← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من فوائد الآية الكريمة: ١ - حبوط عمل هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه، وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس. ٢ - أن الكفر محبط للأعمال؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ٣ - أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم، ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. * * * • ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الاستفهام هنا للتعجب، فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاقل. "وترى": يحتمل أن يكون رؤية عين، ويحتمل أن يكون رؤية علم. والثاني أولى؛ لأنه أشمل، ولأنه يتعلق بالحال، والحال تُعْلَم وليست ترى بالعين؛ يعني: ألم تعلم إلى هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، أي: العلم، والذي آتاهم النصيب هو الله ، وحذف لفظ الجلالة للعلم به؛ لأن الله تعالى

стр. 142

هو الذي يؤتي العلم. قال الله تعالي: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. وقوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: يحتمل أنه يفيد التقليل، أو التكثير، فيكون المراد أنهم أوتوا نصيبًا كبيرًا من الكتاب، بحيث يكون حاملًا لهم على الاهتداء، ولكنهم -والعياذ بالله- استكبروا. ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل، وأنه لو فرض أن عندهم علمًا كثيرًا، فإن هذا العلم لم ينفعهم، فصاروا كالذي أوتي نصيبًا قليلًا من العلم. وقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾: هذا محل التعجب؛ يعني: أنهم مع ما عندهم من العلم يدعون إلى كتاب الله. والداعي لهم: هو رسول الله ﷺ ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة، هؤلاء يدعون إلى كتاب الله. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله ليحكم الله بينهم بكتابه، ويحتمل أن يكون إلى الكتاب، وأسند الحكم إليه لأن الحكم صار به، ويضاف الشيء إلى سببه كثيرًا. ولكنهم لا يقبلون هذا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. يتولى فريق منهم لا كلهم؛ لأن بعضهم قد هدي. بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب قد هداهم الله، وهم كثير. لكن تولى فريق منهم، ومع توليهم فإنهم معرضون، والعياذ بالله، ليس عندهم إقبال، لا في الظاهر ولا في الباطن، بل هم متولون معرضون. وإنما قال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ الآية -وهي جملة حالية

стр. 143

من ﴿فَرِيقٌ﴾ وصحَّ مجيء الحال منها لأنها وصفت- إنما قال ذلك لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ، لكن في قلبه شيء من الإقبال. أما هؤلاء فإنهم متولون، وهم قد امتلؤوا إعراضًا عن كتاب الله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أنه ليس كل من أعطي علمًا يوفَّق للعمل به؛ لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾. ٢ - التعجب من حال هؤلاء؛ حيث إنَّ عندهم العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله . ٣ - أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، لكونهم دُعوا، وهذا هو محط الذم، أما لو لم يدعوا، ولم يعلموا بالحق، فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرطوا بطلب الحق. ٤ - أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله؛ لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. ٥ - أنه لا حكم إلا لله، بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرِّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرَّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله . اللهم إلا أن يعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فِعْلُه من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره. ٦ - أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال؛ لأنه لم يخصص منها شيء. ويتفرع على هذه الفائدة: الردُّ على من قال: إن الشرع إنما

стр. 144

جاء في تنظيم العبادات فقط. أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ قدم المدينة ورأى الناس يؤبرون النخل -أي يلقحونها- فقال الرسول ﵊: "ما أرى ذلك يغني شيئًا" هذا أو معناه، فتركوا التأبير، ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يؤبر فسد، فلما حصلت الثمار جاءوا إلى النبي ﷺ يخبرونه، فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (١). قالوا: فوكَّل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا؛ وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع. ولكن هذا فهم خاطئ، بل باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية، كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب والتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة. فكم من عالم عنده علم واسع غزير في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب، وإبرة من أحسن الإبر. ومسألة الصحابة ﵃ في التأبير مسألة فنية بلا شك، تدرك بالتجارب. والنبي ﵊ كما نعلم ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فأهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، كانوا أعلم منه بذلك. ولا يعارض هذا أننا نرجع إلى العرف فى أمور كثيرة؛ لأنَّ

стр. 145

الشرع هو الذي ردَّنا إلى العرف، كما قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. ٧ - أن هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله، ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب، لم يتولوا جميعًا، بل تولى فريق معهم. والأمر كذلك فإن كثيرًا من اليهود والنصاوى أسلموا وحسن إسلامهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام. ٨ - ذَمُّ من يتولى بإعراض؛ لقوله: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لأن التولي كما ذكرنا في التفسير، قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض. والتولي مذموم كله، ولكن إذا كان عن إعراض وعدم مبالاة كان أشد. * * * • ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]. ﴿ذَلِكَ﴾: المشار إليه التولي والإعراض بأنهم خدعوا أنفسهم وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ أي: لن تصيبنا إلا أيامًا معدودات، أياما قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]، وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]. فكل شيء معدود فهو قليل؛ لأن شيئًا يمضي بالعدد واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، لابد أن ينتهي. فهؤلاء يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ثم يدعون أن الذي يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه. وقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:

стр. 146

غرهم: الغرور والخداع بمعنى واحد متقارب، يعني: أن هؤلاء خدعوا، أو انخدعوا في دينهم؛ حيث ظنوا أنهم على حق، وبعضهم عاند الحق عالمًا به مفتريًا كاذبًا، ومما كانوا يفترونه قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بطلان الأماني وأن النفس قد تُمني الإنسان ما لا يكون، لأن هؤلاء منتهم أنفسهم حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ٢ - تحذير الإنسان أن يتكل على الأماني؛ لأن هذا من صنع اليهود والنصارى. وكثير من العامة الآن يقعون في المعاصي، ويمنون أنفسهم بالمغفرة إذا وقعوا في المعصية. صحيح أن الله غفور رحيم، لكن الله قال أيضًا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]. فلما أمر نبيه أن ينبئ بدأ بالمغفرة، ولما أخبر عن نفسه بدأ بالعقوبة، لأن المقام مقام سلطان وعلو. يتمنى بعض العاصين الأماني ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهو يريد أن يزني ويسرق ويشرب الخمر ويعمل كل شيء دون الشرك، ثم يقول: إن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهذا خبر من الله وهو أصدق القائلين! ! فنقول: اقرأ الآية، لا تكن أعمى، أو أعور لا تنظر إلا

стр. 147

بعين واحدة. فالله يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن لا يشاء لا يغفر له، وأنت لا تجزم بأنك ممن شاء الله أن يغفر له، إذن أنت على خطر. على أن الذي يستخف بالمعصية، ويُلَبِّس على نفسه وعلى الناس، قد يكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له -والعياذ بالله- لأن هذا مستهتر مستهين. ٣ - أن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان؛ لقوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ويتفرع على هذا أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بوجود الله، وباليوم الآخر، دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولًا وإذعانًا، فمجرد التصديق لا يعتبر إيمانًا، ودليل هذا نصوص كثيرة، منها: أن أبا طالب عم رسول الله ﷺ كان يقر بأن رسول الله ﷺ حق، ويقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا ومع ذلك: لم ينفعه هذا الإقرار؛ لأنه لم يصحبه قبول وإذعان. وختم له في الآخر -والعياذ بالله- بأنه قال: هو على ملة عبد المطلب (١)، ولكن نظرًا لما حصل منه من دفاع عن النبي ﷺ أذن الله لنبيه محمد ﷺ أن يشفع له، فشفع، فكان في ضحضاحٍ من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه أبد

стр. 148

الآبدين (١)، وهذا أهون أهل النار عذابًا -أجارني الله وإياكم منها- ولم نعلم أن كافرًا نفعت فيه الشفاعة على الإطلاق، بمعنى أنه سلم من العذاب أبدا، ولم نعلم أن كافرًا خفف عنه العذاب بالشفاعة إلا أبا طالب. ٤ - أن الإنسان قد يغره ما هو عليه من الدين؛ لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، فيغتر بأنه يصلي ويزكي ويصوم ويحج، ثم يقول في نفسه: لن أعذب. وهذا قصور في النظر؛ لأنه ليس الشأن أن تصلي أو تزكي أو تصوم أو تحج، الشأن كل الشأن أن يقبل منك هذ العمل. كم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطل سابق أو لاحق. فالسابق كعدم الإخلاص مثلًا، واللاحق: كالإعجاب بالعمل، والإدلال به على الله ، وأن يرى الإنسان لنفسه حقًّا على ربِّه. وقد يبتلى الإنسان بالبدعة! ! كم من أناس يحبون الخير وعندهم رغبة ومحبة لله ورسوله، ولكن لجهلهم يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيكون عملهم مردودًا؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول ﵊؛ لقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢).

стр. 149

• قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥]. أي: كيف تكون حالهم في هذا الوقت ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ والاستفهام للتعظيم؛ أي: ما أعظم ما تكون حالهم في ذلك اليوم، وما أشد حسرتهم إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، أي: جمعناهم في يوم لا ريب فيه. واللام تأتي بمعنى في، ويسمونها لام التوقيت. ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في قبل عدتهن، أي: في استقبال عدتهن ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، أي: جمعوا لهذا اليوم، أي: فيه، وهو يوم القيامة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إما أنه خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا ترتابوا فيه، أو أنه خبر على حقيقته، والمعنى أن الله يخبر عن هذا اليوم بأنه لا ريب فيه، أي: لا ريب في وقوعه. وهذا اليوم قد دلَّ عليه الكتاب والسنّة والعقل. أما الكتاب فما أكثر الآيات التي فيها إثبات اليوم الآخر، وما أكثر الأمثال التي يضربها الله لإثبات هذا اليوم ببعث الخلائق، وأما في السنّة فكثير أيضًا إثبات هذا اليوم. وأما في العقل، فلأن العقل يدل بالضرورة على أن هذه الخليقة لابد أن يكون لها معاد تحاسب فيه على ما أمرت به؛ لأنه ليس من المعقول أن ينشئ الله الخليقة، يأمرها وينهاها، ويبعث إليها الرسل، وينزل عليها الكتب، وتستباح دماء من لم ينفذ هذه الكتب، ويتبع هؤلاء الرسل، ثم تكون النتيجة أن تموت هذه البشرية ولا تبعث، وتكون ترابًا. لو

стр. 150

وقع هذا الفعل من أي أحد لقيل هذا سفه، من أسفه السفه. ولو أن الإنسان صنع ثوبًا وخاطه وأتقنه، ثم في النهاية أحرقه، فتلف ولم يبق له أثر، لعدَّ الناس كلهم هذا سفهًا، فكيف بهذه الخليقة التي خلقها الله وأنزل عليها الكتب وأرسل إليها الرسل؟ ! وقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ﴿وَوُفِّيَتْ﴾: يعني أعطيت. ومنه قولهم: وفَّاه حقَّه، أي: أعطاه حقَّه وافيًا. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ كل نفس من البشر والجن، يعني: من المكلفين الذين أمروا ونهوا، فهم الذين يوفون أجورهم. أما من لم يتوجه إليه أمر ولا نهي، فإنهم يجمعون يوم القيامة، ولكن ليس لهم أعمال يجازون عليها، فلا يشملهم قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. وقوله: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾، يعني: من خير أو شر، بدليل العموم في كلمة ﴿مَا﴾. وتُوَفى الخير: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وأما في الشر فتوفى السيئة بمثلها إن لم يعف الله، أو تكن لها أعمالٌ صالحة تكفر عنها هذه السيئات. فجزاء الله وتوفيته للأعمال دائر بين الفضل والعدل، فالفضل لأهل الخير، والعدل لأهل السوء. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: لا ينقص أحد من حسناته، ولا يزاد في سيئاته. ونحن نعلم أن من أوفى غيره حقَّه فإما أن يوفيه بالفضل أو بالعدل أو بالجور، والجور -وهو الظلم- ممتنع على الله؛ لقوله تعالى:

стр. 151

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] , ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" (١). من فوائد الآية الكريمة: ١ - في هذه الآية دليل على عِظَم ذلك اليوم؛ لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. ٢ - وفيها دليل أيضًا على النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، حيث خسروا دينهم ودنياهم. ٣ - إثبات اليوم الآخر؛ لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ٤ - أن من كفر باليوم الآخر أو شكَّ فيه فهو كافر؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ٥ - أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. والإنسان قد يوفى شيئًا من عمله في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] مخرجًا من كل ضيق، وسعة في الرزق، ويرزقه من حيث لا يحتسب، هذا في الدنيا، وهذا جزاء. وهناك جزاء آخر أعظم وأنفع وهو الهدى. قال الله

стр. 152

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. الهدى والعمل الصالح أفضل من المال؛ لأن الهدى إذا زاد الله الإنسان منه انشرح صدره، واستنار قلبه، واطمأن، ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء، وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه، وسرور نفسه، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "جعلت قرة عيني في الصلاة" (١)، والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عينه؛ لأنه يشعر في كل عمل صالح بأمرين عظيمين: الأمر الأول: أنه يتعبد لله بالعمل الصالح، فيزداد ذلًّا لربه ومحبة له، وإنابة إليه. الأمر الثاني: أنه بذلك متبع لرسول الله ﷺ ، فهو يشعر حين فعل العبادة أن إمامه محمَّد ﷺ ، فيزداد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا لقوله، وتعظيمًا لهديه وسنته. وهذا أعظم كسب؛ أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى. ٦ - انتفاء الظلم عن الله ؛ لأن قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ﴾ وقوله: ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ فاعلهما معروف، فالموفي الله، والذي لا يظلم الله، وانتفاء الظلم عن الله هو من الصفات التي يسمونها بالسلبية، ويكون نفي الظلم لكمال العدل، فنأخذ من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات، وهي: (أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضد).

стр. 153

• ثم قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. الخطاب للرسول ﷺ ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم تولوا، يريدون أن تكون السيادة لهم، لا لغيرهم. فأمر الله نبيه أن يبتهل إلى الله بهذا الدعاء المتضمن قدرة الله على نقل النبوة التي يَتْبعُها المُلك من بني إسرائيل إلى العرب. فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾: ﴿اللَّهُمَّ﴾: أصلها (يا الله)، منادى حذفت منه ياء النداء، وعوض عنها الميم، ولهذا لا يجمع بينهما إلا في حال الشذوذ. كما قال ابن مالك: وشذ يا اللهم في قريض -أي في النظم- وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. مالك: اسم فاعل، والملك: يحتمل أن يكون بمعنى المملوك؛ أي: مالك المملوكات كلها. ويحتمل أن يكون المراد به: التدبير؛ أي مالك تدبير الخلائق كلها. والأمران ثابتان لله ، فهو مالك المملوكات كلها بأعيانها، وهو مالك التصرف فيها, لا يشاركه في ذلك أحد، هو الذي يدبر الأمر ويملك المأمور، وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ قيل: إنه بدل من الله، ولكنه نصب لأنه مضاف، والبدل: يكون على نية إعادة العامل. وقيل: إنها منادى حذف منه حرف النداء. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، والأصح أن ﴿تُؤْتِي﴾ هذه جملة استئنافية لبيان كيف يكون ملك الله لهذا المملوك فقال:

стр. 154

﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وقال: ﴿تُؤْتِي﴾ أي: تعطي، ولم يقل: تُمَلِّك؛ لأن ما يكون للعبد من الملك إنما هو من إعطاء الله تعالى إياه، وتسليطه عليه، ولهذا لا يتصرف المالك من المخلوقين فيما ملك، إلا على حسب الشريعة التي شرعها الله . وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: الفعل تؤتي من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، ومفعوله الأول: الملك، ومفعوله الثاني: مَنْ تشاء. وكل شيء له سبب إما شرعي، وإما كوني؛ لأن هذا مقتضى حكمة الله ، وإذا كان كذلك فإن إتيان الله الملك لمن يشاء مقيد بسببه، فلابد أن يكون له سبب. فالملك قد يكون مستقلًا عن الرسالة، وقد يكون تابعًا للرسالة. فإذا كان مبنيًا على الشريعة صار تابعًا للرسالة، وإذا كان غير مبني على الشريعة كان مستقلًا. قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فهذا ملك مستقل عن الرسالة؛ لأن الذي حاج إبراهيم كافر. وأما قول النبي ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها" (١). فالمراد بذلك هنا: ملك تابع للرسالة. والمشيئة هنا ككثير من الآيات معلقة بالحكمة.

стр. 155

وقوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾: قوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾: يحتمل وجهين: الوجه الأول: نزع بعد ثبوت. والوجه الثاني: نزع بمعنى المنع. فعلى الأول: يكون فيه إشارة إلى أن الله تعالى يملك من شاء من خلقه، ثم ينزع عنه الملك. وكم من مَلِكٍ مَلَكَ ثم زال ملكه، إما بالغلبة له، أو بموته أو بغير ذلك. ويحتمل أن تكون بمعنى المنع؛ أي: تُمَلِّك من شئت، ولا تُمَلِّك من شئت. وكذا المعنيين صحيح. وقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: والإعزاز هنا: يعني التقوية، أي: تجعله عزيزًا قويًا غالبًا على غيره، وكذلك تذل من تشاء. وهذا عام، قد يعز الله الإنسان بدينه وعلمه وإيمانه، وإن لم يكن ملكًا، وقد يعزه بملكه. وكذلك في الذل قد يذله بالمعصية، وبالغلبة؛ فالذل بالمعصية في مقابل العز بالإيمان, والذل بالغلبة في مقابل العز بالملك، والذين يعزهم الله هم من ذكرهم الله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. فالله يعز الرسل وأتباعهم، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. ومن أسباب العزة: الإيمان, سواء كان الإنسان ملكًا أم غير ملك. ومن أسباب العزة: الاستعداد والحذر والحزم والقوة والنشاط. ومن أسباب الذل: أن يُعجب الإنسان بنفسه، وأن يتعرض لما

стр. 156

لا يمكنه دفعه. ولهذا جاء في الأثر: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه" قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يطيق" (١). وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾: ﴿الْخَيْرُ﴾: بيد الله ، والخير كل ما فيه مصلحة ومنفعة للعبد، سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة. فالرزق والصحة والعلم خير، والعمل الصالح أيضًا خير. وهذا كله بيد الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. وهنا قد يقال: لماذا ذكر أن الخير بيده، ولم يذكر الشر، مع أن الخير من الله والشر من الله؟ ! فقال بعض المفسرين: إن هذا من باب حذف المقابل المعلوم. كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. وزعموا أن تقدير الآية: بيده الخير والشر. ولكن هذا وَهْمٌ باطل، وليس المقام مقام حذف واقتصار، بل المقام مقام ثناء، والثناء ينبغي فيه البسط والتوسع في الكلام. فالحذف غير مناسب لفظًا، وهو باطل معنى؛ لأن الله لا يضاف إليه الشر، ولا يجوز أن نقول: بيده الشر؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "والشر ليس إليك" (٢) فلا ينسب إلى الله الشر قولًا ولا

стр. 157

فعلًا. فالله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ويفعل الخير ولا يفعل الشر، وإذا وجد شر في المفعولات فهو شر من وجه، وخير من وجه آخر، لكن إيجاد الله لهذه الأشياء الشريرة ليس شرًّا، بل هو خير محض. والشر إنما هو في المفعولات لا في الأفعال. أما الخير فهو في المفعولات والأفعال، ولهذا ينسب إلى الله فيقال: بيده الخير. ولنضرب لهذا مثلًا بالسباع والهوام، فالسباع: فيها شر، والهوام اللاسعة واللاذعة فيها شرّ بلا شك، والشياطين كلها شر، لكن إيجاد الله لهذه الأشياء خير، والحكمة توجبه؛ لأنه لا يمكن أن تعرف تمام قدرة الله إلا بخلق الأشياء المتضادة، ثم في خلق هذه الأشياء من إصلاح العبد، واللجوء إلى ربه، والاستعاذة به من هذه الأمور الشريرة، خير كثير، والخير لا يعرف إلا بضده. إذن يجب أن نبقي الآية على ظاهرها بدون تقدير. وقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ومن قدرتك تغيير هذه الأشياء العظيمة: إيتاء الملك ونزعه، والإعزاز والإذلال، كل هذه أمور عظيمة لا يقوم بها إلا القادر عليها، . والآية عامة؛ فهو قدير على كل شيء، على ما شاءه وما لم يشأه. وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ؛ لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]. فالمشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع؛ يعني: إذا أراد جمعهم، وشاء جمعهم، فهو قدير عليه، لا يعجز عنه.

стр. 158

من فوائد الآية الكريمة: ١ - تعليم الله نبيه محمدًا ﷺ أن يفوض الأمر إليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، والخطاب الموجه للرسول ﷺ موجه لأمته، إما عن طريق التأسي، وإما لأنه الإِمام، والخطاب للإمام خطاب له ولمن اتبعه، إلا إذا دلَّ الدليل على أنه خاص به، فيكون خاصًّا به. ٢ - بيان تمام ملك الله وسلطانه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. ٣ - أن الله يؤتي الملك من يشاء؛ لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾. ٤ - أن ملك المخلوقين ليس ملكًا استقلاليًا، بل هو بإعطاء؛ لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾، والملك الذي بإعطاء لا شك أنه ناقص عن ملك المعطي. وقد جاء في الحديث الصحيح: "اليد العليا خير من اليد السفلى" (١). ٥ - إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾، وكل أمر قرنه الله بالمشيئة، فإنه مبني على الحكمة؛ متى اقتضته شاءه الله. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]. ٦ - تمام ملك الله وسلطانه أيضًا، في كونه يحرم الملك من يشاء، وينزعه بعد ثبوته ممن يشاء؛ لقوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾.

стр. 159

٧ - بيان تمام ملك الله وسلطانه، لكون العزة من عنده ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾. ٨ - أن الله تام الملك والسلطان لكونه يذل من يشاء، ولو بلغ ما بلغ من العزة البشرية، فإن يد الله فوقه مهما بلغ الإنسان من العز. فالله قادر على إذلاله. ولذلك أمثلة كثيرة، منها: قصة فرعون، فإن فرعون طغى وقال: أنا ربكم الأعلى، وافتخر بما عنده من الأنهار، فأهلكه الله بمثل ما افتخر به، فأغرقه بالماء. وعاد استكبروا في الأرض وقالوا: من أشد منا قوة، فأهلكهم الله تعالى بالريح، وهي من ألطف الأشياء، لكنها من أشد الأشياء مع لطافتها، فالله يذل من يشاء. ويتفرع على هذه الفائدة: أننا متى علمنا أن الإعزاز والإذلال بيد الله، فإننا لا نطلب العزة إلا به . ولهذا نقول: من ابتغى العزة من غير الله فهو ذليل. وكذلك يتفرع على هذا: أنه ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله دائمًا من الذل الحسي والمعنوي؛ لأن الله تعالى هو الذي بيده الإذلال؛ من شاء أذله، ومن شاء أعزه. ٩ - أن الله بيده الخير. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان الخير بيده، فلا يطلب الخير إلا منه؛ لأنه لا أحد بيده الخير إلا الله ، فهو الذي يطلب منه الخير. ١٠ - أن الشر لا يضاف إلى الله، وإن كان هو الذي خلق كل شيء؛ لأن أفعاله كلها خير، والشر في

стр. 160

المفعولات. ثم هذا الشر في المفعولات قد يكون خيرًا؛ فكم من مرض صار سببًا لصحة الجسم، وكم من آفات في الزروع وغيرها، صارت أسبابًا للنمو الاقتصادي من جهة أخرى. ١١ - عموم قدرة الله؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذا يشمل ما كان من أفعاله، وما كان من أفعال الخلق، فيكون في ذلك رد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا يخلق أعمال العباد ولا يريدها، وأن الإنسان مستقل بإرادته وعمله، فإذا كانت بقدرة الله قلنا: يلزم أن يكون مرادًا ومخلوقًا لله؛ لأنه مادام الأمر بقدرته، فلابد أن يكون مخلوقًا له، ومرادًا له. ١٢ - الرد على كلمة وقعت من بعض المفسرين، ومنهم الجلال السيوطي ﵀، في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، حيث قال: خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، فإن هذه كلمة باطلة؛ هو أراد معنى حقًّا والله أعلم، لكن التعبير بهذا خطأ. فنقول: إن الله قادر على كل شيء يتعلق بفعله أو بفعل عباده، فكل شيء يفعله الله فهو بقدرته ، وكل شيء يفعله العباد فهو أيضًا بقدرته. وهذا التخصيص غير صحيح بل العقل يشهد لله تعالى بكمال القدرة وعمومها، وأنه على كل شيء قدير. ١٣ - الاستغناء بالثناء عن الدعاء؛ لأنك إذا تأملت الآية هذه لم تجد فيها دعاء أي طلبًا، لكن الثناء مما يتوسل به إلى الله. فهنا الثناء يتضمن ما تدل عليه هذه الجملة؛ فإذا قلت: أنت الذي تعز، وأنت الذي تذل؛ فمعنى هذا، أو فمقتضى هذا: أنك تسأل الله أن يعزك ولا يذلك، ولهذا قال الشاعر:

стр. 161

إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء أي: ثناؤه عليك يكفي عن تعرضه وسؤاله. * * * • قال تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧]. أي: تدخل الليل في النهار، وتدخل النهار في الليل، بمعنى: أن الليل يدخل على النهار، فيزيد الليل وينقص النهار. وقوله: ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: بالعكس؛ يدخل النهار على الليل، فيطول النهار ويقصر الليل، وهذا الفعل من الأفعال التي لا يقدر عليها إلا الله وحده. هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ومع هذا فإن هذا الإيلاج إيلاج بحكمة؛ بتدرج، يأتي قليلًا قليلًا حتى ينتهي ثم يعود، ولو أن الليل قفز من أقصر الليل إلى أطوله لاختلَّ نظام العالم، وفسدت مواقيته، ولكن الله يجعله بالتدريج ليعرف الناس أوقاتهم، وينبني أيضًا على هذا الإيلاج تغير الفصول؛ فإنه إذا طال النهار طال زمن وجود الشمس على سطح الأرض فاحترَّ الجو، وأيضًا يكون شعاع الشمس عموديًا فيكون أشد تأثيرًا في الحرارة مما إذا كان غير عمودي، والعكس بالعكس بالنسبة للشتاء، فيترتب على هذا الإيلاج زمن الفصول. ومن رحمة الله أن هذا الزمن الفصلي لا يأتي أيضًا دفعة واحدة، ولو انتقل الناس من أحر يوم في السنة إلى

стр. 162

أبرد يوم، لحصل ضرر عظيم، وبالعكس كذلك، لكن الربَّ الرحيم الحكيم يأتي بهذا الشيء بتدرج. فمن الذي يستطيع أن يزيد في الليل ساعة، أو في النهار ساعة، لا أحد يستطيع، لو اجتمعت كل الخلائق على أن يزيدوا ساعة في الليل أو ساعة في النهار، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: الميت في الموضعين فيها قراءتان: الميْت والميِّت يعني: بالتشديد والتخفيف. والمراد بالحيِّ: الحي حياة حسية ومعنوية، وذلك لأن اللفظ صالح للمعنيين، وإذا صلح اللفظ للمعنيين بدون تنافٍ بينهما، فالواجب حمله عليهما. الحي حياة حسية أمثلته كثيرة، فالإنسان مخلوق من نطفة، وهي ميتة بالمعنى اللغوي، فصار حيًّا من ميت. ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] , كنتم في أرحام أمهاتكم أمواتًا، ليس فيكم أرواح، ثم نفخ في الإنسان الروح فصار حيًّا. إذن يخرج الحي من الميت؛ أي: يجعل الميت حيًّا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] , أو يخرج حيًّا ناميًا متحركًا من شيء لا ينمو، فهو ميت؛ كإخراج الفرخ من البيضة؛ فإن البيضة ميتة يخرج منها فرخ حي. هذا الموت الحسي. أما المعنوي: يخرج الحي من الميت أي: المؤمن من الكافر؛ لأن المؤمن حي حياة قلبية والكافر ميت، يخرج الحي العالم من الميت الجاهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا

стр. 163

فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. الأول: هو العالم، والثاني: هو الجاهل. هذه الحياة المعنوية والحسية. وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: الميت من الحي: بالنسبة للحياة الحسية، مثل: البيضة من الدجاجة، وربما يتناول الميت إذا سقط من حي، أعني: المرأة إذا أجهضت جنينًا ميتًا. وقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: ترزق: أي تعطي. بغير حساب: أي بغير عوض؛ لأن المحاسبة إنما تكون مع المعاوضة؛ فإن من لا يريد العوض لا يحاسب، لكن من يريد العوض هو الذي يحاسب، حتى يعلم هل ما أخذه مقابل لما أعطاه أو لا. وما أكثر النعم التي أنعم الله بها علينا، لكن لا يحاسبنا، يعطينا منه تفضلًا وكرمًا، وإن أمرنا بالشكر فشكرناه، فهذا عطاء ثانٍ، فشكر الإنسان ربَّه على نعمته هو من نعمته أيضًا. ولهذا يقول الشاعر: إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةٌ ... عليَّ له في مثلها يجب الشكرُ فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمرُ والمعنى: أن الله إذا وفَّقك لشكر نعمته، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر، فإذا شكرتها يحتاج الشكر إلى شكر آخر، وإذا شكرت الثالث يحتاج إلى رابع وهكذا, ولهذا قال: فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر واعلم أن رزق الله نوعان: رزق به قوام البدن، ورزق به قوام القلب والروح.

стр. 164

أما الأول: فيشمل المؤمن والكافر، والبَرَّ والفاجر، والمطيع والفاسق، حتى البهائم. ويدخل فيه الحرام؛ فالذي لا يأكل ولا يشرب إلا حرامًا، فهو برزقٍ من الله رزق، لكنه رزق يقوم به البدن. والثاني: ما يقوم به القلب والروح، وهذا خاص بأهل الإيمان والعلم. فالعلم والإيمان للقلب بمنزلة الماء للشجرة، لا يمكن أن تنمو بدونه. وكلمة ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: من اقتضت حكمتك أن ترزقه. وأسباب الرزق كثيرة؛ إما حركة من الإنسان، وإما إمداد من الله. والحركة أيضًا لا تنفع إلا بإمداد من الله، لكن أحيانًا يرزق الإنسان بدون كسب، وبدون عمل؛ مثل أن يموت له قريب فيرث منه. ومن أسباب الرزق: تقوى الله، وليس معنى التقوى أن تعكف في المسجد وتتعبد، بل التقوى أعم من ذلك؛ فالساعي على الأرملة والمسكين، الذي يذهب ويطلب لهم الرزق ويقوم عليهم "كالمجاهد في سبيل الله" كما ورد عن النبي ﷺ (١). والمسكين: كل من لا يكتسب، حتى ولو كان من أولادك؛ فلو أنت غني، وولدك لا يكتسب فهو مسكين، فأنت إذا سعيت عليه كالمجاهد في سبيل الله، قال: وأحسبه قال: "كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر".

стр. 165

من فوائد الآية الكريمة: ١ - تمام قدرة الله وسلطانه في كونه يولج الليل في النهار, ويولج النهار في الليل. ٢ - إثبات حكمة الله؛ لأن هذا الإيلاج له حكمة عظيمة لا تقوم مصالح الخلق إلا بها؛ لأنه يترتب على هذا الإيلاج كما قلنا اختلاف فصول السنة التي يترتب على اختلافها نمو الأجساد والنبات، من النبات ما يكون شتويًا، ومن النبات ما يكون صيفيًا. ٣ - أن الإنسان يعرف به ضَعفه وافتقاره إلى ربِّه، إن جاء البرد صار يتطلب ما يدفئه، وإن جاء الحر صار يتطلب ما يبرده، فهو محتاج إلى ربّه في الحالين. وهذا من فوائد اختلاف الحر والبرد. ٤ - أن هناك أشياء مؤذية، وهي ما يُعَبَّر عنه في علم الطب بالجراثيم، لا يقتلها إلا شدة البرد، وأخرى لا يقتلها إلا شدة الحر، وهذا شيء مشاهد. وهو أيضًا من حكمة الله المترتبة على إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل. ٥ - أن هذا الإيلاج يدل على كمال القدرة كما أسلفنا أولًا، إذ إنه لا أحد يستطيع أن يزيد ساعة من الليل في النهار أو بالعكس، ولكن الله تعالى هو الذي يقدر على هذا. ٦ - تمام قدرة الله وسلطانه بإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي. ووجه ذلك ظاهر: فإن إخراج الشيء من ضده دليل على أن قدرته تامة، وسلطانه نافذ .

стр. 166

٧ - أن الرزق بيد الله؛ لقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ﴾، ويترتب على هذا أنه ينبغي للعاقل فضلًا عن المؤمن، ألا يطلب الرزق من أيدي الناس، وإنما يطلبه من الله . ولهذا جاءت النصوص بفضيلة العفة عمَّا في أيدي الناس، وكان من جملة ما بايع الصحابة ﵃ عليه رسول الله ﷺ ، ألا يسألوا الناس شيئًا. فكان سوط أحدهم يسقط من يده وهو على بعيره، فينزل إلى الأرض ليأخذه ولا يقول: ناولني إياه؛ لأنهم بايعوا على أن لا يسألوا الناس شيئًا (١). وهذا لا شك يجعل الإنسان يلجأ إلى الله . ولكن لا بأس أن يسأل الإنسان ما يباح له سؤاله، إنما تمام العفة أن لا يسأل الناس شيئًا، بل يجعل الأمر موكولًا إلى الله . ٨ - أن عطاء الله بلا عوض؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ٩ - إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾. * * * • ثم قال الله : ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾: لا: ناهية، والفعل بعدها مجزوم، وَكُسِرَ لالتقاء الساكنين. وكلمة (اتخذ) تدل على اصطناع الشيء،

стр. 167

والركون إليه والالتجاء إليه. مثل قولك: اتخذت هذا صاحبي أي: جعلته واصطنعته واخترته. فالمعنى: لا يختار المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ﴿الْكَافِرِينَ﴾: مفعول (اتخذ) الأول. و ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثانٍ. وقوله: (أولياء) أي: لا ينصروهم، ولا ينتصروا بهم؛ فلا يتولون الكفار، ولا يجعلون الولاية للكفار عليهم. فالنهي عن الأمرين، فإذا كان الأمر في سعة والمؤمنون في قوة، فإنهم لا يجوز لهم أن يتخذوا من الكفار من ينصرهم؛ لأن الكفار مهما كانوا أعداءُ المسلمين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. فليس لنا حق أن نستعين بالكفار، إلا إذا دعت الحاجة، فلنا أن ننتصر بهم بأخذ السلاح، وما أشبه ذلك، بل وبالعهد معهم أيضًا؛ فإن النبي ﷺ استعار من صفوان بن أمية دروعًا فقال له: أغصبًا يا محمَّد؟ قال: "بل عارية مضمونة" (١)، فدلَّ هذا على جواز الاستعانة بالمشرك بأخذ سلاحه. كذلك حالف النبي ﷺ خزاعة في صلح الحديبية (٢)، والناس

стр. 168

في ذلك الوقت ليسوا على قوة. فيجوز أيضًا أن يحالف المسلمون الكفار إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه قد يكون هذا من مصلحة المسلمين. فإن المسلمين إذا كانوا ضعفاء تسلط عليهم كفار آخرون، فإذا حالفوا كفارًا أقوياء انتصروا بهم؛ فصار في ذلك مصلحة. ولكن مع ذلك لا يجوز أن نجعل هذا الانتصار بهم على حساب ديننا؛ يعني: أن نداهنهم ونمكِّنهم من أفعالهم القبيحة في بلادنا، بلاد الإِسلام؛ لأنَّ المداهنة في دين الله حرام. وأصل النهي عن ولاية الكفار، هو من أجل أن لا يذل الإِسلام بين أيديهم؛ فإذا كان في مثل هذه الأمور مصلحة للمسلمين وقوة، صار ذلك جائزًا. هذا بالنسبة للانتصار بهم. أما بالنسبة للانتصار لهم فهذا لا يجوز أبدًا. لا يجوز أن ننصر كافرًا على مؤمن بأي حال من الأحوال، ولكن هل يجوز أن ننصر كافرًا على كافر إذا اقتضت المصلحة ذلك؟ نقول: إن المؤمنين فرحوا حين غلبت الروم الفرس، وهم كفار علي كفار؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤ - ٥]. فإذا كان هناك عدو مشترك لنا ولهذهِ الطائفة من الكفار، ونحن نعلم أننا إن لم ننصر الكفار على هذا الكافر غلبه ثم استأصلنا، فحينئذ يكون عونه للحاجة جائزًا؛ لأننا نعينه لا لذاته، ولكن لمصلحة المسلمين، وهذا كله يعود إلى المصلحة. أما لو رأينا كافرًا يطلب منا العون على مسلم، فهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال. ولهذا قال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: مِنْ سوى

стр. 169

المؤمنين؛ يعادون المؤمنين، ويوالون الكفار. وجاءت هذه الآية: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ولم يقل: "لا تتخذوا"؛ لأن الله فرق بين قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وبين ما إذا اتخذ المؤمنون الكافرين أولياء لا من دون المؤمنين، فوجَّه الخطاب إلى المؤمنين مباشرة في الثانية دون الأولى؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] , ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. فخاطبهم خطابًا مباشرًا. قال بعض العلماء المعاصرين: إن الله لم يخاطب المؤمنين خطابًا مباشرًا؛ لأن هذا أمر مُشين. والأمر المشين تكون المخاطبة المباشرة فيه صدمة عظيمة، ولهذا قال الله تعالى لرسوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢] , ولم يقل: عَبِست. وهذا القول أول ما يطالعه الإنسان يظنه جيدًا؛ لكن يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] فهنا واجههم بالخطاب مباشرة، مع أنه قال: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وعلى هذا فيكون التوجيه الذي ذكره بعض المعاصرين فيه نظر. ونقول: إن الله عبَّر بصيغة الغائب هنا: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ دون الخطاب، لبلاغة يعلمها الله ، قد نعلمها وقد لا نعلمها. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾، المشار إليه: الاتخاذ، وعادت

стр. 170

الإشارة هنا على المفهوم من الفعل؛ لأن الفعل يدل على حدث وفاعله. فعاد الضمير هنا على الاتخاذ المفهوم من ﴿يَتَّخِذِ﴾، مثل قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] , فعاد الضمير إلى العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: يتخذهم أولياء من دون المؤمنين ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ يعني: فالله بريء منه؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يتولى أحدٌ من المؤمنين أحدًا من الكافرين؛ لأن الكافر عدو لله بل هو عدو لك أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] , مهما كان، فإن الكافر لا يمكن أن يضمر لك المحبة أو الولاية أبدًا، ولا يمكن أبدًا أن يناصرك إلا لمصلحته هو؛ لأنه عدو، والعدو لا يمكن أن يريد منفعة عدوه. ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: و﴿إِلَّا﴾: هنا حرف استثناء. والصواب أنه منقطع، بل يتعين؛ لأنه في حال التقاة لا نتخذهم أولياء، ولكن نوافقهم في الظاهر، ونخالفهم في الباطن. والمعنى: أن هؤلاء الكفار لهم سيطرة وقوة وقدرة نخشاهم، فنتقي منهم؛ أي: نتخذ وقاية من بطشهم وتنكيلهم بنا. لكن في الظاهر دون الباطن، ولا يجوز إلا في حال الخوف على النفس لضعف المسلمين وقوة الكفار. ولابد أن تكون هذه الموالاة في الظاهر، باللسان فقط. أما في الباطن فيجب أن نضمر لهم العداوة والبغضاء وعدم الولاية. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، في هذا التفات

стр. 171

من الغيبة إلى الحضور. ولولا الالتفات لقال: "إلا أن يتقوا منهم تقاة". وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾: فيها فعل ومفعول به، ولفظ الجلالة (الله) فاعل. ﴿نَفْسَهُ﴾: مفعول ثانٍ. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أي: يخوفكم من نفسه ، ويحذركم من عقابه إذا اتخذتموهم أولياء، إلا في الحال التي تكون موالاتهم تقاة، وليس عن قصد واختيار. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: المرجع. والجملة اسمية قُدِّم فيها الخبر لفائدة الحصر؛ يعني: إلى الله لا إلى غيره المصير. والمراد المرجع في جميع الأمور، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تحريم اتخاذ الكفار أولياء؛ لقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ٢ - أن مقتضى الإيمان الحقيقي أن يتخذ الإنسان الكافرين أعداء؛ لقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فعلَّق هذا الحكم بالمؤمنين، وهو دليل على أن مقتضى إيمانهم أن لا يتخذوهم أولياء، بل أن يتخذوهم أعداء؛ لأن هؤلاء الكفار شيعة الشيطان وأولياؤه. فقد قال الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. ٣ - أن اتخاذ الكافرين أولياء ينافي أصل الإيمان, أو كمال الإيمان؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف، فإنه يتبع ذلك الوصف قوة

стр. 172

وضعفًا. فكلما كمل الإيمان كملت المعاداة وانتفت الموالاة، وإذا وجدت الموالاة ضعف الإيمان, وإذا ضعف الإيمان أيضًا وجدت الموالاة. ٤ - الإشارة إلى أنه يجب أن يتخذ المؤمنون أولياء من المؤمنين، وهذا هو مقتضى الإيمان. قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] , فالواجب على المؤمن أن يتخذ له أولياء من المؤمنين. ٥ - أن اتخاذ الكافرين أولياء من كبائر الذنوب. ووجه الدلالة: أن الله تبرأ منهم؛ وتعليق الحكم، أو تعليق البراءة بحكم من الأحكام يدل على أنه من كبائر الذنوب. ٦ - أن الله ولي المؤمنين؛ ووجهه: أن الذي يتخذ الكافرين أولياء ويدع المؤمنين يتبرأ الله منه؛ لأنه ليس من المؤمنين في شيء، فلم يكن الله منه في شيء. وهذا له شاهد من القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. وقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد صحَّ في الحديث عن النبي ﵊ فيما يرويه عن ربِّه أن الله قال: "من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب" (١). ٧ - سهولة الإِسلام ويسره حيث رفع الحرج عن الأمة؛

стр. 173

وذلك بما أباح من اتخاذ التقاة عند الضرورة إليها؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. ٨ - أنه لا تجوز المداهنة لأعداء الله، وإظهار الرضا بما هم عليه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. ومعلوم أن التقاة لا تجوز إلا عند الضرورة، ومع ذلك ينوي بها الإنسان أنها وقاية مما يخاف منهم، لا رضى بما فعلوا، أو اطمئنانًا إليه. ٩ - أن الله مع كمال رحمته ومحبته للتوبة، إلا أنه في مقام الوعيد يذكر الآيات والكلمات الشديدةَ القويةَ؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ فإنه من أعظم الأشياء أن يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ولهذا قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. ١٠ - إطلاق النفس على الذات؛ لأن المراد بقوله ﴿نَفْسَهُ﴾ أي ذاته. يحذركم الله نفسه: أي ذاته. والتعبير بالنفس أولى من التعبير بالذات، وإن كان التعبير بالذات هو المشهور عند العلماء. لكن التعبير بالذات عن النفس ليس من اللغة العربية الفصحى كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية، وإنما هو متلقى من اصطلاح عرفي. وأصله: أن "ذات" تستعمل مضافة فيقال: ذات جمال، ذات دين، ذات مال، وما أشبه ذلك، فيعبرون بالذات عن العين المتصفة بصفات، ثم سلبوها من الإضافة وعبروا بكلمة ذات مجردة عن الإضافة. ١١ - وجوب رد الأشياء إلى الله ، لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. ١٢ - تكرار التحذير إذا كان المقام يقتضي ذلك من أعلى

стр. 174

أنواع البلاغة؛ لأن قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، هذا أيضًا تحذير آخر؛ لأنه تهديد ووعيد لمن خالف ما حذر الله منه. * * * • ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]. ﴿قُلْ﴾: الخطاب للرسول ﷺ . ولكن لا بأس أن يقوله من يحتاج إليه، وإن كان غير الرسول ﵊. ﴿تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾: والذي في الصدور هو ما تُكِنُّه القلوب، وجعله في الصدور لأن القلوب في الصدور، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ عام في كل شيء، من الخير أو من الشر، أو العداوة أو الولاية، أو غير ذلك. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾: ﴿يَعْلَمْهُ﴾: بالجزم؛ جوابًا للشرط في قوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ يعلمه الله ، وهو عالم به قبل أن تخلق الصدور وما فيها، ولكن يعلمه أيضًا بعد أن يقع في الصدور عِلمَ وقوع، وأما علمه السابق فهو علم بما سيكون. وأما بعد وقوع الشيء فهو علم بالشيء بعد كونه. فلله فيما يكون بالنسبة للعلم اعتباران:

стр. 175

الاعتبار الأول: باعتبار ما سيكون. والاعتبار الثاني: باعتبار ما كان. وبهذا التقرير يزول الإشكال الذي يرد على النفس، ويورده كثير من الناس، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]. فيقول: أليس الله قد علم المجاهدين والصابرين من غيرهم في الأزل؟ فالجواب: بلى؛ لكن علمه في الأزل علم بما سيكون، وعلمه بعد كون الشيء علم به كائنًا، وفرق بين الأمرين. هذا من وجه. ومن وجه آخر: أن علمه الأزلي لا يترتب عليه عقاب ولا ثواب، وعلمه بالشيء بعد كونه هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب؛ فيكون معنى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أي: علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب. وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: ﴿يَعْلَمُ﴾: بالرفع على الاستئناف؛ والتقدير: وهو يعلمُ. ولا يجوز في مثل هذا الجزمُ عطفًا على ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] , فإنه يجوز، (فيغفرْ) لمن يشاء، ويجوز: (فيغْفِرُ)، ويجوز (فيغفرَ)، ثلاثة أوجه. لكن في هذه الآية لا يجوز سوى الرفع؛ لأننا لو جعلناه بالجزم، صار علم الله بما في السموات وما في الأرض مقيدًا بقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ , لأن المعطوف على جواب الشرط له حكم جواب الشرط، وجواب الشرط معلق بفعل الشرط. وعلى هذا فيتعين في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ﴾ الاستئناف والرفع، ولا يجوز الجزم.

стр. 176

وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: ﴿مَا﴾: من الأسماء الموصولة، وكل اسم موصول فإنه يفيد العموم، سواء كان من صيغ الجمع كالذين واللائي، أو من صيغ المفرد كالذي والتي، أو من الصيغ المشتركة كـ (ما)، و (من) وعليه فجميع الأسماء الموصولة بأصنافها الثلاثة كلها تفيد العموم. ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] , أين الخبر: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ فجعل الخبر جمعًا، مع أن المبتدأ مفرد؛ لأنه مفرد في اللفظ، لكنه عام في المعنى. فكل ما في السموات فهو معلوم لله ، وكل ما في الأرض فهو معلوم لله ، بعلمه الأزلي القديم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] , وأخبر النبي ﷺ : "أن الله كتب مقادير كل شيء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (١)، ولا يكتب إلا ما كان معلومًا عنده . وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ختم الآية ببيان عموم قدرته، إشارة إلى أن الله تعالى قد وسع كل شيء علمًا وقدرة، وأنه قادر على الانتقام منكم فيما إذا أخفيتم ما لا يرضاه، ولكنه لحكمته قد يؤخر الانتقام. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، الصيغة عامة في القدرة، فنقول: هو قادر على كل شيء. فكل ما شاءه الله فهو

стр. 177

قادر عليه، كما جاء في الحديث القدسي: "إني على ما أشاء قادر" (١). من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. ٢ - عموم علم الله بما أخفاه الإنسان وما أبداه. ٣ - أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب؛ لأنه قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾. وهذه المسألة اختلف فيها أهل الكلام. هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ ولكن من تأمل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وجد أن العقل في القلب. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] , وهذه الآية نصٌّ صريح على أن العقل في القلب، ونصٌّ صريح على أنه ليس المراد بالعقل القوة المعنوية التي في المخ، وإنما المراد بالقلب القلب الحقيقي، قطعة اللحم التي في الصدر؛ ولهذا قال: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ والخالق أعلم بما خلق. ولكن الدماغ لا شك أن له تأثيرًا؛ لأن الدماغ يتصور الشيء ويرتبه ويجهزه، ثم يرسله إلى القلب، وينتظر الأوامر، ثم يصدر القلب الأوامر إلى المخ، والمح يوجه الأوامر إلى الجوارح. ولهذا قال النبي ﵊: "ألا وإن في

стр. 178

الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١). وأما ما اشتهر عند الأطباء الآن أن القلب مضخة فقط، مضخة يصفي الدم ويرسل، ويستقبل الدم الفاسد وينظفه ويرسله إلى العروق والشرايين، فهذا ليس بصحيح. نوافقهم على أن للدماغ تأثيرًا، ولكن وجه التأثير فيه أنه -بإذن الله- قابل لكل ما يأمر به القلب. ٤ - في هذه الآية أيضًا ردٌّ على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله وليس له فيه إرادة. ووجه الرد عليهم: أن الله أضاف الفعل إلى الإنسان فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾، إن تبدوا. ٥ - أن الله محيط بكل شيء علمًا، حتى ما بين جوانح الإنسان؛ لقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، فلا يخفى عليه شيء مما في نفس الإنسان؛ بل زد على ذلك أنه يعلم ما لم يحدث به الإنسان نفسه، بأنه سيحدث به نفسه، في الوقت والمكان المعين. ٦ - التحذير من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يرضي الله؛ لأن الله إنما أخبرنا عن علمه بذلك تحذيرًا لنا من أن نخفي في صدورنا ما لا يَرضَى. ٧ - عموم علم الله في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والآيات في العلم متنوعة؛ تارة تكون مجملة، وتارة

стр. 179

تكون مفصلة، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الإنسان، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الله ؛ لأن صفة العلم متى آمن بها الإنسان أوجب له ذلك أمرين: الأمر الأول: الهروب من معصية الله، فلا يجده الله حيث نهاه. الأمر الثاني: الرغبة في طاعة الله، فلا يفقده حيث أمره؛ لأنه يؤمن بأن الله تعالى يعلمه. ٨ - إثبات السموات، وأنها جمع, وقد صرح الله في كتابه أنها سبع؛ فقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]. وأما الأرض فإنها تأتي مفردة، ولم تأت في القرآن مجموعة، لكن جاءت في السنة مجموعة، وفي القرآن إشارة إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] , فإن المثلية هنا بالكيفية متعذرة، وإذا تعذرت المثلية في الكيفية، لزم أن تكون المثلية في العدد؛ كما نقول: "سبحان الله عدد خلقه، والحمد لله مثل ذلك" يعني عدد خلقه. ٩ - إثبات قدرة الله ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ , وعموم هذه القدرة لقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾. ١٠ - إرشاد الإنسان إلى أن يتعلق بربِّه؛ لأنك متى علمت أن الله على كل شيء قدير، فإنه لن يمنعك مانع من أن تلتجئ إليه بسؤال ما تريد. لا يستبعد شيئًا، ولهذا قال الله تعالى منبهًا على هذا الأمر: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] ,ومعلوم أن العداوة بين المؤمنين

стр. 180

والكافرين أمر ثابت، وأن الإنسان قد يستبعد أن يجعل الله في قلبه مودة لهذا الكافر، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧] , ﴿قَدِيرٌ﴾: بالنسبة لتقليب القلوب. ﴿غَفُورٌ﴾: بأن ييسر هؤلاء الكفار إلى الإِسلام، فيغفر لهم. وقد وقع؛ فإنه أسلم عام الفتح، وقبل عام الفتح، أمة من الكفار، وصارت العداوة في قلوب المؤمنين لهم مودة. * * * • ثم قال الله : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان. تقديره: "اذكر يوم تجد" اذكر للناس وذكرهم بهذا اليوم العظيم. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمراد بالكلية هنا: كلية النفوس المكلفة، وهم الإنس والجن؛ فإن هؤلاء مكلفون بعبادة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] , أما البهائم فإنها لا تجد ما عملت، لكن يوفى لها الظلم إن ظلمت، كما أخبر النبي ﷺ : "بأنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء يوم القيامة" (١). و﴿وَمَا﴾: هنا اسم موصول مفعول أول. و ﴿مُحْضَرًا﴾: مفعول ثانٍ. و ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور بيان لـ ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ﴾.
следующие страницы →