← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال: وحذف ما يُعلمُ جائز كما ... تقول زيد بعد مَنْ عندكما؟ فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق. (اذكر إذ قالت)، اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾، وهي أم مريم يعني جدة عيسى ابن مريم. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا رب، ولكن تحذف ياء النداء فى مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم (الياء) تخفيفًا، وأصله: (ربي). قولها: ﴿نَذَرْتُ﴾: بمعنى التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي ليكون خادمًا للمسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾، (ما) اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين ذكرًا أو أنثى. فإذا قال قائل: كيف تقول: إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، ومحررًا واحد، ولم تقل: محررَيْن. فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة: أي التي تصلح للمفرد وغيره يجوز فيها مراعاة بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان المراد بها المفرد، والتثنية إن كان المراد بها

стр. 212

المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع، مذكرًا كان أو مؤنثًا. وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾، شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار اللفظ. وقولها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، يعني تقبل مني هذا التقرب إليك، بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني لأنك السميع العليم. ﴿السَّمِيعُ﴾ يشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة؛ يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، و (سمع) تأتي بمعنى استجاب كما في قول المصلي: "سمع الله لمن حمده" أي استجاب. وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يعني السامع لدعائي المستجيب له، العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء. لكن ذكر العلم هنا لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله، فيسند الأمر إلى علم الله . ومن المعلوم أن الداعي إذا دعا فإنه يحصل له واحد من أمور ثلاثة: إما أن يستجيب الله له الدعاء، وإما أن يدَّخر ذلك له يوم القيامة فيعطيه مثل ما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم. هذا بالإضافة إلى أن الدعاء نفسه عبادة يثاب عليها الإنسان. وقوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾. ولم يقل: فلما وضعته؛ مراعاة للمعنى؛ لأنها وضعت أنثى، فلما وضعتها وكانت قد نذرته محررًا بناءً على أنه ذكر، لما وضعتها اعتذرت لربها.

стр. 213

﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. وهذا اعتذار منها إلى الله أنها وضعتها أنثى، والأنثى ليس من العادة أن تخدم المسجد، فكأنها تعتذر إلى الله من هذا النذر. قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. وفي قراءة سبعية: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾. فعلى قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ بضم التاء تكون الجملة من باب الاحتراس، حتى لا يظن أنها تعتقد أن الله لم يعلم. فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، فلستُ أخبر الله بأمر يخفى عنه، بل إني أؤمن بأنه عالم بما وضعتُ، أما على قراءة (السكون) ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالكلام من الله، وفيه دفاع عن هذه المرأة بأن الله تعالى يعلم أنها لم تقل: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ إخبارًا منها لله؛ لأنه سبحانه وتعالي زكاها بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، هذا من وجه، ومن وجه آخر ليبيِّن أن قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ لا يعني أن الله لا يعلم بما وضعت بل هو عالم. و﴿أَعْلَمُ﴾ اسم تفضيل يدل علي أن المفضل زائد على المفضل عليه في هذا الوصف، كما لو قلت: فلان أكرم من فلان؛ معناه أن هذا المفضل وهو فلان زائد في الكرم على المفضل عليه. فـ (أعلم) هنا يعني: أعلم من كل أحد بما وضعت، ففيه إثبات العلم لله مع الزيادة، وبهذا التقرير نعلم ضعف قول من قال: إن اسم التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، وأن معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا

стр. 214

وضعت)، فإن هذا القول لا شك قصور في تفسير كلام الله؛ لأن إثبات العلم بلا تفضيل أنقص من إثبات العلم مع التفضيل؛ لأنك إذا قلت: فلان عالم لا يمنع أن يكون غيره مساويًا له في العلم. لكن إذا قلت: فلان أعلم من فلان صار فاضلًا غيره في العلم وغيره مفضول. ولا أعلم -سبحان الله- كيف يفر بعض العلماء من إثبات المفاضلة بين الله وبين خلقه، مع أن المفاضلة لا تدل على أي نقص، بل اللفظ الذي يقتضي المشاركة هو الذي قد يحتمل النقص والمماثلة، لكن اللفظ الدال على المفاضلة ليس فيه نقص بوجه من الوجوه، فالله أعلم من كل أحد سواء كان هذا العلم مقيدًا أو مطلقًا. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (ما): اسم موصول، والعائد ضمير مفعول به محذوف، أي: بما وَضَعَتْهُ أو بما وَضَعْتُهُ على القراءتين. قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. ليس الذكر كالأنثى، هل هذا من كلامها أو من كلام الله؟ أما على قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالظاهر أن كونه من كلام الله أرجح؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله، أما على قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ فإن كونه من كلامها أرجح لئلا تتشتت الجمل. وفي هذه الجملة بيان أن الذكر لا يماثل الأنثى، وكأن الإنسان يحدث نفسه ويقول: إن مقتضى الحال أن تكون العبارة: (وليس الأنثى كالذكر)؛ لأن العادة أن الأدنى هو الذي يشبه بالأعلى، فهنا: (ليس الأنثى كالذكر) أقرب إلى بادي الرأي من

стр. 215

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، ولهذا ادعى بعض العلماء أن في التشبيه قلبًا؛ والتشبيه المقلوب أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولاسيما عند الشعراء في العصور الوسطي، حتى بالغ بعضهم في التشبيه المقلوب فيقول: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح فالصباح الذي يملأ الأفق ويضيء الدنيا، كأنَّ غرته -بياضه- وجه الخليفة إذا امتدح، هذا من المبالغة الكريهة في الواقع. وقال بعضهم: إنه تشبيه على أصله ووضعه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ وشرف الذكر على الأنثى يعلم من أدلة أخرى، ومن قرائن أخرى، ولكن ليس الذكر في خدمته لبيت المقدس كالأنثى. وإذا انتفت مساواة الذكر للأنثى انتفت مساواة الأنثى للذكر؛ لأن التساوي يكون بين شيئين، فإذا انتفت المساواة في أحدهما لزم أن تكون منتفية في الآخر. فلا مساواة بين الذكر والأنثى بل لكل واحد منهما ميزاته وخصائصه، فالأنثى تفوق الرجل في شيء، والرجل يفوق الأنثي في شيء. لكن الغالب أن الصالح لخدمة المساجد هو الرجل؛ لأنه أقوى وأذكى وأعقل وأدوم في العمل. والأنثى إذا حاضت مثلًا لا تستطيع أن تخدم المسجد؛ لأنها سوف تخرج منه ولا تجلس، هذا إذا كانت شريعتهم كشريعتنا، وأيضًا الأنثى لا تتحمل من الأعمال ما هو شاق بل هي أضعف من الرجل، وإن كانت قد يكون عندها من الجلد والصبر أكثر مما عند الرجل في معاناة الأشغال لا في معاناة المصائب، فإن المرأة في معاناة المصائب أدنى بكثير من الرجل كما هو معروف.

стр. 216

وقوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾. تقولها أمها، وهذا الاسم إما أن يكون مشهورًا عندهم أو أنها اختارته لأمر يريده الله ، وهذه قضية عين، والله أعلم ما هو السبب أنها اختارت هذا الاسم. قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾. ﴿أُعِيذُهَا﴾: أي أستجير بك لها؛ لأن الاستعاذة معناها الاستجارة من أمر مكروه، ولهذا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ونستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال. قالوا -أي أهل اللغة-: (العياذ من المكروه، واللياذ في رجاء المحبوب) وأنشدوا على ذلك قول الشاعر: يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أنت جابره وهو يخاطب ملكًا من الملوك، وهذا الوصف لا يليق إلا بالله . لكن الشعراء يتبعهم الغاوون. إذن ﴿أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، يعني أستجير بك لها من الشيطان الرجيم، والشيطان هو أبو الجن كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، وهنا نقول: شيطان من شطن أو من شاط، قولان: فمنهم من قال: إنه من شطن أي بَعُدَ، ومنهم من قال: من شاط أي غضب؛ لأن طبيعة الشيطان الغضب والسرعة وعدم التأني، وهو أيضًا قد بَعُدَ من رحمة الله، ولكن الظاهر أنه من شطن، وأن النون أصلية، ولذلك لا يمنع من الصرف.

стр. 217

وقولها: ﴿الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، الرجيم: بمعنى المرجوم، وأصل الرجم القذف بالحجارة؛ ومنه: رجم الزاني، وعلى هذا فيكون في الكلام استعارة، أي أننا استعرنا الرجم بالحجارة الدال على إبعاد المرجوم للمُبْعَد المطرود. فالرجيم هنا: فعيل بمعنى مفعول؛ أي مطرود مبعد عن رحمة الله ، ومن العلماء من قال: إن الرجم يأتي بمعنى الطرد حقيقة لا استعارة، وإنما استعاذت بالله لها من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان الرجيم مبعد عن رحمة الله، والمبعد عن الرحمة يريد أن يبعد كل إنسان عن الرحمة لاسيما بنو آدم؛ لأن بني آدم أعداء للشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] فهو عدو، والعدو لا يريد من عدوه إلا ما فيه هلاكه، ولهذا استعاذت بربها لهذه الأنثى من الشيطان الرجيم لئلا يغويها ويضلها، قال الله تعالي: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾. لم يكن لها ذرية إلا عيسى ابن مريم، وهل لعيسى ذرية؟ الله أعلم، قد يكون له ذرية، وقد لا يكون، لكن مهما كان هي قالت: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ بناءً على الأصل والغالب أن الأنثى تتزوج ويكون لها ذرية، ولكن الله أراد لهذه المرأة شيئًا آخر. قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. تقبل: قال أهل اللغة: بمعني قَبل، ولهذا قال: (قبول)

стр. 218

والمصدر الموافق لتقبل (تقبلًا)، أما (قبول) فهو في هذا الموضع اسم مصدر وليس بمصدر كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. ولم يقل: إنباتًا، لكن هل تَقَبَّلَ وقَبِل بمعنى واحد أو أن في تقبَّل شدة عناية ومبالغة؟ قولان: قيل: إن تَقَبَّل بمعنى قَبِل كتعجَّب بمعنى عجب، وتبرَّأ بمعنى برئ، تقول: تبرأ من فلان بمعنى برئ منه، والقول الثاني: أن تَقَبّل أبلغ من قَبل، وذلك أن الغالب أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ففيها شدة العناية والمبالغة. وقوله تعالى: ﴿رَبُّهَا﴾، الربُّ: بمعنى الخالق، المالك، المدبر، فإذا أضيفت الربوبية لله فهذا معناها، أنه الخالق فلا خالق غيره، والمالك فلا مالك غيره، والمدبر فلا مدبر غيره، وهذا النفي باعتبار الإطلاق فلا خالق على سبيل الإطلاق إلا الله، وإذا أضيف الخلق إلى غيره فإنما هو باعتبار التغيير والتصيير لا باعتبار الأصل. فخلق الباب من الخشبة ليس أصليًا بل هو تغيير وتصيير، صيَّر الخشبة بابًا فقال: خلقهُ، لكن أصل هذا الخشب إنما خلقه الله ، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يخلق خشبة واحدة ولا غصن شجرة. فالمالك على الإطلاق هو الله، وإضافة الملك لغير الله إضافة جزئية، وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، فأضاف الملك إلى الإنسان، وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، فأضافه أيضًا إلى الإنسان؛ لكن هذا ملك مقيد غاية التقييد. والمدبر كذلك، فالتدبير على إطلاقه هو لله ، أما الإنسان فإنه وإن أضيف إليه التدبير فهو تدبير خاص محصور على

стр. 219

كل حال. وربوبية الله نوعان: عامة، وخاصة ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم: ٦٥] هذه عامة، الخاصة مثل: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢]، وهنا ﴿رَبُّهَا﴾ من الخاصة. واعلم أن كل خاص من الربوبية والمعية والسمع والبصر وما أشبه ذلك مما قال العلماء إنه ينقسم إلى عام وخاص، أن الخاص يتضمن العام ولا عكس. فكل من كان الله ربه وجه الخصوص فهو ربه على وجه العموم، وكل من كان الله معه على وجه الخصوص فهو معه على وجه العموم، وكل من سمعه الله على وجه الخصوص فقد سمعه على وجه العموم، وهلم جرًّا. وهنا أضاف الربوبية إلى مريم؛ لأنه تقبلها هذا القبول الحسن. وقوله تعالى: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. والقبول الحسن من الله أنه يسَّرها لليسرى وسهَّل أمرها وجعلها من خيرة نساء العالمين، حتى ألحقها بالرجال في صلاحها، فقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، وتأمل أنه قال: من القانتين، ولم يقل: من القانتات؛ لأنه كما جاء في الحديث: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا قليل" (١). وقوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾، يعود إلى المعنى، وقد يعود إلى الحس، فالمعنى: أنبتها نباتًا حسنًا يعني في كمال

стр. 220

الآداب والعفة والحشمة وغير ذلك، وقد يكون أنبتها نباتًا حسنًا باعتبار الجسم؛ يعني أنه نماها تنمية جيدة، لم يتعثر فيها جسمها، حتى إن بعضهم -ولعلها من الإسرائيليات- قال: إنها تنمو في العام ما ينموه غيرها في عامين، والله أعلم. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. هذا أيضًا من التيسير أن الله يسَّر لها من يكفلها من الرسل، ولا شك أن الإنسان إذا كان عنده كافل مستقيم صالح كان هذا من أسباب صلاحه واستقامته، وإذا كان عند فاسق كان بالعكس. ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن يترك الطفل المحضون بيد شخص لا يصونه ولا يصلحه. وقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، هذه القراءة المعروفة التي في المصحف. وتكون (كفَّل) ناصبة لمفعولين. أحدهما: هاء، والثاني: زكريا، وهذا الفعل من أخوات (كسا). وفيه قراءة (كَفَّلَها زكرياءَ) والفرق بينهما أن القراءة الأولى بألف مقصورة، والثانية: بألف ممدودة. وفيها قراءة ثالثة (وكَفَلَهَا زكريا)، (كَفَلَهَا) على أن زكريا فاعل، وفيه قراءة رابعة (وكَفَلَهَا زكرياءُ) على أنه فاعل أيضًا، لكن الفرق بين هذه والتي قبلها القصر والمد، فصارت زكريا تمد وتقصر، وكَفَل تخفف وتشدد، والإعراب على حسب الوضع. ومعنى (كَفَلَها) أي صار كافلًا لها؛ وكَفَّلها: أي جعل كفيلها زكريا. وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ فيها القراءتان في زكريا.

стр. 221

و ﴿الْمِحْرَابَ﴾ المحراب مِفْعال من الحرب، وهو مكان العبادة، وليس المحراب هو طاق القبلة كما هو عند الناس، ورأيت في بعض المساجد مكتوب على طاق القبلة على القوس ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾، يجعلون الإمام مريم وهم لا يشعرون، ويخطئون أيضًا في المعنى؛ لأن المحراب مكان العبادة سواء كان طاقًا أو مربعًا أو حجرة، ولهذا قال الله تعالى فى قصة داود: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] وسمي بذلك لأن المتعبد فيه يحارب الشيطان. ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. وهي امرأة منقطعة للعبادة دائمًا في محرابها ويجد عندها رزقًا؛ والرزق هنا ما يقوم به البدن، يعني رزقًا تأكله ليقوم بدنها وتحفظ حياتها. قال بعض المفسرين -وهو من الإسرائيليات- يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وهذا لا داعي له، فإنه إذا وجد عند فاكهة الصيف في الصيف، وفاكهة الشتاء في الشتاء وهي امرأة متعبدة منقطعة للعبادة؛ فهو آية. ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. أي: من أين لك هذا؟ وخاطبها بقوله: يا مريم، إشارة إلى أنها في حال لا تقتضي أن يكون عندها ذلك؛ لأنها امرأة لا تكتسب منقطعة للعبادة، والمنقطع للعبادة ولو كان ذكرًا لا يتيسر له الرزق. ولهذا نادها باسمها قال: يا مريم؛ يعني انتبهي أيتها الأنثى كيف يجيئك هذا الرزق ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾، فكان جوابها جوابًا عجيبًا ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وكلمة ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا

стр. 222

يلزم أن يكون الله تعالى ينزلها من السماء إليها، بل قد يكون ذلك بتسخير الله لها من يأتي لها بذلك الرزق، ولا يلزم أن يكون ينزل من السماء أو يأتي به جبريل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. الرزق: بمعنى العطاء؛ والعطاء ينقسم إلى قسمين: عطاء كوني، وعطاء شرعي. فالعطاء الكوني: ما يرزق الله به الإنسان والحيوان، الحلال والحرام، لا يختص بالمؤمنين ولا بالطيب من الرزق. والعطاء الشرعي: وهو ما يعطاه المؤمن من الرزق الحلال، فهو الرزق الخاص الذي ليس فيه تبعة، ويشمل أيضًا العطاء الشرعي ما ثبت إعطاؤه بمقتضى الشرع كإعطاء الفقراء من الزكاة مثلًا، وإعطاء الغانمين من الغنيمة، فهذا عطاء وإيتاء شرعي، ودليله قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٥٩ - ٦٠]. وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، فالرزق لا يكون إلا بمشيئة الله، وهي مربوطة بالحكمة، يعطي من يشاء لحكمة، ويمنع من يشاء لحكمة، والدليل على أن كل ما أثبت الله فيه المشيئة فهو مقرون بحكمة، قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].

стр. 223

وقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي بغير مكافأة، يُطعِم ولا يُطْعَم، يَرزُق ولا يُرْزَق، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨]، بخلاف غيره، فإنه قد يُعْطي ليُعْطى، أما الله فإنه يعطي لا ليعطى بل يرزق بغير حساب. وأما الحساب ما أعطاه الله من الرزق من أين اكتسبه وفيم أنفقه وما أشبه ذلك، فإن هذا سوف يكون، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، يعني لا يحاسب خلقه ليكافئوه، ولكن يحاسبهم لينظر أو ليعلم ماذا أنفقوا فيما أعطاهم. من فوائد الآيات الكريمة: من فوائد قوله : ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ١ - تعظيم هذه القصة؛ لأن الله أمر رسوله أن يبيِّنها للناس إذ إن التقدير (اذكر إذ قالت امرأة عمران). ٢ - جواز النذر في الأمر المجهول؛ لقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، ينبني على ذلك أن يقول القائل: لله علي نذر أن أتصدق بما في بطن هذه الشاة أو هذه الناقة، وينفذ النذر. ٣ - جواز تصدق المرأة بدون إذن زوجها، ووجهه: أنها نذرت تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج. فإن قال قائل: ما دليلكم أنه بدون إذن زوجها، أفلا يمكن أن تكون استأذنت؟ الجواب: بلى، لكنه لم يذكر.

стр. 224

فإن قال قائل: عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، فرق بين أن أسكت عن الشيء وبين أن أنفي الشيء، نفي الشيء ذكر لعدمه، لكن السكوت عنه ليس ذكرًا لعدمه. قلنا: نقول: هذا ليس في كل مكان، بل نقول: هذا فيما إذا كان هناك نصوص عامة ثم ادعى أحدٌ إخراجها أو تقييدها أو ما أشبه ذلك. هذا هو الذي نقول له: عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وأما إذا جاءت قصة مرسلة ولم يذكر فيها قيود فالأصل عدم القيد. وقد جاءت الشريعة الإسلامية مؤيدة لهذا؛ أي أن المرأة تتصرف في مالها، فالرسول ﷺ لما خطب النساء يوم العيد وقال: "يا معشر النساء، تصدقن"، فجعلن يلقين من الخواتم والخروص في ثوب بلال (١). ومن القرآن قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، طبن: أي: النساء. إذن المرأة حرة تتصرف وليس لزوجها أن يمنعها من أي تصرف شاءت، اللهم إلا في مسألة واحدة قد يقال إنه يمنعها من التصرف مثل أن يشتري لها حليًّا وثياب زينة تتجمل بها له، فهنا ربما نقول: إن له أن يمنعها من التصرف في هذه الثياب وهذا الحلي من بيع أو هبة؛ لأن ذلك يضر بمقصوده. ٤ - أن الولد يخدم والده من أم أو أب؛ لأنها قالت: ﴿مُحَرَّرًا﴾ يعني محررًا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته.

стр. 225

٥ - طرد الإعجاب بالنفس؛ وذلك بأن الإنسان إذا عمل عملًا لا يُدِلُّ به على الله يقول: أنا عملت وأنا عملت، بل يعمل ويشعر أنه مفتقر إلى الله في قبول ذلك العمل، ولهذا قالت: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، وقال إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، والإنسان إذا علم أنه مفتقر إلى ربه في العمل وفي قبول العمل زال عنه الإعجاب، وإذا زال عنه الإعجاب صار حريًّا بأن الله تعالى يقبل منه ويثيبه. ٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع، والعليم، والسميع يكون بمعنى استجابة الدعاء وبمعنى إدراك المسموع، والعليم هو: إدراك الشيء على ما هو عليه. ومن فوائد قوله : ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. ١ - أن الأم تتكلف الحمل كما يشعر به كلمة (وضعتها) أنها حاملة لها، وهو كذلك لا شك أنها تتكلف الحمل، وإذا قدَّرنا أن هذا الطفل الذي في بطنها سيبقى تسعة شهور وهي حاملة له في بطنها، في أرق ما يكون من البدن، قائمة وقاعدة ومستيقظة ونائمة، فماذا نتصور من التعب؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]، ثم مع ذلك هذا الطفل فى البطن يتحرك وهي تحس به، ولولا لطف الله بعباده ما استطاعت أن تحمل هذا ولكن الله يعينها. فيتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي:

стр. 226

٢ - عظم حق الأم على ولدها؛ لأن من أحسن إليك وأتعبته كان أحق الناس ببِرك، ولهذا جعلها النبي ﵊ أحق الناس بحسن الصحبة. ٣ - اعتذار الإنسان عند ربِّه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، فإن هذا شبه اعتذار لقولها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، والأنثى لا تخدم المساجد عندهم فلهذا اعتذرت. ٤ - التوسل إلى الله تعالى بربوبيته. ٥ - أنه من تمام البلاغة الاحتراز عن كل موهم لأمر خطأ، سواء كان في المقال أو في الفعل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ على قراءة الضم. والمقال كما هنا، وفي الفعال: لما خرج النبي ﷺ بصفية ﵂ يقابلها حين جاءت إليه وهو معتكف وتحدثت معه، فقامت لتخرج بالليل فخرج بها ﵊ وإذا برجلين من الأنصار يمران فأسرعا، فقال لهما ﵊: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله، ثم قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفت أن يقذف في قلوبكما شرًّا -أو قال: شيئًا-" (١). لا شك أن أبعد الناس عن سوء الظن هو الرسول ﷺ ولاسيما من أصحابه، لا يمكن أن يظنوا به سوء الظن، ومع ذلك خاف

стр. 227

أن الشيطان يلقي في قلوبهما شرًّا أو شيئًا. ولهذا ينبغي للإنسان أيضًا أن يدرأ الغيبة عن نفسه ما استطاع، لا يقول: أنا لا أبالي بالناس "حسبنا الله ونعم الوكيل" هذا طيب، لكن افعل الأسباب التي تدرأ عنك الشر حتى لا يظن الناس بك سوءًا. ٦ - إثبات التفضيل في أوصاف الله من قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ خلافًا لمن منع ذلك وفسَّر أعلم بـ (عالم). ٧ - أنه لا يستوي الذكور والإناث ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لا في الطبيعة ولا في الأخلاق ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان؛ فالذكر ليس كالأنثى، وإذا كان الذكر ليس كالأنثى، فالأنثى أيضًا ليست كالذكر. ٨ - تسمية المولود حين يولد؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ وهذا هو السنة، أن يسمّى الإنسان حين يولد إلا إذا لم يتهيأ الاسم فإنه يسمى في اليوم السابع، وبهذا تجتمع الأدلة، فإن النبي ﷺ لما ولد إبراهيم قال: "ولد لي الليلة ولد وسميته إبراهيم" (١). وفي حديث العقيقة قال: "تذبح يوم سابعه، ويحلق ويسمى" (٢) فيكون الجمع أن من كان مهيأ الاسم قبل الولادة فالأفضل أن يسميه حال الولادة، ومن لم يهيأ فالأفضل أن يؤجله إلى اليوم السابع.

стр. 228

٩ - في قوله: ﴿سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ دليل على التصدق الفضولي. ١٠ - مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه بالله من الشيطان الرجيم ومن شر الخلق؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. ١١ - جواز الدعاء للمعدوم من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ لأن ذريتها لم تأتِ بعد، فيجوز أن يقول: (أصلحك الله وذريتك) (وغفر الله لك ولذريتك) وما أشبه ذلك. ١٢ - أن الشيطان عدو لبني آدم حيث يطلب الإنسان من الله أن يعيذه منه. ١٣ - بيان قدرة الله على كل شيء، ومن ذلك الإجارة من الشيطان وإلا لكان الاستعاذة به من الشيطان عبثًا. ومن فوائد قوله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ١ - أن الله سميع، قريب، مجيب؛ لأنها دعت فسمعها الله، ولأنها دعت فأجابها الله، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. ٢ - أن الله منَّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول

стр. 229

الحسن، والنبات الحسن؛ فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها. ٣ - أن تطور الإنسان في حياته بأمر الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا﴾، وما الغذاء والعناية بالطفل إلا سبب، والله تعالى هو المسبب، وهو المكوِّن للإنسان والمنُبت له. ٤ - أن الله قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير، فيكون ذلك من أسباب إعاذته من الشيطان الرجيم، لقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. ٥ - إثبات الحضانة للطفل؛ لقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. ٦ - أن هذه الطفلة صارت من العابدات القانتات؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. ٧ - أن الله قد ييسر للإنسان من الرزق ما لا يكون في حسبانه؛ لقوله: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. ٨ - أن لكل ضعف لطفًا، فهذه المرأة الضعيفة التي منَّ الله عليها بالاشتغال بالعبادة يسَّر الله لها من يأتيها بالرزق. ٩ - أن الأشياء تضاف إلى الله وإن كان لها سبب؛ لقوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ١٠ - أن الأنبياء لا يعلمون الغيب؛ لقوله: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. ١١ - إثبات أن الله يرزق بغير مكافأة ولا انتظار لمكافأة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

стр. 230

• ثم قال : ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨ - ٣٩]. ﴿هُنَالِكَ﴾: هذا اسم إشارة إلى المكان. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب؛ يعني في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن أي في ذلك الزمن، ويحتمل أن تكون للمكان، أي في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، وزكريا: فيها قراءتان، المد والقصر على ما سبق. ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. ﴿هَبْ لِي﴾: أي أعطني، والهبة: هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة، وهدية، وصدقة. فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة. والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدي والمهدى إليه. والهبة: ما قصد به مجرد انتفاع الموهوب له. وهنا قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾، أي أعطني عطاء بلا ثمن. ﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَة﴾. ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: أي من عندك، وأضاف العندية إلى الله ليكون أبلغ وأعظم، لأن هدية الكريم أكرِم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى مذروءة، أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي طيبة في أقوالها وأفعالها، وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.

стр. 231

﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. أي مجيبه، والدعاء: هو سؤال العبد ربَّه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة. قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وفي قراءة: فناداه الملائكة؛ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث. ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل (ناداه)، وعبر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم. وقوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾. جملة في محل نصب على الحال، من الضمير: (الهاء) في قوله: (نادته)، وقوله: ﴿يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، المحراب: مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك؛ لأنه مكان حرب الشياطين، فإن العبادة حرب للشياطين كما سبق. ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾. ﴿أَنَّ﴾ فيها قراءتان: قراءة بالفتح، وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر (إن الله). فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدّر (بإن) يجب فيه كسر إن، كقوله تعالي: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: (فنادته الملائكة بأن الله يبشرك)، ببشري الله تعالي بهذا الابن (يحيى). أيضًا في قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قراءتان: يبْشُرُك، يُبَشِّرُك. وكلاهما سبعيتان. والبشارة هي الإخبار بما يسر، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر

стр. 232

ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي ﷺ حين دخل مجزز المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يبد منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: ان هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي ﵊ على عائشة تبرق أسارير وجهه، تأثر بالخبر السار (١). ولهذا الإخبار بما يسوء بشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]. قال الله تعالى: ﴿بِيَحْيَى﴾. (بيحيى) هذا المبشر به، ويحيى: قيل إنه من الحياة والله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيا ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا﴾. ﴿مُصَدِّقًا﴾: حال من يحيى. ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: هو عيسى ابن مريم يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله ولم يكن من أب كما يكون البشر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. خلقه: أي آدم من تراب، ثم قال له: كن فيكون، ولهذا سمي عيسى بالكلمة؛ لأنه كان بكلمة الله وليس هو كلمةَ الله؛ لأن كلمة الله وصف لله ، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون

стр. 233

وصف الله عينًا بائنة منه (١). وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، بيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة هنا ليست بعضًا من الله بل منشؤها منه. ﴿وَسَيِّدًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فتكون منصوبة على الحال، والسيد مَنْ ساد غيره وشرف عَليه بالعلم والدين والخلُق والمعاملة، وقولنا الخلق: يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، فيكون جامعا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق. وكذلك أيضًا قال في وصفه ﴿وَحَصُورًا﴾ حصورًا معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهي منصوبة على الحال، (حصورًا) فعول بمعنى فاعل أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله: ﴿سَيِّدًا﴾ ومبرَّأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه قوله: (حصورًا)، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، وهو أمر نسبي. وأما من قال من المفسرين: إن الحصور هو الممنوع عن إتيان النساء يعني لا يستطيع على النساء؛ فإن في هذا نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان علي النساء ليس كمالًا إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب. وفيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء من لا تحل له فيكون وصفًا له بكمال العفة، وهذا يمدح عليه الإنسان. لكن ما قلناه أشمل من هذا القول. ومعلوم أنه إذا وجد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل لا العكس.

стр. 234

﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. هذه معطوفة أيضًا على ﴿مُصَدِّقًا﴾، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فهاهو محمد ﵊ مصدق بجميع الأنبياء وهم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي ﵊: "لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتِّباعي" (١)، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، وإذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي ﵊. المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدق بالأنبياء، ولهذا قال: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، فالنبوة صلاح وزيادة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة. من فوائد الآيتين الكريمتين: من فوائد قوله : ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. ١ - أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.

стр. 235

٢ - إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر أن يرزقه، فيكون الانتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس؛ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا. ٣ - أن الصيغة التي يتوسل بها غالبًا في الدعاء هي اسم الرب لقوله (ربه)، ولم يقل: (الله)، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية لأنها فِعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا باسم الرب، قال النبي ﵊: "يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، يا رب" (١). ٤ - أن زكريا ﵊ بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، يؤخذ من قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ٥ - يستفاد من قوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا، حيث أضاف الهبة إلي الله ، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله ﷺ فيما علمه أبا بكر، الدعاء الذي يدعو به في صلاته، قال: "فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني" (٢).

стр. 236

٦ - أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة. ٧ - أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة، ومنها الدعاء؛ دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله عن الرجل يبلغ أشده أنه يقول: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة وفي الممات؛ لقول النبي ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١). ٨ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الغفور وبالرحمة، والداعي بالرزق يتوسل باسم الرزاق وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾، يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ دعاء المسألة أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه (غفور) فتعرَّض لمغفرته، وإذا علمت أنه (رحيم) كذلك وهكذا. ٩ - إثبات سمع الله وكرم الله وقدرته.

стр. 237

وجه ذلك: أنه يسمع الدعاء، ويجيب من دعاه، وقادر على الإجابة. فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه، وهنا زكريا ﷺ يقول: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. فالجواب: أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء؛ إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي، فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].فإذا دعا الإنسان ربَّه وقلبه لاهٍ يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل، لكن قلبه مشغول بشيء آخر، فهذا فيه سوء أدب مع الله، فهنا قد تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط. ومن الموانع: أن يكون الإنسان آكلًا للحرام والعياذ بالله، فإن أكل الحرام من أكبر موانعِ إجابة الدعاء؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالي ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب -أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء- ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأني يستجاب لذلك" (١) -والعياذ

стр. 238

بالله- أستبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا قد تخلفت إجابة الدعاء لوجود مانع. وقد تكون لمصلحة الداعي يدخر الله له عنده أعظم مما سأل، أو يعلم الله أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه مثل أن تكون إجابته سبب لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر؛ فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك: لم يستجب له، فزال الإشكال الذي قد يرد على قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وبقي أيضًا إشكال آخر: وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعو به إن كان قد كتب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، فنجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله، لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٠]، فكيف يأمر الله بأمر لا فائدة منه؟ هذا مستحيل! ثم نقول: الشيء يكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بالدعاء. وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يرد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هذا لا يقوله عاقل، بل نقول: إن الله قدر الولد بالنكاح، فتزوج يأتك الولد، وهكذا الدعاء. إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب في حصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله

стр. 239

تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك مقرونًا بهذا السبب -أي بالدعاء- فيكون الدعاء مقدرًا والمدعو به مقدرًا من عند الله ، لكن أنت لا تدري فعليك فعل السبب، ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، فإذا رفعت يديك إلى ربك يا رب، هذا ذلٌّ وخضوع لله ، وهو من أجلِّ العبادات. ومن فوائد قوله : ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ١ - إثبات الملائكة، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله لما أعدَّهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وأخبر النبي ﵊ بقوله: "أطَّت السماء وحُق لها أن تئط -الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملًا ثقيلًا- ما من موضع أربع أصابع إلا وفيه مَلَك قائم لله أو راكع أو ساجد" (١). وإنكارُ الملائكةِ حكْمُهُ الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن. لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول فيهم ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير، والشياطين هي قوى الشر، فأجعلهم معانٍ لا ذوات. نقول: هذا أيضًا إنكار لهم؛ لأن الله قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ

стр. 240

رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١] كيف تكون قوى ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾؟ ! ٢ - أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. ٣ - جواز تكليم المصلي من قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، لكن المكلَّم وهو يصلي لا يخاطب الآخر وإنما يجيبه بالإشارة. والأفضل تركه إلا لحاجة، وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه وربما ينسى ويخاطبك. ٤ - مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾، وهذا أمر مشروع في نوعه وجنسه؛ ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، قال الله في إسماعيل: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] وفي إسحاق ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]. ٥ - يستفاد من هذأ أَيضًا جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مُهيَّأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع. ٦ - الثناء على من صدَّق المرسلين؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدَّق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود حتى في الأمور الدنيوية، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال وسفه في العقل وضلال في الدين.

стр. 241

٧ - أن يحيى ﵊ سيكون سيدًا، وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق. ٨ - أن يحيى ﵊ مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه كان ممنوعًا من مساوئ الأخلاق؛ لقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ فإن أصح وأعم ما قيل فيه أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق. ٩ - أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾ وكل من وصف بالنبوة في القرآن الكريم فإنه رسول، قال الله تعالي: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، وقال تعالي: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصه بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول. ١٠ - أن الأنبياء من الصالحين بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: وهي النبوة، والصديقية، والشهادة، والصلاح، هذا إذا ذكرت جميعًا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعًا صار الصلاح عامًا؛ لقول النبي ﷺ : "إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد سلمتم علي كل عبد صالح في السماء والأرض" (١).

стр. 242

• ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤٠ - ٤١]. قال لما بشره الله : أنى يكون لي غلام وقد بلغني، يعني كيف؟ ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنا نعلم أن زكريا ﵊ قد آمن بما بشره الله به ولا يمكن أن يستبعده، ولكنه قال ذلك من أجل التثبت، ذلك أن الإنسان ناقص في الإدراك والعلم، يحتاج إلى شيء يثبت له الأمور. وإبراهيم ﵊ لا شك أنَّه يؤمن إيمانًا كاملًا بأن الله يحيي الموتى ومع ذلك قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، لأنه ليس الخبر كالمعاينة. وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. قال: ﴿غُلَامٌ﴾ مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر لا يعصر، فعبَّر عن الشيء بما يؤول إليه. ثم قال: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. الواو هذه يسميها العلماء واو الحال؛ يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، فهي حال من الياء في قوله: (لي).

стр. 243

﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾، يعني وصل إلي الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر. وهنا يقول: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغته، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾؛ يعني أصابني. وعادةً أن الكبير إذا لم يولد له في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلَّ إنجابه؛ فيقول: كيف لما كنت شابًا لا يأتيني ولد والآن يأتيني الولد. قوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. امرأته عاقر؛ عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظة مذكر لكن معناها هنا مؤنث، وتطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين ليس بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾. يجوز عندي فيها وجهان: الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك؛ يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء.

стр. 244

والوجه الثاني: أن تكون في موضع نصب على المفعولية المطلقة؛ أي: مثل ذلك الفعل ليفعله الله، لأنه يفعل ما يشاء، وكلا الوجهين صحيح، فإنه سيكون له ولد ولو كان بلغه الكبر ولو كانت امرأته عاقرًا؛ لأن الله يفعل ما يشاء. فكل ما شاءه فعله؛ لأنه لا يمنعه مانع كما نقول نحن في دبر كل صلاة: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت" (١)، فالله يفعل ما يشاء؛ لأن له الملك المطلق في خلقه، فلا أحد يمنعه ولا أحد يسأله لمَ فعلت؟ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. فلما أيقن بأن الله تعالى سيهب له الولد ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أي صيّر لي علامة تدل على هذا الولد، وأنه بدأ ينشأ ليزداد طمأنينة فيما بشره الله به. والآية في اللغة: العلامة، وآيات الله كونية وشرعية، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أيدوا بالآيات الدالة على صدقهم، الآيات الكونية والآيات الشرعية. وكثير من الناس يسمي آيات الأنبياء معجزات، وهذه التسمية وإن اشتهرت على الألسن لكنَّ فيها قصورًا، والتعبير الصحيح السليم أن نسميها آيات كما سمَّاها الله، نسمي ما يحصل من خوارق العادات على أيدي الأنبياء؛ نسميها آيات، ولهذا لا تجد آية في القرآن سمى الله فيها هذه الخوارق معجزات أبدًا، بل كان يسميها آيات.

стр. 245

والمعجزات لو أخذناها على ظاهرها لشملت ما يأتي به السحرة وما تأتي به الجن؛ لأن ما يأتي به السحرة أو الجن معجز. ﴿قَالَ آيَتُكَ﴾. يعني الآية التي تدلك، فأضافها إلى زكريا مع أنه ليس هو الذي أوجدها، لكن لأنها علامة له. ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. آيتك: يعني العلامة التي أعطيك إياها ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا، يعني لا تخاطبهم إلا رمزًا ثلاثة أيام بلياليها، بدليل قوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، وقوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ إلا: هذه أداة استثناء. والمفسرون قد اختلفوا، فبعضهم قال: الاستثناء هنا متصل فتكون الإشارة من الكلام؛ لأن الكلام هو ما يعبر عما في النفس من قول أو إشارة أو كتابة، وبعض المفسرين يقول: إن الاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس بكلام، ولذلك لو رمز الإنسان في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كانت كلامًا لبطلت؛ لقول النبي ﵊: "إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس" (١). فمن نظر إلى المعنى قال: إن الرمز كلام؛ لأنه ينبئ عما في النفس، وقد اعتبر الشارع الإشارة، أليس النبي ﵊ قتل اليهودي بإشارة الجارية الأنصارية التي قالت حينما قالوا لها: من قتلك؟ فلان؟ فلان؟ فلان؟ فأشارت:

стр. 246

نعم (١)، فاعتبر الإشارة. ولا شك أن الإشارة تعبر عما في النفس لكنها ليست القول الذي هو الصوت، فمن لاحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لاحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذه آية: أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا الشيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لم تأته آفة ولا علة في لسانه، ثم لا يستطيع أن يكلم الناس، هذه آية. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾. أمره الله تعالى بأن يذكر ربَّه كثيرًا؛ لأنه بذكر الله تطمئن القلوب ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الأمر بالذكر كثيرًا أن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس، بشَّره بأنه لن يَمْتنع من ذكر الله الذي هو أجل وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم. فأراد الله تعالى أن يسري عنه وأن يذهب عنه ما قد يقع في قلبه، فقال له: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: واذكر ربك، فأمره بذكر الله ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادة خاصة مأمورًا بها. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ هل (كثيرًا) صفة لزمن محذوف، أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟

стр. 247

الثاني كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، العشي: آخر النهار، والإبكار: أول النهار وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وقال تعالى: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبل النهار، وفي العشي مستدبر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته -أوله وآخره- بذكر الله. والعشي يبتدئ من زوال الشمس بدليل حديث أبي هريرة ﵁ صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي (١) وهي: إما الظهر واما العصر؛ وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح. نعم المساء يطلق من صلاة العصر إلى منتصف الليل. وأما العشي فهو آخر النهار. وقوله تعالى: ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ الإبكار ليست جميعًا لبكر؛ لأن جمع بكر أبكار كسبب وأسباب، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار، وقوله ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ يشمل تنزيه الله عن كل ما لا يليق به. وتسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة الغيب، وعن نقص في كمال، وعن

стр. 248

مماثلة المخلوقين؛ والمماثلة: هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فالنقص كقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]. والتسبيح: يكون بالقول ويكون بالفعل؛ فكل من عبد الله فقد سبَّحه بالقول وبالفعل وإن لم يكن فيها كلمة: "سبحان" إلا أن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن يعبده، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبحًا له عن النقص. ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. الباء في قوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ يحتمل أن تكون للاستيعاب؛ يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقت بالتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، فهم لا يمرون عليهم كل الليل بل يمرون في أوله أو في آخره أو في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فالمعنى أن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كليهما بالتسبيح. من فوائد الآيتين الكريمتين: من فوائد قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ

стр. 249

الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. ١ - أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا ﵊ لم يشك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين، وخبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين. ٢ - جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. ونظيره أن رسول الله ﷺ قال: "أما أبو جهم فلا يضع العصى عن عاتقه" (١)، وهذا من باب المشورة, ولكن لم يقصد الرسول ﷺ أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان على بصيرة. ٣ - إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ومذهب أهل السنة والجماعة: إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره؛ أفعال الله الاختيارية: يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره مثل الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين، ويقولون بلا شك: إنَّ الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل، وغالبُ الأشاعرة إن لم أقل كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي, ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره، إلى آخر ما يقولون في

стр. 250

نفي الأفعال الاختيارية، وعلتهم أوهى من أي علة حيث قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله أزلي أبدي. فيقال لهم: أولًا: من قال لكم أن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، فهذا قياس عقلي فاسد، فإن الحوادث لا يلزم أن لا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدِث سابق عن الحدث، وإذا كان المحدِث سابقًا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدِث حادثًا، أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث وقت حدوثه وأنت موجود من قبل، فالرب يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها وهو لم يزل موجودًا. لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله لا يفعل أي فعل، معطل عن الأفعال، وهذا عيب؛ لأن من يفعلُ أكملُ ممن لا يفعلُ باتفاق الناس، وليس يعتري الله من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه، والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. والنصوص في هذا كثيرة، والحمد لله أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بها. ٤ - إطلاق الجمع على الواحد، على أن قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ يدل على أن القائل واحد، وأن قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ , ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني واحدًا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك. ٥ - إثبات المشيئة لله ؛ لقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾. وهي مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
следующие страницы →