← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من غائلة الدين وضيق الدين، فالبرء من المرض يعني السلامة والشفاء منه. وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين. فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلِدَ بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تطلق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل، إلا معنى واحدًا، فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ولهذا قال: أبرئ الأبرص بإذن الله. وقوله: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. أحيي الموتى الذين ماتوا، أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين بل هو للجنس, فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا, فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى، أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله.

стр. 282

﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. (أنبئكم): أي أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغدٍ أو بعد غدٍ كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطَّلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، فإذا لم يكن هناك بشر يطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله. وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس فتذهب إلى الأمكنة البعيدة أو تتسور الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن الذي على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به أو الاتصال به لماذا؟ لأن إطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حقِّ عيسى ﵊، يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويدخر في البيوت، قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى، لأن الاستمتاع بالجن على هذا الوجه محرم لما فيه من العدوان والظلم، وعيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي، والحكمة من إخبارهم بهذا هي: ١ - إطلاعهم على أنه ﵊ يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة في البيوت. ٢ - تحذيرهم -والله أعلم- من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما

стр. 283

يدخرون في بيوتهم؛ فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما ييسر الله لهم فيحله لهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: إن في ذلك المشار إليه ما سبق من عدة أمور قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾، هذه ثلاث آيات كل آية تدل على صدق عيسى ﵊، وأنه رسول الله حقَّا؛ لأن مثل هذا لا يستطيعه البشر، وآيات الأنبياء التي جاءت هى علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر؛ لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتوا بمثلها لم تكن آية، إذ إن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعنى أنها آية بهذا القيد؛ أي إن كنتم مؤمنين، وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات ولا تكون الآية آية له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها -والعياذ بالله- لا يصل إليها الخير، ولا تلين من أجل العقوبات والنذر؛ لأنها قاسية، فالمؤمن هو الذى ينتفع بالآيات، بل إن غير المؤمن يرى أن هذه الآيات العظيمة أساطير الأولين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥]، وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصي والعياذ بالله؛ لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. والإيمان سبق لنا معناه كثيرًا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما

стр. 284

يتعدى به التصديق، فإنه لا يقال: آمنته، ويقال: صدقته. بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والانقياد والتسليم، ومن صدَّق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤمن، فأبو طالب عمِّ النبي ﷺ كان مصدقًا برسالته لكنه لم يقبل ولم يذعن فلم يكن مؤمنًا، وإلا فإنه مصدق كما يقول بأشعاره وفي أحواله لكنه -والعياذ بالله- ليس بمؤمن، إذن الإيمان معنى زائد على التصديق وليس هو مجرد التصديق. من فوائد الآية الكريمة: قال تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ١ - أن عيسى ابن مريم قد جاء بالبينة من الله؛ لأن كل رسول يرسله الله إلى البشر لابد أن يأتي بآية، يؤخذ من قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ٢ - الإشارة إلى وجوب قبول رسالته؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ يعني فإذا كان ربكم وجب أن تكونوا له عبيدًا فتتقبلوا ما جاءت به رسله. ٣ - قدرة الله حيث جعل عيسى ابن مريم يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله في الحال، بينما في الأحوال العادية لا يكون طيرًا إلا بعد مدة، بعد أن يفقس من البيضة ويترعرع فيطير. ٤ - أن ما فعل بأمر الله فهو حلال مباح وإن كان نظيره بدون أمر حرامًا كقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾،

стр. 285

فلو أن أحدًا أراد أن يصنع تمثالًا من الطين على هيئة الطير لكان ذلك حرامًا، لكن لما كان بأمر الله صار هذا حلالًا، ولهذا نظائر، السجود لغير الله شرك، والسجود لغير الله بأمر الله طاعة، ولهذا سجد الملائكة لآدم فكانوا طائعين، واستكبر عن ذلك إبليس فكان من الكافرين. قتل النفس المحرمة ولاسيما ذو الرحم من كبائر الذنوب، وإذا كان بأمر الله كان مما يقرب إلى الله، فإبراهيم ﵊ أمر بذبح ابنه إسماعيل فامتثل، وكان امتثاله لذلك طاعة لله . هكذا خلق عيسى كهيئة الطير لينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، هذا من الأمور التي أبيحت له بأمر الله . ٥ - إطلاق وصف الخلق على المخلوق، أي أن المخلوق يكون خالقًا؛ لقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ وهذا له نظائر، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] , وقال النبي ﷺ في المصورين: "يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (١)، لكن خلق غير الخالق جل وعلا ليس خلقًا في الحقيقة, ولكنه تغيير أو تحويل، فالإنسان مثلًا يخلق من الطين صورة لكن الذي خلق الطين هو الله ، لا يمكن أن يخلق جميع الخلق شيئًا على وجه الاستقلال، وإنما خلقهم الأشياء يعني تغيير صور الأشياء أو تحويلها من شيء إلى شيء أو ما أشبه ذلك. ٦ - هذه المعجزة العظيمة لعيسى ابن مريم وهو أنه ينفخ في هذا التمثال حتى يكون طيرًا، وفي قراءة طائرًا، والفرق بينهما هو أن الطير قد يطير وقد لا يطير، ولكنه يصير طيرًا يطير بإذن الله في الحال.

стр. 286

٧ - أنَّ من آيات عيسى ﵊ أنه يبرئ الأكمه والأبرص لكن لا استقلالًا بل بإذن الله، وإلا فلا أحد يشفي من المرض -أي مرض كان- إلا بإذن الله حتى الأشياء التي جعلها الله تعالى بطبيعتها شفاء للأمراض لا تشفي إلا بإذن الله، وكم من دواء كان مفيدًا ونافعًا لهذا المرض المعين ثم يستعمله المريض فلا ينتفع به. ٨ - الآية العظيمة وهي إحياء الموتى، وهذا من آيات الله، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، في الآيتين إحياء الموتى وإن كانوا على ظهر الأرض، وإحياء الموتى وإن كانوا في القبور وإخراجهم منها أحياء، يعني إذا ضممت هذه إلى هذه استفدت فائدتين، أنه يحيي الموتى وهم على ظهر الأرض ويحييهم وهم في بطن الأرض فيخرجون ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، وفي هذه الآية الكريمة إثبات الحكمة لله ، ووجهه أن الله جعل لعيسى من الآيات ما يكون مناسبًا لزمنه وعصره، حيث أوتي من الآيات ما يعجز عنه من كانوا محل تعظيم للناس في ذلك الوقت وهم الأطباء، ففي عهد عيسى ﵇ ترقَّى الطب ترقيًا عظيمًا ولكن مع ترقي الطب فإنه لم يصل إلى ما وصل إليه عيسى، فإن الأطباء لا يبرئون الأكمه ولا الأبرص ولا يحيون الموتى ولا يخرجونهم من القبور، لكن عيسى يأتي بهذه الآيات بإذن الله ، قال أهل العلم: وفي عهد موسى ﵇ ترقى السحر ترقيًا عظيمًا فكانت آياته معجزة تقهر السحرة وذلك بالعصا واليد. ومحمد ﷺ أتى وبُعث في قوم يفخرون بالبلاغة والفصاحة ويرونها هي محل التقدير

стр. 287

والاحترام، فكانت آياته أن جاء بكلام يعجز عن مثله البشر في بلاغته وفي معانيه وأحكامه. . . إلى آخر وجوه الإعجاز في القرآن. وفي هذه إشكال، وهو أن الله تعالى قال لعبد الله بن حرام: (إني قضيت إنهم إليها لا يرجعون) (١)، وهنا ذكر أنه أحيا الموتى لعيسى في الدنيا، الظاهر والله أعلم أن يقال: إن عبد الله بن حرام طلب الرجوع من أجل العمل، وأما ما وقع آية لعيسى فليسوا يرجعون على أنهم يعملون، على أن المسألة فيها أيضًا نظر من جهة أخرى؛ لأن الله تعالى لما أخذت الصاعقة أصحاب موسى الذين كانوا معه دعا الله فبعثهم من بعد موتهم وبقوا وعملوا. فيكون المراد -والله أعلم- أنه إذا لم يكن هناك سبب مثل أن تكون آية فهذا لا مانع, أما عبد الله بن حرام فليس هناك سبب. ٩ - إثبات الإذن لله, لا الأُذُن, الأُذُن هي الجارحة أو العضو الذي يكون في الإنسان لتلقي الأصوات، وأما الإِذْن فهو الإباحة والترخيص وما أشبه ذلك، أما الأُذُن فلا يجوز أن نثبتها لله ولا أن ننفيها عنه؛ لأن الصفات توقيفية, والله لم يثبت لنفسه أذنًا ولم ينفِ عنه الأذن، وإنما أثبت لنفسه السمع، والسمع ليس بشرط أن يكون من ذي أذن, فهاهي الأرض تسمع وتحدث أخبارها وليس لها آذان، المهم أن الإِذْن هنا غير الأُذُن. وإذن الله

стр. 288

عزّ وجل ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني، فما تعلق بالخلق فهو إذن كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي، هذا هو الضابط، ففي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، الإذن هنا شرعيًا وليس كونيًا؛ لأنه قد أذن الله فيه كونًا لكن لم يأذن به شرعًا، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إذن كوني، وكذلك هنا ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ١٠ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يملكون شيئًا من الربوبية، وذلك لتقييد فعل عيسى بإذن الله. ١١ - الردُّ على النصارى في زعمهم أن عيسى ﵊ له حق في الربوبية، وكذبوا في ذلك فعيسى عبدٌ، عبد الله ورسوله، قال لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: ٥١]، وقال الله تعالى عنه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]، فهو عبد لا يملك من الربوبية شيئًا أبدًا؛ لأن الربوبية من حق الله الخاص الذي لا يشركه فيه أحد. ١٢ - أن الله تعالى أطلع نبيه عيسى ابن مريم على ما يأكل قومه وما يدخرون مما يخفى على غيره؛ لقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. ١٣ - إثبات الحكمة لله في أن الله أطلع نبيه عيسى على ذلك حتى يخافوا أن يخفوا شيئًا لا يرضاه الله ورسوله. يعني إذا كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم معناه أنه يطلع على أسرارهم البيتية، وهذا يلزمهم أن لا يبيتوا شيئًا لا يرضاه.

стр. 289

١٤ - أنه ينبغي التكرار في المقام الهام؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾، مع أنه قال في الأول: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾، وذلك لأن الأمور الهامة ينبغى تكرارها أولًا من أجل أن يتبين للمخاطب أهميتها عند المتكلم وأنه ذو عناية بها، والثاني من أجل أن ترسخ في الذهن؛ لأنه كلما تكرر الشيء ازداد رسوخًا. ١٥ - أن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات التي جاءت بها الرسل؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وهذا شيء كثير، قد تعلق الأحكام بالأوصاف إما بأدوات الشرط المعروفة، وإما بغير ذلك، المهم أن تعليق الأحكام بالأوصاف سواء عن طريق الشرط أو عن طريق الصفة المعروفة في النحو أو المبدل أو غير ذلك جار في القرآن والسنة. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥٠ - ٥١]. قوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: هذه معطوفة على ما سبق, يعني أنها تكون منصوبة على الحال؛ يعني وجئتكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة (وما بين يدي)، هو ما سبقه، ويطلق ما بين اليدين على ما سيأتي، فما بين اليدين يطلق على ما مضى، ويطلق على ما يستقبل، فإن قرن بالخلف فهو للمستقبل, وإلا فإنه صالح للمستقبل والماضي، ففي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،

стр. 290

المراد المستقبل لقوله: "وما خلفهم"، وفي هذه الآية: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾، أي: لما سبقني من التوراة. وتصديقه للتوراة له وجهان: الوجه الأول: أنه يقرر صدقها ويقول: إنها كتاب حق. والوجه الثاني: أنه يصدق ما أخبرت به، فإذا كانت أخبرت به ثم بعث كان مصدقًا لما فيها. وقوله: ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﵊، وهي أصل الكتب المنزلة على بني إسرائيل وأعظمها، بل هي أعظم الكتب فيما نعلم بعد القرآن. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾. أي: وجئتكم أيضًا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم. وقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: (كل) والمحرم عليهم ذكره الله في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، فلما حرمت عليهم هذه الطيبات لظلمهم وعدوانهم، وبعث الله عيسى ﷺ أحل لهم بعض ما حرم عليهم، ولم يُذكر في القرآن بيان هذا البعض فيكون باقيًا على إطلاقه، ولو كان لنا مصلحة في تعيين ذلك لبيَّنه الله. وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، الفعل هنا مبني للمجهول، ولكن فاعله معلوم وهو الله كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦].

стр. 291

﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، كرَّر هذا مرة أخرى بعد قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] , تقتصر على تصديقه لما بين يديه من التوراة وعلى إحلاله بعض الذي حرم عليهم، وحينئذٍ لا يكون في الآية تكرار، وإما أن يقال: إن قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾، يشمل كل ما جاء به من الآيات، ويكون هذا من باب التأكيد وإقامة الحجة عليهم، فكرر مجيئه بالآيات احتجاجًا عليهم بما كذبوا. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. (اتقوا الله): يعني اتخذوا وقاية من عذابه؛ لأن التقوى مأخوذة من الوقاية، فبماذا تكون الوقاية من عذابه؟ تكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وهذا هو المعني الشامل للتقوى عند الإطلاق، وإذا قرنت التقوى بالبرِّ صار المراد بها اجتناب المحارم، مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقد عرَّف أهل العلم التقوى بعدة تعريفات؛ لكن يجمعها ما ذكرناه من أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامراه واجتناب نواهيه. قال: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ أي: وأطيعونى فيما أمرتكم به وفيما نهيتكم عنه، وطاعته من التقوى بلا شك لكن نصَّ عليها لأنها تقوى خاصة فيما جاء به عيسى؛ لأن التقوى يؤمر بها كل إنسان، فإذا قيل: (أطيعون) صارت تقوى خاصة في طاعة هذا الرسول الذي بعث إلى قومه، والطاعة قال العلماء فى تفسيرها: إنها موافقة الأمر تجنبًا للنهي وفعلًا للمأمور، فمن تجنب النهي ناويًا بذلك امتثال الأمر فهو مطيع، ومن فعل الأمر ناويًا بذلك امتثال الأمر أيضًا فهو مطيع، أما من ترك النهي أو بعبارة أصح المنهي عنه عجزًا عنه،

стр. 292

فإن هذا ليس بمطيع، بل إذا سعى في أسبابه حتى عجز كان كمن فعله؛ لقول النبي ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (١). ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾. لما أمرهم بتقوى الله ذكر ما هو كالسبب في ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾، والربُّ هو الخالق المالك المتصرف. وتوحيد الله بالربوبية أن نؤمن بأنه لا خالق ولا مالك ولا مدبر إلا الله ، وما يضاف من الخلق أو الملك أو التدبير لغير الله فإنه على وجه ناقص من حيث الشمول ومن حيث التصرف، فمثلًا الخلق يضاف إلى غير الله وقد مرَّ علينا قريبًا أن عيسى قال: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال الله في الحديث القدسي: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" (٢)، وقال النبي ﷺ : "أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" (٣)، وقال ﵊: "يقال لهم: أحيوا ما

стр. 293

خلقتم" (١)، ولكن الخلق المضاف إلى غير الله ناقص ليس إيجادًا حقيقة ولكنه تغيير لصورة، فمثلًا الإنسان يخلق من الخشب بابًا، هل هو خَلَق الخشب؟ ومن الحديد سيارة، هل خَلَق الحديد؟ كلا، ولكن حوَّله من حال إلى حال فصار هذا خلقه، لكنه ليس هو الذي أوجد الحديد أو الخشب حتى يقال: إن خلقه كخلق الله. أيضًا: خلق الإنسان أو البشر عمومًا ليس عامًا شاملًا؛ لأن كل إنسان يخلق ما صنع فقط، وما لم يصنعه فليس من خلقه. كذللت الملك ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٢٠]، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨] , والآيات في إثبات الملك لله وحده كثيرة، ومع ذلك أضاف الله إلى غيره الملك في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، فهل نقول: إن هذا الملك كملك الله؟ كلا. لا من حيث الشمول ولا من حيث التصرف؛ أما من حيث الشمول فلأن كل إنسان لا يملك أكثر مما تحت يديه، ولذلك لا تملك كتابي ولا أملك كتابك، أما ملك الله فهو عام شامل. وأما من حيث التصرف فملك غير الله قاصر؛ لأن الإنسان لا يملك التصرف المطلق كما يريد، وإنما يتصرف حسب ما تقتضيه شريعة الله وحسب ما يأذن به الله، ولو أراد الإنسان أن يمزِّق كتابه هل يملك ذلك؟ لا يملك ذلك بل هو حرام عليه ويأثم بذلك، ولو أراد أن يمزق كتاب غيره كان حرامًا من وجهين: من وجه إفساد

стр. 294

المال، ومن وجه العدوان على الغير، فالحاصل أن ملك الإنسان قاصر من ناحيتين. فأما التدبير الذي هو المعنى الثالث للربوبية، فهو أيضًا يكون لغير الله، لكنه تدبير ناقص من حيث الشمول ومن حيث التصرف أيضًا، فالإنسان لا يدبر كل شيء، لا يدبر إلا ما يملك تدبيره، ومع ذلك فتدبيره له تدبير ناقص على حسب ما يقتضيه الشرع. لو أراد أن يدبّر بعيره على وجه يشق عليه كأن يمشي به على الوحل أو على النار وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز فهو إذن تدبير ناقص. لكن الله يملك هذا كله بلا معارض له. المهم أن الربوبية هي انفراد الله بالخلق والملك والتدبير، ولا يعني ذلك أن لا أحد يشاركه في خلقٍ أو ملك أو تدبير، لكن على وجه لا يماثل ما يثبت للخالق من ذلك. فالإنسان قد يخلق، فيقال خلق، ويقال ملك، ويقال دبر، لكنه كما سبق ناقص. وقوله: ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾، بدأ بنفسه ليكون أول مذعن لهذا الربّ ؛ لأن الربَّ خالق مالك مدبر، فبدأ بنفسه ليكون هو أول من يذعن وينقاد لهذا الرب، قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء هنا عاطفة وتفيد السببية أيضًا أي: بسبب كونه ربًّا اعبدوه، ولهذا نقول: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية وأنكر توحيد الألوهية فقد تناقض، ولذلك سفَّه الله المشركين الذين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ثم ينكرون توحيد الألوهية فيقول: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩]، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وما أشبه ذلك مما يدل على أنه من السفه أن يقرَّ الإنسان بأن الله وحده هو الخالق المالك المدبر ثم يعبد غيره. فنقول مثلًا للمشرك: ألست

стр. 295

تؤمن بالله؟ سيقول: بلى، إنه الخالق, بلى، إنه المالك، بلى، إنه المدبر، بلى، إنه لا خالق معه ولا مالك ولا مدبر، بلى أومن بذلك كله، إذن كيف تجعل معه إلهًا تعبده؟ ومن كان غير الله فهو عابد وليس بمعبود، عابد مربوب، هو عبد مربوب لله فكيف تجعله معبودًا مع الله، ولهذا قال الله: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فالفاء هنا عاطفة تفيد السببية أى: بسبب كونه ربي وربكم اعبدوه وحده. وما هي العبادة؟ . العبادة: مأخوذة من الذل، عَبَدَ بمعنى ذَلَّ. ومنه قولهم: طريق معبد أي: مذلل لسالكيه، فأصلها الذل لكنها بالنسبة لله ذلٌّ مقرون بمحبة وتعظيم. فكل من تعبد لله فإن تعبده هذا مقرون بهذين الأمرين المحبة والتعظيم. فبالمحبة يكون الطلب، وبالتعظيم يكون الهرب، فالإنسان إذا أحب شيئًا طلبه، وإذا عظَّم شيئًا هابه وهرب منه وخاف منه. ولهذا كانت العبادة مبنية على الرجاء والخوف. والعبادة تطلق أحيانًا على هذا المعنى الذي ذكرنا باعتبارها مصدرًا، وهو أي التذلل لله مع المحبة والتعظيم، وتطلق أحيانًا على اسم المفعول أو على الشيء المتعبد به وحينئذٍ نقول: إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فالصلاة مثلًا عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وهكذا، فأحيانًا تطلق على الفعل، وأحيانًا تطلق على المفعول. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.

стр. 296

هذا المشار إليه إما أقرب مذكور أو كل ما سبق في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾، هذا: أي تقوى الله وطاعة رسوله وتحقيق العبادة له. ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، أي طريق، ولا يسمى الطريق صراطًا إلا إذا اجتمع فيه السعة والاعتدال؛ لأنه مأخوذ من (السَّرْط)، وهو الابتلاع بسرعة، وإن شئت فقل: من (الزرط) وهو الابتلاع بسرعة، والطريق الواسع المستقيم يبتلع سالكيه بسرعة؛ لأن الضيق لا يمشي الناس فيه إلا رويدًا رويدًا ببطء، وغير المستقيم لا يوصل للغاية إلا ببطء سواء كان انحرافه على اليمين أو الشمال أو من حيث الصعود والنزول، فإنه إذا كان صاعدًا نازلًا أتعب السالك. فإن كان الصراط مستقيمًا في الانحرافات يمينًا وشمالًا وكذلك في الصعود والنزول اختصر الطريق، فإذا قدرنا أن هناك غاية تصل إليها بالطريق المستقيم في ثلاثين مترًا، إلا أن فيه تعاريج، كل تعريجة عشرة أمتار، وفيها عشرة تعاريج، فإنك ستصل إلى الغاية بمائة متر، فالحاصل أن الصراط قال العلماء لا يكون صراطًا إلا إذا كان واسعًا مستقيمًا، وهو مأخوذ من السرط أو الزرط. إذن، هو ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ يعني لا اعوجاج فيه، ووصفه بالاستقامة بعد أن قلنا إن الصراط هو الطريق الواسع المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج من باب التوكيد، كما تقول: هو رجل رجل. ما معنى رجل رجل؟ . يعني جامع لمعاني الرجولة، كذلك (طريق مستقيم) يعني جامع لكل معنى الطريق ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.

стр. 297

من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - أن عيسى ابن مريم قد جاء بما يصدق به التوراة؛ لقوله ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ , وقد سبق لنا أن معنى (مصدقًا) أو أن كلمة ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كلمة ذات وجهين: الوجه الأول: أنه شاهد بصدق التوراة، وأنها حق, والثاني: أنه مطابق لما أخبرت به، وإذا جاء الشيء مطابقًا لما أخبر به، فهذا تصديق شاهد بالصدق. ٢ - جواز النسخ في الشرائع؛ لقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، وهذا نسخ، والنسخ في الشرائع ثابت منذ نوح إلى محمد ﵊، وأنكرت اليهود وجود النسخ، وقالت: لا يمكن أن ينسخ الله الحكم؛ لأن هذا يستلزم نقصًا في حق الله، فيقال لهم: ومتى وصفتم الله بالكمال -أنقصكم الله وأذلكم- ألم تقولوا: إن يد الله مغلولة؟ ألم تقولوا: إن الله فقير؟ ألم تقولوا: إن الله استراح حين خلق السموات والأرض وتعب؟ فكيف تقولون: إن النسخ يستلزم النقص على الله؟ يقولون لأنه يستلزم العلم بعد الجهل، كأن الله إذا نسخ الحكم الأول تبين له أن الصواب في الحكم الثاني، وهذا نقص. فنقول لهم: نحن نرد عليكم بشريعتكم، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] , وقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] , وأنتم تعتقدون أن التوراة ناسخة للكتب السابقة المنزلة على بني

стр. 298

إسرائيل، وأنه يجب على كل واحد من بني إسرائيل أن يؤمن بها ويتبعها، وهل هذا إلا نسخ؛ ثم إن النسخ في الحقيقة من مقتضى الحكمة لا منافي للحكمة؛ لأن الله يشرع الأحكام مناسبة للواقع أو ملائمة لمن شرعت له، فقد يكون هذا الحكم ملائمًا في زمن غير ملائم في زمن آخر، أو ملائمًا لقوم غير ملائم لآخرين. وكون الأحكام تتبع الحِكمة هذا هو الكمال وليس النقص، وهنا عيسى ابن مريم قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. ٣ - جواز نسبة الحكم إلى من بلَّغه؛ لأنه قال: (أحل لكم) وأصل التحليل والتحريم من عند الله ، لكن إضافته إلى من أبانه وأظهره لا بأس بها، ولهذا أضاف الله القرآن إلى نفسه وإلى جبريل وإلى محمد، أما إلى نفسه فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وأما إلى جبريل فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩, ٢٠]، وأما إلى محمد ﷺ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠, ٤١] لكن الكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، وأما من قاله مبلغًا مؤديًا فإنما يضاف إليه لكونه أظهره وأبانه. ٤ - تكرار الأمور الهامة؛ لقوله في المرة الثالثة: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ٥ - أن الطاعة أمر مشترك بين الرسل وبين الله ، وأما التقوى فهي خاصة بالله؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، وطاعة الله هي الأصل، لكن طاعة الرسول طاعة للمرسِل الذي أرسله. ٦ - أن التقوى واجبة في كل شريعة لقوله هنا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾

стр. 299

ولكن المتقَى به قد يختلف باختلاف الشرائع؛ لقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، هذا الذي يتقى الله به قد يختلف باختلاف الشرائع. ٧ - عموم ربوبية الله للبشر؛ لقوله: ﴿رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾، وربوبية الله ثابتة لكل السموات الأرض ومن فيهن ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٨٤]، ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]. فالربوبية، ربوبية الله لكل شيء، لكن عيسى قال: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ليقيم عليهم الحجة؛ لأنه إذا كان ربهم فإنه يشرع فيهم وعليهم ما يشاء ولا أحد يعقب حكمه. ٨ - أنَّ عيسى مربوب وليس ربًّا؛ لقوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. ٩ - الرد على النصارى في دعواهم أن الله ثالث ثلاثة، وقد كفَّرهم الله بذلك فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، كفَّرهم بهذا، وهم بلا شك كافرون مخلدون في نار جهنم أبد الآبدين. ١٠ - وجوب العبادة؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾. ١١ - أن الإقرار بالربوبية مستلزم للإقرار بالعبودية، يعني أن من أقر بربوبية الله لزمه أن يقر بعبوديته، ولهذا قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾، فأتى بالفاء الدالة على السببية، أي: فبسبب اختصاصه بالربوبية يجب أن تخصوه بالعبادة، ومن ثَمَّ نجد الله في كتابه يقيم الحجة على المشركين الذين يقرون بربوبيته لا بألوهيته، يقولون إنه منفرد بالربوبية لكن في الألوهية لا يفردونه، يتخذون معه آلهة وليس إلهًا واحدًا، كل قوم لهم

стр. 300

رب يعبدونه، وهذا لا شك بالغ في السفه، فإذا كنت تعلم وتعتقد بأن الله وحده هو الرب لزمك أن تعتقد بأنه وحده الإله المعبود وأنه لا إله غيره. ١٢ - أن الصراط المستقيم عبادة الله؛ لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، ولا شك أن أهدى السبل وأقومها عبادة الله، وعبادة الله كما نعلم هي اتباع شرعه المرسل . * * * • ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٢، ٥٣]. وفي قراءة (من أنصارِيَ إلى الله) لأن ياء المتكلم يجوز فيها ثلاث لغات: الفتح بناءً، والسكون بناءً، والحذف تخفيفًا. فتقول: هذا غُلامي، هذا غلامِيَ، هذا غلام، لكن تبين أنه مضاف، يقول هنا: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾، أحس بمعنى أدرك بحاسته وتيقن أنهم كفروا، مع هذه الآيات العظيمة التي يشاهدونها ولم يؤمنوا -والعياذ بالله- لأن الله إذا ختم على القلب لا يؤمن صاحبه أبدًا: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، فهم مع هذه الآيات لم يؤمنوا، فلما أحس منهم الكفر وأدركه وتبين له، لجأ إلى الاختيار وانتخاب الأكْفاء، فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، يعني إذا

стр. 301

كان الإيمان تعذر منكم جميعًا فمن الذي يكون ناصري؟ ! . وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، (إلى) هنا للغاية، ولم يقل: من أنصاري في الله؛ ليكون النصر مبنيًا على الإخلاص؛ لأن (إلى) للغاية فيريد أن يكون نصرًا موصلًا إلى الله . وقوله: (مَن) هذه مبتدأ (وأنصاري) خبر (وإلى الله) متعلق بأنصار. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. الحواريون جمع حواريّ -بتشديد الياء- وهو من الحَوَر وهو البياض، وسموا حواريين لسلامة قلوبهم من أثر المعاصي؛ لأن المعاصي -نسأل الله العافية- نكت سوداء تكون في القلب، كلما عصى الإنسان نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل وعاد إلى الاستنارة، وإن لم يتب وأحدث معصية أخرى زادت نكتة أخرى، وهكذا حتى يُطبع على القلب. وقوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، يعني لا غيرنا، ووجه قولنا "لا غيرنا" أن الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر، فهي جملة اسمية طرفاها مَعْرِفة، والجملة الاسمية التي يكون طرفاها معرفة تفيد الحصر، لكن لا شك أن إفادة الحصر فيها ضعيف ليس كإفادة إنما أو النفي والإثبات. وقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. ﴿آمَنَّا﴾: الإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه تصديق بإقرار، ولهذا عُدي بالباء فيقال: آمنت به، ولا يمكن أن نجعله بمعنى التصديق؛ وذلك لأن الشيء إذا كان مرادفًا للشيء أي بمعناه تعدى بتعديته ولزم بلزومه، ومعلوم أن (آمن) تتعدى بما

стр. 302

لا تتعدى به (صدق)، فيقال: صدق بالخبر، ولا يقال: صدق له، ويقال: صدق زيدًا، ولا يقال: آمن زيدًا، بل آمن به -وآمن له- فلما اختلفا في المتعلق وجودًا وعدمًا علم أنهما ليسا بمعنى واحد، مع أن كثيرًا ممن يعرِّفون الإيمان في اللغة يقولون: الإيمان في اللغة: التصديق، وهذا فيه نظر، بل هو أخص من التصديق، أما الإيمان في الشرع فهو: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان. لا يكفي التصديق فقط بل لابد من قبول ما جاء به الرسول والإذعان له، وأنتم تعلمون أن أبا طالب كان مصدقًا لرسول الله ﷺ ويعلن ذلك على الملأ فيقول في لاميته المشهورة: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل لا مكذب لدينا، وأنه لا يعني بقول الأباطل ولا يهتم له، ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا وهذا تصديق، لكن لم يحصل منه القبول والإذعان والعياذ بالله، بل كان آخر كلامه أن قال: إنه على ملة عبد المطلب على الكفر، فشفع له النبي ﷺ لأنه أبلى بلاء حسنًا في الدفاع عن الرسول ﷺ ، لا لأنه عمه، بل لأنه لو كانت العلة الحاملة لشفاعة الرسول هي القرابة، لشفع لأبي لهب، يقول ﵊: "فكان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (١).

стр. 303

قالوا: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. أشهدوا نبيهم عيسى ﵊ على إسلامهم، مع أنه شهيد عليهم سواء استشهدوه أم لم يستشهدوه، كما قال الله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فكل رسول فهو شهيد على أمته؛ لأن الله تعالى أرسله إليهم وأنه بلغهم الرسالة. فقولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، من باب التوكيد وإعلان الإسلام. ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾. قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى حذفت منه ياء النداء لسببين: ١ - كثرة استعمال هذا الاسم الكريم في الدعاء. ٢ - التبرك بالبداءة باسم الله ؛ لأن الرب من أسماء الله. هذا أيضًا من قولهم ﵃ ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ وهو الإنجيل الذي جاء به عيسى ﵊، وما قبله وهي التوراة التي أنزلت على موسى، بل أعم من ذلك تتناول كل ما أخبرهم به نبيهم مما أنزل الله. ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، (ال) هنا في الرسول للعهد الذهني، وهو عيسى ﵊؛ لأنه لا رسول لهؤلاء القوم من بني إسرائيل إلا عيسى، فالذي عيّن أن يراد بالرسول عيسى هو العهد الذهني الذي كان معلومًا عندهم، ويحتمل أن (ال) للعهد الذكري لقوله فيما سبق ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، ويحتمل أيضًا أن المراد بالرسول الجنس أي: واتبعنا كل من كان رسولًا من عندك، فيكون هذا

стр. 304

إقرارًا بأنهم آمنوا بجميع الرسل، وذلك أنه يجب على كل أمة متأخرة أن تؤمن بجميع الرسل السابقة. فنحن مثلًا آخر الأمم يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، في أصل الإيمان، وإن كنا نفرق بين الرسل من جهة الاتباع، فإننا لا نتبع إلا محمدًا ﷺ وما أذن لنا فيه مِن شرع من سبق، أما الإيمان فيجب الإيمان بجميعهم. وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، (مع) هنا للمصاحبة، والمصاحبة لا تقتضي المخالطة أو الموافقة في الزمن، فقد تكون المصاحبة مع قوم سبقوك لكن في النهاية يكونون معك إلى الله. وقولهم: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، هذا في الحقيقة هو ثمرة الإيمان؛ الاتباع، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أشد اتباعًا لمن آمن به، وكلما قلَّ الإيمان قلَّ الاتباع، هكذا، ويصح أن نقول: كلما قلَّ الاتباع قلَّ الإيمان، أو نقول: كان علامة على نقص الإيمان؛ لأن المؤمن حقًّا لابد أن يطلب الوصول إلى ما آمن به، وهذا يقتضي أن يَجِدَّ كل الجدِّ في العمل الذي يوصله. وقوله: ﴿الشَّاهِدِينَ﴾. قال بعض العلماء: المراد بالشاهدين أمة محمد ﷺ ؛ لأن الشهادة المطلقة ليست إلا لهم؛ لأنهم آخر الأمم، فهم شهداء على جميع الرسل وعلى جميع الأمم، والشهداء الذين كانوا من قبلهم ليسوا شهداء إلا على من سبقهم فقط، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 305

والمعنى: اكتبنا مع أمة محمد ﷺ ، ولا يرد على هذا التفسير أنهم سبقوا أمة محمد فكيف يطلبون أن يكتبوا معهم؟ والجواب: أن نقول: إن عيسى ﵊ قد بشرهم بمحمد ﷺ فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فكان عندهم علم بهذه الأمة بواسطة البشارة التي ألقاها إليهم عيسى ابن مريم ﵊. والقول الثاني: أن المراد (بالشاهدين) الذين شهدوا لرسلك بالحق، وهذا يتناول من سبقهم بلا شك، ويتناول أمة محمد إذا كان بعد أن أخبرهم بذلك وبشرهم به، وهذا القول الثاني أعم من القول الأول وأقل إشكالًا منه. فالقول الصحيح هو كل من شهد للرسل بالحق. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - عتو بني إسرائيل وأنهم مع هذه الآيات العظيمة التي جاء بها عيسى لم يؤمن منهم أحد؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. ٢ - أنه إذا اشتبه الأمر فينبغي أن ينادي الداعية بالإخلاص فيقول: من المخلص؟ أي: أن ينتدب الصفوة من القوم؛ لقوله: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، فهو لما رأى أن القوم تمردوا وأحس منهم الكفر وظهر؛ انتدب من يرى أنه من صفوتهم. ٣ - أن الرسل صلى الله عليهم وسلم دعوتهم إلى الله لا إلى أنفسهم؛ لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. ٤ - أن الرسل محتاجون لمن ينصرهم؛ لقوله: ﴿مَنْ

стр. 306

أَنْصَارِي﴾، وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]. ٥ - فضيلة الحواريين ﵃ حيث أعلنوا أنهم أنصار الله مع كفر قومهم؛ لقوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، وهكذا ينبغي للإنسان أن يعلن اتِّباعه للرسول بين أئمة الكفر حتى لا يداهن في دين الله؛ لأن المداهنة في دين الله والتقية نفاق في الواقع، والفرق بين المداهنة والمداراة: أن المداهنة: أن يقرهم على ما هم عليه من الباطل. والمداراة: أن ينكر عليهم ولكن يداريهم لئلا يمنعوه من الحق. ٦ - في هذه الآية دليل على أن النصارى مسلمون بقولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ إلا أنهم مسلمون بالمعنى العام، وذلك أن كل إنسان متبع لرسول شَرْعُه قائمٌ فهو مسلم، وأما إذا وجد ما ينسخه فمن بقي على الدين الأول فهو كافر إذا كان الرسول مرسل إليه. وبناء على ذلك فإنه لا مسلم بعد بعثة الرسول ﷺ إلا من اتبعه فقط، ومن سواه فهو كافر. وعلى هذا فالنصارى كفار واليهود كفار من أهل النار، ومن قال إنهم مسلمون بالمعنى الخاص الذي يدخلون به الجنة اليوم فهو كافر؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، ولقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ٧ - أن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان أو بالإسلام أو ما أشبه ذلك لا يعد من الرياء لاسيما في الاتباع؛ لأن في ذلك فائدة وهي تقوية المتبوع، إذا قال: أشهد بأني مسلم أو مؤمن أو

стр. 307

ممن اتبعك أو مما أشبه ذلك، لا شك أن في ذلك فائدة، وهي تقوية المتبوع، ولا يعد هذا من الرياء. ٨ - أن الرسل لا يعلمون الغيب، لقولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، لأنه لو كان عنده علم من ذلك لما احتاج إلى إشهاد، اللهم إلا على سبيل إقرارهم الظاهري. وهل يؤخذ من الآية الكريمة جواز قول الإنسان: أنا مؤمن؟ لقولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، ربما يؤخذ جواز قول الإنسان أنا مؤمن، ولا شك أن هذا جائز، ولكن الذي وقع فيه الخلاف بين أهل العلم: هل يجوز أن يستثني في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله أم لا؟ . في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه لا يجوز، ومنهم من قال: إنه يجب، ومنهم من قال: إنه يجوز باعتبارين. أما الذين قالوا إنه لا يجوز، فقالوا: إن هذا الاستثناء يوحي بالشك، أنه شاك وإلا كيف يقول إن شاء الله، فمادام الإيمان قد وقر في قلبه لا يقول إن شاء الله، ثم قالوا مؤيدين لتعليلهم: أرأيت لو صلى شخصًا فقيل له: أصليتَ؟ قال: إن شاء الله لعدَّ ذلك قريبًا من اللغو، ولو قيل له: لبست ثوبك؟ فقال: لبسته إن شاء الله وهو عليه، هذا لغو من القول. فإذا كان جازمًا بإيمانه فلماذا يقول إن شاء الله؟ فالاستثناء على هذا حرام؛ لأنه يؤذن بالشك، وإن لم يكن فهو لغو من القول. والقول الثاني: أنه يجب أن يقول: إن شاء الله، يجب وجوبًا، فلو قال: إنه مؤمن وسكت، كان ذلك حرامًا عليه، وعللوا لذلك بأن الإيمان النافع هو الذي يموت الإنسان عليه،

стр. 308

والإنسان لا يدري ماذا يموت عليه، كما قال النبي ﵊: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" (١)، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يقول: إن شاء الله. وهذا الوجه ليس بصحيح وليس بعلة؛ لأن الإنسان إنما يتكلم عن حاضره، وحاضره يعلم أنه مؤمن، والمستقبل علمه عند الله، نعم لو قال: سأموت على الإيمان، قلنا له: قل إن شاء الله، لكن المأخذ الصحيح أنه إذا قال: أنا مؤمن وجزم فإن في ذلك نوعًا من تزكية النفس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، ولهذا نقول له: مقتضى جزمك بالإيمان، أنك جازم بأنك من أهل الجنة فشهدت لنفسك بأنك من أهل الجنة، ولا يشهد بالجنة لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول ﷺ ، وحينئذٍ لابد أن تقول: إن شاء الله، وليس لأجل أنك لا تدري ماذا تموت عليه، لكن من أجل أن لا تزكي نفسك فيلزم من تزكيتك إياها أن تشهد لها بالجنة وهذا ممنوع. وفصَّل بعض العلماء في هذه المسألة فقال: قد يكون الاستثناء حرامًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون جائزًا باعتبارات، فإذا كان الإنسان يقول أنا مؤمن إن شاء الله يريد بذلك التبرك أو بيان أن ما حصل من الإيمان كان بمشيئة الله فهذا جائز.

стр. 309

والاستثناء بالمشيئة في الأمر الواقع جائز شرعًا، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، فقال: إن شاء الله مع أنهم سيدخلونها كما قال النبي ﵊ لعمر بن الخطاب: "إنك آتيه، ومطوف به" (١) في صلح الحديبية، وفي زيارة المقابر يقول الإنسان: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" مع أن لحوقنا بهم مؤكد لكن هذا من باب بيان أن لحوقنا بهم مقرون بمشيئة الله. وإن كان الحامل على الاستثناء الشك، حرم أن يستثني، إذا قال: إن شاء الله لأنه متردد، فهذا حرام؛ لأن الشك في الإيمان منافٍ للإيمان، إذ أن الإيمان لابد أن يكون جزمًا، ولكن الحذر الحذر أن يتلاعب الشيطان بالمؤمن في مسألة الوساوس التي كثر الشَّاكُون منها من الذين منَّ الله عليهم بالإقبال إلى الله، فلما أقبل الشباب إلى الله صار الشيطان يأتيهم بالوساوس وبالشكوك؛ لأجل أن يخلخل إيمانهم، ولكن هذا -والحمد لله- كيد كائد لمن كاد به كما جاء في الحديث: "الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة" (٢)، وأخبر النبي ﵊ أن هذا صريح الإيمان، هذا صريح الإيمان: يعني خالصه الذي ليس فيه شبهة، وقد أخبر النبي ﵊ بعلاج ذلك فقال: "لا يزال الناس يتساءلون: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقولوا: من

стр. 310

خلق الله؟ فإذا بلغوا ذلك فليستعذ بالله ولينته" (١)، فهذا من جملة ما يوسوس به الشيطان وهذا علاجه. وإذا كان الإنسان يخشى من تزكية نفسه إذا قال أنا مؤمن، أو يخشى أن يوكل إلى نفسه إن ظهر فيه الإعجاب؛ لأن الإنسان -أعوذ بالله- إذا أعجب بعمله وكل إلى نفسه ونزعت بركته، فإذا كان يخشى من ذلك كان الاستثناء واجبًا. ٩ - فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، فإنهم بعد أن أشهدوا نبيهم لجأوا إلى ربهم . ١٠ - التوسل إلى الله تعالى بربوبيته؛ لأن الربوبية تدور على ثلاثة أشياء وهي: الخلق، والملك، والتدبير. وإجابة الدعاء داخل في هذه الثلاثة، فلذلك كان كثيرًا ما يتوسل الدعاة -دعاة الله- بالربوبية كما جاء في الحديث الصحيح: "يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب" (٢). ١١ - أنه يجب أن يكون الإيمان شاملًا لكل ما أنزل الله ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾. ١٢ - حسن الاحتراز في قول الحواريين ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، ولم يطلقوا الإيمان مثلًا بالتوراة؛ لأن التوراة التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة، يبدون شيئًا ويخفون أشياء، فلهذا قالوا: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾،

стр. 311

ونحن نقول: آمنا بما أنزل الله من التوراة والإنجيل؛ لا بالتوراة المحرفة التي بأيدي اليهود، ولا بالإنجيل المحرف الذي بأيدي النصارى. ١٣ - أن الإيمان لابد له من اتباع ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، ولهذا يقرن الله بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة؛ لأن الإيمان المجرد لا ينفع، والعمل الصالح بمنزلة سقي الشجرة، إن لم تسقها ماتت، ولهذا ينبغي لنا عندما نتكلم عن الإسلام أن لا نحاول جعل الإسلام عقيدة فحسب، بل هو عقيدة وعمل. العقيدة لا تكفي؛ لأن العقيدة الآن كل يدعى أنه معتقد، اليهود والنصارى يقولون: نحن نؤمن بالله واليوم الآخر، ونؤمن بأن هناك ربًّا مدبرًا للخلق، وأنه خالق، ونؤمن بالبعث، ولكن هذا ليس بإيمان، وإن كان عندهم هذه العقيدة، فهذه عقيدة فاسدة، فلابد من قرن العقيدة بالعمل الصالح، حتى لا يتكل الناس على ما عندهم من العقيدة ويقولون لا حاجة للعمل، ولهذا قال: (آمنا ... واتبعنا الرسول) لابد من هذا، وتأمل قوله: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، هل يؤخذ منها وجوب الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب؟ وأما الاتباع فيكون للرسول الخاص؟ الجواب: يمكن هذا لأنهم قالوا: آمنا بما أنزلت، وهذا عام، واتبعنا الرسول، وهذا خاص، وهو كذلك. فالإيمان واجب بجميع ما أنزل الله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، ولكن الاتباع خاص بالرسول الذي أرسل إليك، أما الرسول الذي لم يرسل إليك فلست مأمورًا باتباعه إلا إن دلت شريعتك على اتباعه.

стр. 312

١٤ - أنه إذا كان هناك وصفان، وكان أحد الوصفين أخص من الآخر بالعمل أو بالحال التي أنت فيها؛ فإن الأولى أن تأخذ بالأخص لقوله (الرسول)، لأنه رسول مرسل إلينا، ولم يقولوا: (واتبعنا النبي)، اتبعنا الرسول؛ لأن الرسول مرسل إلينا مبعوث، لكن النبي لا يؤمر بالتبليغ على قول جمهور العلماء، وهنا الاتباع الألصق به الرسالة. فلهذا اختاروا وصف الرسول. فإن قال قائل: في حديث البراء بن عازب في ذكر النوم لما قرأ النبي ﷺ عليه ذكر النوم الذي يكون آخر ما يقول الإنسان قال من جملة ما قال: "آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت (١)، فلما أعادها البراء قال: وبرسولك الذي أرسلت. فقال: قل: وبنبيك الذي أرسلت". ومعلوم أن المقام مقام اتباع، فلماذا لما قال البراء: ورسولك الذي أرسلت، والرسالة تتضمن النبوة، قال: قل: ونبيك؟ . فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، ودلالة النبوة على النبوة من باب دلالة المطابقة؛ ودلالة المطابقة أقوى بلا شك؛ لأن دلالة الالتزام قد يمانع فيها الخصم، قد يقول: هذا ليس بلازم، فلهذا اختار وصف النبوة مع أن الرسالة جاءت بعده (. . . الذي أرسلت) ولو قال: رسولك الذي أرسلت لدلَّ على النبوة بطريق الإلتزام؛ لأن كل رسول

стр. 313

نبي، لكن إذا قال: بنبيك الذي أرسلت دلَّ على النبوة بطريق المطابقة؛ لأنه صرح بها بلفظها، ومعلوم أن الدلالة بالمطابقة أقوى من الدلالة بالالتزام لجواز منع الملازمة. الوجه الثاني: أنه إذا قال: برسولك الذي أرسلت لم يكن وصفًا مخصصًا لمحمد ﷺ إذ قد يراد بذلك جبريل مثلًا، جبريل رسول مرسل كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠]، فجبريل مرسل، فلو قال: برسولك الذي أرسلت لم يحدد أن هذا الإيمان بمحمد ﵊، أما إذا قال: بنبيك الذي أرسلت تحدد الوصف بالرسول محمد ﷺ ؛ لأن جبريل لا يسمى نبيًا وإنما يسمى رسولًا، وبهذا يزول الإشكال الذي أشرنا إليه، وهو أنه ينبغي أن يذكر الوصف المطابق، للحال التي عليها المتكلم؛ لأن الحديث -حديث البراء- اختير فيه النبوة على الرسالة من أجل هذين الوجهين. ١٥ - الحرص على صحبة الأخيار، نأخذه من قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ولا شك أن صحبة الأخيار خير، حتى إن الرسول ﷺ مثَّلها بحامل المسك قال: "مثل الجليس الصالح والجليس السَّوءِ كحامل المسك ونافخِ الكير؛ فحامل المسكِ، إما أن يُحْذِيَكَ -يعني يعطيك مجانًا هبة-، وإمّا أن تبتاع منه، وإِمّا أن تجد منه ريحًا طيبة -كل هذا طيب- ونافِخ الكيرِ. ." (١)، والكير

стр. 314

عبارة عن جلد مثل الغَرْب، والغرب دلو للبعير يرفع به الماء فهو يشبه الغرب وفيه طرف مفتوح، وفيه طرف متصل بأنبوب يتصل بمكان النار فيفتحه ثم يضمه ويكون قد حمل هواء عن طريق هذا الأنبوب يدفعه جهة النار، فتلتهب بشدة، وغالبًا ما يكون اثنين، واحد عن يمين الرجل وآخر عن يساره، فتكون النار دائمًا تلتهب. "ونافخ الكير إما أن يُحْرِق ثيابَكَ، وَإِمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة"، ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار من الجلساء أصلحهم؛ لأن الجليس الصالح كله خير، والجليس السوء كله شر. * * * • قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٨]. قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. مكروا: الضمير يعود على الذين كفروا بعيسى، والمكر هو أن يتوصل إلى الانتقام من خصمه بأسباب غير متوقعة، يعني بأسباب خفية ينتقم من خصمه والمضاد له بأسباب خفية، ويشبهه الخداع، فإن الإنسان يتوصل إلى أن ينتقم من خصمه من حيث لا يشعر بأسباب خفية. وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، يعني أن الله مكر بهم حينما مكروا بعيسى، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ

стр. 315

الْمَاكِرِينَ﴾، يعني أقواهم في المكر وأشدهم وأعلمهم بالأسباب التي تحيط بأعدائه. فإذا قال قائل: ما الذي دلنا على أن الضمير في قوله: (مكروا) يعود على الذين كفروا بعيسى؟ فالجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ لا يمكن أن يصدر من قوم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، لا يمكن هذا بل لا يصدر إلا من قوم كفروا، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]. فإن قيل: ما هذا المكر الذي مكروه؟ . فالجواب على هذا: أنهم مكروا بعيسى حيث تمالأوا على قتله فأنجاه الله منهم ومكر الله بهم، فجعل شبهه في رجل، إما منهم من الذين جاءوا لقتله، وإما من أصحاب عيسى، ألقى الله شبهه على واحدٍ منهم فقتل. المهم أن هؤلاء تمالأوا على القتل وجاءوا إلى عيسى ﵊ فدخلوا عليه ولم يشعروه أنهم يريدون قتله لئلا يستنجد بأحدٍ أو يدافع عن نفسه، وما أشبه ذلك، ولكن الله ألقى شبهه على واحد منهم أو على واحد من أصحابه الحواريين، في هذا قولان للمفسرين: القول الأول: منهم من قال: إن الله ألقى شبهه على واحد منهم وهو زعيمهم، جعل الله شبه عيسى في هذا الرجل، فلما أرادوا أن يقتلوه قال: أنا صاحبكم، قالوا: كذبت لست صاحبنا بل أنت عيسى فقتلوه وصلبوه، وهذا بلا شك مكر عظيم أعظم من مكرهم؛ لأن هذا الرجل الذي جاء متزعمًا هؤلاء القوم ليقتل

стр. 316

عيسى صار هو القتيل، وهذا القول أقوى من حيث إن فيه مكرًا بهؤلاء عظيمًا. أما القول الثاني: فيقولون: إن عيسى ﵊ لما أحسّ بأنهم دخلوا عليه ليقتلوه قال لأحد أصحابه: من يقبل أن يلقي الله عليه شبهي فأضمن له الجنة، فانتدب واحدًا منهم لذلك، وألقى الله شبهه عليه، وقيل: بل ألقى الله شبهه على جميع من كانوا مع عيسى حتى إن هؤلاء القوم لما دخلوا كان كل واحد يقول: أيكم عيسى، أيكم عيسى، أيكم عيسى، لم يعلموه. هذان قولان رئيسيان، القول الأول: أن الشبه ألقي على زعيم القوم الذين جاءوا ليقتلوه فقتل، والقول الثاني: أنه على رجل من أصحاب عيسى، ثم هل ألقي الشبه على الجمع فاشتبه على الذين دخلوا، أو أنه ألقي على واحد منهم؟ فيه أيضًا قولان، والمسألة ليست فيها نصٌّ عن النبي المعصوم ﵊ فالله أعلم، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، قد يؤيد القول الأخير أنه صار كل واحد مِن الذين مع عيسى يشبه عيسى، فاشتبه عليهم من هو عيسى. المهم أن هذا هو مكرهم أنهم جاءوا إلى عيسى ﵊ ليقتلوه على وجه لا يشعر بذلك؛ أما مكر الله بهم فهو أنه ألقى الشبه إما على واحد منهم أو من أتباع عيسى فقتلوه، فظنوا أنهم قتلوا عيسى وصاروا يعلنون: قَتَلْنا عيسى وصلبناه، وهم لم يقتلوه ولم يصلبوه. وفي قول الله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، فيها من صفات الله إثبات المكر لله ، والبحث في هذا أولًا: هل

стр. 317

المكر على حقيقته؟ أو هو عبارة عن المجازاة على مكر، فسمي المجازاة على المكر مكرًا من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، فهو كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والمقتص لنفسه لا يسمى معتديًا لكنه يشبهه في اللفظ من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، أو أنه مكر حقيقي؛ لأن صنيع الله بهم مكر حيث كان القتيل منهم على أحد الأقوال أو اشتبه عليهم الأمر على القول الثاني، والصحيح في هذا أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه، ولسنا أعلم بالله من نفسه، هو أعلم بنفسه وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا، ولكنه يجب أن ينزه عن كل نقص، فالمكر هل هو من صفات النقص على سبيل الإطلاق يعني ليس فيه مدح إطلاقًا أو هو نقص في حال دون حال؟ الجواب: الثاني هو الحقيقة، أن المكر في مقام المكر مدح وصفة كمال، والمكر في غير موضعه صفة نقص؛ لأن المكر في غير موضعه خيانة، والخيانة صفة ذم، ولهذا لم يصف الله بها نفسه حتى في باب المقابلة، ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانه؛ لأن الخيانة صفة ذم مطلقًا بخلاف ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فقابل الله مكرهم بمكر ولم يقابل خيانتهم بخيانة. إذن نقول: يجب أن نصف الله بما وصف به نفسه من المكر في الحال التي وصف الله فيها بالمكر، وذلك في مقابلة مكر أعدائه. فنقول: إن الله يمكر بمن يمكرون به وبرسله وبآياته، أما أن نصف الله بالمكر على الإطلاق فنقول: إن الله ماكر ونطلق،

стр. 318

فهذا لا يجوز، لماذا؟ لاحتمال النقص؛ لأن المكر كما قلنا: ليس كمالًا في كل حال، ولا نقصًا في كل حال، فإذا أطلق صار قابلًا لأن يكون نقصًا، فإذا قيدت بالحال التي يكون فيها كمالًا لم يحتمل أن يكون نقصًا. إذن نقول: المكر يوصف الله به لا على سبيل الإطلاق، ولكن في الحال التي وصف الله نفسه فيها به، ولهذا جاء في الحديث: "الحرب خدعة" (١)، وكلٌّ يعرف أن الخدعة في الحرب كمال وليست بنقص، ويذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما خرج إليه عمرو بن ود ليبارزه، ومعروفة هي المبارزة إذا التقى الصفان طلب المتقاتلون المبارزة، من يبرز لفلان؟ والمبارزة سبب للفتح والنصر أو للهزيمة؛ لأنه إذا تبارز الرجلان وانتصر أحدهما قويت نفوس أصحابه وضعفت نفوس الآخرين، لما خرج إلى مبارزة عمرو بن ود صاح علي بن أبي طالب ﵁ وقال: ما خرجت لمبارزة رجلين، فظن عمرو بن ود أنه قد تبعه أحد من قومه، فالتفت لينظر هل لحقه أحد، فلما التفت ضربه عليٌّ بالسيف حتى طن رأسه، هذه خدعة أم لا؟ محمودة أو غير محمودة؟ محمودة، لأنه جاء ليقتل عليا، فتخلص منه بهذه الخدعة، هذا يعدُّ منقبة لعلي بن أبي طالب وصفة كمال، وحينئذٍ نقول: المكر في موضعه مدح وكمال. يقول: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

стр. 319

هذه صفة ثابتة مطلقة، لا تحتاج إلى قيد؛ لأنها وصفت بكمال، ما هو الكمال؟ خير، فالله خير الماكرين، يعني ما من أحد يمكر إلا ومكر الله فوقه وخير منه. والمكر من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة من صفات الله لها سبب فهي متعلقة بالمشيئة؛ لأن مقدّر السبب هو الله، فإذا قدّر السبب فقد شاءه، ويترتب عليه ما يترتب من الصفات. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. يحتمل أن تكون (إذ) متعلقة (بمكر الله) يعني ومكر الله (إذ قال الله: يا عيسى إني متوفيك)، ومحتمل أنها متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد منوّهًا بفضل عيسى إذ قال الله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. أي: إني قابضك، مأخوذة من قولهم: توفى الدائن دَيْنه أي: قبضه، وعيسى قد قبضه الله إليه في السماء ورفعه حتى ينزل في آخر الزمان، هذا قول. والقول الثاني: متوفيك وفاة نوم، يعني منيّمك؛ لأن النائم متوفى، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. والقول الثالث: أنها وفاة حقيقية، توفاه الله وفاة حقيقية وسيحييه في آخر الزمان وينزل إلى الدنيا، والصحيح أنها وفاة

стр. 320

نوم؛ لأن الله لما أراد أن يرفعه إلى السماء أنامه ليسهل عليه الانتقال من الأرض إلى السماء؛ لأن الانتقال من الأرض إلى السماء ليس بالأمر الهين لطول المسافة وبعدها ورؤية الأهوال فيما بين السماء والأرض وفي السموات أيضًا، فأنامه الله ثم رفعه نائمًا حتى وصل إلى السماء، لكن هذا القول لا ينافي القول الأول الذي معناه قابضك؛ لأن نهايتهما واحدة. أما القول الثالث: أنها وفاة موت، فقول ضعيف يضعفه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، قبل موته أي: عيسى، وهذا يدل على أنه لم يمت، ولأن الله تعالى لم يبعث أحدًا بعد الموت فيبقى كما في نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان؛ ولأنه -أعني إطلاق الوفاة على النوم- كثير في القرآن، يعني ليس بمعنى غريب حتى نقول: لا يصح حملها عليه، بل هو معنى له كثرة في القرآن. وقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. (إليّ) إلى أي مكان؟ إلى السماء؛ لأن الرفع يكون من نازل بمعنى رافعك إليّ يعني في السماء، رفعه الله إلى السماء إلى الله. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. مطهرك منهم: التطهير هنا تطهير معنوي لا تطهير حسّي، وذلك لأن الذين كفروا ليسوا يلطخون عيسى بالقاذورات الحسّية لكنهم يلطخونه بالقاذورات المعنوية، قالوا: إنه كذّاب، وإنه ابن زنا والعياذ باللهِ، وأن أمه زانية، واتهموه بأشياء كثيرة، فطهره الله منهم وذلك بما أنزل من براءته في عهده وفيما بعد عهده.
следующие страницы →