع شبرًا من الأرض طوّقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين" (١).
стр. 1141
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾:
أيضًا هذا فيه آيات. اختلاف الليل والنهار على أي وجه من الاختلاف يراد؟ ! .
الجواب: أنه يراد اختلافهما من وجوه شتى:
أولًا: من جهة أن الليل ظلمة والنهار نور، وهذا من آيات الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣].
فهذا من آيات الله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢].
ثانيًا: كذلك أيضًا اختلافهما من جهة الطول والقصر. أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان. ولا أحد يستطيع أن يقوم بهذا، فهو من آيات الله. ولو أن أهل الأرض كلهم اجتمعوا على أن يدخلوا من الليل جزءًا في النهار ما استطاعوا ولا العكس. فهذا من آيات الله.
ثالثًا: اختلاف الليل والنهار يدخل فيه اختلافهما حَرًّا وبردًا، أحيانًا يكون هذا حارًا وهذا باردًا، وأحيانًا يتساويان.
رابعًا: ومن ذلك أيضًا اختلافهما في الرخاء والشدة. أحيانًا تمرُّ بك الأيام رخاء، وأحيانًا تمر بك الأيام شدة.
خامسًا: من هذه الآيات: اختلافهما في العز والذل والنصر والخذلان. ينصر أحيانًا أقوامًا ويخذل هؤلاء الأقوام في آنٍ آخر،
стр. 1142
وهكذا فإن الليل والنهار فيهما آيات، تختلف باختلافهما في ذاتهما وفيما يقع فيهما، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ولو تأمل الإنسان لوجد أكثر مما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾:
آيات: جمع؛ لأنها متنوعة ومتعددة ولكنها لا يفهمها ولا يتخذها آيات إلا أولو الألباب، ولهذا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول.
وسمي العقل لبًّا: لأنه "خالص الإنسان"، كما أن "اللب خالص الحبة"، فالإنسان بعقله، والعقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر بأذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو: "الرشد في التصرف". فكلما كان الإنسان أشد رشدًا وتصرفًا كان أعقل. وليس كلما كان أذكى فهو أعقل؛ لأنه قد يكون من الأذكياء من هو أبعد الناس عن العقل، ولهذا يمكن أن نقول لصناديد الكفرة الممتلئين ذكاءً نقول: إنهم غير عقلاء وإن كانوا أذكياء.
قال الله لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] مع أنهم عندهم ذكاء.
فأصحاب الألباب: هم الذين يعرفون ما في هذه الأشياء الأربعة من الآيات العظيمة، خلق السموات، خلق الأرض، اختلاف الليل، اختلاف النهار.
ثم بيَّن الله تعالى ما يتصف به هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾، وهذه صفة مبينة، وعليه فإن لنا أن نجعلها "عطف بيان" ولنا أن نجعلها "صفة مبينة لحالها".
стр. 1143
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾:
يعني: يذكرون الله على كل حال قيامًا "وهي أعلى ما يكون الجسد عليه"، وقعودًا "وهي مرتبة بين القيام والاضطجاع". والثالثة: على جنوبهم.
يذكرون الله بالتأمل في هذه المخلوقات، كلما رأوا شيئًا استدلوا به على كمال حكمة الله وقدرته وعلمه، وهذا ذكر.
يذكرون الله بألسنتهم بالتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن وغير ذلك.
يذكرون الله بجوارحهم بالقيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة وبالطواف بالبيت، وبالوقوف بمزدلفة، وبالوقوف بعرفة. وبالوقوف بمنى لرمي الجمار. كل عبادة تتعبد لله تعالى بها هي عبادة فعلية وهي من ذكر الله؛ لأنك تريد بها وجه الله. وبذلك تكون ذاكرًا له.
وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. نعم يذكرون الله على جنوبهم بالقلوب والجوارح؛ لقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١).
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
يتفكرون: التفكر: "إعمال الفكر". وذلك بأن يفكر في خلق السموات والأرض، لأي شيء خلقت؟ ! وكيف خلقت؟ ! وكيف رفعت السماء؟ ! وكيف سطحت الأرض؟ ! وما أشبه ذلك، فهم
стр. 1144
يعملون أفكارهم، ثم يتفكرون هل هذه السموات والأرض خلقت نفسها أم كانت مخلوقة؟
يستنتجون بهذا التفكير أن السموات والأرض كانتا غير مخلوقتين؛ لأنهم بالتفكير يطلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾:
هذه الجملة مقول لقول محذوف. يعني: (يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلًا).
يعني: بعد أن يتفكروا في خلق السموات والأرض تحصل لهم هذه النتيجة المباركة ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ هذه نافية.
وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال لازمة لو حذفت لفسد الكلام. وعلى هذا فتكون لازمة، والقاعدة في الحال اللازمة "هي التي لو حذفت لفسد الكلام". لأنه لو حذفت ﴿بَاطِلًا﴾ لكان اللفظ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ مع أنه خلق، وكم من "جملة حالية" أو "مفرد حال" صار لابد منه في الكلام، وتسمى هذه "حال لازمة".
وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ حال من ﴿هَذَا﴾ ﴿هَذَا بَاطِلًا﴾، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: خلقًا باطلًا.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾:
يعني: يا ربنا، فهو منادى منصوب بياء النداء المحذوفة.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ سبحان اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوف، والتقدير من حيث المعنى: "نسبحك تسبيحك" أي: "ننزهك تنزيهك اللائق بك". وأصل التسبيح:
стр. 1145
التنزيه والإبعاد عن السوء؛ ومنه قولهم: "تسبح فلان"، يعني بَعُد ونزل في الماء يسبح.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك أن تخلق هذه السموات والأرض باطلًا، وقد بيَّن الله في آيات أخرى أن من ظن أن الله خلق شيئًا باطلًا فقد أخذ بظن الكفار.
الدليل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. ولهذا قال: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ "الفاء" هذه مفرِّعة للجملة الثانية عن الأولى، و"قِ" فعل أمر مكون من حرف واحد لأنه فعل ناقص، وأوله حرف علة. والفعل الثلاثي الناقص الذي أوله حرف علة يكون عند الأمر أو الجزم على حرف واحد فتقول: "قِ" مأخوذ من "وقى"، "عِ" من "وعى"، "دِ" من الدية من "ودى" ولها أمثلة كثيرة ذكرها الخضري ﵀ في حاشيته على شرح "ابن عقيل على الألفية".
وهذه الحاشية أعني حاشية الخضري على شرح ابن عقيل من أحسن الحواشي التي كتبت على شروح ألفية "ابن مالك"، لأنه متأخر وجمع أقوال من سبقه، وله تحرير جيد في بعض الأشياء التي يحررها، فأشير بها على كل من أراد أن يقرأ ألفية "ابن مالك" وشرحها "لابن عقيل". فإن هذه الحاشية مفيدة، وقد ذكر عدة أمثلة للفعل الثلاثي المبدوء بحرف علة المختوم بحرف علة بأنه تحذف منه العلتان.
والنحويون يقولون: ما أوله حرف علة فهو "مثال". وما وسطه حرف علة فهو "أجوف". وما آخره حرف علة فهو "ناقص" أو "مقصور".
стр. 1146
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾:
"قنا" مأخوذ من الوقاية. أي: قنا عذاب النار بما تشاء؛ إما بعدم إدخالنا فيها، يعني: أن لا ندخلها أصلًا، أو بإخراجنا منها بالشفاعة؛ لأن المؤمن الفاسق يستحق دخول النار على فسقه ثم بعد ذلك يخرج منها، وقد يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - الحث على التأمل في خلق السموات والأرض؛ لأن الله ذكر أن فيهما آيات. والآيات هي: العلامات، وكلما ازدادت الآيات وضوحًا ازداد الإيمان قوة.
٢ - النظر إلى خلق السموات والأرض على الوجه التي ذُكرَ في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لا يذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثًا.
٣ - الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عزٍّ إلى ذلٍّ، ومن فقر إلى غنى وبالعكس في هذه الأمور.
٤ - الثناء على أصحاب العقول؛ لأن الله جعل هذا الاختلاف لذوي العقول. أما من لا عقل له فإنه لا ينتفع بهذه الآيات، ولا يعتبر بها وتمرُّ عليه وكأنها مظاهر طبيعية لا علاقة لفعل الله تعالى بها، وهذا -والعياذ بالله- من الطمس على القلوب وعمي الأبصار؛ لأن هذا الكون على هذا النظام البديع لا يمكن أبدًا أن يقع إلا من رب حكيم ، ولا يمكن أن يقع من فاعل على وجه السفه أبدًا.
стр. 1147
٥ - أن الربَّ أظهر آياته لخلقه مع أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي؛ لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينًا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله : ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فالإنسان قد يكون مؤمنًا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
٦ - الثناء على العقل، وهو عقل الرشد لا عقل التكليف؛ لقوله : ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
٧ - أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ والحكم المعلق على وصف يثبت لثبوته ويعدم لعدمه، فإذا كان أصحاب العقول هم الذين ينتفعون بهذه المخلوقات ويستدلون بها على الخالق وعلى ما له من صفات الكمال، فإن مَن عقله عقل بهيمي لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأنه ليس من ذوي الألباب.
فإن قال قائل: العقول هبة من الله فكيف يذم الإنسان على فقدها أو يمدح على وجودها؟ !
فالجواب: أن العقل -أعني عقل الرشد- نوعان: عقل غريزي وعقل اكتسابي؛ فالعقل الغريزي لا يحتاج إلى تأمل وتفكر، وأما العقل المكتسب فإنه يحتاج إلى تأمل ونظر وتفكر، لأنه كلما ازداد تفكره ازداد إيمانه ويقينه ورشده.
٨ - الثناء على ذوي العقول؛ لأن الله جعل هذه الآيات نافعة لأولي العقول، وعلى هذا فينبغي لك أن تكرس جهودك
стр. 1148
على التأمل المبني على العقل، حتى يكون عندك عقل غريزي وعقل مكتسب.
٩ - أن ذكر الله من لوازم العقل ومقتضياته؛ لقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾.
١٠ - فضيلة إدامة الذكر؛ ذكر الله على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ وكان أبلغ مَنْ وفَّى بهذا حقه رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه" (١).
١١ - جواز ذكر الله تعالى للجنب: أي أنه يجوز للجنب أن يذكر الله لدخوله في العموم ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
١٢ - أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن، (وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن متكئًا في حجر عائشة وهي حائض ﵂ (٢).
١٣ - فضيلة التفكر في خلق السموات والأرض؛ لقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولكن التفكر المقرون بقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السموات؛ لأن هذا التفكر وإن كان
стр. 1149
يفيد الإنسان في الدنيا، لكنه لا يفيده في الآخرة. لابد أن يكون التفكر هذا منتجًا هذا القول والإقرار: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
١٤ - أنه إذا أثنى على المتفكرين في الخلق، فالمتفكرون في الشرع من باب أولى؛ لأن الشرع ليس أمرًا محسوسًا، فالتفكر فيه أبلغ في الإيمان من التفكر في الخلق. الخلق أمر محسوس كل إنسان يدركه، لكن حِكم وأسرار الشرائع ليس لكل أحد أن يدركها.
١٥ - التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، وأكثر ما يكون التوسل به من أسماء الله بالدعاء هو الربوبية؛ لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير، فلهذا نجد أن أكثر ما يدعى به الربوبية؛ اسم الربوبية، أو وصف الربوبية.
١٦ - انتفاء الباطل في خلق الله نفيًا مطلقًا، وذلك من قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وإذا انتفى الباطل نفيًا مطلقًا ثبت الحق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩].
١٧ - إثبات ما أثبته أهل السنة من أن من صفات الله ما هو منفي أو ما هو سلبي؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
والقاعدة عند أهل السنة: "أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي وإنما يراد بها النفي مع إثبات كمال الضد"؛ لأنه لثبوت كمال الضد انتفى هذا الوصف.
١٨ - الإقرار من هؤلاء العقلاء بأن الله هو الخالق: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وهو من تقرير توحيد الربوبية.
стр. 1150
١٩ - إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأنه لو خلقها باطلًا لانتفت الحكمة، فإذا انتفى الباطل ثبتت الحكمة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من أن أفعال الله وشرائعه كلها لحكمة ليس فيها شيء عبث إطلاقًا، وما خفيت علينا حكمته فهو لقصور أفهامنا وليس لانتفاء الحكمة فيه؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. ونحن نؤمن بأن الله لا يحكم بشيء حكمًا كونيًا ولا قدريًا إلا لحكمة.
٢٠ - تنزيه الله عن كل عيب ونقص، مأخوذ من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾. والذي ينزَّه الله عنه شيئان: "النقص"، "ومماثلة المخلوقات"، حتى فيما هو كمال في المخلوقين، فإن الله منزه عن مماثلتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] فكل نقص قد تعالى الله عنه.
٢١ - أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء للوقاية من النار؛ لقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
٢٢ - إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله من قوله: ﴿فَقِنَا﴾ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني: أننا نتوسل إلى الله بتنزُّهه عن النقص أن يقينا عذاب النار؛ لأننا مؤمنون؛ لقوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عن كل نقص وعيب.
وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى
стр. 1151
إياهم من النار ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾؛ لأنه من المعروف في اللغة العربية أن "الفاء" تدل على تفرع ما بعدها على ما قبلها.
٢٣ - إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة؛ لقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
٢٤ - في الآية الكريمة كلمتان لا يجوز فصل إحداهما عن الأخرى، وهي قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ فلو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ وسكتَّ أوهم معنىً فاسدًا، ولهذا يجب الوصل ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. وهذا مثل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] لابد أن تصل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] لو قلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] فقط لفسد المعنى.
ومثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥] لابد أن تصل فتقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، وذلك لأنك لو سكت لأوهم أن الوعيد لمن يصلي.
* * *
• ثم قال الله : ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]:
هذه الآية كالتعليل للدعاء السابق ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ لأن من أدخلته النار فقد أخزيته.
﴿رَبَّنَا﴾ هذه منادى حذفت منها "ياء النداء"، والتقدير: "يا ربنا".
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾:
стр. 1152
إِن واسمها في "إنك"، والجملة الشرطية ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في محل رفع خبر "إن".
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾:
مبتدأ وخبر، الخبر مقدم، و"الأنصار" مبتدأ مؤخر وهو مجرور بـ"من" الزائدة "من أنصارٍ"، والتقدير: (وما للظالمين أنصار). هذا إعراب الآية.
يقول هؤلاء السادة العقلاء: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
"مَن" تشمل العصاة والكفار؛ فالعصاة مستحقون لدخول النار، وإذا أُدخلوا النار فإنهم غير مظلومين؛ لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكل منهم إذا أُدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك سره.
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾:
هنا إظهار في موضع الإضمار، فإن مقتضى السياق أن يقول: (وما لهم من أنصار)، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: أن هؤلاء الذين يدخلون النار مستحقون لهذا الوصف، أي: وصفهم بالظلم.
الفائدة الثانية: العموم؛ أن كل ظالم حتى وإن لم يدخل النار إذا أراد الله أن يعاقبه فإنه لن يجد من ينصره.
الفائدة الثالثة: إثبات العلة في الحكم، فلو قال: (وما لهم من أنصار) لم يتبين لنا أن السبب لأنهم ظلموا أنفسهم، فإذا وصفهم بهذا فكأنه بيَّن الحكم بعلته.
стр. 1153
وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني: من أعوان؛ لأن الناصر بمعنى المعين. وسواء كان العون في دفع العذاب عنهم أو في تخليصهم منه، فلا أحد ينصرهم عند إدخالهم فيمنعهم، ولا أحد ينصرهم إذا سقطوا فيها فيخرجهم. قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقد يستدل بعض الخوارج بهذه الآية: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ على أن من دخل النار فهو منزوع الإيمان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: ٨]، فالرد عليهم: أنه ليس فيه دليل على هذا؛ لأن الخزي قد يكون عامًا دائمًا، وهذا لأهل النار الذين يستحقون الدوام فيها، وقد يكون خزيًا جزئيًا يفضح به ثم يزول عنه.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - فقه هؤلاء السادة أولي الألباب حيث بيَّنوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي والعياذ بالله ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
٢ - إثبات النار؛ لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾.
٣ - أنه لا نصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم، ولكن تدور عليه الدوائر، أما في الآخرة فلا أحد ينصره.
٤ - أن الظلم سبب دخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بعد قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
стр. 1154
• ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]:
نقول في: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ مثل ما قلنا في: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ أو ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: أنها منادى حذف منها "ياء النداء".
﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾:
سمعوا مناديًا ينادي للإيمان، جملة (ينادي للإيمان) صفة لقوله: (مناديًا) لكن فائدتها أنها بيَّنت ماذا ينادي له؛ وذلك أن المنادى قد ينادي لكذا ولكذا، فبيّنت ماذا ينادي له. فهي إذن صفة لـ"مناديًا".
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾:
"أن" هذه تفسيرية، لأنها جاءت بعد جملة تتضمن معنى القول دون حروفه، وكل "أَنْ" تقع بعد جملة تتضمن معنى القول دون حروفه فإنها تسمى تفسيرية، فهي بمعنى "أي" ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] يعني: "أي اصنع الفلك". "فأَنْ" هنا تفسيرية.
وقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾:
"الفاء" هذه عاطفة ولكنها تفيد السببية؛ لأنها عطفت جملة على جملة.
وقوله: ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾: بالكسر مع أنه مفعول به؛ لأنها "جمع مؤنث سالم".
стр. 1155
وقوله: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ظرف، ولكن هنا المراد بالمعية المعية الحكمية لا الزمنية؛ لأن ميتات الأبرار تختلف.
يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾: قالوا ذلك تحدثًا بنعمة الله على ما أنعم به من إرسال هذا المنادي.
وقولهم: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾: المنادي أصله: "المصوِّت" لأن النداء هو رفع الصوت، ولكن المراد به محمد ﷺ ، وسماعهم له يقع على وجهين: أحدهما: أن يسمعوا صوته مباشرة بدون واسطة.
والثاني: أن يسمعوا من ورثته ما جاء به، وهم العلماء، وكل هذا داخل في الآية؛ يعني السماع المباشر الذي سمعوه من صوته، والسماع غير المباشر الذي سمعوه بالواسطة من ورثته وهم العلماء.
وقوله: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾:
قد يقول قائل: إن المتوقع أن يقال: إلى الإيمان، فيقال إليه، ولكنه أتى باللام؛ لأن اللام ألصق من "إلى"، إذ إن "إلى" تفيد الغاية، والغاية لابد لها من مغيَّى، والمغيَّى طرف فهو مؤمن بالبعد. أما "للإيمان" فهي للإلصاق فتكون ألصق من "إلى".
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ هذا بيان للإيمان الذي دعا إليه الرسول ﵊، ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾:
الإيمان بالله : هو الإقرار المتضمن للقبول والإذعان وليس مجرد الإقرار، ولو كان الإيمان مجرد الإقرار لكان أبو طالب مؤمنًا لأنه مقر، ولكنه لا يكون إيمانًا حتى
стр. 1156
يتضمن القبول والإذعان، يعني الانقياد، فأما إذا لم يقبل أو قبل ولم يذعن فإنه ليس بمؤمن.
وقوله هنا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ قد يقول قائل: هل الإيمان يقتصر على ركن واحد؟ وهو الإيمان بالله.
فالجواب: أن من آمن بالله آمن بكل ما أخبر الله به ومنه بقية الأصول الستة: "ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره".
فعلى هذا يكون الإيمان بالله متضمنًا للإيمان ببقية أركان الإيمان، ويكون ذكرها أحيانًا مفصلة من باب التفصيل والبيان وليس من باب التخصيص، فإن الإيمان بالله يتضمن هذا كله.
﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: يعني أقررنا بذلك مع الانقياد والقبول والإذعان.
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾: أي: بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا. و"المغفرة": هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وإنما نقول: إنها ستر وتجاوز لأنها مأخوذة من "المِغْفَر" وهو ما يلبس على الرأس من الحديد الذي يقي السهام، ومعلوم أن هذا "المِغْفَر" فيه ستر وفيه وقاية، فمن قال من العلماء: المغفرة هي الستر فإن تفسيره لها ناقص، لابد أن يقال: الستر مع الوقاية.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾:
الذنوب: هي المعاصي، وأصلها "النصيب" كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] أي: نصيبًا مثل نصيب أصحابهم، ولكنها خصت بالنصيب من الآثام والعياذ بالله.
стр. 1157
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾:
السيئات طلبوا تكفيرها، والذنوب طلبوا مغفرتها؛ لأن السيئات: هي "الصغائر" وهي تكفّر بالأعمال الصالحة؛ بالطاعات، ولا يمكن أن تكفر بالطاعات إلا بعد أن تكون الطاعات على الوجه الأكمل؛ لأن الطاعات إذا نقصت لم تقوَ على تكفير السيئات. إذ إن الإنسان قد يفعل الطاعة ولا يحصل له منها إلا إبراء الذمة، لكن لا تقوى على التكفير حتى تكون "تامة" بقدر المستطاع، ولهذا قالوا: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ بما نفعله من الأعمال الصالحة.
ثم اعلم أن تكفير السيئات قد يكون معيَّنًا من قبل الشرع، أي: ما يكفَّر به قد يكون معينًا من قبل الشرع مثل كفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة الجماع في نهار رمضان. فهذا مقيد بالشرع، وقد يكون عامًا كتكفير السيئات عمومًا بالصلاة، وبالوضوء، وبالجمعة إلى الجمعة، وبرمضان إلى رمضان، وبالعمرة إلى العمرة. فالتكفير إما مقيد وإما مطلق عام.
وهناك فرق بين الكبائر والصغائر؛ فإن الكبيرة أحسن ما قيل فيها: هي ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت العقوبة دنيوية أو دينية في الدنيا أو في الآخرة، هذا أحسن ما قيل فيها، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀. وقال بعضهم: إن الكبيرة ما رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، وصاروا يعدّون مثل هذا.
فإذا قلنا: ما رتب عليه عقوبة خاصة صار أشمل، ومن المعلوم أن الكبائر بعضها أهون من بعض أو أعظم من بعض؛
стр. 1158
لقول النبي ﵊ في حديث أبي بكرة: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" (١).
وهم طلبوا من الله تكفير الكبائر والصغائر؛ لأن الكبائر لا تكفَّر، وإنما تحتاج إلى مغفرة من الله ، إما مجرد فضل منه ، وإما بعمل أسباب كالاستغفار والتوبة حتى ترفع حكم هذه الكبائر.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾:
"توفنا" يعني "اقبضنا إليك" "والتوفية" بمعنى "القبض"، ومنه قولهم: تَوَفَّى فلان حقّه أي قبضه وافيًا.
وقولهم: ﴿مَعَ الْأَبْرَار﴾ المعية هنا ليست معية زمنية لتعذر اجتماع وفاة الأبرار في آنٍ واحد، لكنها معية حكمية ومصاحبة حكمية. يعني: أن نكون معهم، أي: في جملتهم ولو كنا بعدهم.
و(الأبرار) جمع بَرْ؛ والبَرُّ هو: كثير الخيرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم مكثرون لفعل الخيرات، وعليه فإنهم أبرار.
فإن قال قائل: هل في هذا الدعاء جواز الدعاء بالموت؟
الجواب: ليس كذلك، فمعلوم أن الله لن يتوفاهم إلا إذا جاء أجلهم، وليس فيها أنهم يتمنون تقديم الوفاة،
стр. 1159
وهذا نظير قول يوسف ﵊: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. ليس المعنى أنه يسأل الله أن يتوفاه الآن، بل أن يتوفاه على الإسلام متى جاء أجله، وكذلك قول مريم: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣] ليس معناه أنها تمنت الموت بل تمنت أن هذا لم يقع، يعني معناه نقول: "يا ليتني مت وأنا ما رأيته".
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غير مانٍّ بها على ربه؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.
٢ - أن دعوة النبي ﷺ دعوة إلى الإيمان: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾.
٣ - بيان أن رسول الله ﷺ بذل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق؛ لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول ﵊ يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.
٤ - أن الكلمات قد يستغنى بمضمونها عن تفصيلها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به وصدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله .
٥ - الإشارة إلى بيان علة الإيمان؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان لأنه رب خالق، مالك، مدبر، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.
٦ - أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، فإذا قال: أمرني ربي بالصلاة فصليت، أو بالزكاة فزكيت، أو بالحج
стр. 1160
فحججت، فإن هذا لا يبطل العمل؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.
٧ - جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضًا.
ففي قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بصخرة عظيمة لم يستطيعوا زحزحتها فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم؛ فتوسل كل منهم بصالح عمله، فلما دعا الأول وتوسل بصالح عمله انفرجت الصخرة قليلًا، ثم الثاني قليلًا لكن لا يستطيعون الخروج، ثم الثالث انفرجت كلها فخرجوا يمشون.
هنا يحسن أن نذكر أنواع التوسل:
التوسل ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وجائز.
فالممنوع: ما لم يرد به الشرع.
والجائز: ما ورد به الشرع، هذا هو الضابط.
فما لم يرد به الشرع من أنواع التوسل فهو ممنوع، مثل التوسل بجاه الرسول ﷺ يقول أحدهم: أتوسل إليك بجاه نبيك، فالتوسل هنا غير مشروع فيكون ممنوعًا؛ لأن التوسل "جعل الشيء وسيلة" وكون الشيء وسيلة لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وجاه النبي ﷺ ليس سببًا لقبول دعائنا؛ لأن جاهه ﵊ مما يختص هو نفسه بفضله، أما نحن فليس لنا تعلق فيه.
أما الجائز فهو ما جاء به الشرع وهو أنواع منها: