← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عيسى صار هو القتيل، وهذا القول أقوى من حيث إن فيه مكرًا بهؤلاء عظيمًا. أما القول الثاني: فيقولون: إن عيسى ﵊ لما أحسّ بأنهم دخلوا عليه ليقتلوه قال لأحد أصحابه: من يقبل أن يلقي الله عليه شبهي فأضمن له الجنة، فانتدب واحدًا منهم لذلك، وألقى الله شبهه عليه، وقيل: بل ألقى الله شبهه على جميع من كانوا مع عيسى حتى إن هؤلاء القوم لما دخلوا كان كل واحد يقول: أيكم عيسى، أيكم عيسى، أيكم عيسى، لم يعلموه. هذان قولان رئيسيان، القول الأول: أن الشبه ألقي على زعيم القوم الذين جاءوا ليقتلوه فقتل، والقول الثاني: أنه على رجل من أصحاب عيسى، ثم هل ألقي الشبه على الجمع فاشتبه على الذين دخلوا، أو أنه ألقي على واحد منهم؟ فيه أيضًا قولان، والمسألة ليست فيها نصٌّ عن النبي المعصوم ﵊ فالله أعلم، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، قد يؤيد القول الأخير أنه صار كل واحد مِن الذين مع عيسى يشبه عيسى، فاشتبه عليهم من هو عيسى. المهم أن هذا هو مكرهم أنهم جاءوا إلى عيسى ﵊ ليقتلوه على وجه لا يشعر بذلك؛ أما مكر الله بهم فهو أنه ألقى الشبه إما على واحد منهم أو من أتباع عيسى فقتلوه، فظنوا أنهم قتلوا عيسى وصاروا يعلنون: قَتَلْنا عيسى وصلبناه، وهم لم يقتلوه ولم يصلبوه. وفي قول الله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، فيها من صفات الله إثبات المكر لله ، والبحث في هذا أولًا: هل

стр. 317

المكر على حقيقته؟ أو هو عبارة عن المجازاة على مكر، فسمي المجازاة على المكر مكرًا من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، فهو كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والمقتص لنفسه لا يسمى معتديًا لكنه يشبهه في اللفظ من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، أو أنه مكر حقيقي؛ لأن صنيع الله بهم مكر حيث كان القتيل منهم على أحد الأقوال أو اشتبه عليهم الأمر على القول الثاني، والصحيح في هذا أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه، ولسنا أعلم بالله من نفسه، هو أعلم بنفسه وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا، ولكنه يجب أن ينزه عن كل نقص، فالمكر هل هو من صفات النقص على سبيل الإطلاق يعني ليس فيه مدح إطلاقًا أو هو نقص في حال دون حال؟ الجواب: الثاني هو الحقيقة، أن المكر في مقام المكر مدح وصفة كمال، والمكر في غير موضعه صفة نقص؛ لأن المكر في غير موضعه خيانة، والخيانة صفة ذم، ولهذا لم يصف الله بها نفسه حتى في باب المقابلة، ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانه؛ لأن الخيانة صفة ذم مطلقًا بخلاف ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فقابل الله مكرهم بمكر ولم يقابل خيانتهم بخيانة. إذن نقول: يجب أن نصف الله بما وصف به نفسه من المكر في الحال التي وصف الله فيها بالمكر، وذلك في مقابلة مكر أعدائه. فنقول: إن الله يمكر بمن يمكرون به وبرسله وبآياته، أما أن نصف الله بالمكر على الإطلاق فنقول: إن الله ماكر ونطلق،

стр. 318

فهذا لا يجوز، لماذا؟ لاحتمال النقص؛ لأن المكر كما قلنا: ليس كمالًا في كل حال، ولا نقصًا في كل حال، فإذا أطلق صار قابلًا لأن يكون نقصًا، فإذا قيدت بالحال التي يكون فيها كمالًا لم يحتمل أن يكون نقصًا. إذن نقول: المكر يوصف الله به لا على سبيل الإطلاق، ولكن في الحال التي وصف الله نفسه فيها به، ولهذا جاء في الحديث: "الحرب خدعة" (١)، وكلٌّ يعرف أن الخدعة في الحرب كمال وليست بنقص، ويذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما خرج إليه عمرو بن ود ليبارزه، ومعروفة هي المبارزة إذا التقى الصفان طلب المتقاتلون المبارزة، من يبرز لفلان؟ والمبارزة سبب للفتح والنصر أو للهزيمة؛ لأنه إذا تبارز الرجلان وانتصر أحدهما قويت نفوس أصحابه وضعفت نفوس الآخرين، لما خرج إلى مبارزة عمرو بن ود صاح علي بن أبي طالب ﵁ وقال: ما خرجت لمبارزة رجلين، فظن عمرو بن ود أنه قد تبعه أحد من قومه، فالتفت لينظر هل لحقه أحد، فلما التفت ضربه عليٌّ بالسيف حتى طن رأسه، هذه خدعة أم لا؟ محمودة أو غير محمودة؟ محمودة، لأنه جاء ليقتل عليا، فتخلص منه بهذه الخدعة، هذا يعدُّ منقبة لعلي بن أبي طالب وصفة كمال، وحينئذٍ نقول: المكر في موضعه مدح وكمال. يقول: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

стр. 319

هذه صفة ثابتة مطلقة، لا تحتاج إلى قيد؛ لأنها وصفت بكمال، ما هو الكمال؟ خير، فالله خير الماكرين، يعني ما من أحد يمكر إلا ومكر الله فوقه وخير منه. والمكر من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة من صفات الله لها سبب فهي متعلقة بالمشيئة؛ لأن مقدّر السبب هو الله، فإذا قدّر السبب فقد شاءه، ويترتب عليه ما يترتب من الصفات. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. يحتمل أن تكون (إذ) متعلقة (بمكر الله) يعني ومكر الله (إذ قال الله: يا عيسى إني متوفيك)، ومحتمل أنها متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد منوّهًا بفضل عيسى إذ قال الله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. أي: إني قابضك، مأخوذة من قولهم: توفى الدائن دَيْنه أي: قبضه، وعيسى قد قبضه الله إليه في السماء ورفعه حتى ينزل في آخر الزمان، هذا قول. والقول الثاني: متوفيك وفاة نوم، يعني منيّمك؛ لأن النائم متوفى، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. والقول الثالث: أنها وفاة حقيقية، توفاه الله وفاة حقيقية وسيحييه في آخر الزمان وينزل إلى الدنيا، والصحيح أنها وفاة

стр. 320

نوم؛ لأن الله لما أراد أن يرفعه إلى السماء أنامه ليسهل عليه الانتقال من الأرض إلى السماء؛ لأن الانتقال من الأرض إلى السماء ليس بالأمر الهين لطول المسافة وبعدها ورؤية الأهوال فيما بين السماء والأرض وفي السموات أيضًا، فأنامه الله ثم رفعه نائمًا حتى وصل إلى السماء، لكن هذا القول لا ينافي القول الأول الذي معناه قابضك؛ لأن نهايتهما واحدة. أما القول الثالث: أنها وفاة موت، فقول ضعيف يضعفه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، قبل موته أي: عيسى، وهذا يدل على أنه لم يمت، ولأن الله تعالى لم يبعث أحدًا بعد الموت فيبقى كما في نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان؛ ولأنه -أعني إطلاق الوفاة على النوم- كثير في القرآن، يعني ليس بمعنى غريب حتى نقول: لا يصح حملها عليه، بل هو معنى له كثرة في القرآن. وقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. (إليّ) إلى أي مكان؟ إلى السماء؛ لأن الرفع يكون من نازل بمعنى رافعك إليّ يعني في السماء، رفعه الله إلى السماء إلى الله. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. مطهرك منهم: التطهير هنا تطهير معنوي لا تطهير حسّي، وذلك لأن الذين كفروا ليسوا يلطخون عيسى بالقاذورات الحسّية لكنهم يلطخونه بالقاذورات المعنوية، قالوا: إنه كذّاب، وإنه ابن زنا والعياذ باللهِ، وأن أمه زانية، واتهموه بأشياء كثيرة، فطهره الله منهم وذلك بما أنزل من براءته في عهده وفيما بعد عهده.

стр. 321

وقوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كفروا بمن؟ كفروا بعيسى؛ لأن الحواريين آمنوا به كما سبق. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. هذا أيضًا من جملة ما قاله الله له: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، جاعل هنا مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ إلى المفعول. (فوق) محلها النصب، هي ظرف متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثانٍ؛ لأن جاعل اسم فاعل من جعل، وجعل تنصب مفعولين، إذن (فوق): ظرف متعلق بمحذوف وهو المفعول الثاني. وقوله: ﴿اتَّبَعُوكَ﴾: أي الذين اتبعوا شريعتك ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فوق الكفار إلى يوم القيامة، هذه الآية يطبل بها النصارى ويقولون: نحن لنا العلو إلى يوم القيامة، ليس إلى أن بُعث محمد، ولكن إلى يوم القيامة. فنقول: نعم صدق الله العظيم، إن الذين يتبعون عيسى لهم النصر على الكافرين إلى يوم القيامة، ولكن مَنِ الذين اتبعوا عيسى؟ هم الذين ردُّوا بشارته وكذبوا من بشّر به؟ لا أبدًا أنتم لم تتبعوا عيسى ووالله لو خرج عيسى لقاتلكم حتى ترجعوا إلى الإسلام، ولهذا في آخر الزمان لا يقبل إلا الإسلام، لا يقبل الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، في آخر الزمان لا يقبل حتى الجزية التي كانت تقبل قبل نزوله، لا تقبل من شدة كراهته لما عليه النصارى واليهود الآن، نحن نقرّ لليهود والنصارى بالجزية، نقول: ابقوا على دينكم لكن أعطوا الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، لكن إذا نزل عيسى لا يقبل، يقول: أسلم وإلا فالقتل، لكراهيته لما هم عليه، لا يريد أن يقرهم ولا على هذا. المهم أن نقول: إن الذين اتبعوا عيسى هم

стр. 322

الذين آمنوا بمحمد ﵊ بعد بعثة محمد، أما قبل بعثة محمد نعم لا شك أن أتباع عيسى هم المسلمون، وأنهم على الحق قبل أن يحرّفوا ويبدّلوا. فإذا قالوا: كيف تجيبون عن قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؟ قلنا: نعم آمِنُوا بمحمد ولكم النصرة إلى يوم القيامة. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يراد بالذين اتبعوه أي: الذين انتسبوا إليه وتكون لهم الغلبة على الكافرين لا على المسلمين، يعني مثلًا أن النصارى يغلبون اليهود والوثنيين وما أشبه ذلك، ويخرج من هذا المسلمون. ويكون الله تعالى قد وعد عيسى بأن يكون من انتسب إليه فوق الذين كفروا به. الجواب: لا يمكن هذا، ليس بعيدًا متعذرًا؛ لأن هؤلاء لم يتبعوا عيسى، ألم تسمعوا أن الله يقول يوم القيامة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]، وهل النصارى يقولون بهذا؟ أبدًا، إذن لم يتبعوه، فالآية وإن كان قد يتراءى لبعض الناس أن يقول: إن النصارى يغلبون غيرهم من الكفار لهذه الآية فإنا نقول: لا لأن الله يقول: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ والنصارى الآن لم يتبعوه، ثم إن الآية يعني لو فسرت بهذا التفسير لكان الواقع يخالفه، فالأمة الصليبية لم تظهر على الأمة الشيوعية بل هي خائفة منها فأين الفوقية؟ ليست هناك فوقية الآن، كل دول أوروبا الغربية بأسطولها وحلفها الأطلسي عجزت أن تكون فوق الشيوعية

стр. 323

وحلفها، كل واحدة منهم تخاف الآن من الأخرى، وقد يكون أتى في يوم من الأيام أن أوروبا تخاف من الشيوعية أكثر مما تخاف منها هذا اليوم، فالحاصل أن الآية لا يمكن أن تحمل على النصارى الموجودين اليوم بأي حال من الأحوال. ثم قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: يعني بعد يوم القيامة إليّ مرجعهم، ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين يجازون على أعمالهم، وسمّي يوم القيامة لثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الناس فيه يقومون لله رب العالمين كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. الوجه الثاني: أنه يقوم فيه الأشهاد، فالرسل يشهدون على أممهم، وهذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. الوجه الثالث: أنه يقام فيه العدل، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فهو يقام فيه العدل، ولهذا أقسم النبي ﷺ وهو الصادق البار المصدوق ﵊ قال: "والله لتؤدين الحقوق إلى أهلها حتى إنه ليقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (١) هذا عدل، أكبر العدل، فلهذا سمي يوم القيامة للوجوه الثلاثة. ثم قال : ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، يعني ثم بعد هذه

стр. 324

الغلبة في الدنيا أو المغالبة في الدنيا حتى يكون بعضكم فوق بعض، بعد ذلك إليّ مرجعكم أي: مصيركم، وكل المصير إلى الله في الدنيا وفي الآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، الأمر إلى الله أولًا وآخرًا لكن ظهور هذا الرجوع لا يكون إلا يوم القيامة حيث يتبين فيه للناس جميعًا أن الرجوع إلى الله يجازي كل نفس بما عملت، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. الله أكبر، وما أعدل هذا الحكم، أحكم بينكم، بين مَنْ؟ بين الخلائق فيما كانوا فيه يختلفون، وهل الناس يختلفون في شيء؟ نعم، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، اختلاف عظيم، فيحكم الله بين هؤلاء وهؤلاء، ويحكم كذلك بين الرسل وأتباعهم، فتقيم الرسل البينة على أنها بلغت الرسالة وقد ينكر ذلك أتباع الرسل لكن لا يتم لهم مقصودهم، فالحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه إلى الله. وقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، أحكم فعل مضارع فهل يشتق منه اسم من أسماء الله؟ القاعدة: أن الفعل لا يشتق منه، لكن قد وُجِدَ اسم من دون الرجوع إلى هذا الفعل وهو "الحكيم"، فإن الحكيم مأخوذ من الحُكْم والحِكْمة، ومن أسماء الله (الحَكَم) كما قال النبي ﷺ : "إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم" (١)

стр. 325

وهذا من الحكم، فالله هو الحكم الذي يرجع الناس إليه في تحاكمهم. ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾: الحكم لله كونًا وشرعًا، فهو الحاكم كونًا وهو الحاكم شرعًا، أما حكمه الكوني فهو نافذ على كل أحد، ولا يستطيع أحد أن يتخلص منه ولا أن يعانده، وأما الحكم الشرعي فإنه باختيار المحكوم عليه، فمن شاء فليؤمن: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، إذن حكم الله ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي. فالحكم الكوني ما يقدّره الله على عباده، ولا يمكن التخلف عنه، ويتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، فيحكم كونًا بوقوع الطاعات وهذا مما يحبه، ويحكم كونًا بوقوع السيئات والمعاصي وهذا لا يحبه، لكنه يحكم به كونًا لحكمة ومصالح عظيمة. وأما الحكم الشرعي فهو ما قضاه بين العباد شرعًا، وهو الذي جاءت به الرسل، وأصله أوامر ونواهٍ، افعلوا كذا، لا تفعلوا كذا، ولا يلزم من الحكم الشرعي وقوع المحكوم به، بل قد يتخلف عنه كثير من الناس، وها هم الرسل يرسلهم الله يتبعهم أناس قليلون وأناس كثيرون، بل قد قال النبي ﵊: "ورأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد" (١) فيتخلف الحكم الشرعي.

стр. 326

وقال بعض العلماء: إن هناك قسمًا ثالثًا للحكم وهو الحكم الجزائي الذي يحكم الله فيه بالجزاء على من عمل إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وعليه يتنزل قوله هنا: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. الفاء هذه عاطفة على ما سبق عطف تفريق، أي: أن ما بعدها فرع عمَّا قبلها، يعني هذا الحكم يكون على هذا الوجه. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾، و (أما) هنا شرطية تفصيلية، يعني أنها تفيد التفصيل كما في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥]، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨]، وهنا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٥٧]. وقوله: فأما الذين كفروا فأعذبهم، كفروا بمن؟ كفروا بالله ورسله. والكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي الكُفُرَّى الذي هو غطاء طلع النخل، الذين كفروا ستروا ما أنعم الله به عليهم من نعمة العقل ونعمة المال والصحة وغير ذلك، حيث لم تظهر عليهم آثار هذه الأشياء، فآثار العقل أن الإنسان يفعل ما ينفعه ويدع ما يضره، ومنه سمي العقل حِجْرًا؛ لأنه يحجر صاحبه عما يضره، لكن الذين كفروا ستروا ما يقتضيه العقل من حسن التصرف وذلك بالإيمان بالله ورسله، فلذلك سموا كفارًا، أي: ساترين لما أنعم الله به عليهم من نعمة العقل التي مقتضاها الإيمان بالله ورسله. قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. العذاب: فعل ما به مشقة أو حصول ما به مشقة سواء كان عن ذنب أو غير ذنب، كما قال النبي ﵊: "إن

стр. 327

السفر قطعة من العذاب" (١)، وقال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" (٢)، يعني هذا عذاب مشقة، ومن عذاب المشقة عذاب العقوبة لأنه شاق على المعاقب، والمراد بالعذاب هنا عذاب مشقة العقوبة. ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، الشديد يعني القوي العظيم في الدنيا والآخرة، في الدنيا قال العلماء: إن العذاب في الدنيا ما يحصل لقلوبهم من الضيق والضنك والقلق والحسرة وغير ذلك، وما يحصل لهم على أيدي المؤمنين من القتل والأسر والجزية وغير ذلك، فعذابهم يكون بالألم القلبي والألم البدني، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾، أما عذابهم في الآخرة فظاهر يعذبون في الآخرة بماذا؟ بالنار، يعذبون في الآخرة بالنار وهم لا تتخطاهم العقوبتان أو إحداهما، يعني إما أن يحصل لهم هذا وهذا وهو الغالب، وإما أن يحصل لهم عذاب الآخرة ولابد، ولكن ظاهر الآية الكريمة في الدنيا والآخرة أنه يحصل لهم العذاب في الدارين، قال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، الدنيا هي هذه الحياة التي نحياها ووصفت بذلك لوجهين: ١ - لدنوّها لأنها سابقة على الآخرة، فهي دانية.

стр. 328

٢ - لنزول مرتبتها كما يقال: دنيا وعليا، فالدنيا نازلة في المرتبة عن الآخرة، مهما بلغ نعيمها فإنها نازلة عن الآخرة؛ لأن نعيم الدنيا إذا حصل فهو مشوب بالكدر كما قال الشاعر: فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُسَاءُ ويوم نسرّ وقال الثاني: لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذّاته بادِّكار الموت والهرم فمهما نعم الإنسان في هذه الدنيا فنعيمها دانٍ، ولهذا وصفت بالدنيا، أما نعيم الآخرة فقد قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. (ما) نافية، يعني هذا العذاب الشديد الذي يوقعه الله فيهم لا يجدون مَنْ ينصرهم منه أي: مَنْ يدفع عنهم هذا العذاب لا أهل ولا مال ولا صديق ولا قريب ولا أحد من الناس: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ [المعارج: ١١ - ١٥]. ثم جاء بالقسم الثاني قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، والرب يكرر هذا دائمًا في القرآن، يجمع بين الإيمان والعمل الصالح، لأنه لا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، بل لابد من الأمرين. ﴿آمَنُوا﴾: آمنوا بما يجب الإيمان به، وذلك بالإيمان بالله

стр. 329

وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي تكون لله وفي الله، أي: أنها خالصة لله وفي حدود شريعة الله، يعني خالصة صوابًا كما قال الفضيل بن عياض ﵀، خالصة لله صوابًا يعني على السنة، هذا هو العمل الصالح، فإن لم تكن خالصة فليست عملًا صالحًا بل هى مردودة على صاحبها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي الحديث القدسي: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١)، وأما الموافقة أو الصواب كما قال الفضيل فلقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)، فلا يقبل العمل إلا بموافقة الشرع. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم، (اللهم لك الحمد)، انظر إلى هذه المنة، كأن هؤلاء عمال يستحقون الأجر ولابد، حيث سمَّى الله جزاءهم أجرًا، والأجر من المستأجَر حق يجب له، ولكن هذا من فضل الله وكرمه؛ لأن

стр. 330

الذي أوجب الأجر على نفسه مَنْ؟ الله هو الذي أوجب ذلك على نفسه، لم يوجبه أحد عليه، لو شاء لأمرنا ونهانا ولزمنا أن نطيعه بدون عوض؛ لأنه ربنا وخالقنا وما نعمله من الطاعات فإنه لا يقابل واحدة من نعمه التي لا تحصى ، ولهذا قال النبي ﷺ : "لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" (١) ﷺ ، فهذه الأجور التي هي جزاء الأعمال التي سماها الله أجرًا كالأجرة المفروضة على المستأجر لم يوجبها أحد على الله بل هو الذي أوجب على نفسه هذا الأجر، قال ابن القيم ﵀: ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان إن عذبوا فبعدله أو نُعِّموا ... فبفضله والفضلُ للمنان والحاصل: أننا ليس لنا حق على الله واجب ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، اللهم لك الحمد. قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. خَتْمُ الآية بهذا مناسب؛ لأنه لما بيّن أن هؤلاء آمنوا وعملوا الصالحات فيوفون أجورهم بيَّن أن هؤلاء قد قاموا بما يلزمهم وأنهم لم يظلموا أنفسهم، ولذلك أثابهم الله هذا

стр. 331

الثواب العظيم، وأن الله لا يحب الظالمين، فلو ظلموا أنفسهم ما استحقوا هذا الثواب كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فلو أشركوا بالله لحبط عنهم ما كانوا يعملون، وبطل عملهم؛ لكنهم أخلصوا لله، ولو ابتدعوا في دين الله ما قبله الله منهم، ولكنهم اتبعوا شريعة الله، فانتفى عنهم الظلم في الإخلاص وفي العمل فكانوا أهلًا لإكرام الله . أما الذين كفروا واستحقوا العذاب فإنهم ظلموا أنفسهم فحصلوا على مقت الله وعقابه -والعياذ بالله- وعدم محبته. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: المشار إليه كل ما سبق من ذكر آل عمران ﵏: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، فكل هذا مما تلاه الله تعالى على رسوله محمد ﷺ . وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أي: نقرؤه عليك متتاليًا يتلو بعضه بعضًا، ولكنه بواسطة جبريل ﵊، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ﴾. ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: "من"، قال بعضهم: إنها بيانية تبيِّن المشار إليه في قوله: "ذلك"، وقال بعضهم: إنها تبعيضية، أي: بعض الآيات، ولكن الصواب الأول، وهو أن ما تلاه الله على رسوله محمد ﷺ كله الآيات، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، العلامة على شيء تسمَّى آية كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ

стр. 332

يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، يعني علامة على قدرتنا، وما أشبه ذلك من الآيات، ولما أرسل النبي ﷺ رجلًا إلى عامله في خيبر أن يعطيه ساقًا من التمر قال: "فإن طلب منك آية -أو قال: أمارة- فضع يدك على ترقوته" (١)، كأن النبي ﷺ قد قال للعامل: إذا بعثت إليك مبعوثًا فإن علامة صدقه أن يضع يده على ترقوتك. قال: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ﴾. الذكر: يطلق على معانٍ: منها الشرف كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، أي: شرف عظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، أي: شرفك، ويطلق الذكر على ما يحصل به التذكر، فيسمى الكلام الجيد المشتمل على الموعظة ذكرى، قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، أي: التذكرة، ويطلق الذكر على ذكر الله كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والمراد به في هذه الآية المعنيان الأولان الشرف وما يحصل به التذكير، فإن هذا القرآن لا شك شرف لمن تمسك به وقام بحقه، فإنه ينال شرف الدنيا والآخرة وسعادة الدنيا والآخرة، ولم يشرّف العرب ولم ينالوا السعادة والنصر والظهور إلا حين تمسكوا به، ولذلك لما تخلوا عنه زال عنهم وصف الشرف والظهور والنصر وصاروا إلى ما ترون. ولن يعود لهم مجدهم السابق مهما طنطنوا بالعروبة والقومية وما أشبه ذلك إلا إذا رجعوا إلى الإسلام، فمهما بلغوا في الدعاية فيما يتعلق

стр. 333

بالقومية والعروبة وما أشبه ذلك فإنها لن تنفعهم ولن تزيدهم إلا دمارًا كالذين يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا، لن تزيدهم إلا ذلًا إلا إذا رجعوا إلى دين الله الذي انتصروا به من قبل. والقرآن أيضًا ذكر من جهة التذكير؛ لأن كل إنسان يقرأ القرآن بحضور قلب فلابد أن يتأثر به: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] لابد أن نتذكر به فهو موعظة عظيمة حتى لغير المؤمنين إذا سمعوه وهم يعرفون آياته أي: معانيها فسوف يتعظون به، وما وقع لبعض العرب في ذلك أمر مشهور في التاريخ، حتى إنه ذُكِر أن النبي ﷺ لما قرأ عليهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، قالوا: أمسك. أو هم أمسكوا ووضعوا أيديهم على فمه من شدة ما يعلمون من هذه المعاني العظيمة. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾: يعني ذا الحكمة، فالقرآن كله حكمة، وهو فعيل بمعنى مُفعَل، وفعيل بمعنى فاعل، فهو فعيل بمعنى مُفعل أي: محكم متقن، وهو فعيل بمعنى فاعل أي: حاكم لأن القرآن بلا شك حاكم بين الناس: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]. من فوائد الآيات الكريمة: من فوائد قوله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ١ - أن أعداء الرسل يكيدون لهم ويمكرون لهم؛ لقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾ وننتقل من هذا إلى: أ - أن أعداء الرسل أيضًا يمكرون لأتباع الرسل؛ لأن أعداء

стр. 334

الرسل ليسوا يمكرون للرسل أو يمكرون بالرسل من أجل أنهم فلان وفلان لكن من أجل دعوتهم، ودعوتهم إذا ورثها العلماء من بعدهم فإن الذين يمكرون للرسل سيمكرون بأتباع الرسل وورثة الرسل، وينبني على هذه الفائدة: ب - أنه يجب على أهل العلم أن يتحفظوا تحفظًا كاملًا من أعداء الرسل الذين يتربصون بهم الدوائر، وأن يتقوا شرَّهم بما استطاعوا لئلا يمكروا بهم، والمكر وسائله وطرقه كثيرة، لكن العاقل الذكي ينتبه، ولهذا قال الله للرسول ﵊ في المنافقين، قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، فبيّن أنهم هم العدو حقيقة، وأمر بالحذر منهم. ٢ - لا يوصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق بل يقال: إن الله ماكر بمن يمكر به؛ ليعود المكر صفة كمال؛ لأن المكر إذا ذكر مطلقًا صار محتملًا للنقص، فإذا ذكر مقيدًا بأن قيل: إن الله ماكر بمن يمكر به وبأوليائه، صار صفة كمال تدل على قوة الله وإحاطة علمه، وأن علمه أدق من علم هؤلاء الماكرين الذين يأتون بالأسباب الخفية والطرق الملتوية ليوقعوا عباد الله في الشر، فيكون الله أقوى منهم في ذلك، فإذا مكروا مكر الله ، ولا يجوز أن يسمى الله بالماكر مطلقًا، ولا يوصف بالماكر على سبيل الإطلاق، وقد سبق أن الله وصف نفسه بالمكر والكيد والسخرية والخداع والاستهزاء ولم يصف نفسه بالخيانة أبدًا؛ لأن الخيانة صفة ذم بكل حال ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾

стр. 335

[الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خديعة في مقام الائتمان، والخديعة في مقام الائتمان صفة ذم ونقص. ٣ - جواز المفاضلة بين الخالق والمخلوق في الوصف كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، و (خير) اسم تفضيل التفضيل فيجوز أن يفاضل بين الخالق والمخلوق، لأن هذا مطابق للواقع تمامًا، فالله تعالى أكمل من كل ذي كمال، ومنه تتفرع قاعدة وهي خطأ بعض أهل العلم ﵏ حيث يفسرون اسم التفضيل المنسوب إلى الله باسم الفاعل، فيقولون مثلًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، يقولون: الله عالم حيث يجعل رسالته، ولم يتفطنوا أنهم إذا قالوا: الله عالم، لم يمنع مشاركة غيره في العلم مع المساواة، لكن إذا قالوا: الله أعلم، امتنع مشاركة غيره له في العلم الذي هو أعلم به من غيره. ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾: ١ - التنبيه على أنه ينبغي أن نذكّر الناس بأحوال الأنبياء السابقين، وجه ذلك: أننا قدرنا ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بـ (اذكر إذ قال الله). فينبغي أن يذكّر الإنسان الناس بأحوال الأنبياء السابقين لما في ذلك من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم، وغير ذلك من المصالح العظيمة. ٢ - إثبات القول لله وأنه بحروف وبأصوات مسموعة؛ لقوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وهذا خطاب من يسمع، ثم هو كلمات من

стр. 336

حروف أو من غير حروف؟ من حروف، ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم كلامًا مسموعًا بحرف وصوت. ٣ - الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي القائم بنفسه، فإن هذا لا يسمى قولًا وإن أطلق عليه القول فلابد أن يقيد كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، فلما أراد القول النفسي قيَّده (يقولون في أنفسهم) أما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يسمع، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو الكلام النفسي القائم بنفسه، وأنه أزلي لا يحدث ولا يصدق بعضه بعضًا؛ لأنه معنى قائم بالنفس. والحقيقة أن هذا القول مضمونه إنكار كلام الله، ولهذا قال بعض منصفيهم: ليست بيننا وبين المعتزلة فرق؛ لأننا نقول جميعًا: إن هذا القرآن الذي في المصحف مخلوق؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم (بما يسمع) بنفسه لكن يخلق كلامًا يعبر به عما في نفسه، وعلى هذا فالمسموع والمقروء والمكتوب مخلوق، فيتفق المعتزلة والأشاعرة، بل إن المعتزلة خير منهم من جهة النسبة؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، وأولئك يقولون: هذا عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، المهم أن هذه الآية وأمثالها فيها الرد على الأشاعرة. ٤ - فضيلة عيسى ومنقبته بخطاب الله إياه، فإن من خاطبه الله فذلك فخر له بلا شك خصوصًا أنه قال له: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. . . إلخ. ٥ - أن الله رفع عيسى بجسمه؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ﴾، والخطاب لعيسى المكون من بدن وروح فيكون رفعه ببدنه.

стр. 337

٦ - إثبات منقبة لرسول الله ﷺ ، وذلك أن النبي ﷺ أسري به إلى السموات السبع حتى اخترقها كلها وهو يقظان، وعيسى لم يُرفع إلا وهو نائم؛ لأن قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: منيمك على أحد الأقوال وهو أقربها، ومعلوم أن ثبات قلب من يباشر الشيء وهو يقظان أقوى من ثبات من يباشره وهو نائم. ولهذا تجد بعض الناس إذا سمع الرعد الشديد والبرق الخاطف يغمض ويضع إصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع ويقول: ليتني نمت قبل هذا، والإنسان الثابت الذي يقول: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، تجده لا يهتم. المهم أن النبي ﷺ أسري به يقظة بروحه وبدنه، وعيسى عندما أراد الله أن يرفعه أنامه. ٧ - منقبة لعيسى أخرى حيث قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، فأضاف رفعه إلى نفسه ، وهذا لا شك أنه منقبة أن الله ضمَّه إليه ورفعه إليه، ليكون أقرب إليه مما لو كان في الأرض. ٨ - أن الله منع الأذى عن عيسى الذي يمكن أن يلحقه من الكفار حيث قال: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وذلك بالدفاع عنه، فإن الذين كفروا قالوا: إنه ولد زنا، قاتلهم الله، فطهره الله لما قالوا: ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٧، ٢٨]، من أين جاءك الزنا؟ ! لأن هذا تعريض، يقولون: أبوك ما كان امرأ سوء بل هو نزيه وأمك كذلك فمن أين جاءك الزنا؟ أعوذ بالله. لم تجاوبهم بل أشارت إليه: اسألوا الطفل، قالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] فأجابهم قبل أن يسألوه، ماذا

стр. 338

قال؟ قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] هذا تطهير عظيم له ولأمه ﵂. ٩ - أن كلَّ من رمى عيسى بهذا السوء فهو كافر؛ لأنه لم يقل مطهرك من الذين قدحوا فيك، قال: من الذين كفروا، فيستفاد من هذا أولًا كفر هؤلاء، وثانيًا: أن كل من رماه بذلك فهو كافر. ١٠ - أن نصرة الأتباع نصرة للمتبوع. ١١ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وسبق لنا أن أتباعه بعد بعثة الرسول ﷺ هم أمة محمد، ومن كفر بمحمد فإنه لم يتبع عيسى، وذكرنا وجهًا آخر أن النصارى سيكونون فوق غيرهم من ملل الكفر، لكن الإسلام فوق الجميع، ولكن متى يكون الإسلام فوق الجميع؟ إذا رجع المسلمون إلى الإسلام حقيقة، أما إذا لم يرجعوا إلى الإسلام حقيقة فيخشى أن يكون النصارى فوقهم، والواقع الآن مع الأسف الشديد هو هذا. ١٢ - إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ويوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس للجزاء إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ١٣ - إطلاق الفوقية على الفوقية المعنوية، يعني معناه أنهم يكونون فوق رؤوسهم فوقية معنوية، لا حسية، وفي هذا إثبات للفوقية المعنوية كالفوقية الحسية. ١٤ - أن مرجع الخلائق إلى ربهم الذي ابتدأ خلقهم وستكون النهاية إليه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، ولابد.

стр. 339

ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الانشقاق: ٦]، الإنسان -كل إنسان- مخاطب وليس فقط المؤمن: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ و (إلى) للغاية، أي النهاية إلى الله، ثم أكد هذه النهاية بقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ يعني فاستعد لهذا اللقاء. ١٥ - إثبات حكم الله في الدنيا والآخرة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، هذا في الآخرة، وفي الدنيا: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، فالحكم كله راجع إلى الله ، والله تعالى هو الحكم في الدنيا وفي الآخرة. ١٦ - بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾، وقد أخبرنا الله أن الخاصم الغالب هم المؤمنون، قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، الحمد لله، انظر (سبيلًا) نكرة في سياق النفي. ١٧ - ثبوت علو الله تعالى بذاته، لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، لأن الرفع معروف أنه الصعود إلى أعلى، فإذا قال: (إلي) علم يقينًا أن الله فوق وهو كذلك، هو فوق كل شيء بذاته، ولا ينافي هذا ما ثبت من أنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر (١)، هو النازل وهو عالٍ، ولا ينافي هذا أيضًا أنه مع الخلق كما قال : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ

стр. 340

مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، فهو مع الخلق وهو عالٍ عليهم كما قال شيخ الإسلام في الواسطية: "عليٌّ في دنوه، قريب في علوه". ولا ينافي هذا أيضًا أنه يأتي يوم القيامة للفصل بين العباد، فهو يأتي ولكنه فوق كل شيء، ولا ينافي هذا أنه يدنو عشية يوم عرفة يباهي بأهل الموقف الملائكة (١). فإذا قال قائل: كيف لا ينافي هذا، أنا لا أتصور أن شيئًا يكون عاليًا نازلًا أبدًا. قلنا: تبًّا لك، أنت لا تتصور هذا بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فكل ما أخبر الله به عن نفسه فهو حق، حق لا يتناقض وليس فيه غير ممكن أبدًا، إذا قلت: لا يمكن، معناه أنك لن تصدق أخبار الله ورسوله إلا إذا وافقت هواك وإلا فلا، ولهذا ضلَّ مَنْ ضلَّ من الناس في مثل هذه الأمور حيث قالوا: هذا غير ممكن، وهذا غير ممكن، وبنوا عقيدتهم على أهوائهم. إذا كنت تريد أن تبني عقيدتك على هواك فما الفائدة من الرسل؟ لا فائدة من الرسل، إذا كنت أنت تريد أن تبني العقيدة على ما تهوى أنت وإذا جاءت الرسل بكلام يخالف ما عندك ذهبت تحرِّفه، إذن لا فائدة من الرسل. ولهذا أنصح دائمًا وأبدًا وأكرر أن يقبل المسلم كل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله . ومن صفات اليوم الآخر أيضًا -لأنه في اليوم الآخر أشياء لا تكون في الدنيا- دُنُوُّ الشمس من الناس قدر ميل يوم القيامة، ولو كان في الدنيا لاحترقت الأرض ومن عليها، لكن أحوال

стр. 341

الآخرة شيء آخر، وأحوال الناس مختلفة، هذا في نور وهذا في ظلمة والموقف واحد. أما في الدنيا فغير ممكن لو أتيت بأدنى سراج معك لانتفع به مَنْ إلى جانبك، وفي الآخرة الناس يُعرفون على قدر أعمالهم، فمنهم من يلجمه العرق، ومنهم من إلى كعبيه والمقام واحد، فأمور الآخرة وأمور الغيب كلها لا يجوز لك أن تقيسها بما تشاهده في الدنيا؛ لأن القياس هنا ممتنع، فهو قياس مع الفارق لاسيما في صفات الخالق ، فإن الفارق بعيد بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولذلك حذار أن تقيسَ ما أثبت الله لنفسه من صفات جل وعلا بما تعرفه من صفات المخلوقين؛ فإنك ستضل لا محالة. ١٨ - أن مرجع الخلائق إلى الله نهايةً وحكمًا، فإن الناس يبعثون يوم القيامة إلى ربهم حكمًا يحكم بينهم. ١٩ - إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، وهذا حكم جزائي. ٢٠ - أن الخصومة تقع بين المؤمنين والكافرين في يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، ويحتمل أن يقال: إن هذا حكم سبقت الخصومة فيه في الدنيا حيث كان الكفار والمنافقون يختصمون، ولكن الأول أقرب ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١]. ٢١ - أن الاختلاف بين المسلمين والكفار اختلاف جوهري يحكم الله فيه بين هؤلاء وهؤلاء يوم القيامة، وأما الاختلاف بين المسلمين فيما مصدره الاجتهاد، فإنه لا يحكم بينهم؛ لأن المجتهدين وان اختلفوا في الحكم فإنهم لم يختلفوا

стр. 342

في الحقيقة؛ لأن كل واحد منهم يعذر الآخر ولا يرى أنه مخالف له، وإن خالفه في القول والرأي لكنه لم يخالفه في المنهج والطريقة، كل واحد منهم يريد الحق ولكن اختلفوا في كيفية الوصول إليه. ٢٢ - إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ إذ لا حكم إلا بعد علم، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنما أقضي بنحو مما أسمع" (١). ومن فوائد قول الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. ١ - إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ٢ - ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: إن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يعذب الكفار في الدنيا ويهزمون ويؤسرون، وتسبى ذريتهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار. ٣ - إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾. ٤ - أن الجزاء من جنس العمل، فكلما كان العمل أسوأ

стр. 343

كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ٥ - أن العذاب -عذاب الكافرين- يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات وما أشبه ذلك، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وهذا يكون بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله ، والأول عذاب بأيدي المؤمنين. ٦ - أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك لأن هؤلاء الكفار إذا عذبوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يقتلون، والنساء والذرية يسبون، والأموال والأراضي تغنم، وهذا لا ناصر لهم فيه. فإذا قال قائل: أليس الإمام يخير في الأسرى بين أمور أربعة: إما القتل أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو بالاسترقاق يجعله رقيقًا يباع ويشترى، أو بالمنّ مجانًا، ولا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، وإنما الإشكال في الأخير وهو المن وهذا ليس بعذاب. فالجواب على ذلك نقول: إنه لا يجوز للإمام أن يختار واحدة من هذه الأربع إلا حيث يرى للمسلمين فيها مصلحة. فالتخيير هنا تخيير مصلحة وليس تخيير تشهٍ واختيار، وإذا كان للمسلمين مصلحة فلابد أن يكون هذا عذابًا على الكافرين، فلأن

стр. 344

كل شيء فيه مصلحة للمسلمين ففيه عذاب للكافرين، وعلى هذا فلا ناصر لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة. ٧ - بلاغة القرآن وحكمة القرآن، بلاغته في الإتيان بالمعاني متقابلة، لأن الإتيان بالمعاني المتقابلة توجب نشاط الإنسان حيث ينتقل الذهن من معنى إلى ما يقابله، فيزداد نشاطًا وشغفًا. وأما من جهة كمال البلاغة فلأن المعاني إذا تنوعت على وجوه التقابل ازداد اللفظ حسنًا، وهذا معروف عند علماء البلاغة باسم علم البديع، وفيه أيضًا تربية للنفس؛ لأن النفس إذا سمعت عقاب الكافرين خافت ووجلت وربما يستولي عليها اليأس، فإذا جاء ثواب المؤمنين طمعت ورجت فصار سيرها إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء. ٨ - أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين: الإيمان، والعمل الصالح. فالإيمان وحده لا يكفي، بل لابد من عملٍ صالح ينمّي هذا الإيمان ويشهد بصحته، أما مجرد العقيدة فإنها لا تكفي، على أن العقيدة إذا كانت سليمة استلزمت العمل الصالح؛ لقول الرسول ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١). ٩ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين:

стр. 345

أ - الإخلاص لله. ب - المتابعة لرسول الله ﷺ . أي: ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض ﵀. ١٠ - منّة الله على عباده حيث جعل هذا الجزاء كالأجور اللازم وفاؤها؛ لقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، والفرق بين التعبيرين ظاهر هناك قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. ١١ - إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون على إثبات المحبة بنفي المحبة لأنه قال: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فالجواب: أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم، ولو كانت منتفية عن الجميع لم يكن لتخصيصها بالظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي ﵀ على ثبوت رؤية المؤمنين لله بقول الله تعالى عن الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقال في وجه الاستدلال: ما حجب أعداءه عن رؤيته في الغضب إلا لثبوت رؤية أوليائه له في الرضا، وهذا واضح. ١٢ - شؤم الظلم على الإنسان، وأنه سبب لانتفاء محبة الله له، وإذا انتفت محبة الله للعبد فقد هلك. ١٣ - أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه رتّب عليه وعيد وهو انتفاء محبة الله ، ولكن الظاهر أن هذا ليس على سبيل الإطلاق بل الظلم يكون كبيرة ويكون صغيرة؛ لأن جميع المعاصي ظلم، ومن المعاصي ما هو كبير ومنها ما هو صغير.

стр. 346

١٤ - ومن فوائد الآية مع التي قبلها: التنوع في الأسلوب وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ . الجواب: نعم هناك فرق من حيث المعنى، أما اللفظ فظاهر، ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد الفرق في المعنى. الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة تستدعي سلطة وقهرًا وعزة، فكان الأنسب التعبير بـ (أُعذِّب) الدالة على قوة السلطان، أما هذه فكأن الله للتودد مع هؤلاء وبيان فضلهم قال: (فيوفيهم أجورهم) ولم يسند الإيفاء إلى نفسه ليعطيهم شيئًا من الشكر على عملهم؛ لأن هناك فرقًا بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم وأن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن المواجهة أشد من الغيبة، وتأمل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ١ - ٣]، فقال: (عبس) ولم يقل: (عبست) وقال: (وما يدريك) ولم يقل: (وما أدراه) أو (وما يدريه) فهذه -والله أعلم- الحكمة من أنه جاء التعبير بالعذاب بالفعل مسندًا إلى ضمير المتكلم بخلافه الجزاء، ويدل لهذا الاعتبار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، فجعل فعلهم إحسانًا يشكرون عليه ويحسن إليهم مع أن الإحسان كله من الله، فإن التوفيق للعمل الصالح من إحسان الله إلى العبد، لكن هذا من كمال رحمة الله وثوابه وجزائه، قال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢]، فصار في تغيير

стр. 347

الأسلوب في الآيتين فائدتان: لفظية ومعنوية، اللفظية هو الالتفات الذي يوجب الانتباه، والمعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب المثوبة. ومن فوائد قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. ١ - أن الله تكلم في القرآن فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذ كانت التلاوة لله حقيقة ونقلها جبريل إلى الرسول ﷺ ، ويحتمل أن تكون التلاوة لجبريل لكن لما كان جبريل رسولًا لله نسب فعله إلى الله فهو كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨]، ومعلوم أن الذي يقرؤه جبريل. ٢ - أن القرآن الكريم آية بل آيات كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، آيات عظيمة، فآياته كثيرة كل آية فيها عدة آيات، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا من فتح الله له قلبه بالإيمان والعمل، واعتقد أن هذا القرآن كلام الله وأن فيه آيات بينات، أما الذي تمر عليه مثل هذه الجملة من الآيات مرَّ الكرام، ولا يتحرك بها قلبه، ولا يتأمل هذه الآيات؛ فإنه لا ينتفع بما في القرآن من الآيات، لابد أن تؤمن بأن فيه آيات وأن تحاول استخراج هذه الآيات بالتدبر، والإنسان إذا تدبر القرآن وجد فيه آيات عظيمة لا يحصيها البشر. ٣ - أن القرآن ذِكْرٌ، لكن هل هو ذكر يتقرب إلى الله به أو هو ذكر يتذكر به الإنسان؟ ذكرنا أن المعنى شامل لهذا وهذا، فهو ذكر يقرب إلى الله لأن من تلاه فله بكل حرف عشر حسنات،

стр. 348

وهو ذكر يتذكر به الإنسان .. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، قيل: هو ذكر رفع الله به شأن الذين تمسكوا به كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، أي: شأنك أعلوناه، وعلى هذا فيكون للذكر ثلاثة معان: أ - ذكر يتقرب به إلى الله بتلاوته. ب - وذكر يتذكر به الإنسان. ج - وذكر يعني شرفًا لمن تمسك به. ٤ - وصف القرآن العظيم بهذا الوصف العظيم وهو الحكمة والذكر الحكيم، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمُحْكم؛ لأن القرآن حكم بين الناس ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، أي: إلى كتابه، فهو حَكَم، وهو أيضًا محكم متقن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض. ٥ - أنه لا يوجد حكم دلَّ عليه القرآن إلا وهو في موضعه اللائق به، من أين يؤخذ؟ من الحكيم؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في مواضعه، فكل حُكم حَكم به القرآن فإنه في موضعه لا يقول العاقل: ليته لم يحكم به، أبدًا سواء كان ثبوتيًا أو سلبيًا. ٦ - فضيلة الرسول ﵊ في قوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، فخصه ﷺ بالتلاوة عليه لأنه ﷺ أشرف من يتلقى القرآن، وأقوم الناس عملًا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾.

стр. 349

• قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَي عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَي الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١]. لقد مرَّ علينا أن هذه الآيات نزلت حين قدم وفد نجران إلى رسول الله ﷺ وكانوا نصارى، وكان قدومهم في سنة تسعة من الهجرة؛ لأن تلك السنة كثر فيها الوافدون إلي رسول الله ﷺ ، ولهذا تسمي سنة الوفود، وهذا أحد الأسباب التي منعت النبي ﷺ أن يحج في العام التاسع مع أن مكة قد فتحت. قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، يعني شأنه -أي شأن عيسى- عند الله كشأن آدم لا يختلف عنه، فكما أننا متفقون علي أن آدم خلقه الله من غير أب ولا أم -والنصاري يؤمنون بهذا- فما بال النصاري يقولون: كيف خلق الله عيسي بلا أب ما هو إلا ابنه، نعوذ بالله .. فقالوا: إنه ابن الله جزء منه، ولم يقولوا: إن آدم ابن الله مع أنه لو كان أحد يدعي البنوة في أحد من البشر لكان الأحق بها آدم؛ لأنه ليس له أم ولا أب .. أما عيسى فله أم، والأم أحد الوالدين، فإذا كنا نقول: لا يمكن أن يوجد أحد من أب بلا أم، أو من أم بلا أب فلنقل: ولا أحد يوجد بدون أم ولا أب، فأنتم أيها النصاري أقررتم بأن آدم ليس ابنًا لله فيلزمكم أن تقروا بأن عيسي ليس ابنًا لله؛ لأن مثل عيسي كمثل آدم. ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، خلقه يعني ابتدأ خلقه من تراب، وضمير المفعول في خلقه يعود علي آدم؛

стр. 350

لأنه هو المخلوق من التراب، خلقه أي: خلق آدم من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. نحن قلنا: ابتدأ خلقه ثم قال: كن، والأمر هذا لتمام الخلق، وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: كيف تكون كلمة (كن) بعد الخلق؟ لأن الترتيب العقلي يقتضي أن تكون كلمة (كن) قبل الخلق، كن فكان؟ فنقول: إن معنى خلقه أي: ابتدأ خلقه من تراب ثم قال له: كن بشرًا فكان بشرًا، وهل هذا القول (كن) قول قدري أو شرعي؟ قول قدري، والقول القدري لا يتخلف عنه المقول؛ لأنه أمر حتمي بخلاف القول الشرعي، فإن من الناس من يستكبر عنه، يقول الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فيقول: لا، لا أقيم الصلاة. أما القول الكوني فإنه لا مرد له ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان، على حكاية الحال يعني لمّا قال: كن فعلًا شرع بالكينونة حتى تمت. من فوائد الآية الكريمة: ١ - في هذه الآية بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج به الخصم؛ لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن الله؛ لأنه خلق بلا أب، فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون. ٢ - بيان قدرة الله حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب، وهناك أيضًا صنفان آخران: من خلق من أب بلا أم وهي حواء، ومن خلق بين أب وأم وهم سائر البشر. ٣ - إثبات القياس، من أين يؤخذ؟ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾، وكل

стр. 351

مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس؛ لأنه إلحاق المورد بالمضروب، يعني أنك ألحقت الممثل بالممثل به. ٤ - إثبات القول للرب ؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾. ٥ - أن قول الله بصوت مسموع وبحروف مرتبة؛ لقوله: ﴿قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فسيسمع هذا القول بحرف مرتب. ٦ - إثبات صفة الخلق لله (خلقه) والخلق صفة ذاتية أو فعلية؟ فعلية، من الصفات الفعلية لكن قد مرَّ علينا أن جنس الصفات الفعلية ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعّالًا. * * * • ثم قال الله : ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، الحق: خبر المبتدأ المحذوف والتقدير (ذلك الحق) أي: هذا الذي قصَّ عليك هو الحق، وعلى هذا تكون شبه الجملة وهي ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تكون في موضع نصب علي الحال من الحق، ويحتمل على بُعدٍ أن يكون ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره. وفائدة هذا التركيب علي هذا الإعراب: أنك لا تطلب الحق من غير الله، فكأنه يقول: مصدر الحق من الله فلا تطلبه من غيره، الحق يوصف به الحكم ويوصف به الخبر، فإن وصف به الحكم صار معناه العدل، وإن وصف به الخبر صار معناه الصدق، والصدق والعدل كلاهما ثابت، ولهذا وصفا بالحق، وأصل الحق من حقَّ الشيء إذا ثبت كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]، حقت: يعني ثبتت، إذن في إعرابها وجهان.

стр. 352

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله تعالى لا يصدر منه إلا الحق ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. ٢ - فضيلة رسول الله ﷺ بإضافة الربوبية إليه، وذلك لأن الربوبية هذه خاصة، والربوبية الخاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة. ٣ - النهي عن الشك فيما أخبر الله به؛ لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. ٤ - أن الممترين كثيرون؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، لكن الظاهر الأول، ولا شك أن الممترين من بني آدم كثيرون؛ لأن ذرية بني آدم منهم تسعمائة وتسع وتسعون كلهم من أهل النار. ٥ - جواز التعريض، أو جواز المخاطبة بالتعريض؛ لأن قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيئ، فلا تكن منهم وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا المستقبل. * * * • ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. ﴿حَاجَّكَ﴾ أي: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، ومنه الحديث: "تحاجَّ آدم وموسى" (١)، أي: طلب كل

стр. 353

واحد منهما أن يَحُجَّ الآخر، وأيهما الذي حجَّ؟ آدم، حاجك إذن بمعني جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته ليغلب الآخر. وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾، (مَنْ) هذه شرطية، وجواب الشرط ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾. وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾، الضمير يعود علي عيسي والمراد بالمحاجة في عيسي ليس في ذاته؛ لأن عيسي معلوم أنه بشر لكن في شأنه وقضيته. وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ مَنْ الذي يمكن أن يحاجَّ النبي ﷺ في عيسي؟ هم النصاري، وهذه الآية وما قبلها كلها نزلت في وفد نجران من النصاري. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: يعني بعد أن علمت قضيته وشأنه وتيقنت، فالذي يحاجك فيه ادعه للمباهلة. وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أتي بـ (من) الدالة علي أن النبي ﷺ أمر بالمباهلة بعد أن تروي من العلم؛ لأن ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تدل على أن هناك مهلة بين العلم الذي جاءه وبين المحاجة التي وقعت، بخلاف لو قال: (فمن حاجك فيه بعدما جاءك)، فإنها تفيد البعدية لكن لا تدل علي التراخي والمباعدة، ومعلوم أن الإنسان كلما تمعن في النظر فيما علم ازداد به علمًا ويقينًا. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، عن أي طريق؟ عن

стр. 354

طريق الله ، فإن الله تعالي أوحي إلي نبيه محمد ﷺ في شأن عيسي من العلم ما لم يكن عند غيره، فقال تعالي: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، قلنا: إن (قل) جواب الشرط. (وتعالوا) فعل أمر مبني علي حذف النون، والواو فاعل. وفيه إشكال؛ لأن (تعالوا) جمع و (من حاجك) مفرد فكيف صحَّ أن يكون الجمع عائدًا علي مفرد؟ الجواب: أن الأسماء الموصولة وأسماء الشرط المشتركة التي تصلح للمفرد وغيره يجوز في العائد إليها أن يعود إليها باعتبار اللفظ، وأن يعود إليها باعتبار المعني، فإن عاد إليها باعتبار اللفظ صار مفردًا، وباعتبار المعني صار جمعًا، ولا فرق بين أن يكون هذا الجائز في كلام واحد أو في كلامين، قال تعالي: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق: ١١]. ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾. كيف قال: ندع، ولم يقل: أدع؟ نعم لم يقل ذلك لأنهم إذا جاءوا معه صاروا جماعة. ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾. هذه الآية كما ترون بصيغة الجمع ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ والرسول واحد ﵊ ﴿وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ هم جماعة لا بأس ﴿وَنِسَاءَنَا﴾، الرسول واحد ولم يقل: نسائي ﴿وَنِسَاءَكُمْ﴾ جماعة واضح. ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ الرسول واحد وهم عدة أنفس؟ اختلف المفسرون في ذلك، فقال بعض المفسرين: المراد بقوله: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾، المراد بنسائنا فاطمة بنت الرسول ﷺ ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾ المراد بالأنفس علي بن أبي طالب، فيكون العدد أربعة

стр. 355

﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة، ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾ علي بن أبي طالب، أما هؤلاء النفر الوافدون فليس معهم نساء وليس معهم أولاد، كلهم رجال بالغون عاقلون، إما أربعة عشر أو اثنان، المهم أنهم رجال ليس معهم أحد. وقال بعض أهل العلم: المراد ندع نحن المسلمين أبناءنا، يعني أبناء المسلمين، يعني ننتخب طائفة منا تأتي هي وأبناؤها ونساؤها وأنتم كذلك تنتخبون جماعة يأتون بأبنائهم ونسائهم وأنفسهم نجتمع ونبتهل. وهذا القول لا شك أنه موافق تمامًا لظاهر الآية؛ لأن الآية بصيغة الجمع، والعادة جرت بأن التباهل وكذلك التفاخر وغيره يكون بين جماعات. وقد ذهب إلي هذا محمد رشيد رضا في "تفسيره" وهو لا شك تفسير مطابق لظاهر الآية تمامًا، لكن أكثر المفسرين يختارون القول الأول أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ونسائنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب؛ لحديث ورد في ذلك، والمسألة لا توافق ظاهر الآية، يعني هذا القول لا يوافق ظاهر الآية، أولًا: أن أبناء جمع ونساء جمع، وإذا قلنا: الحسن والحسين صار اثنين، ابنان لجمع أو لواحد؟ لواحد، أيضًا النساء لم يرد في اللغة العربية أن المراد بالنساء: البنات، المراد بالنساء في اللغة العربية الزوجات، وأيضًا أنفسنا كيف يعبر الرسول ﵊ عن علي بن أبي طالب بنفسه ولا يعبر عن الحسن والحسين بنفسه، أيهما أقرب؟ الحسن والحسين حتى إن الحسن سماه الرسول ابنه فقال: "إن ابني هذا سيد" (١) ولهذا ظاهر الآية لا يطابق هذا التفسير، وقد زعم محمد رشيد رضا أن تفسيرها
следующие страницы →