← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: ﴿مَا﴾: من الأسماء الموصولة، وكل اسم موصول فإنه يفيد العموم، سواء كان من صيغ الجمع كالذين واللائي، أو من صيغ المفرد كالذي والتي، أو من الصيغ المشتركة كـ (ما)، و (من) وعليه فجميع الأسماء الموصولة بأصنافها الثلاثة كلها تفيد العموم. ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] , أين الخبر: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ فجعل الخبر جمعًا، مع أن المبتدأ مفرد؛ لأنه مفرد في اللفظ، لكنه عام في المعنى. فكل ما في السموات فهو معلوم لله ، وكل ما في الأرض فهو معلوم لله ، بعلمه الأزلي القديم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] , وأخبر النبي ﷺ : "أن الله كتب مقادير كل شيء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (١)، ولا يكتب إلا ما كان معلومًا عنده . وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ختم الآية ببيان عموم قدرته، إشارة إلى أن الله تعالى قد وسع كل شيء علمًا وقدرة، وأنه قادر على الانتقام منكم فيما إذا أخفيتم ما لا يرضاه، ولكنه لحكمته قد يؤخر الانتقام. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، الصيغة عامة في القدرة، فنقول: هو قادر على كل شيء. فكل ما شاءه الله فهو

стр. 177

قادر عليه، كما جاء في الحديث القدسي: "إني على ما أشاء قادر" (١). من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. ٢ - عموم علم الله بما أخفاه الإنسان وما أبداه. ٣ - أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب؛ لأنه قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾. وهذه المسألة اختلف فيها أهل الكلام. هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ ولكن من تأمل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وجد أن العقل في القلب. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] , وهذه الآية نصٌّ صريح على أن العقل في القلب، ونصٌّ صريح على أنه ليس المراد بالعقل القوة المعنوية التي في المخ، وإنما المراد بالقلب القلب الحقيقي، قطعة اللحم التي في الصدر؛ ولهذا قال: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ والخالق أعلم بما خلق. ولكن الدماغ لا شك أن له تأثيرًا؛ لأن الدماغ يتصور الشيء ويرتبه ويجهزه، ثم يرسله إلى القلب، وينتظر الأوامر، ثم يصدر القلب الأوامر إلى المخ، والمح يوجه الأوامر إلى الجوارح. ولهذا قال النبي ﵊: "ألا وإن في

стр. 178

الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١). وأما ما اشتهر عند الأطباء الآن أن القلب مضخة فقط، مضخة يصفي الدم ويرسل، ويستقبل الدم الفاسد وينظفه ويرسله إلى العروق والشرايين، فهذا ليس بصحيح. نوافقهم على أن للدماغ تأثيرًا، ولكن وجه التأثير فيه أنه -بإذن الله- قابل لكل ما يأمر به القلب. ٤ - في هذه الآية أيضًا ردٌّ على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله وليس له فيه إرادة. ووجه الرد عليهم: أن الله أضاف الفعل إلى الإنسان فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾، إن تبدوا. ٥ - أن الله محيط بكل شيء علمًا، حتى ما بين جوانح الإنسان؛ لقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، فلا يخفى عليه شيء مما في نفس الإنسان؛ بل زد على ذلك أنه يعلم ما لم يحدث به الإنسان نفسه، بأنه سيحدث به نفسه، في الوقت والمكان المعين. ٦ - التحذير من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يرضي الله؛ لأن الله إنما أخبرنا عن علمه بذلك تحذيرًا لنا من أن نخفي في صدورنا ما لا يَرضَى. ٧ - عموم علم الله في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والآيات في العلم متنوعة؛ تارة تكون مجملة، وتارة

стр. 179

تكون مفصلة، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الإنسان، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الله ؛ لأن صفة العلم متى آمن بها الإنسان أوجب له ذلك أمرين: الأمر الأول: الهروب من معصية الله، فلا يجده الله حيث نهاه. الأمر الثاني: الرغبة في طاعة الله، فلا يفقده حيث أمره؛ لأنه يؤمن بأن الله تعالى يعلمه. ٨ - إثبات السموات، وأنها جمع, وقد صرح الله في كتابه أنها سبع؛ فقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]. وأما الأرض فإنها تأتي مفردة، ولم تأت في القرآن مجموعة، لكن جاءت في السنة مجموعة، وفي القرآن إشارة إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] , فإن المثلية هنا بالكيفية متعذرة، وإذا تعذرت المثلية في الكيفية، لزم أن تكون المثلية في العدد؛ كما نقول: "سبحان الله عدد خلقه، والحمد لله مثل ذلك" يعني عدد خلقه. ٩ - إثبات قدرة الله ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ , وعموم هذه القدرة لقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾. ١٠ - إرشاد الإنسان إلى أن يتعلق بربِّه؛ لأنك متى علمت أن الله على كل شيء قدير، فإنه لن يمنعك مانع من أن تلتجئ إليه بسؤال ما تريد. لا يستبعد شيئًا، ولهذا قال الله تعالى منبهًا على هذا الأمر: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] ,ومعلوم أن العداوة بين المؤمنين

стр. 180

والكافرين أمر ثابت، وأن الإنسان قد يستبعد أن يجعل الله في قلبه مودة لهذا الكافر، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧] , ﴿قَدِيرٌ﴾: بالنسبة لتقليب القلوب. ﴿غَفُورٌ﴾: بأن ييسر هؤلاء الكفار إلى الإِسلام، فيغفر لهم. وقد وقع؛ فإنه أسلم عام الفتح، وقبل عام الفتح، أمة من الكفار، وصارت العداوة في قلوب المؤمنين لهم مودة. * * * • ثم قال الله : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان. تقديره: "اذكر يوم تجد" اذكر للناس وذكرهم بهذا اليوم العظيم. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمراد بالكلية هنا: كلية النفوس المكلفة، وهم الإنس والجن؛ فإن هؤلاء مكلفون بعبادة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] , أما البهائم فإنها لا تجد ما عملت، لكن يوفى لها الظلم إن ظلمت، كما أخبر النبي ﷺ : "بأنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء يوم القيامة" (١). و﴿وَمَا﴾: هنا اسم موصول مفعول أول. و ﴿مُحْضَرًا﴾: مفعول ثانٍ. و ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور بيان لـ ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ﴾.

стр. 181

وجملة ﴿عَمِلَتْ﴾ صلة الموصول, وعائد الموصول محذوف، والتقدير: ما عملته من خير محضرًا. وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ﴾ يشمل كل ما عملت، قلّ أو كَثُرَ. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وقوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ الذي يحضره الله ، إما بقوله، وإما بملائكته، أو هو يأمر فيحكم. وقوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ قد يتبادر للذهن أن هذا العمل يكون جسمًا، فيحضر كما تحضر الدراهم لمن يستوفيها، وإذا كان هذا مراد الله ، فليس بغريب أن تجعل الأعمال وهي أمر معنوي أجسامًا. وهذا هو ظاهر القرآن الكريم أن الأعمال توزن، والوزن لا يكون إلا لجسم كثيف، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، وليس هذا بغريب على قدرة الله . فهاهو الموت -وهو زوال الحياة- يمثل يوم القيامة بكبش، ويوقف بين الجنة والنار, ويقال: يا أهل النار، ويا أهل الجنة، فيطلعون فيقال لهم: تعرفون هذا؟ فيقال: هذا الموت، فيذبح ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت (١)، وحينئذ يزداد أهل الجنة سرورًا إلى سرورهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم، والعياذ بالله. وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾: الواو: هذه يحتمل أن تكون استئنافية؛ فتكون (ما) مبتدأ،

стр. 182

ويحتمل أن تكون عاطفة، فتكون (ما) معطوفة على (ما) الأولى، يعني: ما عملت من خير محضرًا، وما عملت من سوء محضرًا كذلك. فعلى الأول: تكون جملة ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، خبر (ما). وعلى الثاني: يكون في الكلام حذف، تقديره: (وما عملت من سوء محضرًا). ولكن المعنى الأول أظهر؛ لأن الأصل عدم الحذف. والاستئناف كثير وارد في اللغة العربية، وهو هنا أبلغ؛ لأن ما عملت من سوء قد يحضر، وقد يقرر به الإنسان ولا يحضر. والكلام هنا عام يشمل المؤمنين والكافرين، والمؤمن في حسابه لا يحضر له عمله السيئ، إنما يقرر بذنوبه؛ يخلو به الله فيقرره، ويقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا، فيقول: نعم، فيقول الله له: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. أما الكفار فيحضر عملهم. قال الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. لأن سيئات الكفار لا تمحى، بل تحضر ويحاسبون عليها. وبهذا يتبين أن إعراب الواو استئنافية و (ما) مبتدأ، أظهر من أن تكون عاطفة و (ما) معطوفة على ما سبق. وقوله: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾: يعني: زمنًا طويلًا أو مكانًا بعيدًا، وتود أنها لم تعمله،

стр. 183

وتَذْكُره، ولم يحضر لها، إن كانت ممن يحضر لها العمل السيئ. والودُّ: خالص المحبة، أي: تحب محبة شديدة من كل قلبها، لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا. و﴿لَوْ﴾: مصدرية لأنها إذا وقعت بعد (ودَّ) تكون مصدرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، يعني: ودوا أن تدهن، وقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] , أي: أن يردوكم. و﴿لَوْ﴾ داخلة على فعل محذوف، تقديره: تود لو حصل أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا. ويصح أن نقول ﴿لَوْ﴾ زائدة. والتقدير: تود أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا. وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: كرر ذلك لأن المقام يقتضيه, يقتضى التحذير؛ أي: احذر الله ، احذر الله أن يصيبك بعقابه إذا عصيته وخالفت أمره. والأول: يحذركم الله نفسه العمل في موالاة الكفار. والثاني: في الجزاء؛ لأنه ذكره بعد أن ذكر الجزاء الذي يكون يوم القيامة. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: فيها قراءتان: القراءة الأولى: رؤوف، والقراءة الثانية: رؤف بدون واو. والرؤوف: مفعول من الرأفة وهي أشد الرحمة، وأرق الرحمة؛ لأن الرأفة فيها شيء من الرقة واللين أكثر مما في الرحمة. وقوله: ﴿بِالْعِبَادِ﴾. جمع عبد، والمراد بهم: الخلق، فهو من العبودية العامة. استشكل بعض العلماء إتيان قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾،

стр. 184

بعد قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. وقال: كان مقتضى الحال أن يقال: (ويحذركم الله نفسه والله شديد العقاب) لأن مقام التحذير يقتضي الوعيد. فأجيب عن ذلك: بأن من رأفته بالعباد أن حذرهم نفسه، وأخبرهم بأن الأمر عظيم؛ لأن إخبار الإنسان بحقيقة الحال لا شك أنه من الرأفة به. من فوائد الآية الكريمة: ١ - التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد فيه الإنسان ما عمل من خير أو سوء. ٢ - وجوب أو على الأقل استحباب تذكر الإنسان لهذا اليوم؛ لأن التقدير بـ (اذكر) يشمل الذكر الخبري والذكر الفكري؛ يعني: التدبر في القلب. ٣ - ثبوت الجزاء لكل نفس. وهل هذا على عمومه، أو مستثنى منه من لا يكلف؟ يحتمل؛ إن نظرنا إلى عموم اللفظ قلنا: إنه شامل، وغير المكلف يكتب له ولا يكتب عليه؛ فيكون ما عمل من خير محضرًا، وما عمل من سوء فهو مرفوع عنه. ويحتمل أن يراد بها النفوس التي يلحقها الجزاء عقوبة وكرامة، وهي الأنفس المكلفة. ولا شك أنه ليس على عمومه فيما يتعلق بالبهائم، فإن البهائم لا تجد هذا. ٤ - كمال قدرة الله بإحضار ما عمله الإنسان من قليل وكثير؛ لقوله: ﴿مَا﴾ الموصولة التي تفيد العموم. ٥ - كمال رقابته ، وأنه لا يفوته شيء، فما عمل الإنسان فسوف يجده.

стр. 185

٦ - إثبات اليوم الآخر الذي هو يوم الجزاء. ٧ - أن الشر يسوء صاحبه، ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾. ٨ - إثبات الشعور في ذلك اليوم، لقوله: ﴿تَوَدُّ﴾ لأن المودة خالص المحبة، وهي فرع عن الشعور بالشيء. ٩ - كراهة المسيء لما عمله في ذلك اليوم، وأنه يحب أن يكون بينه وبينه كما بين المشرق والمغرب؛ لقوله: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. وهكذا يود الإنسان أن يكون بينه وبين عمله السيئ الأمدُ البعيد، وبينه وبين قرين السوء الأمد البعيد. قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٨] فهم في الدنيا أصدقاء، لكن في الآخرة أعداء. ١٠ - رحمة الله تعالى بعباده بتحذيرهم نفسه، لئلا يقعوا في عقوبته ونقمته؛ لقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. ١١ - أنه ينبغي استعمال الأسلوب المناسب للحال. فالله قال في هذه الآية: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ , وفي آيات كثيرة يتحبب إلى عباده ويتودد إليهم؛ لأن هذا المقام الذي نحن فيه مقام تحذير وتهديد. ١٢ - إثبات الرأفة لله ، بل إثبات الاسم والصفة في قوله: ﴿رَءُوفٌ﴾ والرأفة أشد الرحمة وأرقها. وتأمل قول الله تعالى عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. وقوله عن نبيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] , فإن رأفة الله عامة، أما رأفة

стр. 186

النبي ﷺ فهي خاصة بالمؤمنين. أما الكفار والمنافقون فلا يرأف بهبم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] هذه وصية الله لنبيه في الكفار والمنافقين، وفي جلد الزاني قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]. لكن الرب رءوف بعباده، يسعهم حلمه ورحمته وعافيته ورزقه. ١٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه بالنسبة إلى ربِّه أنه عبد، والعبد يجب أن يكون منقادًا لأمر الربِّ، وأن يكون ذليلًا له شرعًا كما أنه ذليل له قدرًا. فكل الناس أذلاء لله قدرًا، لا يستطيعون أن يخالفوا قَدَرَهُ. وأكبر واحد في الدنيا، وأشدهم عتوًا، يمرض ويموت، وهذا خضوع للربوبية القدرية. لكن من ليس بمؤمن ليس بخاضع للربوبية الشرعية. * * * • ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. هذه الآية يسميها بعض السلف آية المحنة، يعني: آية الاختبار والامتحان؛ وذلك أن قومًا ادعوا أنهم يحبون الله، فأمر الله نبيه أن يتحداهم بهذا الميزان, وهو: إن كانوا صادقين فليتبعوا الرسول ﷺ ، سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المنافقين. المهم: أي واحد يدعي أنه يحب الله فهذا الميزان ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] , إذا كانوا صادقين فليتبعوا الرسول. أما مجرد دعوى:

стр. 187

فكل يدعي وصلًا لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكَ كل يدعي أنه يحب الله؛ لأن الدعوى سهلة. لكن الكلام على البينة، والبينة على المدعي, فإذا كانوا يحبون الله حقًّا فليتبعوا النبي ﷺ ، لينالوا ما هو أعظم من دعواهم، وهو محبة الله لهم. ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ , فالشأن ليس أن تُحِب بل الشأن أن تُحَب، أما أن تُحِب ولا تُحَب، فهذا عذاب. انظروا إلى بريرة ومغيث: بريرة تبغض مغيثًا، ومغيثٌ يحبها، فعذِّب بحبها لما عتقت، خيَّرها النبي ﷺ قال: "اختاري لنفسك"، قالت: لا أريد الرجل، تعني: زوجها، فطلبت الخيار لنفسها والشرع يمكِّنها من ذلك، فكان زوجها يبكي وراءها في السوق، في أزقة المدينة, يطلب ألا تختار نفسها، فجاء إلى النبي ﷺ وقال له: اشفع لي يا رسول الله عندها. فكلَّمها النبي ﷺ ، قال لها: "ارجعي إلى مغيث". قالت: يا رسول الله ﷺ إن كنت تأمرني، فسمعًا وطاعة، وإن كنت تشير علي فلا حاجة لي فيه". قال: بل أشير، قالت: لا حاجة لي فيه (١). يعني أنها لم تقبل شفاعة النبي ﷺ ولم ترحم الرجل الذي يمشي وراءها يبكي في الأسواق، والخطاب في الآية للرسول ﷺ ، إذا وجه إليه بـ ﴿قُلْ﴾ في القرآن فهو دليل على العناية بهذا القول الذي أمر أن يقوله؛ لأن هذا أمر بالتبليغ الخاص لهذا القول. أما القرآن كله فقد أمر أن يقوله كله لكن بعض الأشياء يُخص بـ (قل) مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ

стр. 188

يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] و ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] , ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وما أشبه ذلك، فهذا أمر بتبليغ هذا الشيء الخاص بعينه فيكون في ذلك توكيد ودليل على العناية به، وهذه لا شك يجب الاعتناء بها. فلا يكفي أن يأتي إنسان ويقول: أنا أحب الله، أنا حبيب الله. كما يدعي أناس أنهم أولياء لله. ولكن الذي يزعم أنه من أولياء الله نمتحنه، ننظر هل هو مؤمن تقي فهو صادق، أو هو عاصٍ فاسق دجال يريد أن يُشرَك به مع الله في المحبة والطاعة، فهو عدو وليس بولي؛ لأن الله قال في ميزان الأولياء: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، إن الخطاب هنا غير معلوم بالشخص المخاطب، لكنه معلوم بالمعنى. يستفاد من معناه مما بعد؛ أي قل لمن ادعى أنه يحب الله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ والجملة هنا شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتُمْ﴾ وجوابه ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾. وجاءت الفاء في الجواب لأن الجملة طلبية؛ وإذا كانت جملة الجواب طلبية وجب اقترانها بالفاء. وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ أي: على ما أنا عليه من الشريعة، عقيدة وقولًا وفعلًا وتركًا، فمن اتبع الرسول ﷺ بهذه الأربعة صدق في اتباعه، ومن خالف فهو غير صادق. عقيدةً: بحيث تكون عقيدته على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه لا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ولا شك ولا تردد؛ بل إيمان كامل خال من جميع الشوائب.

стр. 189

وقولًا: لا يزيد ولا ينقص عمَّا جاءت به الشريعة من الأقوال. وفعلًا: كذلك لا يزيد ولا ينقص. وتركًا: بحيث يترك ما لم يعمله الرسول ﵊، فكل ما لم يتعبد به الرسول يجب عليه أن لا يتعبد به. فإن تعبد به ولو أنه يقول إنه يحب الرسول فإن دعواه كاذبة، لو كنت تحبه حقًّا لاتبعته حقًّا, ولذا نجد الإنسان من بني آدم إذا أحب شخصًا غير الرسول. تجده يترسم خطاه، يعجب به وينظر ماذا يفعل ويفعله. وقوله: ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾: هذه فُك إدغامها, ولذلك ظهر السكون فيها، وفي غير القرآن لو قيل يحبكم الله لكان صحيحًا؛ لأن الإدغام هنا وفكه يجوز. قال تعالى: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. هذه الثمرة الأولى، والنتيجة التي يسعى إليها كل إنسان، أن يكون محبوبًا لدى الله ، والثانية: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فائدتان عظيمتان: محبة الله لك ومغفرة ذنوبك. وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي كل ما عملتم من الذنوب يغفرها لكم، ولكن هل نقول: إنه يغفر وإن لم يستغفر الإنسان منه؛ لأن حسنة الاتباع تمحو هذا الذنب، ومحبة الله للإنسان توجب عدم عقوبته. أو نقول: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ بأن ييسر لكم أسباب المغفرة إن لم يغفر لكم بدون سبب، يحتمل أنه أراد أنه يغفر الذنوب بسبب هذا الاتباع والمحبة، أو أنه وإن فعل الإنسان ما فعل فإنه ييسر له أسباب المغفرة بأن يعود من معصية الله إلى

стр. 190

طاعته. والله أعلم. لكن على كل حال الوعد هنا محقق، وهو مغفرة الذنوب إما بسبب من العبد أو لمجرد فضل الله. وقوله: ﴿ذُنُوبَكُمْ﴾: الذنب هو المعصية، وهو كما ترون جمع مضاف لمعرفة، والجمع المضاف إلى معرفة يفيد العموم. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. الجملة اسمية اشتملت على ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والغفور، والرحيم، فأما معنى "الله" فقد سبق بأنه: المألوه أي المعبود حبًّا وتعظيمًا، وأن أصل (الله) الإله، فحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال كما حذفت من الناس ومن شر وخير. وأما الغفور: فالغفور هنا يَحتمل أن تكون صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون صفة مشبهة، والمعنيان لا يتنافيان فتكون صفة مشبهة وصيغة مبالغة، صفة مشبهة؛ لأن الله لم يزل ولا يزال غفورًا، وصيغة مبالغة لكثرة من يغفر له وكثرة ما يغفره من الذنوب. والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر، لوجهين: لُغوي وسمعي. أما اللُّغوي: فلأن المغفرة مأخوذة من المِغْفَر الذي يستر به المقاتل رأسه ويتقي به السهام، والمغفر جامع للستر والوقاية. وأما السمعي فلما ورد في كيفية محاسبة الله لعبده المؤمن أنه يخلو به ويقرره بذنوبه، فيقول: "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (١).

стр. 191

وأما الرحيم: فهو ذو الرحمة وهو صالح أيضًا لأن يكون صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، والرحمة: صفة تقتضي العطف والإحسان على المرحوم، والجمع بينهما، بين الغفور والرحيم، لفائدة عظيمة: وهي الجمع بين الوقاية والعناية، بين الوقاية بالمغفرة يقيك الله شر الذنوب، والعناية بالرحمة، يعتني الله بك فييسرك لليسرى ويجنبك العسرى. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله أمر نبيه محمدًا ﷺ أن يتحدى هؤلاء المدعين لمحبته بهذا الميزان القسط، وهو اتباعهم للرسول ﵊. ٢ - جواز مخاطبة المدعي بالتحدي لأن هذا هو الحق، لأنه لو كان يعرف نفسه ما ادعى اتصافه بشيء لم يتصف به، فهو الذي أذل نفسه في الواقع، فلا تخش من تحديه ليقم الدليل والبرهان على دعواه. ٣ - أنها مصداق لقول النبي ﷺ : "البينة على المدعي" (١)، وهذه وإن كانت في دعوى الناس بعضهم مع بعض لكنها في الحقيقة قاعدة عامة، فكل مدَّعٍ لابد أن يقيم بينة على دعواه. ٤ - أن محبة الله تعالى غاية لكل الناس حتى من غير المؤمن؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾.

стр. 192

٥ - أن رسول الله ﷺ رسول الله حقًا، وجه ذلك: أن الله جعل اتباعه سببًا لمحبة الله للعبد. ٦ - أنه كلما قوي اتباع الإنسان للرسول ﷺ كان أقوى برهانًا على صدق محبته لله، فهذه من علامة محبة الإنسان لربه، فإذا رأيت الإنسان شديد الاتباع لرسول الله ﷺ فاعلم أنه شديد المحبة لله. ٧ - أن اتباع النبي ﷺ سبب لمحبة الله للعبد؛ لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. ٨ - أنه ينبغي للإنسان أن يجيب غيره بما هو أكثر من سؤاله إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنه لم يقل: فاتبعوني تحبوا الله، بل قال: يحببكم، ولا أحد يحبه الله إلا وهو يحب الله، لأنك إذا أحببت الله عملت فأحبك الله. فلهذا أتى بالثمرة المهمة وهي محبة الله للعبد. ٩ - إثبات المحبة بين العبد والرب من الجانبين؛ لأنه قال: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ فأثبت أن الإنسان يحب الله، وقال: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فأثبت أن الله يحب الإنسان، وهي محبة حقيقية خلافًا لمن أوَّلها. قال: تحبون الله: أي تحبون ثوابه، يحببكم الله: أي يثيبكم الله، فإن هذا تحريف. وسبب هذا التحريف القاعدة الباطلة للسمع والعقل؛ وهي تحكيم العقل فيما يثبت وينفي عن الله ، فإن قومًا ادعوا العقلية قالوا: نحن الذين نحكم على الله بما يجب له أو يجوز أو يمتنع، وليس ما أخبر الله هو الذي يحكم بيننا، هذا لازم قولهم وإن كانوا لا يصرحون بهذا. والله إن الإنسان يجد طعمًا لا شيء يشبهه في محبة الله، ومحبة الله

стр. 193

غير محبة الثواب، فإذا وقع في قلبك محبة الله نسيت كل شيء حتى الجنة، فتحبه حتى إنك ترى أن كل شيء يضمحل ويكون عبدًا لله أمامك. ولهذا جاء في الحديث -وإن كان فيه ما فيه- "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (١)، وكل النعم من الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] , وأكبر نعمة على الإنسان هي أن يهديه للإسلام كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] , الإنسان الذي هداه الله للإسلام ليس أحد من الناس مثله في النعمة إلا من أنعم عليه بها، فأنت في الحقيقة تحب الله نفسه لذاته ولما أنعم عليك به من النعم، وليست محبة الله كمحبة الزوجة أو كمحبة الطعام، أو كمحبة الشراب، أو كمحبة اللباس، أو كمحبة السكن، أو كمحبة السيارة؛ كلا فإن محبة الله لا يشبهها شيء، وجرِّب تجد، اجعل قلبك صافيًا يومًا من الدهر وصلِّ وكن متصلًا بالله في صلاتك تجد شيئًا لا يخطر بالبال. وتجد شيئًا يبقى أثره مدة طويلة وأنت تتذكر تلك اللحظة التي كنت فيها متصلا بربك . قالحاصل: أننا نقول: لا أحد ينكر محبة الله نفسِه إلا من حُرمها، والله لو نعتقد أننا نحب ثواب الله دون الله ما حرصنا كل الحرص على الأعمال الصالحة، مع أننا مقصرون لم نعمل شيئًا، لكننا نقول: إن الإنسان يعمل العمل الصالح لله، لا يعني ذلك أننا لا نلاحظ ونحتسب الثواب. لسنا صوفية يقولون: من عمل للثواب فهو للتراب، بل نقول: نحن نحب الله ونحب ثوابه. لكن الأصل

стр. 194

هو محبة الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] , والحسنى: الجنة كلها بما فيها من نعيم، والزيادة: هي النظر لوجه الله. فجعل النظر لوجه الله أمرًا زائدًا على النعيم؛ لأن الإنسان -جعلني الله وإياكم ممن ينظر إليه- إذا نظر إلى ربه جل وعلا فهذا أكمل ما يجد من النعيم واللذة. فلهذا نقول: إن محبة الله حقيقة ولا مانع منها. أما قولهم: إن المحبة لا تكون إلا بين متلائمين ولا ملاءمة بين الخالق والمخلوق. فالجواب عنها أن نقول لهم: إن هذه دعوى باطلة يبطلها الواقع، ألستم تحبون منازلكم وثيابكم ومركوباتكم، ولو أن إنسانًا عنده بعير صلف شديد لا يحجزه اللجام، وبعير سهل الانقياد سلس المشي فأيهما أحب إليه؟ الثاني أحب إليه، ثم على فرض أن هذا يكون بين المخلوقات، وليس بين الخالق والمخلوق، فيقال: إن الله أثبت وهو أعلم أنه يُحِب وُيحَب. إذن في هذه الآية رد على من ينكر محبة الله، المحبة بين الإنسان وبين الرب. والناس في هذا ثلاثة أقسام: قسم قال: لا محبة بين العبد والرب من الجانبين، وقسم قال: لا، بل تثبت المحبة بين العبد والرب من الجانبين. والثالث قال: إن الله يُحَب ولا يُحِب. والقرآن والسنة يرد على طائفتين ويؤيد طائفة، من نفى المحبة بين الطرفين فقوله باطل، ومن تناقض فأثبتها من جانب العبد دون الرب فقوله باطل أيضًا، فالأول قوله باطل وإن كان قوله مطردًا، فقوله مطرد لكنه باطل. والثاني قوله متناقض وهو باطل أيضًا، ومن أثبتها بين العبد

стр. 195

والرب فهذا هو الذي على الحق؛ لأن الله أثبت ذلك. ١٠ - الثمرة الجليلة باتباع رسول الله ﷺ وذلك بمحبة الله للعبد. ١١ - أنه ينبغي للإنسان إذا عمل العمل أن يستشعر أنه متبع بذلك لرسول الله ﷺ . ١٢ - أن الجزاء من جنس العمل لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾، حيث جعل الاتباع برهانًا على صدق دعوى المحبة، وجعل الجزاء من جنسها، أن الله يحب العبد. ١٣ - أن اتباع رسول الله ﷺ سبب لمغفرة الله للذنب؛ لقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. ١٤ - كمال إحسان الله لجزائه على العمل أكثر منه؛ لأن الذي يتبع الرسول له محبة الله ومغفرة الذنوب. ١٥ - إثبات هذين الاسمين وما تضمناه من صفة في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ففيهما إثبات الاسمية لله في هذين الاسمين، والثاني إثبات الصفة التى تضمناها. ومن المعلوم أن كل اسم من أسماء الله يدل على معناه الخاص به، لكن اجتماع الاسمين يدل على معنى ثالث؛ هو: الجمع بين مغفرة المعائب والرحمة بالعناية بالفضائل؛ لأن المغفرة مقابل الذنوب، والرحمة مقابل العناية بالإنسان، إن الله تعالى يرحم الإنسان، فيحصل من اجتماع هذين الاسمين صفة ثالثة، وهي جمع الرب بين الإحسان والوقاية من الذنوب وآثارها بالمغفرة.

стр. 196

• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ . والطاعة هي عبارة عن الانقياد والموافقة سواء كانت في فعل أو في ترك؛ فإن كانت أمرًا فالطاعة فعل المأمور به، وإن كانت نهيًا فالطاعة اجتناب المنهي عنه. وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، أتى بالواو الدالة على التشريك لأن طاعة الرسول ﷺ فيما يأمر به من الشريعة من طاعة الله، وأما فيما لا يأمر به من الشريعة فلا شك أنه أعظم الناس حقًّا علينا. ولكن قد يشير بالشيء أو قد يشفع بالشيء ولا يلزم طاعته في الشفاعة، كما في قصة بريرة. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩]. ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا إتيان شرعي لا قدري؛ لأن الأمور القدرية لا يمكن أن يشرك فيها الرسول مع الله بـ (الواو). وقوله ﴿وَالرَّسُولَ﴾: (أن) فيها للعهد وليست للاستغراق، والمعهود رسول الله ﷺ محمَّد بن عبد الله. والرسول: عند عامة العلماء من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي: من أوحي إليه بشرع يتعبد به ولكن لم يكلف بتبليغه. فآدم ﵇ نبي؛ لأنه أوحي إليه بشرع لكنه ليس برسول لأنه لم يلزم بتبليغه، لكن ذريته في ذلك الوقت كانوا

стр. 197

يتبعونه, لأنهم قلة ولم يكثروا النزاع بينهم ولم تفتنهم الدنيا، كانوا يتبعون أباهم فيما يتعبد به من شريعة الله. فلما كثر الناس واختلفوا بعث الله النبيين، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] , فصار الرسول أخص من النبي. وعليه فنقول: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الأنبياء الذين ذكروا في القرآن بلفظ النبوة هم أنبياء ورسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] , فأفادت الآية الكريمة أن كل من قصَّه الله في القرآن فهو رسول وإن كان لم يرد ذكره إلا بلفظ النبوة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ يعني فإن أعرضوا عن الطاعة ولم يمتثلوا لها ولم ينقادوا، وهذا كفر منهم، ولكنه قد يكون مخرجًا من الإسلام وقد لا يكون مخرجًا، فإنْ كان كفرًا مطلقًا بكل ما أمروا به فهو كفر مخرج عن الإِسلام، وإن كان كفرًا مقيدًا ببعض الأوامر فهو كفر دون كفر لا يخرج من الإِسلام، والميزان في ذلك النصوص، فما دلَّت النصوص على أنه كفر كان التولي عنه كفرًا مخرجًا عن الملة، وما دلَّت النصوص على أنه معصية فهو كفر يخرج من الملة. وفي قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فسَّر بعضهم نفي المحبة بأن المعنى لا يثيبهم ولكن هذا تحريف، والصواب أنه لا يحبهم، وهو إذا لم يحبهم لن يثيبهم، فهذا انتفاء محبة الله عنهم. وقوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ هو إظهار في محل الإضمار. ومقتضى السياق أن يقال: (فإن تولوا فإن الله لا يحبهم)، ولكنه أظهر في موضع

стр. 198

الإضمار لفائدتين: إحداهما لفظية، والثانية: معنوية. والمعنوية، تتضمن ثلاث فوائد: الفائدة اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، فإن قال: (فإن تولوا فإن الله لا يحبهم) لم تتناسب هذه الفاصلة مع الفواصل التي قبلها وبعدها. ومراعاة الفواصل من البلاغة؛ ألم تروا إلى قوله تعالى من سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠] , مع أنه في الآية الأخرى يقدم موسى، وموسى أفضل من هارون -لا شك-، وأحق بالتقديم، لكنه قدم هارون على موسى في هذه الآية من سورة طه من أجل مراعاة الفواصل، ولا شك أن القرآن في قمة البلاغة، فمراعاة الفواصل من البلاغة. أما الفائدة المعنوية: فنقول: إن قوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ إظهار في موضع الإضمار، وله ثلاث فوائد معنوية: الأولى: التسجيل على هؤلاء بالكفر؛ يعني الحكم عليهم بأنهم كفار، ولو قال: فإنه لا يحبهم لم تحصل هذه الفائدة أنهم كفار. الثانية: التعميم، بحيث تكون محبة الله منتفية عن كل كافر، ولو قال: لا يحبهم لاختصَّ نفي المحبة بهؤلاء فقط. الثالثة: التعليل، وذلك لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف دلَّ على عِلِّيَّةِ ذلك الوصف فيه، فإذا قلت: أكرِم المجتهد، أي: لاجتهاده، فدلَّ ذلك على أن الاجتهاد هو العلة. من فوائد الآية الكريمة: ١ - عناية الله بطاعته وطاعة رسوله؛ لأن الآية صدرت بـ ﴿قُلْ﴾، والقرآن كله قد أمر الرسول ﷺ أن يقوله.

стр. 199

٢ - وجوب طاعة رسول الله ﷺ ؛ لقوله: ﴿وَالرَّسُولَ﴾ وهذا مكرر في آيات متعددة. ٣ - الرد على من قال: إن السنة لا يعمل بها إلا ما وافق القرآن. وجهه أن الله قال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ومن المعلوم لو قلنا: إن الرسول ﷺ لا يطاع إلا فيما أمر الله به لم يكن للأمر بطاعته فائدة؛ لأن كل من أمر بما أمر الله به فإنه مطاع لا لأمره ولكن لأمر الله، فطاعة أمر الرسول طاعة مستقلة. على أننا نقول: إن الذي يقول إنه لا يعمل بالسنة إلا ما وافق القرآن متناقض، وجهه أن قوله: إلا ما وافق القرآن يرد عليه بأنه ليس في السنة ما يخالف القرآن؛ لأن القرآن أمر بالعمل بالسنة، فالعمل بها موافقة للقرآن وليس بمخالفة، سمعت أن بعض الناس أنكر على من استدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال: إن هذا قسم الفيء وهذا صحيح، ولكن إذا كان يجب علينا أن نقبل ما قسمه الرسول ﵊ في الفيء، وأن ننتهي عما نهى عنه؛ فما بالك بالأمور الشرعية، فقبولنا لما جاء به شرعًا أولى من قبولنا بما قسمه مالًا. ٤ - إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. ٥ - وجوب الطاعة؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، واعلم أن ترك امتثال الطاعة إن كان سببه كراهة ما جاء به الرسول ﵊، فهذا كفر مخرج عن الملة كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، وإن كان تكاسلًا وكراهة لهذا العمل نفسه لا لأن الرسول جاء به، فهذا لا يخرج من الملة، وهذه مسألة يجب التفطن لها

стр. 200

والتنبه؛ لأن بعض الناس إذا رأى أن شخصًا كره فلانًا لتطبيقه السنة قال: هذا كره ما أنزل الله، فهذا كافر، وهذا خطأ عظيم. والكفر ليس نقدًا سهلًا تعطيه من شئت وتمنعه عمن شئت، الكفر أمره صعب جدًا، لا يجوز أن نكفر إلا من تيقَّنا أنه صدق عليه أنه كافر. ولهذا ربما يكره الإنسان هذا العمل من شخص ولا يكرهه من شخص آخر، إذن هو لا يكره العمل لأنه سنة، لكن قد يكره هذا الرجل نفسه لأنه عمل به، لو أن أحدًا من الناس الموثوقين عند العامة فعل هذا الفعل لوجدتهم يأخذون به، أو على الأقل لا ينكرونه، لكن لو فعله واحد غير موثوق به ينتقدونه ويكرهونه، والنبي ﷺ يقول: "ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" (١)، ومعنى (حار عليه) أي: أنه سيكفر إلا أن يمن الله عليه بتوبة؛ لأنه قال: (إلا حار عليه) ولم يقل: إلا أوشك أن يحور عليه. كل هذا من أجل حماية أديان الناس، فإذا كان الشرع يحمي أعراض الناس بأن من قذف شخصًا وجب عليه الحد ثمانين جلدة، فأديان الناس حماها أيضًا. فالواجب ألا نتسرع في هذه الأمور، وأن نعلم أن الأمر عظيم، ويسعك ما دلَّ عليه شرع الله ، فمن كفَّره الله ورسوله فكفِّره. ومع ذلك إذا جاء نصٌّ يقول: من فعل كذا فهو كافر، فلا نطبق هذا الحكم على كل من فعله بعينه، كما أننا لا نشهد بالجنة لكل مؤمن بعينه إلا لمن شهد له الرسول ﷺ . فكذلك أحكام الكفر كأحكام الإيمان تمامًا، واعلم أنك إذا

стр. 201

حكمت عليه بالكفر فقد أبحت دمه وماله، وحرمته الجنة وأوجبت له النار، وأوجبت فسخ نكاح زوجاته منه، وألا يرثه أحد من أقاربه، وألا يصلى عليه، وألا يدفن مع المسلمين. فأحكام الكفر ليست هينة حتى تكون على ألسنة كل أحد. * * * • قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هذه الجملة مؤكدة (بإن) لأن المقام يقتضي ذلك، إذ إن المقصود بيان أن الله تعالى يصطفي من الناس من شاء: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، يعني ومن الناس رسلًا. وآدم ﵇ هو أبو البشر، خلقه الله تعالى خلقًا مستقلًا وليس متطورًا من جنس آخر أو من نوع آخر قبله كما يقول أهل الإلحاد. ومن ادعى ذلك فقد كفر بالله؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه في عدة مواضع أن الله خلق آدم من تراب، من صلصال كالفخار، من طين، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته. فمن زعم غير ذلك فهو كافر مصدق لغير الله مكذب لله -والعياذ بالله- مع العلم بأنه لن يأتى أحد بكلام عن آدم وابتداء خلقه وكيفية خلقه غير مستند في ذلك إلى الوحي فإن قوله غير مقبول، لأنه لم يشاهده، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ

стр. 202

وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فمن ادعى علم شيء ممن سبق فهو كاذب إلا ببرهان، وآدم كما نعلم بيننا وبينه أزمنة طويلة جدًّا، فلا يمكن أن نقبل قولًا فيه إلا عن طريق الوحي الصحيح. وسمي آدم: قيل لأُدمته، يعني لونه ليس الأبيض الباهق ولا الأسود الحالك، لكنه بين ذلك. وخلقه الله على صورته أي على صورة الله تكريمًا له، ولا يلزم من كونه على صورة الله أن يكون مماثلًا له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فعلينا أن نؤمن بالنصوص كلها، نؤمن بأنه خلقه على صورته، ونؤمن بأنه ليس كمثله. فإن قلت: كيف يكون على صورته وليس مثله؟ فالجواب: يمكن هذا في المخلوق فما بالك في الخالق، فلقد أخبر النبي ﵊: "أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر" (١). ومن المعلوم أنه لا يلزم التماثل؛ يعني ليس صورتهم كصورة البدر تمامًا، بل من حيث الجمال والبهاء والنور كالقمر ليلة البدر. ثم إن القرآن والسنة لا يكذب بعضهما بعضًا. وآدم ﵊ أوحي إليه كما في القرآن الكريم. ولا شك أنه أوحي إليه أيضًا من الناحية العقلية، وذلك لأنه لا يستقل بعبادة الله؛ أي لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله إلا بوحي من الله وهو مخلوق للعبادة. ﴿وَمَا خَلَقْتُ

стр. 203

الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فدلَّ السمع والعقل على أنه موحىً إليه، ولكن هل كان رسولًا؟ لا، ليس برسول بدلالة الكتاب والسنة. أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فجعل النبيين من بعد نوح. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة الطويل: أن الناس يأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (١). وعليه فآدم نبي أوحي إليه بشرع وتعبد الله به، وبقي الناس على هذا الشرع لأنهم قلة، ولم يحصل منهم اختلاف، فلما اختلفوا بعث الله النبيين كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقوله: ﴿وَنُوحًا﴾، ذكره الله بعد ذكر آدم؛ لأنه الأب الثاني للبشرية، فإن نوحًا لما كذبه قومه إلا القليل أهلكهم الله تعالى بالغرق، فجعل الله ذريته هم الباقين كما في سورة الصافات: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، فصار الأب الثاني للبشرية. وقوله: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. آل إبراهيم: لا شك أنه يدخل فيهم إبراهيم بالأولى، لكن

стр. 204

نصَّ على آله لكثرة الرسل فيهم ولاسيما أن فيهم أفضل الرسل محمدًا ﷺ ؛ فإن محمدًا ﷺ من آل إبراهيم. وآل عمران: آل عمران اختلفوا في المراد بهم، فقيل: آل عمران أبي موسى؛ لأن موسى أفضل أنبياء بني إسرائيل. وقيل: آل عمران أبي مريم، ومريم ابنة عمران، فذكر آل عمران لأن فيهم آخر الرسل قبل محمد ﷺ وهو: عيسي ابن مريم الذي ينتمي إليه النصارى، وخص آل عمران بذلك لأن المقام يقتضيه أيضًا، فإن هذه السورة نزل أولها في وفد نجران وهم من النصارى. وسواء كان هذا أم ذاك فإنه يدل على أن الله اصطفى هذه القبيلة، قبيلة إبراهيم، فهو مصطفى من مصطفى. اصطفى آدم، وهذا الاصطفاء الأول، ونوحًا، وهذا الاصطفاء الثاني، وآل إبراهيم الثالث، وآل عمران الرابع. فكان هؤلاء السادة من البشر هم الذين اصطفاهم. ومعنى الاصطفاء: أن الله اختارهم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، ليس على كل من خلقنا، بل على كثير ممن خلقنا تفضيلًا. والاصطفاء بمعنى الاختيار؛ لأن أصله مأخوذ من الصفوة، وصفوة الشيء خياره، واصطفى أي أخذ صفوته. وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، المراد بالعالمين مَنْ سِوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. ذريةً: بالنصب بدل من ﴿آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ

стр. 205

عِمْرَانَ﴾، يعني هؤلاء الأربعة الأصناف ذرية بعضها من بعض، وذرية: مأخوذة من (ذرأ) بمعنى خلق؛ لقوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] أي يخلقكم. وقيل: من (وذر) بمعنى ترك، فعلى الأول: تكون الذرية شاملة للأصول والفروع؛ لأن الأصول مخلوقون والفروع كذلك مخلوقون، أما إذا جعلناها من (وذر): بمعنى ترك فهي للفروع فقط، وهذا هو المعروف عند عامة الناس أن الذرية هم الفروع، يعني من نشؤوا عن الإنسان وتركهم بعده. ومما يدل على إطلاق الذرية على الأصول قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، فإن الذين حملوا في الفلك هم الذين آمنوا مع نوح وهم سابقون. وقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. بعضُها من بعض في جنس الخلقة، أو بعضها من بعض في الآداب والأخلاق والديانات، والظاهر الشمول، يعني أن الآدميين كلهم من جنس واحد، ليس فيه آدمي كان بالأول قردًا كما يقوله إخوان القردة ومن أقروا على أنفسهم بأنهم قردة، فالآدمي أصله آدمي، خلق الله أباه بيده ابتداء، لكن هؤلاء أبوا إلا أن يجعلوا أنفسهم من القرود. فبعضها من بعض في الخلقة من آدم إلى يومنا هذا، لم تتغير الخلقة إلا في قوة الجسم؛ لأن آدم ﵇ خلق طوله في السماء ستون ذراعًا وعرضه أيضًا -على ما في أحاديث كثيرة حسان- سبعة أذرع (١)، وهذا الخلق

стр. 206

قد نقص حتى وصل إلى هذه الأمة وانتهى؛ لأن هذه الأمة هي آخر الأمم. ولا يرد على ذلك أنه في بعض المناطق يكون الجنس البشري ضخمًا وفي بعض المناطق يكون دون ذلك؛ لأن هذا من تغير المناخ والوراثة. كذلك بعضها من بعض: في الآداب والأخلاق والديانات إلا من كان منهم ظالمًا خارجًا عن هذا الأصل؛ فإنه يكون خارجًا بما خرج به. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ختمها بالسمع والعلم، إشارة إلى أن كل ما يقوله هؤلاء المصطفون أو يفعلونه فإنه معلوم عند الله، فهو يسمع ما يقولون، ويعلم ما يفعلون، بل هو يعلم ما لا يفعلون مما يكون في قلوبهم، بل يعلم ما سيفعلونه وإن لم يكن في قلوبهم؛ لأن الله يعلم ما كان وما يكون لو كان كيف يكون. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - بيان أن الله اصطفى هؤلاء المخلوقات على بقية المخلوقات. ٢ - أن الله يختار من خلقه ما شاء كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]. ٣ - أن التفاضل كما يكون في الأعمال يكون في الأعيان، وكما يكون في الأعمال والأوصاف يكون كذلك في الأشخاص، ولهذا نقول: إن جنس العرب أفضل من غيرهم من الأجناس، لكن هذا الجنس الفاضل إذا اجتمع معه التقوى صار له الفضل المطلق، وإن تخلفت التقوى صار معدنه طيبًا وعمله خبيثًا؛ فيزداد

стр. 207

خبثًا لكون أصله طيبًا ثم ارتد بنفسه إلى الخبث؛ لأن من كان أصله طيبًا ثم نزل بنفسه إلى المستوى الأدنى صار أكثر لومًا ممن لم يكن كذلك. ولذلك لو زنت الحرة لجلدت مائة جلدة إن كانت غير محصنة، ورجمت إن كانت محصنة، ولو زنت الأمة لم ترجم ولو كانت متزوجة، ولم تجلد مائة جلدة بل تجلد خمسين؛ لأن هناك فرقًا بين إنسان أصله كريم وشريف ثم يضع نفسه موضع الوضيع، وبين شخص كان في الأصل على خلاف ذلك، ويدل لهذا أي: أن الناس يختلفون في أجناسهم قول الله في كتابه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقد جعلها الله تعالى في العرب؛ في محمد ﷺ ، فإذا كان محمد أطيب الخلق وأشرفهم لزم أن يكون جنس العرب أطيب الأجناس وأفضلها وأشرفها، وهو كذلك. وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (١). فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. فالجواب: أن نقول: إن الله تعالى أراد أن يمحو ما كان أهل الجاهلية يعتادونه من الفخر بالأحساب، حيث يقول: أنا من القبيلة الفلانية، أنا من القبيلة الفلانية. فبيَّن الله أن هذه الشعوب والقبائل. جعلها الله من أجل التعارف لا التفاخر، وأن فخركم لا يقربكم إلى الله، فالذي يقربكم إلى الله هو التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ

стр. 208

عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهذا لا ينافي أن يكون جنس العرب أفضل من غيرهم كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) وأدلته ما سبق. ٤ - ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، لقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. والملائكة عالم فيكون المصطفون من هؤلاء أفضل من الملائكة، واستدلوا بأدلة أخرى، كأمر الله للملائكة بالسجود لآدم وغير ذلك. وعندي أن البحث في هذه المسألة من فضول العلم؛ لأنه أيُّ فائدة لنا إذا قلنا: إن فلانًا أفضل من جبريل أو جبريل أفضل من فلان، أو إن الصالحين من بني آدم أفضل من الملائكة أو الملائكة أفضل من الصالحين؟ نحن نعلم أن الملائكة مقربون عند الله ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم كرام ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١]، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]، أما أنهم أفضل من الصالحين من بني آدم أو الصالحون من بني آدم أفضل منهم فهذا شيء لم نكلف به. ولذلك لم تأتِ السنة بالتمييز بين هؤلاء وهؤلاء أو بالتفضيل، أعطت لهؤلاء فضلهم ولهؤلاء فضلهم، ولو كان هذا من الأمور التي لابد من اعتقادها ولا يتم الإيمان إلا بها لكان الله ورسوله قد بيَّناه. ولكن إذا ابتلينا بمن يقول: بيِّن أيهما أفضل؟ فنقول: العلماء في ذلك اختلفوا، وجمع شيخ الإسلام ﵀ بين هذين القولين؛ فقال: إن الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالح

стр. 209

البشر أفضل باعتبار النهاية. كيف هذا؟ نقول: نعم لأن النور أفضل من الطين، والملائكة خلقوا من النور من مادة مشعة مضيئة محبوبة بخلاف الطين، وأما في النهاية فإن الجنة تكون للصالحين من بني آدم ومن الجن على القول الراجح، وقد ذكر الله أن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، يهنئونهم ويبشرونهم. ومع ذلك فإني أرى أن الإمساك عن هذا أولى. ٥ - بيان أن البشر جنس واحد بعضه من بعض؛ لقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. ٦ - الرد على من زعم أن البشر متطور من جنس لآخر، من القردة إلى الآدميين إلى البشر، وجدير بأن نسمي هذا القائل قردًا؛ لأنه رضي لنفسه أن يكون أصله القرد، أما نحن فنقول: إن أصلنا آدم ﵊ الذي خلقه الله بيده من تراب، وأنه جنس مستقل بنفسه لا متطور. ٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع، والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بكل شيء بالأصوات والأحوال والأعيان. وأسماء الله يتضمن الإيمان بها ثلاثة أشياء إن كانت متعدية، وشيئين إن كانت لازمة. إن كانت متعدية يتضمن الإيمان بها: الأول: إثباتها اسمًا من أسماء الله. الثاني: إثبات ما تضمنته من صفة أو استلزمته. الثالث: إثبات الحكم الناتج عن هذه الصفة. فمثلًا: الاسم (الخالق)، والصفة المتضمنة: (الخلق)

стр. 210

والمستلزمة: العلم والقدرة، والحكم: أنه يخلق، فهو خالق بخلق. وكذلك اسم (الرحمن): تضمن الرحمة: صفة، وكونه يرحم: حكم أو أثر. أما إذا كان لازمًا فإنه لا يتم الإيمان به إلا بإثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات ما تضمنه من صفة، فالحي مثلًا: لا يتعدى لغير الله نثبته اسمًا من أسماء الله، ونثبت ما تضمنه من الصفة وهي: الحياة. هذه هي القاعدة في إثبات أسماء الله وصفاته، إذا طبقنا هذه القاعدة على الاسمين الموجودين معنا. فالسميع يتضمن الإيمان به على أنه اسم من أسماء الله، والإيمان بالصفة التي يدل عليها وهي السمع، والأثر أو الحكم أنه يسمع. وكذلك نقول في (العليم). * * * • قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٥ - ٣٧]. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. يعني: اذكر إذ قالت، وهذا التركيب موجود في القرآن كثيرًا، وإنما حذف العامل لدلالة السياق عليه، وتلك قاعدة

стр. 211

مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال: وحذف ما يُعلمُ جائز كما ... تقول زيد بعد مَنْ عندكما؟ فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق. (اذكر إذ قالت)، اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾، وهي أم مريم يعني جدة عيسى ابن مريم. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا رب، ولكن تحذف ياء النداء فى مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم (الياء) تخفيفًا، وأصله: (ربي). قولها: ﴿نَذَرْتُ﴾: بمعنى التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي ليكون خادمًا للمسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾، (ما) اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين ذكرًا أو أنثى. فإذا قال قائل: كيف تقول: إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، ومحررًا واحد، ولم تقل: محررَيْن. فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة: أي التي تصلح للمفرد وغيره يجوز فيها مراعاة بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان المراد بها المفرد، والتثنية إن كان المراد بها

стр. 212

المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع، مذكرًا كان أو مؤنثًا. وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾، شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار اللفظ. وقولها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، يعني تقبل مني هذا التقرب إليك، بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني لأنك السميع العليم. ﴿السَّمِيعُ﴾ يشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة؛ يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، و (سمع) تأتي بمعنى استجاب كما في قول المصلي: "سمع الله لمن حمده" أي استجاب. وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يعني السامع لدعائي المستجيب له، العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء. لكن ذكر العلم هنا لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله، فيسند الأمر إلى علم الله . ومن المعلوم أن الداعي إذا دعا فإنه يحصل له واحد من أمور ثلاثة: إما أن يستجيب الله له الدعاء، وإما أن يدَّخر ذلك له يوم القيامة فيعطيه مثل ما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم. هذا بالإضافة إلى أن الدعاء نفسه عبادة يثاب عليها الإنسان. وقوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾. ولم يقل: فلما وضعته؛ مراعاة للمعنى؛ لأنها وضعت أنثى، فلما وضعتها وكانت قد نذرته محررًا بناءً على أنه ذكر، لما وضعتها اعتذرت لربها.

стр. 213

﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. وهذا اعتذار منها إلى الله أنها وضعتها أنثى، والأنثى ليس من العادة أن تخدم المسجد، فكأنها تعتذر إلى الله من هذا النذر. قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. وفي قراءة سبعية: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾. فعلى قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ بضم التاء تكون الجملة من باب الاحتراس، حتى لا يظن أنها تعتقد أن الله لم يعلم. فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، فلستُ أخبر الله بأمر يخفى عنه، بل إني أؤمن بأنه عالم بما وضعتُ، أما على قراءة (السكون) ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالكلام من الله، وفيه دفاع عن هذه المرأة بأن الله تعالى يعلم أنها لم تقل: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ إخبارًا منها لله؛ لأنه سبحانه وتعالي زكاها بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، هذا من وجه، ومن وجه آخر ليبيِّن أن قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ لا يعني أن الله لا يعلم بما وضعت بل هو عالم. و﴿أَعْلَمُ﴾ اسم تفضيل يدل علي أن المفضل زائد على المفضل عليه في هذا الوصف، كما لو قلت: فلان أكرم من فلان؛ معناه أن هذا المفضل وهو فلان زائد في الكرم على المفضل عليه. فـ (أعلم) هنا يعني: أعلم من كل أحد بما وضعت، ففيه إثبات العلم لله مع الزيادة، وبهذا التقرير نعلم ضعف قول من قال: إن اسم التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، وأن معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا

стр. 214

وضعت)، فإن هذا القول لا شك قصور في تفسير كلام الله؛ لأن إثبات العلم بلا تفضيل أنقص من إثبات العلم مع التفضيل؛ لأنك إذا قلت: فلان عالم لا يمنع أن يكون غيره مساويًا له في العلم. لكن إذا قلت: فلان أعلم من فلان صار فاضلًا غيره في العلم وغيره مفضول. ولا أعلم -سبحان الله- كيف يفر بعض العلماء من إثبات المفاضلة بين الله وبين خلقه، مع أن المفاضلة لا تدل على أي نقص، بل اللفظ الذي يقتضي المشاركة هو الذي قد يحتمل النقص والمماثلة، لكن اللفظ الدال على المفاضلة ليس فيه نقص بوجه من الوجوه، فالله أعلم من كل أحد سواء كان هذا العلم مقيدًا أو مطلقًا. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (ما): اسم موصول، والعائد ضمير مفعول به محذوف، أي: بما وَضَعَتْهُ أو بما وَضَعْتُهُ على القراءتين. قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. ليس الذكر كالأنثى، هل هذا من كلامها أو من كلام الله؟ أما على قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالظاهر أن كونه من كلام الله أرجح؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله، أما على قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ فإن كونه من كلامها أرجح لئلا تتشتت الجمل. وفي هذه الجملة بيان أن الذكر لا يماثل الأنثى، وكأن الإنسان يحدث نفسه ويقول: إن مقتضى الحال أن تكون العبارة: (وليس الأنثى كالذكر)؛ لأن العادة أن الأدنى هو الذي يشبه بالأعلى، فهنا: (ليس الأنثى كالذكر) أقرب إلى بادي الرأي من

стр. 215

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، ولهذا ادعى بعض العلماء أن في التشبيه قلبًا؛ والتشبيه المقلوب أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولاسيما عند الشعراء في العصور الوسطي، حتى بالغ بعضهم في التشبيه المقلوب فيقول: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح فالصباح الذي يملأ الأفق ويضيء الدنيا، كأنَّ غرته -بياضه- وجه الخليفة إذا امتدح، هذا من المبالغة الكريهة في الواقع. وقال بعضهم: إنه تشبيه على أصله ووضعه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ وشرف الذكر على الأنثى يعلم من أدلة أخرى، ومن قرائن أخرى، ولكن ليس الذكر في خدمته لبيت المقدس كالأنثى. وإذا انتفت مساواة الذكر للأنثى انتفت مساواة الأنثى للذكر؛ لأن التساوي يكون بين شيئين، فإذا انتفت المساواة في أحدهما لزم أن تكون منتفية في الآخر. فلا مساواة بين الذكر والأنثى بل لكل واحد منهما ميزاته وخصائصه، فالأنثى تفوق الرجل في شيء، والرجل يفوق الأنثي في شيء. لكن الغالب أن الصالح لخدمة المساجد هو الرجل؛ لأنه أقوى وأذكى وأعقل وأدوم في العمل. والأنثى إذا حاضت مثلًا لا تستطيع أن تخدم المسجد؛ لأنها سوف تخرج منه ولا تجلس، هذا إذا كانت شريعتهم كشريعتنا، وأيضًا الأنثى لا تتحمل من الأعمال ما هو شاق بل هي أضعف من الرجل، وإن كانت قد يكون عندها من الجلد والصبر أكثر مما عند الرجل في معاناة الأشغال لا في معاناة المصائب، فإن المرأة في معاناة المصائب أدنى بكثير من الرجل كما هو معروف.
следующие страницы →