ولهذا كلنا يعلم أن أبا طالب مصدق لرسول الله ﷺ ، ويرى أن ما أخبر به مثل الشمس، حتى إنه يقر بذلك في قصائده ويقول:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
ويقول:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحًا بذاك مبينا
إذن هو مصدق، لكن لم يكن تصديقه هذا متضمنًا للقبول والإذعان، فلم يقبل منه.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾:
الفاء هنا للسببية، أي: بسبب إيماننا فاغفر لنا؛ لأن الإيمان لا شك أنه وسيلة للمغفرة، وكلما قوي الإيمان قويت أسباب المغفرة، حتى إنه إذا أخلص الإنسان إيمانه صارت حسناته تذهب سيئاته، ولهذا قال: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾، أي: بسبب الإيمان اغفر لنا، وهذا من باب التوسل بالطاعة لقبول الدعاء.
وقوله: (اغفر): فعل دعاء وليس فعل أمر؛ لأن العبد لا يأمر الله لكنه يدعوه. إذن كل فعل بصيغة الأمر موجَّه إلى الله، يسمى فعل دعاء، ولا يسمى فعل أمر.
والمغفرة: مأخوذة من الغفر، وهو الستر مع الوقاية، ومنه (المِغْفَر) الذي يلبسه المقاتل في رأسه ليستر الرأس ويقيه السهام، فليست المغفرة مجرد الستر، بل هي ستر ووقاية، ولهذا نقول: مغفرة الذنوب سترها عن الناس، والعفو عن عقوباتها.
ويدل لهذا أن الله يخلو يوم القيامة بعبده
стр. 107
المؤمن، ويقرره بذنوبه؛ يقول: عملت كذا، وعملت كذا وكذا، وعملت كذا حتى يقر، فيقول الله : "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (١). يعني: لا أجازيك عليها.
ويقال: إن بني إسرائيل كان الواحد منهم إذا أذنب ذنبًا أصبح وذنبه مكتوب على بابه -والعياذ بالله- فضيحة. أما هذه الأمة فستر الله عليها ولله الحمد، ولكن فتح لها أبواب التوبة كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
والله يمهل الإنسان ويحلم عليه، وإذا وفق اتعظ من نفسه بنفسه؛ فيستحي من الله ، ويخشى أن يفضحه الله؛ لأن الإنسان إذا تجرأ على ربِّه في السر، فربما يفضحه في العلانية إذا لم يتب إلى الله ، فإن تاب تاب الله عليه، وأبدل سيئاته حسنات.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾:
الذنوب: هي المعاصي، وهي إما كبائر، وإما دون ذلك وهي الصغائر، وكلها تحتاج إلى مغفرة. والصغائر إما أن تكفر بالحسنات أو بالتوبة، فإذا كفرت بالحسنات فإنها تمحى فقط، ولا تبدل بحسنات، وإذا كفرت بتوبة أبدلت بحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال: ﴿إِلَّا
стр. 108
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
وقوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾:
من الوقاية، والمراد: قنا العذاب عند استحقاقنا له، وقنا العذاب حتى لا نعمل العمل الذي يوصلنا إلى العذاب.
ثم هؤلاء إذا هم عملوا عمل أهل النار، فالله تعالى يقيهم ذلك بأمور متعددة.
وقد ذكر العلماء أسباب مغفرة الذنب فبلغت نحو عشرة أسباب؛ منها: أن يوفّق الإنسان للتوبة، فإن تاب الإنسان من الذنب، وقاه الله تعالى عقاب ذلك الذنب كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. ومنها الأعمال الصالحة، والصدقة، ودعاء المؤمنين، ومشيئة الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾:
نعت لقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥] والصابر: اسم فاعل من الصبر، وهو في الأصل: الحبس، والمراد به شرعا: حبس النفس عن محارم الله، وأنواعه ثلاثة:
١ - صبر على طاعة الله .
٢ - صبر عن معصية الله.
٣ - صبر على أقدار الله المؤلمة.
أما الصبر على الطاعة: فإن الإنسان يجد منه معاناة عظيمة عندما يهمُّ بالطاعة؛ لأنه يجد نفسه الأمّارة بالسوء والشيطان
стр. 109
يحاولان أن يصداه عن طاعة الله، حتى إذا أعانه الله على ذلك تغلب على هذين العدوين، وفعل ما أمر الله به.
وأما الصبر عن المعصية، لاسيما مع قوة الداعي لها، وعدم المعارض؛ فإنه لا ينجو منها إلا من عصمه الله؛ ولهذا قال النبي ﵊ في جملة من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" (١). ومن ذلك صبر يوسف ﵊، عندما دعته امرأة العزيز، وهي سيدته، لكنه ﵊ رأى برهان ربه، فعصمه الله .
ومن ذلك الرجل الإسرائيلي الذي كان يراود ابنة عمه عن نفسها، وتأبى عليه. فلما ألمّت بها سَنَةٌ جاءت إليه، ومكَّنته من نفسها، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته، قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه، لكن لما ذكرته بالله اتقى الله (٢).
وأما الصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا كثير، ومن ذلك صبر أيوب ﵊، فإنه صبر صبرًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] ومن ذلك أيضًا: الصبر على أقدار الله المؤلمة المترتبة على طاعة الله، كصبر الرسل على أذية الناس من أجل الدعوة إلى الله. فهؤلاء
стр. 110
صبروا على الأقدار المؤلمة المترتبة على فعل اختياري منهم وهو طاعة الله بتبليغ رسالته.
ونضرب مثلًا بصبر سيد الخلق ﵊، مع الحلم والأناة والعفو والتسامح، كما حصل له مع أهل الطائف (١)، وقبل ذلك مع أهل مكة؛ فقد كان ذات يوم ﵊ يصلي حول الكعبة في آمَنِ مكانٍ على وجه الأرض، ساجدًا لله ، فجاءه سفهاء قومه، فوضعوا سلا جزور على ظهره ﷺ وهو ساجد، حتى جاءته ابنته فاطمة ﵂ فأزالت الأذى عن ظهره (٢). ومع ذلك صبر وصابر، ولم يخرج من مكة إلا بعد أن أذن الله له.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾:
الصدق: هو المطابقة للواقع، والصادق هو الذي يكون خبره مطابقًا للواقع. والكاذب خلاف ذلك.
والصدق: يكون بالقول ويكون بالفعل، ويكون مع الله ويكون مع عباد الله. أما الصدق بالقول: فهو مطابقة القول للواقع؛ فإذا قيل لك: جاء زيد، وكان قد جاء، فهو مطابق للواقع، فيكون صدقًا.
والصدق من صفات المؤمنين، والكذب من صفات المنافقين، وقد حثّ النبي ﵊ على الصدق،
стр. 111
وقال: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا" (١).
والصديقية مرتبة تلي مرتبة النبوة، فهي في المرتبة الثانية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
وأما صدق الفعل: فهو أن لا يظهر خلاف الباطن، فمن يظهر لك المودة وقلبه يبغضك، أو يظهر أنه مؤمن ويصلي ويتصدق ويحضر مجالس العلم، لكن قلبه منطوٍ على الكفر -والعياذ بالله- فهذا كاذب كذبًا فعليًا، حيث أظهر خلاف ما يبطن.
فالأول كاذب مع عباد الله. والثاني كاذب مع الله.
والحاصل: أنَّ الصدق خُلُق عظيم، لا يناله إلا من وفَّقه الله ممن أنعم الله عليهم، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾:
القانتون: اسم فاعل من القنوت، والقنوت يطلق على عدة معان، وأنسبها لهذه الآية أن المراد بالقنوت: دوام الطاعة مع الخشوع والخضوع لله ، بحيث يكون الإنسان مديمًا
стр. 112
لطاعة الله مقبلًا على الله في طاعته. قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: خاشعين، ولهذا لما نزلت هذه الآية أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام (١).
وقوله: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾:
المنفقون من أنفق أي: بذل النفقة، والنفقة هي إخراج المال، وبيّن في آيات أخرى الميزان للإنفاق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال : ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، فلا يكون الإنسان مقترًا ولا مسرفًا، وهذا الميزان يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والبلدان، فقد يكون الإنفاق إسرافًا بالنسبة لشخصٍ وليس بإسراف بالنسبة لآخر. فإنفاق الفقير ليس كإنفاق الغني، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
وأما مَنِ الذين يُنْفَقُ فيهمِ؟ فبيّنه الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، فجهات الإنفاق كل جهة محتاجة، أو يحتاج المسلمون إليها، فالإنفاق في سبيل الله
стр. 113
لحاجة المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله؛ لأن الجهاد في سبيل الله إعلاء لكلمة الله وحفظ لشريعته، والإنفاق على الفقير لحاجة الفقير، وليس لحاجة المسلمين.
وقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾:
المستغفرون: هم السائلون لمغفرة الله، والمغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه.
وقوله: ﴿بِالْأَسْحَارِ﴾ الباء: هنا للظرفية، أي: فيها، والأسحار جمع سحر، وهو آخر الليل، أي: يسألون المغفرة في هذا الوقت من الزمن في آخر الليل؛ لأنه وقت نزول الله إلى السماء الدنيا، فإن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يتبقى ثلث الليل الآخر فيقول: "من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (١).
ولأنه وقت فراغهم من التهجد، والإنسان مطلوب منه إذا فرغ من العبادة أن يستغفر الله، ولهذا يشرع لنا أن نستغفر الله تعالى ثلاثًا بعد الصلاة (٢). وأمر الله أن نستغفر في الحج: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وسؤال المغفرة بعد الانتهاء من العبادة فيه كمال الذل لله ، وأن الإنسان لا يعجب بعمله بل يخشى من التقصير فيه.
стр. 114
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - أن من صفات المتقين إعلانهم الإيمان بالله، واعترافهم بالعبودية؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾، والقول هنا يكون باللسان ويكون بالقلب.
٢ - أن من صفات المتقين عدم الإعجاب بالنفس، وأنهم يرون أنهم مقصرون لطلبهم المغفرة من الله؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
٣ - أن التقوى لا تعصم العبد من الذنوب، بل قد يكون له ذنوب، لكن المتقي يبادر بالتوبة إلى الله .
٤ - جواز التوسل بالإيمان؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فإن الفاء هنا للسببية، تدل على أن ما بعدها مسبب عما قبلها.
٥ - أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله المغفرة والوقاية من النار؛ لقوله: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وسؤال المغفرة يغني عن سؤال الوقاية من النار، إلا أنه في باب الدعاء ينبغي البسط لأربعة أسباب:
السبب الأول: أن يستحضر الإنسان جميع ما يدعو به بأنواعه.
السبب الثاني: أن الدعاء مخاطبة لله ، وكلما تبسط الإنسان مع الله في المخاطبة كان ذلك أشوق وأحبّ إليه مما لو دعا على سبيل الاختصار.
السبب الثالث: أنه كلما ازداد دعاءً، ازداد قربه إلى الله .
стр. 115
السبب الرابع: أنه كلما ازداد دعاء، كان فيه إظهار لافتقار الإنسان إلى ربِّه؛ ولهذا جاء: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقَّه وجلَّه، علانيته وسره، وأوله وآخره" (١)، وهذا يغني عنه قوله: "اللهم اغفر لي ذنبي"، بل لو قال: "اللهم اغفر لي" لكان صحيحا لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط.
٦ - إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وعذاب النار إما دائم مستمر، وهذا لأصحاب النار الذين هم أصحابها، وإما مؤقت، وهذا لأصحاب المعاصي؛ فإنهم يعذبون بحسب معاصيهم، إذا لم يغفر الله لهم.
٧ - فضيلة هذه الصفات التي أثنى الله عليها، وهي: الصبر، والصدق، والقنوت، والإنفاق، والاستغفار في الأسحار، والحثُّ على الاتصاف بها.
٨ - أن الصبر أفضل هذه الصفات؛ لأن الإنسان إذا حقق الصبر حقق جميع هذه الصفات؛ لأن من أقسام الصبر: الصبر على طاعة الله وعن معصيته.
٩ - ذمُّ الاتصاف بضدِّ هذه الصفات، وهي: الجزع، والكذب، وقلة الطاعة، والبخل والشح، والاستكبار عن الاستغفار.
стр. 116
• ثم قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾:
الشهادة قد تكون بالقول، وقد تكون بالفعل. وشهادة الله لنفسه بانفراده بالألوهية هنا، كشهادته لرسوله ﷺ بأنه أنزل عليه الكتاب بقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]؛ فقد شهد هو وملائكته لنفسه بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة، والشهادة في الموضعين قولية.
وأما الشهادة الفعلية ففيما يظهره الله من آياته؛ فكل الكائنات تشهد لله بالوحدانية بلسان الحال، وكذلك تأييده لنبيه ﷺ بالنصر، وجعل العاقبة له، هو شهادة له بأنه رسول الله حقًّا.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾:
أي: لا معبود حق إلا الله، فكل ما عُبد من دون الله فهو باطل، وإن سمي إلهًا؛ فإن ألوهيته مجرد تسمية. كما قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠]، فلا معبود حق إلا الله. وأما المعبود باطلًا فهو موجود؛ كما سمَّى الله تعالى الأصنام آلهة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١]، وقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]،
стр. 117
وقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾:
معطوفة على اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾؛ يعني: وشهدت الملائكة أنه لا إله إلا الله.
وقوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾:
أصحاب العلم الذين رزقهم الله العلم، يشهدون أيضًا أنه لا إله إلا الله. والمراد بالعلم: العلم بالله .
وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾:
﴿قَائِمًا﴾: حال من لفظ الجلالة، يعني: حال كونه قائمًا بالقسط، أي بالعدل. وذلك في أحكامه التكليفية، وأحكامه القضائية والجزائية، فليس فيها جور، وتتضمن الفضل والعفو والإحسان. ولهذا قال الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال الله : ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، هذا أمر زائد على العدل. ومن ذلك أنه يجزي الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها أو يعفو، إلا من كان كافرًا فليس أهلًا للعفو، فلا يعفى عنه.
والله يقتص للمظلوم من الظالم، إما بإجابة دعوة المظلوم إن دعا على ظالمه في الدنيا، كما قال النبي ﵊ لمعاذ بن جبل، وقد بعثه إلى اليمن: "إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله
стр. 118
حجاب" (١). وإما بالأخذ من حسناته يوم القيامة. كما قال الرسول ﵊: "من تغدون المفلس فيكم؟ " قالوا: من لا درهم عنده ولا متاع، أو قالوا: ولا دينار. قال: "المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد ظلم هذا، وضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه وطرح في النار" (٢).
فلابد من العدل بين العباد. ولهذا قال العلماء ﵏: إن الحقوق التي بين العباد من الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فلابد أن يقتص للمظلوم من الظالم.
فإن قال قائل: إنَّ الناس يصابون بالنكبات من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات؛ ألا يكون هذا ظلمًا؟
فالجواب: كلا، ليس بظلم؛ لأن هذا بما كسبت أيدي الناس، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
إذن فهذه المصائب فضل؛ لأن المقصود بها تأديب الخلق وردعهم حتى يرجعوا إلى الله ، فليس هذا من باب الظلم في شيء، بل هو من باب الجزاء بالعمل لغاية حميدة، وهي رجوع الناس عن ظلمهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ
стр. 119
النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١].
وقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾:
هذا حكم بعد الشهادة. فشهد الله لنفسه أنه لا إله إلا هو، وحكم لنفسه أيضًا بأنْ لا إله إلا هو، فاجتمع في كلامه الشهادة والحكم، فكان شاهدًا لنفسه، حاكمًا لها بالألوهية؛ لأن المعروف في المحاكمات والمرافعات أن تؤدى الشهادة أولًا، ثم يأتي الحكم. فالله تعالى شهد أولًا، وأخبر بمن شهد معه، ثم حكم ثانيًا.
والمتكلمون يفسرون هذه الجملة العظيمة بأن المراد بها القادر على الاختراع، ففسروها بما يقر به المشركون، ولم يكونوا موحدين. فالمشركون يقرون بأن الله هو القادر على كل شيء، وأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر للأمر، ومع ذلك هم مشركون قاتلهم الرسول ﵊؛ لأنهم لم يحققوا معنى (لا إله إلا الله). وأنت إذا قرأت كتب هؤلاء المتكلمين وجدت كلامهم في الألوهية يدور على تحقيق الربوبية فقط، وهذا نقص عظيم، ومن مات على ذلك دون أن يؤمن بأنه لا معبود حق إلا الله، فإنه لم يمت على التوحيد.
وقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿الْعَزِيزُ﴾: أي ذو العزة، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ مأخوذ من الحكم ومن الإحكام، فهو ذو الحكم وذو الإحكام، وسبق الكلام عليهما مفصلًا في أول السورة.
стр. 120
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان فضيلة التوحيد؛ حيث أخبر الله به عباده بلفظ الشهادة.
٢ - فضيلة الملائكة؛ حيث جعلهم الله تعالى في المرتبة الأولى في الشهادة بالتوحيد بعده .
٣ - فضيلة العلم وأهله، لقوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾.
٤ - تأكيد الشيء الهام، وإن كان المخبِر به من أهل الصدق، حيث صدر الله تعالى وحدانيته بالشهادة، وبيّن أن هذه الشهادة ليست له وحده بل له وللملائكة ولأولي العلم.
٥ - وصف الله تعالى بتمام العدل؛ لقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾.
٦ - أن الله لما شهد لنفسه بانفراده بالألوهية، أكد ذلك بالحكم به لنفسه، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
٧ - انفراد الله بالألوهية؛ فيتفرع على ذلك أن من أشرك مع الله أحدًا في العبادة، فَعَبَدَه كما يعبد الله فإنه مشرك، وعمله مناف للتوحيد.
٨ - إثبات العزة والحكمة لله؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وأن عزة الله مبنية على الحكمة، وتنزيل الأشياء في منازلها، وهذا مأخوذ من ضم الاسمين الكريمين بعضهما إلى بعض، لأن العزيز من المخلوقين قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقول الحق، أما الله فإنه يقول الحق مع كمال عزته.
стр. 121
• ثم قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩].
﴿إِنَّ﴾ فيها قراءتان: القراءة الأولى: فتح الهمزة، والثانية: كسر الهمزة؛ فعلى قراءة فتح الهمزة تكون عطف بيان لقوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، يعني: وشهد أنه لا إله إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام.
و﴿الدِّينَ﴾: يراد به العمل، كما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، أي: لكم عملكم ولي عملي، وكما في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، ويراد به الجزاء كما في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
والمراد به في هذه الآية العمل، يعني: إن الدين الذي هو عبادة الله والعمل له، هو الإسلام.
و﴿الْإِسْلَامُ﴾: مصدر أسلم يسلم. والإسلام هو التعبد لله تعالى بما شرع، حال قيام الشريعة. وهذا الإسلام بالمعنى العام. أما الإسلام بالمعنى الخاص -وهو المراد هنا- فهو التعبد لله بشرع محمد ﷺ .
والدليل على هذا التقسيم من القرآن أنَّ الله تعالى وصف إبراهيم بأنه كان حنيفًا مسلمًا. وقال عن ملكة سبأ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]. وقال يعقوب لبنيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وقال عن التوراة: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ
стр. 122
وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]. والآيات في هذا كثيرة.
ولهذا لو سألنا سائل: هل اليهود والنصارى مسلمون؟ فنقول: أما بالمعنى العام فهم مسلمون، يعني: أنه لما كانت شريعة التوراة قائمة، وكانوا يتبعونها، فهم مسلمون بلا شك. وأما بالمعنى الخاص الذي لا يراد سواه بعد بعثة محمد ﵊، فليسوا بمسلمين، بل هم كفار بمحمد ﷺ .
وهنا ننبِّه أن كثيرًا من الكُتَّاب اليوم إذا تكلموا عن اليهودية والنصرانية والإسلام، يقولون: هذه الأديان السماوية. فيظن السامع أن دين اليهود قائم، وأن دين النصارى قائم، كقيام دين الإسلام. وهذا لا يصح، فإن هذه الأديان أديان سماوية بلا شك، لكنها حرِّفت، وبُدِّلت، وغُيِّرت ونسخت ببعثة محمد ﷺ ، فليست دينًا يرتضيه الله اليوم، بل المتمسكون بها كفار، لا يعدون من المسلمين.
وربما توهم بعض العامة أن اختلاف هذه الأديان كاختلاف المذاهب الإسلامية، يعني: كاختلاف مذهب الشافعي، ومالك، والإمام أحمد، وأبي حنيفة، وهذا خطأ عظيم؛ لأنه من زعم أن هناك دينًا قائمًا بعد بعثة الرسول ﵊ فهو كافر، فإن دينه نسخ جميع الأديان، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
والمراد بالإسلام هنا الدين كله بجميع شرائعه الظاهرة والباطنة، فليس قَسِيم الإيمان المذكور في حديث جبريل ﵇ (١)، بل المراد به ما يعمُّ جميع شرائع
стр. 123
الإسلام فالصلاة من الإسلام، والزكاة من الإسلام، والتوكل على الله من الإسلام، والخوف منه من الإسلام، وهكذا جميع شرائع الدين من الإسلام. وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يعني: إن المرجع في كون هذا الشيء دينًا أو غير دين، هو الله .
وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾:
يعني: إن الإسلام قد اتفقت عليه الأمة، ولم تختلف فيه، لكن الأمم السابقة جرى منهم الاختلاف، ومع ذلك لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم، وعلموا الحق لكنهم اختلفوا فيه بغيًا وعدوانًا، كل واحد منهم يبغي على الآخر؛ كل واحد منهم يقول: إن دينك باطل، فتفرقوا وتمزقوا. وهذا كما وجد في الأمم السابقة، وُجِدَ في هذه الأمة؛ نجد بعض العلماء يخالف الآخرين، ثم يجعل من هذا الخلاف خلاف قَلْبٍ؛ فتتنافر القلوب وتتشتت، فمن كان على ذلك ففيه شبه من اليهود والنصارى.
وقوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: العلم بالشريعة، فبعد أن عرفوا الشريعة وفهموها تنازعوا فيها. وقوله: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُم﴾ يعني أن الحامل لهم على هذا الاختلاف هو البغي، حيث إن بعضهم يبغي على بعض؛ ولهذا جرى بين اليهود وبين النصارى من الحروب ما هو معلوم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
﴿وَمَنْ يَكْفُر﴾ الجملة هذه شرطية. فعل الشرط: يكفر،
стр. 124
وجوابه جملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وارتبطت جملة الجواب بالفاء لأنها جملة اسمية، كما قيل:
اسمية طلبية وبجامد ... وبما ولن وبقد وبالتنفيس
والكفر بآيات الله يدور على أمرين: الجحد والتكذيب، والاستكبار والعناد.
فالجحد والتكذيب: كما فعل المشركون مع النبي ﷺ ، وكما فعل أعداء الرسل من قبل.
والاستكبار والعناد: بحيث يعلم الحق ثم يستكبر عنه ويعاند، كما هو كفر إبليس، وبين الكفرين تلازم، فإن المكذب مستكبر، والمستكبر وإن لم يكذب بلسانه، فهو مكذب بعمله، لأنه لم ينقد لأمر الله.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات نوعان: كونية، وشرعية.
فالكفر بالآيات الكونية: أن ينكر أن الله هو الذي خلقها، أو أن يعتقد بأن لله تعالى شريكًا فيها، أو أن يعتقد بأن لله تعالى معينًا فيها. كل هذا كفر بالآيات الكونية، كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
فنفى الله في الآية ثلاثة أشياء:
١ - لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض على سبيل الاستقلال.
٢ - ما لهم فيهما من شرك على سبيل المشاركة.
٣ - ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي: لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: من معين.
стр. 125
ثم قال في الرابع: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، لكمال سلطانه، لا أحد يشفع إلا من أذن الله له.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
وهذه الجملة خبرية يقصد بها التهديد، أي: سيحاسبه، وهو سريع الحساب .
والسرعة في الزمن والتقرير. أما في الزمن فإن الدنيا مهما طالت فهي سريعة الزوال، وكذلك أيضًا سريع الحساب يوم القيامة فإن الله تعالى يفرغ من الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والقيلولة تكون في نصف النهار. وهذه سرعة الحساب. وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يحاسبنا الله في يوم القيامة وهو واحد ونحن جميع -الجماعة الكثيرة-؟ ، فقال: "ألا أخبرك -أو أنبئك- على شيء من آلاء الله؟ " -يعني تستدل به على إمكان ذلك-، قال: بلى، قال: "هذا القمر واحد، والذي يشاهده كل من على وجه الأرض" (١).
أما السرعة في التقرير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
الحساب: أن يحاسب الإنسان ويناقش، لكن لكلٍّ صفة، فالمؤمن لا يناقشه الله ، ولكنه يقرره بذنوبه، ويقول: عملت كذا في يوم كذا في يوم كذا فيقر (٢). وأما
стр. 126
حساب الكفار: يحاسبون فيقفون على أعمالهم، ويخزون بها والعياذ بالله، ويقال: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أنَّ الدين الذي يُعتد به، ويكون مقبولًا عند الله هو الإسلام، وكل دين يخالف الإسلام في أي زمان فليس بمقبول ولا مرضي عند الله. والإسلام بعد بعثة الرسول ﷺ هو ما جاء به الرسول، وعلى هذا فدين اليهودية والنصرانية دين باطل غير مقبول عند الله، وقد أخبر النبي ﵊ أنه "ما من يهودي ولا نصراني من هذه الأمة -يعني أمة الدعوة- يسمع به -يعني بالرسول ﷺ ثم لا يتبع ما جاء به إلا كان من أهل النار، أو من أصحاب النار" (١)، فمن ادعى أن دين اليهودية أو النصرانية أو غيرهما من الأديان مقبول عند الله الآن فهو كافر؛ لأنه مكذب بالقرآن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
٢ - بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا تكلموا عن الديانات، قرنوا بين دين الإسلام، واليهودية، والنصرانية، وقالوا: هذه هي الأديان السماوية؛ حتى إن الجاهل ليظن أن اختلاف الأديان الثلاثة كاختلاف المذاهب الفقهية في الأمة الإسلامية. وهذا ضلال عظيم ومداهنة لليهود والنصارى، بل نقول: إن الأديان السماوية، اليهودية والنصرانية، كانت أديانًا
стр. 127
مقبولة عند الله. أما الآن فقد نسخها الله ، وصار الدين السماوي المقبول الذي لا يمكن أن يشركه دين آخر، هو ما جاء به محمد ﷺ .
٣ - أن اختلاف اليهود والنصارى كان عن علم، وبعد أن جاءهم العلم اختلفوا، ولهذا قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾.
٤ - أن اختلاف هؤلاء ليس لقصد الحق، بل لقصد البغي والعدوان، بعضهم على بعض، حتى يضلل بعضهم بعضًا، بل ويكفر بعضهم بعضًا.
٥ - الإشارة إلى التحذير مما وقع فيه هؤلاء الكفار الذين أوتوا الكتاب. ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، والبغي معلوم أنه محذر منه، غير مرغوب فيه.
٦ - الإشارة إلى أنه يجب على الإنسان إذا خالفه غيره، ألا يتطاول عليه، وألا يقصد بسوق الأدلة المؤيدة لقوله البغي على غيره، والتطاول عليه، بل يقصد إظهار الحق، لينتفع هو وينفع غيره. أما أن يأتي بالأدلة من أجل أن يعلو على أخيه، ويكون قوله هو الأعلى، فهذا خطأ عظيم.
٧ - التحذير من الكفر بآيات الله، لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
٨ - أنه إذا كان التحذير من الكفر بآيات الله؛ فعلى العكس من ذلك الحثُّ على الإيمان بآيات الله؛ لأن القدح في الشيء مدح لضده.
стр. 128
٩ - بيان قدرة الله بكونه سريع الحساب.
١٠ - أنه لابد أن يحاسب الإنسان على عمله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. والحكمة تقتضي ذلك، وإلا فما الفائدة أن تُخْلَق هذه الخليقة العظيمة، وتُنَزَّل عليها الكتبُ، وتُرسل إليها الرسلُ، وتؤمر وتُنهى، ثم في النهاية ينتهون إلى تراب! !
١١ - بيان أنه ينبغي للعاقل أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. فكون الإنسان يحاسب نفسه ليصلح ما عساه فسد، أولى من سكوته وإهماله وعدم حساب نفسه، لأن الذنوب تتراكم عليه ثم يهلك.
١٢ - يستفاد من الآية الرد على الجبرية. ووجه ذلك: أن الله أسند هذه الأفعال إلى فاعليها ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وما أشبه ذلك. كل ذلك يفيد أن للإنسان إرادة وفعلًا اختياريًا، خلافًا للجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد يجبر عليها الإنسان.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾: الخطاب للرسول ﷺ ، والضمير في ﴿حَاجُّوكَ﴾ وهو الواو، قيل: لليهود، وقيل: للنصارى؛ لأن الآيات التي نزلت في أول سورة آل عمران كلها في النصارى،
стр. 129
وقيل: للمشركين؛ لأنهم كانوا يحاجون الرسول ﵊ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ويقولون: يا محمد، إنك تزعم أن الذي يدعو أحدًا غير الله يكون هو ومن يدعوه في النار، إذن عيسى في النار، لأنه يعبد من دون الله، فأنزل الله تعالى بعد الآية مباشرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ (١) [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢].
والمهم أنَّ الله يقول: إن حاجُّوك فقل لهم قولًا تخلص به منهم: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، وإذا أسلم الإنسان وجهه لله، قبل كل ما يخبر الله به، وامتثل كل ما يأمر به، وانتهى عن كل ما نهى عنه؛ فهو مسلِّم وجهه لله.
والمراد بالوجه هنا ليس الوجه الذي هو الجارحة التي في الرأس، وإنما المراد: القصد، ووجهة القلب، كما قيل:
رب العباد إليه الوجه والعمل
وربما نقول: إنه يشمل هذا وهذا؛ لأن الإنسان يسلم وجهه لله، فتجده يضع وجهه الذي هو أشرف أعضائه على التراب ذلًّا لله، واستسلامًا له.
وإذا قلت: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ يترتب عليه تصديق خبر الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، فهذه طريقتي، وأمرت أن أبلغكم، وقد بلغتكم، وليس عليَّ أكثر من ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
стр. 130
وبهذا نعرف وجه مطابقة الجواب للشرط، وإلا فإن الإنسان قد يتوقع جوابًا غير هذا. كأنْ يقال مثلًا: فإن حاجوك فحاججهم.
وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾:
(من) معطوفة على الضمير في (أسلمت)، ولا يجوز أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ لأن الرسول لا يسلم وجهه لمن اتبعه، وإنما يسلم وجهه لله. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، فإن بعض المعربين قالوا: إن (مَنْ) معطوفة على لفظ الجلالة يعني: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وهذا غلط؛ لأن النبي ﷺ حسبه الله وحده، وحسب من اتبعه من المؤمنين.
وكأن الذين قالوا: إن "من اتبعك من المؤمنين" معطوف على (الله) استندوا إلى قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وبينهما فرق عظيم؛ لأن ﴿أَيَّدَكَ﴾ أسند التأييد إلى الله، فالمؤيِّدُ هو الله، وجعل النصر والمؤمنين وسيلة.
وقوله: ﴿وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ فيها قراءتان، بسكون الياء وفتحها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: على ما جئتُ به، من العقيدة والقول والعمل، وعلامة المتبع للرسول ﵊ حقًّا، هو الذي إذا قيل له: قال رسول الله، صار كقول من يقال له: قال الله. وإذا قيل له: فعل رسول الله، لم يعدل بفعله فعل أحد من الناس. هذه حقيقة الإتباع. أما من قال شيئًا، أو فعل شيئًا، أو اعتقد شيئًا، ثم حاول أن يصرف كلام الرسول
стр. 131
عليه الصلاة والسلام إليه، فهذا حقيقةً ليس بمتبع؛ لأنه لم يذعن لما جاء به الرسول، إنما اتبع هواه، ثم حاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما يوافق هواه.
وهذه مسألة خطيرة، ومحنة عظيمة، أن تجعل الهدى تابعًا لهواك. والواجب أن يكون الهوى تابعًا للهدى! ! تتعجب إذا قرأت في بعض الأحيان في كتب العلماء الأجلّاء في باب المناقشة، كيف يبنون الأدلة على ما يعتقدون من الأحكام أو من العقائد القلبية، ويحاولون أن يعطفوا هذه النصوص إلى ما يعتقدون؟ !
وقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾:
هذا مما يدل على أن الواو في ﴿حَاجُّوكَ﴾ يشمل: اليهود، والنصارى، والمشركين. يعني: وقل هل أنتم تفعلون مثل فعلي؟
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ وهم العرب، وسموا أميين نسبة إلى الأم؛ لأن عامتهم جهال، إذ لم يأتهم رسول بعد إسماعيل ﵊، ومنهم من أخذ العلم -أي علم الرسالات الإلهية- عن النصارى مثل ورقة بن نوفل.
﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ فيها قراءتان، آأسلمتم، وأأسلمتم، أي: بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما. والاستفهام هنا يراد به الأمر، يعني: قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا، فهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] يعني: فأسلموا.
وقيل: بل المراد أنه ينادي عليهم بالبلاهة، يعني: أأسلمتم
стр. 132
بعد هذا البيان وهذا الوضوح، أم أنكم بلهاء لم تفقهوا حتى الآن، ولم تسلموا مع ظهور المعنى ووضوحه، وهذا المعنى أبلغ من المعنى الأول.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾:
إن أسلموا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ فقد اهتدوا هداية التوفيق، وسلكوا طريق الهداية؛ لأن الهداية نوعان: هداية دلالة، وهذه شاملة لكل أحد. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] لابد أن يهدي الله كل أمة. وهداية التوفيق: وهذه خاصة بمن هدي بالإسلام في كل زمان ومكان بحسبه. فمن اهتدى هداية التوفيق فهو محل المدح والثناء، وأما الأول الذي اهتدى هداية الدلالة فمعناه علم الحق، فهذا إذا خالف الحق كان أشد ذمًّا ممن لم يعلم الحق.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾: يعني استسلموا لله ظاهرًا وباطنًا.
أما باطنًا: فالإيمان بما يجب الإيمان به، وهي الأركان الستة التي بيّنها الرسول ﷺ .
وظاهرًا: بعمل الجوارح، وهو الإسلام المبني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: اهتدوا هداية توفيق، كما قد هدوا هداية دلالة.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني: أعرضوا عن الإسلام فلم ينقادوا بظواهرهم ولا ببواطنهم، فقد أديت ما عليك، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. وهذه الجملة جواب الشرط في قوله:
стр. 133
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وهي تفيد الحصر، يعني: ما عليك نحوهم إلا البلاغ، وقد بلغ البلاغ المبين ﵊، أما الهداية فهي بيد الله ، ولو كان بيد النبي ﷺ شيء من الهداية -هداية التوفيق- لكان أول من يهتدي على يديه عمه أبو طالب.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
بصير بهم: أي عليم بأحوالهم، وعليم بأهلية من يصلح للهداية ومن لا يصلح.
والبصر هنا: بصر الرؤية، وبصر العلم. فالله تعالى بصير بالعباد (بالرؤية)، لا يخفى عليه شيء منهم. و (بالعلم): لا يخفى عليه شيء من أحوالهم.
والعباد هنا: يشمل جميع الخلق؛ لأنه ما من أحد في السموات ولا في الأرض إلا آتي الرحمن عبدًا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
فإذا كان الله بصيرًا بالعباد، وأنت قد أديت ما عليك من البلاغ فالحساب على الله، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - في هذه الآية دليل على أن النبي ﷺ له من يحاجه من أعدائه، وهو كذلك فإنهم حاجوه في أصل الدين، وفي فروع الدين، وسخروا منه، وأوجدوا الشبهات الكثيرة.
٢ - أن هؤلاء الذين يحاجون الرسول ﵊ لا يحتاجون إلى كبير عناء؛ لأنهم يحاجون على أمر واضح،
стр. 134
ولهذا أمره الله أن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، فإن أسلمتم فهو لكم، وإن لم تسلموا فعليكم.
ويتفرع على ذلك أنَّ من علمت أنه إنما يحاجك لقصد نصر قول، ولو كان باطلًا، فلك أن تعرض عنه؛ ولتقل: هذا ما أدين الله به، وهذا ما أستسلم له وتدعه؛ لأنه معاند مكابر، وليس أهلًا لأن تدخل معه في محاجة أو خصومة.
٣ - أن أتباع رسول الله ﷺ يحذون حذوه في إسلامهم لله، وتفويض الأمر إليه؛ لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾.
٤ - أن الوجه أشرف الأعضاء، وهو الذي يكون به الانقياد وعدمه؛ لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. ولهذا كان أقرب ما يكون العبد من ربِّه إذا كان ساجدًا؛ لأنه يضع أشرف أعضائه على موطئ الأقدام.
٥ - أن النبي ﷺ متبوع لا تابع؛ لقوله: ﴿. . . وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، ويتفرع على ذلك أن الواجب على من تبين له الحق أن يأخذ به، إذا كان يريد أن يكون من أتباع الرسول ﷺ ، أما من يلوي أعناق النصوص إلى قوله، فهذا ليس بمتبع حقيقة؛ لأن بعض الناس إذا قال قولًا، وجاء في النص القرآني أو النبوي ما يخالف قوله، حاول أن يلوي عنق النص، ويحرف النص من أجل أن يكون موافقًا لقوله، وهذا حرام؛ لأنك أنت تابع، ولست بمتبوع.
٦ - أنه لا يمكن أن يكون قول أحد من أهل العلم حجة على الآخرين؛ لأن الكل تابعون لا متبوعون.
٧ - النداء بالسفه والبلاهة على من جادل وعارض دون أن
стр. 135
يستسلم لله؛ لقوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾، وإن جعلناها أمرًا فالأمر واضح.
٨ - بيان عظيم منة الله على العرب ببعثة الرسول ﷺ ، ووجه ذلك: أنه قال ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ وفرق بين الوصفين، بين من أوتي الكتاب، وبين الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، لكنهم ببعثة الرسول ﵊ كانوا هم أهل الكتاب حقًّا؛ لأن هذا الكتاب الذي نزل على رسول الله ﷺ وصفه الله بأنه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه﴾ [المائدة: ٤٨].
٩ - وجوب الإسلام لله سواء قلنا إن الاستفهام للإنكار على هؤلاء، أو قلنا إنه للأمر؛ فإنه يدل على وجوب الإسلام والاستسلام لله .
١٠ - أن أهل الهدى هم المسلمون؛ لقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.
١١ - أن من لم يسلم فهو ضال؛ فإن كان قد علم بالحق كان من الضالين المغضوب عليهم؛ لأن كل من علم الحق ولم يتبعه فهو مغضوب عليه.
قال الله : ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
١٢ - في هذه الجملة تحذير من تولى بعد أن دعي؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
١٣ - أنه لا يجب على الداعية إلا البلاغ، أما الهداية فإلى الله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾.
стр. 136
١٤ - وجوب البلاغ على رسول الله ﷺ ؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، وكذا من آتاه الله علمًا بهذا الوحي وجب عليه البلاغ، خلفًا لرسول الله ﷺ .
١٥ - الإشارة إلى أن الإنسان لا يُسْأَلُ عن عمل غيره، فيقوم بما يجب عليه، وأما غيره فأمره إلى الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، ولم يقل: فإنما عليك إثمهم. وقد أشار النبي ﵊ إلى ذلك حين قال له قوم: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال لهم: "سموا أنتم وكلوا" (١)، تنبيه إلى أنك إنما تطالب بفعلك، أما فعل غيرك فلست منه في شيء.
١٦ - عموم علم الله ، لقوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: بجميع أحوالهم، ويتضمن التحذير من مخالفة الله.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
في هذه الآية قراءتان في كلمتين:
الأولى: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة: النبيئين.
الثانية: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ فيها قراءة: ويقاتلون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾:
стр. 137
الآيات: جمع آية، وهي في اللغة العلامة، وهي كونية وشرعية، فالآيات الكونية هي التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها. وهي تدل على أن الخالق واحد لا شريك له، وعلى أنه لا يشبهه شيء.
والآيات الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]
وهي دالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد وأنه كامل الحكمة.
والكفر بالآيات الكونية أن يجحد أن الخالق خلقها، فيدَّعي أنَّ الذي خلقها غير الله، أو أن له شريكًا في خلقه، أو أن له معينًا في خلقه.
والكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها وبتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها: تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك.
وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾:
يقتلون النبيين الذين أرسلهم الله إليهم بغير حق. والنبيون هنا تشمل: الرسل ومن لم يرسل من النبيين، وما أكثر ما توجد هذه الصفة في اليهود؛ لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم من قتل الأنبياء بغير حق، وعبد الطاغوت.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذه الصفة لا يراد بها إخراج ما
стр. 138
خالفها، وإنما يراد بها بيان الواقع. والدلالة على أن هذا القتل كان عدوانًا وظلمًا.
وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾:
والذين يأمرون بالقسط من الناس يشمل الرسل وغير الرسل من أهل العلم والخلفاء الراشدين، فحينئذ عطفه على النبيين من باب عطف العام على الخاص، ولكنه خصَّ الأنبياء؛ لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم.
وذكر الخاص بعد العام من باب ذكره مرتين: مرة بطريقة العموم، ومرة بطريقة الخصوص. ولكن خصّ من بين سائر الأفراد، وأعيد الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتناء به والاهتمام به.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: أي بالعدل.
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
الخطاب إما للرسول ﷺ ، أو لكل من يتأتى خطابه.
وبشرهم: أي أخبرهم بعذاب أليم.
والعذاب: العقوبة.
والأليم: بمعنى المؤلم، وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤلاء أو هي من باب تشبيه البشارة بما يسوء بالبشارة بما يسر، بجامع أن كلًا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير؟
يحتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا إنها من باب التهكم، استفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشرين؛ كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ
стр. 139
الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٧ - ٤٩].
﴿ذُقْ﴾: يعني قولوا له: ذق، إنك أنت العزيز الكريم. وهذه الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ، لأنه سيتذكر: أين العزة وأين الكرم، أين العزة التي بها أغلب، وأين الكرم الذي به أجود، فيكون أشد وقعًا وأشد تحسرًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أنه ينبغي أن يعلن لهؤلاء الكفار بما أمر الله تعالى أن نبشرهم به: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، والنبي ﵊ لا شك أنه كلما كانت الحكمة في تبشير هؤلاء بالعذاب الأليم بشرهم. وهكذا من ورث النبي ﷺ في العلم والدعوة، ينبغي أن يبشر كل كافر بآيات الله بالعذاب الأليم، لكن يجب أن يكون هذا تابعًا للحكمة.
٢ - وجوب الإيمان بآيات الله الشرعية والكونية، لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بالعذاب الأليم.
٣ - تحريم قتل النبيين وأنه بغير حق وهو من جملة الكفر، لكن نصّ عليه لشدة شناعته.
٤ - شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يأمر بالقسط من الناس.
٥ - ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
٦ - أن العذاب الذي يبشرون به ليس عذابًا هينًا يتحمل، ولكنه عذاب مؤلم.
стр. 140
• ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢].
﴿أُولَئِكَ﴾: المشار إليهم هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس؛ فهؤلاء الذين قامت بهم هذه الصفات، هم الذين حبطت أعمالهم.
وحبوط الشيء: يعني ذهابه وزواله وعدم الاستفادة منه. فهؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة؛ فأما في الآخرة فظاهر؛ لأنهم لن يستفيدوا من أعمالهم، وإن كانت خيرًا كالإحسان إلى الناس، فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وأما في الدنيا فلأنهم لما لم يستفيدوا منها، صاروا كأنهم لم يعملوها، فأعمالهم لم تنفعهم. وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:
يعني: هؤلاء الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، ليس لهم أحد ينصرهم. وأكد النفي هنا بـ ﴿مِنْ﴾ الزائدة، يعني: ما لهم أحد ينصرهم، لا على سبيل الاجتماع، ولا على سبيل الانفراد، لأن (مِن) الزائدة إذا دخلت تجعل النفي نصًّا في العموم، كـ (لا) النافية للجنس.
стр. 141
من فوائد الآية الكريمة:
١ - حبوط عمل هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه، وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس.
٢ - أن الكفر محبط للأعمال؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
٣ - أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم، ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣].
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الاستفهام هنا للتعجب، فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاقل.
"وترى": يحتمل أن يكون رؤية عين، ويحتمل أن يكون رؤية علم. والثاني أولى؛ لأنه أشمل، ولأنه يتعلق بالحال، والحال تُعْلَم وليست ترى بالعين؛ يعني: ألم تعلم إلى هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، أي: العلم، والذي آتاهم النصيب هو الله ، وحذف لفظ الجلالة للعلم به؛ لأن الله تعالى
стр. 142
هو الذي يؤتي العلم. قال الله تعالي: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
وقوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: يحتمل أنه يفيد التقليل، أو التكثير، فيكون المراد أنهم أوتوا نصيبًا كبيرًا من الكتاب، بحيث يكون حاملًا لهم على الاهتداء، ولكنهم -والعياذ بالله- استكبروا. ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل، وأنه لو فرض أن عندهم علمًا كثيرًا، فإن هذا العلم لم ينفعهم، فصاروا كالذي أوتي نصيبًا قليلًا من العلم.
وقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾: هذا محل التعجب؛ يعني: أنهم مع ما عندهم من العلم يدعون إلى كتاب الله. والداعي لهم: هو رسول الله ﷺ ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة، هؤلاء يدعون إلى كتاب الله.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله ليحكم الله بينهم بكتابه، ويحتمل أن يكون إلى الكتاب، وأسند الحكم إليه لأن الحكم صار به، ويضاف الشيء إلى سببه كثيرًا. ولكنهم لا يقبلون هذا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
يتولى فريق منهم لا كلهم؛ لأن بعضهم قد هدي. بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب قد هداهم الله، وهم كثير. لكن تولى فريق منهم، ومع توليهم فإنهم معرضون، والعياذ بالله، ليس عندهم إقبال، لا في الظاهر ولا في الباطن، بل هم متولون معرضون. وإنما قال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ الآية -وهي جملة حالية
стр. 143
من ﴿فَرِيقٌ﴾ وصحَّ مجيء الحال منها لأنها وصفت- إنما قال ذلك لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ، لكن في قلبه شيء من الإقبال. أما هؤلاء فإنهم متولون، وهم قد امتلؤوا إعراضًا عن كتاب الله.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أنه ليس كل من أعطي علمًا يوفَّق للعمل به؛ لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾.
٢ - التعجب من حال هؤلاء؛ حيث إنَّ عندهم العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله .
٣ - أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، لكونهم دُعوا، وهذا هو محط الذم، أما لو لم يدعوا، ولم يعلموا بالحق، فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرطوا بطلب الحق.
٤ - أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله؛ لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾.
٥ - أنه لا حكم إلا لله، بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرِّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرَّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله . اللهم إلا أن يعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فِعْلُه من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره.
٦ - أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال؛ لأنه لم يخصص منها شيء.
ويتفرع على هذه الفائدة: الردُّ على من قال: إن الشرع إنما
стр. 144
جاء في تنظيم العبادات فقط. أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ قدم المدينة ورأى الناس يؤبرون النخل -أي يلقحونها- فقال الرسول ﵊: "ما أرى ذلك يغني شيئًا" هذا أو معناه، فتركوا التأبير، ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يؤبر فسد، فلما حصلت الثمار جاءوا إلى النبي ﷺ يخبرونه، فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (١).
قالوا: فوكَّل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا؛ وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع. ولكن هذا فهم خاطئ، بل باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية، كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب والتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة. فكم من عالم عنده علم واسع غزير في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب، وإبرة من أحسن الإبر.
ومسألة الصحابة ﵃ في التأبير مسألة فنية بلا شك، تدرك بالتجارب. والنبي ﵊ كما نعلم ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فأهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، كانوا أعلم منه بذلك.
ولا يعارض هذا أننا نرجع إلى العرف فى أمور كثيرة؛ لأنَّ
стр. 145
الشرع هو الذي ردَّنا إلى العرف، كما قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢].
٧ - أن هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله، ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب، لم يتولوا جميعًا، بل تولى فريق معهم. والأمر كذلك فإن كثيرًا من اليهود والنصاوى أسلموا وحسن إسلامهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام.
٨ - ذَمُّ من يتولى بإعراض؛ لقوله: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لأن التولي كما ذكرنا في التفسير، قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض. والتولي مذموم كله، ولكن إذا كان عن إعراض وعدم مبالاة كان أشد.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤].
﴿ذَلِكَ﴾: المشار إليه التولي والإعراض بأنهم خدعوا أنفسهم وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ أي: لن تصيبنا إلا أيامًا معدودات، أياما قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]، وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]. فكل شيء معدود فهو قليل؛ لأن شيئًا يمضي بالعدد واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، لابد أن ينتهي.
فهؤلاء يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ثم يدعون أن الذي يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه.
وقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: