نعم (١)، فاعتبر الإشارة. ولا شك أن الإشارة تعبر عما في النفس لكنها ليست القول الذي هو الصوت، فمن لاحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لاحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذه آية: أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا الشيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لم تأته آفة ولا علة في لسانه، ثم لا يستطيع أن يكلم الناس، هذه آية.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾.
أمره الله تعالى بأن يذكر ربَّه كثيرًا؛ لأنه بذكر الله تطمئن القلوب ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الأمر بالذكر كثيرًا أن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس، بشَّره بأنه لن يَمْتنع من ذكر الله الذي هو أجل وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم. فأراد الله تعالى أن يسري عنه وأن يذهب عنه ما قد يقع في قلبه، فقال له: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: واذكر ربك، فأمره بذكر الله ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادة خاصة مأمورًا بها.
وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ هل (كثيرًا) صفة لزمن محذوف، أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟
стр. 247
الثاني كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، العشي: آخر النهار، والإبكار: أول النهار وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وقال تعالى: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبل النهار، وفي العشي مستدبر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته -أوله وآخره- بذكر الله.
والعشي يبتدئ من زوال الشمس بدليل حديث أبي هريرة ﵁ صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي (١) وهي: إما الظهر واما العصر؛ وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح. نعم المساء يطلق من صلاة العصر إلى منتصف الليل. وأما العشي فهو آخر النهار.
وقوله تعالى: ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ الإبكار ليست جميعًا لبكر؛ لأن جمع بكر أبكار كسبب وأسباب، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار، وقوله ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ يشمل تنزيه الله عن كل ما لا يليق به. وتسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة الغيب، وعن نقص في كمال، وعن
стр. 248
مماثلة المخلوقين؛ والمماثلة: هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فالنقص كقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
والتسبيح: يكون بالقول ويكون بالفعل؛ فكل من عبد الله فقد سبَّحه بالقول وبالفعل وإن لم يكن فيها كلمة: "سبحان" إلا أن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن يعبده، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبحًا له عن النقص.
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
الباء في قوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ يحتمل أن تكون للاستيعاب؛ يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقت بالتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، فهم لا يمرون عليهم كل الليل بل يمرون في أوله أو في آخره أو في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فالمعنى أن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كليهما بالتسبيح.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
من فوائد قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ
стр. 249
الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
١ - أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا ﵊ لم يشك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين، وخبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين.
٢ - جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾.
ونظيره أن رسول الله ﷺ قال: "أما أبو جهم فلا يضع العصى عن عاتقه" (١)، وهذا من باب المشورة, ولكن لم يقصد الرسول ﷺ أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان على بصيرة.
٣ - إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ومذهب أهل السنة والجماعة: إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره؛ أفعال الله الاختيارية: يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره مثل الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين، ويقولون بلا شك: إنَّ الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل، وغالبُ الأشاعرة إن لم أقل كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي, ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره، إلى آخر ما يقولون في
стр. 250
نفي الأفعال الاختيارية، وعلتهم أوهى من أي علة حيث قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله أزلي أبدي.
فيقال لهم: أولًا: من قال لكم أن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، فهذا قياس عقلي فاسد، فإن الحوادث لا يلزم أن لا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدِث سابق عن الحدث، وإذا كان المحدِث سابقًا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدِث حادثًا، أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث وقت حدوثه وأنت موجود من قبل، فالرب يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها وهو لم يزل موجودًا. لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله لا يفعل أي فعل، معطل عن الأفعال، وهذا عيب؛ لأن من يفعلُ أكملُ ممن لا يفعلُ باتفاق الناس، وليس يعتري الله من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه، والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. والنصوص في هذا كثيرة، والحمد لله أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
٤ - إطلاق الجمع على الواحد، على أن قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ يدل على أن القائل واحد، وأن قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ , ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني واحدًا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
٥ - إثبات المشيئة لله ؛ لقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾. وهي مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
стр. 251
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
١ - جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودًا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
٢ - تمام قدرة الله بخوارق العادات، فإن كون زكريا ﵊ لا يكلم الناس إلا رمزًا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
٣ - أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشِّر به, والآية كانت على العكس؛ كانت إعدام موجود وهو الكلام.
٤ - أن الإشارة تقوم مقام العبارة؛ لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ وهذه الفائدة مبنية على أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، ووجه المأخذ: أن الاستثناء هنا منقطع، فلا يكون كلامًا لكنه يقوم مقامه عند العجز، وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام ولاسيما عند العجز.
٥ - أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله ؛ لأنه لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزًا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزًا سوف لا يكون حريصًا على مكالمتهم لئلا
стр. 252
يَتعب أو يُتعب، لذا أمره الله فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
٦ - فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين العشي آخر النهار والإبكار أول النهار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
٧ - أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونًا بالتسبيح إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر، يعني قال: اذكر ربك وسبح، ولكن في الذكر قال: كثيرًا، وفي التسبيح قال: بالعشي والإبكار، فهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار؟ أو نقول: إنه متقيد لكن نكثر منه؟ يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١, ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضًا فيه فائدة، وهي أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢, ٤٣].
الواو حرف عطف، و (إذ) نقول فيها مثل ما قلنا في السابق، في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل
стр. 253
على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس، وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا وعيسى فيما بعد؛ لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي ﷺ وهم من النصارى، فأراد الله أن يبيِّن لنبيه ﷺ قصة المسيح ومن حوله كاملة، حتى يتبين له الأمر تمامًا، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى كان عنده علم أفضل مما عندهم.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾.
الملائكة: المراد بهم الجنس, إذ ليس المراد كل الملائكة بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل.
﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾.
ونداؤها باسمها نوع من التكريم، إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها -الاسم العَلَم - تكريمًا لها.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي اختارك, وذلك لأن "اصطفى" أصلها "اصتفى" بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاءً، وهي مأخوذة من الصفوة، أي جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها من عدة وجوه:
منها: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] , مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت. ومنه أي مِن اصطفائه لها أنه أنبتها نباتًا حسنًا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين، وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية. ومن اصطفائه لها أيضًا أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء، حتى تتربى في بيت نبوة.
стр. 254
وقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ الظاهر أنه طهرها من الأرجاس المعنوية، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائمًا في عبادة الله كما سيتبين إن شاء الله.
ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾:
الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ميَّزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمَّل، وقد أخبر النبي ﷺ أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسيا امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (١).
فهي من النساء الكمَّل ﵂، ولها قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ وهل المراد نساء العالمين في زمنها؟ لأن النساء اللاتي في زمن النبي ﷺ لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟ فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانها، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]، وهذه الأمة أفضل.
стр. 255
ثم قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
هذا من خطاب الملائكة أيضًا، تقول لها: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ , والقنوت هو دوام الطاعة, واللام في قوله (لربك) للاختصاص: أي قنوتًا خالصًا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله .
وقوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ الربوبية هنا ربوبية خاصة, تختص بمن خصَّها الله به، وتفيد تربية وأكثر اعتناء واختصاصًا من الربوبية العامة.
وقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ الواو حرف عطف, واسجدي: يعنى السجود المعروف، وقد ثبت عن النبى ﷺ أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعضاء (١)، وعطف السجود على القنوت من باب عطف الخاص على العام.
وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته، ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة, لذلك كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الركوع معروف وهو انحناء الظهر، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطب بالصلاة مع الجماعة، لكن: كوني فى جملة الراكعين الذين يركعون لله ، وفي قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل مع الراكعات مع
стр. 256
أنها امرأة؛ لأنَّ الكُمَّل من الرجال أكثر من الكمَّل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث.
وقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ قدَّم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدَّمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - تعظيم شأن مريم عليها الصلاة والسلام حيث أمر الله نبيه أن يذكر قصتها لهذه الأمة؛ لأنه قلنا: ﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره (واذكر إذ قالت).
٢ - فضيلة مريم حيث خاطبتها الملائكة بقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
٣ - دليل على ما ذهب إليه بعض أهل العلم أن مريم نبية؛ لأن الملائكة أوحت إليها وقالت: إن الله اصطفاك ... إلخ، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأنه ليس بصريح في أنها نبئت، ومجرد خطاب الملائكة لها لا يثبت نبوتها؛ لأن النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون، بل لمن أوحي إليه بشرع وهي لم يوحَ إليها بشرع، فالأمر ليس بصريح، ولدينا آية تدل على أنه لا يبعث من النساء نبية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ وإلا تفيد الحصر، فتدل على أنه لا يمكن أن تكون امرأة من النساء نبية، وكذلك أيضًا قول النبي ﵊ حين بلغه أن الفرس أمروا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم
стр. 257
امرأة" (١)، فكيف يمكن أن يرسل الله تعالى امرأة ليفلح الناس على يديها. صحيح أن المرأة تكون عالمة، وتكون داعية كما هو الواقع، أما أن تكون نبية يوحى إليها لتتولى السلطة كما يقولون التشريعية والتنفيذية فهذا بعيد، فالصواب أن مريم من الصالحات القانتات، وليست من الأنبياء والرسل.
٤ - أن الله تعالى يصطفي من الناس من يشاء؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾، أي اختارك اختيارًا لم يشاركها فيه أحد؛ لأنها صارت خادمة لبيت المقدس مع أنه لا يخدمه عندهم إلا الرجال، فهذا نوع من الاصطفاء.
٥ - براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًا؛ لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، واليهود -قبَّحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه وقتلوه إثمًا لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا به عيسى وصلبوه ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] , قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] , فكانوا قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن.
٦ - أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة، أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل معنيين: إما أن المراد نساء العالمين في زمنها ويكون قول الرسول ﷺ : "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من
стр. 258
النساء إلا آسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد" (١)، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلَّغت مريم ما بُلِّغت به.
٧ - جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله ، وهي أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفات الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمالات، وصفات النفي نقائص تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة.
٨ - بيان أنه كلما منَّ الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، أمرتها بالقنوت والسجود والركوع، فدلَّ هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات.
٩ - فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة، والخشوع، والاشتغال بالطاعة عما سواها. ولهذا لما نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها.
стр. 259
١٠ - فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع أنه من القنوت لكن لفضيلتهما نصَّ عليهما.
١١ - جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾، ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدّم فيها السجود، وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع، نقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نصَّ على السجود وبدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع كما ذكرناه في أثناء التفسير.
١٢ - أن العُبَّاد من الرجال أكثر من العباد من النساء؛ لقوله ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، ولم يقل: مع الراكعات إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء، ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (١).
* * *
• ثم قال الله : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من ذكر قصة زكريا وقصة مريم.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي: من أخبار الغيب، أي: من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم, وليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه يعلمونه لكن المراد لا يعلمه النبي ﷺ
стр. 260
ولا قومه، كما قال الله تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] إذن هي غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهد، ولكن الرسول ﵊ وقومه كانوا أميين لا يعلمون شيئًا عن الأمم السابقة، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ما أوحى من أخبار السابقين، التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله.
وقوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيًا، ولكنه في الشرع: إخبار الله لنبي من أنبيائه بما يشاءه من شرعه، هذا الوحي، ثم إنْ كلَّفه بتبليغه كان رسولًا، وإلا كان نبيًا.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي: ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه.
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ إذ: أى حين، وهي متعلقة بقوله: ﴿كُنْتَ﴾ يعني: ما كنت في ذلك الوقت عندهم، إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وقوله: ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ اختلف العلماء في تفسيرها، فقيل: إنها على ظاهرها أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلمًا لأنها تشبهه في الاستطالة، ودقة الرأس، وظاهر القرآن أن المراد بالأقلامِ الأقلامُ حقيقةً التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة
стр. 261
الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ كيف ألقوا هذه الأقلام، المعروف أنهم ألقوها في النهر، في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، والقرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ الله أعلم بكيفيته، من باب الاقتراع -يعنى قرعة-، أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لزكريا كما قال تعالى في أول القصة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
يعني ما كنت عندهم أيضًا في حال اختصامهم، أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام الظاهر أنه قبل إلقاء الأقلام، لكن أُخِّر في الذكر لمناسبة رؤوس الآيات ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على أنه قد يقال: إن الله ذكر النتيجة قبل المقدمة وقبل السبب؛ لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والسهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها، فقالوا: لتُسْهم بإلقاء الأقلام، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ هذا كالدليل في قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك، وأيضًا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، وكأنه حاضر وهو كذلك؛ لأن أخبار الله أشد ثبوتًا وحقيقة مما يُرى في العين.
стр. 262
• ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥].
قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ يعني اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، والمراد جنس الملائكة، والمشهور أنه جبريل.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ سبق أن معنى البشارة في الأصل الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء، بجامع أن كل ما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها.
وقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به كما تقول: بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به.
والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، كما تقول: بشرته بالقول لا بالكتابة، أي: أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم، فالوجهان محتملان.
أما على الاحتمال الثاني فلا إشكال أن تقع البشارة بالنطق. لكن على الوجه الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟ أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة؛ لأنه كان بالكلمة لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكنه لم يأتِ بالنكاح بل أتى بالكلمة، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
стр. 263
خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] , فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة، وفي هذه الآية إشكال آخر إذا قلنا إن الكلمة تعني المبشَّر به، فما معنى (منه) , فإن (مِنْ) لها معان منها التبعيض، كما قال ابن مالك ﵀ في الخلاصة.
بَعِّض وبيِّن وابتدأ في الأمكنة ... بمن وقد تأتي لبدء الأزمنة
الشاهد قوله: (بَعِّض) فإن مِنْ تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قالت النصارى، الجواب: لا، ليس بعضًا من الله؛ لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي البعضية إلا من في قلبه زيغ، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه فى هذه الآية، اتبع المتشابه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] قال: هذا كلام الله يقول: ﴿إِنَّا﴾، و ﴿إِنَّا﴾ تفيد الجمع، فاتبع المتشابه، انتصارًا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وما أشبهها التعظيم لا التعدد، كذلك هنا ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾: لا يقتضي أن يكون عيسى بعضًا من الله ؛ لأنَّك إن ادعيت أنه بعض من الله، فلتدَّع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، بل هو بشر له جسم وروح يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ ! لا. إذن فيتعين أن تكون (مِنْ) إما ابتدائية وإما بيانية؛ يعني بكلمة صادرة من الله بأن قال: كن فكان، نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] هل يدعي أحد أن ما في السموات وما في
стр. 264
الأرض بعض من الله، لا، حتى النصراني لا يدعي ذلك لكن هنا (مِنْ)، إما للابتداء يعني ابتداء التسخير من الله أو للبيان، بيان مَن المسخِّر، أو مَنْ جاء بهذا التسخير.
قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، اسم: مبتدأ، والمسيح: خبر، وعيسى: خبر ثاني، وابن مريم: خبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صحَّ، اسمه عيسى صحَّ، اسمه المسيح، صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر لفسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو، لم يصح، ولو قلت: البرتقال حامض، لم يصح، ولم يؤدِ المعنى الذي يؤديه قوله: البرتقال حلو حامض يعني: جامع بينهما، فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض: حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] فهذه خمسة أخبار، هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العلم، التي أشار إليها ابن مالك بقوله:
واسمًا أتى وكنية ولقبا ... وأخِّرن ذا إن سواه صحبا
أي: الاسم عيسى، واللقب: المسيح، والكنية: ابن مريم. هذه الكلمات الثلاثة قد جمعت أنواع العلم الثلاثة:
стр. 265
الاسم، واللقب، والكنية، لكن يبقى عندنا إشكال فى قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب إن سواه صحبا، فإنه في الآية الكريمة قدَّم اللقب فيبقى إشكال إذن: كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟ من المعروف أن علماء النحو ﵏ لا تضيق عليهم أبدًا، يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، قالوا: الجواب عن الآية: أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم أو كالاسم جاز أن يقدم، ولهذا نجد فى كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل, المسيح عيسى ابن مريم على وزن المسيح ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، للاشتهار, إذن لا إشكال فيه، قال: إنما ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ واختار الله تعالى له اسم المسيح؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدًا إلا بإذن الله .
والمسيح فعيل بمعنى فاعل، إلا على قول من يقول: إن المراد بذلك المسح من الجمال, فهذا يكون بمعنى مفعول.
﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ولم ينسبه إلى أب، لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ الجواب: إشارة إلى أن لا يقول قائل إنه ينسب إلى كافله زكريا، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه، عيسى ابن مريم.
﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
стр. 266
قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ هذه منصوبة على الحال، حال من المسيح أي: حال كونه وجيهًا في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه؛ وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك ﵊، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأولو العزم هم أعظم الناس جاهًا في الدنيا والآخرة، كما قال الله ﵎ عن موسى ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فلأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم بأعلى درجات الجنة، ولهم بالآخرة مقامات لا تكون لغيرهم.
فإن قيل: من هم أولو العزم من الرسل؟ فالجواب: أنهم أولو الحزم في الأمور والصبر عليها.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] والمشهور في (من) في هذه الآية أنها للتبعيض، وأن أولو العزم هم الخمسة الذين ذكروا في آيتين من القرآن الكريم، وبعضهم جعل (مِنْ) بيانية، وعلى هذا يكون جميع الرسل من أولي العزم، لكن المشهور الأول.
وهم مذكورون في آيتين من القرآن.
الأولى: في سورة الشورى قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].
والثانية: في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ
стр. 267
النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧].
وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، هذا وصف ثالث، أنه من المقربين إلى الله في الدنيا والآخرة؛ لأن المقرب يكون مقربًا في الدنيا ويكون كذلك مقربًا في الآخرة, فعيسى ابن مريم ﵊ كان وجيهًا في الدنيا والآخرة، وكان من المقربين إلى الله . وهل هذا الوصف حاصل لغيره من الأنبياء؟ الجواب: نعم، أولو العزم من الرسل لا شك أن لهم وجاهة في الدنيا والآخرة وأنهم مقربون إلى الله.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦ - ٤٩].
قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾.
الواو حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر, وأصل المهد أو المهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه، وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله ؛ لأن
стр. 268
العادة التي أجرى الله البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، أما في المهد فلم يتكلم إلا ثلاثة، منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله: ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٧ - ٣٣]، كلام من أفصح الكلام وأعظمه، وهو في المهد، وهذا من آيات الله الدالة على قدرته، ولهذا كانت آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر حول خوارق العادات في الأمور الكونية؛ فهو نفسه آية خُلِقَ بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا، ويبرئ الأكمه والأبرص ولا أحد يبرئهما من الأطباء، ويحيي الموتى ويخرجهم من القبور، قال أهل العلم: لأنه بعث في زمن ترقَّى فيه الطب ترقيًا عظيمًا، فجاء بآيات من جنس الآيات التي فيها إعجازهم، ومن جنس الأعمال التي يعملونها؛ ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز، كما جاء موسى ﵊ بالعصا واليد التي تبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد ﷺ بكلام هو أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده، حتى يعجز هؤلاء البلغاء ويتبين أنه ليس من كلام البشر.
стр. 269
قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾.
يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، وفي هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة، وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل؛ يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد كلام أطفال، بل كلامه فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو كهل.
قال: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وهو من الصالحين، وسبق لنا أن الصالح من صلحت سريرته وعلانيته، يعني ظاهره وباطنه، باطنه: بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك.
وظاهره: بالمتابعة للرسول ﵊ وعدم الابتداع، فهو ﵊ من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل: سرائرهم وعلانيتهم.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا إن الله يبشرك وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه فقالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾، وتأمَّل هذا الاستعطاف منها حيث قالت: ﴿رَبِّ﴾ ومعلوم أن كلمة رب هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف وأصلها (ربِّي أنَّى يكون لي ولد).
وقولها: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ هذا استفهام يعني: من أين يكون لي الولد ولم يمسسني بشر, وهذا الاستفهام ليس على
стр. 270
سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ولم يكن ذلك عن شك.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الجملة حالية؛ يعني والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني؛ لأن المس يطلق على الجماع؛ ويكنى به عنه كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: تجامعوهن، ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فمن أين يكون الولد؟
﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾، قال الله لأنها نادت الله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ﴿. . . قَالَ كَذَلِكِ﴾، يعني الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره (الأمر) وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف فتقول: كذلك، ثم تبتدئ فتقول: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]، وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت، يعني الأمر مثلما وقع تمامًا.
وقوله : ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة يخلق خبر؛ أي: أن الله سبحانه يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى ﵊ جاء على خلاف العادة، لكن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب -أي خلق آدم من تراب- ثم قال له كن فيكون، فالله على كل شيء قدير.
وقد ذكر أهل العلم أن البشر منهم من خلق بلا أم ولا
стр. 271
أب، ومنهم من خلق من أم بلا أب, ومنهم من خلق من أب بلا أم، وأكثر الخلق من أم وأب.
فالذي خلق من غير أم ولا أب (آدم)، ومن أب بلا أم (حواء) امرأة آدم، ومن أم بلا أب (عيسى) وسائر الناس من أب وأم.
﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، أي: الذى يشاء كمًّا وكيفًا وعلى سبب معلوم وعلى سبب غير معلوم، فالله سبحانه لا معقب لحكمه، يخلق ما يشاء، قلنا: بالكمية والكيفية والسبب المعلوم والسبب غير المعلوم وأيضًا النوعية؛ والنوعية ما أكثر أنواع الخلق لا يحصيها الإنسان فضلًا عن أفرادها، وما أكثر الخلق، لو أردت أن تحصي الخلائق ما استطعت، والله تعالى قد أحصاهم ورزقهم وأمدهم وأعدَّ كل مخلوق لما خُلق له، قال فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩, ٥٠]، كل شيء أعطاه الله خلقه المناسب له ثم هداه لما خلق له. انظر أحيانًا تفتش الكتاب للمراجعة فتجد فيه حيوانًا لا يدركه البصر إلا بكلفة! مَنْ خلقه؟ الله، ومَنْ أعده للرزق؟ الله. ومن أمده برزقه المناسب له؟ هو الله ، فما بالك بالخلق الكثير الذي هو أكبر من هذا بكثير؟ ! فالحاصل أن الله يخلق ما يشاء كمًّا وكيفًا ونوعًا، وبسبب معتاد وبسبب غير معتاد، لا حَجْرَ على الله ، يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء.
﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿إِذَا قَضَى﴾، قضى: أي قضاءً كونيًا؛ لأن القضاء له معنيان
стр. 272
كوني وشرعي، فمن أمثلة الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومن أمثلة الكوني قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]، قضينا شرعًا أو كونًا؟ الجواب: كونًا، ولا يصح شرعًا؛ لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد أبدًا، فهو لا يحب الفساد لكنه قضاء كوني.
والفرق بين القضاءين الكوني والشرعي:
القضاء الشرعي:
١ - أن القضاء الشرعي متعلق بما يحبه الله من فعل المأمور أو ترك المحظور.
٢ - القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، قد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع.
القضاء الكوني:
١ - القضاء الكوني يتعلق فيما أحبه الله وفيما لا يحبه الله.
٢ - القضاء الكوني لابد أن يقع من المقضي عليه.
فصار الفرق أول شيء وجهين، وعندما نذكر الشيء وضده تكون أربعًا.
ومن أمثلة القضاء الكوني: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤].
أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] فهو شامل للكوني والشرعي. حتى الكوني الذي يقضيه الله وإن كان شرًّا لكنه في المفعولات، أما في نفس القضاء فهو حق.
стр. 273
يقول الله : ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ "أمرًا" مفرد جمعه أمور أم أوامر؟ .
الجواب: أمور؛ لأن المراد بالأمر هنا الشأن يعني: إذا قضى شأنًا -أي شأن من الشؤون- فإنما يقول له كن فيكون، لا يحتاج إلى عمل ولا إلى آلات ولا إلى أي سبب، كل الخلائق مسلمة لله : ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣]، تنتظر الأوامر، إذا صدر الأمر من الله كان المأمور.
الأمر الكوني: يقول كن فقط فيكون. قال الله تعالى عن البعث؛ بعث الخلائق كلها: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]، وبيَّن الله تعالى في سورة القمر كيف هذا الأمر هل يكرر؟ هل يتأخر المأمور؟ فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠]، لا يوجد تكرار -واحدة- ولا يتأخر المأمور ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، يعني لو شاء ربنا لأمر هذه الأرض أن تزول ومن فيها بلحظة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذه القدرة التامة العظيمة التي لا تنسب قُدرة الخلق إليها. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، الفاء هذه تفيد الترتيب وإن شئت فقل: تفيد السببية، فإن قلت: إنها تفيد السببية فاقرأها بالنصب، وإن قلت: إنها تفيد الترتيب فاقرأها بالرفع، وكلتا القراءتين سبعية صحيحة (أن يقول له كن فيكونَ)، ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فعلى قراءة الرفع تكون استئنافية، والفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب (كن فهو يكونُ) في الحال، وعلى قراءة النصب تكون الفاء للسببية، فكأن الكون مسبب عن
стр. 274
القول، ومعلوم أن المسبب يأتي مقارنًا للسبب .. على قراءة النصب (كن) سبب، و (فيكون) مسبب، ومن المعلوم أن المسبب يأتي عقب السبب فورًا؛ لأنه سببه، والسبب مقارن للمسبب، وعلى هذا فتكون كل من القراءتين مفيدة لمعنى غير المعنى الثاني، لكنهما متلازمان.
هنا مسألة: إذا قال الله: ﴿كُنْ﴾ فهل يقول: ﴿كُنْ﴾ فقط فيقع الشيء على مراد الله، أو لابد أن يقول كن ويبين ما يكون؟ لننظر في حديث القلم، لما خلق الله القلم قال له: اكتب. هل كتب أم لم يكتب؟ لم يكتب، بل قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة (١)، فالظاهر -والله أعلم- أن الشيء إذا قال الله له كن فلابد أن يعين ماذا يكون، بدليل حديث القلم، ولكنه إذا عين ما يكون فلابد أن يكون الشيء على ما عيِّن، فالقلم لا يعلم الغيب، لكن لما قال له الرب : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب، يعني أن الله أعلمه فكتب. فهذا هو الظاهر، وإذا كان الله إذا أمر فقال كن كان على مراد الله، فليس هذا بغريب على قدرة الله، إن الله تعالى يجعل هذا الشيء يخضع لأمر الله الذي أراده ، وإن كان لم يطلعه عليه، لكن الذي يترجح عندي بناءً على حديث القلم أن الله يأمره أن يكون ويبين ما يكون عليه.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
стр. 275
﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾: الضمير يعود على عيسى، والفاعل هو الله يعلمه الكتاب؛ لأن عيسى كغيره من البشر لا يعلم إلا ما علمه الله، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
و﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب, وهل المراد أنه يعلمه الكتابة، يعني يحسن الخط، أو المراد أنه يعلمه الكتب السابقة؟
الجواب: كلاهما لا يتنافيان، علمه الكتابة فكتب، وعلّمه الكتب السابقة وعلّمه التوراة والإنجيل, والتوراة من باب عطف الخاص على العام لشرفه، وأما الإنجيل فإنه لم ينزل على أحد قبل عيسى.
وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني الشريعة؛ لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال الله تعالى لنبينا محمد ﷺ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، فالحكمة: هي الشرع، وهو موافق لمن فسر ذلك بالسنة؛ لأن سنة النبي ﷺ هي شرعه الذي جاء به من الله، فعلمه الله الحكمة، و (ال) في (الحكمة) للعهد الذهني، يعني الشرع الذي شرعه الله لعيسى وليس كل الحكمة بل الحكمة التي شرعت له.
﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
التوراة: الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، التوراة كتبها الله تعالى كتابة ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
стр. 276
[الأعراف: ١٤٥]، ولهذا قال أهل العلم من علماء السلف: إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده ، ونزلت ألواحًا على موسى وفيها ما تقتضيه المصلحة والحاجة والضرورة في ذلك الوقت.
وأما الإنجيل: فهو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على عيسى، وهو بالنسبة للتوراة كالمكمل لها كما قال تعالى فيما يأتي من الآيات: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فهو كالمتمم للتوراة؛ لأنه في الحقيقة نزل على بني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة؛ ومن المعلوم أن حال بني إسرائيل تغيرت من وقت موسى إلى عيسى، فكان في الإنجيل أشياء فيها تعديل أو زيادة، فهو متمم للتوراة.
ثم قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿وَرَسُولًا﴾: الواو حرف عطف، (ورسولًا) منصوب بفعل محذوف تقديره (ويرسله رسولًا) ولا يصح أن يكون معطوفًا على ما قبله، أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل وهم أبناء يعقوب الاثنى عشر، والرسول: هو الذي أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي. هذا هو المشهور عند عامة العلماء ﵏، وقيل: إن النبي لم يوحَ إليه بشرع وإنما كان مؤيدًا لشريعة قبله، يعني يوحى إليه بتأييد الشريعة التي قبله، فكانت الأنبياء فيما سبق كالعلماء في هذه الأمة، وهذا وإن كان له وجه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، لكن هذا القول يعكر عليه قضية آدم، فإن آدم نبي ومع ذلك لم يكن مجددًا لشريعة
стр. 277
سابقة، إذ لم تنزل شريعة على البشر قبل آدم ﵊، فلهذا يترجح تعريف الجمهور في النبي والرسول. وإذا قلنا: إن النبي من أوحي إليه بشرع فلا يمنع أن يكون هذا الشرع الذي أوحي إلى النبي هو شرع من قبله يوحى إليه تأكيدًا وتثبيتًا.
فإن قال قائل: ورد في صحيح مسلم: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم" (١)، فهل يدل ذلك على أن النبي يبين لأمته ما يبينه الرسول، وعليه فلا فرق بين النبى والرسول؟ .
الجواب: لا يدل؛ لأن هذا الحديث إن قلنا إنه يبين بأمر الله فهو رسول، وإن قلنا يبين تطوعًا من غير أن يلزم بذلك لكن لمحبته الخير فهو نبي، مع أن المراد بهذا الحديث الذي ذكرته أن النبي الذي هو الرسول، ولهذا يذكر الله كثيرًا النبيين دون الرسل، ويذكر الرسل دون النبيين، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]. وفي آية أخرى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (بنى إسرائيل) , وهل هذه اسم قبيلة أو اسم أشخاص معينين؟
الجواب: أنه اسم قبيلة، كما يقال: بنو تميم، والعلماء ﵏ يفرقون بين ابن وبني إذا كان اسمًا لقبيلة أو اسمًا لشخص معين. وذكروا ذلك في باب الوقف وفرَّعوا عليه مسائل؛ فإذا قلت: هذا وقف على بني فلان وهم قبيلة كبني تميم مثلًا،
стр. 278
فهل يعم الجميع؟ وهل يشمل الذكور والإناث؟ قالوا: نعم. يعم الجميع ويشمل الذكور والإناث، ولكن لا يجب التعميم. فيجوز أن يوزع هذا الوقف على ثلاثة من بني تميم فقط، ويجوز أن يعطى ثلاثة نساء فقط؛ لأنه لا يختص بالرجال بل يشمل الذكور والإناث، ولأنه لا يستلزم التعميم. أما لو قلت: هذا وقف على بني فلان، (واحد معين من الناس) فإنه يجب للذكور دون الإناث؛ لأن الابن غير البنت؛ ولأن بني فلان المعين يمكن حصرهم فيجب تعميمهم، والتساوي بينهم وإخراج النساء منهم. فبنو إسرائيل من أي الصنفين؟ الجواب: من الأول، من القبيلة. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهم بنو عم لبني إسماعيل، ولهذا لما بُعِثَ النبي ﷺ في بني عمهم -بني إسماعيل- غارت اليهود من ذلك، وأنكروه وكانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا، ويقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونكتسحكم ونغلبكم ظنًّا منهم أنه سيكون من بني إسرائيل وليس ظنًّا حقيقيا، بل هو وَهْمٌ؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنه سيبعث في مكة لكن توهموا ذلك، أوهمتهم أنفسهم الكاذبة، فلما بعث في بني إسماعيل أنكروه وكذبوه. ومعنى إسرائيل في السريانية أو في العبرية: عبد الله، والآن تسمى الدولة اليهودية إسرائيل.
وقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
الله يخلق ما يشاء، عبَّر هنا بالخلق وفي قصة زكريا بالفعل (يفعل)، وهنا قال: (يخلق) فهل هناك نكتة أو أنه اختلاف تعبير؟
стр. 279
الجواب: أن هناك نكتة، وهي من وجهين:
الوجه الأول: مما قاله العلماء وهو صحيح أن عيسى ﵊ خلق من غير ما جرت العادة به، خلق على وجه لم تجرِ العادة بمثله إطلاقًا، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يقال: خلق الله السموات ولا يقال: فعل الله السموات، مع أن الخلق فعله لكن الخلق فيه نوع من الإبداع ولذلك قال: (خلق).
الوجه الثاني: الرد على شبه النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعًا لدابر قولهم فيه، إذن نكتة كونية ونكتة شرعية، يعني حكمة كونية شرعية.
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
فيها قراءتان: قراءة بكسر الهمزة وفتحها، وبفتح الياء مع فتح الهمزة ثلاث قراءات ... (أَنِّيَ) (أَنِّي) (إِنِّي).
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ , يكون هذا الشيء طيرًا.
وقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: كمثله وصورته، فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة سبعية (فيكون طائرًا بإذن الله)، والقراءتان لكل واحدة منهما معنى يكمل الأخرى، فقوله: (يكون طيرًا) الآية، أي طيرًا حيًّا بعد أن كان على صورة الطير وليس فيه روح، وقوله: (يكون طائرًا) أي: يطير، تشاهدونه يطير بالفعل، فعندنا ثلاث مراتب:
١ - تصوير على هيئة الطير.
٢ - طير فيه روح على قراءة (فيكون طيرًا).
стр. 280
٣ - طير يطير بالفعل على قراءة (طائرًا). بإذن الله.
وعلى هذا فيكون: يخلق شيئًا على هيئة الطير فينفخ فيه فيكون فيه روح ثم يطير.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: بإذنه الكوني والشرعي؛ لأن كونه يصور مضاهيًا لخلق الله يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يصور على تصوير الله ، قال تعالى في الحديث القدسي: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" (١)، لكن الله تعالى أذن لعيسى ﵊ لحكمة، هذا على تفسير ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، الإذن الشرعي، كذلك الإذن الكوني، يعني بإذن الله الإذن الكوني؛ لأن خلق هذا الطير حتى يطير يكون بإذن الله الكوني، فيطير بإذن الله إذنًا كونيًا، فعيسى ﵊ يخلق كهيئة الطير بإذن الله الشرعي فيكون طيرًا إذا نفخ فيه، ويطير بإذن الله الكوني.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا من أجل تحقيق التوحيد حتى لا يظن ظان أنه يخلق استقلالًا، لأنه لولا هذا التقييد ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لتوهم النصراني وغير النصراني أن عيسى ﵊ يخلق كما خلق الله آدم من طين على صورته، ثم نفخ فيه الروح فصار بشرًا، فيظن الظان أن عيسى يخلق كخلق الله، فلهذا كان يقول ﵊: بإذن الله.
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾.
أبرئ: بمعنى أشفي، والبرء في الأصل من البراءة، والبراءة من الشيء السلامة منه، ومنه برأ من دَينه أي سلم من غائلته أي:
стр. 281
من غائلة الدين وضيق الدين، فالبرء من المرض يعني السلامة والشفاء منه.
وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين. فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلِدَ بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تطلق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل، إلا معنى واحدًا، فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة.
﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ولهذا قال: أبرئ الأبرص بإذن الله.
وقوله: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
أحيي الموتى الذين ماتوا، أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين بل هو للجنس, فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا, فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى، أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله.
стр. 282
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.
(أنبئكم): أي أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغدٍ أو بعد غدٍ كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطَّلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، فإذا لم يكن هناك بشر يطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله. وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس فتذهب إلى الأمكنة البعيدة أو تتسور الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن الذي على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به أو الاتصال به لماذا؟ لأن إطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حقِّ عيسى ﵊، يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويدخر في البيوت، قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى، لأن الاستمتاع بالجن على هذا الوجه محرم لما فيه من العدوان والظلم، وعيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي، والحكمة من إخبارهم بهذا هي:
١ - إطلاعهم على أنه ﵊ يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة في البيوت.
٢ - تحذيرهم -والله أعلم- من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما
стр. 283
يدخرون في بيوتهم؛ فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما ييسر الله لهم فيحله لهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أي: إن في ذلك المشار إليه ما سبق من عدة أمور قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾، هذه ثلاث آيات كل آية تدل على صدق عيسى ﵊، وأنه رسول الله حقَّا؛ لأن مثل هذا لا يستطيعه البشر، وآيات الأنبياء التي جاءت هى علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر؛ لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتوا بمثلها لم تكن آية، إذ إن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعنى أنها آية بهذا القيد؛ أي إن كنتم مؤمنين، وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات ولا تكون الآية آية له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها -والعياذ بالله- لا يصل إليها الخير، ولا تلين من أجل العقوبات والنذر؛ لأنها قاسية، فالمؤمن هو الذى ينتفع بالآيات، بل إن غير المؤمن يرى أن هذه الآيات العظيمة أساطير الأولين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥]، وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصي والعياذ بالله؛ لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
والإيمان سبق لنا معناه كثيرًا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما
стр. 284
يتعدى به التصديق، فإنه لا يقال: آمنته، ويقال: صدقته. بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والانقياد والتسليم، ومن صدَّق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤمن، فأبو طالب عمِّ النبي ﷺ كان مصدقًا برسالته لكنه لم يقبل ولم يذعن فلم يكن مؤمنًا، وإلا فإنه مصدق كما يقول بأشعاره وفي أحواله لكنه -والعياذ بالله- ليس بمؤمن، إذن الإيمان معنى زائد على التصديق وليس هو مجرد التصديق.
من فوائد الآية الكريمة:
قال تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
١ - أن عيسى ابن مريم قد جاء بالبينة من الله؛ لأن كل رسول يرسله الله إلى البشر لابد أن يأتي بآية، يؤخذ من قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
٢ - الإشارة إلى وجوب قبول رسالته؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ يعني فإذا كان ربكم وجب أن تكونوا له عبيدًا فتتقبلوا ما جاءت به رسله.
٣ - قدرة الله حيث جعل عيسى ابن مريم يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله في الحال، بينما في الأحوال العادية لا يكون طيرًا إلا بعد مدة، بعد أن يفقس من البيضة ويترعرع فيطير.
٤ - أن ما فعل بأمر الله فهو حلال مباح وإن كان نظيره بدون أمر حرامًا كقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾،
стр. 285
فلو أن أحدًا أراد أن يصنع تمثالًا من الطين على هيئة الطير لكان ذلك حرامًا، لكن لما كان بأمر الله صار هذا حلالًا، ولهذا نظائر، السجود لغير الله شرك، والسجود لغير الله بأمر الله طاعة، ولهذا سجد الملائكة لآدم فكانوا طائعين، واستكبر عن ذلك إبليس فكان من الكافرين. قتل النفس المحرمة ولاسيما ذو الرحم من كبائر الذنوب، وإذا كان بأمر الله كان مما يقرب إلى الله، فإبراهيم ﵊ أمر بذبح ابنه إسماعيل فامتثل، وكان امتثاله لذلك طاعة لله . هكذا خلق عيسى كهيئة الطير لينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، هذا من الأمور التي أبيحت له بأمر الله .
٥ - إطلاق وصف الخلق على المخلوق، أي أن المخلوق يكون خالقًا؛ لقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ وهذا له نظائر، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] , وقال النبي ﷺ في المصورين: "يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (١)، لكن خلق غير الخالق جل وعلا ليس خلقًا في الحقيقة, ولكنه تغيير أو تحويل، فالإنسان مثلًا يخلق من الطين صورة لكن الذي خلق الطين هو الله ، لا يمكن أن يخلق جميع الخلق شيئًا على وجه الاستقلال، وإنما خلقهم الأشياء يعني تغيير صور الأشياء أو تحويلها من شيء إلى شيء أو ما أشبه ذلك.
٦ - هذه المعجزة العظيمة لعيسى ابن مريم وهو أنه ينفخ في هذا التمثال حتى يكون طيرًا، وفي قراءة طائرًا، والفرق بينهما هو أن الطير قد يطير وقد لا يطير، ولكنه يصير طيرًا يطير بإذن الله في الحال.